أن يغضب لجيرانه وسألته بعد ذلك لما ولي: عم قبل من بيعتهم؟ وقال وهو يحدثه عما تكلمت به الأنصار وما كلمهم به وما كلم عمر بن الخطاب الأنصار, وما ذكرهم به من إمامته إياهم بأمر رسول الله ﷺ في مرضه: فبايعوني لذلك وقبلنا منهم, وتخوفنا أن تكون فتنة تكون بعدها ردة. أخرجه أبو ذر الهروي في مستدركه على الصحيح, وعن الحسن أن أبا بكر خطب فقال: أما بعد, فإني وليت هذا الأمر وأنا كاره له, والله لوددت أن بعضكم كفانيه, خرجه في فضائله.
ذكر خطبة أبي بكر لما ولي الخلافة:
عن عروة عن أبيه قال: خطب أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد, فإني وليت أمركم ولست بخيركم, ولكنه نزل القرآن وسن النبي ﷺ السنة وعلّمنا فعلمنا, واعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقا أو قال: الهدى وأعجز العجز الفجور, وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق, أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع, فإن أنا أحسنت قولي فأعينوني وإن أنا زغت فقوموني, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم, خرجه في فضائله.
وعن قيس بن أبي حازم قال: إني جالس عند أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ بعد وفاة النبي ﷺ بشهر فذكر قصته, فنودي في الناس: إن الصلاة جامعة -وهي أول صلاة في المسلمين نودي بها: إن الصلاة جامعة- فاجتمع الناس فصعد المنبر شيئًا صنع له كان يخطب عليه, فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لوددت أن هذا الأمر كفانيه غيري, ولئن أخذتموني بسنة نبيكم لا أطيقها١ إن كان لمعصومًا من الشيطان, وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء. خرجه أحمد وخرج معناه حمزة بن الحارث, وقد تقدم في ذكر الاستقالة.
стр. 247
ذكر ما فرض له من بيت المال:
عن حميد بن هلال قال: لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله ﷺ : افرضوا لخليفة رسول الله ﷺ ما يغنيه قالوا: نعم برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما, وظهره١ إذا سافر, ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف, خرجه في الصفوة.
وعن إبراهيم بن محمد بن معبد بن عباس قال: كان رزق أبي بكر الصديق حين استخلف خمسين ومائتي دينار في السنة, وشاة في كل يوم يؤخذ منه بطنها ورأسها وأكارعها, فلم يكن يكفيه ذلك ولا عياله قالوا: وقد كان ألقى ماله في مال الله حين استخلف, قال: فخرج إلى البقيع فتصافق قال: فجاء عمر فإذا هو بنسوة جلوس فقال: ما شأنكن؟ قلن: نريد أمير المؤمنين وقال بعضهن: نريد خليفة رسول الله ﷺ يقضي بيننا, فانطلق يطلبه فوجده في السوق قال: فأخذ بيده فقال: تعال ههنا فقال: لا حاجة لي في إمارتكم, رزقتموني مالا يكفيني ولا عيالي قال: فإنا نزيدك قال أبو بكر: ثلاثمائة دينار والشاة كلها قال: أما هذا فلا, فجاء علي وهما على حالهما تلك, فلما سمع ما سأله قال: أكملها له قال: ترى ذلك؟ قال: نعم قال: فقد فعلنا فقال أبو بكر: أنتما رجلان من المهاجرين لا أدري أيرضى بها بقية المهاجرين أم لا؟ فانطلق أبو بكر فصعد المنبر واجتمع إليه الناس فقال: أيها الناس, إن رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشاة يؤخذ مني بطنها ورأسها وأكارعها, وإن عمر وعليا كملا لي ثلاثمائة دينار والشاة أفرضيتم؟ فقال المهاجرون: اللهم نعم قد رضينا فقال أعرابي من جانب المسجد: لا والله ما رضينا فأين حق أهل البادية؟ فقال أبو بكر: إذا رضي المهاجرون شيئًا فإنما أنتم تبع. خرجه أبو حذيفة إسحاق بن بشر في فتوح الشام وقد سبق طرف من ذلك في ذكر تواضعه في فصل فضائله, وذكر ابن النجار في كتاب أخبار المدينة أنهم
стр. 248
فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم.
وقد جاء عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي, وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال, ويحترف للمسلمين فيه. خرجه البخاري وظاهره يدل على أنه كان يتجر في ماله عوضًا عما يأكل, إلا أنه لا يلائم قوله: وشغلت بأمر المسلمين سواء كان بماله أو بمالهم ولا يقال: إنه من أمر المسلمين فيدخل تحت عموم الشغل بأمر المسلمين, فإن الشغل الذي أقيم له غيره هذا وأهم منه, ولعله والله أعلم يريد بالاحتراف الاشتغال بحفظه وتأدية الحقوق فيه ومنه, وتحصيله من وجوهه, فأطلق عليه احترافًا توسعًا وإن كان المتعارف في الاحتراف غير هذا.
ذكر ما روي من قول أبيه أبي قحافة عند بلوغه خبر ولايته:
عن سعيد بن المسيب قال: لما قبض رسول الله ﷺ ارتجت مكة فسمع بذلك أبو قحافة فقال: ما هذا؟ قالوا: قبض رسول الله ﷺ قال: أمر جلل من ولي بعده؟ قالوا: ابنك قال: فهل رضي بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم قال: لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله, خرجه أبو عمر.
"شرح" ارتجت: اضطربت, والجلل: الأمر العظيم, قال الشاعر:
قومي همو قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوه لأعفون جللًا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
والجلل أيضًا: الهين الحقير وهو من الأضداد, هكذا ذكره الجوهري قال: والجلال -بالضم: العظيم لا غير, والجلالة: الناقة العظيمة وقال الخليل: يقال: أمر جلل بالضم للعظيم, وبفتحها للحقير.
стр. 249
الفصل الرابع عشر: في ذكر وفاته وما يتعلق بها
...
الفصل الرابع عشر: في ذكر وفاته ﵁ وما يتعلق بها
قال أهل السير: توفي أبو بكر ﵁ ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة, ذكره في الصفوة.
وقال ابن إسحاق: توفي يوم الجمعة لتسع بقين من الشهر المذكور, ذكره أبو عمر, والأول أصح لما روت عائشة قالت: لما نقل أبو بكر قال: أي يوم هذا؟ قلنا: يوم الاثنين قال: فأي يوم قبض فيه رسول الله ﷺ ؟ قلنا: يوم الاثنين قال: فإني أرجو فيما بيني وبين الليل قالت: وكان عليه ثوب فيه ردغ من مشق فقال: إذا أنا مت فاغسلوا لي ثوبي هذا, وضموا إليه ثوبين جديدين, وكفنوني في ثلاثة أثواب فقلنا: أفلا نجعلها جدادًا كلها؟ قال: نعم, إنما هو للمهلة قال: فمات ليلة الثلاثاء. خرجه البخاري وأحمد.
وفي رواية: أنها قالت قال أبي: في كم كفنتم رسول الله ﷺ ؟ قلنا: في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة, فنظر إلى ثوب كان تحته يمرض فيه, وفيه ردغ من زعفران أو مشق فقال: اغسلوا هذا ثم زيدوا عليه ثوبين, ثم ذكرت باقي الحديث.
وفي رواية: في كم كفن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: في ثلاثة أثواب قال: فكفنوني في ثلاثة أثواب, ثوبي هذا مع ثوبين آخرين, ثم ذكرت باقي الحديث, وقالت فيه: إنه قال: الحي أولى بالجديد وإنما هو للمهلة. وعن القاسم بن محمد قال: كفن أبو بكر في ريطة بيضاء وريطة ممصرة, خرجه ابن الضحاك.
"شرح" الردغ: اللطخ, والمشق -بكسر الميم: المغرة, والمهلة: الصديد والقيح, وهكذا جاء في هذه الرواية المهلة, ورأيتها مضبوطة في بعض نسخ الهروي بالضم وقال: وبعضهم بكسرها ولم يذكر الجوهري هذه اللفظة.
وحكى بعض المؤلفين فيها الفتح قال: وبعضهم يكسرها.
