ذكر شهادة النبي ﷺ له بالشهادة ١:
تقدم في باب ما دون العشرة حديث: "تحرك حراء ٢ " وقوله ﷺ : "اثبت حراء؛ فما عليك إلا نبي أو صديق ٣ أو شهيد" وكان طلحة ممن كان معه ﷺ .
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض, فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" أخرجه الترمذي وقال: غريب.
ذكر شهادة النبي ﷺ له أنه ممن قضى نحبه:
عن موسى بن معاوية قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك? سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه" أخرجه الترمذي وقال: غريب.
وعن طلحة: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو? وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه, فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض, ثم إني طلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فلما رآني النبي ﷺ قال: "أين السائل عمن قضى نحبه?" قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: "هذا ممن قضى نحبه" أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب.
وعنه قال: لما رجع رسول الله ﷺ من أحد صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ
стр. 702
مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ١ الآية، فقام إليه رجل, فقال: "أيها السائل, هذا منهم" أخرجه في الصفوة.
وعن جابر ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى طلحة فقال: "من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه, فلينظر إلى وجه طلحة بن عبيد الله" أخرجه الملاء.
"شرح" نحبه: نذره، كأنه ألزم نفسه أن يموت على وصف فوفى به، هذا أصله؛ لأن النحب النذر، تقول: نحبت أنحب بالضم، والنحب: الوقت والمدة، يقال: فلان قضى نحبه أي: مدته فمات، والمعنى: أن طلحة التزم أن يصدق الله في الحرب لأعدائه فوفى له ولم يفسخ، وتناحب القوم: إذا تواعدوا للقتال أو غيره، وناحبت الرجل: فاخرته أيضًا، ومنه حديث طلحة أنه قال لابن عباس: هل لك أن أناحبك ونرفع النبي ﷺ ? أي: أفاخرك ونرفع النبي ﷺ من رأس الأمر، لا تذكره في فضائلك وقرابتك منه. ذكره الهروي.
ذكر شهادته ﷺ بالمغفرة له, وإثبات اسمه في ديوان المقربين:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لطلحة بن عبيد الله: "أبشر يا أبا محمد، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد أثبت اسمك في ديوان المقربين" أخرجه الملاء.
ذكر أنه في حفظ الله وفي نظره:
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لطلحة: "أنت في حفظ الله, ونظره إلى أن تلحق به" أخرجه الملاء.
стр. 703
ذكر أنه سلف ١ النبي ﷺ في الدنيا والآخرة:
عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ لطلحة بن عبيد الله: "أنت سلفي في الدنيا، وأنت سلفي في الآخرة" أخرجه الملاء في سيرته، وذلك أن طلحة تزوج حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وأمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ .
ذكر أنه حواري النبي ﷺ :
عن زيد بن أبي أوفى أن النبي ﷺ قال لطلحة والزبير: "أنتما حوارياي كحواريي عيسى ابن مريم" أخرجه الحافظ الدمشقي والبغوي في معجمه.
"شرح" الحواري: الناصر، والحواريون: أنصار عيسى ﵇ ومنه قول الأعور الكلابي:
ولكنه ألقى زمام قلوصه٢ ... ليحيي كريمًا أو يموت حواريا
قال يونس بن حبيب: الحواري: الخالصة، وقيل: إن أصحاب عيسى إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يغسلون الثياب ويخلصونها من الأوساخ، ويحورونها أي: يبيضونها، والتحوير: التبييض، والحور: البياض، وقال محمد بن السائب: الحواري: الخليل، وقال معمر عن قتادة: الحواريون كلهم من قريش: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير. وعن قتادة أيضًا أنه قال: الحواريون الذين تصلح
стр. 704
لهم الخلافة. ذكره جميعه أبو بكر، وذكر الهروي طائفة منهم، وكذلك الجوهري.
ذكر إثبات الرجاء بأنه ممن قال الله تعالى فيه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ :
عن علي ﵇ أنه قال: إني والله لأرجو١ أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١ أخرجه أبو عمر.
وعن أبي حبيبة عن مولى طلحة قال: دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعدما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني وأباك من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ... ﴾ الآية وقال: يابن أخي كيف فلان? وكيف فلان? وسأله عن أمهات أولاد ابنه، ثم قال: لم نقبض أرضكم هذه إلا مخافة أن ينهبها الناس. يا فلان، انطلق به إلى ابن قرطة مرة فليعطه غلته وليدفع إليه أرضه، فقال رجلان جالسان ناحية أحدهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك أن يقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة. فقال: قوما، وأبعدهما وأسحقهما، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة أخوين? يابن أخي إذا كان لك حاجة فأتنا. أخرجه الفضائلي الرازي.
"شرح" أسحقهما: أبعدهما، ومنه: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، وكرر لاختلاف اللفظ، والسحق بالضم: البعد، تقول: سحقًا له، ومنه
стр. 705
الحديث: "فأقول: سحقًا سحقًا" والسحق بضم الحاء لغة فيه، نحو: عسر وعسر، وسحق الشيء: بعده وأسحقه الله: أبعده.
ذكر جوده ١ وسماحة نفسه, وكثرة عطائه وصلة رحمه:
عن سعدى بنت عوف امرأة طلحة قالت: لقد تصدق طلحة يومًا بمائة ألف.
وعنها قالت: دخل علي طلحة فرأيته مغمومًا، فقلت: ما شأنك? قال: المال الذي عندي قد كثر وأكربني، فقلت: وما عليك? اقسمه، فقسمه حتى ما بقي منه درهم؛ قال طلحة بن يحيى: فقلت لخازن طلحة: كم كان المال? قال: أربعمائة ألف.
وعن الحسن قال: باع طلحة أرضًا له بسبعمائة ألف، فبات أرقًا من مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرقه.
"شرح" الأرق: السهر، وأرقت بالكسر: سهرت، وكذلك ايترقت على افتعلت فأنا أرق؛ وأرقني كذا تأريقا أي: أسهرني.
وعنه أن طلحة باع أرضًا من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه، فلما جاء بها قال: إن رجلا تبيت هذه عنده في بيته -لا يدري ما يطرقه من أمر الله- لغرير بالله, فبات ورسله تختلف في سكك المدينة حتى أسحر وما عنده منها درهم. أخرجهن صاحب الصفوة.
"شرح" غرير أي: مغرور؛ فعيل بمعنى مفعول كقتيل وطريح، وأسحر أي: دخل في السحر.
стр. 706
وعن جابر ﵁ قال: صحبت طلحة، فما رأيت رجلًا أعطى لجزيل مال عن غير مسألة منه.
