← Тараджим

Тараджим · id 8657

الرياض النضرة في مناقب العشرة

محب الدين الطبري

Полный текст (841 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا نبي الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك? فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما، فقال: "لقد عرض علي عذابكم أدنى من الشجرة وشجرة قريبة حينئذ، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَة﴾ " ١ أخرجه مسلم، وعند البخاري معناه. وذكر أنه قتل من المشركين سبعون رجلًا وأسر سبعون رجلًا, فاستشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان, وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار, وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، فقال ﷺ : "ما ترى يابن الخطاب?" قال: فقلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر, ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم, فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، ثم ذكر معنى ما بعده وزاد: فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله ﷺ عنه, وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه, وسال الدم على وجهه, وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢ بأخذكم الفداء ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

стр. 282

وعن أنس بن مالك قال: استشار النبي ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم" فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس, إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس" فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم, فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ١ الآية، أخرجه أحمد. وفي طريق أن النبي ﷺ لقي عمر فقال: "لقد كاد يصيبنا في خلافك بلاء" خرجه الواحدي في أسباب النزول، وفي بعضها: "لقد كان يصيبنا بخلافك شر يابن الخطاب". وفي رواية: "لو نزل من السماء نار لما نجا منها إلا عمر". وفي رواية: "لو نزل عذاب ... " وفي رواية: "لو عذبنا في هذا الأمر لما نجا غير عمر" خرجهما القلعي. وفي هذه الأحاديث دليل على أنه ﷺ كان يحكم باجتهاده، ومنها إشارته بحجب أمهات المؤمنين وقوله لهن: "لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن" تقدم في الأولى طرف من الحجاب. وعن أنس بن مالك قال: قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث أو وافقني في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ٢ وقلت: يدخل عليك

стр. 283

البر والفاجر, فلو حجبت أمهات المؤمنين? فأنزل الله آية الحجاب، وبلغني شيء من معاتبة أمهات المؤمنين فقلت: لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن, حتى انتهيت إلى إحدى أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت? فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ١ أخرجاه وأبو حاتم. وفي رواية بعد ذكر مقام إبراهيم والحجاب: اجتمع نساء رسول الله ﷺ في الغيرة فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت كذلك. وعن ابن مسعود قال: فضل الناس عمر بأربع فذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم، فأنزل الله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ وبذكره الحجاب أمر نساء رسول الله ﷺ أن يحتجبن، فقالت له زينب: وإنك علينا يابن الخطاب والوحي ينزل بيوتنا، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وبدعوة النبي ﷺ : "اللهم أيد الإسلام بعمر" وبرأيه في أبي بكر كان أول الناس بايعه. خرجه أحمد. وعن عائشة قالت: كنت آكل من النبي ﷺ حيسًا في قعب, فمر عمر فدعاه فأكل فأصابت أصبعه أصبعي فقال: "حس أوه, لو أطاع فيكن ما رأتكن عين" فنزلت آية الحجاب, خرجهن الطبراني. "شرح" حس: هي بكسر السين والتشديد كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضه وأحرقه، كالجمرة والضربة ونحوهما. ومنها قوله في قضية نسائه: "فإن الله معك وجبريل والمؤمنين".

стр. 284

عن ابن عباس أن عمر حدثه قال: لما اعتزل رسول الله ﷺ نساءه كان قد وجد عليهن فاعتزلهن في مشربة من خزانته، قال عمر: فدخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالعصا ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقلت: لأعملن في هذا اليوم وذلك قبل أن يؤمر نبي الله ﷺ بالحجاب، فدخلت على عائشة بنت أبي بكر فقلت: يابنة أبي بكر, بلغ من أمرك أن تؤذي رسول الله ﷺ ? قالت: ما لي وما لك يابن الخطاب، عليك بعيبتك فأتيت حفصة بنت عمر فقلت: يا حفصة والله قد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك ولولا أنا لطلقك، قال: فبكت أشد بكاء قال: فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: هو في خزانته، قال: فذهبت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أسكفة الغرفة مدليًا رجليه على نقير، يعني جذعًا منقورًا، قلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فسكت، قال: فرفعت صوتي فقلت: استأذن يا رباح على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ يظن أني إنما جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله ﷺ أن أضرب عنقها لضربت عنقها، قال: فنظر رباح إلى الغرفة ونظر إلي ثم قال هكذا، يعني أشار بيده أن ادخل, فدخلت فإذا هو مضطجع على حصير وعليه إزاره فجلس، وإذا الحصير قد أثر في جنبه وقلبت عيني في الخزانة, فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين من شعير وقبضة من قرص نحو الصاعين، وإذا أفيق معلق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي فقال رسول الله ﷺ : "ما يبكيك يابن الخطاب?" فقلت: يا رسول الله, ما لي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته من خلقه، وهذه الأعاجم كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت هكذا?! فقال: "يابن الخطاب, أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا?" قلت: بلى يا رسول الله، فأحمد اللهقلما تكلمت في شيء إلا أنزل الله تصديق قولي من السماء، قال: قلت: يا رسول الله إن كنت طلقت

стр. 285

نساءك فإن الله معك وجبريل وأنا وأبا بكر والمؤمنين, فأنزل الله : ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ الآية. قال: فما أخبرت ذلك نبي الله ﷺ وأنا أعرف الغضب في وجهه حتى رأيت وجهه يتهلل، وكشر فرأيت ثغره وكان من أحسن الناس ثغرًا، فقال: "إني لم أطلقهن" قلت: يا نبي الله فإنهم قد أشاعوا أنك قد طلقت نساءك, فأخبرهم أنك لم تطلقهن، قال: "إن شئت فعلت" فقمت على باب المسجد فقلت: ألا إن رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه, فأنزل الله في الذي كان من شأنه وشأنهم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ قال عمر: فأنا الذي استنبطه منهم, أخرجاه وأبو حاتم. وفي رواية: أنه لما قال له عمر: لو اتخذت يا رسول الله فراشًا أوثر من هذا? فقال: "يا عمر, ما لي وللدنيا أو ما للدنيا وما لي, إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة, ثم راح وتركها" خرجه الثقفي في الأربعين، ومنها منعه ﷺ من الصلاة على المنافقين. عن ابن عمر قال: لما مات أبي بن سلول, جاء ابنه عبد الله إلى النبي ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفنه فيه, وسأله أن يصلي عليه فقال النبي ﷺ : "ليصل عليه" فقام عمر فأخذ ثوب النبي ﷺ وقال: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه? فقال: "إنما خيرني، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣ وسأزيده على السبعين" قال: إنه منافق, فصلى عليه رسول الله ﷺ

стр. 286

فأنزل الله : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ أخرجاه. وعن ابن عباس عن عمر أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله -صلى الله عليهوسلم- وصلى عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي سلول وقد قال يوم كذا وكذا? أعد عليه قوله, فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أخر عني يا عمر" فلما أكثرت عليه قال: "أما إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إذا زدت علىالسبعين يغفر له لزدت عليها" قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ﴾ ١ إلى: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قال: فعجبت بعد من جراءتي على رسول الله ﷺ يومئذ, أخرجه البخاري. ومنها في رواية: أن النبي ﷺ لما نزل عليه: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٢ قال: "فلأزيدن على السبعين" وأخذ في الاستغفار فقال عمر: يا رسول الله, والله لا يغفر الله لهم سواء استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم, فنزلت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ خرجهما في الفضائل, فتجيء موافقة أخرى على هذه الرواية, ومنها موافقته في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . عن أنس بن مالك قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع؛ قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى, وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابًا, فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ٣ وقلت لأزواج النبي ﷺ : لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن، ونزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا

