← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8660

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط المجلس الأعلى

ابن جني

Полный текст (817 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والبِشَارَة: حسن البَشَرَة، قال أبو إسحاق: قيل لما يُفْرَح به بِشارة؛ لأن الإنسان إذا فرح حسنت بَشَرته. فإن قيل: فإن البَشَرة قد يبين عليها الحسن تارة والقبح أخرى، فكيف خُص به هاهنا حسنها دون قبحها؟ قيل: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس المطلق على جميع أجزائه المختلفة، ألا تراهم قالوا: لفلان خُلُق فخصوه بالمدح، وإن كان الخلق يكون قبيحًا كما يكون حسنًا؟ وقالوا للكعبة: بيت الله، والبيوت كلها لله، فخصوا باسم الجنس أشرف أنواعه. وقالوا: فلان متكلم، يعنون به صاحب النظر، والناس كلهم متكلمون. وأما "بُشْرَى" على فُعْلَى فمنصوبة على الحال أيضًا؛ أي: مُبِشِّرات على ما مضى. وفي "نَشَرًا" فعلى حذف المضاف؛ أي: ذوات نشر، والنَّشَر أن تنتشر الغنم بالليل فترعى، فهذا على تشيبه السحاب في انتشاره وعمومه من هاهنا ومن هاهنا بالغنم إذا انتشرت للرعي. ومن ذلك قراءة علي ﵇ وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة والجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء: "وَيَذَرَكَ وَإلَاهَتَكَ"١. وقرأ: "ويَذَرْكَ" -بإسكان الراء- الأشهب. وقرأ: "ويذرُك"٢ نعيم بن ميسرة والحسن بخلاف. قال أبو الفتح: أما "إلَاهَتَك" فإنه عبادتك، ومنه الإله؛ أي: مستحق العبادة، وقد سميت الشمس إِلاهَة وأَلاهة٣؛ لأنهم كانوا يعبدونها، ويقال: تَأَلَّه تألهًا. قال رؤبة: سبَّحن واسترجعن من تألهي٤

стр. 247

أي: عبادتي، ويقال: لاهِ أبوك، ولهْ أبوك، ولَهْيَ أبوك ولَهِ أبوك، وفي تصريفها بعض الطول؛ فندعه تخفيفًا. وأما "ويذَرُك" بالرفع فعلى الاستئناف "٦٢و" أي: فهو يذرك. وأما "يذَرْك" بالإسكان فيمن "يذَرُك"، كقراءة أبي عمرو: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ"١. وحكى أبو زيد: "رُسُلْنا" بإسكان اللام استثقالًا للضمة مع توالي الحركات، ولم يسكن أبو عمرو "يَأْمُرُهم" كما أسكن "يأمرُكم"؛ وذلك لخفاء الهاء وخفتها فجاء الرفع على واجبه. وليست الكاف في "يأمركم" بخفِّيه ولا خفيفة خفة الهاء ولا خفاءها، فثقل النطق بها فحذف ضمتَها. ومن ذلك قراءة الحسن: "إنما طَيْرُكُمْ٢ عند الله"٣. قال أبو الفتح: الطير جمع طائر في قول أبي الحسن، وفي قول صاحب الكتاب: اسم للجمع، بمنزلة الجامل والباقر غير مكسَّر. وروينا عن قطرب في كتابه الكبير أن الطير قد تكون واحدًا، كما أن الطائر الذي يقرأ به الجماعة واحد، وعلى أنه قد يكون الطائر جِمَاعًا بمنزلة الجامل والباقر. وأنشد ابن الأعرابي: وبالعثانين وبالحناجر ... كأنه تَهتانُ يومٍ ماطرِ على رءوسٍ كرُءوس الطائر٤ ومن ذلك قراءة الحسن: "عَلَيْهِمُ الْقَمْل"٥ بفتح القاف، وسكون الميم. قال أبو الفتح: "القَمْل" هنا: هو هذا المعروف، ولا يجوز أن يكون تحريف القُمَّل، ولا لغة

