فانطلق معي فذهبت معه ولا يسأل أحد منا صاحبه عن شيء؛ حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني? قال: فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلد? قال: قلت له: إن كتمت علي أخبرتك، قال: فقلت له: بلغنا أنه خرج ههنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه فاتبعني وادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت، فمضى ومضيت معه حتى دخلت معه على النبي ﷺ فقلت له: اعرض علي الإسلام؛ فعرضه فأسلمت. أخرجه البخاري.
وفي الحديث قصة ذكرناها مستوعبة في مناقب العباس.
ذكر إسلام همدان على يديه:
عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، وكنت فيمن سار معه، فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء؛ فبعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب, وأمره أن يرسل خالدا ومن معه إلا من أراد البقاء مع علي فيتركه، قال البراء: وكنت مع من عقب مع علي، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلى علي بنا الفجر، فلما فرغ صفنا صفًّا واحدًا ثم تقدم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ فلما قرأ كتابه خرَّ ساجدًا وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان" أخرجه أبو عمر.
ذكر إثبات أفضليته بقتل الخوارج:
عن عبيدة السلماني قال: ذكر علي الخوارج، فقال: فيهم رجل
стр. 667
مخدج اليد أو مودن اليد, لولا أن تبطروا لأخبرتكم بما وعد الله تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ لمن قتلهم؛ قال: فقلت لعلي: أسمعته من رسول الله ﷺ ? قال: إي ورب الكعبة ثلاثا. أخرجه مسلم.
"شرح" البطر: الأشر وهو شدة المرح، تقول منه: بطر بالكسر يبطر، وأبطره المال، وتقول: بطرت عيشك كما تقول: رشدت أمرك, ومخدج اليد: ناقصها، ومنه حديث الصلاة: "فهي خداج" يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام, ومودن اليد وروي: مودون اليد ومعناهما: ناقصها أيضًا، ومنه قول العرب: ودنت الشيء وأودنته, إذا نقصته وصغرته.
وعن عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: إن الحرورية لما خرجت وهو مع علي، فقالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله ﷺ وصف لنا أناسا وإني لأعرف وصفهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم -وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق الله إلى الله، فيهم أسود إحدى يديه حلمة ثدي، فلما قتلهم على ﵇ قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كذب ولا كذبت -مرتين أو ثلاثا- ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم. أخرجه أبو حاتم.
"شرح" الحرورية: قوم ينسبون إلى حروراء, وهي بلد الخوارج.
وعن زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذي كان مع علي بن أبي طالب الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: يا أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج من أمتي قوم يقرءون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا
стр. 668
صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى الله لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله تعالى. قال سلمة بن كهيل: فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: القوا الرماح، وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما يوم حروراء؛ فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف فشجرهم الناس برماحهم فقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال علي: التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض. قال: أخروهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر علي ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله، فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له. أخرجه مسلم.
وفي رواية قال: فخروا سجودًا عند وجود المخدج، وخر علي ساجدًا معهم. وفي رواية: قال أبو الرضا: فكأني أنظر إليه حبشيا عليه ثديان، أحد ثدييه مثل ثدي المرأة عليه شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع.
وفي رواية: أنهم لما لم يجدوه جاء علي بنفسه, فجعل يقول: اقلبوا ذا، واقلبوا ذا، حتى جاء رجل من أهل الكوفة، فقال: هو ذا؟ فقال علي: الله أكبر. أخرجهن أحمد في المناقب.
стр. 669
وفي رواية: أنهم لما وجدوه قال علي: هذا شيطان وهو أضلهم. أخرجها أبو الخير القزويني الحاكمي.
"شرح" وحشوا برماحهم أي: ألقوها.
وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تمرق مارقة من الناس، تقتلهم أولى الطائفتين بالله ".
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ أتى منزل أم سلمة، فجاء علي فقال رسول الله ﷺ : "يا أم سلمة، هذا قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي" أخرجهما الحاكمي.
"شرح" القاسطون: الجائرون من القسط بالفتح والقسوط: الجور والعدول عن الحق، والقسط بالكسر: العدل.
ذكر السبب الموجب لقتال الخوارج عليًّا ﵇:
عن ابن عباس قال: اجتمعت الخوارج في دارها وهم ستة آلاف أو نحوها، قلت لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة لعلي ألقى هؤلاء القوم، فقال: إني أخافهم عليك، قال: فقلت: كلا، قال: ثم لبس حلتين من أحسن الحلل، قال: وكان ابن عباس جميلًا جهيرًا، قال: فلما نظروا إلي قالوا: مرحبا بابن عباس، فما هذه الحلة? قال: قلت: وما تنكرون من ذلك? لقد رأيت على رسول الله ﷺ حلة من أحسن الحلل، قال: ثم تلوت عليهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ ١ قالوا: فما جاء بك? قلت: جئتكم من عند أمير المؤمنين ومن عند أصحاب رسول الله ﷺ ومن المهاجرين والأنصار لأبلغكم ما قالوا ولأبلغهم ما تقولون، فما تنقمون من علي ابن عم رسول الله ﷺ وصهره? قال: فأقبل بعضهم على بعض، فقال بعضهم: لا
стр. 670
تكلموه, فإن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقال بعضهم: ما يمنعنا من كلام ابن عم رسول الله ﷺ وهو يدعونا إلى كتاب الله? قالوا: ننقم عليه خلالا ثلاثا، قال: وما هن? قالوا: حكم الرجال في أمر الله وما للرجال ولحكم الله?! وقاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كان الذين قاتل قد حل قتالهم فقد حل سبيهم وإن لم يكن حل سبيهم فما حل قتالهم، ومحا اسمه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير المشركين؛ قال: فقلت لهم: غير هذا? قالوا: حسبنا هذا؛ قال: قلت: أرأيتم إن خرجت من هذا بكتاب الله وسنة رسوله أراجعون أنتم? قالوا: وما يمنعنا? قلت: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فإني سمعت الله يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ في ثمن صيد أرنب أو نحوه يكون قيمته ربع درهم، فرد الله الحكم فيه إلى الرجال، ولو شاء أن يحكم لحكم، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أخرجت من هذه? قالوا: نعم, قلت: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم فإنه قاتل أمكم، وقال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها أمكم فما حل سباها، فأنتم بين ضلالين، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم: محا اسمه من أمير المؤمنين، فإني أنبئكم بذلك عمن ترضون، أما تعلمون أن رسول الله ﷺ يوم الحديبية وقد جرى الكتاب بينه وبين سهيل بن عمرو قال: "يا علي، اكتب: هذا ما اصطلح محمد رسول الله ﷺ وسهيل بن عمرو" فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال: "اللهم إنك تعلم أني رسولك" ثم أخذ الصحيفة فمحاها بيده، ثم قال: "يا علي اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمر" فوالله ما أخرجه الله بذاك من النبوة، أخرجت من هذا? قالوا: نعم. قال: فرجع ثلثهم، وانصرف ثلثهم، وقتل سائرهم على الضلالة. أخرجه بكار بن قتيبة في نسخته.