стр. 287

الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ١ إلى قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٢ خرجه الواحدي في أسباب النزول وأبو الفرج. وفي رواية: فقال ﷺ : "تزيد في القرآن يا عمر?" فنزل جبريل بها وقال: إنها تمام الآية، خرجها في الفضائل والسجاوندي في تفسيره، وقد روي ذلك٣ عن عبد الله بن أبي سرح كاتب رسول الله ﷺ فلما أملى كذلك قال: إن كان محمد يوحى إليه فأنا كذلك فارتد، وقد روي أنه راجع الإسلام واستعمله عمر، وسيأتي في مناقبه. ومنها موافقته في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ ٤ لكنه فيه حديث أنس المتقدم آنفًا، ومنها موافقته في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٥ عن النبي ﷺ استشار عمر في أمر عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فقال: يا رسول الله من زوجكما? فقال: "الله تعالى" قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها? ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ فأنزل الله ذلك على وفق ما قال عمر، فتحصلنا على تسع لفظات وكلها مشهورة غير الثلاث الأخر: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ , ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ , ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ روى ذلك عن رجل من الأنصار، ومنها موافقة معنوية عن علي أن عمر انطلق إلى اليهود فقال: إني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون وصف محمد في كتابكم? قالوا: نعم, قال: فما يمنعكم من اتباعه?! قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا كان له من الملائكة كفيل، وإن جبريل هو الذي يكفل محمدًا وهو الذي يأتيه, وهو عدونا من الملائكة وميكائيل سلمنا

стр. 288

فلو كان هو الذي يأتيه اتبعناه، قال: فإني أشهد أنه ما كان ميكائيل ليعادي سلم جبريل, وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل، قال: فمر نبي الله فقالوا: هذا صاحبك يابن الخطاب, فقام إليه وقد نزل الله عليه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ ١ إلى قوله: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ خرجه ابن السمان في الموافقة، وخرج أبو الفرج معناه في أسباب النزول, وزاد: فقلت: والذي بعثك بالحق, ما جئت إلا لأخبرك بقول اليهود, فإذا اللطيف الخبير قد سبقني بالخبر. وذكر الواحدي في تفسيره الوسيط قال: ثم أتى عمر النبي ﷺ فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقرأ النبي ﷺ هذه الآية وقال له: "وافقك ربك يا عمر" قال عمر: فلقد رأيتني في دين الله أصلب من الحجر، ومنها أخرى معنوية: إن عمر كان حريصًا على تحريم الخمر فكان يقول: اللهم بيّن لنا في الخمر؛ فإنها تذهب المال والعقل، فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ٢ الآية، فدعا رسول الله ﷺ عمر فتلاها عليه فلم ير فيها بيانًا فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ٣ الآية، فدعا رسول الله ﷺ عمر فتلاها عليه فلم ير فيها بيانًا ثم قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ٤ الآية، فدعا رسول الله ﷺ عمر فتلاها عليه فقال عمر عند ذلك: انتهينا. خرجه القلعي، وذكر الواحدي أنها نزلت في عمر ومعاذ ونفر من الأنصار قالوا: يا رسول الله, إنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت، ومنها أخرى معنوية: عن ابن عباس أن النبي ﷺ أرسل غلامًا من الأنصار إلى عمر بن

стр. 289

الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر على حال كره رؤيته عليها، فقال: يا رسول الله, وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان, فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١ الآية خرجه أبو الفرج، وخرجه صاحب الفضائل وقال بعد قوله فدخل عليه: وكان نائمًا وقد انكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم الدخول علينا في وقت نومنا فنزلت، ومنها معنوية أيضًا عن كذا قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ٢ بكى عمر وقال: يا رسول الله ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ آمنا برسول الله ﷺ وصدقناه ومن ينجو منا قليل, فأنزل الله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فدعا رسول الله ﷺ عمر وقال: "لقد أنزل الله تعالى فيما قلت, فجعل ثلة من الآخرين". ومنها موافقته كما في التوراة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣, فأين النار? فقال: لأصحاب محمد ﷺ أجيبوه فلم يكن عندهم فيها شيء فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء أليس يملأ السموات والأرض? قال: بلى قال: فأين الليل? قال: حيث شاء الله قال عمر: فالنار حيث شاء الله قال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين, إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت, خرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة، ومنها موافقة أخرى كما في التوراة: أن كعب الأحبار قال يومًا عند عمر: ويل لملك الأرض من ملك السماء فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها

стр. 290

لتابعتها في كتاب الله التوراة، فخر عمر ساجدًا لله تعالى، فتحصلنا في الموافقات لما أنزل الله على خمس عشرة, تسع لفظيات وأربع معنويات واثنتان في التوراة. وعن ابن عمر أنه قال: ما اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في شيء فقالوا وقال عمر, إلا نزل القرآن بما قال عمر. خرجه ابن وركان وسعدان بن نصر المحرمي. وعن علي أن عمر ليقول القول فينزل القرآن بتصديقه، وعنه كنا نرى أن في القرآن لكلامًا من كلامه ورأيًا من رأيه. خرجهما ابن السمان في الموافقة. ذكر اختصاصه بشهادة النبي ﷺ أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه, وأن الحق بعده معه: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قد جعل الحق على لسان عمر وقلبه" خرجه أحمد وأبو حاتم والترمذي وصححه، وعن ابن عمر مثله. خرجه أبو حاتم. وفي رواية بعد قوله: "وقلبه": "يقول الحق ولو كان مرًّا" خرجهما القلعي. وفي رواية على لسان عمر: "يقول به" خرجهما المخلص. وفي رواية: "إن الله نزل الحق على قلب عمر ولسانه" خرجها البغوي في الفضائل. وقد تقدم في باب الأربعة من حديث الترمذي عن علي أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرًّا، تركه الحق وما له من صديق". وعن الفضل بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "عمر معي وأنا مع عمر, والحق بعدي مع عمر حيث كان" خرجه البغوي في معجمه وفي الفضائل, وفي رواية: "ادن مني فأنت مني وأنا منك, والحق بعدي

стр. 291

معك" خرجهما في الفضائل، وخرجه أبو القاسم السمرقندي بزيادة ولفظه: أن عمر قال كلمة ضحك منها رسول الله ﷺ وقال: "عمر مني" الحديث إلى آخره. ذكر اختصاصه بأن السكينة تنطق على لسانه: عن علي قال: كنا نرى ونحن متوافرون أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطق على لسان عمر، خرجه ابن السمان في الموافقة، والحافظ أبو الفرج في محبة الصحابة. ذكر اختصاصه بالهيبة, ونفران الشيطان منه: عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: لقد دخل عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه رافعات أصواتهن، فلما سمعن صوت عمر انقمعنَ وسكنّ، فضحك رسول الله ﷺ فقال عمر: يا عدوات أنفسهم, تهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟! فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر, ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك" خرجه النسائي وأبو حاتم وأبو القاسم في الموافقات، وأخرجاه وأحمد وقالوا: فلما استأذن عمر قمنا فبادرنا الحجاب فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي, فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: يا عدوات أنفسهن تهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ? فقلن: نعم!! أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "يابن الخطاب, والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان ... " وذكر باقي الحديث. "شرح" انقمعن: ذللن وارتدعن, وقمعته وأقمعته: إذا قهرته وأذللته, وأقمعت الرجل عني: إذا رددته, والفج: الطريق الواسع بين الجبلين،

