← Тараджим

Тараджим · id 8657

الرياض النضرة في مناقب العشرة

محب الدين الطبري

Полный текст (841 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

علمه بأن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر قصروا الصلاة بها. الثامن عشر: انفرد بأقوال شاذة خالف فيها جميع الأمة, في الفرائض وغيرها. التاسع عشر: قالوا: إنه كان غادرا مخلفًا لوعده؛ لأن أهل مصر شكوا إليه عامله عبد الله بن سعد بن أبي السرح فوعدهم أن يولي عليهم من يرتضونه، فاختاروا محمد بن أبي بكر فولاه عليهم وتوجهوا به معهم إلى مصر, ثم كتب إلى عامله ابن أبي السرح بمصر يأمره أن يأخذ محمد بن أبي بكر فيقطع يديه ورجليه، وهذا كان سبب رجوع أهل مصر المدينة وحصارهم عثمان وقتله. والجواب: أما القضية الأولى وهي عزل من عزله من الصحابة، أما أبو موسى فكان عذره في عزله أوضح من أن يذكر، فإنه لو لم يعزله اضطربت البصرة والكوفة وأعمالها، للاختلاف الواقع بين جند البلدين, وقصته: أنه كتب إلى عمر في أيامه يسأله المدد فأمده بجند الكوفة, فأمرهم أبو موسى قبل قدومهم عليه برامهرمز فذهبوا إليها وفتحوها وسبوا نساءها وذراريها فحمدهم على ذلك، وكره نسبة الفتح إلى جند الكوفة دون جند البصرة، فقال لهم: إني كنت قد أعطيتهم الأمان وأجلتهم ستة أشهر فرعوا عليهم فوقع الخلاف في ذلك بين الجندين، وكتبوا إلى عمر فكتب عمر إلى صلحاء جند أبي موسى مثل البراء وحذيفة وعمران بن حصين وأنس بن مالك وسعيد بن عمرو الأنصاري وأمثالهم وأمرهم أن يستحلفوا أبا موسى فإن حلف أنه أعطاهم الأمان وأجلهم ردوا عليهم, فاستحلفوه فحلف ورد السبي عليهم وانتظر لهم أجلهم، وبقيت قلوب الجند حنقة على أبي موسى، ثم رفع على أبي موسى إلى عمر وقيل له: لو أعطاهم الأمان لعلم ذلك، فأشخصه عمر وسأل عن يمينه فقال: ما حلفت إلا على حق, قال: فلم أمرت الجند إليهم حتى فعلوا ما فعلوا?

стр. 527

وقد وكلنا أمرك في يمينك إلى الله تعالى، فارجع إلى عملك فليس نجد الآن من يقوم مقامك، ولعلنا إن وجدنا من يكفينا عملك وليناه، فلما مضى عمر لسبيله وولي عثمان شكا جند البصرة شح أبي موسى، وشكا جند الكوفة ما نقموا عليه، فخشي عثمان ممالأة الفريقين على أبي موسى فعزله عن البصرة وولاها أكرم الفتيان عبد الله بن عامر بن كريز، وكان من سادات قريش، وهو الذي سقاه رسول الله ﷺ ريقه حين حمل إليه طفلا في مهده. وأما عمرو بن العاص فإنما عزله لأن أهل مصر أكثروا شكايته، وكان عمر قبل ذلك عزله لشيء بلغه عنه، ثم لما أظهر توبته رده، كذلك عزله عثمان لشكاية رعيته، كيف والرافضة يزعمون أن عمرًا كان منافقًا في الإسلام، فقد أصاب عثمان في عزله فكيف يعترض على عثمان بما هو مصيب فيه عندهم? وأما توليته عبد الله فمن حسن النظر عنده؛ لأنه تاب وأصلح عمله، وكانت له فيما ولاه آثار محمودة، فإنه فتح من تلك النواحي طائفة كبيرة، حتى انتهى في إغارته إلى الجزائر التي في بحر بلاد الغرب، وحصل في فتوحه ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، سوى ما غنمه من صنوف الأموال؛ وبعث بالخمس منها إلى عثمان وفرق الباقي في جنده, وكان في جنده جماعة من الصحابة ومن أولادهم كعقبة بن عامر الجهني، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، قاتلوا تحت رايته، وأدوا طاعته, ووجدوه أقوم بسياسة الأمر من عمرو بن العاص. ثم أبان عن حسن رأي في نفسه عند وقوع الفتنة فحين قتل عثمان اعتزل الفريقين ولم يشهد مشهدًا ولم يقاتل أحدًا بعد قتال المشركين. "وأما عمار بن ياسر" فأخطئوا في ظن عزله، فإنه لم يعزله وإنما عزله عمر, كان أهل الكوفة قد شكوه فقال عمر: من يعذرني من أهل الكوفة إن استعملت عليهم تقيا استضعفوه، وإن استعملت عليهم قويا فجروه. ثم عزله وولى المغيره بن شعبة، فلما ولي عثمان شكوا المغيرة إليه وذكروا أنه ارتشى في بعض أموره

стр. 528

فلما رأى ما وقر عندهم منه استصوب عزله عنهم؛ ولو كانوا مفترين عليه. والعجب من هؤلاء الرافضة كيف ينقمون على عثمان عزل المغيرة وهم يكفرون المغيرة? على أنا نقول: ما زال ولاة الأمر قبله وبعده يعزلون من عمالهم من رأوا عزله ويولون من رأوا توليته بحسب ما تقتضيه أنظارهم. عزل عمر خالد بن الوليد عن الشام وولى أبا عبيدة، وعزل عمارًا عن الكوفة وولاها المغيرة بن شعبة، وعزل قيس بن سعد عن مصر وولاها الأشتر النخعي. ألا ترى إلى معاوية -وكان ممن ولاه عمر- لما ضبط الجزيرة وفتح البلاد إلى حدود الروم وفتح جزيرة قبرص وغنم منها مائة ألف رأس سوى ما غنم من البياض وأصناف المال وحمدت سيرته وسراياه, أقره على ولايته? وأما ابن مسعود فسيأتي الاعتذار عنه فيما بعد. وأما القصة الثانية وهو ما ادعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه عنه مفترًى عليه ومختلق؛ وما صح منه فعذره فيه واضح، وأما رده الحكم إلى المدينة فقد ذكر ﵁ أنه كان استأذن النبي ﷺ في رده إلى المدينة فوعده بذلك، فلما ولي أبو بكر سأله عثمان ذلك فقال: كيف أرده إليها وقد نفاه رسول الله ﷺ ؟ فقال له عثمان ذلك فقال له: إني لم أسمعه يقول له ذلك؛ ولم تكن مع عثمان بينة على ذلك، فلما ولي عمر سأله ذلك فأبى ولم يريا١ الحكم بقول الواحد، فلما ولي قضي بعلمه وهو قول أكثر الفقهاء، وهو مذهب عثمان، وهذا بعد أن تاب وأصلح عما كان طرد لأجله، وإعادة التائب مما تحمد. وأما صلته من بيت المال بمائة ألف فلم تصح، وإنما الذي صح أنه زوج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم وبذل لها من مال نفسه مائة ألف درهم، وكان ﵁ ذا ثروة في الجاهلية والإسلام, وكذلك زوج ابنته أم أبان من ابن مروان بن الحكم وجهزها من خاصّ ماله بمائة ألف لا

стр. 529

من بيت المال, وهذه صلة رحم يحمد عليها. وأما طعنهم على عثمان أنه وهب خمس أفريقية مروان بن الحكم فهو غلط منهم؛ وإنما المشهور في القضية أن عثمان كان جهز ابن أبي السرح أميرًا على آلاف من الجند وحضر القتال بأفريقية، فلما غنم المسلمون أخرج ابن أبي السرح الخمس من الذهب وهو خمسمائة ألف دينار فأنفذها إلى عثمان، وبقي من الخمس أصناف من الأثاث والمواشي مما يشق حمله إلى المدينة فاشتراها مروان منه بمائة ألف درهم نقد أكثرها وبقيت منها بقية، ووصل إلى عثمان مبشرًا بفتح أفريقية، وكانت قلوب المسلمين مشغولة خائفة أن يصيب المسلمين من أمر أفريقية نكبة؛ فوهب له عثمان ما بقي عليه جزاء ببشارته؛ وللإمام أن يصل المبشرين من بيت المال بما رأى على قدر مراتب البشارة. وأما ما ذكروا من صلته عبد الله بن خالد بن أسد بثلاثمائة ألف درهم, فإن أهل مصر عاتبوه على ذلك لما حاصروه فأجابهم بأنه استقرض له ذلك من بيت المال، وكان يحتسب لبيت المال ذلك من نفسه حتى وفاه. وأما دعواهم أنه جعل للحارث بن الحكم سوق المدينة يأخذ عشور ما يباع فيه فغير صحيح؛ وإنما جعل إليه سوق المدينة ليراعي أمر المثاقيل والموازين، فتسلط يومين أو ثلاثة على باعة النوى واشتراه لنفسه، فلما رفع ذلك إلى عثمان أنكر عليه وعزله وقال لأهل المدينة: فإني لم آمره بذلك، ولا عتب على السلطان في جور بعض العمال إذا استدرك بعد علمه. وقد روي أنه جعله على سوق المدينة وجعل له كل يوم درهمين، وقال لأهل المدينة: إذا رأيتموه سرق شيئًا فخذوه منه وهذا غاية الإنصاف. "وأما قصة أبي موسى" فلا يصح شيء منها، فإنه رواه ابن إسحاق عمن حدثه عن أبي موسى؛ ولا يصح الاستدلال برواية المجهول، وكيف