стр. 671
الفصل العاشر: في خلافته
ذكر ما جاء في صحة خلافته والتنبيه عليها:
تقدم في باب الأربعة طرف منه، وفي باب أبي بكر وعمر وعلي كذلك:
وعن عمر أنه قال حين طعن وأوصى: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق المستقيم, يعني عليا, أخرجه أبو عمر, وعن عمرو بن ميمون قال: كنت عند عمر إذ ولى الستة الأمر، فلما جاوزوا أتبعهم بصره، ثم قال: لئن وليتم هذا الأجلح ليركبن بكم الطريق, يعني عليا, أخرجه ابن الضحاك.
وفي لفظ: إن ولوها الأصيلع يحملهم على الحق, وإن السيف على عنقه. أخرجه القلعي، وقد تقدم في فصل مقتل عمر.
وعن عبد الرحمن بن عبيد أنه سمع عمر رجلا ينادي رجلا من الأنصار من بني حارثة فقال: تجدونه يستخلف، فعد الأنصار والمهاجرين ولم يذكر عليا، فقال عمر: فما بكم عن علي? فوالله إني لأرى إن قد ولي شيئًا من أموركم, فسيحملكم على طريقة الحق. أخرجه ابن الضحاك.
وعن حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر وكان الحادي يحدو: إن الأمير بعده عثمان، فحججت مع عثمان، فكان الحادي يحدو: إن الأمير بعده علي. أخرجه البغوي في معجمه، وقد تقدم في ذلك أيضا في نظيره في مناقب عثمان.
وعن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى ينبع
стр. 672
عائدا لعلي بن أبي طالب، فقال له: يا أبا حسن؛ من قيمك بهذا البلد، إن أصابك أجلك لم يلك إلا أعراب جهينة? فلو احتملت إلى المدينة فأصابك أجلك وليك أصحابك فصلوا عليك? فقال: يا أبا فضالة, إن رسول الله ﷺ عهد إلي أن لا أموت حتى أومر، ثم تخضب هذه يعني لحيته, من هذه يعني ناصيته. أخرجه أحمد في المناقب وأبو حاتم وقال: وقتل أبو فضاله مع علي بصفين. وخرجه الملاء في سيرته، وأخرجه ابن الضحاك وقال بعد قوله عائدًا لعلي: وكان مريضا، ولم يقل: حتى أومر. وقد تقدم ذكر كراماته.
وعن ابن عمر أنه قال: ما أساء علي شيء إلا أني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية، وعلى صوم الهواجر.
وفيه دليل على صحة خلافته عندهم.
وعن عمر بن خاقان قال: قال لي الأحنف بن قيس: لقيت الزبير? فقلت له: ما تأمرني به وترضاه لي? قال: آمرك بعلي بن أبي طالب، قلت: أتأمرني به وترضاه لي? قال: نعم. أخرجه الحضرمي.
وعن عاصم بن عمر قال: لقي عمر عليا فقال: يا أبا الحسن، نشدتك بالله هل كان رسول الله ﷺ ولاك الأمر? قال: إن قلت ذاك فما تصنع أنت وصاحبك? قال: أما صاحبي فقد مضى، وأما أنا فوالله لأخلعنها من عنقي في عنقك، قال: جذع الله أنف من أبعدك من هذا? لا، ولكن رسول الله ﷺ جعلني علما، فإذا أنا قمت فمن خالفني ضل.
وفي رواية أنه قال له: يا أبا الحسن نشدتك بالله هل استخلفك رسول الله ﷺ ? قال: لا، ولكن جعلني رسول الله ﷺ علمًا، فمتى قمت فمن خالفني ضل. أخرجهما ابن السمان في الموافقة.
ذكر بيعته, ومن تخلف عنها:
تقدم في مقتل عثمان طرف من ذلك.
стр. 673
وعن محمد بن الحنفية قال: أتى رجل وعثمان محصور، فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي فقال: يا محمد, فأخذت بوسطه تخوفا عليه فقال: حل لا أم لك قال: فأتوا على الدار وقد قتل الرجل، فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه، فقال: إن هذا الرجل قد قتل، ولا بد للناس من خليفة، ولا نعلم أحدًا أحق بها منك. فقال لهم علي: لا تريدونني، فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: والله لا نعلم أحدًا أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرا، ولكن ائتوا المسجد، فمن شاء أن يبايعني بايعني. قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس.
وعن المسور بن مخرمة قال: قتل عثمان وعلي في المسجد، فمال الناس إلى طلحة، قال: فانصرف علي يريد منزله، فلقيه رجل من قريش عند موضع الجنائز فقال: انظروا إلى رجل قتل ابن عمه وسلب ملكه! قال: فولى راجعا فرقى المنبر، فقيل: ذاك علي على المنبر، فمال الناس إليه فبايعوه وتركوا طلحة. أخرجهما أحمد في المناقب وغيره، ولا تضاد بينهما، بل يحمل على أن طائفة من الناس أرادوا بيعة طلحة والجمهور أتوا عليا في داره فسألوه ما سألوه وأجابهم على ما تقدم تقريره، فخرج بعد انصرافهم عنه في بعض شئونه، فلما سمع كلام ذلك الرجل خشي الخلف بين الناس، فصعد المنبر في وقته ذاك، وبادر إلى البيعة لهذا المعنى، لا لحب المملكة وخشية فواتها وحمية حين سمع كلام ذلك الرجل.
قال ابن إسحاق: إن عثمان لما قتل بويع علي بن أبي طالب بيعة العامة في مسجد رسول الله ﷺ وبايع له أهل البصرة، وبايع له بالمدينة طلحة والزبير.