стр. 292

والجمع فجاج. وعن علي ﵇ قال: والله إن كنا لنرى أن شيطان عمر يهابه أن يأمره بالخطيئة. وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ جالسًا فسمعنا لغطًا وصوت صبيان فقام رسول الله ﷺ فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها فقال: "يا عائشة تعالي فانظري" فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال: "أما شبعت؟ أما شبعت?" قالت: فجعلت أقول: لا, لأنظر عنده منزلتي، إذ طلع عمر قالت: فارفض الناس عنها، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر" خرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب. "شرح" تزفن: ترقص، وارفضوا: تفرقوا. وعن بريدة قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه, فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن كنت نذرت فاضربي, وإلا فلا" فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب, ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها وقعدت عليه، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسًا وهي تضرب، ثم دخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف" خرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب. وعن عائشة قالت: دخلت امرأة من الأنصار إلي فقالت: إني أعطيت الله عهدًا إذا رأيت النبي ﷺ في أمن لأنقرن على رأسه بالدف، قالت عائشة: فأخبرت النبي ﷺ بذلك فقال: "قولي لها: فلتفي بما حلفت" فقامت بالدف على رأس النبي ﷺ فنقرت نقرتين أو ثلاثًا فاستفتح عمر

стр. 293

فسقط الدف من يدها وأسرعت إلى خدر عائشة، قالت لها عائشة: ما لك? قالت: سمعت صوت عمر فهبته، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان ليفرّ من حس ١ عمر" خرجه ابن السمان في الموافقة. وعن بريدة أن النبي ﷺ قال: "إني لأحسب الشيطان يفر منك يا عمر". وعن عليقال: كنا نرى أن شيطان عمر يخافه أن يجره إلى معصية الله تعالى، خرجه ابن السمان أيضًا. وعن عائشة أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ بخزيرة طبختها له فقلت لسودة والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي فأبت، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة ولطخت بها وجهها, فلطخت وجهي فضحك النبي ﷺ ، فوضع فخذه لها وقال لسودة: "لطخي وجهها" فلطخت وجهي، فضحك النبي ﷺ أيضًا, فمر عمر فنادى: يا عبد الله, يا عبد الله، فظن رسول الله ﷺ أنه سيدخل فقال: "قوما فاغسلا وجوهكما" فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله ﷺ إياه، رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي وخرجه الملاء في سيرته. وعن ابن أبي مليكة أن عمر مر بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت فقال لها: يا أمة الله "لو قعدت في بيتك لا تؤذين الناس" قال: فقعدت, فمر بها رجل بعد ذلك فقال: إن الذي نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: والله ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا. خرجه البصري من حديث أنس بن مالك. ذكر اختصاصه بأنه صارع جنيًّا فصرعه: عن ابن مسعود أن رجلًا من أصحاب محمد ﷺ لقي رجلًا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الجني: عاود فعاوده فصرعه أيضًا،

стр. 294

فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلًا سخيفًا كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفكذلك أنتم معشر الجن أم أنت منهم كذا? قال: والله إني منهم لضليع، ثم قال: عاودني الثالثة, فإن صرعتني علمتك شيئًا ينفعك فعاوده فصرعه، قال: هات علمني، قال: هل تقرأ آية الكرسي? قلت: نعم، قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان ثم لا يدخله حتى يصبح، فقال رجل من القوم: من ذلك الرجل يا أبا عبد الله من أصحاب محمد؟ أهو عمر? قال: من يكون إلا عمر بن الخطاب؟ ذكر اختصاصه بشهادة النبي ﷺ بنفي حب مطلق الباطل عنه: عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله, إني قد حمدت الله ﵎ بمحامد ومدح وإياك، فقال رسول الله ﷺ : "إن ربك تعالى يحب المدح، هات ما امتدحت به ربك تعالى" قال: فجعلت أنشده، فجاء رجل يستأذن, أدلم طوال أعسر أيسر، قال: فاستنصتني له رسول الله ﷺ ووصف لنا أبو سلمة كيف استنصته قال: كما يصنع بالهر, فدخل الرجل فتكلم ساعة ثم خرج، ثم أخذت أنشده أيضًا ثم رجع بعد، فاستنصتني رسول الله ﷺ ووصفه أيضًا، فقلت: يا رسول الله, من ذا الذي تستنصتني له? فقال: "هذا رجل لا يحب الباطل، هذا عمر بن الخطاب" خرجه أحمد. "شرح" الأدلم: الأسود, أعسر أيسر تقدم في فصل صفته، وأطلق على هذا باطلًا وهو متضمن حقا؛ لأنه حمد ومدح لله تعالى ولرسوله لأنه من جنس الباطل، إذ الشعر كله من جنس واحد.

стр. 295

ذكر اختصاصه بالشدة في أمر الله تعالى: عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "أشد أمتي في أمر الله تعالى عمر" خرجه في المصابيح الحسان. ذكر اختصاصه بأمر النبي ﷺ إياه بإجابة أبي سفيان يوم أحد: قال ابن إسحاق: إن أبا سفيان لما أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل!! فقال ﷺ : "قم يا عمر فأجبه" فقال: الله أعلى وأجل لا سواه، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم يا عمر، فقال ﷺ لعمر: "ائته, فانظر ما شأنه" فجاءه عمر فقال: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدًا? قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة، إنه يقول: إني قتلت محمدًا. وفي رواية: أن أبا سفيان وقف عليهم فقال: أفيكم محمد? فقال ﷺ : "لا تجيبوه" قال: أفيكم محمد? فلم يجيبوه، ثم قال الثالثة فلم يجيبوه، ثم قال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ قالها ثلاثًا فلم يجيبوه، ثم قال: أفيكم ابن الخطاب ثلاثًا? فلم يجيبوه، فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله، ها هو رسول الله ﷺ وأبو بكر وإنا أحياء، فقال: يوم بيوم بدر، ثم ذكر معنى ما تقدم، قال ابن إسحاق: وبينا رسول الله ﷺ بالشعب يوم أحد مع أولئك النفر من الصحابة إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال ﷺ : "إنه لا ينبغي أن يعلونا" فقام عمر ورهط معه من المهاجرين حتى أنزلوهم من الجبل. ذكر اختصاصه بمباهاة الله تعالى به, خاصة يوم عرفة: عن بلال بن رباح أن رسول الله ﷺ قال له يوم عرفة: "يا بلال

стр. 296

أسكت الناس, أو أنصت الناس" ثم قال: "إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا, فوهب مسيئكم لمحسنكم, وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا على بركة الله تعالى، إن الله باهى ملائكته بأهل عرفة عامة وباهاها بعمر بن الخطاب خاصة" خرجه البغوي في الفضائل، وتمامه في فوائده, وخرجه ابن ماجه من أوله إلى قوله: "ادفعوا باسم الله" مكان: "على بركة الله". وفيه دلالة على فضل عمر على الملائكة؛ لأن المباهاة إنما تتحقق إذا كان للمباهى به فضل على المباهى. ذكر اختصاصه بثوب يجره دون سائر الأمة, في رؤيا رآها النبي ﷺ : عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما هو أسفل من ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره" فقال من حوله: ما أولت يا نبي الله ذلك? قال: "الدين" أخرجاه وأحمد وأبو حاتم، وفسر الثوب بالدين والله أعلم؛ لأن الدين يشمل الإنسان ويحفظه ويقيه المخالفات، كوقاية الثوب وشموله. ذكر اختصاصه بشرب فضل لبن شربه رسول الله ﷺ في رؤيا رآها, وأول ذلك ﷺ بالعلم: عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "بينا أنا نائم, إذ رأيت قدحًا أتيت به فيه لبن, فشربت حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري, ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب" قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله? قال: "العلم" أخرجاه وأحمد وأبو حاتم والترمذي وصححه، وقد تقدم لأبي بكر مثله من حديث أبي حاتم خاصة. والظاهر أن الرؤيا تكررت،