стр. 530

يصح ذلك وأبو موسى ما ولي لعثمان عملًا إلا في آخر السنة التي قتل فيها? ولم يرجع إليه؛ فإنه لما عزله عن البصرة بعبد الله بن عامر لم يتول شيئا من أعماله إلى إرسال أهل الكوفة -في السنة التي قتل فيها- أن يوليه الكوفة فولاه إياها ولم يرجع إليه؛ ثم يقال للخوارج والروافض: إنكم تكفرون أبا موسى وعثمان، فلا حجة في دعوى بعضهم على بعض. وأما عزله ابن الأرقم ومعيقيبًا عن ولاية بيت المال؛ فإنهما أسنا وضعفا عن القيام بحفظ بيت المال. وقد روي أن عثمان لما عزله خطب الناس وقال: ألا إن عبد الله بن الأرقم لم يزل على جرايتكم زمن أبي بكر وعمر إلى اليوم, وإنه كبر وضعف وقد ولينا عمله زيد بن ثابت. وما نسبوه إليه من صرف مال بيت المال في عمارة دوره وضياعه المختصة فبهتان افتروه عليه؛ وكيف وهو من أكثر الصحابة مالا?! وكيف يمكنه ذلك بين أظهر الصحابة مع أنه الموصوف بكثرة الحياء، وأن الملائكة تستحي منه لفرط حيائه?! أعاذنا الله من فرطات الجهل وموبقات الهوى, آمين آمين. "وقولهم": إنه دفع إليه ما فضل من بيت المال افتراء واختلاق, بل الصحيح أنه أمر بتفرقة المال على أصحابه ففضل في بيت المال ألف درهم فأمره بإنفاقها فيما يراه أصلح للمسلمين، فأنفقها زيد على عمارة مسجد رسول الله ﷺ بعدما زاد عثمان في المسجد زيادة، وكل واحد منهما مشكور محمود على فعله. وأما القضية الثالثة وهو ما ادعوه من حبس عطاء ابن مسعود, فكان ذلك في مقابلة ما بلغه عنه ولم تزل الأئمة على مثل ذلك، وكل منهما مجتهد، فإما مصيبان أو مخطئ ومصيب، ولم يكن قصد عثمان حرمانه البتة، وإنما التأخير إلى غاية اقتضى نظره التأخير إليها أدبًا، فلما قضى

стр. 531

عليه إما مع بلوغ حصول تلك الغاية أو دونها وصل به ورثته، ولعله كان أنفع لهم. وأما القضية الرابعة وهي الحمى, فهذا مما كان اعترض به أهل مصر عليه فأجابهم بأنه حمى لإبل الصدقة كما حمى رسول الله ﷺ لها، فقالوا: إنك زدت! فقال: لأن إبل الصدقة زادت، وليس هذا مما ينقم على الإمام. وأما الخامسة وهو أنه حمى سوق المدينة إلى آخر ما قرر, فهذا مما تقول عليه واختلق ولا أصل له، ولم يصح إلا ما تقدم من حديث الحارث بن الحكم. ولعله لما فعل ذلك نسبوه إلى عثمان، وعلى تقدير صحة ذلك يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة وألحقه بحمى المرعى لها؛ لأنه في معناه. وأما السادسة وهي حمى البحر, فعلى تقدير صحة النقل فيها يحمل على أنها كانت ملكا له؛ لأنه كان منبسطا في التجارات، متسع المال في الجاهلية والإسلام، فما حمى البحر، وإنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه. وأما السابعة وهي إقطاعه كثيرًا من الصحابة كثيرًا من بلاد الإسلام, فعنه جوابان: الأول: أن ذلك كان منه إذنًا في إحياء كل ما قدر عليه من أموات أرض العراق، ومن أحيا أرضًا ميتة فهي له. الثاني: أن أصحاب السير ذكروا أن الأشراف من أهل اليمن قدموا المدينة وهجروا بلادهم وأموالهم مثلها، فأعطى طلحة موضعًا وأخذ منه ما له بكندة، وهكذا كل من أعطى شيئًا فإنما هو شيء صار للمسلمين، وفعل ذلك لما رأى من المصلحة، إما إجارة إن قلنا: أراضي السواد وقف،

стр. 532

وإما تمليكا إن قلنا: ملك. "وأما القضية الثامنة" وهو ما ادعوه في نفيه جماعة من الصحابة: أما أبو ذر فروي أنه كان يتجاسر عليه ويجبهه بالكلام الخشن ويفسد عليه ويثير الفتنة، وكان يؤدي ذلك التجاسر عليه إلى إذهاب هيبته وتقليل حرمته ففعل ما فعل به صيانة لمنصب الشريعة وإقالة لحرمة الدين, وكان عذر أبي ذر فيما كان يفعله أنه كان يدعوه إلى ما كان عليه صاحباه من التجرد عن الدنيا والزهد فيها، فيخالفه في أمور مباحة من اقتنائه الأموال، وجمعه الغلمان الذين يستعان بهم على الحروب، وكل منهما كان على هدى من الله تعالى, ولم يزل أبو ذر ملازمًا طاعة عثمان بعد خروجه إلى الربذة حتى توفي. ولما قدم إليها كان لعثمان غلام يصلي بالناس, فقدم أبا ذر للصلاة فقال له: أنت الوالي، والوالي أحق, وهذا كله على تقدير صحة ما نقله الروافض في قصة أبي ذر مع عثمان؛ وإلا فقد روى محمد بن سيرين خلاف ذلك، فقال: لما قدم أبو ذر الشام استأذن عثمان في لحوقه بالربذة فقال عثمان: أقم عندي تغدو عليك اللقاح وتروح فقال: لا حاجة لي في الدنيا، فأذن له في الخروج إلى الربذة. وروى قتادة: أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: "إذا رأيت المدينة بلغ بناؤها سلعا, فاخرج منها" وأشار إلى الشام فلما كان في ولاية عثمان بلغ بناؤها سلعًا فخرج إلى الشام، وأنكر على معاوية أشياء فشكاه إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبي ذر: أقبل إلينا فنحن أرعى لحقك وأحسن جوارًا من معاوية فقال أبو ذر: سمعًا وطاعة, فقدم على عثمان ثم استأذن في الخروج إلى الربذة فأذن له فمات. ورواية هذين الإمامين العالمين من التابعين وأهل السنة هذه القصة أشبه بأبي ذر وعثمان من رواية غيرهما من أهل البدعة.

стр. 533

وأما القضية التاسعة وهي قضية عبادة بن الصامت فهي دعوى باطلة وكذب مختلق؛ وما شكا معاوية عبادة ولا أشخصه عثمان، والأمر على خلاف ذلك فيما رواه الثقات الأثبات من اتفاقهم ورجوع بعضهم إلى بعض في الحق. ويشهد لذلك ما روي: أن معاوية لما غزا جزيرة قبرص كان معه عبادة بن الصامت، فلما فتحوا الجزيرة وأخذوا غنائمها أخرج معاوية خمسها وبعثه إلى عثمان وجلس يقسم الباقي بين جنده، وجلس جماعة من أصحاب النبي ﷺ ناحية، منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وشداد بن أوس وواثلة بن الأسقع وأبو أمامة الباهلي وعبد الله بن بشر المازني, فمر بهم رجلان يسوقان حمارين فقال لهما عبادة بن الصامت: ما هذان الحماران? فقالا: إن معاوية أعطاناهما من المغنم، وإنا نرجو أن نحج عليهما، فقال لهما عبادة: لا يحل لكما ذلك ولا لمعاوية أن يعطيكما, فرد الرجلان الحمارين على معاوية, وسأل معاوية عبادة بن الصامت عن ذلك فقال عبادة: شهدت رسول الله ﷺ في غزوة حنين والناس يكلمونه في الغنائم فأخذ وبرة من بعير وقال: "ما لي مما أفاء الله عليكم من هذه الغنائم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" فاتق الله يا معاوية واقسم الغنائم على وجهها ولا تعط منها أحدًا أكثر من حقه، فقال له معاوية: قد وليتك قسمة الغنائم ليس أحد بالشام أفضل منك ولا أعلم، فاقسمها بين أهلها واتق الله فيها, فقسمها عبادة بين أهلها وأعانه أبو الدرداء وأبو أمامة، وما زالوا على ذلك إلى آخر زمن عثمان. فهذه قصة عبادة في التزامه طاعة عثمان وطاعة عامله بالشام، بضد ما رووه، قاتلهم الله. وأما القضية العاشر: ما رووه مما جرى على عبد الله بن مسعود من عثمان وأمره غلامه بضربه إلى آخر ما قرروه, فكله بهتان واختلاق لا يصح منه شيء، وهؤلاء الجهلة لا يتحامون الكذب فيما يرونه موافقًا لأغراضهم، إذ لا ديانة تردهم عن ذلك. ثم نقول: على تقدير صحة

