وعن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء مستعذب غير بئر رومة فقال: "من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعونني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر? فقالوا: اللهم نعم! قال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعونني أن أصلي فيها ركعتين? قالوا: اللهم نعم فقال: أنشدكم بالله وبالإسلام, هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي? قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم بالله وبالإسلام, هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى سقطت حجارته بالحضيض قال: فركضه برجله وقال: "اسكن ثبير؛ فإن عليك نبيًّا وصديقًا وشهيدين"؟ قالوا: اللهم نعم, قال: الله أكبر شهدوا ورب الكعبة أني شهيد ثلاثًا. خرجه الترمذي وقال: حسن، وخرجه أحمد بتغيير بعض ألفاظه وتقديم تأخير وقال: "حرا" مكان "ثبير" وزاد: أنشدكم بالله من شهد بيعة الرضوان إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى المشركين أهل مكة فقال: "هذه يدي وهذه يد عثمان, فبايع لي" فأنشد له رجال، وخرجه الدارقطني وزاد في بعض طرقه: أنشدكم بالله! هل تعلمون أن رسول الله ﷺ زوجني إحدى ابنتيه بعد الأخرى؛ رضا بي ورضا عني? قالوا: اللهم نعم.
وعن قتادة قال: كانت بقعة إلى جنب المسجد فقال النبي ﷺ : "من يشتريها ويوسعها في المسجد, له مثلها في الجنة" فاشتراها عثمان فوسعها في المسجد. خرجه خيثمة بن سليمان في فضائل عثمان.
стр. 457
ذكر اختصاصه بتشييد مسجد رسول الله ﷺ وتقصيصه:
عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه على عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا، ثم عمر عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج، أخرجه البخاري.
ذكر اختصاصه بأنه نور أهل السماء, ومصباح أهل الأرض:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قوموا بنا نعد عثمان بن عفان" قلنا: عليل يا رسول الله? قال: "نعم" فقام ﷺ واتبعناه حتى أتى منزل عثمان, فاستأذن فأذن له فدخل ودخلنا، فوجد عثمان مكبوبًا على وجهه فقال ﷺ : "ما لك يا عثمان لا ترفع رأسك?" فقال: يا رسول الله إني أستحي -يعني من الله تعالى- قال: "ولم ذاك?" قال: أخاف أن يكون علي غضبان، فقال له النبي ﷺ : "ألست حافر بئر رومة، ومجهز جيش العسرة, والزائد في مسجدي, وباذل المال في رضا الله تعالى ورضاي, ومن تستحي منه ملائكة السماء؟ هذا جبريل يخبرني عن الله أنك نور أهل السماء, ومصباح أهل الأرض وأهل الجنة" خرجه الملاء.
ذكر اختصاصه بإجابة النبي ﷺ إلى توسيع مسجد الكعبة:
عن المهلب بن عبد الله أنه دخل على سالم بن عبد الله بن عمر رجل, وكان ممن يحمد عليا ويذم عثمان, فقال الرجل: يا أبا الفضل ألا تخبرني هل شهد عثمان البيعتين كلتيهما: بيعة الرضوان وبيعة الفتح? فقال سالم: لا، فكبر الرجل وقام ونفض رداءه وخرج منطلقا, فلما أن
стр. 458
خرج قال له جلساؤه: والله ما أراك تدري ما أمر الرجل، قال: أجل وما أمره? قالوا: فإنه ممن يحمد عليا ويذم عثمان، فقال: علي بالرجل فأرسل إليه فأتاه فقال: يا عبد الله الصالح, إنك سألتني هل شهد عثمان البيعتين كلتيهما: بيعة الرضوان وبيعة الفتح فقلت: لا فكبرت وخرجت شامتًا, فلعلك ممن يحمد عليا ويذم عثمان? فقال: أجل والله إني لمنهم، قال: فاستمع مني ثم اردد علي: فإن رسول الله ﷺ لما بايع الناس تحت الشجرة كان بعث عثمان في سرية وكان في حاجة الله وحاجة رسوله وحاجة المؤمنين، فقال رسول الله ﷺ : "ألا إن يميني يدي وشمالي يد عثمان, وإني قد بايعت له" ثم كان من شأن عثمان في البيعة الثانية أن رسول الله ﷺ بعث عثمان إلى علي فكان أمير اليمن فصنع به مثل ذلك، ثم كان من شأن عثمان أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أهل مكة: "يا فلان, ألا تبيعني دارك أزيدها في مسجد الكعبة ببيت أضمنه لك في الجنة?" فقال الرجل: يا رسول الله ما لي بيت غيره فإن أنا بعتك داري لا يأويني وولدي بمكة شيء، فقال: "لا, بل -يعني- دارك أزيدها في مسجد الكعبة ببيت أضمنه لك في الجنة". فقال الرجل: والله ما لي إلى ذلك حاجة فبلغ ذلك عثمان -وكان الرجل صديقًا له في الجاهلية- فلم يزل به عثمان حتى اشترى منه داره بعشرة آلاف دينار, ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أنك أردت من فلان داره لتزيدها في مسجد الكعبة ببيت تضمنه له في الجنة, وإنما هي داري فهل أنت آخذها ببيت تضمنه لي في الجنة? قال: "نعم" فأخذها منه وضمن له بيتًا في الجنة وأشهد له على ذلك المؤمنين، ثم كان من جهازه جيش العسرة أن رسول الله ﷺ غزا غزوة تبوك فلم يلق في غزاة من غزواته ما لقيفيها من المخمصة والظمأ وقلة الظهر, فبلغ ذلك عثمان فاشترى قوتًا وطعامًا وأدمًا وما يصلح لرسول الله ﷺ ولأصحابه، فجهز إليه عيرا فنظر رسول الله ﷺ إلى سواد قد أقبل قال: "هذا قد جاءكم الله
стр. 459
بخير" فأنيخت الركاب ووضع ما عليها من الطعام والأدم وما يصلح رسول الله ﷺ وأصحابه, فرفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارضَ عنه" ثلاث مرات ثم قال: "يا أيها الناس, ادعوا لعثمان" فدعا له الناس جميعا مجتهدين ونبيهم ﷺ معهم, ثم كان من شأن عثمان أن النبي ﷺ زوجه ابنته فماتت, فجاء عثمان وعمر عند النبي ﷺ جالس فقال: يا عمر إني خاطب فزوجني ابنتك, فسمعه رسول الله ﷺ فقال: "خطب إليك عثمان ابنتك, زوجني ابنتك وأنا أزوجه ابنتي" فتزوج النبي ﷺ ابنة عمر وزوجه ابنته، فهذا ما كان من شأن عثمان. أخرجه أبو الخير القزويني الحاكمي.
ذكر اختصاصه بإقامة يد النبي ﷺ الكريمة مقام يد عثمان, لما بايع الصحابة وعثمان غائب:
قد تقدم في الذكرين قبله طرف منه.
وعن أنس قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان, كان عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة فبايع الناس فقال رسول الله ﷺ : "إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله" فضرب بإحدى يديه على الأخرى, فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا له من أيديهم لأنفسهم. خرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
وعن عثمان قال: كانت بيعة الرضوان فيَّ وضرب لي رسول الله ﷺ بشماله على يمينه، وشمال رسول الله ﷺ خير من يميني، قال القوم في حديثهم: بينا رسول الله ﷺ إذ قيل: هذا عثمان قد جاء, فقطع رسول الله ﷺ البيعة. خرجه خيثمة بن سليمان في فضائل عثمان.
ذكر اختصاصه بتبليغ رسالة رسول الله ﷺ إلى من بمكة أسيرًا من المسلمين:
عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: اشتد البلاء على من
стр. 460
كان في أيدي المشركين من المسلمين قال: فدعا رسول الله ﷺ عمر فقال: "يا عمر هل أنت مبلغ عني إخوانك من أسرى المسلمين?" قال: بأبي أنت والله, ما لي بمكة عشيرة غيري أكثر عشيرة مني، قال: فدعا عثمان فأرسله إليهم, فخرج عثمان على راحلة حتى جاء عسكر المشركين فعبثوا به وأساءوا له القول, ثم أجازه أبان بن سعيد بن العاص ابن عمه وحمله على السرج وردف خلفه, فلما قدم قال: يابن عم طف، قال: يابن عم إن لنا صاحبًا لا نبتدع أمرًا هو الذي يكون يعمله فتتبع أثره، قال: يابن عم ما لي أراك متحشفا أسبل؟ قال: وكان إزاره إلى أنصاف ساقيه، قال له عثمان: هكذا إزرة صاحبنا, فلم يدع أحدًا بمكة من أسرى المسلمين إلا أبلغهم ما قال رسول الله ﷺ . أخرجه أبو عمرو الغفاري.