стр. 297

فشرب فضله في إحداهما أبو بكر وفي الأخرى عمر، ويؤيده تغاير ألفاظ الحديثين؛ ولهذه الخصوصية بلغ علمه ما روي عن ابن مسعود أنه قال: لو جمع علم أحياء العرب في كفة ميزان ووضع علم عمر في كفة, لرجح علم عمر، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه من عمر أوثق في نفسي من عمل سنة. خرجه أبو عمر والقلعي. ذكر اختصاصه بفضل طول على الناس في رؤيا أبي بردة: عن أبي بردة أنه رأى في المنام كأن ناسًا جمعوا, فإذا فيهم رجل فرعهم فهو فوقهم بثلاثة أذرع، قال: فقلت: من هذا? قالوا: عمر، قلت: لم? قالوا: لأن فيه ثلاث خصال: لا يخاف في الله لومة لائم، وخليفة مستخلف، وشهيد مستشهد، قال: فأتى أبا بكر فقصها عليه فأرسل إلى عمر فدعاه فبشره, فجاء عمر قال: فقال لي أبو بكر: اقصص رؤياك، فلما بلغت: خليفة مستخلف زأرني عمر وانتهرني وقال: تقول هذا وأبو بكر حي, قال: فلما ولي عمر, فبينا هو على المنبر إذ دعاني وقال: اقصص رؤياك فقصصتها، فلما قلت: إنه لا يخاف في الله لومة لائم قال: إني لأرجو أن يجعلني الله منهم، قال: فلما قلت: خليفة مستخلف قال: قد استخلفني الله، وأسأله أن يعينني على ما ولاني, فلما ذكرت: شهيد مستشهد قال: أنى لي الشهادة وأنا بين أظهركم, تغزون ولا أغزو؟ ثم قال: بلى, يأتي الله بها إن شاء الله، يأتي الله بها إن شاء الله. ذكر اختصاصه بأن الناس ما دام فيهم, لا تصيبهم فتنة: عن الحسن الفردوسي قال: لقي عمر أبا ذر فأخذ بيده فعصرها فقال أبو ذر: دع يدي يا قفل الفتنة, فعرف أن لكلمته أصلًا، فقال: يا أبا ذر ما قفل الفتنة? قال: جئت يومًا ونحن عند النبي ﷺ فكرهت أن أتخطى رقاب الناس، فجلست في أدبارهم، فقال ﷺ : "لا تصيبكم فتنة ما

стр. 298

دام هذا فيكم" خرجه المخلص الذهبي والرازي والملاء في سيرته. ومعناه في الصحيح من حديث حذيفة ولفظه عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ وما قال? فقلت: أنا، فقال: هات إنك لجريء، وكيف قال? قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: قلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين, إن بينك وبينها بابا مغلقًا؟ قال: فيكسر الباب أو يفتح? قال: لا بل يكسر، قال: ذاك أحرى أن لا يغلق أبدًا، قال: قلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب? قال: نعم كما يعلم أن دون غد ليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق: سله فسأله فقال: عمر، أخرجاه١. وعن عبد الله بن سلام أنه مر بعبد الله بن عمر وهو نائم فحركه برجله وقال: من هذا? قال: أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين، قال: قم يابن قفل جهنم, فقام عبد الله وقد تغير لونه حتى أتى والده عمر وقال له: يا أبت أما سمعت ما قال ابن سلام? قال: وما قال لك يا بني? قال: قال لي: قم يابن قفل جهنم، فقال عمر: الويل لعمر إن كان بعد عبادة أربعين سنة ومصاهرته لرسول الله ﷺ وقضاياه بين المسلمين بالاقتصاد أن يكون مصيره إلى جهنم، قال: فقام عمر وتقنع بطيلسان له وألقى الدرة على عاتقه, فاستقبله عبد الله بن سلام فقال له: يابن سلام بلغني أنك قلت لابني: قم يابن قفل جهنم، قال: نعم قال: وكيف قلت: إني في جهنم حتى أكون قفلًا لجهنم? قال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن تكون في جهنم ولكنك قفل جهنم، قال: وكيف? قال: أخبرني أبي عن آبائه عن

стр. 299

موسى بن عمران عن جبريل أنه كان يقول: يكون في أمة محمد رجل يقال له: عمر بن الخطاب أحسن الناس وأحسنهم يقينًا، ما دام فيهم فالدين عالٍ واليقين فاشٍ، فاستمسك بالعروة الوثقى من الدين فجهنم مقفلة، فإذا مات عمر مرق الدين وافترق الناس على فرق من الأهواء، وفتحت أقفال جهنم فيدخل فيها كثير، خرجه في فضائله. وعن عبد الله بن دينار قال: جاء رجل إلى عمر قال: سمعت كعبًا يقول: إنك على باب من أبواب النار، قال: ففزع عمر لذلك وقال: ما شاء الله يرددها مرارًا ثم أرسل إلى كعب فقال: مرة في الجنة ومرة في النار، قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ وما بلغك عني? قال: أخبرني فلان أنك قلت كذا وكذا، قال: أجل, والذي نفسي بيده إني لأجدك على باب من أبواب النار قد سددته أن يدخل، قال: فكأنه جلا عنه ما كان في نفسه، خرجه عبد الرزاق في جامعه. ذكر اختصاصه بأنه أول من تنشق عنه الأرض بعد النبي ﷺ وبعد أبي بكر, تقدم حديث الذكر في خصائص أبي بكر: ذكر اختصاصه بأنه أول من يعطى كتابه بيمينه يوم القيامة, ودعاء الإسلام له فيه: تقدم في باب الشيخين من حديث زيد بن ثابت طرف منه خرجه في الديباج، وعن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة وحشر الناس, جاء عمر بن الخطاب حتى يقف في الموقف فيأتيه شيء أشبه به, فيقول: جزاك الله يا عمر عني خيرًا، فيقول له: من أنت? فيقول: أنا الإسلام جزاك الله يا عمر خيرًا, ثم ينادي منادٍ: ألا لا يدفعن لأحد كتاب حتى يدفع لعمر بن الخطاب، ثم يعطى كتابه بيمينه

стр. 300

ويؤمر به إلى الجنة" فبكى عمر وأعتق جميع ما يملكه وهم تسعة, خرجه في فضائله. ذكر اختصاصه بأن الله جعله مفتاح الإسلام: عن ابن عباس قال: نظر رسول الله ﷺ إلى عمر ذات يوم وتبسم، فقال: "يابن الخطاب, أتدري لم تبسمت إليك?" قال: الله ورسوله أعلم، قال: "إن الله نظر إليك بالشفقة والرحمة ليلة عرفة, وجعلك مفتاح الإسلام" خرجه الملاء في سيرته. ذكر اختصاصه بأنه أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة: ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "عمر أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة, وكل أحد مشغول بأخذ الكتاب وقراءته" خرجه في فضائله، ولا تضاد بينه وبين ما تقدم في الذكر قبله، إذ يعطى كتابه أولا، ثم يسلم عليه الحق والناس مشغولون حينئذ بإعطاء كتبهم. ذكر اختصاصه بأنه أول من تسمَّى بأمير المؤمنين: وعن الزبير قال: قال عمر لما ولي: كان أبو بكر يقال له: خليفة رسول الله ﷺ وكيف يقال لي خليفة رسول الله يطول هذا، قال: فقال له المغيرة: أنت أميرنا ونحن المؤمنون، فأنت أمير المؤمنين، قال: فذاك إذًا. وعن الشفاء -وكانت من المهاجرات الأول- أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق: أن ابعث إليَّ برجلين جلدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه عامل العراق لبيد بن ربيعة العامري وعدي بن حاتم الطائي، قال: فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد, فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرو، فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه نحن المؤمنون وهو أميرنا, فوثب عمرو فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال عمر: ما بالك في هذا الاسم? قال: إن لبيد بن ربيعة