وعن علي بن زيد قال: جاء أعرابي إلى طلحة يسأله ويتقرب إليه برحم فقال: إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضًا أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف؛ فإن شئت فاغدُ فاقبضها، وإن شئت بعتها من عثمان، ودفعت إليك الثمن فقال الأعرابي: الثمن. فباعها من عثمان, ودفع إليه الثمن.
وعن بعض ولد طلحة قال: لبس طلحة رداءً نفيسًا، فبينا هو يسير إذا رجل قد استله، فقام الناس فأخذوه منه، فقال طلحة: ردوه عليه، فلما رآه الرجل خجل ورمى به إلى طلحة، فقال طلحة: خذه بارك الله لك فيه؛ إني لأستحي من الله أن يؤمل في أحد أملا فأخيب أمله.
وعن محمد بن إبراهيم قال: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، ويغل بالشراة عشرة آلاف دينار أو أكثر أو أقل، وكان لا يدع أحدًا من بني تيم عائلًا إلا كفى مئونة عياله، ويزوج أياماهم ويخدم عائلهم ويقضي دين غارمهم, وكان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة عشرة آلاف، ولقد قضى عن صبيحة ثلاثين ألف درهم. أخرج الأربعة الفضائلي.
"شرح" العائل: الفقير ومنه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي: فقرًا والأيامى: جمع أيم وهي التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا، ويقال للذي لا زوجة له: أيم أيضا. قال أبو عبيد: يقال: رجل أيم وامرأة أيم؛ ولا يقال: أيمة، والغارم: المديون١.
وعن الزبير بن بكار أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلة طلحة
стр. 707
ابن عبيد الله كل يوم ألفًا وافيًا، قال: والوافي وزنه وزن الدينار وقال: وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية.
وسمع علي ﵇ رجلًا ينشد:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
قال: ذلك أبو محمد طلحة.
ذكر أنه كان من خطباء الصحابة:
عن ابن مسعود ﵁ أن عمر شاور الناس في الزحف إلى قتال ملوك فارس التي اجتمعت بنهاوند، فقام طلحة بن عبيد الله وكان من خطباء الصحابة، فتشهد ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين، فقد أحكمتك الأمور، وعجنتك البلايا، وأحنكتك التجارب، فأنت وشأنك، وأنت ورأيك، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع، وادعُنا نُجِب، واحملنا نركب، وقدنا ننقد، فإنك ولي هذه الأمور، وقد بلوت واختبرت فلم ينكشف لك عن شيء من عواقب قضاء الله إلا عن خيار, ثم جلس. أخرجه في فضائل عمر.
ذكر ثناء ابن عباس عليه, وعلى الزبير:
عن ابن عباس -وقد سئل عن طلحة والزبير- فقال: رحمة الله عليهما، كانا والله مسلمين مؤمنين بارين، تقيين خيرين فاضلين طاهرين, زلالتين والله غافر لهما؛ للصحبة القديمة والعشرة الكريمة والأفعال الجميلة، فأعقب الله من يبغضهما بسوء الغفلة إلى يوم الحشر. أخرجه الأصبهاني.
وقد تقدم في مناقب علي ﵇ عن سعد بن أبي وقاص وعن سعيد بن المسيب ما يدل على الحث على محبتهما, والزجر عن بغضهما.
стр. 708
الفصل التاسع: في مقتله وما يتعلق بذلك , ذكر كيفية قتله وسببه ومن قتله
كان ﵁ حربا لعلي -رضى الله عنه- وزعم بعضهم أن عليا دعاه فذكره أشياء من سوابقه وفضله، فخرج طلحة عن قتله واعتزل في بعض الصفوف، فجاءه سهم عزب، فقطع من رجله عرق النسا، فلم يزل دمه ينزف منه حتى مات. ويقال: إن السهم أصاب ثغرة نحره، فقال: بسم الله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ١.
"شرح" سهم عزب بفتح الزاي: هو الذي لا يعرف راميه، قاله الأزهري. وعن أبي زيد: يقال: أصابه سهم عزب، بإسكانها إذا أتاه من حيث لا يدري، وبفتحها إذا رمى غيره فأصابه, والنسا بالفتح والقصر: عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعروق حتى يبلغ الحافر، فإذا سمنت الدابة انفلت فخذاها بلحمتين عظيمتين ويجري النسا بينهما ويستبين، وإذا هزلت الدابة اضطرب الفخذان وخفي النسا, وثغرة النحر بالضم: النقرة التي بين الترقوتين.
قال الأحنف بن قيس: لما التقوا كان أول قتيل طلحة، والمشهور أن مروان بن الحكم هو الذي قتله، رماه بسهم؛ وقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم؛ وذلك أن طلحة زعموا أنه كان ممن حاصر عثمان واشتد عليه.
وعن يحيى بن سعيد قال: قال طلحة يوم الجمل:
ندمت ندامة الكسعي لما ... شريت رضى بني حزم برغمي
стр. 709
اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى؛ فرماه مروان بن الحكم بسهم في ركبته فجعل الدم يسيل، فإذا أمسكوا فم الجرح انتفخت ركبته، فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله تعالى. قال: فمات، فدفناه على شاطئ الكلأ فرأى بعض أهله أنه أتاه في المنام فقال: ألا تريحونني من هذا الماء, فإني قد غرقت? ثلاث مرات يقولها، قال: فنبشوه، فإذا هو أخضر كأنه السلق فنزحوا عنه الماء، ثم استخرجوه فإذا ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكله الأرض، فاشتروا له دارا من دور بني بكرة بعشرة آلاف، فدفنوه فيها. أخرجه أبو عمر؛ وأخرج بعضه ابن قتيبة وصاحب الصفوة.
وذكر أبو عمر من طريق آخر أن مروان بن الحكم رماه بسهم في فخذه، فشكه بسرجه، فانتزع السهم، وكان إذا أمسك الجرح انتفخ الفخذ وإذا أرسلوه سال. فقال طلحة: دعوه, فإنه سهم من سهام الله أرسله، فمات ودفن، فرآه مولى له ثلاث ليال في المنام كأنه يشكو إليه البرد، فنبش عنه فوجد ما يلي الأرض من جسده مخضرا وقد تحاص شعره، فاشتروا له دارا, وذكر ما تقدم.
وعن المثنى بن سعد قال: لما قدمت عائشة بنت طلحة أتاها رجل، فقال: أنت عائشة بنت طلحة? قالت: نعم قال: إني رأيت طلحة في المنام, فقال: قل لعائشة حتى تحولني من هذا المكان فإن البرد قد آذاني, فركبت في مواليها وحشمها فضربوا عليه بيتا، واستثاروه فلم يتغير منه إلا شعرات في أحد شقي لحيته -أو قال: رأسه- حتى حول إلى هذا الموضع, وكان بينهما بضع وثلاثون سنة. أخرجه ابن قتيبة والفضائلي.