ذكر شهادة النبي ﷺ لعثمان بموافقته في ترك الطواف لما أرسله في تلك الرسالة:
عن إياس بن سلمة عن أبيه أن النبي ﷺ بايع لعثمان إحدى يديه على الأخرى فقال الناس: هنيئًا لأبي عبد الله الطواف بالبيت آمنا، فقال النبي ﷺ : "لو مكث كذا, ما طاف حتى أطوف" خرجه ابن الضحاك في الآحاد والمثاني.
ذكر اختصاصه بسهم رجل ممن شهد بدرا وأجره, ولم يحضره:
عن عثمان بن وهب قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت فرأى قوما فقال: من هؤلاء القوم? فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ منهم? قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يابن عمر إني سائلك فحدثني, هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد? قال: نعم، قال: هل تعلم أنه تغيب عن بدر? قال: نعم، قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم
стр. 461
يشهدها? قال: نعم. قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك؛ أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته ابنة رسول الله ﷺ كانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه" وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد ببطن مكة أعز من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال: "هذه لعثمان" ثم قال ابن عمر: اذهب بها الآن معك. خرجه البخاري والترمذي واللفظ مختلف والمعنى واحد.
وفي رواية: أن الرجل الذي سأل ابن عمر لما قام, قيل لابن عمر: هذا يقول: إنك وقعت في عثمان، قال: أوقد فعلت ذلك? قالوا: إنه يقول ذلك، فقال: ردوه فردوه فقال: أعقلت ما قلت لك? قال: نعم، سألتك أشهد عثمان بيعة الرضوان فقلت: لا، وسألتك أشهد بدرًا فقلت: لا، وسألتك أكان ممن استنزله الشيطان فقلت: نعم. فقال ابن عمر: تعال أخبرك؛ أما بيعة الرضوان ثم ذكر معنى ما تقدم وقال في آخره: وأما الذين تولوا يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم, فاجهد عليه جهدك. خرجه أبو الخير القزويني الحاكمي المشهور في تخلف عثمان عن بدر أنه كان بما تضمنه هذا الحديث من تمريض زوجته ابنة رسول الله ﷺ أراد الخروج معهم, فأذن له رسول الله ﷺ بالتخلف عليها. ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل العلم بالسير.
وقال بعضهم: كان مريضًا بالجدري فأراد الخروج, فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع" وضرب له بسهمه وأجره. خرجه القلعي والأول أصح.
ذكر اختصاصه بكتابة الوحي حال الوحي:
عن فاطمة بنت عبد الرحمن عن أمها أنها سألت عائشة وأرسلها عمها
стр. 462
فقال: إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان, فإن الناس قد شتموه فقالت: لعن الله من لعنه, فوالله لقد كان قاعدًا عند نبي الله ﷺ وإن رسول الله ﷺ لمسند ظهره إلي, وإن جبريل ليوحي إليه القرآن وإنه ليقول له: "اكتب يا عثيم ١ , فما كان الله لينزل تلك المنزلة إلا كريمًا على الله ورسوله" خرجه أحمد وخرجه الحاكمي وقال: قالت: لعن الله من لعنه -لا أحسبها قالت إلا ثلاث مرات- لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو مسند فخذه إلى عثمان وإني لأمسح العرق عن جبين رسول الله ﷺ وإن الوحي لينزل عليه وإنه ليقول: "اكتب يا عثيم, فوالله ما كان الله لينزل عبدًا من نبيه تلك المنزلة إلا كان عليه كريمًا".
ذكر اختصاصه بكتابة سر رسول الله ﷺ :
عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس, جلس أبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعثمان بين يديه, وكان كاتب سر رسول الله ﷺ . خرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في كتاب فضائل العباس.
ذكر اختصاصه بمرافقة رسول الله ﷺ في الجنة:
عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: شهدت عثمان يوم حوصر ولو ألقي حجرًا لم يقع إلا على رأس رجل, فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل على الناس وقال لطلحة: أنشدك الله أتذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله ﷺ في موضع كذا وكذا, ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك؟ قال: نعم، فقال لك رسول الله ﷺ : "يا طلحة, إنه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق في الجنة, وإن عثمان -يعنيني- رفيقي في الجنة"؟ قال طلحة: اللهم نعم ثم انصرف. خرجه أحمد، وخرجه
стр. 463
الترمذي مختصرًا عن طلحة بن عبيد الله ولفظه: قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبي رفيق, ورفيقي عثمان" ولم يقل: في الجنة, وخرجه الحافظ أبو القاسم في الموافقات كذلك, وسياق هذا اللفظ يشعر بالتخصص بالمرافقة.
وقد سبق نحو من هذا السياق في حق أبي بكر, ولعل أحدهما رفيق في وقت أو في جنة, والآخر رفيق في آخر أو في أخرى من غير أن يكون بين الخبرين تضاد أو تهافت.
ذكر اختصاصه بكونه أوصلهم للرحم:
عن مطرف قال: لقيت عليا فقال لي: يا أبا عبد الله ما بطأ بك عنا, أحب عثمان? أما إن قلت ذاك, لقد كان أوصلنا للرحم وأتقانا للرب. خرجه في الصفوة.
ذكر اختصاصه بدعاء من رسول الله ﷺ لم يدع به لأحد قبله, ولا بعده:
عن الحسن بن علي قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام متعلقًا بالعرش ثم رأيت أبا بكر آخذا بحقوي رسول الله ﷺ ثم رأيت عمر آخذا بحقوي أبي بكر ثم رأيت عثمان آخذًا بحقوي عمر, ثم رأيت الدم منصبا من السماء إلى الأرض. فحدث الحسن بهذا الحديث وعنده ناس من الشيعة فقالوا: ما رأيت عليا? قال: ما كان أحد أحب إلي أن أراه آخذا بحقوي النبي ﷺ من علي ﵁ ولكن إنما هي رؤيا فقال أبو مسعود عقبة بن عمرو: إنكم لتجدون على الحسن في رؤيا رآها, لقد كنت مع رسول الله ﷺ ونحن في غزاة قد أصاب المسلمين جهد حتى عرفت الكآبة في وجوه المسلمين والفرح في وجوه المنافقين, فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: "والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزق" فعلم عثمان
стр. 464
أن الله ورسوله يصدقان, فوجه راحلته فإذا هو بأربع عشرة راحلة فاشتراها وما عليها من الطعام, فوجه منها سبعًا إلى رسول الله ﷺ ووجه سبعًا إلى أهله, فلما رأى المسلمون العير قد جاءت عرف الفرح في وجوههم والكآبة في وجوه المنافقين فقال رسول الله ﷺ : "ما هذا?" فقالوا: أرسل به عثمان هدية لك، قال: فرأيته رافعًا يديه يدعو لعثمان, ما سمعته يدعو لأحد قبله ولا بعده: "اللهم أعط لعثمان وافعل لعثمان" رافعًا يديه حتى رأيت بياض إبطيه. خرجه القزويني الحاكمي.
ذكر اختصاصه بدعاء رسول الله ﷺ في بعض الأحوال الليل كله:
عن أبي سعيد الخدري قال: رمقت رسول الله ﷺ من أول الليل إلى أن طلع الفجر يدعو لعثمان بن عفان يقول: "اللهم, عثمان رضيت عنه فارض عنه" خرجه الحافظ أبو الحسن الخلعي وصاحب الصفوة, ويشبه أن يكون سبب ذلك تجهيزه جيش العسرة أو تسبيل بئر رومة.
وقد ذكر الواحدي ما يشعر بذلك, فإنه حكى في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا ... ﴾ الآية: نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، فأما عثمان فجهز جيش العسرة وسبل١ بئر رومة.
قال أبو سعيد: فرأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان يقول: "يا رب رضيت عن عثمان فارض عنه" فما زال رافعًا يديه حتى طلع الفجر.
