رسول الله إني أرمد العين قال: فتفل في عيني وقال: "اللهم أذهب عنه الحر والبرد" فما وجدت حرا ولا بردا منذ يومئذ, وقال: "لأعطين الراية رجلًا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله, ليس بفرار" فتشوف لها أصحاب رسول الله ﷺ فأعطانيها. أخرجه أحمد.
ذكر اختصاصه بأن النبي ﷺ كان يعطيه الراية, فلا ينصرف حتى يفتح عليه:
عن عمر بن حبشي قال: خطبنا الحسن حين قتل علي فقال: لقد فارقكم رجل إن كان رسول الله ﷺ ليعطيه الراية فلا ينصرف حتى يفتح عليه, ما ترك من صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه كان يرصدها لخادم لأهله. أخرجه أحمد.
ذكر اختصاصه بأن النبي ﷺ كان يبعثه بالسرية, جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله, فلا ينصرف حتى يفتح عليه:
عن الحسن أنه قال حين قتل علي: لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون بعلم ولا أدركه الآخرون, كان رسول الله ﷺ يبعثه بالسرية, جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله لا ينصرف حتى يفتح عليه. أخرجه أحمد وأبو حاتم ولم يقل: بعلم, وأخرجه الدولابي بزيادة ولفظه: لما قتل علي, قام الحسن خطيبا فقال: قتلتم والله رجلا في ليلة نزل فيها القرآن, وفيها رفع عيسى ابن مريم وفيها قتل يوشع فتى موسى, والله ما سبقه أحد كان قبله كان رسول الله ﷺ يبعثه بالسرية, وذكر الحديث.
ذكر اختصاصه بتنويه الملك باسمه يوم بدر:
عن أبي جعفر محمد بن علي قال: نادى ملك من السماء يوم بدر يقال له رضوان:
لا سيف إلا ذو الفقار ... ولا فتًى إلا علي
стр. 597
أخرجه الحسن بن عرفة العبدي.
"شرح" ذو الفقار: اسم سيف النبي ﷺ قال أبو العباس: سمي بذلك؛ لأنه كانت فيه حفر صغار, والفقرة: الحفرة التي فيها.
قال أبو عبيد: والمفقر من السيوف: الذي فيه حزوز.
ذكر اختصاصه بحمله راية النبي ﷺ يوم بدر, وفي المشاهد كلها:
عن ابن عباس ﵄ قال: كان علي آخذًا راية رسول الله ﷺ يوم بدر، قال الحكم: يوم بدر والمشاهد كلها. أخرجه أحمد في المناقب.
وعن علي ﵇ قال: كسرت يد علي يوم أحد فسقط اللواء من يده، فقال رسول الله ﷺ : "ضعوه في يده اليسرى، فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة" أخرجه الحضرمي.
ذكر اختصاصه بكتابة كتاب الصلح يوم الحديبية:
عن ابن عباس ﵄ قال: كان كاتب كتاب الصلح يوم الحديبية علي بن أبي طالب، قال عبد الرزاق: قال معمر: فسألت عنه الزهري فضحك أو قال: تبسم، وقال: هو علي، ولو سألت هؤلاء لقالوا: هو عثمان يعني بني أمية، خرجه في المناقب والغساني.
ذكر اختصاصه يوم الحديبية بتهديد قريش ببعثه عليهم:
عن علي ﵇ قال: لما كنا يوم الحديبية؛ خرج لنا أناس من المشركين منهم سهيل بن عمر وناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا فارددهم إلينا، فإن كان بهم فقه في الدين فسنفقههم، فقال النبي ﷺ : "يا معشر قريش لتنتهن أو
стр. 598
ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان" فقالوا: من هو يا رسول الله? وقال أبو بكر: من هو يا رسول الله? وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو خاصف النعل" وكان أعطى عليا نعله يخصفها، ثم التفت علي إلى من عنده وقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
ذكر اختصاصه بالقتال على تأويل القرآن كما قاتل النبي ﷺ على تنزيله:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: $"إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله" قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: "لا" قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: "لا, ولكن خاصف النعل" وكان أعطى عليا نعله يخصفها. أخرجه أبو حاتم.
وعنه قال: كنا ننتظر النبي ﷺ يخرج علينا من بعض بيوت نسائه, فقمنا معه فانقطعت نعله فخلف عليها علي يخصفها, فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه ثم قام ينتظره وقمنا معه، فقال: "إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله" فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: "لا ولكن خاصف النعل" قال: فجئنا نبشره؛ قال: وكأنه قد سمعه.
"شرح" أصل الخصف: الضم والجمع, وخصف النعل: إطباق طاق على طاق، ومنه: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ .
وقوله: استشرفنا أي: تشوفنا وتطلعنا, تقول: استشرفت الشيء واستكشفته بمعنًى وهو أن تضع يدك على حاجبك كالذي يستظل به من
стр. 599
الشمس؛ حتى يتبين لك الشيء. حكاه الهروي.
ذكر اختصاصه بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد, إلا بابه:
عن ابن عباس أن النبي ﷺ أمر بسدّ الأبواب إلا باب علي. أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.
وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله ﷺ أبواب شارعة في المسجد، قال: فقال يوما: "سدوا هذه الأبواب, إلا باب علي" قال: فتكلم في ذلك أناس قال: فقام رسول الله ﷺ فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد, فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي فقال فيه قائلكم, وإني والله ما سددت شيئًا ولا فتحته, ولكن أمرت بشيء فاتبعته" أخرجه أحمد.
وعن ابن عمر ﵄ قال: لقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال, لأن يكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم: زوجه رسول الله ﷺ ابنته وولدت له, وسد الأبواب إلا بابه في المسجد, وأعطاه الراية يوم خيبر. أخرجه أحمد.
وعن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: قال عمر: ثلاث خصال لعلي, لأن يكون لي خصلة منهن أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم: تزويج فاطمة بنت النبي ﷺ وسكناه في المسجد مع رسول الله ﷺ وإعطاء الراية يوم خيبر. أخرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن عبد الله بن شريك, عن عبد الله بن الأرقم الكسائي قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل, فلقينا سعد بن مالك فقال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد, وترك باب علي. أخرجه أحمد.
قال السعدي: عبد الله بن شريك كذاب، وقال ابن حبان: كان غاليًا في التشيع, يروي عن الأثبات ما لا يشبه حديث الثقات. وقد روي
стр. 600
هذا الحديث عن ابن عباس وجابر؛ وإنما الصحيح ما أخرج في الصحيحين عن أبي سعد: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبقى باب في المسجد إلا سد، إلا باب أبي بكر" وإن صح الحديث عن علي أيضا حمل ذلك على حالين مختلفين؛ توفيقًا بين الحديثين.
ذكر اختصاصه بالمرور في المسجد جنبًا:
عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي, لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" قال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث? قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك. أخرجه الترمذي.
ذكر اختصاصه بأنه حجة النبي ﷺ على أمته:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فرأى عليا مقبلا فقال: "يا أنس" قلت: لبيك, قال: "هذا المقبل حجتي على أمتي يوم القيامة".
ذكر اختصاصه بأنه باب دار الحكمة:
عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا دار الحكمة وعلي بابها" أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
ذكر اختصاصه بأنه باب دار العلم, وباب مدينة العلم:
عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا دار العلم وعلي بابها" أخرجه في المصابيح في الحسان، وأخرجه أبو عمر وقال: "أنا مدينة العلم" وزاد: "فمن أراد العلم, فليأته من بابه".
ذكر اختصاصه بأنه أعلم الناس بالسنة:
عن عائشة ﵂ قالت: من أفتاكم بصوم عاشوراء? قالوا:
стр. 601
علي, قالت: أما إنه أعلم الناس بالسنة. أخرجه أبو عمر.