стр. 674
قال أبو عمر: واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، وتخلف عن بيعته نفر فلم يكرههم، وسئل عنهم فقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق ولم يقوموا مع الباطل، وتخلف عنه معاوية ومن معه بالشام وكان منهم في صفين ما كان، فغفر الله لهم أجمعين ثم خرج عليه الخوارج فكفروه وكل من معه, إذ رضي بالتحكيم في دين الله بينه وبين أهل الشام، فقالوا: حكمت الرجال في دين الله والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ١ ثم اجتمعوا وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل، فخرج إليهم بمن معه، ورام رجعتهم، فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان، فقتلهم واستأصل جمهورهم، ولم ينج منهم إلا القليل. وقال أبو عمر: وبايع له أهل اليمن بالخلافة يوم قتل عثمان.
ذكر حاجبه, ونقش خاتمه:
كان حاجبه قنبر مولاه, ذكره الخجندي, وكان نقش خاتمه: "الله الملك". رواه أبو جعفر محمد بن علية، أخرجه السلفي وأخرجه الخجندي.
ذكر ابتداء شخوصه من المدينة, وأنه لم يقم فيما قام فيه إلا محتسبًا لله تعالى:
عن مالك بن الجون قال: قام علي بن أبي طالب بالربذة، فقال: من أحب أن يلحقنا فليلحقنا، ومن أحب أن يرجع فليرجع مأذونا له غير حرج، فقام الحسن بن علي فقال: يا أبة -أو يا أمير المؤمنين- لو كنت في جحر وكان للعرب فيك حاجة لاستخرجوك من جحرك، فقال: الحمد لله الذي يبتلي من يشاء بما يشاء، ويعافي من يشاء بما يشاء، أما
стр. 675
والله لقد ضربت هذا الأمر ظهرًا لبطن أو ذنبًا ورأسًا, فوالله إن وجدت له إلا القتال أو الكفر بالله يحلف بالله عليه، اجلس يا بني ولا تحن عليَّ حنين الجارية. أخرجه أبو الجهم.
وقد تقدم في باب الشيخين قول ابن الكوا وقيس بن عباد له في قتاله, وأنه: هل هو بعهد من رسول الله ﷺ أو شيء من عندك? وجوابه لهما, فلينظر ثمة.
ذكر ما رواه أبو بكر في فضل علي, وروي عنه:
وقد ذكرنا ذلك مفرقا في الأبواب والفصول، ونحن ننبه عليه لتوفر الداعية.
فمنه حديث النظر إليه عبادة في الفضائل، وحديث استواء كفه وكف النبي ﷺ وحديث أنه خيم عليه وعلى بنيه خيمة، وحديث أنه من النبي ﷺ بمنزلة النبي ﷺ من ربه، وحديث: "لا يجوز أحد الصراط إلا بجواز يكتبه علي" كل ذلك في الخصائص، وقوله: "من سره أن ينظر إلى أقرب الناس قرابة" وإحالته على علي لما سئل عن وصف رسول الله ﷺ في الفضائل, وحديث مشاورة أبي بكر له في قتال أهل الردة في اتباعه للسنة.
ذكر ما رواه عمر في علي, وروي عنه مختصرا:
وقد تقدم جميع ذلك مفرقا في أبوابه.
فمنه حديث الراية يوم خيبر، وحديث: "ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن" وحديث أنه ﷺ قال: "في علي ثلاث خلال, لوددت أن لي واحدة منهن" وحديث: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" وحديث رجحان إيمانه بالسموات السبع والأرضين، وحديث: "من كنت مولاه
стр. 676
فعلي مولاه" وقوله: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، لما قال لعلي: "لأبعثنه إلى كذا كذا" وقوله: أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة, وقوله: علي مولى من النبي ﷺ مولاه, وقوله في علي: إنه مولاي, وإحالته في المسألة عليه غير مرة في القضاء.
وقوله: أقضانا علي، ورجوعه إلى قوله في مسائل كثيرة. كل ذلك في الخصائص والفضائل مفرقا في بابه.
стр. 677
الفصل الحادي عشر: في مقتله وما يتعلق به , ذكر إخباره عن نفسه أنه يقتل
تقدم في الذكر قبله حديث فضالة، وفيه طرف منه وعن زيد بن وهب قال: قدم على علي قوم من أهل البصرة من الخوارج فيهم رجل يقال له: الجعد بن بعجة فقال له: اتق الله يا علي، فإنك ميت، قال علي: بضربة على هذه تخضب هذه -يعني لحيته من رأسه- عهد معهود، وقضاء مقضي وقد خاب من افترى.
وعن عبد الله بن سبع قال: خطبنا علي فقال: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، لتخضبن هذه من هذه. قال فقال الناس: أعلمنا من هو لنبيره -أو لنبيرن عشيرته- قال: أنشدكم بالله أن لا يقتل بي غير قاتلي، قالوا: إن كنت قد علمت ذلك فاستخلف، قال: لا ولكن أكلكم إلى من وكلكم رسول الله ﷺ أخرجهما أحمد.
"شرح" لنبيره أي: نهلكه، والبوار: الهلاك، وقوم بور أي: هلكي، وبار فلان: هلك, وأباره الله: أهلكه. ذكره الجوهري.
وعن سكين بن عبد العزيز العبدي أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل عليه فحمله, ثم قال: أما إن هذا قاتلي؛
стр. 678
قيل: فما منعك منه؟ قال: إنه لم يقتلني بعد, وقيل له: إن ابن ملجم يسم سيفه، وقيل له: إنه سيقتلك به قتلة يتحدث بها العرب، فبعث إليه وقال: لم تسم سيفك؟ قال: لعدوي وعدوك فخلى عنه, وقال: ما قتلني بعد. أخرجه ابن عمر.
وعن الحسين بن كثير عن أبيه وكان قد أدرك عليا، قال: فخرج علي إلى الفجر، فأقبل الإوز يصحن في وجهه فطردوهن، فقال: فإنهن نائح، فضربه ابن ملجم قلت له: يا أمير المؤمنين، خل بينا وبين مراد، فلا تقوم لهم ثاغية ولا راغية أبدا قال: لا ولكن احبسوا الرجل فإن أنا مت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص. أخرجه أحمد في المناقب.
"شرح" ثاغية: شاة, راغية: بعير، ثغت الشاة ثغاء ورغا البعير يرغو رغاء.