ومما ورد عن دعائه ﷺ لعثمان عن عائشة قالت: مكث آل محمد أربعة أيام ما طعموا شيئًا حتى تضاغوا٢ صبياننا, فدخل رسول الله ﷺ
стр. 465
فقال: "يا عائشة, هل أصبتم بعدي شيئا?" فقلت: من أين إن لم يأتنا الله به على يديك, فتوضأ وخرج منسحبًا يصلي ههنا مرة وههنا مرة يدعو، قالت: فأتى عثمان من آخر النهار فاستأذن فهممت أن أحجبه ثم قلت: هو رجل من مكاثير الصحابة لعل الله إنما ساقه إلينا ليجري على يديه خيرًا، فأذنت له فقال: يا أمتاه أين رسول الله ﷺ ؟ فقلت: يا بني, ما طعم آل محمد من أربعة أيام شيئا, دخل رسول الله ﷺ متغيرًا ضامر البطن, فأخبرته بما قال لها وبما ردت قالت: فبكى عثمان بن عفان وقال: مقتًا للدنيا ثم قال: يا أم المؤمنين ما كنت بحقيقة أن ينزل بك، يعني هذا ثم لا تذكرينه لي ولعبد الرحمن بن عوف ولثابت بن قيس في نظائرنا من مكاثير الناس, ثم خرج فبعث إلينا بأحمال من الدقيق وأحمال من الحنطة وأحمال من التمر وبمسلوخ وبثلاثمائة درهم في صرة ثم قال: هذا يبطئ عليكم، ثم بعث بخبز وشواء كثير، فقال: كلوا أنتم واصنعوا لرسول الله ﷺ حتى يجيء, ثم أقسم علي أن لا يكون مثل هذا إلا أعلمته، قالت: ودخل رسول الله ﷺ فقال: "يا عائشة, هل أصبتم بعدي شيئا?" قلت: يا رسول الله قد علمت أنك إنما خرجت تدعو الله وقد علمت أن الله لن يردك عن سؤالك. قال: "فما أصبتم" ? قلت: كذا وكذا حمل بعير دقيقًا وكذا وكذا حمل بعير حنطة وكذا وكذا حمل بعير تمرًا وثلاثمائة درهم في صرة ومسلوخًا وخبزًا وشواء كثيرًا.
فقال: "ممن?" فقلت: من عثمان بن عفان، قالت: وبكى وذكر الدنيا بمقت, وأقسم علي أن لا يكون مثل هذا إلا كلمته، قالت: فلم يجلس النبي ﷺ حتى خرج إلى المسجد ورفع يديه وقال: "اللهم قد رضيت عن عثمان فارض عنه" ثلاث مرات. خرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في الأربعين.
وعن ليث بن أبي سالم قال: أول من خبص الخبيص في الإسلام عثمان بن عفان, قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما وبعث
стр. 466
به إلى رسول الله ﷺ إلى منزل أم سلمة, فلما جاء رسول الله ﷺ قدمت بين يديه فأكل فاستطابه فقال: "من بعث بهذا?" فقالت: عثمان يا رسول الله بعث به, قال: "اللهم إن عثمان ترضاك فارض عنه".
وعن يوسف بن سهل بن يوسف الأنصاري عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله ﷺ فقال في خطبته: "اللهم ارض عن عثمان بن عفان" خرجهما خيثمة في فضائله.
وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير من طعام فيها جمل لعثمان بن عفان, عليه دقيق حواري وسمن وعسل فأتى بها النبي ﷺ فدعا فيها بالبركة، ثم دعا ببرمة فنصبت على النار وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن ثم عصد حتى نصج أو كاد ينضج, ثم أنزل فقال رسول الله ﷺ : "كلوا, هذا شيء تسميه فارس الخبيص" خرجه تمام في فوائده والطبراني في معجمه.
وعن جابر بن عطية قال: قال رسول الله ﷺ : "غفر الله لك يا عثمان ما قدمت وما أخرت, وما أسررت وما أعلنت, وما أخفيت وما أبديت, وما هو كائن إلى يوم القيامة" خرجه البغوي في معجمه, وخرجه ابن عرفة العبدي وقال: وما كان وما هو كائن.
ذكر اختصاصه بترك الصلاة على مبغضه:
عن جابر قال: أتى رسول الله ﷺ بجنازة رجل ليصلي عليها, فلم يصل عليه فقيل: يا رسول الله ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا قال: "إنه كان يبغض عثمان, فأبغضه الله " خرجه الترمذي والخلعي.
ذكر اختصاصه بصلاة الملائكة عليه يوم يموت:
عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوم يموت عثمان تصلي عليه ملائكة السماء" قلت: يا رسول الله عثمان خاصة أم
стр. 467
الناس عامة؟ قال: "عثمان خاصة" خرجه الحافظ الدمشقي, وقد تقدم في حديث طويل في ذكر وفاة عمر.
ذكر اختصاصه باعتناق رسول الله ﷺ له في بعض الأحوال, وقوله له: "أنت وليي في الدنيا والآخرة":
عن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في نفر من المهاجرين, منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : "لينهض كل رجل منكم إلى كفئه" ١ ونهض النبي ﷺ إلى عثمان فاعتنقه وقال: "أنت وليي في الدنيا والآخرة" خرجه الخجندي في الأربعين والملاء في سيرته وخرج منه الحافظ ابن عبيد عن جابر قوله ﷺ : "أنت وليي في الدنيا والآخرة".
ذكر اختصاصه بأنه لا يحاسب, أو يحاسب سرًّا:
عن علي بن أبي طالب أنه قال: يا رسول الله, من أول من يحاسب يوم القيامة? قال: "أبو بكر" قال: ثم من؟ قال: "ثم عمر" قال: ثم من? قال: "ثم أنت يا علي" قلت: يا رسول الله أين عثمان؟ قال: "إني سألت عثمان حاجة سرًّا فقضاها سرًّا, فسألت الله أن لا يحاسب عثمان" خرجه الحافظ بن بشران وخرج معناه ابن السمان في الموافقة بزيادة ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله من أول من يدعى للحساب? قال: "أنا أقف بين يدي ربي يوم القيامة ما شاء الله, ثم أخرج وقد غفر الله لي" قلت: ثم من يا رسول الله? قال: "ثم أبو بكر يقف مثل ما وقفت مرتين أو كما وقفت, ثم يخرج وقد غفر الله له" قلت: ثم من يا رسول الله? قال: "ثم عمر يقف ما وقف أبو بكر مرتين, ثم يخرج وقد غفر الله
стр. 468
له" قلت: ثم من يا رسول الله? قال: "ثم أنت يا علي" قلت: يا رسول الله فأين عثمان? قال: "عثمان رجل ذو حياء, سألت ربي أن لا يقف للحساب فشفعني فيه".
وعن أبي أمامة قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول للنبي ﷺ : من أول من يحاسب؟ قال: "أنت يا أبا بكر" قال: ثم من? قال: "ثم عمر" قال: ثم من? قال: "ثم علي" قال: فعثمان? قال: "سألت ربي أن يهب لي حسابه فلا يحاسبه, فوهب لي" خرجه الخجندي وقال: قال الحافظ أبو بكر: وفي رواية أخرى: "قضى لي حاجة سرا, فسألت الله أن يحاسبه سرا" ولا تضاد بين الروايتين, بل تحمل الأولى على أنه سأله أن لا يحاسبه جهرًا بين الناس فوهب له ذلك وجمعا بين هذا وبين ما تقدم في حق أبي بكر أنه لا يحاسب, ويكون معنى قوله: أول من يحاسب في هذا الحديث أي: أول من يبعث للحساب, بدليل أنه أول من تنشق عنه الأرض كما تقدم, ثم لا يحاسب والله أعلم.
ذكر اختصاصه بأنه أول من خط المفصل ١:
عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري أن عثمان لما دخل عليه أهوى إليه رجل بالسيف فاتقاه بيده فقطعها, فلا أدري أبانها أو لم يبنها قال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت المفصل. خرجه أبو حاتم.
ذكر اختصاصه بصبره نفسه على القتل, وجمعه القرآن:
عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان لعثمان شيئان: ليس لأبي بكر وعمر صبره نفسه حتى قتل مظلومًا, وجمعه الناس على المصحف.
وعن أنس أن حذيفة قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة
стр. 469
فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى, فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك, فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الله بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة, وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. خرجه البخاري.
ذكر اختصاصه بخلال عشر اختبأها عند الله :
عن أبي بشور الفهمي قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: لقد اختبأت ربي عشرًا: إني لرابع أربعة في الإسلام وجهزت جيش العسرة وجمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ وأتمنني رسول الله ﷺ على ابنته ثم توفيت فزوجني الأخرى، وما تغنيت مما تمنيت، وما وضعت يدي اليمنى على فرجي منذ بايعت رسول الله ﷺ وما مرت بي جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة أن لا تكون عندي فأعتقها بعد ذلك، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا سرقت. خرجه الحاكمي, وقوله: تمنيت أي: كذبت، وقد تقدم وتغنيت من الغناء والله أعلم.