ذكر اختصاصه بأنه أكبر الأمة علمًا, وأعظمهم حلمًا:
عن معقل بن يسار قال: وصب رسول الله ﷺ فقال: "هل لك في فاطمة تعودها?" فقلت: نعم, فقام متوكئًا عليَّ فقال: "إنه سيحمل ثقلها غيرك, ويكون أجرها لك" قال: فكأنه لم يكن علي شيء حتى دخلنا على فاطمة فقلنا: كيف تجدينك? قالت: لقد اشتد حزني، واشتدت فاقتي، وطال سقمي.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: وجدت بخط أبي في هذا الحديث قال: "أوما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلمًا ١ وأكثرهم علمًا وأعظمهم حلمًا؟ " أخرجه أحمد وأخرجه القلعي وقال: "زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة" ثم ذكر الحديث.
وعن عطاء وقد قيل له: أكان في أصحاب رسول الله ﷺ أحد أعلم من علي؟ قال: ما أعلم. أخرجه القلعي.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب.
وعن المغيرة نحوه، أخرجهما القلعي.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: والله لقد أعطي تسعة أعشار العلم، وايم الله لقد شارككم في العشر العاشر, أخرجه أبو عمر. وعنه وقد سأله الناس فقالوا: أي رجل كان عليا? قال: كان مملئا جوفه حكما وعلما وبأسا ونجدة, مع قرابته من رسول الله ﷺ . أخرجه أحمد في المناقب.
стр. 602
"شرح" البأس: الشدة في الحرب، يقول: بؤس الرجل بالضم يبؤس بأسًا فهو بئيس على فعيل أي: شجاع, والنجدة: الشجاعة، تقول منه: نجد ينجد بالضم فهو نجيد ونجد ونجد.
وروي أن عمر أراد رجم المرأة التي ولدت لستة أشهر، فقال له علي: إن الله تعالى يقول ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ٢ فالحمل ستة أشهر والفصال في عامين, فترك عمر رجمها وقال: لولا علي لهلك عمر. أخرجه العقيلي، وأخرجه ابن السمان عن أبي حزم بن أبي الأسود.
وعن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن. أخرجه أحمد وأبو عمر.
وعن محمد بن الزبير قال: دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بشيخ قد التوت ترقوتاه من الكبر فقلت: يا شيخ من أدركت? قال: عمر قلت: فما غزوت? قال: اليرموك. قلت: فحدثني بشيء سمعته قال: خرجنا مع قتيبة حجاجًا فأصبنا بيض نعام -وقد أحرمنا- فلما قضينا نسكنا ذكرنا ذلك لأمير المؤمنين عمر، فأدبر وقال: اتبعوني حتى انتهى إلى حجر رسول الله ﷺ فضرب حجرة منها، فأجابته امرأة فقال: أثم أبو حسن? قالت: لا, فمر في المقتاة، فأدبر وقال: اتبعوني، حتى انتهى إليه وهو يسوي التراب بيده فقال: مرحبًا يا أمير المؤمنين, فقال: إن هؤلاء أصابوا بيض حمام وهم محرمون قال: ألا أرسلت إلي? قال: أنا أحق بإتيانك, قال: يضربون الفحل قلائص أبكارا بعدد البيض، فما نتج منها أهدوه. قال عمر: فإن الإبل تخدج, قال علي: والبيض يمرض، فلما أدبر قال
стр. 603
عمر: اللهم لا تنزل بي شديدة إلا وأبو حسن إلى جنبي. أخرجه ابن البختري.
ذكر اختصاصه بإحالة جمع من الصحابة عند سؤالهم عليه:
عن أذينة العبدي قال: أتيت عمر فسألته: من أين أعتمر? قال: ائت عليا فسله. أخرجه أبو عمر وابن السمان في الموافقة.
وعن أبي حازم قال: جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب، فهو أعلم. قال: يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحب إلي من جواب علي, قال: بئس ما قلت، لقد كرهت رجلا كان رسول الله ﷺ يغزره بالعلم غزرًا، ولقد قال له: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذه منه. أخرجه أحمد في المناقب.
"شرح" الغزارة بالغين المعجمة: الكثرة, وقد غزر الشيء بالضم: كثر.
وعن عائشة ﵂ وقد سئلت عن المسح على الخفين فقالت: ائت عليا فسله. أخرجه مسلم.
وعن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى أبي بكر فقالوا: صف لنا صاحبك, فقال: معشر اليهود لقد كنت معه في الغار كإصبعي هاتين، ولقد صعدت معه جبل حراء وإن خنصري لفي خنصره، ولكن الحديث عنه ﷺ شديد وهذا علي بن أبي طالب. فأتوا عليا فقالوا: يا أبا الحسن صف لنا ابن عمك فقال: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل الذاهب طولا ولا بالقصير المتردد، كان فوق الربعة أبيض اللون مشربا حمرة جعد الشعر ليس بالقطط, يضرب شعره إلى أرنبته, صلت الجبين أدعج العينين دقيق المسربة, براق الثنايا أقنى الأنف كأن عنقه إبريق فضة، له شعرات من لبته
стр. 604
إلى سرته كأنهن قضيب مسك أسود, ليس في جسده ولا في صدره شعرات غيرهن، وكان شثن الكف والقدم، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وإذا التفت التفت بمجامع بدنه، وإذا قام غمر الناس، وإذا قعد علا الناس، وإذا تكلم أنصت الناس وإذا خطب أبكى الناس، وكان أرحم الناس بالناس، لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالكريم الكريم، أشجع الناس وأبذلهم كفا وأصبحهم وجها، لباسه العباء وطعامه خبز الشعير وإدامه اللبن ووساده الأدم محشوا بليف النخل، سريره أم غيلان مرمل بالشريف، كان له عمامتان إحداهما تدعى السحاب والأخرى العقاب، وكان سيفه ذا الفقار ورايته الغراء وناقته العضباء, وبغلته دلدل وحماره يعفور وفرسه مرتجز وشاته بركة وقضيبه الممشوق ولواؤه الحمد، وكان يعقل البعير ويعلف الناضح ويرقع الثوب ويخصف النعل.
وعن زيد بن علي عن أبيه عن جده قال: أتي عمر بامرأة حامل قد اعترفت بالفجور فأمر برجمها، فتلقاها علي فقال: ما بال هذه? فقالوا: أمر عمر برجمها فردها علي وقال: هذا سلطانك عليها, فما سلطانك على ما في بطنها? ولعلك انتهرتها أو أخفتها, قال: قد كان ذلك, قال: أوما سمعت رسول الله ﷺ قال: "لا حد على معترف بعد بلاء, إنه من قيد أو حبس أو تهدد فلا إقرار له"؟ فخلى سبيلها.
وعن عبيد الله بن الحسن قال: دخل علي على عمر وإذا امرأة حبلى تقاد ترجم، فقال: ما شأن هذه? قال: يذهبون بها يرجموها, فقال: يا أمير المؤمنين لأي شيء ترجم? إن كان لك سلطان عليها فما لك سلطان على ما في بطنها, فقال عمر: كل أحد أفقه مني ثلاث مرات, فضمنها علي حتى وضعت غلاما، ثم ذهب بها إليه فرجمها، فهذه غير تلك والله أعلم؛ لأن اعتراف تلك كان بعد تخويف فلم يصح فلم ترجم، وهذه رجمت كما تضمنه الحديثان.
عن عبد الرحمن السلمي قال: أتي عمر بامرأة أجهدها العطش
стр. 605
فمرت على راع فاستسقته, فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت, فشاور الناس في رجمها فقال لي علي: هذه مضطرة إلى ذلك, فخل سبيلها ففعل.
وعن أبي ظبيان قال: شهدت عمر بن الخطاب أتي بامرأة قد زنت فأمر برجمها، فذهبوا بها ليرجموها فلقيهم علي فقال لهم: ما بال هذه? قالوا: زنت فأمر عمر برجمها, فانتزعها علي من أيديهم فردهم فرجعوا إلى عمر فقالوا: ردنا علي. قال: ما فعل هذا إلا لشيء، فأرسل إليه فجاء فقال: ما لك رددت هذه? قال: أما سمعت النبي ﷺ يقول: "رفع ١ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ, وعن الصغير حتى يكبر, وعن المبتلى حتى يعقل"؟ قال: بلى قال: فهذه مبتلاة بني فلان فلعله أتاها وهويها. قال له عمر: لا أدري. قال: وأنا لا أدري؛ فترك رجمها.