стр. 534

صدور ذلك من الغلام، فيكون قد فعله من نفسه غضبا لمولاه، فإن ابن مسعود كان يجبه عثمان بالكلام ويلقاه بما يكرهه، ولو صح ذلك عنه لكان محمولا على الأدب، فإن منصب الخلافة لا يحتمل ذلك، ويصنع ذلك منه بين العامة، وليس هذا بأعظم من ضرب عمر سعد بن أبي وقاص بالدرة على رأسه حين لم يقم له، وقال له: إنك لم تهب الخلافة فأردت أن تعرف أن الخلافة لا تهابك, ولم يغير ذلك سعدًا ولا رآه عيبًا وكذلك ضربه لأبي بن كعب حين رآه يمشي وخلفه قوم فعلاه بالدرة وقال: إن هذه مذلة للتابع وفتنة للمتبوع، ولم يطعن أبي بذلك على عمر، بل رآه أدبًا منه نفعه الله به، ولم يزل دأب الخلفاء والأمراء تأديب من رأوا منه الخلاف، على أنه قد روي أن عثمان اعتذر لابن مسعود وأختاه في منزله، حين بلغه مرضه وسأله أن يستغفر له وقال: يا أبا عبد الرحمن هذا عطاؤك فخذه, فقال له ابن مسعود: وما أتيتني به إذ كان ينفعني, وجئتني به عند الموت لا أقبله, فمضى عثمان إلى أم حبيبة، وسألها أن تطلب إلى ابن مسعود ليرضى عنه، فكلمته أم حبيبة، ثم أتاه عثمان فقال له: يا أبا عبد الله، ألا تقول كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ ١ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ? فلم يكلمه ابن مسعود. وإذا ثبت هذا فقد فعل عثمان ما هو الممكن في حقه واللائق بمنصبه أولًا وآخرًا، ولو فرض خطؤه فقد أظهر التوبة والتمس الاستغفار، واعتذر بالذنب لمن لم يقبله حينئذ، فإن الله أخبر أنه: ﴿يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ وفي ذلك حثهم على الاقتداء به, على أنه قد نقل أن ابن مسعود رضي عنه واستغفر له. قال سلمة بن سعيد: دخلت على ابن مسعود في مرضه الذي توفي فيه، وعنده قوم يذكرون عثمان فقال لهم: مهلا, فإنكم إن قتلتموه لا تصيبون مثله. وأما عزله عن الكوفة وإشخاصه إلى المدينة وهجره له وجفاؤه إياه،

стр. 535

فلم تزل هذه شيمة الخلفاء قبله وبعده على ما تقدم تقريره، وليس هجره إياه بأعظم من هجر علي أخاه عقيل بن أبي طالب وأبا أيدب الأنصاري حين فارقاه بعد انصرافه من صفين وذهبا إلى معاوية، ولم يوجب ذلك طعنًا عليه ولا عيبًا فيه. وقد روي أن أعرابيا من همدان دخل المسجد فرأى ابن مسعود وحذيفة وأبا موسى الأشعري يذكرون عثمان طاعنين عليه فقال لهم: أنشدكم الله، لو أن عثمان ردكم إلى أعمالكم ورد إليكم عطاياكم أكنتم ترضون? قالوا: اللهم نعم, فقال: الهمداني: اتقوا الله يا أصحاب محمد ولا تطعنوا على أئمتكم, وفي هذا بيان أن من طعن على عثمان إنما كان لعزله إياه وتوليته غيره وقطع عطائه، وذلك سائغ للإمام إذا أدى اجتهاده إليه. وأما الحادية عشرة وهي قولهم: إن عبد الرحمن ندم على تولية عثمان, فكذب صريح، ولو كان كذلك لصرح بخلعه إذ لا مانع له، فإن أعيان الصحابة على زعمهم منكرون عليه ناقمون أحداثه، والناس تبع لهم، فلا مانع لهم من خلعه، وكيف يصح ما وصفوا به كل واحد منهما في حق الآخر، وقد آخى رسول الله ﷺ بينهما؟ فثبت لكل واحد منهما على الآخر حق الإخوة والاشتراك في صحبة النبوة، وشهادة النبي ﷺ لكل واحد منهما بالجنة، وترك التنزيل مخبرًا بالرضا عنهم، وتوفي ﷺ وهو عليهما راض. ويبعد مع كل هذا صدور ما ذكروه عن كل واحد منهما، وإنما الذي صح في قصته أن عثمان استوحش منه، فإن عبد الرحمن كان يبسط عليه في القول لا يبالي بما يقول له. وروي أنه قال له: إني أخاف يابن عوف أن تبسط من دمي. "حاشية" كذا وقع، ولعله: أن تهدر دمي. وأما الثانية عشرة وهي ضرب عمار, فسياق هذه القصة لا يصح على

стр. 536

النحو الذي رووه, بل الصحيح منها أن غلمانه ضربوا عمارًا، وقد حلف أنه لم يكن على أمره لأنهم عاتبوه في ذلك فاعتذر إليهم بأن قال: جاء هو وسعد إلى المسجد وأرسلا إلي أن ائتنا فإنا نريد أن نذاكرك أشياء فعلناها، فأرسلت إليهما أني عنكما اليوم مشغول، فانصرفا وموعدكما يوم كذا وكذا. فانصرف سعد وأبى هو أن ينصرف، فأعدت إليه الرسول فأبى ثم أعدته إليه فأبى، فتناوله رسولي بغير أمري, والله ما أمرته ولا رضيت بضربه؛ وهذه يدي لعمار فليقتص مني إن شاء, وهذا من أبلغ ما يكون من الإنصاف. ومما يؤيد ذلك ويوهي ما رووه: ما روى أبو الزناد عن أبي هريرة أن عثمان لما حوصر ومنع الماء قال لهم عمار: سبحان الله! قد اشترى بئر رومة وتمنعوه ماءها! خلوا سبيل الماء، ثم جاء إلى علي وسأله إنفاذ الماء إليه، فأمر براوية ماء, وهذا يدل على رضائه عنه. وقد روي أنه ﵁ لما أنصفه بحسن الاعتذار، فما بال أهل البدعة لا يرضون! وما مثله فيه إلا كما يقال: رضي الخصمان، ولم يرض القاضي. وأما الثالثة عشرة وهي قولهم: إنه انتهك حرمة كعب, فيقال لهم: ما أنصفتم إذ ذكرتم بعض القصة وتركتم تمامها، وذلك أن عثمان استدرك ذلك بما أرضاه فكتب إلى سعد بن العاص أن ابعثه إلي مكرما؛ فبعث إليه فلما دخل عليه قال له: يا كعب, إنك كتبت إلي كتابًا غليظًا ولو كتبت ببعض اللين لقبلت مشورتك، ولكنك حددتني وأغضبتني حتى نلت منك ما نلت. ثم نزع قميصه ودعا بسوط فدفعه إليه ثم قال: قم فاقتص مني ما ضربته, فقال كعب: أما إذا فعلت ذلك فأنا أدعه لله تعالى، ولا أكون أول من اقتص من الأئمة؛ ثم صار بعد ذلك من خاصة عثمان، وعذره في مبادرته الأمر بضربه ونفيه، وذلك سبيل أولي