ذكر اختصاصه بآي من القرآن نزلت فيه:
وقد تقدم من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا.. الآية﴾ ١ واختصاصه بدعاء رسول الله ﷺ .
стр. 470
وفي عبادة الليل كله: عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ١ قال: نزلت في عثمان. خرجه الواحدي والحاكمي والفضائلي.
وعن محمد بن حاطب قال: سمعت عليا ﵁ يقول يعني٢ ﴿إِن الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ ٣ عثمان. خرجه الحاكمي.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤ قال: عثمان. خرجه النجار.
стр. 471
الفصل السابع: في أفضليته بعد عمر ﵄ -
وأحاديث هذا الفصل تقدمت في باب الأربعة وباب الثلاثة من حديث ابن عمر, وغيره مستوفيًا فلتنظر ثمة.
وعن النزال قال: قال عبد الله بن مسعود حين استخلف عثمان: استخلفنا خير من بقي ولم نأله. خرجه خيثمة بن سليمان والقلعي وصاحب الصفوة.
وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال لعلي بعد أن شاور الصحابة: إني قد رأيت القوم لا يعدلون بعثمان أحدًا, فلا تجعلن عليك حجة. خرجه القلعي.
وعن علي بن الموفق قال: قمت في ليلة باردة فتوضأت بماء بارد وتوجهت إلى القبلة فصليت وقرأت ألف مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما فرغت غلبتني عيناي فنمت, فرأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله، القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق؟ فسكت فقلت: يا رسول الله القدر خيره وشره, حلوه ومرة؟ فسكت، فقلت: يا رسول الله الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؟ فسكت، فقلت: يا رسول الله خير الناس بعدك أبو بكر؟ فسكت، ثم قلت: عمر بعد أبي بكر فسكت، ثم أردت أن أقول: عثمان فاستحييت منه ﷺ فقلت: علي بعد عمر فقال لي: "ثم عثمان ثم علي" وجعل يرددها: "ثم عثمان ثم علي" قال: ثم أخذ بعضدي وقال لي: "يا علي بن الموفق هذه سنتي" فاستيقظت. خرجه الحافظ السلفي.
стр. 472
الفصل الثامن: في شهادة النبي ﷺ له بالجنة
تقدمت أحاديث هذا الفصل في باب العشرة وما دونها والأربعة، وفي باب الثلاثة من حديث أبي موسى وحديث أنس وحديث عائشة وحديث زيد بن أرقم، وحديث عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد، وتقدم في فصل الخصائص حديث زيد بن أسلم وطلحة بن عبد الله في اختصاصه بمرافقة النبي ﷺ في الجنة.
وعن عبد الله بن حوالة قال: قال ﷺ : "يهجمون على رجل يبايع الناس، مدثر ببرد، من أهل الجنة" فإذا هو عثمان.
وعن علي ﵁ وقد سئل عن عثمان فقال: ذاك ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه, ضمن له بيتا في الجنة. خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن جابر أن النبي ﷺ ما صعد المنبر فنزل حتى قال: "عثمان في الجنة" خرجه الحاكمي.
وعن عبد الله بن ظالم أن رجلا جاء إلى سعيد بن زير فقال له: إني أبغضت عثمان بغضًا لم أبغضه شيئًا قط، قال: بئس ما قلت, أبغضت رجلا من أهل الجنة؟! خرجه أحمد في المناقب.
стр. 473
ذكر وصف حورية لعثمان في الجنة:
عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أسري بي دخلت جنة عدن, فوضع في يدي تفاحة فانطلقت عن حوراء عيناء مرضية كأن مقادم عينيها أجنحة النسور فقلت: لمن أنت? فقالت: للخليفة من بعدك عثمان بن عفان" خرجه خيثمة بن سليمان، وخرجه الحاكمي، "وقالت: للخليفة المقتول من بعدك" وخرجه الملاء عن أنس ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فناولني جبريل تفاحة" ثم ذكر معنى ما بقي، وقال: "قالت: للخليفة المظلوم المقتول ظلمًا عثمان بن عفان" ولم يقل: بعدك.
ذكر فعله أشياء موجبة للجنة؛ طمعا فيها:
تقدم من ذلك ما ورد في بئر رومة, وفي توسيع المسجدين.
وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين أن عثمان ابتاع حائطًا من رجل فساومه حتى قام على عثمان ثم قال: أعط عشرة آلاف، فالتفت عثمان إلى عبد الرحمن بن عوف فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أدخل الجنة رجلا كان سمحا بائعا ومبتاعا وقابضا ومقبضا" ثم قال: زدتك العشرة الآلاف لأستوجب هذه الكلمة التي سمعتها من النبي ﷺ . أخرجه أبو الخير الحاكمي.
стр. 474
الفصل التاسع: في ذكر نبذ من فضائله
كان عثمان ﵁ من السابقين الأولين، وصلى إلى القبلتين، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنتي رسول الله ﷺ وعد من البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ولم يشهدهما كما تقدم بيانه، وهو أحد من توفي عنه رسول الله ﷺ وهو عنه راض, وقد تقدم ذكر شهادة النبي ﷺ له بالشهادة في باب ما دون العشرة في أحاديث حراء، وفي باب الثلاثة في أحاديث أحد وثبير.
ذكر شهادة النبي ﷺ بأنه على الحق:
عن كعب بن عجرة قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها وعظمها قال: ثم مر رجل مقنع في ملحفة فقال: "هذا يومئذ على الحق" فانطلقت فأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: "هذا" فإذا هو عثمان بن عفان. خرجه أحمد، وخرج الترمذي معناه عن مرة بن كعب البهزي وقال: هذا يومئذ على الهدى, فقمت إليه ثم ذكر ما بعده وقال: حسن صحيح.
ذكر أمر النبي ﷺ باتباعه عند ثوران الفتنة:
عن مرة بن كعب البهزي قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة قال: "كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟ " قالوا: فنصنع ماذا يا رسول الله? قال: "عليكم بهذا وأصحابه، أو اتبعوا هذا وأصحابه" قال: فأسرعت حتى عطفت الرجل فقلت: هذا يا نبي الله? قال: "هذا" فإذا هو عثمان بن عفان. أخرجه أبو حاتم وأحمد، وقال فيه: فأسرعت حتى عييت فلحقت بالرجل فقلت: هذا يا نبي الله؟ ثم ذكر ما بقي.
"شرح" صياصي: قرون البقر، وربما ركبت في الرماح مكان الأسنة، والصياصي: الحصون.
ذكر وصفه بالأمين, والحث على الكون معه:
عن أبي حبيبة قال: سمعت أبا هريرة -وعثمان محصور- استأذن في الكلام فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها تكون فتنة واختلاف, أو اختلاف وفتنة" قلنا: يا رسول الله فما تأمرنا? قال: "عليكم بالأمين وأصحابه" وأشار إلى عثمان بن عفان. خرجه القزويني الحاكمي.
стр. 475
وعن كعب قال: والذي نفسي بيده إن في كتاب الله المنزل على محمد ﷺ أبا بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان الأمين، فالله الله يا معاوية في أمر هذه الأمة, ثم نادى الثانية: إن في كتاب الله المنزل, ثم أعاد الثالثة. خرجه الأنصاري.
ذكر أن له شأنًا في أهل السماء:
عن زيد بن أبي أوفى حديث مؤاخاته ﷺ بين أصحابه, وفيه: ثم دعا عثمان وقال: "ادن يا أبا عمرو, ادن يا أبا عمرو" فلم يزل يدنو منه حتى ألصق ركبته بركبته، فنظر رسول الله ﷺ إلى السماء وقال: "سبحان الله" ثلاث مرات ثم نظر إلى عثمان وكانت أزراره محلولة فزرها ﷺ بيده ثم قال: "اجمع عطفي ردائك على نحرك" ثم قال: "إن لك لشأنا في أهل السماء أبا عمرو، ترد على حوضي وأوداجك تشخب دما فأقول: من فعل بك هذا? فتقول: فلان وفلان، وذلك كلام جبريل" خرج هذا القدر أبو الخير الحاكمي، وخرج حديث المؤاخاة بكماله أبو القاسم الدمشقي، وقد تقدم في باب العشرة.