стр. 301

وعدي بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد وقالا لي: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين, فهما والله أصابا اسمك, أنت الأمير ونحن المؤمنون، قال: فجرى الكتاب من يومئذٍ؛ خرجهما أبو عمر. ذكر اختصاصه بأنه أول من أمر بالجماعة في قيام رمضان: عن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال: خرجت مع عمر في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقونيصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون, يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، أخرجه البخاري. وعن علي قال: أنا حرضت عمر على القيام في شهر رمضان، أخبرته أن فوق السماء السابعة حضيرة يقال لها: حضيرة القدس يسكنها قوم يقال لهم: الروح، فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربهم في النزول إلى الدنيا فلا يمرون بأحد يصلي أو على الطريق إلا أصابه منهم بركة، فقال عمر: يا أبا الحسن فتحرض الناس على الصلاة حتى تصيبهم البركة، فأمر الناس بالقيام، خرجه ابن السمان في الموافقة. وعنه أنه مر على المساجد في شهر رمضان وفيها القناديل فقال: نور الله على عمر في قبره, كما نور علينا مساجدنا. وفي رواية: سمع القرآن في المساجد ورأى القناديل تزهر في المسجد فقال: نور الله لعمر، الحديث. خرجهما ابن السمان أيضًا، وخرج الرواية الأخيرة ابن عبدكويه وأبو بكر النقاش عن ابن إسحاق الهمداني قال: خرج علي الحديث.

стр. 302

ذكر اختصاصه بآي نزلت فيه: تقدم من ذلك آيات الموافقات. وفي الخامسة منهن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ نزلت فيه، وقد تقدم بيانها ثمة, وتقدم في فصل إسلامه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ١ الآية, نزلت فيه في قول بعضهم. ومنها قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٢, نزلت فيه وفي أبي جهل في قول زيد بن أسلم، وقال ابن عباس: نزلت في حمزة وأبي جهل. وعنه أيضًا أنها في عمار وأبي جهل، وقال مقاتل: في النبي ﷺ وأبي جهل، وقال الحسن: عامة. ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. قال ابن عباس: أسلم مع رسول الله ﷺ تسعة وثلاثون، ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فنزلت الآية. ومنها: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ ٤ قال الكلبي: نزلت في عمر حين شتمه رجل من المشركين من بني غفار فهمّ أن يبطش به، وقيل غير ذلك. ذكر جميع ذلك الواحدي وأبو الفرج وصاحب الفضائل.

стр. 303

الفصل السابع: في أفضليته بعد أبي بكر تقدمت أحاديث هذا الفصل جميعها في باب أبي بكر، وفي باب الثلاثة والأربعة، وحديث يختص به تقدم في الخصائص.

стр. 304

الفصل الثامن: في شهادة النبي ﷺ له بالجنة تقدم أكثر أحاديث هذا الفصل في باب الشيخين، وباب الثلاثة والأربعة والعشرة وما بينهن. ذكر شهادته ﷺ أنه من أهل الجنة: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "عمر بن الخطاب من أهل الجنة" خرجه أبو حاتم, وعن علي مثله، خرجه ابن السمان. ذكر كونه مع النبي ﷺ في الجنة: عن زيد بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب: "أنت معي في الجنة ثالث ثلاثة" خرجه المخلص، وخرجه البغوي في الفضائل وزاد: من هذه الأمة. ذكر أنه سراج أهل الجنة: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة" خرجه في الصفوة، والملاء في سيرته. وعن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة" فبلغ ذلك عمر فقام في جماعة من الصحابة حتى أتى عليا فقال: أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة" ? قال: نعم. قال: اكتب لي خطك، فكتب له: "بسم الله الرحمن

стр. 305

الرحيم: هذا ما ضمن علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله تعالى أن عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة" فأخذها وأعطاها أحد أولاده, وقال: إذا أنا مت وغسلتموني وكفنتموني فأدرجوا هذه معي في كفني حتى ألقى بها ربي، فلما أصيب غسل وكفن وأدرجت معه في كفنه ودفن، خرجه ابن السمان في الموافقة. ومعنى ذلك والله أعلم: أن أهل الجنة هم المؤمنون، وكانوا قبل إسلام عمر في ظلمة، ظلم الكفار من قريش، فلما أسلم عمر أنقذهم من ظلمهم وأظهر شعار الإسلام، فإن فائدة السراج ضوءه في الظلمة، والجنة لا ظلمة فيها، فكان معناه ما ذكرناه. ذكر قصره في الجنة: عن جابر عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أدخلت الجنة فرأيت قصرًا من ذهب ولؤلؤ فقلت: لمن هذا القصر? فقالوا: لعمر بن الخطاب، فما منعني أن أدخله إلا علمي بغيرتك". قال: أعليك أغار بأبي أنت وأمي؟ عليك أغار؟ خرجه أبو حاتم، وخرجه مسلم ولم يقل: "من ذهب ولؤلؤ". وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "أدخلت الجنة فإذا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر? قالوا: لشاب من قريش، فظننت أني أنا هو، فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب" خرجه أحمد وأبو حاتم. وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة, فإذا بامرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا? فقالت: لعمر بن الخطاب، فتذكرت غيرة عمر، فوليت مدبرًا" قال أبو هريرة: فبكى عمر ونحن جميعا في ذلك المجلس, ثم قال: بأبي أنت يا رسول الله, أعليك أغار? خرجه مسلم والترمذي وأبو حاتم, قال أبو حاتم: أدخل النبي

стр. 306

- ﷺ الجنة ليلة أسري به, فرأى قصر عمر بن الخطاب فسأل عن القصر فأخبروه أنه لعمر، وذلك فيما رواه أنس وجابر, ثم رأى في منامه مرة أخرى كأنه أدخل الجنة فإذا امرأة إلى جنب قصر تتوضأ فسأل عن القصر فقالت: لعمر بن الخطاب، وذلك فيما رواه أبو هريرة يدل على ذلك اختلاف لفظ الخبرين. وعن بريدة قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالًا فقال: "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة? ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر? فقالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر? فقالوا: لرجل من قريش، فقلت: أنا قرشي، لمن هذا القصر? فقالوا: لرجل من أمة محمد ﷺ قلت: أنا محمد، لمن هذا القصر? قالوا: لعمر بن الخطاب" فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن لله علي ركعتين، قالصلى الله عليه وسلم: "بهما".