وعن مسروق أن عمر أتي بامرأة قد نكحت في عدتها ففرق بينهما وجعل مهرها في بيت المال، وقال: لا يجتمعان أبدًا, فبلغ عليا فقال: إن كان جهلا فلها المهر بما استحل من فرجها ويفرق بينهما, فإذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. فخطب عمر وقال: ردوا الجهالات إلى السنة, فرجع إلى قول علي. أخرج جميع ذلك ابن السمان في الموافقة، أخرج حديث أبي ظبيان أحمد.
عن ابن سيرين أن عمر سأل الناس: كم يتزوج المملوك? وقال لعلي: إياك أعني يا صاحب المعافري, رداء كان عليه, قال: اثنتين.
وعن محمد بن زياد قال: كان عمر حاجا, فجاءه رجل قد لطمت عينه فقال: من لطم عينك? قال: علي بن أبي طالب. فقال: لقد وقعت
стр. 606
عليك عين الله؛ ولم يسأل ما جرى منه ولم لطمه. فجاء علي والرجل عند عمر فقال علي: هذا الرجل رأيته يطوف وهو ينظر إلى الحرم في الطواف، فقال عمر: لقد نظرت بنور الله.
وفي رواية: كان عمر يطوف بالبيت وعلي يطوف أمامه, إذ عرض رجل لعمر فقال: يا أمير المؤمنين خذ حقي من علي بن أبي طالب. قال: وما باله? قال: لطم عيني، قال: فوقف عمر حتى لحق به علي فقال: ألطمت عين هذا يا أبا الحسن? قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ولم? قال: لأني رأيته يتأمل حرم المؤمنين في الطواف فقال عمر: أحسنت يا أبا الحسن. ثم أقبل على الرجل فقال: وقعت عليك عين من عيون الله فلا حق لك فقال يقلب، يعني صاحبه: من جواهر الله, ولي من أولياء الله تعالى.
وعن حنش بن المعتمر: أن رجلين أتيا امرأة من قريش فاستودعاها مائة دينار وقالا: لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه حتى نجتمع، فلبثا حولا ثم جاء أحدهما إليها وقال: إن صاحبي قد مات فادفعي إلي الدنانير، فأبت فثقل عليها بأهلها فلم يزالوا بها حتى دفعتها إليه، ثم لبثت حولا آخر، فجاء الآخر فقال: ادفعي إلي الدنانير، فقالت: إن صاحبك جاءني وزعم أنك قد مت فدفعتها إليه فاختصما إلى عمر، فأراد أن يقضي عليها.
وروي أنه قال لها: ما أراك إلا ضامنة! فقالت: أنشدك الله أن تقضي بيننا، وارفعنا إلى علي بن أبي طالب، فرفعها إلى علي وعرف أنهما قد مكرا بها، فقال: أليس قلتما لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه؟ قالا: بلى. قال: فإن مالك عندنا, اذهب فجئ بصاحبك حتى ندفعها إليكما.
وعن موسى بن طلحة أن عمر اجتمع عنده مال فقسمه ففضلت منه
стр. 607
فضلة فاستشار أصحابه في ذلك الفضل فقالوا: نرى أن تمسكه، فإن احتجت إلى شيء كان عندك, وعلي في القوم لا يتكلم. فقال عمر: ما لك لا تتكلم يا علي? قال: قد أشار عليك القوم، قال: وأنت فأشر. قال: فإني أرى أن تقسمه، ففعل.
وعن حارثة بن مضرب أن عمر أراد أن يقسم السواد فقال له علي: إن للناس نسلًا من أولادهم وموادة من أعرابهم، فدعهم كما هم.
وعن أبي سعيد الخدري سمع عمر يقول لعلي, وقد سأله عن شيء فأجابه: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن.
وعن يحيى بن عقيل قال: كان عمر يقول لعلي, إذا سأله ففرج عنه: لا أبقاني الله بعدك يا علي.
وعنه عن علي أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين إن سرك أن تلحق بصاحبيك, فأقصر الأمل وكل دون الشبع واقصر الإزار وارفع القميص واخصف النعل تلحق بهما. أخرج جميع ذلك ابن السمان.
وعن محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ كان تحته امرأتان: هاشمية وأنصارية، فطلق الأنصارية ثم مات على رأس الحول فقالت: لم تنقض عدتي؟ فارتفعوا إلى عثمان فقال: هذا ليس لي به علم، فارتفعوا إلى علي، فقال علي: تحلفين عند منبر النبي ﷺ أنك لم تحيضي ثلاث حيضات ولك الميراث? فحلفت فأشركت في الإرث. أخرجه ابن حرب الطائي.
ذكر اختصاصه بأنه لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يقول: سلوني غيره:
عن سعيد بن المسيب أنه قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يقول: سلوني إلا عليا. أخرجه أحمد في المناقب والبغوي في
стр. 608
المعجم، وأبو عمر ولفظه: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير علي بن أبي طالب.
وعن أبي الطفيل قال: شهدت عليًّا يقول: سلوني, والله لا تسألونني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل. أخرجه أبو عمر.
ذكر اختصاصه بأنه أقضى الأمة:
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أقضى أمتي علي" أخرجه في المصابيح في الحسان.
وعن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: أقضانا علي بن أبي طالب. أخرجه السلفي.
وعن ابن مسعود قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب.
وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "تختصم الناس بسبع ولا يحاجك أحد من قريش؛ أنت أولهم إيمانًا بالله, وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية, وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية" أخرجه الحاكمي.
ذكر دعائه ﷺ حين ولاه قضاء اليمن:
عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا وأنا حديث السن فقلت: يا رسول الله، تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء?! قال: "إن الله سيهدي لسانك, ويثبت قلبك" قال: فما شككت في قضاء بين اثنين.
وفي رواية: "إن الله يثبت لسانك, ويهدي قلبك" قال: ثم وضع
стр. 609
يده على فمه. أخرجهما أحمد.
"شرح" أحداث: جمع حدث وهو الأمر يحدث ويقع، والحدث والحدثي والحادثة والحدثان كلها بمعنًى.
وعنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا شاب لا أعلم القضاء? فوضع يده على صدري وقال: "إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك, يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضِ بينهما حتى تسمع من الآخر كما تسمع من الأول، إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء" قال علي: فما اختلف, وربما قال شريك: فما أشكل علي قضاء بعد ذلك.
وفي رواية: فما شككت, فما شككت في قضاء وما زلت قاضيًا بعد. أخرجه الإسماعيلي الحاكمي.
ذكر بعض أقضيته:
عن رزين بن حبيش قال: جلس اثنان يتغديان ومع أحدهما خمسة أرغفة والآخر ثلاثة أرغفة وجلس إليهما ثالث واستأذنهما في أن يصيب من طعامهما, فأدنا له فأكلوا على السواء ثم ألقى إليهما ثمانية دراهم وقال: هذا عوض ما أكلت من طعامكما, فتنازعا في قسمتها فقال صاحب الخمسة: لي الخمسة ولك ثلاثة وقال صاحب الثلاثة: بل نقسمها على السواء فترافعا إلى علي فقال لصاحب الثلاثة: اقبل من صاحبك ما عرض عليك فأبى وقال: ما أريد إلا مر الحق, فقال علي ﵇: لك في مر الحق درهم واحد وله سبعة. قال: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن الثمانية أربعة وعشرون ثلثا لصاحب الخمسة خمسة عشر ولك تسعة، وقد استويتم في الأكل، فأكلت ثمانية وبقي لك واحد، وأكل صاحبك ثمانية وبقي له سبعة وأكل الثالث ثمانية سبعة لصاحبك وواحد لك. فقال: رضيت الآن. أخرجه القلعي.