ذكر استجابته الله ولرسوله في فضائل أخر:
عن عبد الله بن عدي بن الخيار بن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال: ما منعك أن تكلم عثمان في أخيه الوليد, فقد أكثر الناس فيه? فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة وهي نصيحة لك قال: يا أيها المرء منك? قال معمر: أعوذ بالله منك، فانصرفت فرجعت، فجاء رسول عثمان فأتيته فقال: ما نصيحتك? فقلت: إن الله قد بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ورسوله, فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه وقد أكثر الناس في شأن الوليد قال: أدركت رسول الله ﷺ ? قلت: لا ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى
стр. 476
العذراء في خدرها.
قال: أما بعد, فإن الله بعث محمدًا بالحق فكنت ممن استجاب لله ورسوله وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت، وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله تعالى، ثم أبا بكر١ مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى, قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم? أما ما ذكرت من شأن الوليد فنأخذ فيه بالحق إن شاء الله تعالى, ثم دعا عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين. خرجه البخاري.
وعن حصين بن المنذر قال: لما جيء بالوليد بن عقبة إلى عثمان -وقد شرب الخمر- قال عثمان لعلي: دونك ابن عمك, فأقم عليه الحد قال: فجلده أربعين.
وفي رواية فقال علي: يا حسين قم فاجلده فقال: ما أنت هذا؟! ولي هذا غيرك؟! قال: لا, ولكنك ضعفت ووهنت وعجزت، وقال: قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، وعد علي حتى بلغ أربعين. خرجه مسلم.
ذكر تبشيره ﷺ عثمان بثبوت الإيمان:
عن أنس بن مالك قال: عطس عثمان بن عفان عند النبي ﷺ عطسات متواليات, فقال النبي ﷺ : "يا عثمان ألا أبشرك?" قال: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: "فهذا جبريل يخبرني عن الله أن من عطس ثلاث عطسات متواليات كان الإيمان ثابتا في قلبه" خرجه أبو الخير الحاكمي وقال: إنما أراد به من عطس ثلاثًا وهو على مثل مقام عثمان في الحياء والإيمان، قلت: وهذا تحكم لا مستند
стр. 477
له، بل إن صح الحديث فظاهره العموم، وتكون هذه خصيصًا للمؤمنين.
ذكر شهادته ﷺ بأن له الشفاعة يوم القيامة:
عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "ليشفع عثمان يوم القيامة في سبعين ألفا عند الميزان من أمتي, ممن استوجبوا النار".
وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة مثل أحد الحيين ربيعة ومضر" قيل: وكانوا يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان. خرجهما الملاء في سيرته.
وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "يشفع عثمان يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر" خرجه الحاكمي القزويني.
ذكر تشبيهه ﷺ عثمان بإبراهيم ﵇:
عن مسلم بن يسار قال: نظر رسول الله ﷺ إلى عثمان فقال: "شبيه بإبراهيم ﵇ وإن الملائكة لتستحي منه" خرجه المخلص الذهبي والبغوي في الفضائل.
وقد تقدم في مناقب الأعداد أنه شبيه بهارون، فيحتمل أن يكون شبيهًا بإبراهيم في استحياء الملائكة منه, أو في بعض صفاته وهارون في بعض.
ذكر فراسته:
روي أن رجلا دخل على عثمان وقد نظر امرأة أجنبية, فلما نظر إليه
стр. 478
قال: هاء١!! أيدخل علي أحدكم وفي عينيه أثر الزنا? فقال له الرجل: أوحي بعد رسول الله ﷺ ? قال: لا!! ولكن قول حق, وفراسة صدق. خرجه الملاء في سيرته.
ذكر كراماته:
عن نافع أن جهجاه الغفاري تناول عصا عثمان وكسرها على ركبته, فأخذته الأكلة في رجله.
وعن أبي قلابة قال: كنت في رفقة بالشام, إذ سمعت صوت رجل يقول: يا ويلاه النار!! قال: فقمت إليه وإذا رجل مقطوع اليدين والرجلين من الحقوين٢ أعمى العينين منكب لوجهه فسألته عن حاله فقال: إني قد كنت ممن دخل على عثمان الدار فلما دنوت منه صرخت زوجته فلطمتها، فقال: ما لك قطع الله يديك ورجليك وأعمى عينيك وأدخلك النار، فأخذتني رعدة عظيمة وخرجت هاربًا فأصابني ما ترى ولم يبق من دعائه إلا النار قال: فقلت له: بعدًا لك وسحقًا. خرجهما الملاء في سيرته.
وعن مالك أنه قال: كان عثمان مر بحش كوكب فقال: إنه سيدفن ههنا رجل صالح، فكان أول من دفن فيه. خرجه القلعي.
ذكر متابعته للسنة:
عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أفضت مع ابن مسعود من عرفة، فلما جاء المزدلفة صلى المغرب والعشاء, كل واحد منهما بأذان وإقامة وجعل بينهما العشاء ثم نام، فلما قال قائل: طلع الفجر صلي الفجر، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال:
стр. 479
"إن هاتين الصلاتين أخرتا عن وقتهما" في هذا المكان المغرب، فإن الناس لا يأتون ههنا حتى يعتموا، وأما الفجر فهذا الحين، ثم وقف فلما أسفر قال: إن أصاب أمير المؤمنين السنة دفع، قال: فما فرغ عبد الله حتى دفع عثمان.
وعن أبي شريح الخزاعي قال: كسفت الشمس في عهد عثمان بن عفان وبالمدينة عبد الله بن مسعود قال: فخرج عثمان فصلى بالناس تلك الصلاة: ركعتين وسجدتين في كل ركعة قال: ثم انصرف ودخل داره وجلس عبد الله إلى حجرة عائشة وجلسنا إليه فقال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر, فإذا رأيتموه قد أصابهما فافزعوا إلى الصلاة؛ فإنها إن كانت الذي تحذرون كانت وأنتم على غير غفلة، وإن لم تكن كنتم قد أصبتم خيرًا اكتسبتموه. خرجهما أحمد.
ذكر تعبده:
عن محمد بن سيرين قال: كان عثمان يحيي الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن. وعنه قال: قالت امرأة عثمان, حين أطافوا به يريدون قتله: إن يقتلوه أو يتركوه, فإنه كان يحيي الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن. خرجهما أبو عمر.
وعن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: قلت: لأغلبن الليلة على المقام، قال: فلما صلينا العتمة تخلصت إلى المقام حتى قمت فيه قال: فبينا أنا قائم إذا رجل وضع يده بين كتفي فإذا هو عثمان بن عفان, فبدأ بأم القرآن يقرأ حتى ختم القرآن فركع وسجد, ثم أخذ نعليه فلا أدري صلى قبل ذلك شيئًا أم لا. خرجه الحاكمي والملاء.
وعن مولاة لعثمان قالت: كان عثمان يصوم الدهر. خرجه أبو عمر وصاحب الصفوة.
стр. 480
وعن الزبير بن عبد الله عن جدته قالت: كان عثمان يصوم الدهر, ويقوم الليل إلا هجعة من أوله. خرجه في الصفوة.
وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: قلت: لأغلبن الليلة على الحجر -يعني المقام- فقمت, فلما قمت إذا برجل متقنع زحمني فنظرت فإذا عثمان بن عفان, فتأخرت فإذا هو يسجد سجود القرآن حتى إذا قلت: هذه هوادي الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها ثم انطلق. خرجه الشافعي في مسنده.
ذكر كثرة إعتاقه:
عن أبي نشور الفهمي قال: قدمت على عثمان، فبينما أنا عنده فخرجت فإذا وفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت عليه فأعلمته، قال: كيف رأيتهم? قلت: رأيت في وجوههم الشر، وعليهم ابن عدس البلوي، فصعد ابن عدس منبر رسول الله ﷺ فصلى بهم الجمعة وتنقص عثمان في خطبته، فدخلت عليه فأخبرته بما قام فيهم فقال: كذب والله ابن عدس، لولا ما ذكر ما ذكرت ذلك، إني والله لرابع أربعة في الإسلام وأنكحني رسول الله ﷺ ابنته، ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى؛ ما زنيت ولا سرقت في الجاهلية ولا في الإسلام، ولا تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ ولا أتت جمعة إلا ولنا عتق رقبة منذ أسلمت, إلا أن لا أجد تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية. أخرجه الرازي والفضائلي.