стр. 537

الأمر في تأديب من رأوا خروجه على إمامه. و"أما الرابعة عشرة" وهي قضية الأشتر النخعي فنقول: ظلمة البدعة والحمية الناشئة عن محض العصبية دون رؤية الحق، وهل آثار الفتنة في هذه إلا فعل الأشتر بالكوفة من هتك حرمة السلطان، وتسليط العامة على ضرب عامله، فلا يعتذر عن عثمان في الأمر بنفيه? بل ذلك أقل ما يستوجبه ثم لم يمنعه ذلك حتى سار من الشام إلى الكوفة وأضرم نار الفتنة على ما تقدم تقريره، ثم لم يتمكن عثمان معهم من شيء إلا سلوك سبيل السياسة وإجابتهم إلى ما أرادوا، فولى عليهم أبا موسى وبعث حذيفة بن اليمان على خراجهم، ثم لم يلبث ذلك حتى خرج إليه الأشتر مع رعاع الكوفة فانضم إليه غاغة أهل مصر وساروا إلى عثمان فقتلوه، وباشر الأشتر قتله على ما تقدم في بعض الروايات، وصار قتله سببا للفتنة الى أن تقوم الساعة، فعميت أبصارهم وبصائرهم عن ذم الأشتر وأنصاره وتعرضوا لذم من شهد لسان النبوة أنه على الحق، وأمر بالكون معه، وأخبر بأنه يقتل مظلوما؛ يشهد لذلك الحديث الصحيح على ما تقدم في أول فصل مقتله، وسنعيد طرفًا منه إن شاء الله تعالى. "الخامسة عشرة" وهي إحراق مصحف ابن مسعود, فليس ذلك إلا دواء لفتنة كبيرة في الدين؛ لكثرة ما فيه من الشذوذ المنكر عند أهل العلم بالقرآن، وبحذفه المعوذتين من مصحفه مع الشهرة عند الصحابة أنهما في القرآن وقال عثمان لما عوتب في ذلك: خشيت الفتنة في القرآن. وكان الاختلاف بينهم واقعا حتى كان الرجل يقول لصاحبه: قرآني خير من قرآنك فقال له حذيفة: أدرك الناس, فجمع الناس على مصحف عثمان. ثم يقال لأهل البدع والأهواء: إن لم يكن مصحف عثمان حقا فلم رضي علي وأهل الشام بالتحكيم إليه حين رفع أهل الشام المصاحف؛ فكانت مكتوبة على نسخة مصحف عثمان؟

стр. 538

و"أما السادسة عشرة" وهي ترك إقامة حدود الله تعالى في عبيد الله بن عمر, فنقول: أما ابنة أبي لؤلؤة فلا قود فيها لأنها ابنة مجوسي صغيرة تابعة له؛ وكذلك جفينة فإنه نصراني من أهل الحيرة، وأما الهرمزان فعنه جوابان: الأول: أنه شارك أبا لؤلؤة في ذلك ومالأه، وإن كان المباشر أبو لؤلؤة وحده، ولكن المعين على قتل الإمام العادل يباح قتله عند جماعة من الأئمة، وقد أوجب كثير من الفقهاء القود على الآمر والمأمور. وبهذا اعتذر عبيد الله بن عمر وقال: إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره أنه رأى أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة يدخلون في مكان يتشاورون، وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه، فقتل عمر في صبيحة تلك الليلة، فاستدعى عثمان عبد الرحمن فسأله عن ذلك فقال: انظروا إلى السكين، فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله, فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن؛ فلذلك ترك عثمان قتل عبيد الله بن عمر، لرؤيته عدم وجوب القود لذلك أو لتردده فيه, فلم ير الوجوب بالشك. والجواب الثاني: أن عثمان خاف من قتله ثوران فتنة عظيمة؛ لأنه كان بنو تميم وبنو عدي مانعين من قتله ودافعين عنه، وكان بنو أمية أيضا جانحين١ إليه حتى قال له عمرو بن العاص: قتل أمير المؤمنين عمر بالأمس ويقتل ابنه اليوم?! لا والله لا يكون هذا أبدا, ومال في بني جمح، فلما رأى عثمان ذلك اغتنم تسكين الفتنة وقال: أمره إلي وسأرضي أهل الهرمزان عنه. و"أما السابعة عشرة" وهي إتمام الصلاة بمنى, فعذره في ذلك ظاهر، فإنه ممن لم يوجب القصر في السفر، وإنما كان يتجه كما رآه فقهاء

стр. 539

المدينة ومالك والشافعي وغيرهما، وإنما أوجبه فقهاء الكوفة، ثم إنها مسألة اجتهادية؛ ولذلك اختلف فيها العلماء فقوله فيها لا يوجب تكفيرًا ولا تفسيقًا. وأما الثامنة عشرة وهي انفراده بالأقوال الشاذة, فلم يزل أصحاب رسول الله ﷺ على نحو من ذلك, ينفرد الواحد منهم بالقول ويخالفه فيه الباقون؛ وهذا علي بن أبي طالب في مسألة بيع أم الولد على مثل ذلك. وفي الفرائض عدة مسائل على هذا النحو لكثير من الصحابة. وأما التاسعة عشرة وهي قولهم: إنه كان غادرًا إلى آخر ما قرروه, فنقول: أما الكتاب الذي كان إلى عامله بمصر فلم يكن من عنده وقد حلف على ذلك لهم، وقد تقدم ذكر ذلك في فصل مقتله مستوفيًا؛ وذكرنا من المتهم بالتزوير عليه؛ وقد تحققوا ذلك، وإنما غلب الهوى -أعاذنا الله منه- على العقول حتى ضلت في قتله ﵁. فهذا تمام القول في الاعتذار عن تلك القضايا التي نقموها على عثمان وأحسن ما يقال في الجواب عن جميع ما ذكر دعاة أهل البدع: إن النبي ﷺ قد أخبر عن وقوع فتنة عثمان، وأخبر أنه على الحق على ما تضمنه حديث كعب بن عجرة في فصل فضائله في ذكر شهادة النبي ﷺ أنه على الحق. وفي رواية: أنه على الهدى, خرجه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح، وأخبر أنه يقتل ظلمًا على ما تضمنه حديث ابن عمر في فصل مقتله من حديث الترمذي, وللبغوي وأمر ﷺ باتباعه عند ثوران الفتنة على ما تضمنه حديث مرة بن كعب من حديث أبي حاتم وأحمد؛ وتقدم في ذكره في فصل فضائله, ومن شهد له النبي ﷺ أنه على الحق وأنه يقتل ظلمًا وأمر باتباعه كيف يتطرق إلى الوهم أنه على باطل?! ثم ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ أخبره أن الله يقمصه بقميص وأن المنافقين

стр. 540

يريدونه على خلعه؛ وأمره أن لا يخلعه، وأكد عليه الأمر بأن لا يخلعه. وفي بعض الطرق أنه توعده على خلعه وأمره بالصبر -على ما تقدم تقريره في خصائصه- فامتثل أمره وصبر على ما ابتلي به. وهذا من أدل دليل على أنه كان على الحق؛ وماذا بعد الحق إلا الضلال?! فمن خالفه يكون على الباطل. كيف لا وقد وصف ﷺ الذين أرادوا خلعه بالنفاق فعلم بالضرورة أن كل ما ورد عنه مما يوجب الطعن عليه دائر بين مفتر عليه ومختلق وبين محمول على تقدير صحته على أحسن التأويلات ليكون معه على الحق تصديقًا لخبر النبوة المقطوع بصدقه. هذا ما علم من سابقته وكثرة إنفاقه في سبيل الله وشرف منزله بالصهارة الثابتة له في ابنتي رسول الله ﷺ وعظم مكانته في الدين والصفات الجميلة والمآثر الحميدة على ما تضمنه فصل مناقبه، فكيف يتوهم فيه شيء مما ادعاه أهل الأهواء والبدع؟! وأما كلفه١ بأقاربه وصلته إياهم وحبه الخير لهم فتلك صفة جبلة لم يودعها الله إلا في خيار خلقه، وقد كان ﷺ على مثل ذلك في بني هاشم على ما سنبينه في مناقب بني هاشم وقريش إن شاء الله تعالى، وذلك محمود فيما لم يؤد إلى معصية, ولم يتحقق في شيء مما أتاه عثمان معصية بل له من المحامل الجلية الطاهرة ما يمنع من اعتقاد الحرمة بل الكراهة. غاية ما في الباب أنه ترك الأولى وما هو الأفضل اللائق به مما كان عليه الشيخان٢، ولعله اعتقد أنه ما لا يشبه الأفضل في زمانه وعصره فلكل عصر حكم. وعلى الجملة فالذي يجب اعتقاده ولا يحل خلافه أن شيئا مما يسنه عثمان لم يخرج فيه عن الحق ولا عن الهدى تصديقا لشهادة المصطفى ﷺ وإن كان في شيء من ذلك له هوى فهو هوى بهدى من الله وقد وسع الله تعالى في ذلك, فشهده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ

стр. 541

أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ فدل على أن ثم هوى بهدى من الله، وهوى عثمان منه بدليل شهادة النبي ﷺ بأنه على الهدى وأنه على الحق وأنه مظلوم، وأمر باتباعه على ما قررناه, والله أعلم.

стр. 542

الفصل الثاني عشر: في ذكر ولده وكان له من الولد ستة عشر ولدًا: تسعة ذكور وسبع إناث. ذكر الذكور: عبد الله ويعرف بالأصغر: أمه رقية بنت رسول الله ﷺ هلك صغيرًا وقيل: بلغ ستسنين ونقره ديك في عينه فمرض فمات، وعبد الله الأكبر: أمه فاختة بنت غزوان، وعمرو: وكان أسنهم وأشرفهم عقبًا وتوفي بمنى، وأبان: شهد الجمل مع عائشة وعقبه كثير، وخالد وعمر وله عقب أيضًا: أمهم بنت جندب بن الأزد، وسعيد والوليد وأمهما فاطمة بنت الوليد, وعبد الملك: أمه أم البنين بنت عيينة بن حصن, هلك غلامًا. ذكر الإناث: مريم أخت عمرو لأمه، وأم سعيد أخت سعيد لأمه، وعائشة وأم أبان وأم عمرو: أمهن رملة بنت شيبة بن ربيعة، ومريم: أمها نائلة بنت الفرافصة, وأم البنين: أمها أم ولد.