стр. 610
وعن علي ﵇ أن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن فوجد أربعة وقعوا في حفرة حفرت ليصطاد فيها الأسد، سقط أولا رجل فتعلق بآخر وتعلق الآخر بآخر حتى تساقط الأربعة فجرحهم الأسد وماتوا من جراحته؛ فتنازع أولياؤهم حتى كادوا يقتتلون فقال علي: أنا أقضي بينكم فإن رضيتم فهو القضاء وإلا حجزت بعضكم عن بعض, حتى تأتوا رسول الله ﷺ ليقضي بينكم. اجمعوا من القبائل الذين حفروا البئر ربع الدية وثلثها ونصفها ودية كاملة, فللأول ربع الدية لأنه أهلك من فوقه وللذي يليه ثلثها لأنه أهلك من فوقه وللثالث النصف لأنه أهلك من فوقه وللرابع الدية كاملة, فأبوا أن يرضوا، فأتوا رسول الله ﷺ فلقوه عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه القصة فقال: "أنا أقضي بينكم" واحتبى ببردة, فقال رجل من القوم: إن عليا قضى بيننا. فلما قصوا عليه القصة أجازه. أخرجه أحمد في المناقب.
وعن الحارث عن علي أنه جاءه رجل بامرأة فقال: يا أمير المؤمنين دلست علي هذه وهي مجنونة, قال: فصعد علي بصره وصوبه وكانت امرأة جميلة فقال: ما يقول هذا? قالت: والله يا أمير المؤمنين ما بي جنون، ولكني إذ كان ذلك الوقت غلبتني غشية. فقال علي: خذها ويحك وأحسن إليها, فما أنت لها بأهل. أخرجه السلفي.
وعن زيد بن أرقم قال: أتي علي في اليمن بثلاثة نفر وقعوا على جارية في طهر واحد, فولدت ولدا فادعوه فقال علي لأحدهم: تطيب به نفسا لهذا? قال: لا. قال: أراكم شركاء متشاكسين، إني مقرع بينكم، فما أجابته القرعة أغرمته ثلثي القيمة وألزمته الولد، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "ما أجد فيها إلا ما قال علي".
وعن جميل بن عبد الله بن يزيد المدني قال: ذكر عند النبي ﷺ قضاء قضى به علي, فأعجب النبي ﷺ فقال: "الحمد لله الذي جعل فينا
стр. 611
الحكمة أهل البيت" أخرجهما أحمد في المناقب.
ذكر اختصاصه بالعمل بآية في كتاب الله :
وعن علي ﵇ أنه قال: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد بعدي, آية النجوى. كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم, فلما أردت أن أناجي رسول الله ﷺ قدمت درهما، فنسختها الآية الأخرى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ١ الآية. أخرجه ابن الجوزي في أسباب النزول.
ذكر اختصاصه بنجوى النبي ﷺ يوم الطائف:
عن جابر قال: دعا النبي ﷺ عليًّا يوم الطائف فانتجاه, فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه, فقال ﷺ : "ما انتجيته, ولكن الله انتجاه" أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
"شرح" انتجاه: من النجوى وهو السر بين اثنين, يقول: نجوته نجوى أي: ساررته، وكذا ناجيته، وانتجى القوم وتناجوا أي: تساروا.
ذكر اختصاصه بالرقى على منكبي رسول الله ﷺ في بعض الأحوال:
عن علي ﵇ قال: انطلقت أنا والنبي ﷺ حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله ﷺ : "اجلس" وصعد على منكبي, فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفا، فنزل، وجلس لي نبي الله ﷺ وقال: "اصعد على منكبي" فصعدت على منكبيه، قال: فنهض، قال: فتخيل إلي، إن شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفراء ونحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله ﷺ : "اقذف به" فقذفت به
стр. 612
فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت، فانطلقت أنا ورسول الله ﷺ نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس. أخرجه أحمد وصاحب الصفوة, وأخرجه الحاكمي.
وقال بعد قوله فصعدت على الكعبة: فقال لي: ألق صنمهم الأكبر, وكان من نحاس موتدا بأوتاد من حديد إلى الأرض. فقال رسول الله ﷺ : "عالجه" فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه فقال: "اقذفه" فقذفته, ثم ذكر باقي الحديث وزاد, فما صعد حتى الساعة.
"شرح" التمثال: الصورة، والجمع: التماثيل.
وقوله: أزاوله أي: أحاوله وأعالجه، والمزاولة: المحاولة والمعالجة, والقذف: الرمي إما بالحجارة أو بالغيب, وقوله: توارينا أي: استترنا.
ذكر اختصاصه بحمل لواء الحمد يوم القيامة, والوقوف في ظل العرش بين إبراهيم والنبي ﷺ وأنه يكسى إذا كسي النبي ﷺ :
عن محدوج بن زيد الدهلي أن النبي ﷺ قال لعلي: "أما علمت يا علي أنه أول من يدعى به يوم القيامة بي, فأقوم عن يمين العرش في ظله فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض فيقومون سماطين عن يمين العرش ويكسون حللا خضراء من حلل الجنة، ألا وإني أخبرك يا علي أن أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة، ثم أبشر: أول من يدعى بك لقرابتك مني فيدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد، تسير به بين السماطين آدم وجميع خلق الله تعالى يستظلون بظل لوائي يوم القيامة, وطوله مسيرة ألف سنة, سنانه ياقوتة حمراء, قبضته فضة بيضاء، زجه درة خضراء, له ثلاث ذوائب من نور ذؤابة في المشرق وذؤابة في المغرب والثالثة في وسط الدنيا, مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأول: بسم
стр. 613
الله الرحمن الرحيم, الثاني: الحمد لله رب العالمين، الثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله. طول كل سطر ألف سنة وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش، ثم تكسى حلة من الجنة، ثم ينادي منادٍ من تحت العرش: نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك علي, أبشر يا علي, إنك تكسى إذا كسيت, وتدعى إذا دعيت، وتحيى إذا حييت" أخرجه أحمد في المناقب.
وفي رواية وأخرجهما الملاء في سيرته: قيل: يا رسول الله وكيف يستطيع علي أن يحمل لواء الحمد? فقال رسول الله ﷺ : "وكيف لا يستطيع ذلك وقد أعطي خصالا شتى: صبرًا كصبري، وحسنا كحسن يوسف، وقوة كقوة جبريل؟ ".
وعن جابر بن سمرة أنهم قالوا: يا رسول الله, من يحمل رايتك يوم القيامة? قال: "من عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من كان يحملها في الدنيا, علي بن أبي طالب" أخرجه نظام الملك في أماليه.
وأخرج المخلص الذهبي عن أبي سعيد أن النبي ﷺ كسا نفرًا من أصحابه ولم يكس عليا، فكأنه رأى في وجه علي فقال: "يا علي, أما ترضى أنك تكسى إذا كسيت, وتعطى إذا أعطيت".
"شرح" السماطان من الناس والنخل: الجانبان، يقال: مشى بين السماطين.
ذكر اختصاصه بثلاث بسبب النبي ﷺ ولم يؤت النبي ﷺ مثلهن:
روى أبو سعيد في شرف النبوة أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "أوتيتَ ثلاثا لم يؤتهن أحد ولا أنا: أوتيت صهرًا مثلي ولم أؤت أنا مثلك،
стр. 614
وأوتيت زوجة صديقة مثل ابنتي, ولم أؤت مثلها زوجة, وأوتيت الحسن والحسين من صلبك، ولم أؤت من صلبي مثلهما، ولكنكم مني وأنا منكم".
وأخرج معناه ابن موسى الرضا في مسنده وزيادة في لفظه: "يا علي, أعطيت ثلاثا لم يجتمعن لغيرك: مصاهرتي وزوجك وولديك، والرابعة لولاك ما عرف المؤمنون".
وقوله: "ولولاك ما عرف المؤمنون" معناه مستفاد مما ذكرناه في قوله ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه" على حمل المولى على الناصر.
وقد تقدم في مناقب أبي بكر، أو يكون لما كان حب علي علما للمؤمنين كما تقدم في أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق, جاز إطلاق ذلك لأن العلامة تعرفه, فلولاه ما حصلت تلك العلامة.