стр. 307

الفصل التاسع: في ذكر نبذة من فضائله -رضي الله تعالى عنه - قال أهل العلم بالسير: كان عمر بن الخطاب من المهاجرين الأولين ممن صلى إلى القبلتين, وشهد بدرًا والحديبية وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ولما أسلم أعز الله به الإسلام وهاجر علانية كما تقدم، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنه راضٍ وبشره بالجنة، وأخبره أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه، وأن رضاه وغضبه عدل، وأن الشيطان يفر منه، وأن الله أعز به الدين واستبشر أهل السماء بإسلامه وسماه عبقريا ومحدثا وسراج أهل الجنة، ودعاه صاحب رحى دارة العرب يعيش حميدًا، ويموت شهيدًا، وأنه رجل لا يحب الباطل ولو كان بعده نبي لكان عمر، وهو أول من كتب التاريخ للمسلمين من الهجرة، وأول من حض

стр. 308

على جمع القرآن، وأول من جمع الناس على قيام رمضان، وأول من عس في عمله، وحمل الدرة١ وأدب بها، ووضع الخراج ومصّر الأمصار واستقضى القضاة، ودوّن الدواوين وفرض الأعطية، وحج بأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، وأول من سمي بأمير المؤمنين للسبب المتقدم في الخصائص، وفتح الله على يديه في سني خلافته دمشق ثم الروم ثم القادسية حتى انتهى الفتح إلى حمص وجلولاء والرقة والرها وحران ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبيسان واليرموك والجابية والأهواز وقيسارية ومصر وتستر ونهاوند والري وما يليها، وأصفهان وبلد فارس وإصطخر وهمدان والنوبة والبربر والبرلس، وحج بالناس عشر حجج متوالية، ثم صدر إلى المدينة فقتله أبو لؤلؤة, فيروى على ما سيأتي في فصل مقتله. ذكر جميع ذلك ابن قتيبة وأبو عمر وصاحب الصفوة، كل خرج طائفة. قال بعضهم: كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج، وكان يخافه ملوك فارس والروم وغيرهم، ولما ولي بقي على حاله كما كان قبل الولاية في لباسه وزيه، وأفعاله وتواضعه، يسير مفردًا في حضره وسفره من غير حرس ولا حجاب, لم يغيره الأمر ولم تبطره النعمة ولا استطال على مؤمن بلسانه، ولا حابى أحدًا في الحق لمنزلته، لا يطمع الشريف في حيفه ولا ييأس الضعيف من عدله، ولا يخاف في الله لومة لائم، ونزل نفسه من مال الله منزلة رجل من المسلمين وجعل فرضه كفرض رجل من المهاجرين, خرجه القلعي. وكان يقول: إنما أنا ومالكم كوالي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف؛ فقيل له: ما ذلك المعروف يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا تقوم البهيمة الأعرابية إلا بالقضم لا الخصم،

стр. 309

والقضم: الأكل بأطراف الأسنان، تقول: قضمت الدابة شعيرها بالكسر تقضمه قضمًا، والخصم: الأكل بجميع الفم, فكأنه أشار إلى الاكتفاء بالقليل الذي لا بد للحيوان منه ولا يتعداه، قال ابن شهاب وغيره من أهل العلم: أول ما ابتدأ به عمر من أمره حين جلس على المنبر أنه جلس حيث كان أبو بكر يضع قدميه وهو أول درجة ووضع قدميه على الأرض، فقالوا: لو جلست حيث كان أبو بكر يجلس، قال: حسبي أن يكون مجلسي حيث كانت تكون قدما أبي بكر، قالوا: وهاب الناس عمر هيبة عظيمة حتى ترك الناس المجالس بالأفنية قالوا: ننتظر ما رأى عمر، وقالوا: بلغ من أبي بكر أن الصبيان كانوا إذا رأوه يسعون إليه ويقولون: يا أبت فيمسح رءوسهم، وبلغ من هيبة عمر أن الرجال تفرقوا من المجالس هيبة حتى ينتظروا ما يكون من أمره، قالوا: فلما بلغ عمر أن الناس أهابوه فصيح في الناس: "الصلاة جامعة" فحضروا ثم جلس من المنبر حيث كان أبو بكر يضع قدميه، فلما اجتمعوا قام قائمًا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي ﷺ ثم قال: بلغني أن الناس قد هابوا شدتي وخافوا غلظتي وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه, فكيف إذا صارت الأمور إليه? ومن قال ذلك فقد صدق، قد كنت مع رسول الله ﷺ فكنت عبده وخادمه، وكان ممن لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة وقد سماه الله بذلك, ووهب له اسمين من أسمائه: "رءوف رحيم" فكنت سيفًا مسلولًا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، حتى قبض رسول الله ﷺ وهو عني راضٍ, والحمد لله وأنا أسعد بذلك، ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر فكان ممن لا ينكرون دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتي بلينه فأكون سيفًا مسلولًا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل معه كذلك حتى قبض وهو عني راض, والحمد لله وأنا أسعد بذلك، ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس, واعلموا أن هذه الشدة قد أضعفت ولكنها

стр. 310

إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والفضل فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا ويتعدى عليه، حتى أضع خده على الأرض وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق، ولكم عليّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها، لكم علي أن لا أخبأ شيئًا من خراجكم مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه, ولكم علي إذا وقع عندي أن لا يخرج إلا بحقه، ولكم علي أن أرد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى، ولكم علي أن لا ألقيكم في المهالك، وإذا رغبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. قال سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن: فوفى -والله- عمر وزاد الشدة في مواضعها واللين في مواضعه، وكان أبا العيال حتى إن كان ليمشي إلى المغيبات فيسلم على أبوابهن ثم يقول: أليكن آذاكن أحد? أتردن أشتري لكُنّ شيئًا من السوق، فإني أكره أن تخدعن في البيع والشراء، فيرسلن معه بجواريهن، فيدخل السوق وإن وراءه من جواري الناس وغلمانهم ما لا يحصى فيشتري لهم حوائجهم، ومن كان ليس عندها منهن شيء اشترى لها من عنده، وإذا قدم الرسول من بعض البعوث يتبعهن هو بنفسه بكتب أزواجهن ويقول لهن: إن أزواجكن في سبيل الله وأنتم في بلاد رسول الله ﷺ إن كان عندكن من يقرأ وإلا فأدنين من الباب حتى أقرأ لكن، ثم يقول: رسولنا يخرج يوم كذا وكذا فاكتبن حتى نبعث بكتبكن ثم يدور عليهن بالقراطيس والدوي, فمن كتب منهن أخذ كتابها، ومن لم تكتب قال: هذا قرطاس ودواة، ادني من الباب فأملي علي فيمر على كذا وكذا بابًا فيكتب لأهله ثم يبعث بكتبهن، وإذا كان في سفر نادى الناس في المنزل عند الرحيل: ارحلوا أيها الناس، فيقول القائل: أيها الناس, هذا أمير المؤمنين قد ناداكم فقوموا فاسقوا وارحلوا, ثم ينادي الثانية الرحيل، فيقول الناس: اركبوا فقد نادى أمير المؤمنين

стр. 311

الثانية، فإذا استقلوا قاموا فرحل بعيره وعليه غرارتان إحداهما فيها سويق والأخرى فيها تمر، وبين يديه قربة فيها ماء وخلفه جفنة كلما نزل جعل في الجفنة من السويق وصب عليه من الماء وبسط شناره، قال: والشنار مثل النطع الصغير، من جاء يخاصم أو يستقي أو يطلب حاجة قال له: كل من هذا السويق والتمر، ثم يرحل فيأتي المكان الذي رحل الناس منه فإن وجد متاعًا ساقطًا أخذه وإن وجد أحدًا به عرجة أو عرض لدابته أو بعيره تكارى له وساق به، فيتبع آثار الناس كذلك، فما سقط من متاع أخذه وما أصابته عرجة تخلف عليه, فإذا أصبح الناس في المساء من الغد لم يفقد أحد متاعًا له سقط منه إلا قال: حتى يأتي أمير المؤمنين، فيطلع عمر وإن جمله مثل المشجب مما عليه من المتاع، فيأتي هذا فيقول: يا أمير المؤمنين أدواتي، فيقول: وهل يغفل الرجل الحليم عن أدواته التي يشرب فيها, ويتوضأ للصلاة منها? أوكل ساعة أبصر ما يسقط؟ أوكل ليلة أكلأ عيني من النوم؟ ثم يرفع إليه أدواته ويقول: قوسي، وهذا رشاي، أو ما وقع منهم فيعنفهم، ثم يدفع ذلك إليهم. ولما بلغ الشام تلقوه ببرذون وثياب بيض، فكلموه أن يركب البرذون ليراه العدو ليكون ذلك أهيب له عندهم، ويلبس البياض ويطرح الفرو الذي عليه فأبى، ثم ألحوا عليه فركب البرذون بفروه وثيابه، فهملج به البرذون وخطا له ناقته بعد في يده، فنزل وركب راحلته وقال: لقد غير بي هذا حتى خفت أن أنكر نفسي، ذكر ذلك كله أبو حذيفة إسحاق بن بشر في فتوح الشام، وخرج ابن بشران خطبته إلى آخرها وجلوسه على المنبر فقط. ذكر كثرة فضائله وما له عند الله تعالى, وبكاء الإسلام على موته: عن أبي بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جاءني