стр. 543

الباب الرابع: في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الفصل الأول: في ذكر نسبه ... الباب الرابع: في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفيه اثنا عشر فصلا: الأول في نسبه. الثاني في اسمه وكنيته. الثالث في صفته. الرابع في إسلامه. الخامس في هجرته. السادس في خصائصه. السابع في أفضليته. الثامن في الشهادة له بالجنة. التاسع في فضائله. العاشر في خلافته. الحادي عشر في مقتله. الثاني عشر في ولده. الفصل الأول: في ذكر نسبه تقدم ذكر آبائه في ذكر الشجرة في أنساب العشرة وهو أقربهم من رسول الله ﷺ نسبا، يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد المطلب الجد الأدنى، وينسب إلى هاشم فيقال: القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله لأبويه، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. قال أبو عمر وغيره: وهي أول هاشمية ولدت هاشميا, أسلمت وتوفيت مسلمة بالمدينة وشهدها النبي ﷺ وتولى دفنها وأشعرها قميصه واضطجع في قبرها، ذكره الخجندي. وذكر السلفي أنه ﷺ صلى عليها وتمرغ في قبرها. وذكر الطائي في الأربعين أنه ﷺ نزع قميصه وألبسها إياه وتولى دفنها واضطجع في قبرها, فلما سوى عليها التراب سئل عن ذلك فقال: "ألبستها لتلبس من ثياب أهل الجنة, واضطجعت معها في قبرها لأخفف عنها من ضغطة القبر، إنها كانت أحسن خلق الله صنيعًا إليَّ بعد أبي طالب" وبكى وقال: "جزاك الله من أم خيرا، فلقد كنت خير أم" قال: وكانت ربت النبي ﷺ قال: وولدت لأبي طالب طالبا وعقيلا وجعفرا وعليا وأم هانئ واسمها فاختة وجمانة. قال ابن قتيبة وأبو عمر: وكان علي أصغر ولد أبي طالب, كان أصغر من جعفر بعشر سنين وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين.

стр. 544

الفصل الثاني: في اسمه وكنيته ولم يزل اسمه في الجاهلية عليًّا وكان يكنى أبا الحسن, وسماه رسول الله ﷺ صديقًا. عن ابن أبي ليلى عن النبي ﷺ أنه قال: "الصديقون ثلاثة: حبيب بن مري النجار مؤمن آل ياسين الذي قال: يا قوم اتبعوا المرسلين, وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله, وعلي بن أبي طالب الثالث وهو أفضلهم" خرجه أحمد في المناقب، وكناه رسول الله ﷺ بأبي الريحانتين. عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: "سلام عليك يا أبا الريحانتين، فعن قليل يذهب ركناك والله خليفتي عليك" فلما قبض رسول الله ﷺ قال علي: هذا أحد الركنين الذي قال ﷺ , فلما ماتت فاطمة قال: هذا الركن الآخر الذي قال ﷺ . خرجه أحمد في المناقب, وكناه رسول الله ﷺ أيضا أبا تراب. وعن سهل بن سعد أن رجلا جاءه فقال: هذا فلان أمير من أمراء المدينة يدعوك لتسب عليا على المنبر, قال: أقول ماذا? قال: تقول له أبا تراب, قال: فضحك سهل وقال: والله ما سماه إياه إلا رسول الله ﷺ والله ما كان لعلي اسم أحب إليه منه. دخل علي على فاطمة ثم خرج؛ فأتى رسول الله ﷺ فاطمة فقال: "أين ابن عمك؟ " قالت: هو ذا مضطجع في المسجد، فخرج النبي ﷺ فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، فجعل رسول الله ﷺ يمسح التراب عن ظهره ويقول: "اجلس أبا تراب" ما كان اسم أحب إليه منه، ما سماه إياه إلا رسول الله ﷺ . أخرجاه وأبو حاتم واللفظ له. وقال البخاري بعد قوله فوجد رداءه قد سقط عن ظهره: وخلص التراب إلى ظهره فجلس يمسح عن ظهره ويقول: "اجلس أبا تراب" مرتين. وعنه أنه قال: استعمل علي على المدينة رجلًا من آل مروان، قال: فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا فأبى, فقال: أما إذ أبيت فقل: لعن الله أبا التراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب, إنه كان يفرح إذا دعي به, فقال له: أخبرنا عن قصته لم سمي أبا تراب? قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت فقال: "أين ابن عمك?" فقالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج ولم يقم عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر أين هو?" فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد

стр. 545

سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه ويقول: "قم أبا تراب، قم أبا تراب" أخرجاه. وعن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي رفيقين في غزاة ذي العشيرة، فلما نزلها رسول الله ﷺ قأقام بها رأينا ناسا من بني مدلج يعملون في عين لهم في نخل، فقال علي: يا أبا اليقظان, هل لك أن تأتي هؤلاء فتنظر كيف يعملون? فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعلي فاضطجعنا في صور من النخل في دقع من التراب فنمنا، فوالله ما أنبهنا إلا رسول الله ﷺ يحركنا برجله وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا أبا تراب" لما رأى عليه من التراب؛ قال: "ألا أحدثكما بأشقى الناس?" فقلنا: بلى يا رسول الله قال: "أحيمر ثمود الذي عقر الناقة, والذي يضربك في هذه -يعني قرنه- حتى تبتل منه هذه, يعني لحيته" خرجه أحمد. "شرح" الصور بفتح الصاد وتسكين الواو: النخل المجتمع الصغار, والدقعاء: التراب، ودقع بالكسر أي: لصق بالتراب, وأحيمر: تصغير أحمر, وهو لقب قدار بن سالف عاقر ناقة صالح ﵇. قال الخجندي: وكان يكنى أبا قصم، ويلقب بيعسوب الأمة وبالصديق الأكبر. وعن معاذة العدوية قالت: سمعت عليا على المنبر -منبر البصرة- يقول: أنا الصديق الأكبر. خرجه ابن قتيبة. وعن علي أنه كان يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر. خرجه القلعي. وعن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: "أنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي تفرق بين الحق والباطل".

стр. 546

وفي رواية: "وأنت يعسوب الدين" خرجهما الحاكمي. "شرح" يعسوب الدين: سيده ورئيسه, ومنه الحديث الآخر: "هذا يعسوب قريش" وأصله فحل النحل، ويلقب أيضا ببيضة البلد، وبالأمين، وبالشريف، وبالهادي، وبالمهتدي، وذي الأذن الواعي, وقد جاء في الصحيح من شعره: أنا الذي سمتني أمي حيدره وسيأتي في الخصائص -إن شاء الله تعالى- وحيدرة: اسم الأسد وكانت فاطمة أمه لما ولدته سمته باسم أبيها، فلما قدم أبو طالب كره الاسم، فسماه عليا.

стр. 547

الفصل الثالث: في صفته وكان ﵁ ربعة من الرجال، أدعج العينين عظيمهما, حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر، عظيم البطن. وعن أبي سعيد التيمي أنه قال: كنا نبيع الثياب على عواتقنا ونحن غلمان في السوق، فإذا رأينا عليا قد أقبل قلنا: بزرك أشكم قال علي: ما تقولون? قال: نقول: عظيم البطن قال: أجل أعلاه علم وأسلفه طعام. وكان ﵁ عريض المنكبين، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري لا يبين عضده من ساعده، قد أدمج إدماجا، شثن الكفين، عظيم الكراديس، أغيد كأن عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه. وعن أبي لبيد قال: رأيت علي بن أبي طالب يتوضأ، فحسر العمامة عن رأسه، فرأيت رأسه مثل راحتي عليه مثل خط الأصابع من الشعر. خرجه ابن الضحاك. وعن قيس بن عباد قال: قدمت المدينة أطلب العلم, فرأيت رجلا عليه بردان وله ضفيرتان، وقد وضع يده على عاتق عمر، فقلت: من