стр. 248

فيه، كالجمْل والْجُمَّل في قراءة من قرأ: "حَتَّى يَلِجَ الْجَمْلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"؛ لأن لهذا وجهًا قائمًا معروفًا، وهو هذا القَمْل المعروف. ومن ذلك قراءة الحسن أيضًا: "سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ"١. قال أبو الفتح: ظاهر هذه القراءة مردود؛ لأنه سأُفْعِلُكم من رأيتُ، وأصله: سَأُرْئِيكُم، ثم خففت الهمزة بحذفها وإلقاء حركتها على الراء، فصارت سأُريكم. قالوا: وإذن لا وجه لها، ونحو من هذا قراءته أيضًا: "ولا أَدْرَأْتُكُم به"، إلا أن له وجهًا ما، هو أن يكون أراد: "سأُرِيكم" ثم أشبع ضمة الهمزة فأنشأ عنها واوًا، فصارت "سَأُورِيكم". وقد جاء من هذا الإشباع الذي تنشأ عنه الحروف شيء صالح نثرًا ونظمًا، فمن المنثور قولهم: بينا زيد قائم جاء عمرو، إنما يراد بين أوقات زيد قائم جاء فلان، فأشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفًا. ومثله قول عنترة: يَنْبَاع من ذِفْرَى غَضوب جسرة٢ أراد: ينبع، فأشبع فتحة الباء فنشأت عنها ألف كما ترى، على هذا حمله لنا أبو علي سنة إحدى وأربعين، وقد قال الأصمعي مع ذلك يقال: انباع الشجاع ينباع انبياعًا إذا انخرط ماضيًا من الصف. وأخبرنا أبو علي عن أحمد بن يحيى أنه قال: يقال: جِيء به من حيثُ ولَيْسا٣. ورَوى الفراءُ عن بعضهم أنه سمعه يقول: أكلت لحما شاة، وهو يريد: لحم شاة، فأشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفًا، وهو اعتراض بين المضاف والمضاف إليه علي ضيق الوقت وقصره بينهما. ومنه المسموع عنهم في الصياريف والدراهيم٤، وأنشدنا أبو علي:

стр. 249

وأنني حيثما يسري الهوى بصري ... من حَوْثُما سلكوا أثنى فأَنظور١ يريد: فأنظره، فأشبع الضمة فأنشأ عنها واوًا، هكذا رواه أبو علي يسري من سريت، ورواه ابن الأعرابي "٦٢ ظ": يشري -بالشين معجمة- أي: يُقلق ويحرك الهوى بصري، وما أحسن هذه الرواية وأطرفها! وأنشد غيرهما: عَيْطاء جَمَّاء العِظَام عُطْبولْ ... كأَن في أنيابها القَرَنْفولْ٢ يريد: القَرَنْفُل، فإذا جاز هذا ونحوه نظمًا ونثرًا ساغ أيضًا أن يُتأول لقراءة الحسن: "سأُورِيكُمْ"، أراد: سأُرِيكم وأشبع ضمة الهمزة فأنشأ عنها واوًا، وهو أبو سعيد، والمأثور من فصاحته ومتعالَم قوة إعرابه وعربيته! فهذا مع ما فيه من نظائره أمثل من أن يُتلقي بالرد صِرفًا غير منظور له ولا مسعيٍّ في إقامته. وزاد في احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ، فمُكن الصوت فيه وزاد إشباعه واعتماده، فأُلحقت الواو فيه لما ذكرنا. ومن ذلك قراءة مجاهد: "فَلا تَشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ"٣، وقرأ أيضًا: "فَلا يَشْمَتْ بِيَ الْأَعْدَاءُ". قال أبو الفتح: الذي رويناه عن قطرب في هذا أن قراءة مجاهد: "فَلا تَشْمَتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ" رفع -كما ترى- بفعلهم، فالظاهر أن انصرافه إلى الأعداء، ومحصوله: يا رب، با تُشْمِتْ أنت بي الأعداء، كقراءة الجماعة. فأما مع النصب فإنه كأنه قال: لا تَشْمَتْ بي أنت يا رب، وجاز هذا كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ٤ ونحوه مما يجري هذا المجرى، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلًا نصب به الأعداء٥، فكأنه قال: لا تُشْمِتْ بي الأعداء، كقراءة الجماعة.