"شرح" قوله: ندمت ندامة الكسعي: البيت، هكذا رواه أبو عمر والمشهور:
стр. 710
ندمت ندامة الكسعي١ لما ... رأت عيناه ما صنعت يداه
وهو رجل كان ربى نبعة، وهو شجر ينبت في الصخر، واتخذ منها قوسا فرمى به الوحش ليلا فأصاب وظن أنه أخطأ، فكسر القوس، فلما أصبح رأى ما أصمى من الصيد، فندم، فقال الشاعر:
ندمت ندامة الكسعي ... البيت
وقوله: برغمي: في الرغم ثلاث لغات ضم الراء وفتحها وكسرها، تقول: رغم أنفي لله بكسر الغين وفتحها رغمًا ورغمًا، إذا انقدت على كره من نفسك، وفعلت ذلك على الرغم من أنفه ورغم فلان بالفتح: إذا لم يقدر على الانتصاف, وأصله من الرغام بالفتح وهو التراب، يقال: أرغم الله أنفه أي: ألصقه بالرغام، فكأن الفاعل للشيء على كره ملصق أنفه بالرغام لما اتصف به من إذلال نفسه, والشاطئ: الجانب وكذلك الشطء, وتحاص شعره أي: سقط, ورجل أحص بين الحصص: قليل الشعر.
ذكر تاريخ مقتله:
قتل ﵁ يوم الجمل، وكان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين.
ذكر سنه يوم قتل:
وكان له يوم قتل ستون سنة، وقيل: اثنتان وستون، وقيل: أربع
стр. 711
وستون، وقيل غير ذلك. أخرجه ابن قتيبة وأبو عمر وغيرهما.
ذكر ما روي عن علي ﵇ من القول عند موت طلحة:
عن طلحة بن معروف أن عليا انتهى إلى طلحة وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. أخرجه الفضائلي.
стр. 712
الفصل العاشر: في ذكر ولده
وكان له أربعة عشر ولدا؛ عشرة بنين وأربع بنات.
ذكر البنين:
"محمد" وهو السجاد, سمي بذلك لكثرة عبادته, ولد في عهد رسول الله ﷺ فسموه محمدًا وكنوه أبا القاسم، فقيل: إن النبي ﷺ سماه محمدًا وكناه أبا سليمان، وقال: "لا أجمع له بين اسمي وكنيتي" أخرجه الدارقطني, قتل مع أبيه يوم الجمل، وله عقب؛ وكان علي ينهى عنه ويقول: إياكم وصاحب البرنس، فقتله رجل وأنشأ يقول:
وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
أمكنه بالرمح حضني مقبلًا ... فخر صريعًا لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعًا ... عليا ومن لا يتبع الحق يظلم
يناشدني حم والرمح شاجر ... فهلا تلاحم قبل التقدم
"شرح" الحضن: ما دون الإبط إلى الكشح، وحضنا الشيء: جانباه ونواحي كل شيء: أحضانه, شاجر أي: ملابس له، وتشاجر القوم: تطاعنوا، وتشاجروا: تنازعوا، وشجر الأمر بينهم: اختلف.
стр. 713
وروي أن عليا مر به قتيلا فقال: هذا السجاد، قتله١ بره بأبيه, ذكره الدارقطني. وهو وعمران بن طلحة: أمهما حمنة بنت جحش, أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ لا عقب له، وأختهما لأمهما زينب بنت مصعب بن عمير العبدري. قاله الدارقطني، وذكر أن عمران هذا هو الذي قدم على علي بعد الجمل، وسأله أن يرد عليه أموال أبيه، فقربه وترحم على أبيه، وقال: لم نقبض أموالكم إلا لتحفظ عليكم, ثم أمر بتسليمها وتسليم جميع ما استغل منها إليه و"عيسى بن طلحة" وكان ناسكا له عقب، ويحيى وكان من خيار ولده، وله عقب، أمهما سعدى بنت عوف المرية، أخوهما لأمهما المغيرة بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الله بن المغيرة؛ وإسماعيل، وإسحاق, وله عقب, ويعقوب وكان جوادا ممدحا قاله الدارقطني. قتل يوم الحرة، وله عقب، أمهم أم أبان بنت عتبة بن ربيعة وهم بنو خالة معاوية بن أبي سفيان قاله الدارقطني، وموسى: من خيارهم أيضًا، وله نبل وقدر، ووجهه عبد الملك بن مروان إلى شبيب فقتله شبيب بالكوفة, وله عقب, أمه خولة بنت القعقاع بن معبد بن زرارة, أخوه لأمه محمد بن أبي جهم بن حذيفة العدوي قاله الدارقطني؛ وزكريا، ويوسف أمهما: أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وإخوتهما لأمهما عمار وإبراهيم وموسى بنو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي؛ وصالح, أمه الفرعة التغلبية.
ذكر الإناث:
"عائشة" شقيقة زكريا ويوسف, وتزوجها مصعب بن الزبير بن العوام بعد أن كانت حلفت٢: إن تزوجته فهو عليَّ كظهر أمي، فأمرت
стр. 714
بكفارة الظهار، فكفرت ثم تزوجته، وأم إسحاق تزوجها الحسن بن علي و"الصعبة" أمها أم ولد وذكر الدارقطني أن أم أم إسحاق أم الحارث الجرباء بنت قسامة بن حنظلة الطائية، و"مريم" أمها أم ولد. وذكر ذلك كله ابن قتيبة وصاحب الصفوة، وذكره الدارقطني، غير أنه ذكر في أولاده "صالحا" و"عثمان" ولم يثبت ذلك.
стр. 715
الباب السادس: في مناقب الزبير بن العوام
الفصل الأول: في نسبه
...
الباب السادس: في مناقب الزبير بن العوام
وفيه عشرة فصول على نحو من فصول طلحة
الفصل الأول: في نسبه
وقد تقدم ذكر آبائه في باب العشرة في ذكر الشجرة، يجتمع نسبه ونسب رسول الله ﷺ في قصي بن كلاب، وينسب إلى أسد بن عبد العزى بن قصي, فيقال: القرشي الأسدي, أمه صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله ﷺ أسلمت وهاجرت، والنبي ﷺ ابن خاله.