стр. 548

هذا? قالوا: علي. خرجه ابن الضحاك أيضا، ولا تضاد بينهما، إذ يكون الشعر انحسر عن وسط رأسه وكان في جوانبه شعر مسترسل، جمع فظفر باثنتين، وكان كثير شعر اللحية؛ لم يصفه أحد بالخضاب إلا سوادة بن حنظلة. وروي أنه كان أصفر اللحية، والمشهور أنه كان أبيضها، ويشبه أن يكون خضب مرة ثم ترك. وعن الشعبي أنه قال: رأيت علي بن أبي طالب ورأسه ولحيته قطنة بيضاء, خرجه ابن الضحاك. وكان إذا مشى تكفأ، وإذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، وهو قريب إلى السمن، شديد الساعد واليد، وإذا مشى إلى الحرب هرول، ثبت الجنان، قوي ما صارع أحدًا قط إلا صرعه، شجاع منصور على من لاقاه. "شرح" ربعة أي: مربوع الخلق لا طويل ولا قصير؛ وجمعه: ربعات بالتحريك وهو شاذ؛ لأن فعلة لا تحرك في الجمع إذا كان صفة وإنما تحرك إذا كان اسما ولم يكن موضع العين واو أو ياء, والدعج: شدة سواد العين مع سعتها، يقال: عين دعجاء، والأدعج من الرجال: الأسود, والأشكم بالعجمية: البطن, وبزرك بضم الباء والزاي وسكون الراء: عظيم, شثن الكفين بالتسكين: عظيمهما، تقول منه: شثنت كفه شثنا بالتحريك: إذا خشنت وغلظت, الأغيد: الوسنان المائل العنق والغيد: النعومة، وامرأة غيداء وغادة أيضا: ناعمة بينة الغيد, المشاش: رءوس العظام اللينة، الواحد: مشاشة, ودمج الشيء دموجًا: إذا دخل في الشيء واستحكم فيه، وكذلك اندمج وادّمج بتشديد الدال، يريد -والله أعلم- أن عظمي عضده وساعده للينهما قد اندمجا، وهكذا هو في صفة الأسد, والضاري: المتعود الصيد، والضرو من أولاد الكلاب والأنثى ضروة, تكفأ أي: تمايل في مشيته.

стр. 549

الفصل الرابع: في إسلامه "ذكر سنه يوم أسلم" عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن أنه بلغه أن علي بن أبي طالب والزبير أسلما, وهما ابنا ثماني سنين. وقال ابن إسحاق: وأسلم علي ابن عشرة. وعن الحسن: أسلم علي وهو ابن ذؤابة, حكاه الخجندي. وعن ابن عمر: أنه أسلم وهو ابن ثلاث عشرة, خرجه القلعي. وعن أبي الحجاج مجاهد بن جبر قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، ومما أراد الله به أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ للعباس عم النبي ﷺ : "يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله فآخذ من بنيه رجلا وتأخذ رجلا فنكفيهما عنه" فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه, فقال لهم أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما, وفي رواية: إذا تركتما لي عقيلا وطالبا فاصنعا ما شئتما, فأخذ رسول الله ﷺ عليا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيًّا فتابعه علي وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس. ذكر أنه أول من أسلم: قد تقدم في نظير هذا الذكر من فصل إسلام أبي بكر طرف صالح من ذلك، وبيان الخلاف فيه, وذكر المختلفين. عن عمر قال: كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه, إذ ضرب رسول الله ﷺ منكب علي فقال: "يا علي, أنت أول المؤمنين

стр. 550

إيمانا، وأول المسلمين إسلاما، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى" خرجه ابن السمان. وعن زيد بن أرقم قال: كان أول من أسلم علي بن أبي طالب. خرجه أحمد والترمذي وصححه. عن ابن عباس قال: كان علي أول من أسلم بعد خديجة، قال ابن عمر: هذا حديث صحيح الإسناد لا مطعن في رواته لأحد، وهو يعارض ما تقدم عن ابن عباس في أبي بكر، والصحيح أن أبا بكر أول من أظهر الإسلام كما تقدم ذكره في بابه، وبه قال مجاهد ومن حكينا قوله من العلماء ثمة. وعن معاذة العدوية قالت: سمعت عليًّا على المنبر -منبر البصرة- يقول: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر. خرجه ابن قتيبة في المعارف. وعن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: "أنت أول من آمن بي, وصدق" خرجه الحاكمي. وعن سلمان أنه قال: "أول هذه الأمة ورودًا على نبيها ﷺ أولها إسلامًا علي بن أبي طالب" وقد روي مرفوعا إلى النبي ﷺ ولفظه: "أول هذه الأمة ورودا على الحوض ... " الحديث. وفي رواية: "أولكم ورودا على الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب" خرجه القلعي وغيره. وعن ابن عباس قال: السبَّاق ثلاثة: يوشع بن نون إلى موسى, وصاحب ياسين إلى عيسى، وعلي إلى النبي ﷺ . خرجه ابن الضحاك في الآحاد والمثاني.

стр. 551

ذكر أنه أول من صلى: عن ابن عباس أنه قال: لعلي أربع خصال ليست لأحد غيره, وذكر منها: أنه أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله ﷺ . خرجه أبو عمر وخرج الترمذي منه عن ابن عباس: أول من صلى علي ﵁. وخرجه أبو القاسم في الموافقات كذلك. وعن أنس قال: استنبئ النبي ﷺ يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاث. خرجه الترمذي وأبو عمر, وفي بعض طرقه: بُعِثَ النبي ﷺ يوم الاثنين, وأسلم علي يوم الثلاث. خرجه البغوي في معجمه. وعن الحكم بن عيينة قال: خديجة أول من صدق، وعلي أول من صلى إلى القبلة. خرجه الحافظ السلفي. وعن رافع قال: صلى النبي ﷺ يوم الاثنين, وصلت خديجة آخر يوم الاثنين, وصلى علي يوم الثلاث من الغد قبل أن يصلي مع رسول الله ﷺ أحد سبع سنين وأشهرا. خرجه القلعي. وعنه قال: صليت قبل أن يصلي الناس بسبع سنين. وفي رواية: أسلمت قبل أن يسلم الناس بسبع سنين. وفي رواية: صليت مع رسول الله ﷺ ثلاث سنين قبل أن يصلي معه أحد من الناس. خرجهن أحمد في المناقب. وعنه أنه كان يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله ﷺ وأنا الصديق الأكبر, ولقد صليت قبل الناس بسبع سنين. خرجهن الخلعي. وعن علي قال: عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين. خرجه أبو عمر. وعن عفيف الكندي قال: كنت امرأ تاجرا فقدمت الحج فأتيت

стр. 552

العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة وكان امرأ تاجرا، قال: فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه, فنظر إلى السماء فلما رآها قام يصلي, ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء فقامت خلفه فصلت, ثم خرج غلام حين راهق الحلم فقام معه يصلي، قال: فقلت للعباس: يا عباس ما هذا? قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، قال: قلت: من هذه المرأة? قال: هذه امرأته خديجة بنت خويلد، قال: فقلت: من هذا الفتى? قال: هذا ابن عمه علي بن أبي طالب، قال: قلت: فما الذي يصنع? قال: يصلي وهو يزعم أنه نبي ولم يتبعه أحد على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى, وهو يزعم أنه سيفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. قال: فكان عفيف وهو ابن الأشعث بن قيس يقول, وأسلم بعد ذلك وحسن إسلامه: لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ, فأكون ثانيا مع علي بن أبي طالب. وعن حبة العربي قال: سمعت عليا يقول: أنا أول رجل صلى مع النبي ﷺ خرجهما أبو أحمد. وعن حبة أيضا قال: رأيت عليا ضحك ضحكا أكثر منه حتى بدت نواجذه ثم قال: ذكرت قول أبي طالب ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصلي ببطن نخلة قال: ماذا تصنعان يابن أخي? فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فقال: ما بالذي تصنعان أو الذي تقولان بأس ولكن والله لا تعلوني استي أبدًا, وضحك تعجبًا من قول أبيه ثم قال: اللهم لا أعرف لك عبدًا من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك -ثلاث مرات- لقد صليت قبل أن يصلي الناس. خرجه أحمد، وخرجه في المناقب وزاد: لقد صليت قبل أن يصلي أحد سبعًا. وحبة العربي ضعيف. قال ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة, وخرج معه علي بن أبي طالب

стр. 553

مستخفيًا من عمه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يومًا وهما يصليان فقال لرسول الله ﷺ : يابن أخي ما هذا أراك تدين به? قال: "أي عم, هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم" أو كما قال ﷺ : "وبعثني الله به رسولا إلى العباد, وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه" أو كما قال: قال: فقال أبو طالب: أي ابن أخي, إني والله لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه, ولكن والله لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيت. وذكروا أنه قال لعلي: أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه? قال: يا أبت آمنت برسول الله ﷺ وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته فزعموا أنه قال: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه. خرجه ابن إسحاق.

стр. 554

الفصل الخامس: في هجرته قال ابن إسحاق: وأقام علي بمكة بعد النبي ﷺ ثلاث ليالٍ وأيامها حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع١ التي كانت عنده للناس, حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﷺ فنزل معه على كلثوم بن زهدم, ولم يقم بقباء إلا ليلة أو ليلتين.