وقد جاء في بعض الطرق: وإنما هو للمهل وهو بالضم لا غير, والمراد به هنا الصديد والقيح وهو اسم مشترك يطلق أيضا على النحاس المذاب ودردي الزيت, قاله الجوهري.
стр. 250
ولما مات ﵁ غسلته أسماء بنت عميس زوجته بوصية منه, وصب عليها الماء ابنه عبد الرحمن.
ولما كفن حمل على السرير الذي كان ينام عليه النبي ﷺ وهو سرير عائشة, من خشبتي صاج منسوج بالليف, وبيع في ميراث عائشة فاشتراه رجل من موالي معاوية بأربعة آلاف درهم فجعله للناس.
قال أبو محمد وهو بالمدينة: وصلى عليه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله ﷺ تجاه المنبر وكبر أربعًا, وعن سعيد بن المسيب وقد سئل: أين صلي على أبي بكر؟ قال: بين القبر والمنبر, قيل: من صلى عليه؟ قال: عمر بن الخطاب قيل: كم كبر عليه؟ قال: أربعًا, ودفن إلى جنب قبر رسول الله ﷺ وألصقوا لحده بلحده, ونزل في قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن أبي بكر ودفن ليلًا في بيت عائشة مع النبي ﷺ . ذكره أبو عمر وصاحب الصفوة وابن النجار وغيرهم, وذكر ابن النجار أن آخر ما تكلم به أبو بكر: رب توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين.
ذكر سبب موته:
عن ابن عمر قال: كان سبب وفاة أبي بكر كمد ما زال يذبل حتى مات, ذكره في الصفوة والكمد: الحزن المكتوم, تقول منه: كمد يكمد فهو كمد وكميد, وعن الزبير بن بكار أنه كان به طرف من السل, ذكره أبو عمر, ويشبه أن يكون ذبول الكمد ظن سلا أو تعلق به السل منه.
وعن عائشة قالت: كان أول مرضه أن اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى الصلاة, وكان يأمر عمر بن الخطاب يصلي بالناس, فدخل الناس عليه يعودونه وهو يثقل كل يوم يقول: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ١ خرجه الفضائلي وصاحب الفضائل
стр. 251
وصاحب الدرة الثمينة في أخبار المدينة, وعن ابن شهاب قال: كان أبو بكر والحارث بن كلدة يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول الله ﷺ إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد, فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة, خرجه في الصفوة والفضائل, وخرج صاحب الدرة الثمينة في أخبار المدينة وزاد: فمرض خمسة عشر يومًا فقال: قد رآني قالوا: فما قال لك؟ قال: إني أفعل ما أشاء, وقيل: إن اليهود سمت له في إرزة.
ذكر تركه التطبب تسليمًا لأمر الله تعالى:
عن أبي السفر قال: مرض أبو بكر فعاده الناس فقالوا: ألا ندعو لك طبيبًا ينظر إليك؟ قال: قد نظر إلي, قالوا: وما قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد, خرجه الواقدي وأبو عمر وصاحب الصفوة والرازي.
ذكر عهده إلى عمر, ووصيته له:
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ساباط قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة, دعا عمر فقال: اتق الله يا عمر, واعلم أن لله عملًا بالنهار لا يقبله بالليل وعملًا بالليل لا يقبله بالنهار, وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة, وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان لا يكون فيه إلا الحق أن يكون ثقيلًا, وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل وحق لميزان لا يكون فيه إلا الباطل أن يكون خفيفًا.
وإن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم, فإذا ذكرتهم قلت: إني لأخاف أن لا ألحق بهم, وإن الله ذكر أهل النار وذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنها, فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغبًا راهبًا, لا يتمنى على الله
стр. 252
ولا يقنط من رحمته, فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت ولست تعجزه. خرجه في الصفوة والفضائل وخرجه الرازي عن ابن أبي نجيح, وزاد: وإن لم تحفظ وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت وقال بعد قوله أن يكون خفيفًا: وإنما جعلت آية الرجاء مع آية الشدة لكي يكون المؤمن راغبًا راهبًا, وإذا ذكرت أهل الجنة قلت: لست منهم وإذا ذكرت أهل النار قلت: لست منهم, وذلك أن الله ذكر أهل الجنة وذكرهم بأحسن أعمالهم, وذكر أهل النار وذكرهم بأسوأ أعمالهم, وقد كانت لهؤلاء سيئات ولكن الله تجاوز عنها وقد كانت لهؤلاء حسنات ولكن الله أحبطها.
وعن محمد بن سعد بإسناده أن جماعة من الصحابة دخلوا على أبي بكر لما عزم على استخلاف عمر فقال له قائلون منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا, وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني, أبالله تخوفونني خاب من تزود من أمركم بظلم, أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك, أبلغ عني ما قلت لك من وراءك, ثم اضطجع وجاء عثمان بن عفان وقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها, حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب: إني استخلفت بعدي عمر بن الخطاب, فاسمعوا وأطيعوا فإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم إلا خيرًا, فإن عدل فذاك الظن به وعلمي فيه, وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت, ولا علم لي بالغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعن عائشة قالت: دخل ناس على أبي بكر فقالوا: تولي علينا عمر وأنت ذاهب إلى ربك, فماذا تقول له؟ قال: أجلسوني أجلسوني أقول: وليت عليهم خيرهم, خرجه أبو معاوية.
стр. 253
ذكر وصيته من يغسله؟ وأين يدفن؟ وبأن يسرع في دفنه:
عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس فغسلته, خرجه أبو عمر وصاحب الصفوة, وخرجه في الفضائل وزاد: وهي صائمة, ولا تصح هذه الزيادة على المشهور؛ لأن الصوم إنما يكون نهارًا والأصح أنه مات ليلًا ودفن ليلًا, وإن كان قد قيل: إنه مات نهارًا ودفن في آخر نهاره, لكن الأول أشهر.
وعن عائشة أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين قال: فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي الغد؛ فإن أحب الأيام والليالي إلي أقربها من رسول الله ﷺ . خرجه أحمد, وخرج في الصفوة: أنه أوصى أن يدفن إلى جانب رسول الله ﷺ بين القبر والمنبر.
وعن أسماء بنت عميس قالت: إن أبا بكر عهد إلي: إن فلانًا منافق, فلا ينزل في قبري. خرجه ابن الضحاك.
ذكر قدر سنه يوم مات ﵁:
اختلف في ذلك, وأشهر الأقوال وأكثرها أنه توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة, وأنه استوفى بمدة خلافته بعد رسول الله ﷺ سن رسول الله ﷺ وقد تقدم في آخر ذكر هجرته ما يدل على خلاف ذلك وهذا أصح, وكان مولده بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أيامًا, ذكره الطائي في الأربعين, وكانت مدة خلافته من ذلك سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليالٍ, وقيل: وثلاثة أشهر وسبع ليالٍ.
وقال ابن إسحاق: توفي أبو بكر على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من متوفى رسول الله ﷺ وقال غيره: وعشرة أيام وقيل: وعشرين يومًا, ذكره أبو عمر وغيره.
стр. 254
ذكر قول أبيه أبي قحافة لما بلغه خبر وفاته:
حكى ابن النجار في أخبار المدينة أن أبا قحافة حين توفي أبو بكر كان حيًّا بمكة, نعي إليه قال: رزء جليل, وعاش بعده ستة أشهر وأيامًا وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة بمكة وهو بسبع وتسعين سنة.