стр. 312

جبريل فقلت له: أخبرني عن فضائل عمر وماذا له عند الله تعالى؟ قال لي: لو جلست معك قدر ما لبث نوح في قومه لم أستطع أن أخبرك بفضائل عمر وما له عند الله ثم قال: يا محمد ليبكين الإسلام من بعد موتك على موت عمر بن الخطاب" خرجه أبو سعد في شرف النبوة, وتمام في فوائده. وقد تقدم في باب الشيخين من حديث الحسن بن عرفة العبدي، ولم يذكر بكاء الإسلام على موته، ثم قال: وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر. ذكر وصف جبريل إياه بأخوة النبي ﷺ : عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "بينما أنا جالس في مسجدي أتحدث مع جبريل إذ دخل عمر بن الخطاب فقال جبريل: أليس هذا أخاك عمر بن الخطاب? فقلت: بلى يا أخي" أخرجه في الفضائل، وقد تقدم مستوفيًا في فصل اسمه، وسيأتي وصفه بذلك من دعاء النبي ﷺ بيا أخي. ذكر ما أعد الله له من الكرامة بسبب عز الإسلام به: عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "ينادي مناد يوم القيامة: أين الفاروق؟ فيؤتى به فيقول الله: مرحبًا بك يا أبا حفص، هذا كتابك إن شئت فاقرأه وإن شئت فلا، فقد غفرت لك، ويقول الإسلام: يا رب هذا عمر, أعزني في دار الدنيا فأعزه في عرصات القيامة، فعند ذلك يحمل على ناقة من نور ثم يكسى حلتين لو نشرت إحداهما لغطت الخلائق، ثم يسير في يديه سبعون ألف لواء، ثم ينادي مناد: يا أهل الموقف, هذا عمر فاعرفوه" خرجه في الفضائل.

стр. 313

ذكر نعته في كتب أهل الكتاب: عن كعب الأحبار أنه لقي عمر بالشام فقال له: إنه مكتوب في هذه الكتب: إن هذه البلاد التي كان بنو إسرائيل أهلها مفتوحة على يد رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين, سره مثل علانيته، قوله لا يخالف فعله، القريب والبعيد سواء عنده في الحكم، أتباعه رهبان بالليل وأسد بالنهار, متراحمون متواصلون. قال عمر: أحق ما تقول? فقلت: إي١ والذي يسمع ما أقول، فقال: الحمد لله الذي أعزنا وكرمنا وشرفنا ورحمنا بنبينا محمد, ورحمته التي وسعت كل شيء. ذكر إثبات فضيلته بالمصاهرة: تقدم في باب ما دون العشرة أن مصاهرته ﷺ موجبة لدخول الجنة مانعة من دخول النار، وعن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل نسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري" خرجه تمام. وقد تقدم في فضائل أبي بكر، وسيأتي كيفية تزويج النبي ﷺ ابنته في باب مناقبها من كتاب مناقب أمهات المؤمنين. ذكر الحث على محبته: عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب عمر، عمر قلبه بالإيمان" خرجه في فضائله. ذكر سؤاله النبي ﷺ والدعاء له: عن عمر أنه استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له وقال: "يا أخي, لا تنسنا من دعائك" وفي لفظ: "يا أخي أشركنا في دعائك" قال: ما

стр. 314

أحب أن يكون لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله: "يا أخي" خرجه أحمد والحافظ السلفي وصاحب الصفوة، وخرجه ابن حرب الطائي ولفظه: "أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا". ذكر إحالته ﷺ من سأله في منامه الدعاء عليه: عن أنس بن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر, فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسقِ لأمتك فإنهم قد هلكوا، قال: فأتاه رسول الله ﷺ في المنام وقال: "ائت عمر فمره أن يستسقي للناس فإنهم سيسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس" فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر وقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه، خرجه البغوي في الفضائل وأبو عمر. ذكر أن الله يغضب لغضبه: عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا غضب عمر؛ فإن الله يغضب لغضبه" خرجه الملاء في سيرته وصاحب النزهة. وفي رواية: "لا تغضبوا عمر؛ فإن الله يغضب إذا غضب" خرجهما أبو الحسين بن أحمد البناء الفقيه. ذكر أن غضبه عسر: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل فقال: أقرئ عمر من ربه السلام, وأعلمه أن رضاه حكم وغضبه عسر" خرجه الحافظ أبو سعيد النقاش والملاء وخرج المخلص معناه. ذكر شهادة النبي ﷺ وغيره له بالشهادة ودعائه ﷺ بها, وتمني عمر ذلك لنفسه: تقدم في ذكر أحاديث "اثبت حرا" في باب ما دون العشرة و "اثبت أحد"

стр. 315

و "اسكن ثبير" في باب الثلاثة وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "وصاحب رحى دارة العرب يعيش حميدًا ويموت شهيدًا" قالوا: من هو? قال: "عمر بن الخطاب". وتقدم أيضًا في باب الثلاثة من حديث الصوفي عن يحيى بن معين، وخرج منه أبو بكر بن الضحاك بن مخلد قصة عمر لا غير بلفظها، وحديث رخؤ بن بردة: "خليفة مستخلف, وشهيد مستشهد" تقدم في خصائصه. وعن ابن عمر قال: رأى النبي ﷺ على عمر ثوبًا أبيض فقال: "أجديد قميصك أم غسيل?" فقال: بل جديد, فقال ﷺ : "البس جديدًا وعش حميدًا ومت شهيدًا". قال عبد الرزاق: وزاد فيه الثوري عن إسماعيل بن أبي مخلد: "ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة" خرجه أبو حاتم. وعن كعب أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين إني أجدك في التوراة كذا وأجدك تقتل شهيدًا، فقال: وأنى لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب? وعن عمر وقد قرأ يومًا على المنبر: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ ثم قال: هل تدرون ما جنات عدن? قصر في الجنة له خمسة آلاف باب, على كل باب عشرون ألفًا من الحور العين, لا يدخله إلا نبي، وهنيئًا لصاحب القبر وأشار إلى قبر النبي ﷺ أو صديق وأشار إلى أبي بكر, أو شهيد وإني لعمر بالشهادة، ثم قال: إن الذي أخرجني من حنتمة بنت هشام بن المغيرة أخت أبي جهل قادر أن يوقها. قال ابن مسعود: فساقها الله على يدي شر خلقه، مجوسي عبد مملوك للمغيرة بن شعبة، هكذا قيد في هذا الحديث هشام بن المغيرة ثم أكد بأخت أبي جهل، وهو حجة لمن قال، إلا أن الصحيح في ذلك أنها ابنة هشام بن المغيرة.