стр. 555

الفصل السادس: في خصائصه ذكر اختصاصه بأنه أول من أسلم وأول من صلى: تقدم أحاديث هذا الذكر في الفصل قبله. ذكر أنه أول من يجثو للخصومة يوم القيامة: عن علي قال: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة. قال قيس: فيهم١ نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٢ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر؛ علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. وفي رواية أن عليا قال: فينا نزلت هذه الآية, وفي مبارزتنا يوم بدر: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ خرجه البخاري. ذكر أنه أول من يقرع باب الجنة بعد النبي ﷺ : عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي, إنك أول من يقرع باب الجنة فتدخلها بغير حساب بعدي" خرجه الإمام علي بن موسى الرضا في مسنده. ذكر اختصاصه بأحبية الله تعالى له: عن أنس بن مالك قال: كان عند النبي ﷺ طير فقال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير" فجاء علي بن أبي طالب فأكل معه. خرجه الترمذي وقال: غريب، والبغوي في المصابيح في الحسان، وخرجه الحربي وزاد بعد قوله: أهدي لرسول الله ﷺ طير وكان مما يعجبه أكله, وزاد بعد قوله: فجاء علي بن أبي طالب فقال: استأذن على رسول الله ﷺ فقلت: ما عليه إذًا وكنت أحب أن يكون رجلا من الأنصار. وخرجه عمر بن شاهين ولم يذكر زيادة الحربي، وقال بعد قوله: فجاء علي فرددته، ثم جاء فرددته، فدخل في الثالثة أو في الرابعة فقال له النبي ﷺ : "ما حبسك عني؟ أو ما أبطأ بك عني يا علي؟ " قال: جئت فردني

стр. 556

أنس، ثم جئت فردني أنس، قال: "يا أنس، ما حملك على ما صنعت?" قال: رجوت أن يكون رجلا من الأنصار خيرا من علي أو أفضل من علي. وخرجه النجار عنه وقال: قدمت لرسول الله ﷺ طيرًا فسعى وأكل لقمة وقال: "اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي" فأتى علي فضرب الباب، فقلت: من أنت? قال: علي، قلت: إن رسول الله ﷺ على حاجة ثم أكل لقمة وقال مثل الأولى فضرب علي، فقلت: من أنت? قال: علي، قلت: إن رسول الله ﷺ على حاجة، ثم أكل لقمة وقال مثل ذلك، قال: فضرب علي ورفع صوته، فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس, افتح الباب" قال: فدخل فلما رآه النبي ﷺ تبسم ثم قال: "الحمد لله الذي عجلك؛ فإني أدعو في كل لقمة أن يأتيني الله بأحب الخلق إليه وإلي, فكنت أنت" قال: فوالذي بعثك بالحق نبيًّا, إني لأضرب الباب ثلاث مرات ويردني أنس. قال: فقال: رسول الله ﷺ : "لم رددته?" قال: كنت أحب معه١ رجلا من الأنصار، فتبسم النبي ﷺ وقال: "ما يلام الرجل على قومه". وعن سفينة قال: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ طيرين بين رغيفين فقدمت إليه الطيرين فقال ﷺ : "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك" ثم ذكر معنى حديث البخاري وقال في آخره: فأكل مع رسول الله ﷺ من الطيرين حتى فنيا. ذكر اختصاصه بأحبية النبي ﷺ : عن عائشة، سئلت: أي الناس أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة, فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمت صوامًا قوامًا. خرجه الترمذي وقال: حسن غريب.

стр. 557

وعنها, وقد ذكر عندها علي فقالت: ما رأيت رجلا أحب إلى رسول الله ﷺ منه, ولا امرأة أحب إلى رسول الله ﷺ من امرأته. خرجه المخلص والحافظ الدمشقي. وعن معاذية الغفارية قالت: كان لي أنس بالنبي ﷺ أخرج معه في الأسفار وأقوم على المرضى وأداوي الجرحى, فدخلت إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة وعلي خارج من عنده, فسمعته يقول: "يا عائشة, إن هذا أحب الرجال إلي, وأكرمهم علي, فاعرفي له حقه وأكرمي مثواه" خرجه الخجندي. وعن مجمع قال: دخلت مع أبي على عائشة, فسألتها عن مسراها يوم الجمل فقالت: كان قدرًا من الله، وسألتها عن علي فقالت: سألت عن أحب الناس إلى رسول الله ﷺ وزوج ابنة أحب الناس كان إليه. وعن معاوية بن ثعلبة قال: جاء رجل إلى أبي ذر وهو في مسجد رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذر, ألا تخبرني بأحب الناس إليك, فإني أعرف أن أحب الناس إليك أحبهم إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: إي١ ورب الكعبة, أحبهم إلي أحبهم إلى رسول الله ﷺ هو الشيخ, وأشار إلى علي. خرجه الملاء. وقد تقدم لأبي بكر مثل هذا في المتفق عليه, فيحمل هذا على أن عليا أحب الناس إليه من أهل بيته وعائشة أحب إليه مطلقًا جمعًا بين الحديثين, ويؤيده ما رواه الدولابي في الذرية الطاهرة أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "أنكحتك أحب أهل بيتي إليَّ" وخرجه عبد الرزاق ولفظه: "أنكحتك أحب أهلي إليَّ".

стр. 558

ذكر اختصاصه بأنه من النبي ﷺ بمنزلة الرأس من الجسد: عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "علي مني بمنزلة رأسي من جسدي" خرجه الملاء. ذكر اختصاصه بأنه من النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى: عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنه لا نبي بعدي" أخرجاه١ وأخرجه الترمذي وأبو حاتم ولم يقولا: "إلا أنه لا نبي بعدي". وعنه قال: خلف رسول الله ﷺ عليًّا في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان? قال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنه لا نبي بعدي" خرجه أحمد ومسلم وأبو حاتم. وفي رواية: "غير أنه ليس معي نبي" خرجه ابن الجراح. وعنه قال: لما نزل رسول الله ﷺ الجرف, طعن رجال من المنافقين في إمرة علي وقالوا: إنما خلفه استثقالا, فخرج علي فحمل سلاحه حتى أتى النبي ﷺ بالجرف فقال: يا رسول الله ما تخلفت عنك في غزاة قط قبل هذه؛ قد زعم المنافقون أنك خلفتني استثقالا فقال: "كذبوا, ولكن خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" خرجه ابن إسحاق وخرج معناه الحافظ الدمشقي في معجمه. وعن سفيان, وقد قال له المهدي: حدثني بأحسن فضيلة عندك لعلي

стр. 559

قال: حدثني سلمة بن كهيل عن حجبة بن عدي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنه لا نبي بعدي" خرجه الحافظ السلفي في النسخة البغدادية. وعن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أقول كما قال أخي موسى: اللهم اجعل لي وزيرًا من أهلي أخي عليا, اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا إنك كنت بنا بصيرًا" خرجه أحمد في المناقب, والمراد بالأمر غير النبوة بذكر ما تقدم وقد تعلق بعض الرافضة بهذا الحديث في أنه الخليفة بعده؛ ولا دلالة فيه. وقد سبق الكلام مستوفيًا في شرح لفظه ومعناه في فصل خلافة أبي بكر. وعن عمر وقد سمع رجلا يسب عليا فقال: إني لأظنك من المنافقين, سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنه لا نبي بعدي" خرجه ابن السمان. وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لعلي ثلاث خصال, لوددت أن لي واحدة منهن" بينا أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحاب النبي ﷺ إذ ضرب النبي ﷺ منكب علي فقال: "يا علي أنت أول المؤمنين إيمانًا, وأول المسلمين إسلامًا, وأنت مني بمنزلة هارون من موسى" خرجه ابن السمان. ذكر اختصاصه بأنه من النبي ﷺ كمنزلة النبي ﷺ من الله : قال: جاء أبو بكر وعلي يزوران قبر النبي ﷺ بعد وفاته بستة أيام, فقال علي لأبي بكر: تقدم يا خليفة رسول الله, فقال أبو بكر: ما كنت

стр. 560

لأتقدم رجلًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "علي مني بمنزلتي من ربي" خرجه ابن السمان في الموافقة. ذكر اختصاصه بأنه أقرب الناس قرابةً من النبي ﷺ : عن الشعبي أن أبا بكر نظر إلى علي بن أبي طالب فقال: من سره أن ينظر إلى أقرب الناس قرابة من رسول الله ﷺ وأعظمهم عنه غنى وأحظهم عنده منزلة, فلينظر وأشار إلى علي بن أبي طالب. خرجه ابن السمان. ذكر إخبار جبريل عن الله بأن عليا من النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى: عن أسماء بنت عميس قالت: هبط جبريل ﵇ على النبي ﷺ فقال: يا محمد, إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى لكن لا نبي بعدك. خرجه الإمام علي بن موسى. ذكر اختصاصه بأن له من الأجر ومن المغنم مثل ما للنبي ﷺ في غزوة تبوك, ولم يحضرها: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ لعلي يوم غزوة تبوك: "أما ترضى أن يكون لك من الأجر مثل ما لي, ولك من المغنم مثل ما لي?" خرجه الخلعي. ذكر اخصاصه بأنه مثل النبي ﷺ : عن المطلب بن عبد الله أبي حيطب قال: قال رسول الله ﷺ لوفد ثقيف حين جاءوه: "لتسلمن أو لأبعثن عليكم رجلا مني -أو قال: مثل نفسي- فليضربن أعناقكم وليستبين ذراريكم وليأخذن أموالكم" قال عمر: فوالله ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، فجعلت أنصب صدري رجاء أن يقول: هو هذا، قال: فالتفت إلى علي فأخذه بيده وقال: "هو هذا".