ذكر ثناء علي ﵁ عليه عند وفاته:
عن أسيد بن صفوان وكان قد أدرك النبي ﷺ قال: لما قبض أبو بكر فسجي عليه وارتجت المدينة بالبكاء عليه كيوم قبض رسول الله ﷺ فجاء علي مسترجعًا وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر وهو مسجى فقال: يرحمك الله يا أبا بكر, كنت إلف رسول الله ﷺ وأنسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته, كنت أول القوم إسلامًا وأخلصهم إيمانًا وأشدهم يقينًا, وأخوفهم لله وأعظمهم غناء١ في دين الله وأحوطهم على رسول الله ﷺ وأحدبهم على الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق, وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة وأشبههم برسول الله ﷺ هديًا وسمتًا ورحمة وفضلًا, وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده, فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيرًا, كنت عنده بمنزلة السمع والبصر, صدقت رسول الله ﷺ حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقًا, فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الذي جاء بالصدق محمد ﷺ وصدق به أبو بكر, واسيته حين بخلوا وقمت به عند المكاره حين عنه قعدوا, وصحبته في الشدة أكرم الصحبة ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة, ورفيقه في الهجرة, وخلفته في دين الله وأمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس, وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي, فنهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا, ولزمت منهاج رسول الله ﷺ إذ هموا
стр. 255
كنت خليفة حقا لم تنازع ولم تصدع برغم المنافقين وكبت الكافرين وكره الحاسدين وغيظ الباغين, وقمت بالأمر حين فشلوا وثبت حين تتعتعوا ومضيت بنور الله إذ وقفوا, فاتبعوك فهدوا, وكنت أخفضهم صوتًا وأعلاهم فوقًا وأمثلهم كلامًا وأصوبهم منطقًا وأطولهم صمتًا وأبلغهم قولًا وأشجعهم نفسًا وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملًا, كنت والله للدين يعسوبًا ولا حين نفر عنه الناس وآخرا حين أقبلوا, كنت للمؤمنين أبًا رحيمًا حين صاروا عليك عيالًا فحملت أثقال ما ضعفوا ورعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا, وعلمت ما جهلوا, شمرت إذ خفضوا وصبرت إذ جزعوا, فأدركت أوتار ما طلبوا وراجعوا رشدهم برأيك, فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا, كنت على الكافرين عذابا صبا ولهبا وللمؤمنين رحمة وإنسًا وحصنًا فطرت والله بغنائها وفزت بحبائها وذهبت بفضائلها وأدركت سوابقها, لم تفلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك, ولم يرع قلبك ولم يخر, كنت كالجبل الذي لا تحركه القواصف ولا تزيله العواصف وكنت كما قال رسول الله ﷺ أمنّ الناس علينا في صحبتك وذات يدك وكنت كما قال ضعيفًا في بدنك قويًّا في أمر الله, متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله, جليلًا في أعين الناس كبيرًا في أنفسهم, لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا لأحد فيك مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة, الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه والقوي عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق, القريب والبعيد عندك في ذلك سواء, أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له, شأنك الحق والصدق والرفق, قولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم, ورأيك علم وعزم, فأقلعت وقد نهج السبيل وسهل العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي بك الإيمان, وثبت الإسلام والمسلمون, وظهر أمر الله ولو كره الكافرون, فسبقت والله سبقًا بعيدًا وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا, وفزت بالخير فوزًا مبينًا, فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدت مصيبتك الأنام, فإنا لله وإنا إليه راجعون, رضينا عن الله قضاءه
стр. 256
وسلمنا له أمره, فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمثلك أبدًا, كنت للدين عزًّا وحرزًا وكهفًا وللمؤمنين فئة وحصنًا وغيثًا, وعلى المنافقين غلظة وغيظًا, فألحقك الله بنبيك ﷺ ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك, فإنا لله وإنا إليه راجعون قال: وسكت الناس حتى انقضى كلامه ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله ﷺ خرجه ابن السمان في كتاب الموافقة, وخرج الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي من أوله إلى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ محمد ﷺ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أبو بكر.
"شرح" الغناء بالفتح والمد: النفع, وبالكسر والمد من السماع, وبالكسر مقصور اليسار, الهدي: السيرة تقول: هدي فلان أي: سار سيرته وما أحسن هديه وهديته أي: سيرته والجمع: هدي كتمرة وتمر والسمت: هيئة أهل الخير تقول: ما أحسن سمته أي: هديه, والسمت الطريق, وسمت يسمت بالضم أي: قصد.
ووهن: ضعف, استكانوا: خضعوا, يصدع: يفل أمرك من الصدع الشق, برغم المنافقين أي: غضبهم وإهانتهم وأرغم الله أنفه أي: ألصقه بالرغام وهو التراب, وكبت الكافرين: إذلالهم, فشلوا: جبنوا, فوقًا قيد في بعض النسخ بضم الفاء وهو موضع الوتر من السهم وهو القرص الذي يكون في رأسه, هذا أصله ثم استعير هنا لعظم الشأن, وفي بعضها بالفتح وهو أقرب إلى معنى العلو؛ لأنه ضد التحت, ومنه قولهم: فلان يفوق قومه في الخير أي: يعلوهم, اليعسوب: ملكة النحل ومنه قيل للسيد: يعسوب قومه, وقوله للدين أي: لأهل الدين, خفضوا أي: وضعوا, أي: إنه شمر إذا وضع الناس, وفي بعض النسخ خنعوا أي: ضرعوا وذلوا, صبا مصدر: صب صبا وهذا وصف بالمصدر نحو: عدل ورضا.
وقوله: فأدركت أوتار ما طلبوا.
وقوله: ولم تحر أي: ترجع تقول: حار يحور حورًا أي: رجع, والهوادة:
стр. 257
المحاباة والرخصة.
ومنه الحديث الآخر: "لا تأخذه في الله هوادة" أي: لا يسكن عند وجوب حد لله تعالى ولا يرخص فيه ولا يحابي, نهج السبيل هكذا قيد ثلاثيا على إسناد الفعل إلى السبيل, وقيده الجوهري رباعيا فقال: أنهج الطريق: إذا استبان وصار نهجًا واضحًا, ونهجت الطريق: بينته ونهجته أيضًا: سلكته, حكاه الجوهري الفئة: الطائفة فكأنه كالظهر للمسلمين.
ذكر ثناء عائشة على أبيها, وقد مرت على قبره:
عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها مرت على قبر أبيها فقالت: نضَّر الله وجهك وشكر لك صالح أمرك, فلقد كنت للدنيا مذلا بإعراضك عنها وللآخرة معزا بإقبالك عليها, ولئن كان أجل بعد رسول الله ﷺ رزؤك وأعظمها فقدك, إن كتاب الله ليعد بالعزاء عنك حسن العوض منك, فأنا أنتجز من الله موعده فيك بالصبر عليك وأستعيضه منك بالدعاء لك, فإنا لله وإنا إليه راجعون وعليك السلام ورحمة الله, توديع غير قالية لحياتك ولا زارية على القضاء فيك, خرجه ابن المثنى في معجمه.
стр. 258
الفصل الخامس عشر: في ذكر ولده
وهذا الذكر وإن كان ليس من لوازم ذكر المناقب إلا أنه مما يتشوف إليه عند ذكر النسب, وقد تقدم التنبيه عليه في الفصل الأول على أنه لا يخلو من إثبات الفضيلة, فإن شرف الأبناء منقبة للآباء كعكسه, ولم تزل العرب تتمدح بمفاخر آبائهم فلا يبعد في الأبناء مثله, والله أعلم.
وكان له من الولد ستة, ثلاثة بنين وثلاث بنات, أما البنون فعبد الله وهو أكبر ولده الذكور أمه قتيلة, ويقال: قتلة دون تصغير, من بني عامر بن لؤي, شهد فتح مكة وحنينًا والطائف مع النبي ﷺ مسلمًا, وخرج بالطائف وبقي إلى خلافة أبيه, ومات فيها فترك سبعة دنانير فاستكثرها أبو بكر ولا
стр. 259
عقب له.
وعبد الرحمن يكنى أبا عبد الله, أسلم في هدنة الحديبية وهاجر إلى المدينة, وكتب للنبي ﷺ وكان من الشجعان, له مواقف في الجاهلية والإسلام مشهورة, وأبلى في فتوح الشام بلاء حسنًا, وقد كان ممن شهد بدرًا مع المشركين ثم من الله تعالى عليه بما من به على أمه أم رومان بنت الحارث, من بني فراس بن غنم بن كنانة أسلمت وهاجرت, مات فجأة سنة ثلاث وخمسين بجبل قرب مكة, فأدخلته أخته عائشة الحرم ودفنته وأعفت عنه, وكان شهد الجمل معها وله عقب.