ذكر اختصاصه بأربعة ليست لأحد غيره:
عن ابن عباس ﵄ قال: لعلي أربع خصال ليست لأحد غيره: هو أول عربي وعجمي صلى مع النبي ﷺ وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحفه، وهو الذي صبر معه يوم فر عنه غيره, وهو الذي غسله وأدخله قبره. أخرجه أبو عمر.
ذكر اختصاصه بخمس أعطيها النبي ﷺ فيه كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت في علي خمسا هو أحب إلي من الدنيا وما فيها: أما واحدة فهو تكأتي بين يدي الله حتى يفرغ من الحساب، وأما الثانية فلواء الحمد بيده آدم ومن ولده تحته، وأما الثالثة فواقف على عقر حوضي
стр. 615
يسقي من عرف من أمتي، وأما الرابعة فساتر عوراتي ١ ومسلمي إلى ربي وأما الخامسة فلست أخشى عليه أن يرجع زانيًا بعد إحصان ولا كافرًا بعد إيمان" أخرجه أحمد في المناقب.
"شرح" عقر الحوض: آخره بضم العين وإسكان القاف وضمها لغتان, وتكأة بزنة الهمزة: ما يتكأ عليه والكثير الاتكاء أيضًا.
ذكر اختصاصه بعشر:
عن عمرو بن ميمون قال: إني لجالس عند ابن عباس إذ أتاه سبعة رهط فقالوا: يابن عباس إما أن تقوم معنا وإما أن تخلو من هؤلاء. قال: بل أقوم معكم وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى. قال: فانتدوا يتحدثون فلا أدري ما قالوا؛ قال: فجاء ينفض ثوبه، ويقول: أف وتف، وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل, قال النبي ﷺ : "لأبعثن رجلا لا يخزيه الله أبدًا, يحب الله ورسوله" قال: فاستشرف لها من استشرف، فقال: "أين علي?" قالوا: هو في الرحى يطحن. قال: "فما كان أحدكم يحن! " فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر، فنفث في عينيه، ثم هز الراية ثلاثا فأعطاه إياها، فجاء بصفية بنت حيي قال: ثم بعث فلانا بسورة التوبة فبعث عليا خلفه فأخذها منه وقال: "لا يذهب بها إلا رجل مني وأنا منه" قال: وقال لبني عمه: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " قال: وعلي معه جالس فأبوا, قال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. قال: فتركه ثم أقبل على رجل منهم، فقال: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة?" فأبوا فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. قال: "أنت وليي في الدنيا والآخرة" قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة قال: وأخذ رسول الله ﷺ ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين، فقال: " ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
стр. 616
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قال: وكان شرا على نفسه, فلبس ثوب النبي ﷺ ثم نام مكانه، قال: فكان المشركون يرمون رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر وعلي نائم. قال: وأبو بكر يحسب أنه نبي الله ﷺ قال: فقال له علي: إن نبي الله ﷺ انطلق نحو بئر ميمون فأدركه. فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار؛ قال: وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله ﷺ وهو يتضور, فدلف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضور وأنت تتضور، وقد استنكرنا ذلك. قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك. قال: فقال له علي: أخرج معك? قال: فقال له نبي الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي? إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي" وقال له رسول الله ﷺ : "أنت ولي كل مؤمن بعدي" قال: وسد أبواب المسجد إلا باب علي، قال: فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره قال: وقال: "من كنت مولاه فإن عليا مولاه" قال: وأخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي على أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم, هل حدثنا أنه سخط عليهم بعد? قال: وقال عمر: يا نبي الله ائذن لي أضرب عنقه -يعني حاطبا- قال: وكنت فاعلا، "وما يدريك, لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم". أخرجه بتمامه أحمد والحافظ أبو القاسم الدمشقي في الموافقات وفي الأربعين الطوال، وأخرج النسائي بعضه.
"شرح" انتدوا أي: جلسوا في النادي وكذلك تنادوا, والتنادي والندى والمنتدى والندوة: مجلس القوم ومتحدثهم فاستعير للمكان الذي جلسوا فيه وتحدثوا؛ لأنهم اتخذوه لذلك أو لعله كان مكانا معدا لذلك أف وتف: أي قذر له يقال: أفا له وأفة وتفة والتنوين للتنكير وقد أفف تأفيفًا إذا قال له: أف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وفيه ست لغات حكاها الأخفش: أف، أف أف، بالكسر والفتح والضم دون تنوين،
стр. 617
وبالثلاثة مع التنوين، وتفا: اتباع، قاله الجوهري. ويمكن أن يقال: معناه القذر لأن التف وسخ الأظفار, والنفث: شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل لا ريق معه, تقول منه: نفث ينفث بكسر الفاء وضمها، و ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ : السواحر وأوله النفخ ثم النفث ثم التفل ثم البزق. وقد تقدم من حديث مسلم أنه بصق في عينه، فيكون أطلق على البصق النفث أو بالعكس لأنه أوله, والتضور: الصياح والتلوي عند الضرب. وقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" تقدم الكلام فيه مستوفى في فضل خلافة أبي بكر.
ذكر قصة لبس علي ثوب النبي ﷺ ونومه مكانه, على ما ذكره ابن عباس في الحديث آنفا:
قال ابن إسحاق: لما رأت قريش أن النبي ﷺ صارت له شيعة وأنصار من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا فيهم منعة، فحذروا خروج النبي ﷺ فاجتمعوا في دار الندوة التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها يتشاورون ما يصنعون برسول الله ﷺ وكان إبليس قد تصور لهم في صورة شيخ فوقف على الباب، فلما رأوه قالوا: من الشيخ? قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم عليه فحضر ليسمع، وعسى لا يعدمكم منه رأي! فقالوا: ادخل فدخل معهم. فقال قائل: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة، ومن مضى منهم من هذا الموت. فقال الشيخ النجدي: ما هذا برأي، والله لئن حبستموه -كما تقولون- ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فيثبون عليكم وينزعونه، فانظروا في غير هذا الرأي. فقال قائل: نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، فما نبالي أين يذهب إذا غاب عنا قال الشيخ النجدي: لا والله ما
стр. 618
هذا لكم برأي ألم تروا إلى حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به! والله لئن فعلتم ذلك ما آمن أن يحل على حي من أحياء العرب فيغلب عليهم بذلك حتى يبايعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتًى شابًّا جليدًا نسيبًا وسيطًا فيها، ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه, فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بعقل فعقلنا لهم، فقال الشيخ النجدي: القول ما قال أبو جهل، هذا الرأي لا أرى غيره، فتفرق القوم وهم على ذلك مجمعون، فأتى جبريل ﵇ النبي ﷺ فقال: "لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه" قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه, فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي: "نم على فراشي واتشح ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" وكان ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام. قال: فاجتمعوا، وخرج رسول الله ﷺ وأخذ حفنة من تراب في يده وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١ حتى فرغ رسول الله ﷺ من هذه الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع التراب على رأسه، ثم انصرف إلى حيث أراد، فأتاهم آتٍ فقال: ما تنتظرون ههنا? قالوا: محمدًا قال: حسيبكم الله, قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، فما ترون ما بكم? قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا
стр. 619
لمحمد نائمًا عليه برده, فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي من الفراش فقالوا: لقد صدقنا الذي كان حدثنا. قال: وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ إلى ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢ وقوله: ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ﴾ ٣ إلى ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ قال: وأذن الله -جل وعز- لنبيه في الهجرة.
ذكر اختصاصه بما نزل فيه من الآي:
عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ ٤ قال: نزلت في علي بن أبي طالب, كانت معه أربعة دراهم فأنفق في الليل درهما وفي النهار درهما ودرهما في السر ودرهما في العلانية, فقال له رسول الله ﷺ : "ما حملك على هذا?" قال: أن أستوجب على الله ما وعدني, فقال: "ألا إن لك ذلك" فنزلت الآية. وتابع ابن عباس مجاهد وابن التائب ومقاتل وقيل: نزلت فيمن يربط الخيل في سبيل الله؛ قاله أبو الدرداء وأبو أمامة.