وعن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال له: يا بني، كانت عندي أمك١ وعند رسول الله ﷺ خالتك عائشة، وبيني وبينه من الرحم والقرابة ما قد علمت، وعمة أبي أم حبيبة بنت أسد جدته وأمي عمته، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وجدتي هالة بنت وهب بن عبد مناف، وزوجته خديجة بنت خويلد عمتي. أخرجه البغوي في معجمه.
стр. 716
الفصل الثاني: في اسمه
ولم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام الزبير، ويكنى أبا عبد الله.
стр. 717
الفصل الثالث: في صفته
قال الواقدي: كان الزبير ليس بالطويل ولا بالقصير، إلى الخفة, ما هو خفيف اللحية، أسمر اللون، أشعر، وكان لا يغير١ شيبه.
وعن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير كان طويلا، تخط رجلاه في الأرض إذا ركب الدابة، أزرق, أشعر، وربما أخذت وأنا غلام شعر كنفيه حين أقوم. ذكره ابن قتيبة والبغوي في معجمه وصاحب الصفوة.
стр. 718
الفصل الرابع: في إسلامه, وسنه يوم أسلم
عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن أنه بلغه أن عليا والزبير أسلما, وهما ابنا ثماني سنين.
وعن عروة قال: أسلم الزبير وهو ابن ست عشرة سنة. أخرجه أبو عمر والبغوي.
قال أبو عمر: وقول عروة أصح من قول أبي الأسود.
وقد روي من طريق آخر عن عروة أن الزبير أسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة. أخرجه أبو عمر.
وعن أبي الأسود قال: أسلم الزبير بعد أبي بكر رابعا أو خامسا،
وعنه لما أسلم الزبير كان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه بالنار، ويقول له: ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا. أخرجهما في الصفوة.
وأسلم أخواه١ شقيقاه السائب وأم حبيب ابنا العوام وأمهما صفية، وأسلم أخواه لأبيه عبد الرحمن وزينب ابنا العوام: أمهما أم الخير أميمة بنت مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار بن قصي ولهم إخوة عدد لهم يوقف على إسلامهم وهم: مالك والحارث وصفوان وعبيد الله وبعكل وملك وأصرم وأسد الله وبجير والأسود ومرة وبلال، ومنهم من قتل كافرًا ذكر ذلك الدارقطني, وذكر أن السائب جاهد مع النبي ﷺ واستعمله أبو بكر وقتل يوم اليمامة شهيدًا ولا عقب له ولا رواية، وأن عبد الرحمن بن العوام كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن؛ وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك ولم يسند شيئا، وأم حبيب تزوجها خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام فولدت له أم حسين بنت خالد, وزينب بنت العوام تزوجها حكيم بن حزام، فولدت له عبد الله وخالدًا ويحيى وأم شيبة وفاختة بنت حكيم بن حزام، ولا رواية لها ولا لأختها.
стр. 719
الفصل الخامس: في هجرته
عن أبي الأسود قال: أسلم الزبير وهو ابن ثماني سنين وهاجر وهو ابن ثماني عشرة سنة. ذكره صاحب الصفوة وذكر الدارقطني أنه هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وأنه من المهاجرين الأولين.
стр. 720
الفصل السادس: في خصائصه
ذكر اختصاصه بأنه أول من سل سيفًا في سبيل الله ودعا النبي ﷺ لسيفه:
عن سعيد بن المسيب قال: كان الزبير أول من سل سيفا في سبيل الله فدعا النبي ﷺ له بخير.
وعن هشام بن عروة عن أبيه: أن أول رجل سل سيفه في سبيل الله الزبير، وذلك أنه نفحت نفحة من الشيطان وأخذ رسول الله ﷺ فأقبل الزبير يشق الناس بسيفه والنبي ﷺ بأعلى مكة فقال له رسول الله ﷺ : "ما لك يا زبير?" فقال: أخبرت بأنك أخذت. قال: فصلى عليه ودعا لسيفه. أخرجه أبو عمر، وأخرج الفضائلي معناه عن سعيد بن المسيب، ولفظه: بينا الزبير بمكة إذ سمع نغمة أن النبي ﷺ قد أخذ, فخرج عريانا ما عليه شيء، بيده السيف مصلتا، فتلقاه النبي ﷺ فقال: "ما لك يا زبير?" قال: سمعت أنك قد قتلت قال: "فما كنت صانعا?" قال: أردت والله أن أستعرض أهل مكة, فدعا له النبي ﷺ . وأخرجه صاحب الصفوة كذلك وأخرجه الملاء وزاد بعد قوله "أستعرض أهل مكة": وأجري دماءهم كالنهر, لا أترك أحدًا منهم إلا قتلته حتى أقتلهم عن آخرهم. قال: فضحك النبي ﷺ وخلع رداءه وألبسه، فنزل جبريل وقال: "إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أقرئ مني على الزبير السلام، وبشره أن الله أعطاه ثواب كل من سل سيفا في سبيل الله منذ بعثت إلى أن تقوم الساعة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ لأنه أول من سل سيفا في سبيل الله ".
стр. 721
"شرح" نفحت نفحة: يجوز أن يكون من نفحت الريح إذا هبت, أو من نفح العرق ينفح إذا نزل منه الدم، أو من نفحت الناقة: ضربت برجلها، ونفحه بالسيف: تناوله من بعيد كل هذا يناسبه نفحة الشيطان؛ ويقال: نفح الطيب ينفح إذا فاح، وله نفحة طيبة، ولا يزال لفلان نفحات من المعروف, ونفحة من العذاب: قطعة منه، ونغمة: كلام خفي، يقال منه: نغم ينغم وينغم نغما، وفلان حسن النغمة إذا كان حسن الصوت, مصلتًا: مجردًا وأصلت سيفه: إذا جرده من غمده فهو مصلت بفتح اللام, أستعرض أهل مكة أي: أقتل من جانب، ولا أسأل عن واحد من العرض الجانب, يقال للخارجي: إنه يستعرض الناس أي: يقتلهم ولا يسأل عن مسلم ولا كافر.
ذكر اختصاصه بأنه حواري النبي ﷺ :
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي حواريًّا، وحواريي الزبير" أخرجه البخاري والترمذي ومسلم بزيادة ولفظه: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فندب الزبير ثم ندبهم, فانتدب الزبير فقال النبي ﷺ : "لكل نبي حواري, وحواريي الزبير" وأخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب وقال: حسن صحيح. وأخرجه أحمد عن عبد الله بن الزبير بزيادة ولفظه: "لكل نبي حواري والزبير حواريي وابن عمتي" وأخرجه أبو معاوية ولفظه: "الزبير ابن عمتي, وحواريي من أمتي".