стр. 250

ومن ذلك قراءة أبي وَجْزَة السعدي: "هِدْنا إليك"١. قال أبو الفتح: أما "هُدْنا" بضم الهاء مع الجماعة فتُبْنَا، والْهُود: جمع هائد؛ أي: تائب. وأما "هِدْنا" بكسر الهاء في هذه القراءة فمعناه انجذبنا وتحركنا، يقال: هادَني يهيدُني هيْدًا؛ أي: جذبني وحركني، فكأنه قال: إنا هِدْنا أنفسنا إليك٢، وحركناها نحو طاعتك. قال: أَلِمَّا عليها فانعَيانِيَ وانظرا ... أينصتها أم لا يُهيِّدُها ذِكْري أي: أم لا يهيجها ويهزها ذكري، ومنه قولهم في زجر الإبل: هِيد؛ أي: أسرعي. قال ذو الرمة: إذا حداهن بهيدٍ هِيدِ ... صفحْن للأزرار بالخدود٣ ومن ذلك قال ابن رومي٤: حدثني أحمد بن موسى، وحدثني الثقة عنه أنه قرأ: "النَّبِيَّ الْأَمِّيَّ"٥ بفتح الهمزة، يقول: يأْتم به مَنْ قبله. قال أبو الفتح: هذا منسوب إلى مصدر أَمَمت الشيء أَمًّا، كقولك: قصدته قصدًا، ثم أضيف إليه ﵇، هذا على هذا التفسير الذي سبق ذكره. وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد الأُمي بضم الهمزة كقراءة الجماعة، ثم لحقه تغيير النسب، كقولهم في الإضافة إلى أُميَّة: أَموى، بفتح الهمزة، وكقولهم في الدهر: دُهْرِي، وفي الأمس: إِمْسِي، وفي الأفق: أَفَقِي بفتح الهمزة، وهو باب كبير واسع عنهم.

стр. 251

ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو١ الأسواري: "أُصيبُ به مَن أَسَاءَ"٢. قال أبو الفتح: هذه القراءة أشد إفصاحًا بالعدل من القراءة الفاشية التي هي: "مَن أشاء"؛ لأن العذاب "٦٣و" في القراءة الشاذة مذكور علة الاستحقاق له، وهو الإساءة، والقراءة الفاشية لا يُتناول من ظاهرها علة أصابة العذاب له، وأن ذلك لشيء يرجع إلى الإنسان، وإن كنا قد أحطنا علمًا بأن الله تعالى لا يظلم عباده، وأنه لا يعذب أحدًا منهم إلا بما جناه واجترمه على نفسه، إلا أنا لم نعلم ذلك من هذه الآية؛ بل من أماكن غيرها. وظاهر قوله تعالى: ﴿مَنْ أَشَاء﴾ بالشين معجمة ربما أوهم من يضعف نظره من المخالفين أنه يعذب من يشاء من عباده، أساء أو لم يسئ، نعوذ بالله من اعتقاد ما هذه سبيله، وهو حسبنا وولينا. ومن ذلك قراءة الجحدري وسليمان التيمي وقتادة: "وعَزَرُوه"٣ خفيفة الزاي. قال أبو الفتح: مشهور اللغة في ذلك: عزَّرت الرجل: أي عظمته، وهو مشدد، وقد قالوا: عَزَرتُ الرجل عن الشيء بتخفيف الزاي إذا منعته عن الشيء، ومنه سمي الرجل: عَزْرة؛ فقد يجوز أن يكون "وعزَرُوه" على هذه القراءة؛ أي: منعوه وحجزوا ذكره عن السوء، كقوله: سبحان الله، ألا ترى أن أبا الخطاب فسره فقال: براءة الله من السوء؟ فبرَّأْته من الشيء وحجزته عنه بمعنى واحد. ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن سليمان: "عَشِرة"٤، وقرأ "عشَرة" بفتح الشين بخلاف. قال أبو الفتح: أما "عشِرة" بكسر الشين فتميمية، وأما إسكانها فحجازية. واعلم أن هذا موضع طريف؛ وذلك أن المشهور عن الحجازيين تحريك الثاني من الثلاثي إذا كان مضمومًا أو مكسورًا، نحو: الرسُل والطنُب والكبِد والفخِذ، ونحو: ظرُف وشرُف وعلِم وقدِم. وأما بنو تميم فيسكنون الثاني من هذا ونحوه، فيقولون: رُسْل وكُتْب وكَبْد وفَخْذ، وقد ظَرْف وقد عَلْم، لكن القبيلتين جميعًا فارقتا في هذا الموضع من العدد معتاد لغتهما، وأخذت كل