ويروى عن ابن عباس أيضا.
وروي عنه أيضا أنها نزلت في علي وعبد الرحمن بن عوف, حمل علي إلى أهل الصفة وسق تمر ليلا وحمل إليهم عبد الرحمن دراهم كثيرة نهارا. أخرجه الواحدي وأبو الفرج في أسباب النزول.
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُه ... ﴾ ٥ الآية نزلت فيه. أخرجه الواحدي وستأتي القصة مشروحة في صدقتة.
ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ الآية. قال
стр. 620
ابن عباس: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط لأشياء بينهما. أخرجه الحافظ السلفي.
وعنه أن الوليد قال لعلي: أنا أحدّ منك سنانًا وأبسط لسانًا وأملأ الكتيبة؛ فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق -وفي رواية: أنت فاسق- تقول الكذب. فأنزل الله ذلك تصديقا لعلي. قال قتادة: لا والله ما استووا في الدنيا ولا عند الله ولا في الآخرة, ثم أخبر عن منازل الفريقين فقال تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ الآية أخرجه الواحدي.
ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ﴾ ١ قال مجاهد: نزلت في علي وحمزة وأبي جهل.
وروي عنه: في رسول الله ﷺ وأبي جهل, وقيل: في عمار والوليد بن المغيرة وقيل: المؤمن والكافر. ذكره ابن الجوزي.
ومنها قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال ابن الحنفية: لا يبقى مؤمن إلا وفي قلبه ود لعلي وأهل بيته. أخرجه الحافظ السلفي.
ومنها قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ .
وعن أبي ذر أنه كان يقسم: لنزلت هذه الآية في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. أخرجه البالسي.
ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ... ﴾ الآية نزلت في علي وحمزة وأبي لهب وأولاده، فعلي وحمزة شرح الله صدرهما للإسلام, وأبو لهب وأولاده قست قلوبهم. ذكره الواحدي وأبو الفرج.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ٣ الآية، نزلت في علي وسيأتي ذكرها في فصل صدقته إن شاء الله تعالى من فصل فضائله.
وعن ابن عباس ﵄ قال: ليس آية في كتاب الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا وعلي أولها وأميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن وما ذكر عليا إلا بخير. أخرجه أحمد في المناقب.
стр. 621
الفصل السابع: في أفضليته
وقد أجمع أهل السنة من السلف والخلف, من أهل الفقه والأثر أن عليًّا أفضل الناس بعد عثمان هذا مما لم يختلف فيه, وإنما اختلفوا في علي وعثمان, واختلف أيضا بعض السلف في علي وأبي بكر قال أبو قاسم عبد الرحمن بن الحباب السعدي في كتابه المسمى بالحجة لسلف هذه الملة في تسميتهم الصديق بخليفة رسول الله ﷺ : وهم في ذلك أبو عمرو غلطًا ظاهرًا لمن تأمله, يعني ذكر الخلاف في فضل علي على أبي بكر؛ وذلك أنه ذكر في كتابه تعريضا لا تصريحا أنه كان من جملة من يعتقد ذلك أبو سعيد وأبو سعيد ممن روى عن علي أن أبا بكر خير الأمة بعد رسول الله ﷺ فكيف يعتقد في علي أنه خير من أبي بكر وقد روي عن علي ذلك؟! وإذا تقرر أن أهل السنة أجمعوا على ذلك علم أن ابن عمر لم يرد بأحاديثه المتقدم ذكرها في باب الثلاثة نفي أفضلية علي بعد عثمان, ويدل على ذلك أنه قد جاء في بعض طرق حديثه: فقال رجل لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، فعلي قال ابن عمر: علي من أهل البيت لا يقاس بهم، علي مع رسول الله ﷺ في درجته, إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ١ فاطمة مع رسول الله ﷺ في درجته وعلي مع فاطمة ﵍. أخرجه علي بن نعيم البصري وهذا أدل دليل على أنه لم يرد
стр. 622
بسكوته عن ذكر علي في أفضليته, وإنما سكت عنه لما أبداه لما سئل عنه، كأنه قال: أفضل الناس من أصحابه لا من أهل بيته.
وعن يحيى بن معين قال: من قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة، ومن قال: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وعرف لعثمان سابقته وفضله فهو صاحب سنة.
وذكر من يقول: أبو بكر وعمر يقول أبو بكر وعمر وعثمان ثم يسكتون محتجين بحديث ابن عمر، وتكلم فيهم بكلام وقال: هذا قائل بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنة كما قدمناه؛ وكان يقول: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان.
وعن أبي جعفر النفيلي, وقد سئل عن تفضيل أصحاب رسول الله ﷺ فقال: أبو بكر خير الناس بعد رسول الله ﷺ ثم عمر ثم عثمان ثم علي, قيل له: فإن أحمد بن حنبل ويعقوب بن كعب يقفان على عثمان فقال: أخطأا معًا، أدركت الناس من أهل السنة والجماعة على هذا. أخرجه خيثمة بن سليمان.
وعن أحمد بن حنبل, وقد سئل عن تفضيل أصحاب رسول الله ﷺ فقال: أبو بكر خير الناس بعد رسول الله ﷺ ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب في الخلافة ويذهب إلى حديث سفينة: "تكون خلافة رحمة ثلاثين سنة" قيل: يا أبا عبد الله فتعنف من قال: علي في الإمامة والخلافة؟ قال: لا قال أحمد: ولا يعجبني من وقف عن علي في الخلافة قال: ونترحم على أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين. أخرجه خيثمة بن سليمان وهذا السياق يشعر بأن أحمد يتوقف على ما ورد، فلما ورد حديث ابن عمر مقصورا في التفضيل مطلقا على عثمان لم يتعده، ولما ورد ما يعم خلافة علي وقيد تفضيله بها ورأى الإمامة في معناها فلذلك لم يعنف قائلها، قال أبو عمر وغيره: وقد توقف جماعة من أهل السنة وأئمة السلف في علي وعثمان, لم
стр. 623
يفضلوا واحدا منهما على الآخر, منهم مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وابن معمر؛ وأهل السنة اليوم على تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي؛ وعليه عامة أهل الفقه والحديث إلا خواص من جملتهم فإنهم على ما ذكرناه.
وعن عبد الله قال: كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب. أخرجه أحمد في المناقب، وهو محمول عند من يقول بالترتيب المتقدم على أنه كذلك بعدهم.
стр. 624
الفصل الثامن: في شهادة النبي ﷺ له بالجنة
تقدم من أحاديث هذا الفصل طائفة من باب العشرة, وباب ما دونها, وباب الأربعة.
وعن زيد بن أبي أوفى أن النبي ﷺ قال لعلي: "أنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي, وأنت أخي ورفيقي" ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١. أخرجه أحمد في المناقب.
وعن ابن عمر عن أبيه ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول لعلي: "يا علي, يدك في يدي تدخل معي يوم القيامة حيث أدخل" أخرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين الطوال.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسليمان" أخرجه ابن السدي، أو عند غيره: علي وعمار وبلال وفي رواية: المقداد.
وعنه قال رسول الله ﷺ : "نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي" أخرجه ابن السري.
стр. 625
وعن علي ﵇ قال: دخل رسول الله ﷺ وأنا على المنامة، فاستسقى الحسن والحسين قال: فقام رسول الله ﷺ إلى شاة لنا بكي فحلبها, فدرت فجاءه الحسن فنحاه النبي ﷺ فقالت فاطمة: يا رسول الله كان أحبهما إليك؟ قال: "لا ولكنه -يعني الحسين- استسقى قبله" ثم قال: "إني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة" أخرجه أحمد في المسند. والبكي: القليلة اللبن.