وسمع ابن عمر رجلا يقول: أنا ابن الحواري، فقال: إن كنت ابن الزبير وإلا فلا. أخرجه أبو عمر.
"شرح" الحواري تقدم شرحه في فضائل طلحة, وندب أي: دعا، فانتدب أي: أجاب.
стр. 722
ذكر اختصاصه بنزول الملائكة يوم بدر, عليها عمائم على لون عمامة الزبير:
عن هشام بن عروة عن عبادة بن حمزة بن الزبير قال: كانت على الزبير عمامة صفراء، معتجرًا بها يوم بدر، ونزلت الملائكة عليها عمائم صفراء يوم بدر. أخرجه أبو عمر.
وروي أنه كان يوم بدر على الميمنة وعليه ريطة صفراء، فنزلت الملائكة على سيماه. أخرجه أبو الفرج في مشكل الصحيحين.
"شرح" الاعتجار: لفّ العمامة على الرأس، والمعجر: ما تشده المرأة على رأسها، يقال: اعتجرت المرأة بالمعجر، والمعجرة بالكسر: نوع من العمة، يقال: فلان حسن المعجرة. والريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين, والسيما: العلامة. ويجوز أن يكون والله أعلم إنما نزلت على سيماه؛ لأنه أول حربها فنزلت على سيما أول محارب لله وفي سبيله، وقد تقدم ذلك في هذا الفصل.
ذكر اختصاصه بالقتال بعنزة رسول الله ﷺ يوم بدر:
عن الزبير ﵁ قال: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته في عينه فمات، قال هشام بن عروة: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت، وكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قبض ﷺ أخذها، فطلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم سألها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم سألها عثمان فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت
стр. 723
إلى آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير, فكانت عنده حتى قتل. أخرجه البخاري.
"شرح" قوله: مدجج: يروى بكسر الجيم وفتحها أي: عليه سلاح تامّ, فسمي به لأنه يدج أي: يمشي رويدًا لثقله بالسلاح، وقيل: لأنه يتغطى به من دججت السماء: إذا تغيمت. وقوله: تمطيت أي: تمددت, ومددت مطاي, المطا: الظهر.
ذكر اختصاصه بجمع النبي ﷺ له أبويه يفديه بهما يوم الأحزاب:
عن عبد الله بن الزبير قال: كنت عند الأحزاب أنا وعمر بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان، فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلما رجعت قلت: يا أبة، رأيتك تختلف، فقال: رأيتني يا بني? قلت: نعم، قال: كان رسول الله ﷺ قال: "من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم?" فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: "فداك أبي وأمي" أخرجاه وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
وهذا القول لم ينقل أن النبي ﷺ قاله يوم الأحزاب لغيره.
وأخرج أحمد عنه قال: جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد. والمشهور في ذلك يوم أحد أنه كان لسعد، وسيأتي في خصائصه، ويحتمل أن يكون جمعهما لهما، واشتهر في سعد لكثرة ترديد القول له بذلك.
وقد روي عنه أنه قال: جمع لي رسول الله ﷺ أبويه مرتين، في أحد وفي قريظة.
"شرح" أطم حسان أي: حصنه، تضم وتسكن؛ والجمع آطام، والأجم مثله.
стр. 724
ذكر اختصاصه بالقتال مع النبي ﷺ وهو ابن اثنتي عشرة سنة:
عن عمر بن مصعب بن الزبير قال: قاتل الزبير مع رسول الله ﷺ وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان يحمل على القوم ويقول له: ههنا بأبي أنت وأمي، ههنا بأبي أنت وأمي. أخرجه البغوي في معجمه، وصاحب الصفوة ولم يقل: بأبي وأمي.
ذكر اختصاصه بمرافقة النبي ﷺ إلى وفد الجن:
عن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح في مسجد المدينة، فلما انصرف قال: "أيكم يتبعني إلى وافد الجن الليلة?" فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثًا، فلم يتكلم منهم أحد، فمر بي يمشي وأخذ بيدي, فجعلت أمشي معه وما أجد من مس، حتى خنس عنا نخل المدينة كله وأفضينا إلى أرض بوار, فإذ رجال طوال كأنهم رماح مستثفرو ثيابهم بين أرجلهم فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله ﷺ برجله في الأرض خطا وقال لي: "اقعد في وسطها" فلما جلست فيها ذهب كل شيء كنت أجده، ومضى رسول الله ﷺ وتلا عليهم القرآن حتى طلع الفجر، ثم أقبل حتى مر بي، فقال: "الحق" فجعلت أمشي معه، فمضينا غير بعيد فقال لي: "التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد?" فقلت: يا رسول الله أرى سوادًا كثيرًا، قال: فخفض رسول الله ﷺ بيده الأرض، وأخذ بروثة ثم رمى بها إليهم، وقال: "رشد أولئك من وفد قوم" أخرجه ابن الضحاك في الآحاد والمثاني.
стр. 725
ذكر اختصاصه بكسوة رسول الله ﷺ في طريق الهجرة:
عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لما هاجر لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابًا بيضاء. أخرجه الحميدي في جامعه من الصحيحين.
ذكر اختصاصه بنزول قرآن بسببه:
عن عبد الله بن الزبير أن رجلًا خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال للأنصاري: سرح الماء يمر, فأبى عليه فاحتكموا عند النبي ﷺ فقال النبي ﷺ للزبير: "اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك" فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله, أن كان ابن عمتك? فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "يا زبير, اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر" فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ ١ الآية, أخرجاه, وعند البخاري: فاستوعى رسول الله ﷺ للزبير حينئذ حقه.
وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ٢ الآية, وذلك أن خبيبًا أخرجه المشركون ليقتلوه فقال: دعوني حتى أصلي ركعتين، فتركوه حتى صلى ركعتين، ثم قال: لولا أن يقولوا: جزع لزدت، وأنشأ يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي
فصلبوه حيا، فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس حوالي أحد يبلغ رسولك مقامي، فأبلغه سلامي، ثم رموه بسهم وطعنوه برمح، فبلغ
стр. 726
النبي ﷺ خبره فقال: "أيكم يحتمل خبيبًا من خشبته وله الجنة?" فقال الزبير: أنا وصاحبي المقداد. فخرجا يسيران الليل والنهار حتى وافيا المكان، فإذا حول الخشبة أربعون رجلا نياما، وإذا هو رطب لم يتغير منه شيء بعد أربعين يوما، فحمله الزبير على فرسه وسار فلحقه سبعون منهم، فقذف خبيبًا فابتلعته الأرض، وقال: ما جرأكم علينا يا معشر قريش? ثم رفع العمامة عن رأسه، وقال: أنا الزبير بن العوام، وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد الأسود، أسدان رابضان، إن شئتم ناضلتم وإن شئتم نازلتم، وإن شئتم انصرفتم فانصرفوا، فقدموا على رسول الله ﷺ وعنده جبريل فقال: يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك، ونزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ هذا أحد خمسة أقوال في سبب نزولها، وهو قول ابن عباس والضحاك. الثاني: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وروي عن علي وعمر. الثالث: في صهيب الرومي. الرابع: في المهاجرين والأنصار، قاله قتادة. الخامس: في المهاجرين خاصة, قاله الحسن.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ نزلت في سبعين منهم أبو بكر والزبير, وقد سبق ذكر ذلك. أخرجه أبو الفرج في أسباب النزول.