ذكر صدقاته:
تقدم في الخصائص طرف جيد منها، عن ابن عباس قال: قحط الناس في زمان أبي بكر، فقال أبو بكر: لا تمسون حتى يفرج الله عنكم. فلما كان من الغد جاء البشير إليه قال: قدمت لعثمان ألف راحلة برا
стр. 481
وطعاما، قال: فغدا التجار على عثمان فقرعوا عليه الباب, فخرج إليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه فقال لهم: ما تريدون? قالوا: قد بلغنا أنه قد قدم لك ألف راحلة برا وطعاما، بعنا حتى نوسع به على فقراء المدينة، فقال لهم عثمان: ادخلوا فدخلوا فإذا ألف وقر١ قد صب في دار عثمان، فقال لهم: كم تربحونني على شرائي من الشام? قالوا: العشرة اثني عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة أربعة عشر، قال: قد زادوني, قالوا: العشرة خمسة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة? قال: زادني٢ بكل درهم عشرة، عندكم زيادة? قالوا: لا!! قال: فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة, قال عبد الله٣: فبت ليلتي فإذا أنا برسول الله ﷺ في منامي وهو على برذون أشهب يستعجل وعليه حلة من نور وبيده قضيب من نور وعليه٤ نعلان شراكهما من نور، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد طال شوقي إليك، فقال ﷺ : "إني مبادر؛ لأن عثمان تصدق بألف راحلة، وإن الله تعالى قد قبلها منه وزوجه بها عروسا في الجنة، وأنا ذاهب إلى عرس عثمان" خرجه الملاء في سيرته.
ذكر زهده:
عن شرحبيل بن مسلم قال: كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة, ويأكل الخل والزيت. خرجه صاحب الصفوة والملاء والفضائلي.
وعن عبد الله بن شداد قال: رأيت عثمان يوم الجمعة يخطب وهو يومئذ أمير المؤمنين, وعليه ثوب قيمته أربعة دراهم أو خمسة دراهم. خرجه الملاء.
стр. 482
وعن الحسن, وقد سأله رجل: ما كان رداء عثمان? قال: قطري، قال: كم ثمنه? قال: ثمانية دراهم، قال: ما كان قميصه? قال: سنبلاني، قال: كم ثمنه? قال: ثمانية دراهم، قال: ونعلاه معقبتان مخصرتان لهما قبالان. خرجه البغوي في معجمه، وخرجه ابن الضحاك مختصرًا بزيادة، ولفظه: أنه سئل عن رداء عثمان فقال: قطري، قيل: فما كان قميصه? قال: سنبلاني، قيل: فما كان إزاره? قال: سراويل، ونعلاه لهما قبالان مخصرتان معقبتان.
"شرح" القطر: ضرب من البرود، يقال لها: القطرية. وسنبلاني قال الهروي: يجوز أن يكون منسوبًا إلى موضع من المواضع، ويقال إذا نسب: ثوب سنبلاني، وسنبل ثوبه: إذا أسبله وجره من خلفه إلا أنه غير مراد هنا؛ لأنه ذكره في معرض المدح له. ومخصرتان أي: حف خصريهما حتى صارا مستدقين، وخصرة كل شيء: وسطه.
ذكر خوفه:
عن أبي الفرات قال: كان لعثمان عبد فقال له: إني كنت عركت أذنك فاقتص مني فأخذ بأذنه، ثم قال عثمان: اشدد، يا حبذا قصاص في الدنيا لا قصاص في الآخرة. خرجه ابن السمان في الموافقة.
وروي عنه أنه قال: لو أني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي, لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير. خرجه الملاء.
عن حماد بن زيد قال: رحم الله أمير المؤمنين عثمان، حوصر نيفًا وأربعين ليلة لم تبد منه كلمة يكون لمبتدع فيها حجة. خرجه الفضائلي.
"شرح" النيف يخفّف ويشدّد وأصله من الواو، ويقال: عشرة ونيف ومائة ونيف, وكل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني.
стр. 483
ذكر تواضعه:
عن الحسن قال: رأيت عثمان نائمًا في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجيء الرجل فيجلس إليه، ثم يجيء الرجل فيجلس إليه, فيجلس كأنه أحدهم. خرجه في الصفوة، وخرج خيثمة معناه ولفظه: قال: رأيت عثمان نائمًا في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين. وخرجه الملاء ولفظه: رأيت عثمان يقيل في المسجد ويقوم, وأثر الحصا في جنبه فيقول الناس: هذا أمير المؤمنين.
وعن علقمة بن وقاص أن عمرو بن العاص قام إلى عثمان وهو يخطب الناس فقال: يا عثمان, إنك قد ركبت بالناس النهابير وركبوها منك، فتب إلى الله وليتوبوا، قال: فالتفت إليه عثمان وقال: وأنت هناك يابن النابغة، ثم رفع يديه واستقبل القبلة وقال: أتوب إلى الله تعالى, اللهم إني أول تائب إليك. خرجه القلعي.
النهابير: الرمال المشرفة, وأراد: إنك ركبت شدائد وأمورًا صعبة, كما يصعب السير في الرمال.
ذكر شفقته على رعيته:
عن سليمان بن موسى: أن عثمان بن عفان دعي إلى قوم كانوا على أمر قبيح, فخرج إليهم فوجدهم قد تفرقوا ورأى أمرًا قبيحا، فحمد الله إذ لم يصادفهم وأعتق رقبة. خرجه في الصفوة.
ذكر حسن صحبته لأهله, وخدمه:
عن جدة الزبير بن عبد الله مولاة لعثمان قالت: كان عثمان لا يوقظ أحدًا من أهله من الليل إلا أن يجده يقظان, فيدعوه فيناوله وضوءه. خرجه أبو عمر وصاحب الصفوة.
стр. 484
ذكر كثرة الخير في زمن ولايته:
عن محمد بن سيرين قال: كثر المال في زمن عثمان, فبيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف درهم، ونخلة بألف درهم. وعن الحسن قال: كانت الأرزاق في زمن عثمان دارة, والخير كثيرا.
ذكر ما جاء في الحث على حبه, والتحذير من بغضه:
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة يؤتى بعثمان وأوداجه تشخب دما، اللون لون دم والرائحة رائحة المسك، يكسى حلتين من نور وينصب له منبر على الصراط, فيجوز المؤمنون بنور وجهه، وليس لمبغضه منه نصيب" خرجه الملاء في سيرته.
وعن علي بن زيد بن جدعان قال: قال لي سعيد بن المسيب: انظر إلى وجه هذا الرجل، فنظرت فإذا هو مسود الوجه، فقلت: حسبي، قال: إن هذا كان يسب عليا وعثمان فكنت أنهاه فلا ينتهي. فقلت: اللهم إن هذا يسب رجلين قد سبق لهما ما تعلم، اللهم إن كان يسخطك ما يقول فيهما فأرني فيه آية, فاسود وجهه كما ترى. خرجه أبو عمر، وخرجه خيثمة ولفظه: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيب فقال لي: قل لقائدك يذهب ينظر إلى هذا الرجل حتى أحدثك، قال: فذهب قال: فرأيت رجلا أسود الوجه أبيض الجسد، فقال سعيد: هذا كان يسب عليا وعثمان وطلحة والزبير فقلت: إن كان كاذبًا سود الله وجهه، فخرجت بوجهه قرحة فاسود وجهه. وخرج عن أنس أنه ذكر عنده أنه لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب أبدا، فقال: كذبوا، والله إنا نحب عليا وعثمان.
وفي رواية: كذبوا والله الذي لا إله إلا هو، لقد اجتمع حبهما في قلوبنا، ونحن كذلك والحمد لله.
стр. 485
ذكر ثناء علي ﵁ على عثمان:
تقدم في الخصائص قول علي: كان عثمان أوصلنا للرحم, وأتقانا للرب.
وعن أم عمرو بنت حسان بن يزيد بن أبي الغض -قال أحمد بن حنبل: وكانت عجوز صدق- قالت: حدثني أبي قال: دخلت المسجد الأكبر -مسجد الكوفة- وعلي قائم على المنبر يخطب الناس وهو ينادي بأعلى صوته ثلاث مرات: يا أيها الناس!! يا أيها الناس!! إنكم تكثرون في عثمان وإن مثلي ومثله كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١ أيها الناس، هذه لنا خاصة. وعنه وقد قيل له: إنهم يقولون: إن عليا قتل عثمان, فقال: قتله الذي قتله، لعن الله قتلة عثمان.
قال علي: أنا وطلحة وعثمان والزبير كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ خرجهما ابن السمان.