وعن عبد الله قال: بينما أنا عند رسول الله ﷺ وجميع المهاجرين والأنصار إلا من كان في سرية, أقبل علي يمشي وهو مغضب فقال: "من أغضبه فقد أغضبني " فلما جلس قال له رسول الله ﷺ : "ما لك يا علي?" قال: آذاني بنو عمك فقال: "يا علي, أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين, وذرياتنا خلف ظهورنا, وأزواجنا خلف ذرياتنا، وأشياعنا عن أيماننا وشمائلنا؟ " أخرجه أحمد في المناقب وأبو سعد في شرف النبوة.
وعن عبد الله بن ظالم قال: جاء رجل إلى سعيد بن زيد فقال: إني أحببت عليا حبا لم أحبه شيئًا قط قال: نعم ما رأيت، أحببت رجلا من أهل الجنة. خرجه أحمد في المناقب, وخرجه الحضرمي وقال: نعم ما صنعت, أحببت رجلا من أهل الجنة.
ذكر ما له في الجنة:
عن علي ﵇ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي, إن لك كنزًا في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة, فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة" أخرجه أحمد، وأخرجه الهروي في غريبه, وقال: "إن لك بيتا في الجنة" وقال في تفسير ذو قرنيها -أي طرفيها: يعني الجنة وقال أبو عبيدة: أحسبه ذا قرني هذه الأمة, فأضمر الأمة ولم يجر لها
стр. 626
ذكرًا كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ١ وقيل: أراد الحسن والحسين. قال الهروي في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ قال: إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه دعا قومه إلى عبادة الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات, ثم أحياه الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله تعالى, قال: ومن ذلك قول علي حين ذكر قصة ذي القرنين قال: وفيكم مثله, فنرى أنه إنما عنى نفسه؛ لأنه ضرب على رأسه ضربتين إحداهما يوم الخندق والأخرى ضربة ابن ملجم, فيجوز أن تكون الإشارة إلى ذلك بقوله: "وإنك ذو قرنيها" أي: قرني هذه الأمة كما كان ذو القرنين في تلك الأمة.
وعن علي قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في بعض طرق المدينة, فمررنا على حديقة فقلت: يا رسول الله, ما أحسن هذه الحديقة! قال: "لك في الجنة أحسن منها" ثم أتينا على حديقة أخرى فقلت: يا رسول الله ما أحسنها! قال: "لك في الجنة أحسن منها" حتى أتينا على سبع حدائق، أقول: يا رسول الله، ما أحسنها! فيقول: "لك في الجنة أحسن منها" أخرجه أحمد في المناقب. وفي رواية: فلما خلا الطريق اعتنقني وأجهش باكيا فقلت: يا رسول الله ما يبكيك? فقال: "ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي" فقلت: في سلامة من ديني؟ فقال: "في سلامة من دينك".
"شرح" الجهش: أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وقد تهيج للبكاء، وقد تقدم ذكر ذلك, والضغن والضغينة: الحقد وقد ضغن عليه بالكسر ضغنا, والشيعة: الأتباع، ومنه قولهم: حياكم الله وأشاعكم السلام، أي: جعله صاحبا لكم وتابعا.
стр. 627
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي, إن لك في الجنة ما لو قسم على أهل الأرض لوسعهم".
ذكر أنه يزهر بأهل الجنة:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أسري بي إلى السماء, أخذ جبريل بيدي وأقعدني على درنوك من درانيك الجنة، وناولني سفرجلة فكنت أقلبها إذ انفلقت وخرجت منها حوراء لم أر أحسن منها، فقالت: السلام عليك يا محمد, قلت: وعليك السلام، من أنت? قالت: أنا الراضية المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة أصناف: أعلاي من عنبر، ووسطي من كافور، وأسفلي من مسك؛ عجنني بماء الحيوان، ثم قال: كوني فكنت, خلقني لأخيك وابن عمك علي بن أبي طالب" أخرجه الإمام علي بن موسى الرضا في مسنده.
ذكر قصره, وقبته في الجنة:
عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإن قصري في الجنة وقصر إبراهيم في الجنة متقابلان، وقصر علي بن أبي طالب بين قصري وقصر إبراهيم, فيا له من حبيب بين خليلين" أخرجه أبو الخير الحاكمي.
وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة ضرب لي قبة حمراء عن يمين العرش, وضرب لإبراهيم قبة من ياقوتة خضراء عن يسار العرش, وضرب فيما بيننا لعلي بن أبي طالب قبة من لؤلؤة بيضاء؛ فما ظنكم بحبيب بين خليلين?! " أخرجه الحاكمي وقال: قال الحاكم: هذا البورقي -يعني راوي الحديث- قد وضع في المناكير عن الثقات ما لا يحصى.
ذكر ذود علي المنافقين عن حوض النبي ﷺ :
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي معك يوم
стр. 628
القيامة عصا من عصي الجنة، تذود بها المنافقين عن الحوض" أخرجه الطبراني.
وعن علي ﵇ قال: لأذودن بيدي هاتين القصيرتين عن حوض رسول الله ﷺ رايات الكفار والمنافقين, كما يذاد غريب الإبل عن حياضها. أخرجه أحمد في المناقب.
ذكر ناقته يوم القيامة:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلي يوم القيامة ناقة من نوق الجنة، فتركبها وركبتك مع ركبتي وفخذك مع فخذي، حتى تدخل الجنة" أخرجه أحمد في المناقب.
стр. 629
الفصل التاسع: في ذكر نبذ من فضائله
تقدم أنه أول من أسلم وأول من صلى، وأجمعوا أنه صلى إلى القبلتين وهاجر، وشهد بدرًا والحديبية وبيعة الرضوان والمشاهد كلها غير تبوك. استخلفه رسول الله ﷺ فيها على المدينة وعلى عماله بها، وأنه أبلى ببدر وأحد والخندق وخيبر بلاء عظيما، وأنه أغنى في تلك المشاهد وقام القيام الكريم، وكان لواء رسول الله ﷺ بيده في مواطن كثيرة منها يوم بدر على خلف فيه؛ ولما قتل مصعب بن عمير يوم أحد وكان لواء رسول الله ﷺ بيده, دفعه رسول الله ﷺ إلى علي. أخرجه أبو عمر.
وقد تقدم في خصائصه أن لواء رسول الله ﷺ كان بيده في كل زحف, فيحمل الكل على الأكثر تغليبًا للكثرة، وهو شائع في كلامهم؛ توفيقًا بين الروايتين. وكان رسول الله ﷺ إذا لم يغزُ لم يعط سلاحه إلا عليًّا أو أسامة. أخرجه أحمد في المناقب، وشهد له النبي ﷺ بالشهادة في حديث: "تحرك حرا" وثبت له أفضل فضيلة بالمصاهرة وأقرب القرابة، وقد تقدمت أحاديثهما.
стр. 630
ومن أدل دليل على عظيم منزلته من رسول الله ﷺ صنيعه في المؤاخاة كما تقدم، فإنه ﷺ جعل يضم الشكل إلى الشكل يؤلف بينهما إلى أن آخى بين أبي بكر وعمر، وادخر عليا لنفسه وخصه بذلك، فيا لها من مفخرة وفضيلة!!
وقد روي أن معاوية قال لضرار الصدائي: صف لي عليا, فقال: اعفني يا أمير المؤمنين قال: لتصفنه, قال: أما إذ لا بد من وصفه، كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه, يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس إلى الليل ووحشته, وكان غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعان ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين ولا يطمع القوي في باطه ولا ييأس الضعيف من عدله؛ وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه -وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه- قابضًا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إلي تشوقت? هيهات! هيهات! قد طلقتك ثلاثًا لا رجعة فيها فعمرك قصير وخطرك قليل, آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق!
فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا حسن، كان والله كذلك؛ فيكف حزنك عليه يا ضرار? قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها. أخرجه الدولابي وأبو عمر وصاحب الصفوة.
وعن الحسن بن أبي الحسن -وقد سئل عن علي بن أبي طالب- قال: كان علي والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها من رسول الله ﷺ لم يكن بالنومة عن
стр. 631
أمر الله، ولا بالملومة في دين الله ، ولا بالسروقة لمال الله ، أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة؛ ذلك علي بن أبي طالب. أخرجه القلعي.