стр. 727
الفصل السابع: في شهادة النبي ﷺ له بالجنة
وقد تقدم ذلك في باب العشرة من حديث عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد, وتقدم في فصل الشهادة لطلحة بالجنة قوله ﷺ : "طلحة والزبير جاران في الجنة".
стр. 728
الفصل الثامن: في ذكر نبذ من فضائله
قال أبو عمر وغيره: شهد الزبير بدرًا والحديبية والمشاهد كلها، لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى الذين قال عمر فيهم: توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهاجر الهجرتين١، وفيه يقول حسان بن ثابت:
أقام على عهد النبي وهديه ... حواريه والقول بالفعل يعدل
أقام على منهاجه وطريقه ... يوالي ولي الحق والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يوم محجل
له من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذب الزبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجزل
إذا كشفت عن ساقها الحرب هشَّها ... بأبيض سباق إلى الموت يرقل
فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل
ثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يابن الهاشمية أفضل
"شرح" الهدي بفتح الهاء وإسكان الدال: السيرة، يقول: ما أحسن هديه أي: سيرته, والحواري: تقدم تفسيره, مؤثل أي: مؤصل والتأثيل والتأصيل بمعنًى، يقال: مجد أثيل أي: أصيل, وكشفت الحرب عن ساقها أي: اشتدت, ومنه: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: عن شدة، وكذلك قامت على ساق, هشها لعله من الهش: الجمع والكسب، والهياشة مثل الحياشة، وهو ما جمع من المال واللباس فكأنه يجمع الناس ويكشفهم بسيفه, والأبيض: السيف والجمع: البيض, والإرقال: ضرب من السير نحو الخبب, ويذبل: اسم جبل.
ذكر شهادة النبي ﷺ له بالشهادة:
تقدم حديث هذا الذكر بطرقه في باب ما دون العشرة وهو حديث
стр. 729
تحرك حراء, وقوله ﷺ : "اثبت؛ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" خرجه مسلم.
وخرج صاحب الكوكب عن النبي ﷺ أنه قال: "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض, فلينظر إلى الزبير" وعلم عليه بعلامة ابن أبي شيبة.
ذكر شهادة عمر أنه ركن من أركان الإسلام:
عن سطيع بن الأسود قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الزبير ركن من أركان الإسلام. أخرجه ابن السري.
ورفعه ابن عمر إلى النبي ﷺ ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ : "الزبير بن العوام ركن من أركان المسلمين" أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر شهادة عثمان بأنه خيرهم, وأحبهم إلى رسول الله ﷺ :
عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد حتى حبسه عن الحج وأوصى, فدخل رجل من قريش فقال: استخلف، فقال: نعم, قال: ومن؟ قال: فسكت، فدخل عليه رجل أحسبه الحارث فقال: استخلف، فقال عثمان: وقالوا? قال: نعم قال: فمن هو? قال: فسكت، قال: فلعلهم قالوا الزبير؟ قال: نعم قال: أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت, وإن كان لأحبهم إلى رسول الله ﷺ .
وفي رواية أنه قال: والله إنكم لتعلمون أنه خيركم. أخرجه البخاري والبغوي وقال: أما والذي نفسي بيده ... إلى آخره، وزاد ثلاث مرات.
стр. 730
ذكر ما جاء عن سعد بن مالك وسعيد بن المسيب في الحث على محبته والزجر عن بغضه, تقدم حديثهما في نظيره من فصل فضائل عثمان, ذكر ثناء ابن عباس عليه:
تقدم في فضائل طلحة؛ لأن الثناء كان عليهما جميعا، والله أعلم.
ذكر إبلائه يوم اليرموك:
عن عروة أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك? فحمل عليهم فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر، قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير قال عروة: وكان معه عبد الله وهو ابن خمس سنين, فحمله على فرس ووكل به. أخرجه البخاري.
واليرموك: موضع بناحية الشام.
ذكر أنه من الذين استجابوا لله والرسول:
عن عروة عن عائشة ﵂ قالت لي: أبوك -والله- من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. أخرجه مسلم، وزاد في رواية: تعني أبا بكر والزبير.
وعنها قالت: يابن أختي، كان أبوك -تعني أبا بكر- والزبير من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح.
قالت: لما انصرف المشركون من أحد، وأصاب أصحاب رسول الله ﷺ ما أصابهم فخاف ﷺ أن يرجعوا، فقال: "من ينتدب لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا أن بنا قوة" فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين, فخرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم فانصرفوا, قالت: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يقاتلوا عدوا. أخرجه البخاري.
стр. 731
ذكر ما كان في جسده من الجراح:
عن عروة قال: أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل، فقال: يا بني ما من عضو إلا وقد جرح مع رسول الله ﷺ حتى انتهى ذلك إلى فرجه. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
وعن علي بن زيد قال: أخبرني من رأى الزبير, وإن في صدره لأمثال العيون من الطعن والرمي. أخرجه صاحب الصفوة والفضائلي.
وعن بعض التابعين قال: صحبت الزبير في بعض أسفاره، فأصابته جنابة وكنا بأرض قفر، فقال لي: استرني حتى أغتسل، قال: فسترته، فحانت مني التفاتة فرأيته مجدعا بالسيوف, فقلت له: والله لقد رأيت بك آثارا ما رأيتها بأحد قط، قال: أوقد رأيتها? قلت: نعم, قال: أما والله ما فيها جراحة إلا مع رسول الله ﷺ وفي سبيل الله. أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر ذَبِّه عن وجه رسول الله ﷺ وهو نائم, وما ترتب على ذلك:
عن عمر بن الخطاب قال: رأيت رسول الله ﷺ وقد نام، فجلس الزبير يذب عن وجهه حتى استيقظ، فقال له: "يا أبا عبد الله لم تزل?" قال: لم أزل، أنت بأبي وأمي قال: "هذا جبريل يقرئك السلام ويقول: أنا معك يوم القيامة حتى أذب عن وجهك شرر جهنم" أخرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين الطوال.