ذكر رؤياه في نومه ليلة قتله:
عن الحسن البصري أنه سمع الحسن بن علي يقول: إنه سمع أباه في سحر اليوم الذي قتل فيه يقول لهم: يا بني رأيت النبي ﷺ في نومة نمتها، فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من اللأواء واللدد!! فقال: ادع الله عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرًا منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. ثم انتبه، وجاء مؤذنه يؤذنه بالصلاة, فخرج فقتله ابن ملجم. أخرجه أبو عمر والقلعي وغيرهما.
ذكر قاتله وما حمله على القتل, وكيفية قتله, وأين دفن:
قال الزبير بن بكار: كان من بقي من الخوارج تعاقدوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فخرج لذلك ثلاثة، فكان عبد الرحمن بن ملجم هو الذي التزم لهم قتل علي، فدخل الكوفة عازمًا على ذلك
стр. 679
واشترى سيفا لذلك بألف وسقاه السم فيما زعموا حتى نفضله, وكان في خلال ذلك يأتي عليا يسأله ويستحمله فيحمله، إلى أن وقعت عينه على قطام -امرأة رائعة جميلة كانت ترى رأي الخوارج- وكان علي قد قتل أباها وأخوتها بالنهروان، فخطبها ابن ملجم، فقالت له البنت: أنا لا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه فقال: وما هو? قالت: ثلاثة آلاف دينار وقتل علي. قال: والله لقد قصدت قتل علي والفتك به, وما أقدمني هذا المصر غير ذلك, ولكني لما رأيتك آثرت تزويجك, فقالت: إلا الذي قلت لك, قال: وما يغنيك أو يغنيني منك قتل علي وأنا أعلم أني إن قتلت عليا لم أفلت فقالت: إن قتلته ونجوت فهو الذي أردت، فتبلغ شفاء نفسي، ويهنيك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها, فقال لها: لك ما اشترطت, فقالت له: سألتمس لك من يشد ظهرك، فبعثت إلى ابن عم لها يدعى وردان بن مجالد، فأجابها ولقي ابن ملجم شبيب بن نجرة الأشجعي، فقال: يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والآخرة? قال: وما هو? قال: تساعدني على قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر على ذلك? قال: إنه رجل لا حرس له، ويخرج إلى المسجد منفردًا دون من يحرسه، فنكمن له في المسجد، فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه فإذا نجونا نجونا، وإن قتلناه سعدنا بالذكر في الدنيا والجنة في الآخرة. فقال: ويلك إن عليا ذو سابقة في الإسلام مع النبي ﷺ والله ما تنشرح نفسي لقتله. قال: ويلك! إنه حكم الرجال في دين الله وقتل إخواننا الصالحين، فنقتله ببعض من قتل، ولا تشكن في دينك, فأجابه وأقبلا، حتى دخلا على قطام وهي معتكفة في المسجد الأعظم في قبة ضربتها لنفسها فدعت لهم، وأخذوا أسيافهم، وجلسوا قبالة السدة التي يخرج منها علي، فخرج علي إلى صلاة الصبح فبدره شبيب فضربه فأخطأه, وضربه ابن ملجم على رأسه وقال: الحكم لله يا
стр. 680
علي, لا لك ولا لأصحابك فقال علي: لا يفوتكم الكلب فشد الناس عليه من كل جانب ليأخذوه، وهرب شبيب خارجا من باب كندة, فلما أخذ قال: احبسوه فإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به، وإن لم أمت فالأمر إلي في العفو والقصاص. أخرجه أبو عمر.
"شرح" الفتك: أن يأتي الرجل وهو غار غافل حتى يشد عليه ويقتله، وفيه ثلاث لغات: فتح الفاء وضمها وكسرها مع إسكان التاء كود ودعم, إدا: الإد بالكسر والإدة الداهية والأمر الفظيع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ فنكمن له أي: نختفي، تقول: كمن كمونًا ومنه الكمين في الحرب, والسدة: باب الدار، وقد تقدم.
وعن الليث بن سعد أن عبد الرحمن بن ملجم ضرب عليا في صلاة الصبح على دهش بسيف كان سمه بسم، ومات من يومه، ودفن بالكوفة ليلا. أخرجه البغوي في معجمه.
واختلفوا في أنه: هل ضربه في الصلاة أو قبل الدخول فيها? وهل استخلف من أتم الصلاة أو هو أتمها? والأكثر: على أنه استخلف جعدة بن هبيرة يصلي بهم تلك الصلاة، واختلفوا في موضع دفنه فقيل: في قصر الإمارة بالكوفة، وقيل: في رحبة الكوفة، وقيل: بنجف الحيرة. قال الخجندي: والأصح عندهم أنه مدفون من وراء المسجد غير الذي يؤمه الناس اليوم.
"شرح" النجف والنجفة بالتحريك: مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، والجمع: نجاف بالكسر، والنجاف أيضًا: أسكفة الباب وهي عتبته العليا, والحيرة بالكسر: مدينة بقرب الكوفة، والنسبة إليها حيري وحاري أيضًا على غير قياس، وكأنهم قلبوا الياء ألفًا.
وعن أبي جعفر أن قبره جهل موضعه، وغسله الحسن والحسين وعبد
стр. 681
الله بن جعفر. ذكر الخجندي.
وصلى عليه الحسن بن علي وكبر عليه أربع تكبيرات, قال الخجندي, وقيل: تسعًا.
وروى هارون بن سعيد أنه كان عنده مسك أوصى أن يحنط به، وقال: فضل من حنوط رسول الله ﷺ . أخرجه البغوي.
وعن عائشة ﵂ لما بلغها موت علي قالت: لتصنع العرب ما شاءت، فليس لها أحد ينهاها.
ذكر تاريخ مقتله:
وكان ذلك في صبيحة يوم سبعة عشر من رمضان صبيحة بدر وقيل: ليلة الجمعة لثلاث عشرة, وقيل: لإحدى عشرة ليلة خلت -وقيل: بقيت- من رمضان، وقيل: لثماني عشرة ليلة منه، سنة أربعين. ذكر ذلك كله ابن عبد البر.
ذكر ما ظهر من الآية في بيت المقدس لموت علي:
عن ابن شهاب قال: قدمت دمشق وأنا أريد العراق، فأتيت عبد الملك لأسلم عليه، فوجدته في قبة على فرش تفوت القائم، وتحته سماطان فسلمت ثم جلست، فقال لي: يابن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب? قلت: نعم. قال: فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة، وحول إليَّ وجهه وأحنى علي فقال: ما كان? فقلت: لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم. فقال: لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك، فلا يسمعه أحد منك, فما حدثت به حتى توفي. أخرجه ابن الضحاك في الآحاد والمثاني.