وقد تقدم في فصل الخصائص ما ثبت به لبيت أبي بكر من الشرف, برؤية ولد عبد الرحمن بن عتيق محمد بن عبد الرحمن النبي ﷺ وأنه لم يوجد في بيت من بيوت أحد من الصحابة أربعة كلهم رأوا النبي ﷺ بعضهم ولد بعض إلا في بيت أبي بكر, وكذلك ثبت هذا في ولد أسماء وزاد بالرواية وسيأتي بيانه والله أعلم.
ومحمد بن أبي بكر ويكنى أبا القاسم, وكان من نساك قريش, أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وكانت من المهاجرات الأول, وكانت تحت جعفر بن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة.
ولما استشهد جعفر بمؤتة من أرض الشام, تزوجها بعده أبو بكر فولدت له محمدًا هذا بذي الحليفة لخمس ليال بقين من ذي القعدة, وهي شاخصة إلى الحج مع النبي ﷺ هي وأبو بكر فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل وترجل ثم تهل بالحج, وتصنع ما يصنع الحاج إلا أنها لا تطوف بالبيت, فكانت سببًا لحكم شرعي إلى قيام الساعة, وزكاها النبي ﷺ وبرأها من الفحشاء على ما تقدم في ذكر غيرة أبي بكر من فصل فضائله, ولما توفي أبو بكر عنها تزوجها علي بن أبي طالب فنشأ محمد بن أبي بكر في حجر علي بن أبي طالب, وكان على رجالته يوم الجمل وشهد معه صفين، وولاه عثمان في
стр. 260
أيامه مصر وكتب له العهد, ثم اتفق مقتله قبل وصوله إليها على ما سيأتي بيانه في باب عثمان, وولاه أيضًا على مصر بعد مرجعه من صفين فوقع بينه وبين عمرو بن العاص حرب فهزم محمد بن أبي بكر وقتل, وأكثر المؤرخين على أنه أحرق في جوف حمار ميت يقال: كان ذلك قتله, وقيل: بل بعد القتل.
وأما البنات فعائشة أم المؤمنين شقيقة عبد الرحمن, تزوجها رسول الله ﷺ فثبت لأبي بكر بذلك أشرف الشرف فكانت إحدى أمهات المؤمنين, وحظوتها عنده وشرف منزلتها وعظم مزيتها على سائر نسائه مشهور حتى بلغ ذلك منه أن قيل: من أحب الناس إليك يا رسول الله؟ قال: "عائشة" فقيل: من الرجال؟ قال: "أبوها" فكانت أحب الناس إليه مطلقًا بنت أحب الناس إليه من الرجال, وكيفية تزويجها سيأتي في مناقبها إن شاء الله تعالى.
وأسماء بنت أبي بكر شقيقة عبد الله وهي أكبر بناته, وهي ذات النطاقين وقد تقدم سبب تسميتها بذلك الاسم في فصل هجرة أبي بكر, تزوجها الزبير بمكة وولدت له عدة أولاد, ثم طلقها فكانت مع ولدها عبد الله بمكة حتى قتل وعاشت بعده, وكانت من المعمرين بلغ عمرها مائة سنة وعميت وماتت بمكة, وقد تقدم في فصل الخصائص ما ثبت برؤية ولدها رسول الله ﷺ وروايته عنه لبيت أبي بكر من الشرف بوجود أربعة فيه, بعضهم ولد بعض رأوا رسول الله ﷺ ورووا عنه.
وأم كلثوم وهي أصغر بناته, وهي التي قال أبو بكر فيها: ذو بطن بنت خارجة, وقد تقدم ذلك في ذكر فراسته من فصل فضائله, أمها حبيبة بنت خارجة بن زيد, كان أبو بكر قد نزل عليه وتزوج ابنته وتوفي عنها وتركها حبلى فولدت بعده أم كلثوم هذه, ولما كبرت خطبها عمر بن الخطاب إلى عائشة فأنعمت له وكرهت أم كلثوم, فاحتالت له حتى أمسك
стр. 261
عنها وتزوجها طلحة بن عبيد الله. وذكره ابن قتيبة وغيره وجميع ما ذكرناه في هذا الفصل من كتاب المعارف, ومن كتاب الصفوة لأبي الفرج بن الجوزي, ومن الاستيعاب لأبي عمر بن عبد البر, ومن كتاب فضائل أبي بكر, كل منهم خرج طائفة والله أعلم.
تم الجزء الأول, ويليه الجزء الثاني في مناقب أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 262
المجلد الثاني
تابع القسم الثاني: في مناقب الأفراد
الباب الثاني: في مناقب أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁
الفصل الأول: في نسبه أصلًا وفرعًا
...
الباب الثاني: في مناقب أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁
وفيه اثنا عشر فصلًا:
الأول في نسبه, الثاني في اسمه وكنيته, الثالث في صفته, الرابع في إسلامه, الخامس في هجرته, السادس في خصائصه, السابع في أفضليته, الثامن في الشهادة له بالجنة, التاسع في ذكر فضائله, العاشر في خلافته, الحادى عشر في وفاته, الثاني عشر في ولده.
الفصل الأول: في نسبه أصلًا وفرعًا
وقد تقدم في ذكر الشجرة في أنساب العشرة ذكر آبائه: أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقالت طائفة: بنت هشام بن المغيرة, ومن قال ذلك فقد أخطأ, ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام والحارث بن هشام، وليس كذلك، وإنما هي بنت هاشم وهاشم وهشام أخوان، وهاشم جد عمر أبو أمه، وهشام أبو الحارث وأبي جهل ابني هشام بن المغيرة, وكان له من الولد ثلاثة عشر وأسلموا كلهم, وتفاصيل أحوالهم وذكر أسمائهم سيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
стр. 263
الفصل الثاني: في اسمه وكنيته
لم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام عمر, وكناه رسول الله ﷺ أبا حفص وكان ذلك يوم بدر، وذكره ابن إسحاق وسماه رسول الله ﷺ الفاروق.
عن ابن عباس قال: سألت عمر: لأي شيء سميت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ثم شرح الله صدري للإسلام, فقلت: الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نسمة هي أحب إلي من نسمة رسول الله ﷺ ، فقلت: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت أختي: هو في دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا، فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوسا في الدار ورسول الله ﷺ في البيت فضربت الباب فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب قال: فخرج رسول الله ﷺ فأخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة, فما تمالك أن وقع على ركبتيه، فقال: "ما أنت بمنتهٍ يا عمر؟ " قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أنك محمدًا١ عبده ورسوله، قال: فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قال: فقلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: "بلى, والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم" قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن, فأخرجناه ﷺ في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر ولي كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إلي قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق، فرق الله بي بين الحق والباطل، خرجه صاحب الصفوة والرازي.
وعن الشعبي أن رجلًا من المنافقين ويهوديًّا اختصما فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد بن عبد الله، وقال المنافق: إلى كعب بن الأشرف فأبى
стр. 264
اليهودي وأتى النبي ﷺ فقضى لليهودي، فلما خرج قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب فأقبلا إليه فقصا عليه القصة فقال: رويدًا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت واشتمل على السيف ثم خرج وضرب عنق المنافق, وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء النبي ﷺ فنزل جبريل فقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل, فسمي الفاروق. خرجه الواحدي وأبو الفرج.
وعن النزال بن سبرة قال: وافقنا من علي يومًا أطيب نفسًا ومزاجًا فقلنا: يا أمير المؤمنين حدثنا عن عمر بن الخطاب قال: ذاك امرؤ سماه الله الفاروق, فرق به بين الحق والباطل. خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "بينا أنا جالس في مسجدي أتحدث مع جبريل, إذ دخل عمر بن الخطاب فقال: أليس هذا أخاك عمر بن الخطاب؟ فقلت: بلى يا أخي، أله اسم في السماء كما له اسم في الأرض? فقال: والذي بعثك بالحق, إن اسمه في السماء أشهر من اسمه في الأرض, اسمه في السماء فاروق وفي الأرض عمر". خرجه في الفضائل.