ذكر قوله ﷺ لابن الزبير: "يابن أخي" فأثبت له وصف الأخوة:
عن سليمان قال: دخلت على النبي ﷺ وعنده عبد الله بن الزبير, ومعه طشت يشرب ما فيه فقال له النبي ﷺ : "ما شأنك يابن
стр. 732
أخي?" ثم ذكر باقي الحديث, وسيأتي في مناقبه من حديث ابن الغطريف.
ذكر ورعه:
عن عبد الله بن الزبير قال: قلت للزبير: ما يمنعك أن تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث عنه أصحابه? قال: أما والله لم أفارقه منذ أسلمت، ولكني سمعته يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه البخاري.
وفي رواية: والله لقد كان لي منه منزلة ووجهة، ولكني سمعته يقول, وذكر الحديث.
وفي رواية: لقد نلت من صحابته أفضل ما نال أحد، ولكني سمعته يقول: "من قال عليَّ ما لم أقل تبوأ مقعده من النار" فلا أحب أن أحدث عنه. أخرجهما البغوي في معجمه.
"شرح" الوجهة: الجاه والعز, "فليتبوأ مقعده من النار" أي: لينزل منزلته منها, قال: بوأه الله منزلا أي: أسكنه إياه, والمباءة: المنزل.
ذكر صلته وصدقته:
وعن أم درة قالت: بعث الزبير إلى عائشة بغرارتين, تبلغ الواحدة منهما ثمانين ومائة ألف درهم.
وعن كعب قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فما كان يدخل منها بيته درهم واحد؛ كان يتصدق بذلك كله. أخرجه أبو عمر وأخرجه الفضائلي وقال: فكان يتصدق بقسمه كل ليلة، ويقوم إلى منزله ليس معه منه شيء.
وأخرج الطائي عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: كان للزبير
стр. 733
وذكره. وعن جويرية قالت: باع الزبير دارًا له بستمائة ألف، قال: فقيل له: يا أبا عبد الله غبنت قال: كلا، والله لتعلمن أني لم أغبن؛ هي في سبيل الله. أخرجه في الصفوة.
ذكر أنه كان من أكرم الناس على عهد رسول الله ﷺ :
عن ابن إسحاق السبيعي قال: سألت مجلسا فيه أكثر من عشرين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ : من كان أكرم الناس على عهد رسول الله ﷺ ? قالوا: الزبير وعلي بن أبي طالب ﵄. أخرجه الفضائلي.
ذكر سماحته في بيعه:
قال أبو عمر: كان الزبير تاجرًا مجدودًا في التجارة، فقيل: بم أدركت في التجارة? قال: لأني لم أشتر معيبا, ولم أرد ربحا, والله يبارك لمن يشاء.
"شرح" مجدودا أي: محظوظًا، والجد: الحظ، والجديد: الحظيظ، فعيل بمعنى مفعول.
ذكر شهادة الحسن بن علي بكفاءة نسبه لنسبهم:
عن هشام بن عروة عن أبيه أن حسن بن علي أوصى في وصيته: أن تزوجوا إلى آل الزبير وزوجوهم، فإنهم أكفاؤكم من قريش. أخرجه أبو معاوية.
وفيه دليل على اعتبار الكفاءة في النسب، وأن قريشا ليسوا أكفاء لبني هاشم، وإلا لما كان في التخصيص فائدة.
ذكر إثبات رخصة عامة للمسلمين بسببه:
عن أنس ﵁ أن الزبير وعبد الرحمن بن عوف شكيا إلى
стр. 734
رسول الله ﷺ القمل في غزاة لهما؛ فرخص لهما في قميص الحرير، فرأيت على كل واحد منهما قميص حرير.
وعنه رخص رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في السفر؛ لحكة كانت بهما. أخرجهما مسلم, ويشبه أن تكون الرخصة للحكة والقمل جمعًا بين الحديثين.
ذكر من أوصى إلى الزبير من أصحاب رسول الله ﷺ :
عن عروة بن الزبير أن ابن مسعود وعثمان والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف ومطيع بن الأسود أوصوا إلى الزبير بن العوام. أخرجه ابن الضحاك.
стр. 735
الفصل التاسع: في مقتله وما يتعلق به , ذكر كيفية قتله ومن قتله وأين قتل
قال أبو عمر: شهد الزبير يوم الجمل فقاتل فيه ساعة، فناداه علي وانفرد به فذكره أن رسول الله ﷺ قال له وقد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض: "أما إنك ستقاتل عليا وأنت له ظالم" فذكر الزبير ذلك وانصرف عن القتال راجعًا إلى المدينة, قادمًا مفارقا للجماعة التي خرج فيها، فأتبعه ابن جرموز عبد الله ويقال: عمير ويقال: عمر ويقال: عميرة السعدي فقتله بموضع يعرف بوادي السباع، وجاء برأسه إلى علي، فقال علي رضى الله عنه: بشر قاتل ابن صفية بالنار.
وعن أبي الأسود الدؤلي قال: لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض، خرج علي على بغلة رسول الله ﷺ فنادى: ادعوا الزبير, فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال علي: يا
стр. 736
زبير نشدتك بالله, أتذكر يوم مر بك رسول الله ﷺ في مكان كذا وكذا وقال: "يا زبير أتحب عليا?" قلت: ألا أحب ابن خالي وعلى ديني؟! فقال: "يا علي، أتحبه?" قلت: يا رسول الله ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني?! فقال: "يا زبير لتقاتلنه, وإنك له ظالم"؟ قال: نعم، والله لقد أنسيته منذ سمعته من رسول الله ﷺ ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك. فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله وقال: ما لك? قال: قد ذكرني علي حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ يقول: "لتقاتلنه وأنت له ظالم" ولا أقاتله، ثم رجع منصرفا إلى المدينة، فرأى عبد الله بن جرموز، فقال: أي ها تورش بين الناس ثم تتركهم? والله لا نتركه، فلما لحق بالزبير ورأى أنه يريده، أقبل عليه الزبير فقال له ابن جرموز: اذكر الله، فكف عنه الزبير حتى فعل ذلك مرارًا، فقال الزبير: قاتله الله، يذكر بالله وينساه، ثم غافصه ابن جرموز فقتله. أخرجه الفضائلي وغيره.
"شرح" أي ها بمعنى كيف, والتوريش: التحريش، تقول: ورشت بين القوم وأرشت, وغافصه أي: أخذه على غرة.