стр. 561

خرجه عبد الرزاق في جامعه, وأبو عمر وابن السمان. وعن زيد بن نفيع قال: قال رسول الله ﷺ : "لينتهين بنور ربيعة, أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي يمضي فيهم أمري, يقتل المقاتلة ويسبي الذرية" قال: فقال أبو ذر: فما راعني إلا برد كف عمر في حجرتي من خلفي فقال: من تراه يعني? قلت: ما يعنيك ولكن يعني خاصف النعل, يعني عليًا. خرجه أحمد في المناقب. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي إلا وله نظير في أمته, وعلي نظيري" خرجه الخلعي, وقد تقدم مستوعبًا في مناقب الأعداد. ذكر اختصاص علي بأنه قسم النبي ﷺ في نور كان عليه قبل خلق الخلق: عن سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كنت أنا وعلي نورًا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام, فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزأين, فجزء أنا وجزء علي" خرجه أحمد في المناقب. ذكر اختصاصه بأن كفه مثل كف النبي ﷺ : عن حبشي بن جنادة قال: كنت جالسًا عند أبي بكر فقال: من كانت له عدة عند رسول الله ﷺ ? فقام رجل فقال: يا خليفة رسول الله وعدني بثلاث حثيات من تمر، قال: فقال: أرسلوا إلى علي فقال: يا أبا الحسن إن هذا يزعم أن رسول الله ﷺ وعده بثلاث حثيات من تمر فاحثها له قال: فحثاها, قال أبو بكر: عدوها فوجدوا في كل حثية ستين تمرة لا تزيد واحدة على الأخرى فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، قال لي رسول الله ﷺ ليلة الهجرة ونحن خارجون من الغار نريد المدينة: "يا أبا بكر, كفي وكف علي في العدد سواء" خرجه ابن السمان في الموافقة.

стр. 562

ذكر اختصاصه بصلاة الملائكة على النبي ﷺ وعليه؛ لكونهما كانا يصليان قبل الناس: عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : "لقصد صلت الملائكة عليَّ وعلى علي؛ لأنا كنا نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا" خرجه أبو الحسن الخلعي. ذكر اختصاصه بأنه والنبي ﷺ يقبض الله أرواحهما بمشيئة دون ملك الموت: عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أسرى بي, مررت بملك جالس على سرير من نور وإحدى رجليه في المشرق والأخرى في المغرب، وبين يديه لوح ينظر فيه، والدنيا كلها بين عينيه، والخلق بين ركبتيه، ويده تبلغ المشرق والمغرب، فقلت: يا جبريل من هذا? قال: هذا عزرائيل تقدم فسلم، فتقدمت وسلمت عليه، فقال: وعليك السلام يا أحمد, ما فعل ابن عمك علي? فقلت: وهل تعرف ابن عمي عليا؟ قال: وكيف لا أعرفه وقد وكلني الله بقبض أرواح الخلائق ما خلا روحك وروح ابن عمك علي بن أبي طالب, فإن الله يتوفا ١ كما بمشيئته" خرجه الملاء في سيرته. ذكر اختصاصه أن من آذاه: فقد آذى النبي ﷺ ومن أبغضه فقد أبغضه، ومن سبه فقد سبه، ومن أحبه فقد أحبه, ومن تولاه فقد تولاه، ومن عاداه فقد عاداه، ومن أطاعه فقد أطاعه، ومن عصاه فقد عصاه. عن عمر بن شاس الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية قال: خرجت مع علي إلى اليمن فجفاني في سفري حتى وجدت في نفسي عليه

стр. 563

فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه, فلما رآني أبدأني عينيه يقول: "حدد إلي النظر" حتى إذا جلست قال: "يا عمر, والله لقد آذيتني" قلت: أعوذ بالله أن أوذيك يا رسول الله قال: "بلى من آذى عليًّا فقد آذاني" خرجه أحمد وخرجه أبو حاتم مختصرًا. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب عليا فقد أحبني, ومن أبغض عليا فقد أبغضني, ومن آذى عليا فقد آذاني, ومن آذاني فقد آذى الله" خرجه أبو عمر. وعن أم سلمة قالت: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله, ومن أبغض عليا فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله " خرجه المخلص وخرجه الحاكمي عن عمار بن ياسر, وزاد في أوله: "من تولاه فقد تولاني ومن تولاني فقد تولى الله, ومن أحبه ... " الحديث. وعن ابن عباس قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب فقال له: "أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة, من أحبك فقد أحبني وحبيبك حبيب الله, وعدوك عدوي وعدوي عدو الله، الويل لمن أبغضك" خرجه أحمد في المناقب. وعن ابن عباس أنه مر بعدما حجب بصره بمجلس من مجالس قريش وهم يسبون عليا فقال لقائده: ما سمعت هؤلاء يقولون? قال: سبوا عليا قال: فردني إليهم فرده, قال: أيكم الساب الله? قالوا: سبحان الله من سب الله فقد أشرك قال: أيكم الساب لرسول الله ﷺ ؟ قالوا: سبحان الله من سب رسول الله ﷺ فقد كفر، قال: فأيكم الساب لعلي? قالوا: أما هذا فقد كان, قال: فأنا أشهد بالله لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سب عليا فقد سبني, ومن سبني فقد سب الله, ومن سب الله أكبه الله على

стр. 564

منخره" ثم تولى عنهم فقال لقائده: ما سمعتهم يقولون? قال: ما قالوا شيئًا, قال: فكيف رأيت وجوههم حيث قلت ما قلت? قال: نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر قال: زدني فداك أبي. جزر الحواجب ناكسو أذقانهم ... نظر الذليل إلى العزيز القاهر قال: زدني فداك أبي, قال: ما عندي غيرهما, قال: لكن عندي: أحياؤهم حزنى على أمواتهم ... والميتون مسبة للغابر خرجه أبو عبد الله الملاء. وعن أبي عبد الله الحدي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أتسب رسول الله ﷺ ? فقلت: معاذ الله, قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سب عليا فقد سبني" خرجه أحمد. وعن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "من أطاعك فقد أطاعني, ومن أطاعني أطاع الله, ومن عصاك عصاني" خرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجمه, وخرجه الخجندي بزيادة ولفظه: "من أطاعني فقد أطاع الله, ومن أطاعك فقد أطاعني, ومن عصاني فقد عصى الله, ومن عصاك فقد عصاني". وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا علي من فارقني فقد فارق الله, ومن فارقك فقد فارقني" خرجه أحمد في المناقب والنقاش. وعن عروة بن الزبير أن رجلا وقع في علي بن أبي طالب بمحضر من عمر فقال له عمر: أتعرف صاحب هذا القبر? هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؛ وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب، لا تذكر عليا إلا بخير فإنك إن تنقصه آذيت صاحب هذا في قبره ﷺ . خرجه أحمد في

стр. 565

المناقب وابن السمان في الموافقة. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "حبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله, وعدوك عدوي وعدوي عدو الله, والويل لمن أبغضك بعدي" خرجه الحاكمي. ذكر اختصاصه بإخاء النبي ﷺ : عن ابن عمر قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه, فجاء علي تدمع عيناه قال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخِ بيني وبين أحد! قال له رسول الله ﷺ : "أنت أخي في الدنيا والآخرة" خرجه الترمذي وقال: غريب, والبغوي في المصابيح في الحسان. وعنه قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه حتى بقي علي, وكان رجلا شجاعا ماضيًا على أمره إذا أراد شيئا فقال رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن أكون أخاك?" قال: بلى يا رسول رضيت، قال: "فأنت أخي في الدنيا والآخرة" خرجه الخلعي. وعن علي أنه كان يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله, لا يقوله أحد غيري إلا كذب. خرجه أبو عمر وخرجه الخلعي وزاد: وأنا الصديق الأكبر, ولقد صليت قبل الناس بسبع سنين. وعن علي قال: طلبني النبي ﷺ فوجدني في حائط نائما فضربني برجله وقال: "قم فوالله لأرضينك، أنت أخي وأبو ولدي, تقاتل على سنتي, من مات على عهدي فهو في كنز الجنة, ومن مات على عهدك فقد قضى نحبه, ومن مات محبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت" خرجه أحمد في المناقب. وعن علي قال: جمع رسول الله ﷺ أو دعا بني عبد المطلب, فهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق قال: فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا, قال: وبقي الطعام كما هو كأن لم يمس, ثم دعا بغمر فشربوا
следующие страницы →