وقد تقدم في باب الأربعة وصف ابن عباس له؛ وفضائله أكثر من أن تعد. قال أحمد بن حنبل والقاضي إسماعيل بن إسحاق: لم يرد في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما روي في فضائل علي بن أبي طالب ﵁.
ذكر محبة الله ورسوله ﷺ له:
تقدم في الخصائص ذكر أحبية الله ورسوله له، وهي متضمنة المحبة مع الترجيح فيها على الغير.
عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم" قيل يا رسول الله، فسمهم لنا، قال: "علي منهم -يقول ذلك ثلاثًا- وأبو ذر وسلمان والمقداد، أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم" أخرجه أحمد والترمذي وقال: حسن غريب.
وعن ابن عباس ﵄ أن عليا دخل على النبي ﷺ فقام إليه وعانقه وقبَّل بين عينيه، فقال العباس: أتحب هذا يا رسول الله? فقال: "يا عم, والله لله أشد حبا له مني" أخرجه أبو الخير القزويني.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى -وقد ذكر عنده علي وقول الناس فيه- فقال عبد الرحمن: قد جالسناه وجاريناه وواكلناه وشاربناه وقمنا له على الأعمال، فما سمعته يقول شيئًا مما يقولون، أولا يكفيكم أن يقولوا: ابن عم رسول الله ﷺ وحبيبه وشهد بيعه الرضوان وشهد بدرًا? أخرجه أحمد في المناقب.
стр. 632
ذكر فضل منزلته من رسول الله ﷺ :
عن عبد الله بن الحارث قال: قلت لعلي بن أبي طالب: أخبرني بأفضل منزلتك من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم, قال: بينما أنا نائم عنده وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته قال: "يا علي, ما سألت الله من الخير إلا سألت لك مثله، وما استعذت الله من الشر إلا استعذت لك مثله" أخرجه المحاملي.
ذكر أنه ما اكتسب مكتسب مثل فضله:
عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "ما اكتسب مكتسب مثل فضل علي, يهدي صاحبه إلى الهدى ويرد عن الردى" أخرجه الطبراني.
ذكر الحث على محبته, والزجر عن بغضه:
تقدم في الخصائص في ذكر: "من أحبك فقد أحبني, ومن أبغضك فقد أبغضني" طرف من ذلك.
وعن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة" أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث غريب.
وعنه أنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة, إنه لعهد النبي الأمي ﷺ لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. أخرجه مسلم, وأخرجه أبو حاتم وقال: وذرأ النسمة, إنه لعهد النبي ﷺ إلي: أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. وأخرجه الترمذي ولفظه: عهد إلي من غير قسم، وقال: حسن صحيح.
وعن أم سلمة ﵂ كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يحب عليًّا منافق، ولا يبغضه مؤمن" أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
стр. 633
"شرح" ذرأ: خلق, من ذرأ الله لخلق النسمة: النفس وكل ذي روح فهو نسمة.
وعنها أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "لا يبغضك مؤمن, ولا يحبك منافق" أخرجه أحمد في المسند.
وعن المطلب بن عبد الله بن حطب عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرنيها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب؛ فإنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق, من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني" أخرجه أحمد في المناقب.
وعن الحارث الهمداني قال: رأيت عليا على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قضاء قضاه الله على لسان نبيكم النبي الأمي ﷺ أن لا يحبني إلا مؤمن, ولا يبغضني إلا منافق. أخرجه ابن فارس.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم عليا. أخرجه أحمد في المناقب، وأخرجه الترمذي عن أبي سعيد ولفظه قال: إن كنا لنعرف المنافقين -نحن معشر الأنصار- ببغضهم علي بن أبي طالب, وقال: غريب.
وعن أبي ذر ﵁ قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله ﷺ إلا بثلاث: بتكذيبهم الله ورسوله, والتخلف عن الصلاة, وبغضهم علي بن أبي طالب. أخرجه ابن شاذان.
وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يستمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن فليستمسك بحب علي بن أبي طالب" أخرجه أحمد في المناقب.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "حب علي يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب" أخرجه الملاء.
стр. 634
وعن أنس ﵁ قال: دفع علي بن أبي طالب إلى بلال درهما يشتري به بطيخًا؛ قال: فاشتريت به فأخذ بطيخة فقورها فوجدها مرة فقال: يا بلال رد هذا إلى صاحبه، وأتني بالدرهم فإن رسول الله ﷺ قال لي: "إن الله أخذ حبك على البشر والشجر والثمر والبذر, فما أجاب إلى حبك عذب وطاب, وما لم يجب خبث ومر" وإني أظن هذا مما لم يجب. أخرجه الملاء، وفيه دلالة على أن العيب الحادث إذا كان مما يطلع به على العيب القديم لا يمنع من الرد.
وعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته, وبعد موته" أخرجه أحمد.
وعن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا علي، طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك" أخرجه ابن عرفة.
وعن سعيد بن المسيب أن رجلا كان يقع في الزبير وعلي، فجعل سعد بن مالك ينهاه ويقول: لا تقس في إخواننا، فأبى، فقام سعد وصلى ركعتين ثم قال: اللهم إن كان مسخطا لك ما يقول فأرني به واجعله آية للناس, فخرج الرجل فإذا هو ببختي يشق الناس، فأخذه ووضعه بين كركرتيه وبين البلاط فسحبه حتى قتله، وجاء الناس يسعون إلى سعد يبشرونه: هنيئًا لك أبا إسحاق قد استجيبت دعوتك. أخرجه القلعي، وأخرج معناه أبو مسلم بن عامر عن عامر بن سعد ولفظه: قال: بينما سعد يمشي إذ مر برجل وهو يشتم عليا وطلحة والزبير، فقال له سعد: إنك لتشتم قوما قد سبق لهم من الله ما سبق، والله لتكفن عن شتمهم أو لأدعون الله عليك فقال: يخوفني كأنه نبي! قال فقال سعد: اللهم إن كان قد سب أقوامًا سبق لهم منك ما سبق فاجعله اليوم نكالا؛
стр. 635
قال: فجاءت بختية وأفرج الناس لها فتخبطته، قال: فرأيت الناس يبتدرون سعدا فيقولون: استجاب الله لك أبا إسحاق. أخرجه الأنصاري وأبو مسلم.
وعن علي بن زيد بن جدعان قال: كنت جالسا إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا الحسن مر قائدك يذهب بك فتنظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده, فانطلق فإذا وجهه وجه زنجي وجسده أبيض قال: إني أتيت على هذا وهو يسب طلحة والزبير وعليا، فنهيته، فأبى فقلت: إن كنت كاذبا يسود الله وجهك، فخرج في وجهه قرحة فاسود وجهه. أخرجه ابن أبي الدنيا.
وعن حوثرة بن محمد البصري قال: رأيت يزيد بن هارون الواسطي في المنام بعد موته بأربع ليالٍ، فقلت: ما فعل الله بك? قال: تقبل مني الحسنات وتجاوز عني السينات وأذهب عني التبعات، قلت: وما كان بعد ذلك? قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم? غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة, قلت: بم نلت الذي نلت? قال: بمجالس الذكر وقولي الحق وصدقي في الحديث وطول قيامي في الصلاة وصبري على الفقر، قلت: منكر ونكير حق? فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وسألاني فقالا لي: من ربك? وما دينك? ومن نبيك? فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب فقلت: مثلي يسأل?! أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس, قال أحدهما: صدق وهو يزيد بن هارون نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم. قال أحدهما: أكتبت عن حريز بن عثمان? قلت: نعم، وكان ثقة في الحديث. قال: ثقة ولكن كان يبغض عليا، أبغضه الله . أخرجه ابن الطباخ في أماليه.
ذكر شفقته ﷺ ورعايته ودعائه له:
عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة بن رافع الأنصاري عن أبيه عن جده