قال أبو عمر: ويروى أن الزبير لما انصرف لقيه النغر -رجل من بني مجاشع- فقال: أين تذهب يا حواري رسول الله ﷺ ? إليَّ فأنت في ذمتي لا يوصل إليك، فأقبل معه، فلحقه عميرة بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع في غزاة من غزاة بني تميم، فلقوه مع الثغر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة وحمل عليه الزبير وهو على فرس يقال له: ذو الخمار، حتى ظن أنه قاتله, نادى صاحبيه: يا نفيع، يا فضالة فحملوا عليه حتى قتلوه. قال أبو عمر: وهذا أصح مما تقدم.
стр. 737
وعن عبد العزيز السلمي قال: لما انصرف الزبير يوم الجمل سمعته يقول:
ولقد علمت لو أن علمي نافعي ... أن الحياة من الممات قريب
فلم ينشب أن قتله ابن جرموز. أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر تاريخ مقتله, وسنه يوم قتل:
قيل: كان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وفي ذلك اليوم كانت وقعة الجمل، وسنه يومئذ سبع وستون سنة، وقيل: ست وستون, ذكره أبو عمر. وقيل: أربع وستون، وقيل: ستون، وقيل: إحدى وستون, ذكره البغوي في معجمه. وقيل: خمس وسبعون، وقيل: بضع وخمسون, ذكره صاحب الصفوة والرازي.
ذكر ما قاله علي ﵇ لقاتل الزبير:
تقدم في كيفية قتله طرف منه.
قال أبو عمر: روي أنه لما جاء قاتل الزبير عليًّا برأس الزبير، لم يأذن له وقال للآذن: بشره بالنار.
وعن زر قال: استأذن ابن جرموز على علي وأنا عنده، فقال: بشر قاتل ابن صفية بالنار. أخرجه صاحب الصفوة.
ذكر وصيته:
عن عبد الله بن الزبير قال: جعل الزبير يوم الجمل يوصيني بدينه ويقول: إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه بمولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة من مولاك? قال: الله تعالى، فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه، فيقضيه, وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال يستودعه إياه فيقول
стр. 738
الزبير: لا ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة قال عبد الله: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائة ألف؛ فقتل ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين بعتهما وقضيت دينه، فقال بنو الزبير: ميراثنا؛ قلت: والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. فجعل كل سنة ينادي؛ فلما انقضت أربع سنين قسم بينهم، وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجمع مال الزبير خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
وعن عبد الله أنه لقيه حكيم بن حزام فقال: يابن أخي، كم على أخي? فكتمه، وقلت: مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع هذا، قال: فقال عبد الله: أرأيت إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف? قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي، وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قال: من كان له على الزبير شيء فليوافنا على الغابة. قال: فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربعمائة ألف؛ قال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا قال: إن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم؛ قال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة، قال عبد الله: من ههنا إلى ههنا، قال: فباع عبد الله منها فقضى دينه وأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف قال: فقدم على معاوية, وعنده عمر بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن ربيعة, قال: فقال له معاوية: كم قومت الغابة? قال: كل سهم بمائة ألف، قال: كم بقي منه? قال: أربعة أسهم ونصف، قال المنذر بن الزبير: أخذت منها سهما بمائة ألف، وقال عمر بن عثمان: أخذت منها سهما بمائة ألف؛ وقال ابن ربيعة: أخذت منها سهما بمائة ألف, فقال معاوية: كم بقي؟ قال: سهم ونصف، قال: قد أخذته بخمسين ومائة ألف، قال: فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا، قال: لا والله، ثم ذكر معنى ما تقدم. أخرجهما البخاري, وذكر القلعي أن تركته بعد قضاء دينه سبعة وخمسون ألف ألف وستمائة ألف.
وعن عروة بن الزبير أن الزبير أوصى بثلث ماله ولم يدع دينارا ولا درهما. أخرجه البغوي في معجمه.
стр. 739
الفصل العاشر: في ذكر ولده
وكان له عشرون ولدًا، أحد عشر ذكرًا وتسع إناث.
ذكر الذكور:
عبد الله، وكان يكنى أبا بكر، ويكنى أيضًا أبا خبيب بابنه خبيب.
عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: أول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير، أتوا به النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ تمرة فلاكها ثم أدخلها في فيه, فأول ما دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ .
وعن فاطمة بنت المنذر وهشام بن عروة بن الزبير قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت وهي حبلى بعبد الله بن الزبير فقدمت قباء فنفست عبد الله بقباء، ثم خرجت حتى أتت به رسول الله ﷺ ليحنكه, فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه في حجره، قالا: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها -يعني تمرة- قبل أن نجدها، فمضغها١ ثم بصقها في فيه؛ فإن أول شيء دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ قالت أسماء: ثم مسحه وصلى٢ عليه، وسماه عبد الله، ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمانٍ ليبايع رسول الله ﷺ وأمره بذلك الزبير, فتبسم
стр. 740
رسول الله ﷺ حين رآه مقبلًا، ثم بايعه. أخرجهما البخاري.
وقال أبو عمر: كناه رسول الله ﷺ بكنية جده أبي أمه، وسماه باسمه ودعا له، وبارك عليه، وشهد١ الجمل مع أبيه وخالته، وكان فصيحًا ذا أنفة، أطلس، لا لحية له، ولا شعر في وجهه، وكان كثير الصوم والصلاة, شديد البأس، كريم الجدات والأمهات والخالات, وبويع له بالخلافة سنة أربع وستين، وقتل سنة خمس وستين بعد موت معاوية بن يزيد، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وحج بالناس ثماني حجج؛ وذكر صاحب الصفوة في صفته أنه كان إذا صلى كأنه عود من الخشوع. قال مجاهد: وكان إذا سجد يطول حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذما, قاله يحيى بن ثابت.
"شرح" الجذم: أصل الشيء، والجذمة: القطعة من الجبل ونحوه.
وقال ابن المنكدر: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة, تصفقه الريح.
وعن عمر بن قيس عن أمه قالت: دخلت على ابن الزبير بيته وهو يصلي فسقطت حية من السقف على ابنه، ثم تطوقت على بطنه وهو نائم فصاح أهل البيت، ولم يزالوا بها حتى قتلوها، وابن الزبير يصلي ما التفت ولا عجل، ثم فرغ بعدما قتلت الحية فقال: ما بالكم? فقالت زوجته: رحمك الله أرأيت إن كنا هُنَّا عليك, يهون عليك ابنك?!
وعن محمد بن حميد قال: كان عبد الله بن الزبير يحيي الدهر أجمع