وعنه عن رسول الله ﷺ أنه ذكر موقفه يوم القيامة وموقف أبي بكر قال: "ثم ينادي منادٍ: أين الفاروق عمر? فيؤتى به فيقول الله تعالى: مرحبًا يا أبا حفص، هذا كتابك فإن شئت فاقرأه وإن شئت فلا, فقد غفرت لك" خرجه في الفضائل. وقد روي أن اسمه في السماء فاروق, وفي الإنجيل كافٍ، وفي التوراة منطق الحق، وفي الجنة سراج، وسيأتي في غضون الأحاديث.
وعن عبد الله بن عمرو قال: الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه, خرجه الضحاك.
стр. 265
الفصل الثالث: في صفته
قال ابن قتيبة: الكوفيون يروون أنه آدم شديد الأدمة، وأهل الحجاز يروون أنه أبيض أمهق وهو الذي يشبه لونه لون الجص, لا يكون له دم ظاهر, وكان طوالًا أصلع أجلح شديد حمرة العينين خفيف العارضين، قاله صاحب الصفوة. وقال أبو عمر: كان كث اللحية أعسر يسرًا, وذكر في لونه رواية الكوفيين قال: وهكذا وصفه ذر بن حبيش وغيره, وعليه الأكثر قال: كان عمر طويلًا جسيمًا أصلع شديد الصلع, أبيض شديد حمرة العينين, في عارضيه خفة, سبالته كثيرة الشعر أطرافها صهبة، قال: والأول أصح وأشهر.
وعن سماك بن حرب قال: كان عمر بن الخطاب أروح كأنه راكب والناس يمشون كأنه من رجال سدوس, خرجه الحافظ السلفي, قال: والأروح: هو الذي تدانى قدماه إذا مشى، وقال الجوهري: هو الذي تتباعد صدور قدميه وتتدانى عقباه وكل نعامة روحاء، وكان ﵁ يخضب بالحناء والكتم.
وخرج القاضي أبو بكر بن الضحاك عن ابن عمر أن عمر كان لا يغير شيبه فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا تغير وقد كان أبو بكر يغير؟ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شاب شيبة في الإسلام كانت نورًا يوم القيامة" وما أنا بمغير. وعنه وقد عرضت عليه مولدة له أن يصبغ لحيته فقال: ما أريد أن أطفئ نوري كما أطفأ فلان نوره, والأول هو الصحيح.
"شرح" الآدم من الناس: الأسمر والجمع أدمان, والأدمة -بضم الهمزة وإسكان الدال: السمرة, والأمهق ما ذكره في الحديث, والأصلع: هو الذي انحسر شعر مقدم رأسه ويقال لموضع الصلع: صلعة بالتحريك وصلعة بضم الصاد وإسكان اللام, والأجلح هو الذي انحسر الشعر عن جانبي رأسه فوق الأنزع، فأوله النزع ثم الصلع، وقد جلح الرجل بالكسر فهو أجلح بين الجلح, واسم ذلك الموضع الجلحة بالتحريك,
стр. 266
وأعسر يسرًا: هو الذي يعتمد بيديه جميعًا, ويقال له: الأضبط، وكان ﵁ من رؤساء قريش وأشرافهم وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وهي أن قريشًا كانت إذا وقع بينهم حرب بعثوه سفيرًا, وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه مفاخرًا.
وقد تقدم من صفاته المعنوية في ثناء ابن عباس في باب الأربعة وثناء علي في باب الشيخين طرف، وسيأتي في باب فضائله الكثير منها إن شاء الله تعالى.
стр. 267
الفصل الرابع: في إسلامه
ذكر بدء إسلامه: قال ابن إسحاق: كان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة، وعن عمر بن الخطاب قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة, فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ١ قال: قلت: كاهن, قال: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١ قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع. خرجه أحمد وطريق آخر عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلدًا السيف فلقيه رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد يا عمر? فقال: أريد أن أقتل محمدًا قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدًا? فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي أنت عليه قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر? إن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين
стр. 268
يقال له: خباب، فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ قال: وكانوا يقرءون طه، فقالا: ما عدا حديثًا تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما? فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك? فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديدًا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمي وجهها، قالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك أتشهد أن لا إله إلا الله وأتشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله؟ فلما تبين عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه, وكان عمر يقرأ الكتب فقالت أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ, فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ "طه" حتى أتى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ١ فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر, فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ ليلة الخميس: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام" قال: ورسول الله ﷺ في الدار التي في صل الصفا، فانطلق عمر حتى أتى الدار قال: وعلى الباب حمزة وطلحة وناس من أصحاب رسول الله ﷺ فلما رأى حمزة وجل القوم من عمر قال حمزة: نعم فهذا عمر، وإن يرد الله بعمر خيرًا يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينًا, قال: والنبي ﷺ داخل يوحى إليه، فخرج رسول الله ﷺ حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه فقال: "أما أنت منتهٍ يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة? اللهم اهد عمر بن الخطاب، اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب". فقال عمر: أشهد أنك رسول الله فأسلم عمر وقال: اخرج يا رسول الله، خرجه في الصفوة.
"شرح" الهيمنة: الصوت الخفي, والوجل: الخوف, وحمائل
стр. 269
السيف: جمع حمالة بالكسر وهي علاقته، هذا قول الأصمعي، وقال الخليل: لا واحد لها من لفظها وإنما واحدها محمل بزنة مرحل، وهو السير الذي يتقلده المتقلد, والخزي: الذل والهوان, والنكال: ما نكل به، يقال: نكل الله به تنكيلًا, إذا نزل به ما يكون نكالًا وعبرة لغيره، ومنه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ الآية.
طريق آخر, عن أسامة بن زيد عن أبيه عن جده قال: قال عمر: أتحبون أن أخبركم كيف كان إسلامي? قال: قلنا نعم! قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في يوم حار شديد الحر في الهاجرة في بعض طرق مكة إذ لقيني رجل من قريش فقال: أين تريد في هذه الساعة يابن الخطاب? قال: قلت: أريد هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي, فقال لي: عجبًا لك يابن الخطاب, إنك تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك! قال: قلت: وما ذاك? فقال: أختك قال: فرجعت مغضبًا وكان رسول الله ﷺ قد ضم إلى زوج أختي رجلين من المسلمين يعينانه ويصيبان من فضل طعامه, فقرعت الباب فقيل: من هذا? فقلت: ابن الخطاب قال: وكانوا يقرءون كتابًا في أيديهم، فقاموا مبادرين واختبئوا مني وتركوا الصحيفة على حالها، فلما فتحت لي أختي قلت لها: يا عدوة نفسها أصبوت? وأرفع شيئًا في يدي فأضرب به رأسها وسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: ما كنت فاعلًا فافعله فقد صبوت، قال: فدخلت وأنا مغضب حتى جلست على السرير فنظرت فإذا صحيفة في وسط البيت، قال: فقلت لها: ما هذه الصحيفة؟ فأعطنيها، قالت: إنك لست من أهلها، إنك لا تغتسل من الجنابة ولا تطهر وهذا لا يمسه إلا المطهرون، قال: فلم أزل بها حتى أعطتنيها، قال: فأخذتها ففتحتها فإذا فيها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فلما قرأت: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ذعرت وألقيت الصحيفة من يدي ثم رجعت إلى نفسي فأخذتها, فإذا فيها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
стр. 270
الْحَكِيم﴾ ١ قال: فكلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت، ثم ترجع إلي نفسي قال: حتى بلغت: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ٢ قال: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
قال: فخرج القوم مستبشرين فكبروا وقالوا: أبشر يابن الخطاب، فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين فقال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: أبي جهل بن هشام، وإما عمر بن الخطاب" وإنا نرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك فأبشر، قال: فقلت: دلوني على مكان رسول الله ﷺ قال: فأخبروني أنه في بيت في أسفل الصفا، قال: فخرجت حتى جئت الباب فقرعته فقالوا: من هذا? قال: قلت: ابن الخطاب قال: فما اجترأ أحد منهم أن يفتح لي، قد علموا شدتي على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "افتحوا له, فإن يرد الله به خيرًا يهده" قال: ففتحوا ثم أخذ رجلان بعضدي حتى أجلساني بين يدي النبي ﷺ قال: فقال: "خلوا عنه" ثم أخذ بمجمع قميصي فجذبني إليه وقال: "أسلم يابن الخطاب، اللهم اهده". قال: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: فكبر المسلمون تكبيرة حتى سمعت من مكة، وكانوا قبل ذلك مستخفين، خرجه الحافظ أبو القاسم في الأربعين الطوال.