стр. 316

وقد تقدم ذكر ذلك في نسبه، ويكون أطلق عليها أخت أبي جهل لأنها في درجة الأخت، وإنما هي ابنة عمه. ذكر علمه وفهمه: تقدم في خصائصه حديث إشارته على أبي بكر بجمع القرآن مما يدل على غزارة علمه وحسن نظره، وحديث ابن عمر في رؤيا النبي ﷺ شرب اللبن وإعطاء فضله عمر وتأويل ذلك بالعلم، وحديث ابن مسعود: "لو وضع عمر في كفة وعلم أهل الأرض في كفة, لرجح علم عمر" وكلاهما دليل على غزارة علمه، وعنه أنه قال لزيد بن وهب: اقرأ بما أقرأكه عمر، إن عمر أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله، خرجه علي بن حرب الطائي. وعن خالد الأسدي قال: صحبت عمر, فما رأيت أحدًا أفقه في دين الله ولا أعلم بكتاب الله ولا أحسن مدارسة منه، وعنه قال: إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهبت يوم ذهب عمر. وعنه قال: كان عمر أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأتقانا لله، والله إن أهل بيت من المسلمين لم يدخل عليهم حزن على عمر حين أصيب لأهل بيت سوء، خرجهن في فضائله. وعن طارق بن شهاب قال: قال يهودي لعمر بن الخطاب: إنكم لتقرءون آية في كتابكم لو علينا أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: وما هي? قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ قال عمر: فإني أعلم أي وقت نزلت وأي موضع نزلت، نزلت عشية عرفة ونحن وقوف بها يوم جمعة، أخرجاه. وعنه قال: جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح, فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية، فقالوا: هذه المجلية

стр. 317

قد عرفناها، فما المخزية? قال: تنزع منكم الحلقة والكراع, ونغنم ما أصبنا منكم وتردون علينا ما أصبتم منا, وتدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار, وتتركون أقوامًا يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله ﷺ والمهاجرين أمرًا يعذرونكم، فعرض أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيًا وسنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت أن نغنم ما أصبنا منكم وتردون ما أصبتم منا فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قتلت على أمر الله أجورها على الله ليس لها ديات، فتبايع القوم على ما قال عمر، خرجه الحميدي بهذا السياق عن البرقاني على شرط الصحيح وهو للبخاري مختصر. وعن أبي العالية قال: قال عمر: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات؛ فإن جبريل نزل به على محمد ﷺ خمس آيات خمس آيات، خرجه المخلص الذهبي. وعن عاصم بن عمر عن عمر أنه قال: لا يحرص على الإمارة أحد كل الحرص فيعدل فيها، خرجه أبو معاوية. وسئل محمد بن جرير الطبري فقيل له: العباس بن عبد المطلب مع جلالته وقربه من رسول الله ﷺ ومنزلته لم يدخله عمر مع الستة في الشورى، فقال: إنه إنما جعلها في أهل السبق مع البدريين، والعباس لم يكن مهاجرًا ولا سابقًا ولا بدريًّا، وإن عمر لم يكن يفتات عليه في عمله. وعن مجاهد: سئل عمر عن رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فقال: الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خرجه ابن ناصر السلامي الحافظ.

стр. 318

ذكر تلطفه في استنباط الحكم: تقدم في هذا طرف في الموافقة الخامسة من الخصائص، وعن أبي قتادة قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله كيف تصوم? قال: فغضب رسول الله ﷺ فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب قال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا, وبمحمد ﷺ نبيًّا، نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، قال: فجعل عمر يردد ذلك حتى سكن النبي ﷺ من غضبه، ثم قال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله? قال: "لا صام ولا أفطر" أي: لم يصم ولم يفطر, قال: يا رسول الله, كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا? قال: "أويطيق ذلك أحد?" قال: فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: "ذلك صوم داود" قال: فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين? قال: "وددت أني أطيق ذلك" ثم قال: "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان هذا صيام الدهر كله، وصيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله، وصيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" خرجه مسلم والترمذي والنسائي. ذكر فراسته: عن علي قال: كنا نقول: إن ملكًا ينطق على لسان عمر, خرجه الملاء في سيرته. وعن ابن عمر أنه كان إذا ذكر عمر قال: لله تلاد عمر، لقل ما رأيته يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان, خرجه الجوهري. وعنه قال: ما سمعت عمر يقول لشيء: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، علي بالرجل فدعي له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظني أو إنك على دينك في الجاهلية أو لقد كنت كاهنهم، فقال: ما رأيت

стр. 319

كاليوم يستقبل به رجل مسلم، فقال: أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك? قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها وبأسها من بعد أساسها ولحوقها بالقلاص أحلاسها؟ قال عمر: صدق, فبينما أنا نائم عند آلهتهم إذ أتى رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح أمر نجيح فصيح يقول: لا إله إلا الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل: هذا نبي، خرجه البخاري. وعن عبد الله بن مسلمة قال: دخلنا على عمر معشر وفد مذحج وكنت من أقربهم منه مجلسًا، فجعل عمر ينظر إلى الأشتر ويصوب فيه نظره، ثم قال: أمنكم هذا? فقلت: نعم قال: قاتله الله وكفى الله أمته شره، والله إني لأحسب منه للمسلمين يومًا عصيبًا، قال: فكان ذلك منه بعد عشرين سنة, خرجه الملاء في سيرته. وفي رواية عند غيره: أن عمر كان في المسجد ومعه ناس إذ مر رجل فقيل له: أتعرف هذا? فقال: قد بلغني أن رجلًا أتاه الله بظهر الغيب بظهور النبي ﷺ اسمه سواد بن قارب، وإني لم أره وإن كان حيا فهو هذا، وله في قومه شرف وموضع، فدعا الرجل فقال له عمر: أنت سواد بن قارب الذي أتاه الله بظهر الغيب بظهور رسول الله ﷺ ولك في قومك شرف ومنزلة? فقال: نعم يا أمير المؤمنين, قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك؟ فغضب الرجل غضبًا شديدًا وقال: يا أمير المؤمنين والله ما استقبلني بها أحد منذ أسلمت، قال عمر: سبحان الله! ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، أخبرني عما كان يأتيك به ربك بظهور النبي ﷺ فقال: نعم يا أمير المؤمنين! بينما أنا ذات ليلة

стр. 320

بين النائم واليقظان إذ أتاني جني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب وافهم إن كنت تفهم, واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته, ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتحساسها ... وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خير الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... واسم بغيتك إلى رأسها ثم أتاني في ليلة ثانية وثالثة يقول لي مثل قوله الأول وينشدني أبياتًا، فوقع في نفسي حب الإسلام ورغبت فيه، فلما أصبحت شددت على راحلتي فركبتها وانطلقت متوجهًا إلى مكة فأخبرت أن النبي ﷺ قد هاجر إلى المدينة، فقدمت المدينة فسألت عن النبي ﷺ فقيل لي: في المسجد، فعقلت ناقتي، فقال: "ادن" فلم يزل يدنيني حتى قمت بين يديه، فقال: "هات" فقصصت هذه القصة وأسلمت، ففرح رسول الله ﷺ بمقالتي وأصحابه، حتى رئي الفرح في وجوههم، قال: فوثب إليه عمر والتزمه وقال: لقد كنت أحب أن أسمع هذا الحديث منك, فأخبرني عن رئيك هل يأتيك اليوم? قال: أما منذ قرأت القرآن فلم يأتني، ونعم العوض كتاب الله، خرجه في فضائله. ذكر كراماته ومكاشفاته: عن عمر بن الحارث قال: بينا عمر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة ونادى: يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثًا، ثم أقبل على خطبته، فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : إنه لمجنون، ترك خطبته ونادى: يا سارية الجبل، فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يبسط عليه فقال: يا أمير المؤمنين, تجعل للناس عليك مقالًا، بينما أنت في خطبتك إذ ناديت: يا سارية الجبل أي شيء هذا? فقال: والله ما ملكت ذلك حين رأيت سارية وأصحابه يقاتلون عند جبل يؤتون منه من بين أيديهم ومن خلفهم
следующие страницы →