ذكر وصف قاتله بأشقى الآخرين:
عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي، أتدري
стр. 682
من أشقى الأولين?" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "قاتلك". أخرجه أحمد في المناقب، وأخرجه ابن الضحاك.
وقال في أشقى الآخرين: "الذي يضربك على هذه, فيبل هذه" وأخذ بلحيته.
وعن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "من أشقى الأولين يا علي?" قال: الذي عفر ناقة صالح، قال: "صدقت, فمن أشقى الآخرين?" قال: الله ورسوله أعلم قال: "أشقى الآخرين الذي يضربك على هذه" وأشار إلى يافوخه، فكان علي يقول لأهله: والله لوددت أن لو انبعث أشقاها. أخرجه أبو حاتم والملاء في سيرته.
وعن ابن سبع قال: سمعت عليا على المنبر يقول: ما ينتظر أشقاها? عهد إليَّ رسول الله ﷺ لتخضبن هذه من هذا وأشار إلى لحيته ورأسه, فقالوا: يا أمير المؤمنين، خبرنا من هو حتى نبتدره فقال: أنشد الله رجلا قتل بي غير قاتلي. أخرجه المحاملي.
ذكر وصيته:
روي أنه لما ضربه ابن ملجم أوصى إلى الحسن والحسين وصية طويلة في آخرها: يا بني عبد المطلب؛ لا تخوضوا دماء المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين, ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي. انظروا، إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة ولا تمثلوا به، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إياكم والمثلة, ولو بالكلب العقور" أخرجه الفضائلي.
وعن هشيم مولى الفضل قال: لما قتل ابن ملجم عليا قال للحسن والحسين: عزمت عليكم لما حبستم الرجل، فإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به. فلما مات قام إليه حسين ومحمد وقطعاه وحرقاه، ونهاهم الحسن. أخرجه ابن الضحاك في الآحاد والمثاني.
стр. 683
ذكر سنه يوم مات, ومدة خلافته:
واختلف في ذلك، فقيل: سنه سبع وخمسون، وقيل: ثمانٍ وخمسون, وقيل: ثلاث وستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: ثمانٍ وستون. ذكر أبو عمر وغيره.
وذكر أبو بكر أحمد بن الدارع في كتاب "مواليد أهل البيت" أن سنه خمس وستون، لم يذكر غيره، صحب النبي ﷺ منها بمكة ثلاث عشرة سنة، وعمره إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، ثم هاجر فصحبه بالمدينة عشر سنين, وعاش بعده ثلاثين سنة.
стр. 684
الفصل الثاني عشر: في ذكر ولده
وكان له من الولد أربعة عشر ذكرًا, وثماني عشرة أنثى.
ذكر الذكور:
"الحسن والحسين" وقد استوعبنا ذكرهما في مناقب ذوي القربى، ولهما عقب، و"محسن" مات صغيرًا، أمهم فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعليها.
و"محمد الأكبر" أمه خولة بنت إياس بن جعفر الحنفية، ذكره الدارقطني وغيره، وقال: وأخته لأمه "عوانة بنت أبي مكمل الغفارية" وقيل: بل كانت أمه من سبي اليمامة فصارت إلى علي، وإنها كانت أمة لبني حنيفة سندية سوداء، ولم تكن من أنفسهم؛ وقيل: إن أبا بكر أعطى عليا الحنفية أم محمد من سبي بني حنيفة. أخرجه ابن السمان.
و"عبد الله" قتله المختار، و"أبو بكر" قتل مع الحسين، أمهما ليلى بنت معوذ بن خالد النهشلي، وهي التي تزوجها عبد الله بن جعفر،
стр. 685
خلف عليها بعد عمه، جمع بين زوجة علي وابنته، فولدت له "صالحًا" وأم ابنها وأم محمد ابني عبد الله بن جعفر، فهم إخوة عبد الله وأبي بكر ابني علي لأمهما. ذكره الدارقطني.
و"العباس الأكبر" و"عثمان" و"جعفر" و"عبد الله" قتلوا مع الحسين أيضًا، أمهم أم البنين بنت حزام بن خالد الوحيدية ثم الكلابية.
و"محمد الأصغر" قتل مع الحسين أيضًا، أمه أم ولد.
و"يحيى"، و"عون" أمهما أسماء بنت عميس، فهما أخوا بني جعفر بن أبي طالب، وأخوا محمد بن أبي بكر لأمهم.
و"عمر الأكبر" أمه أم حبيب الصهباء التغلبية، سبية سباها خالد في الردة فاشتراها علي.
ومحمد الأوسط أمه بنت أبي العاص.
ذكر الإناث:
"أم كلثوم الكبرى" و"زينب الكبرى" شقيقتا الحسن والحسين.
و"رقية" شقيقة عمر الأكبر.
و"أم الحسن" و"رملة الكبرى" أمهما أم سعد بنت عروة بن مسعود الثقفي.
و"أم هانئ" و"ميمونة" و"رملة الصغرى" و"زينب الصغرى" و"أم كلثوم الصغرى" و"فاطمة" و"أمامة" و"خديجة" و"أم الكرم" و"أم سلمة" و"أم جعفر" و"جمانة" و"تقية" لأمهات أولاد شتى، ذكرها ابن قتيبة وصاحب الصفوة.
وعقبه من الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعمر والعباس.
стр. 686
وتزوج بنات علي بنو عقيل وبنو العباس، ما خلا زينب بنت فاطمة كانت تحت عبد الله بن جعفر؛ وأم كلثوم بنت فاطمة كانت تحت عمر بن الخطاب؛ فمات عنها، فتزوجها بعده محمد بن جعفر بن أبي طالب، فمات عنها, فتزوجها بعده عون بن جعفر بن أبي طالب، فماتت عنده؛ وأم حسن تزوجها جعفر بن هبيرة المخزومي؛ وفاطمة تزوجها سعد بن الأسود من بني الحارث. والله أعلم.
стр. 687
المجلد الرابع
تابع القسم الثاني: في مناقب الأفراد
الباب الخامس: في مناقب أبي محمد طلحة بن عبد الله
الفصل الأول: في ذكر نسبه
...