"شرح" صبا يصبو: إذا خرج عن دينه وقد تقدم ذكر ذلك, ذعرت أي: فزعت تقول: ذعرته أذعره ذعرًا أي: فزعته والاسم الذعر بالضم, جبذني: مقلوب جذبني وكلاهما بمعنى واحد.
طريق آخر: قال ابن إسحاق: كان إسلام عمر فيما بلغنا أن أخته فاطمة أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم،
стр. 271
وكان نعيم بن النحام من قومه أسلم أيضًا وكان مستخفيًا منه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر بن الخطاب متوشحًا بسيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطًا من أصحابه، فذكر أنهم اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ورجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدًا، وذكر معنى ما بعده من حديث أنس المتقدم وقال فيه: فأخذ رسول الله ﷺ بحجزته أو بمجمع ردائه, ثم جبذه جبذة شديدة ثم قال: "ما جاء بك يابن الخطاب?" ثم ذكر معنى ما بعده إلى قوله: "فقال عمر" وقال عمر: جئت لأؤمن بالله ورسله وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد اسلم، فتفرق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة, وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ ويمتنعون وينتصفون من عدوهم.
قال ابن إسحاق: فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر, وحدثني عبد الله بن نجيح المكي عن أصحابه عن إسلام عمر أنه كان يقول: كنت للإسلام مباعدًا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالخرورة عند دور آل عمر بن عمران المخزومي قال: فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك، فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدًا، قال: فقلت: لو أني جئت فلانًا وكان بمكة يبيع الخمر, لعلي أجد عنده خمرًا فأشرب منها، قال: فخرجت فجئته فلم أجده قال: فقلت: فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعًا أو سبعين قال: فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام،
стр. 272
فكان مصلاه بين الركنين، الركن الأسود والركن اليماني. قال: فقلت حين رأيته: والله لو أني استمعت من محمد الليلة حتى أسمع ما يقول فقلت: لئن دنوت لأسمع منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت من تحت ثيابها فجعلت أمشي رويدًا ورسول الله ﷺ قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله, ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة قال: فلما سمعت القرآن رقَّ له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائمًا في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج إلى دار ابن أبي حسين وكانت طريقه، حتى تجيز على المسعى ثم يسلك من دار العباس بن عبد المطلب ومن دار ابن أزهر بن عبد عوف الزهري، ثم على دار الأخنس بن شريق حتى يدخل بيته.
وكان مسكنه ﷺ في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية بن أبي سفيان, قال عمر: فتبعته حتى إذا دخل من دار العباس ودار ابن أزهر أدركته, فلما سمع رسول الله ﷺ عرفني فظن رسول الله ﷺ أني إنما اتبعته لأؤذيه فنهمني ثم قال: "ما جاء بك يابن الخطاب هذه الساعة?" قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله, فحمد الله رسول الله ﷺ ثم قال: "قد هداك الله يا عمر" ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله ﷺ ودخل رسول الله ﷺ بيته.
ومن طريق أسامة بن زيد بعد قوله: "وكانوا قبل ذلك مستخفين" قال: ثم خرجت فكنت لا أشاء أن أرى رجلًا من المسلمين يضرب إلا رأيته، قال: ذهبت إلى خالي قال: فقرعت عليه الباب قال: فقال: من هذا? فقلت: ابن الخطاب قال: فخرج إلي فقلت له: أعلمت أني صبوت? قال: فعلت؟ قال: قلت: نعم، قال: لا تفعل، قال: قلت: بلى، قال: لا تفعل، قال: ثم دخل وأجاف الباب دوني قال: قلت: ما هذا شيء قال: فذهبت إلى رجل من أشراف قريش فقرعت عليه بابه
стр. 273
فقيل: من هذا? قلت: ابن الخطاب فخرج إلي فقلت: أشعرت أني صبوت? قال: أفعلت? قلت: نعم قال: لا تفعل, ثم دخل وأجاف الباب دوني، قلت: ما هذا شيء، قال: فقال لي رجل: أتحب أن يعلم إسلامك? قلت: نعم قال: فإذا كان الناس في الحجر جئت إلى ذلك الرجل فجلست إلى جنبه وأصغيت إليه، فقلت: أعلمت أني صبوت? قال: أوفعلت? قلت: نعم، قال: فرفع بأعلى صوته ثم قال: إن ابن الخطاب قد صبا, وثار الناس إلي فضربوني وضربتهم قال: فقال رجل: ما هذه الجماعة? قالوا: هذا ابن الخطاب قد صبا فقام على الحجر ثم أشار بكمه فقال: ألا إني قد أجرت ابن أختي، قال: فانكشف الناس عني، قال: فكنت لا أزال أرى إنسانًا يضرب ولا يضربني أحد، قال: فقلت: ألا يصيبني ما يصيب المسلمين? قال: فأمهلت حتى جلس الناس في الحجر فجئت إلى خالي وقلت: اسمع قال: ما أسمع? قلت: جوارك رد عليك، قال: لا تفعل يابن أختي، قال: فقلت: بل هو رد عليك، فقال: ما شئت فافعل؛ قال: فما زلت أضرب ويضربونني حتى أعز الله بنا الإسلام، خرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين الطوال.
وعن عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر أو بعض أهله قال: قال عمر: لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أن أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، قال: فقلت: أبو جهل وكان عمر ابنًا لحنتمة بنت هاشم بن المغيرة، قال: فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه قال: فخرج إلي أبو جهل فقال: مرحبًا وأهلًا يابن أختي ما جاء بك? قال: قلت: جئت أخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد ﷺ وصدقت بما جاء به، قال: فضرب الباب في وجهي وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به.
وعن ابن عمر قال: لما أسلم عمر لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أفشى للحديث? قال: جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه
стр. 274
وأنا معه أتبع أثره, أعقل ما أرى وأسمع، فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت، قال: فوالله ما رد علي كلمة حتى قام عامدًا إلى المسجد فنادى أندية قريش فقال: يا معشر قريش, إن ابن الخطاب قد صبا، فقال عمر: كذبت ولكني أسلمت وآمنت بالله وصدقت برسوله، فثاوروه فقاتلهم حتى ركدت الشمس على رءوسهم حتى فتر عمر، وجلس عمر فقاموا على رأسه فقال عمر: افعلوا ما بدا لكم, فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا أو تركناها لكم ... فبينما هم كذلك قيام إذ جاء رجل عليه حلة حرير وقميص قومسي فقال: ما بالكم إن ابن الخطاب قد صبا، قال: فمه, امرؤ اختار دينًا لنفسه، أتظنون أن بني عدي يسلمون إليكم صاحبهم? قال: فكأنما كانوا ثوبًا انكشف عنه، فقلت له بعد بالمدينة: يا أبت, من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ? قال: يا بني, ذاك العاص بن وائل، خرجه أبو حاتم وابن إسحاق.
وخرج القلعي طرفًا من هذه القصة وقال: قال عمر: لا نعبد سرًّا بعد اليوم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ وكان ذلك أول ما نزل من القرآن في تسمية الصحابة مؤمنين، وكان عمر عند ذلك ينصب رايته للحرب بمكة ويحاربهم على الحق، ويقول لأهل مكة: والله لو بلغت عدتنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا, أو لتركناها لكم.