وعن محمد بن حاطب قال: دخلت على علي وهو بالكوفة فقلت: يا أمير المؤمنين إني أريد الحجاز وإن الناس سائلي عنك، فما تقول في, وكان متكئا؟ فجلس وقال: تسائلني يابن حاطب عما أقول في عثمان? والله إني لأرجو أن أكون أنا وأخي عثمان ممن قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ خرجه ابن السمان.
وعنه عن علي قال: عثمان من الذين آمنوا، ثم قرأ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ خرجه ابن حرب الطائي.
وعن ثابت بن عبد قال: جاء رجل من آل حاطب إلى علي بن أبي
стр. 486
طالب فقال: يا أمير المؤمنين إني راجع إلى المدينة، وإنهم سائلي عن عثمان، فماذا أقول لهم? قال: أخبرهم أن عثمان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا, ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين.
وعن محمد بن الحنفية قال: قال علي: لو سيرني عثمان إلى كذا لسمعت وأطعت.
وعن عروة بن الزبير قال: لما زاد عثمان في المسجد قال علي: ما أحسن ما صنع! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بني مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة".
وعن أبي سعيد قال: رأيت غلاما ما أدرى غلاما هو أم جارية, ما رأيت أحسن منه جالسًا إلى جنب علي بن أبي طالب، فقلت له: عافاك الله!! من هذا الفتى إلى جانبك? قال: هذا عثمان بن علي، سميته بعثمان بن عفان، وقد سميت بعمر وبالعباس عم رسول الله ﷺ وسميت بخير البرية محمد ﷺ وأما حسن وحسين ومحسن فإنما سماهم رسول الله ﷺ وعتق عنهم أو حلق رءوسهم وتصدق بزنتها ذهبا، وأمر بهم فسموا. خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن سعيد بن المسيب أنه جرى بين عثمان وعلي نزغ من الشيطان فما ترك أحدهما من الآخر شيئًا, ثم لم يقوما حتى استغفر أحدهما للآخر. خرجه ابن السمان.
وعن محمد بن الحنفية قال: جاء إلى علي ناس من الناس فشكوا سعاة عثمان, قال: فقال لي أبي: اذهب بهذا الكتاب إلى عثمان فقل له: إن الناس قد شكوا من سعاتك، وهذا أمر رسول الله ﷺ في الصدقة فلتأخذ به, قال: فأتيت عثمان فذكرت له ذلك، فلو كان ذاكرًا عثمان بشيء لذكره- يعني بسوء. خرجه أحمد في المناقب.
стр. 487
ذكر رؤية الحسن حق عثمان:
عن أرطأة بن المنذر قال: لقي علي بن أبي طالب الحسن بن علي وهو خارج من عند عثمان قال: يا بني أما لي عليك حق الوالد? فقال الحسن: حق الخليفة أعظم من حق الوالد. خرجه ابن الضحاك.
ذكر ما كان بين أولاد علي وعثمان من الصلة:
بالمصاهرة, كما كان بينه وبين رسول الله ﷺ :
عن أبهز بن ميرز قال: حججت مرة فإذا غلامان صبيحان أبيضان مقرطان يطوفان بالكعبة وقد أطاف الناس بهما، فقلت: من هذان? قالوا: هذان ابنا علي وعثمان، فقلت: ألا ترى هؤلاء تزوج بعضهم بعضا وحجا معًا ومن حوالينا يقول: يشهد بعضهم على بعض بالكفر؟!
قال وكيع: هما ابن لعبد الله بن الحسين والآخر محمد بن عمرو بن عثمان، أمه فاطمة بنت الحسين. خرجه ابن السمان.
ذكر ثناء ابن عمر على عثمان:
عن ابن عمر أنه سئل عن علي وعثمان فقال للسائل: قبحك الله! تسائلني عن رجلين, كلاهما خير مني?! تريد أن أخفض من أحدهما وأرفع من الآخر! خرجه أبو عمر.
وعن سعيد بن عبد قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر محاسن عمله ثم قال: لعل ذاك يسوءك!! قال: نعم. قال: فأرغم الله أنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله ثم قال: ذاك بيته أوسط بيوت النبي ﷺ ثم قال: لعل ذلك يسوءك! قال: نعم. قال: فأرغم الله أنفك! انطلق فاجهد على جهدك. خرجه البخاري.
ذكر ثناء البراء على عثمان:
عن البراء بن عازب قال: لا تسبوا عثمان فإنه أخي وخليلي، لا
стр. 488
تسبوا عليا فإنه أخي وخليلي. والذي نفس محمد بيده لموقف أحدهم ساعة مع رسول الله ﷺ خير من الدنيا وما فيها. خرجه ابن البختري هكذا موقوفا على البراء، ولعله مرفوع, وأسقط الناسخ ذكر النبي ﷺ .
ذكر ثناء خارجة بن زيد عليه بعد موته:
عن النعمان بن بشير قال أبي رجل يقال له: خارجة بن زيد قد سجي عليه بثوب فوقف عليه فإذا هو يقول: عبد الله عثمان أمير المؤمنين العفيف المتعفف, الذي يعفو عن ذنوب كثيرة, خلت ليلتان وبقيت أربع. خرجه ابن الضحاك وابن أبي الدنيا.
стр. 489
الفصل العاشر: في خلافته وما يتعلق بها , ذكر ما تضمن الدلالة على خلافته بعد عمر
وقد تقدمت أحاديث هذا الذكر في نظيره من باب الأربعة والثلاثة من تصريح وتلويح، وتقدم الكلام على ما تضمنته الأحاديث من مشكل، وبيان وجه الدلالة على المطلوب، وتقدم في فصل الشهادة له بالجنة في ذكر وصفنا الحورية طرف منه أيضا.
وعن الأسود بن هلال عن رجل من قومه قال: كنا نقول في خلافة عمر بن الخطاب: لا يموت عثمان حتى يستخلف١, قلنا: من أين تعلم ذلك? قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رأيت الليلة في المنام كأن ثلاثة من أصحابي ودقوا" الحديث, وتقدم أيضا في باب الثلاثة، وفيه بحث دقيق فلينظر ثمة.
وروي أن أبا بكر لما أملى على عثمان وصيته عند موته، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أغمي عليه، فكتب عثمان عمر، فلما أفاق قال: من
стр. 490
كتبت? قال: عمر, قال: لو كتبت نفسك لكنت لها أهلًا. خرجه في الصفوة.
وعن يزيد بن أسلم عن أبيه قال: كتب عثمان بن عفان عهد الخليفة من بعد أبي بكر, فأمره أن لا يسمي أحدا، وترك اسم رجل، فأغمي على أبي بكر إغماءة, فأخذ عثمان العهد وكتب فيه اسم عمر. قال: فأفاق أبو بكر فقال: أرنا العهد فإذا اسم عمر, قال: من كتب هذا? قال عثمان: أنا! قال: رحمك الله وجزاك خيرا، فوالله لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلًا. أخرجه ابن عرفة العبدي.
وعن حذيفة قال: قيل لعمر, وهو بالموقف: من الخليفة بعدك? قال: عثمان بن عفان. خرجه خيثمة بن سليمان، وهذا خبر عن كشف واطلاع لا عن عهد.
وعن حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر فكان الحادي يحدو: إن الأمير بعده عثمان, وحججت مع عثمان فكان الحادي يحدو: إن الأمير بعده علي. خرجه البغوي في معجمه، وخرجه خيثمة وقال: حججت مع عمر حجتين, فسمعت الحادي إلى آخره.