تابع القسم الثاني: في مناقب الأفراد
الباب الخامس: في مناقب أبي محمد طلحة بن عبيد الله, وفيه عشرة فصول
الفصل الأول: في ذكر نسبه
وقد تقدم ذكر آبائه في باب العشرة, يجتمع نسبه مع رسول الله ﷺ في مرة بن كعب، وينسب إلى تيم بن مرة، فيقال: القرشي التيمي. ويجتمع مع أبي بكر في كعب بن سعد بن تيم, أمه الصعبة بنت عبد الله بن عباد بن مالك بن ربيعة الحضرمي، أخت العلاء بن الحضرمي, أسلمت. ذكره ابن الضحاك، في الآحاد والمثاني.
стр. 688
الفصل الثاني: في اسمه وكنيته
ولم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام طلحة، ويكنى أبا محمد، وكان يلقب بطلحة الخير، لقبه١ به رسول الله ﷺ يوم أحد٢، وقيل: في وقعة بدر حين غاب عنها في حاجة المسلمين، وطلحة الفياض، لقبه به رسول الله ﷺ يوم غزوة ذات العشيرة١، وطلحة الجود، لقبه به رسول الله ﷺ يوم حنين٢. حكاه ابن قتيبة وصاحب الصفوة ومشكل
стр. 689
الصحيحين والفضائلي والطائي وغيره.
وعن طلحة بن عبيد الله قال: سماني رسول الله ﷺ يوم أحد طلحة
стр. 690
الخير، وفي غزوة العشيرة طلحة الفياض، ويوم حنين طلحة الجود.
أخرجه ابن الضحاك.
стр. 691
ودعاه رسول الله ﷺ الصبيح المليح الفصيح. ذكره الطائي في الأربعين.
وعن موسى بن طلحة أن طلحة نحر جزورًا، وحفر بئرًا يوم ذي قرد فأطعمهم وسقاهم؛ فقال رسول الله ﷺ : "الفياض" وقال: اشترى طلحة بئرًا فتصدق بها ونحر جزورًا، فأطعمهم وسقاهم، فقال رسول الله ﷺ : "يا طلحة، أنت الفياض" فسمي طلحة الفياض. أخرجه ابن الضحاك.
وأما طلحة الطلحات الذي قيل فيه:
رحم الله أعظمًا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
فهو رجل من خزاعة، ذكره ابن قتيبة.
"شرح" إنما لقب بطلحة الجود وطلحة الفياض؛ لسعة عطائه وكرمه، وكان جوادًا؛ وسيأتي من وصف جوده طرف في بابه إن شاء الله تعالى, وغزوة ذات العشيرة، ويقال: العشيرة، وهو موضع ببطن ينبع.
стр. 692
الفصل الثالث: في صفته
قال بعضهم: كان آدم، كثير الشعر ليس بالسبط ولا بالجعد القطط, حسن الوجه، دقيق العرنين، إذا مشى أسرع، وكان لا يغير شعره. هكذا ذكره أبو عمر، وقيل: ولم يحك البغوي غيره، كان أبيض إلى الحمرة، مربوعًا إلى القصر أقرب منه إلى الطول، رحب الصدر، عريض المنكبين، إذا التفت التفت جميعًا، ضخم القدمين لا أخمص لهما. والقولان حكاهما ابن قتيبة.
"شرح" آدم: أسمر والأدمة بالضم: السمرة، والأدمة أيضًا: الوسيلة إلى الشيء؛ قاله الفراء. والسبط بكسر الباء وإسكانها: الشعر المسترسل، والجعد ضده، والقطط: الشديد الجعودة. وعرنين الأنف: أوله تحت مجتمع الحاجبين، وقد يطلق على الأنف, وعرنين كل شيء: أوله.
стр. 693
الفصل الرابع: في إسلامه
عن إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله قال: قال طلحة: حضرت بسوق بصرى فإذا راهب١ في صومعة يقول: سلوا أهل هذا الموسم: أفيهم أحد من الحرم٢? قال طلحة: نعم أنا. قال: هل ظهر أحمد بعد? قال: قلت: ومن أحمد? قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخل٣ وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت مسرعًا حتى قدمت مكة فقلت: هل كان من حدث? قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبَّأ، وقد تبعه ابن٤ أبي قحافة. قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فقلت: اتبعت هذا الرجل? قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق، وأخبره طلحة بما قال الراهب، فسر رسول الله ﷺ بذلك, فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد، وشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم؛ فلذلك سمي أبو بكر وطلحة "القرينين" أخرجه الفضائلي، وصاحب فضائل أبي بكر.
وأسلم أخو طلحة عثمان بن عبيد الله، أمه كريمة بنت موهب من كندة، وقيل: بنت جندب من بني سواة بن عباس بن صعصعة، ولده عبد الرحمن بن عثمان، له صحبة ورواية عن النبي ﷺ ولهما أخ ثالث قتل يوم بدر كافرًا.
стр. 694
الفصل الخامس: في ذكر هجرته ١
لم أظفر بشيء يخصها, ولا شك في أنه ﵁ هاجر ولم يزل مع النبي ﷺ ملازما له, حتى توفي٢ وهو عنه راض، وقضاياه في أحد وغيرها مما يشهد له بذلك.
стр. 695
الفصل السادس: في خصائصه
ذكر اختصاصه بالبروك يوم أحد للنبي حتى صعد على ظهره إلى صخرة
عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كان على رسول الله ﷺ يوم أحد درعان، فذهب لينهض على صخرة فلم يستطع، فبرك طلحة بن عبيد الله تحته وصعد رسول الله ﷺ على ظهره حتى صعد على الصخرة؛ قال الزبير: فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أوجب ١ طلحة". أخرجه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح، وأبو حاتم واللفظ للترمذي.
وعن طلحة ﵁ قال: لما كان يوم أحد وحملت رسول الله ﷺ على ظهري حتى استقل, وصار على الصخرة فاستتر من المشركين، قال لي هكذا, وأومأ بيده إلى وراء ظهره: "هذا جبريل يخبرني أنه لا
стр. 696
يراك يوم القيامة في هول, إلا أنقذك منه" أخرجه الفضائلي.