"شرح" أندية: جمع نادٍ وندي وهو مجلس القوم ومتحدثهم فإن تفرقوا منه فليس بندي, وثاوروه أي: واثبوه، وأثار به الناس أي: وثبوا عليه، قاله الجوهري, ركدت الشمس على رءوسهم أي: قام قائم الظهيرة وكأنه سكن، ومنه ركدت السفينة: سكنت، وكذا الريح والماء, والحلة: إزار ورداء، ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبين.
стр. 275
ذكر ظهور الإسلام وعزه بإسلامه, وامتناع المسلمين به:
تقدم في فصل اسمه حديث ابن عباس وفيه طرف من ذلك، وتقدم في الذكر من حديث ابن إسحاق وحديث القلعي طرف منه أيضًا.
وعن عائشة أن النبي ﷺ دعا لعمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام، فأصبح وكانت الدعوة يوم الأربعاء وأسلم عمر يوم الخميس، فكبر النبي ﷺ وأهل البيت تكبيرة سمعت من أعلى مكة، فقال عمر: يا رسول الله, علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ فقال النبي ﷺ : "إنا قليل" فقال عمر: والذي بعثك بالحق نبيًّا, لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، ثم خرج فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهم ينظرونه فقال أبو جهل بن هشام: زعم فلان أنك صبوت، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فوثب المشركون فوثب عمر على عتبة بن ربيعة فبرك عليه وجعل يضربه, وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس عنه، فقام عمر فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه حتى أحجم الناس عنه، واتبع المجالس التي كان يجلس فيها فأظهر الإيمان, ثم انصرف إلى النبي ﷺ وهو ظاهر عليهم فقال: ما يحبسك بأبي أنت وأمي؟ فوالله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا ظهرت فيه بالإيمان، غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله ﷺ وعمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنًا، ثم انصرف النبي ﷺ إلى دار الأرقم ومن معه, خرجه أبو القاسم الدمشقي في الأربعين الطوال، وقال: حديث غريب.
وقال ابن إسحاق: ولما قدم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من الحبشة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله ﷺ وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلًا ذا
стр. 276
شكيمة لا يرام ما وراء ظهره, امتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة.
"شرح" أحجم الناس عنه: كفّوا، تقول: حجمته عن الشيء فأحجم أي: كففته فكف، وهو من النوادر، مثل: كببته فأكب, معلنًا: العلانية ضد السر تقول: علن الأمر يعلن علونًا وعلن بالكسر يعلن علنًا, وأعلنته: أظهرته، وفي هذا الحديث أنه دعا له يوم الأربعاء وتقدم في الذكر قبله أنه دعا له يوم الخميس ويوم الاثنين, وهو محمول على تكرار الدعاء في تلك الأيام من غير أن يكون بين الأحاديث تضاد, ولا تهافت.
وعن ابن مسعود قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، خرجه البخاري وأبو حاتم. وعنه قال: كان إسلام عمر فتحًا وهجرته نصرًا وإمارته رحمة، لقد رأيتنا ولم نستطع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا، خرجه الحافظ السلفي. وعنه قال: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه، خرجه ابن إسحاق في سيرته، وعنه: ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر.
وعنه: لما أسلم عمر, ظهر الإسلام ودعا إلى الله علانية.
وعن علي قال: ما سمينا مؤمنين حتى أسلم عمر، خرجهن في الفضائل. وعن صهيب قال: لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلقًا وطفنا وانتصفنا ممن غلظ علينا، خرجه في الصفوة.
وعن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال المشركون: انتصف القوم منا.
ذكر أن ذلك كله إنما كان من دعاء النبي ﷺ تقدم في ذكر بدء إسلامه, وفي الذكر قبله طرف منه.
عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الدين بأحب الرجلين
стр. 277
إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام" فكان أحبهما إلى الله عمر، خرجه أحمد والترمذي وصححه أبو حاتم.
وعن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب" خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصةً" أخرجه أبو حاتم، ولا تضاد بينهما لجواز أن يكون تكرر الدعاء منه ﷺ فخص عمر مرة, وأشرك معه غيره أخرى. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم أيد الإسلام بعمر" خرجه الفضائلي.
ذكر استبشار أهل السماء بإسلام عمر:
عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر, أتى جبريل ﵇ النبي ﷺ فقال: يا محمد "لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر" خرجه أبو حاتم والدارقطني والخلعي والبغوي. وفي طريق غريب بعد قوله: "بإسلام عمر" قلت: وكيف لا يكون ذلك كذلك ولم تصعد إلى السماء للمسلمين صلاة ظاهرة ولا نسك ولا معروف إلا بعد إسلامه حيث قال: والله لا يعبد الله سرا بعد هذا اليوم.
ذكر أنه بإسلامه كان مكملًا عدة أربعين:
عن ابن عباس قال: أسلم مع رسول الله ﷺ تسعة وثلاثون رجلًا، ثم إن عمر أسلم فصاروا أربعين رجلًا, فنزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ ١. خرجه القلعي والواحدي, وقال أبو عمر: روي أنه أسلم بعد أربعين رجلًا, وإحدى عشرة امرأة.
стр. 278
الفصل الخامس: في هجرته
عن ابن عباس قال: قال علي: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا إلا عمر بن الخطاب, فإنه لما هاجر تقلد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا واختصر عنزته ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاب بالبيت سبعًا متمكنًا, ثم أتى المقام فصلى متمكنًا ثم وقف على الحلق واحدة واحدة فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يثكل أمه, أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، قال علي: فما أتبعه أحد إلا قوم من المستضعفين, علمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه، خرجه ابن السمان في الموافقة والفضائلي.
"شرح" تنكب قوسه: ألقاه على منكبه, وانتضى في يده أسهمًا: استلّها من كنانته وتركها معدة في يده، وكذلك انتضى سيفه ونضاه: استله, واختصر عنزته, العنزة بالتحريك أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفيه زج كزج الرمح واختصارها والله أعلم حملها مضمومة إلى خاصرته، والمعاطس: جمع بزنة مجلس وهو الأنف, وإرغامها: إلصاقها بالرغام وهو التراب، كنى بذلك عن الإهانة والإذلال.
قال ابن إسحاق: خرج عمر بن الخطاب مهاجرًا وعياش بن أبي ربيعة قال عمر: ابتعدت لما أردنا الهجرة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي المناصب من أضاة بني غفار فوق سرف وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند المناصب، وحبس عنا هشام وفتن فافتتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء.
стр. 279
الفصل السادس: في خصائصه
وقد تقدم منها طرف جيد في أبواب الأعداد, خصوصًا في باب الشيخين وتقدم من ذلك اختصاصه بسؤال النبي ﷺ ربه أن يعز الإسلام بعمر خاصة، وأن المسلمين ما زالوا أعزة منذ أسلم عمر, وتسمية الفاروق في فصل اسمه وإعلان هجرته في الفصل قبله.
ذكر اختصاصه بتأهله للنبوة, لو كان نبي بعد النبي ﷺ :
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان نبي بعدي, لكان عمر بن الخطاب" خرجه أحمد والترمذي، وقال: حسن غريب, وفي بعض طرق هذا الحديث: "لو لم أبعث, لبعثت يا عمر" وفي بعضها: "لو لم أبعث فيكم لبعث عمر" خرجه القلعي.
ذكر اختصاصه بالتحديث:
عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "قد كان في الأمم محدثون, فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر بن الخطاب" خرجه أحمد ومسلم وقد قال ابن وهب: تفسير "محدثون: ملهمون" وأخرجه الترمذي وصححه وأبو حاتم وخرجه البخاري عن أبي هريرة، وخرج عنه من طريق آخر قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي فيهم أحد فعمر" ومعنى محدثون والله أعلم أي: يلهمون الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدثهم الملائكة لا بوحي، وإنما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة.
ذكر اختصاصه بالخيرية:
عن جابر قال: قال عمر لأبي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: "أما إنك إن قلت ذلك, فلقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما طلعت شمس على رجل خير من عمر" خرجه الترمذي وقال: غريب، وهذا محمول على أنه كذلك بعد أبي بكر جمعًا بين هذا وبين
стр. 280
الأحاديث المتقدمة في أبي بكر.