ذكر بيعته:
بويع بالخلافة يوم السبت عاشر المحرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بثلاثة أيام باجتماع الناس عليه. ذكره ابن قتيبة وأبو عمر وغيره، واتخذ ﵁ حاجبًا هو حمران مولاه وكاتبًا هو مروان بن الحكم, ذكره الخجندي وغيره وخاتما١ نقشه: آمنت بالله مخلصا، وقيل: آمنت بالذي خلق فسوى، وقيل: لتصبرن أو لتذمن, ذكره الخجندي أيضا, وكان في يده خاتم رسول الله ﷺ يطبع به إلى أن وقع منه في بئر أريس. وقد
стр. 491
تقدم ذكره في فصل خلافة أبي بكر ثم عمر. قال ابن قتيبة: وافتتح أيام خلافته الإسكندرية، ثم سابور، ثم أفريقية، ثم قبرص، ثم سواحل الروم وإصطخر الأخيرة وفارس الأولى، ثم خوز وفارس الأخيرة، ثم طبرستان ودار أبجرد وكرمان وسجستان، ثم الأساورة في البحر، ثم أفريقية من حصون قبرص، ثم ساحل الأردن، ثم مرو, ثم حضر عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
ذكر حديث الشورى:
عن عمرو بن ميمون أنهم قالوا لعمر بن الخطاب لما طعنه أبو لؤلؤة: أوصِ يا أمير المؤمنين استخلف, قال: ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ, فسمى عليا وطلحة وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ﵃ قال: ويشهد عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء -كهيئة التعزية له- فإن أصاب الأمر سعد فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله١ من عجز ولا خيانة. فلما توفي وفرغ من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان, فخلا هؤلاء الثلاثة علي وعثمان وعبد الرحمن فقال عبد الرحمن للآخرين: أيكما يتبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه وليحرصن على إصلاح الأمة? قال: فأسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي, والله على أن لا آلو عن أفضلكم؟
стр. 492
قال: نعم! فأخذ بيد علي فقال: إن لك القدم والإسلام والقرابة ما قد علمت، الله عليك، لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت إليك لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بعثمان فقال له مثل ذلك, فلما أخذ الميثاق قال لعثمان: ارفع يدك فبايعه، ثم بايعه علي, ثم ولج أهل الدار فبايعوه. خرجه البخاري وأبو حاتم.
وفي رواية ذكرها ابن الجوزي في كتاب منهاج أهل الإصابة في محبة الصحابة, أن عبد الرحمن لما قال لعلي وعثمان: أفتجعلونه إلي? قالا: نعم قال لعلي: أبايعك على سيرة أبي بكر وعمر? فقال علي: واجتهاد رأي, فخاف أن يترخص من المباح ما لا يحتمله من ألف ذلك التشدد من سيرة الشيخين. فقال لعثمان: أبايعك على سيرة أبي بكر وعمر? فقال: نعم فبايعه، فسار سيرة أبي بكر وعمر مدة, ثم ترخص في مباحات فلم يحتملوها حتى أنكروا عليه.
وعن المسور بن مخرمة أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم في هذا الأمر, ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن. فلما ولوه أمرهم انثال الناس على عبد الرحمن ومالوا إليه حتى ما رأى أحدا من الناس يتبع أحدا من أولئك، ومال الناس إلى عبد الرحمن يشاورونه ويناجونه تلك الليالي, إذ كان الليلة التي أصبحنا فيها فبايعنا عثمان.
قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت, فقال: ألا أراك نائما فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، فادع إلى الزبير وسعد، فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي عليا فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل، ثم قال: ادع لي عثمان فدعاه فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن للصبح، فلما صلى الناس الصبح اجتمع أولئك الرهط عند المنبر, فأرسل عبد الرحمن إلى من كان خارجا من
стр. 493
المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا قد وافوا تلك الحجة مع عمر, فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن فقال: أما بعد يا علي, فإني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، أفلا تجعل على نفسك سبيلا؟ وأخذ بيد عثمان فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون. أخرجاه.
"شرح" الرهط: ما دون العشرة ليس فيهم امرأة, ومنه: ﴿كَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ وانثال الناس عليه وتناثلوا: إذا انصبوا, وهجع من الليل وهجعة منه أي: نومة خفيفة من أوله، وابهار الليل وابتهر: انتصف ويقال: ذهب معظمه وأكثره، فابهار علينا الليل: طال، والإشارة بقوله توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض إلى ما تضمنه الحديث المتقدم في باب ما دون العشرة.
وعن سهل بن مالك عن أبيه عن جده قال: لما قدم رسول الله ﷺ من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس, إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك. يا أيها الناس, إني راضٍ عن عمر وعلي وعثمان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن مالك وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين فاعرفوا لهم ذلك" خرجه الخلعي، والحافظ الدمشقي في معجمه؛ فلذلك خصهم عمر بالذكر ولم يتعدهم إلى غيرهم لمكان تخصيصه ﷺ إياهم بالذكر مع تعميمه حكم الرضا في المهاجرين الأولين، وكان هذا القول بعد حجة الوداع قريب الوفاة على ما تضمنه الحديث واعتماد عمر عليه يؤيد ذلك، ولو بعد عنها كان الأصل بقاءه، ولكن قربه أنسب لترتب الاعتماد عليه وأبعد من تغير حكم الرضا، وإن جاز فهو مرجوح. وقد يتبادر إلى الأفهام أن المراد بالذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ بقية العشرة، ولو كان المراد
стр. 494
أولئك لدخل سعيد بن زيد, فإنه كان حاضرًا لأنه كان من أمراء الأجناد، وقد تقدم في الحديث آنفا أنهم حضروا في ذلك العام، وتوفي عمر في آخر ذي الحجة قبل أن يتفرقوا، ويدل على ذلك وجه التنصيص أعني: دخول سعيد بن زيد ممن حضر في ذلك العام حديث السقيفة عن ابن عباس وفيه: أن عمر خطب في يوم جمعة مرجعه من حجة الوداع وذكر حديث السقيفة, وذكر ابن عباس أنه عجل الرواح ذلك اليوم فوجد سعيد بن زيد جالسًا إلى ركن المنبر فدل على ما قلناه آنفا، على أن العشرة ﵃ وغيرهم من المهاجرين ممن توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، لكن لم يرد فيهم تنصيص على الرضا عنهم على التعيين كما ورد في هؤلاء، وللتخصيص بالذكر والتنصيص راجحية؛ فلذلك اعتمدها عمر ﵁ وهذا في الاعتذار عن ذكر غيرهم من سعيد وغيره ﵃ أولى من جواب محمد بن جرير الطبري لما قيل له: العباس بن عبد المطلب مع جلالته وقربه من رسول الله ﷺ ومنزلته لم يدخله عمر في الستة في الشورى, فقال: إنه إنما جعلها في أهل السبق من البدريين، والعباس لم يكن مهاجرًا ولا سابقًا ولا بدريًّا، وهذا يعترض عليه بعثمان وطلحة فإنهما لم يحضرا بدرا, ولئن قال: ثبت لهما أجر بدريين وسهمهما فعدا من البدريين، قلنا: يشكل بسعيد بن زيد فإنه أسبق السابقين إسلاما وهجرة، وكان ممن لم يحضر بدرا إلا أنه أعطي سهم بدري وأجره فلينسحب عليه حكمهما، فعلم والحالة هذه أن لا موجب للتنصيص عليهم وتخصيصهم بالذكر دون غيرهم إلا ما تضمنه الحديث المذكور مما اعتمده عمر, والله أعلم.
ذكر اختيار كل واحد من أهل الشورى عثمان ﵃:
عن أسامة بن زيد عن رجل منهم أنه كان -يعني عبد الرحمن بن عوف- كلما دعا رجلا منهم -يعني من أهل الشورى- تلك الليلة ذكر مناقبه وقال: إنك لها أهل، فإن أخطأتك فمن? يقول: إن أخطأتني فعثمان. خرجه أبو الخير القزويني الحاكمي.
стр. 495
الفصل الحادي عشر: في مقتله وما يتعلق به , ذكر شهادة النبي ﷺ له
عن ابن عمر أن النبي ﷺ ذكر فتنة فقال: "يقتل فيها هذا مظلوما" وأشار إلى عثمان. خرجه في المصابيح الحسان، وخرجه الترمذي وقال: "يقتل مظلوما" لعثمان، وقال: حديث حسن غريب١، وخرجه أحمد وقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما, فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان.
ذكر ما روي عن الصحابة أنه مظلوم:
عن موسى بن حكيم قال: أشرف عثمان على المسجد فإذا طلحة جالس في المسجد في المشرق، قال: يا طلحة قال: يا لبيك! قال: نشدتك بالله هل تعلم أن رسول الله ﷺ قال: "من يشتري قطعة يزيدها في المسجد" فاشتريتها من مالي? قال طلحة: اللهم نعم, فقال: يا طلحة قال: يا لبيك! قال: نشدتك بالله هل تعلمني حملت في جيش العشرة على مائة? قال طلحة: اللهم نعم ثم قال طلحة: اللهم لا أعلم عثمان إلا مظلوما. أخرجه الدارقطني.
وعن الأوزاعي: أن عمر أرسل إلى كعب فقال: يا كعب كيف تجد نعتي? قال: أجد نعتك قرن حديد, قال: وما قرن حديد? قال: لا تأخذك في الله لومة لائم، قال: ثم مه٢؟ قال: يكون بعدك خليفة تقتله أمة ظالمة له، قال: ثم مه؟ قال: يقع البلاء. أخرجه ابن الضحاك.