ذكر اختصاصه برفع النبي ﷺ يوم أحد, حتى استوى قائما:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله ﷺ يوم أحد فكسر رباعيته١ اليمنى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته, فدخلت حلقتان من حلق الدرع في وجنته، ووقع رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي عمل عامر ليقع المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بيد رسول الله، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما, ومص مالك بن أبي سعيد الخدري الدم من وجه رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "من مس دمه دمي ٢ لم تمسه النار" أخرجه ابن إسحاق.
ذكر اختصاصه بحمل النبي ﷺ يوم أحد, والقتال دونه:
عن عائشة بنت طلحة قالت: لما كان يوم أحد كسرت رباعية النبي ﷺ وشج وجهه، وخلاه الغشي، فجعل طلحة يحمله ويرجع القهقرى, وكلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه، حتى أسنده إلى الشعب. أخرجه الفضائلي.
ذكر اختصاصه بيوم أحد ٣:
عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك كله يوم طلحة، قال أبو بكر: كنت أول من جاء يوم أحد، فقال لي رسول
стр. 697
الله ﷺ ولأبي عبيدة بن الجراح: "عليكما ١ " يريد طلحة وقد نزف، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا فيه بضع وسبعون أو أقل أو أكثر بين طعنة وضربة ورمية، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه. أخرجه صاحب الصفوة، وأخرج أبو حاتم معناه ولفظه: قال: قال أبو بكر: لما صرف الناس يوم أحد عن رسول الله ﷺ كنت أول من جاء إلى النبي ﷺ فجعلت أنظر إلى رجل بين يديه يقاتل عنه ويحميه، فجعلت أقول: كن طلحة فداك أبي وأمي, مرتين؛ ثم نظرت إلى رجل خلفي كأنه طائر، فلم أنشب أن أدركني، فإذا أبو عبيدة بن الجراح فدفعنا إلى رسول الله ﷺ وإذا طلحة بين يديه صريع؛ فقال النبي ﷺ : "دونكم أخاكم" فأهويت إلى ما رمي به في جبهته ووجنته لأنزعه؛ قال لي أبو عبيدة: نشدتك الله يا أبا بكر إلا تركتني. قال: فتركته، فأخذ أبو عبيدة السهم بفمه فجعل ينضنضه، ويكره أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استله بفمه؛ ثم أهويت إلى السهم الذي في وجنته لأنزعه؛ فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني. فأخذ السهم بفمه، وجعل ينضنضه، ويكره أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استله؛ وكان طلحة أشد
стр. 698
نهكة من رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ أشد١ منه، وكان قد٢ أصاب طلحة بضع وثلاثون من طعنة وضربة ورمية.
"شرح" ينضنضه أي: يحركه؛ يقال بالصاد والضاد معا. ونهكة من قولهم: نهكته الحمى بالكسر تنهكه نهكا إذا أجهدته، ونهكته بالفتح نهكا، لغتان والمعنى أشد جراحة وجهدا وألما.
وعن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة بن عبيد الله شلاء؛ وقى بها النبي ﷺ يوم أحد, أخرجه البخاري وأبو حاتم، واللفظ له. وعن أبي عثمان قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد. أخرجاه٣.
ذكر اختصاصه بمسح رسول الله ﷺ جسده بيده الكريمة يوم أحد, فقام صحيحًا:
عن أبي هريرة أن طلحة لما جرح يوم أحد, مسح ﷺ بيده على جسده، وقال: "اللهم اشفه وقوه" فقام صحيحًا فرجع إلى العدو. أخرجه الملاء.
ذكر اختصاصه بالمبادرة إلى تسوية رحل رسول الله ﷺ حين دعا إلى ذلك:
عن عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ ليلة وقد سقط رحله، يقول: "من يسوي رحلي وله الجنة?" فبدر طلحة بن عبيد الله فسواه حتى ركب؛ فقال له النبي ﷺ : "يا طلحة هذا جبريل يقرئكالسلام، ويقول: أنا معك في أهوال يوم القيامة حتى أنجيك منها" أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي.
стр. 699
الفصل السابع: في شهادة النبي ﷺ له بالجنة
تقدم في باب العشرة طرف من ذلك.
وعن علي بن أبي طالب قال: سمعت أذني من رسول الله ﷺ وهو يقول: "طلحة والزبير جاراي في الجنة" أخرجه الترمذي، وقال: غريب.
وعن الزبير قال: سمعت رسول الله ﷺ يوم أحد يقول: "أوجب طلحة الجنة" أخرجه البغوي في معجمه.
وعن طلحة قال: كان بيني وبين عبد الرحمن بن عوف مال، فقاسمته إياه فأراد شربا في أرضي فمنعته، فأتى النبي ﷺ فشكاني إليه، فقال رسول الله ﷺ : "أتشكو رجلا قد أوجب?" فأتاني فبشرني، فقلت: يا أخي أبلغ من المال ما تشكوني فيه إلى رسول الله ﷺ ? قال: قد كان ذلك؛ قال: فإني أشهد الله وأشهد رسوله ﷺ أنه لك. أخرجه الفضائلي.
стр. 700
الفصل الثامن: في ذكر نبذ من فضائله
قال ابن قتيبة وأبو عمر وغيرهما: شهد طلحة أحدا وما بعدها. وقال الزبير بن بكار وغيره: أبلى طلحة يوم أحد بلاء حسنا، وثبت مع رسول الله ﷺ ووقاه بيده فشلت، وشهد الحديبية والمشاهد١ كلها، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة, وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى٢ وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راضٍ, وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر.
ذكر إثبات سهمه من غنيمة بدر وأجره, ولم يحضر:
عن ابن شهاب قال: لم يشهد طلحة بدرا، وقدم من الشام بعد مرجع رسول الله ﷺ من بدر، فكلم رسول الله ﷺ في سهمه٣، فقال رسول الله ﷺ : "لك سهمك" قال: وأجري يا رسول الله? قال: "وأجرك" فلذلك كان معدودا في البدريين. أخرجه ابن إسحاق وابن الضحاك, وحكاه أبو عمر عن موسى بن عقبة قال الزبير بن بكار: كان طلحة بن عبيد الله بالشام في تجارة حين كانت وقعة بدر وكان من المهاجرين الأولين, فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، فلما قدم قال: وأجري يا رسول الله? قال: "وأجرك" أخرجه أبو عمر.
وقال الوقدي: بعث رسول الله ﷺ قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان٤ الأخبار, ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر.