وعن ثابت بن الحجاج قال: خطب عمر ابنة أبي سفيان فأبوا أن يزوجوه, فقال رسول الله ﷺ : "ما بين لابتي المدينة خير من عمر" خرجه البغوي في الفضائل، وأراد بعده ﷺ وبعد أبي بكر، أما الأول فبالإجماع، وأما الثاني فلما تقدم.
ذكر اختصاصه بأنه أزهدهم في الدنيا:
عن طلحة بن عبيد الله قال: ما كان عمر بأولنا إسلامًا ولا أقدمنا هجرة، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة، خرجه الفضائلي.
ذكر اختصاصه بموافقة التنزيل في قضايا, منها اتخاذ مقام إبراهيم مصلى:
عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: مقام إبراهيم, وفي الحجاب، وفي أسارى بدر, خرجه مسلم. وعن طلحة بن مصرف قال: قال عمر: يا رسول الله, أليس هذا مقام إبراهيم أبينا? قال: "بلى" قال عمر: فلو اتخذته مصلى? فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ١ خرجه المخلص الذهبي.
ومنها: مشورته في أسارى بدر, عن ابن عباس عن عمر قال: لما كنا يوم بدر قال رسول الله ﷺ : "ما ترون في هؤلاء الأسارى?" فقال أبو بكر: يا رسول الله, بنو العم وبنو العشيرة والإخوان, غير أنا نأخذ منهم الفداء، فيكون لنا قوة على المشركين وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام ويكونوا لنا عضدًا، قال: "فما ترى يابن الخطاب?" قلت: يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم فنقربهم فنضرب أعناقهم, قال: فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء، فلما أصبحت غدوت على رسول الله ﷺ فإذا هو
стр. 281
وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا نبي الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك? فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما، فقال: "لقد عرض علي عذابكم أدنى من الشجرة وشجرة قريبة حينئذ، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَة﴾ " ١ أخرجه مسلم، وعند البخاري معناه.
وذكر أنه قتل من المشركين سبعون رجلًا وأسر سبعون رجلًا, فاستشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان, وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار, وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، فقال ﷺ : "ما ترى يابن الخطاب?" قال: فقلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر, ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم, فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، ثم ذكر معنى ما بعده وزاد: فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله ﷺ عنه, وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه, وسال الدم على وجهه, وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢ بأخذكم الفداء ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
стр. 282
وعن أنس بن مالك قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم" فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس, إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس" فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم, فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ١ الآية، أخرجه أحمد.
وفي طريق أن النبي ﷺ لقي عمر فقال: "لقد كاد يصيبنا في خلافك بلاء" خرجه الواحدي في أسباب النزول، وفي بعضها: "لقد كان يصيبنا بخلافك شر يابن الخطاب". وفي رواية: "لو نزل من السماء نار لما نجا منها إلا عمر".
وفي رواية: "لو نزل عذاب ... " وفي رواية: "لو عذبنا في هذا الأمر لما نجا غير عمر" خرجهما القلعي.
وفي هذه الأحاديث دليل على أنه ﷺ كان يحكم باجتهاده، ومنها إشارته بحجب أمهات المؤمنين وقوله لهن: "لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن" تقدم في الأولى طرف من الحجاب.
وعن أنس بن مالك قال: قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث أو وافقني في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ٢ وقلت: يدخل عليك
стр. 283
البر والفاجر, فلو حجبت أمهات المؤمنين? فأنزل الله آية الحجاب، وبلغني شيء من معاتبة أمهات المؤمنين فقلت: لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن, حتى انتهيت إلى إحدى أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت? فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ١ أخرجاه وأبو حاتم.
وفي رواية بعد ذكر مقام إبراهيم والحجاب: اجتمع نساء رسول الله ﷺ في الغيرة فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت كذلك.
وعن ابن مسعود قال: فضل الناس عمر بأربع فذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم، فأنزل الله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ وبذكره الحجاب أمر نساء رسول الله ﷺ أن يحتجبن، فقالت له زينب: وإنك علينا يابن الخطاب والوحي ينزل بيوتنا، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وبدعوة النبي ﷺ : "اللهم أيد الإسلام بعمر" وبرأيه في أبي بكر كان أول الناس بايعه. خرجه أحمد.
وعن عائشة قالت: كنت آكل من النبي ﷺ حيسًا في قعب, فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت أصبعه أصبعي فقال: "حس أوه, لو أطاع فيكن ما رأتكن عين" فنزلت آية الحجاب, خرجهن الطبراني.
"شرح" حس: هي بكسر السين والتشديد كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضه وأحرقه، كالجمرة والضربة ونحوهما. ومنها قوله في قضية نسائه: "فإن الله معك وجبريل والمؤمنين".
стр. 284
عن ابن عباس أن عمر حدثه قال: لما اعتزل رسول الله ﷺ نساءه كان قد وجد عليهن فاعتزلهن في مشربة من خزانته، قال عمر: فدخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالعصا ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقلت: لأعملن في هذا اليوم وذلك قبل أن يؤمر نبي الله ﷺ بالحجاب، فدخلت على عائشة بنت أبي بكر فقلت: يابنة أبي بكر, بلغ من أمرك أن تؤذي رسول الله ﷺ ? قالت: ما لي وما لك يابن الخطاب، عليك بعيبتك فأتيت حفصة بنت عمر فقلت: يا حفصة والله قد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك ولولا أنا لطلقك، قال: فبكت أشد بكاء قال: فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: هو في خزانته، قال: فذهبت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أسكفة الغرفة مدليًا رجليه على نقير، يعني جذعًا منقورًا، قلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فسكت، قال: فرفعت صوتي فقلت: استأذن يا رباح على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ يظن أني إنما جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله ﷺ أن أضرب عنقها لضربت عنقها، قال: فنظر رباح إلى الغرفة ونظر إلي ثم قال هكذا، يعني أشار بيده أن ادخل, فدخلت فإذا هو مضطجع على حصير وعليه إزاره فجلس، وإذا الحصير قد أثر في جنبه وقلبت عيني في الخزانة, فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين من شعير وقبضة من قرص نحو الصاعين، وإذا أفيق معلق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي فقال رسول الله ﷺ : "ما يبكيك يابن الخطاب?" فقلت: يا رسول الله, ما لي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته من خلقه، وهذه الأعاجم كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت هكذا?! فقال: "يابن الخطاب, أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا?" قلت: بلى يا رسول الله، فأحمد اللهقلما تكلمت في شيء إلا أنزل الله تصديق قولي من السماء، قال: قلت: يا رسول الله إن كنت طلقت
стр. 285
نساءك فإن الله معك وجبريل وأنا وأبا بكر والمؤمنين, فأنزل الله : ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ الآية. قال: فما أخبرت ذلك نبي الله ﷺ وأنا أعرف الغضب في وجهه حتى رأيت وجهه يتهلل، وكشر فرأيت ثغره وكان من أحسن الناس ثغرًا، فقال: "إني لم أطلقهن" قلت: يا نبي الله فإنهم قد أشاعوا أنك قد طلقت نساءك, فأخبرهم أنك لم تطلقهن، قال: "إن شئت فعلت" فقمت على باب المسجد فقلت: ألا إن رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه, فأنزل الله في الذي كان من شأنه وشأنهم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ قال عمر: فأنا الذي استنبطه منهم, أخرجاه وأبو حاتم.
وفي رواية: أنه لما قال له عمر: لو اتخذت يا رسول الله فراشًا أوثر من هذا? فقال: "يا عمر, ما لي وللدنيا أو ما للدنيا وما لي, إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة, ثم راح وتركها" خرجه الثقفي في الأربعين، ومنها منعه ﷺ من الصلاة على المنافقين.
عن ابن عمر قال: لما مات أبي بن سلول, جاء ابنه عبد الله إلى النبي ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفنه فيه, وسأله أن يصلي عليه فقال النبي ﷺ : "ليصل عليه" فقام عمر فأخذ ثوب النبي ﷺ وقال: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه? فقال: "إنما خيرني، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣ وسأزيده على السبعين" قال: إنه منافق, فصلى عليه رسول الله ﷺ