стр. 701
ذكر شهادة النبي ﷺ له بالشهادة ١:
تقدم في باب ما دون العشرة حديث: "تحرك حراء ٢ " وقوله ﷺ : "اثبت حراء؛ فما عليك إلا نبي أو صديق ٣ أو شهيد" وكان طلحة ممن كان معه ﷺ .
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض, فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" أخرجه الترمذي وقال: غريب.
ذكر شهادة النبي ﷺ له أنه ممن قضى نحبه:
عن موسى بن معاوية قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك? سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه" أخرجه الترمذي وقال: غريب.
وعن طلحة: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو? وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه, فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض, ثم إني طلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فلما رآني النبي ﷺ قال: "أين السائل عمن قضى نحبه?" قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: "هذا ممن قضى نحبه" أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب.
وعنه قال: لما رجع رسول الله ﷺ من أحد صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ
стр. 702
مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ١ الآية، فقام إليه رجل, فقال: "أيها السائل, هذا منهم" أخرجه في الصفوة.
وعن جابر ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى طلحة فقال: "من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه, فلينظر إلى وجه طلحة بن عبيد الله" أخرجه الملاء.
"شرح" نحبه: نذره، كأنه ألزم نفسه أن يموت على وصف فوفى به، هذا أصله؛ لأن النحب النذر، تقول: نحبت أنحب بالضم، والنحب: الوقت والمدة، يقال: فلان قضى نحبه أي: مدته فمات، والمعنى: أن طلحة التزم أن يصدق الله في الحرب لأعدائه فوفى له ولم يفسخ، وتناحب القوم: إذا تواعدوا للقتال أو غيره، وناحبت الرجل: فاخرته أيضًا، ومنه حديث طلحة أنه قال لابن عباس: هل لك أن أناحبك ونرفع النبي ﷺ ? أي: أفاخرك ونرفع النبي ﷺ من رأس الأمر، لا تذكره في فضائلك وقرابتك منه. ذكره الهروي.
ذكر شهادته ﷺ بالمغفرة له, وإثبات اسمه في ديوان المقربين:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لطلحة بن عبيد الله: "أبشر يا أبا محمد، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد أثبت اسمك في ديوان المقربين" أخرجه الملاء.
ذكر أنه في حفظ الله وفي نظره:
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لطلحة: "أنت في حفظ الله, ونظره إلى أن تلحق به" أخرجه الملاء.
стр. 703
ذكر أنه سلف ١ النبي ﷺ في الدنيا والآخرة:
عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ لطلحة بن عبيد الله: "أنت سلفي في الدنيا، وأنت سلفي في الآخرة" أخرجه الملاء في سيرته، وذلك أن طلحة تزوج حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وأمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ .
ذكر أنه حواري النبي ﷺ :
عن زيد بن أبي أوفى أن النبي ﷺ قال لطلحة والزبير: "أنتما حوارياي كحواريي عيسى ابن مريم" أخرجه الحافظ الدمشقي والبغوي في معجمه.
"شرح" الحواري: الناصر، والحواريون: أنصار عيسى ﵇ ومنه قول الأعور الكلابي:
ولكنه ألقى زمام قلوصه٢ ... ليحيي كريمًا أو يموت حواريا
قال يونس بن حبيب: الحواري: الخالصة، وقيل: إن أصحاب عيسى إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يغسلون الثياب ويخلصونها من الأوساخ، ويحورونها أي: يبيضونها، والتحوير: التبييض، والحور: البياض، وقال محمد بن السائب: الحواري: الخليل، وقال معمر عن قتادة: الحواريون كلهم من قريش: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير. وعن قتادة أيضًا أنه قال: الحواريون الذين تصلح
стр. 704
لهم الخلافة. ذكره جميعه أبو بكر، وذكر الهروي طائفة منهم، وكذلك الجوهري.
ذكر إثبات الرجاء بأنه ممن قال الله تعالى فيه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ :
عن علي ﵇ أنه قال: إني والله لأرجو١ أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١ أخرجه أبو عمر.
وعن أبي حبيبة عن مولى طلحة قال: دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني وأباك من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ... ﴾ الآية وقال: يابن أخي كيف فلان? وكيف فلان? وسأله عن أمهات أولاد ابنه، ثم قال: لم نقبض أرضكم هذه إلا مخافة أن ينهبها الناس. يا فلان، انطلق به إلى ابن قرطة مرة فليعطه غلته وليدفع إليه أرضه، فقال رجلان جالسان ناحية أحدهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك أن يقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة. فقال: قوما، وأبعدهما وأسحقهما، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة أخوين? يابن أخي إذا كان لك حاجة فأتنا. أخرجه الفضائلي الرازي.
"شرح" أسحقهما: أبعدهما، ومنه: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، وكرر لاختلاف اللفظ، والسحق بالضم: البعد، تقول: سحقًا له، ومنه
стр. 705
الحديث: "فأقول: سحقًا سحقًا" والسحق بضم الحاء لغة فيه، نحو: عسر وعسر، وسحق الشيء: بعده وأسحقه الله: أبعده.
ذكر جوده ١ وسماحة نفسه, وكثرة عطائه وصلة رحمه:
عن سعدى بنت عوف امرأة طلحة قالت: لقد تصدق طلحة يومًا بمائة ألف.
وعنها قالت: دخل علي طلحة فرأيته مغمومًا، فقلت: ما شأنك? قال: المال الذي عندي قد كثر وأكربني، فقلت: وما عليك? اقسمه، فقسمه حتى ما بقي منه درهم؛ قال طلحة بن يحيى: فقلت لخازن طلحة: كم كان المال? قال: أربعمائة ألف.
وعن الحسن قال: باع طلحة أرضًا له بسبعمائة ألف، فبات أرقًا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرقه.
"شرح" الأرق: السهر، وأرقت بالكسر: سهرت، وكذلك ايترقت على افتعلت فأنا أرق؛ وأرقني كذا تأريقا أي: أسهرني.
وعنه أن طلحة باع أرضًا من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه، فلما جاء بها قال: إن رجلا تبيت هذه عنده في بيته -لا يدري ما يطرقه من أمر الله- لغرير بالله, فبات ورسله تختلف في سكك المدينة حتى أسحر وما عنده منها درهم. أخرجهن صاحب الصفوة.
"شرح" غرير أي: مغرور؛ فعيل بمعنى مفعول كقتيل وطريح، وأسحر أي: دخل في السحر.