стр. 252

واحدة منهما لغة صاحبتها وتركت مألوف اللغة السائرة عنها، فقال أهل الحجاز: اثنتا عشْرة بالإسكان، والتميميون عشِرة بالكسرة. وسبب ذلك ما أذكره؛ وذلك أن العدد موضع يَحْدث معه ترك الأصول، وتُضم فيه الكلم بعضه إلى بعض، وذلك من أحد عشر إلى تسعة عشرة، فلما فارقوا أصول الكلام من الإفراد وصاروا إلى الضم فارقوا أيضًا أصول أوضاعهم ومألوف لغاتهم، فأسكن من كان يحرك، وحرك من كان يسكن، كما أنهم لما حذفوا هاء حنيفة للإضافة حذفوا معها الياء، فقالوا: حنفي، ولما لم يكن في حنيف هاء تحذف فتحذف لها الياء قالوا فيه: حنيفي، كقولهم: الجاه، وأصله عندنا الوجه، فقلبوه فقدموا العين على الفاء، وكان قياسه أن يقولوا: جَوْه، إلا أنهم لما قلبوا شجُعوا عليه فغيروا بناءه. فأصاروه من جَوْه إلى جَوَه، فانقلبت الواو التي هي فاء في موضع العين ألفًا لانفتاح ما قبلها وحركتها، فصارت جاه كما ترى. وحسَّن ذلك لهم أيضًا ما أذكره؛ وهو أنهم قد علموا أنهم إذا حركوا الواو وقبلها فتحة انقلبت ألفًا وهي "٦٣ظ" ساكنة كما تعلم أبدًا، فصار عودهم إلى سكون الحرف مسوغًا لهم تحريكه المؤدي إلى سكونه، حتى كأنهم لم يحدثوا في الحروف حدثًا. فإن قيل: فهلا أقروا الواو على سكونها، واستغنوا بذلك عن تحريكها المؤدي إلى سكون الحرف المنقلب عنها وهو الألف. قيل: الذي فعلوه أصنع؛ وذلك أنهم إذا قلبوه ألفًا صار بمنزلة وجود الحركة فيه؛ لأن الألف في نحو هذا لا تنقلب إلا عن حركة وهي مع هذا ساكنة، فاجتمع لهم في الألف أمران: أحدهما: تحريك الساكن لما عَرَض لهم هناك في القلب على عادتهم في إلحاق التحريف١ بعضه ببعض. والآخر: سكون الألف لفظًا مع ما قدمناه من اعتقاد تحريكها معنى. وإذا أدى الحرف الساكن مع خفته تأدية المحرَّك على ثقله، فتلك صنعة مأْنوس بها مُعْتَمَدٌ مثلها، وما لحقه تغيير ما فدعا ذاك إلى إلحاقه تغييرًا ثانيًا كثير في اللغة جدًّا، ألا ترى إلى أحد قولي سيبويه في أَينُق: إن الياء فيها بدل من الواو التي هي عين في أصل الكلمة؛ وذلك أن أصلها أَنْوُق، وقد حكاها الفراء فيما رويناه عنه، فقدمت العين على الفاء فصار تقديرها أونق، فلما تقدمت العين على الفاء فتوهنت بذلك قلبوها ياء فقالها: أينق، وكذلك لما أَعلُّوا

стр. 253

فاء الفعل من اتقى بأن أبدلوها تاء وأدغموها في تاء افتعل أعلُّوها أيضًا بالحذف، فقالوا: تَقَى يَتْقِي. ومثله ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر١: قَصَرْتُ له القبيلة إذا تَجهْنا ... وما ضافت بشدته ذراعي فيمن رواه بفتح الجيم٢، ألا ترى أن وزنه افتعلنا من الوجه اوتَجَهْنا، فلما أُبدلت الواو تاء وأدغمت في تاء افتعل فصارت اتجه، شجُعوا على أن حذفوها أيضًا فقالوا: تَجَه؟ فوزن تَجَه الآن على لفظه تَعَل، ومضارعه يتَجِه، ومثاله يتَعِل، وكذلك تَقَى فَعَل، والجاه وزنه على اللفظ بسكون الألف عَفْل، وهو قبل القلب عَفَل؛ لأنه صار من جَوْه إلى جَوَه، وأصله الأول فعْل لأنه وَجْه، ولولا إشفاقي من الإطالة لبسطت هذا ونحوه بسطًا يونِقُ عارفيه وأهله، وفيما ذكرنا دليل على ما أُغفل. وأما "اثنتا عشَرة" بفتح الشين فعلى وجه طريف؛ وذلك أن قوله: "اثنتي" يختص بالتأنيث، و"عشَرة" بفتح الشين تختص بالتذكير، وكل واحد من هذين يدفع صاحبه. وأقرب ما تُصرف هذه القراءة إليه أن يكون شبَّه اثنتي عَشَرة بالعقود ما بين العشرة إلى المائة، ألا تراك تقول: عشرون وثلاثون، فتجد فيه لفظ التذكير ولفظ التأنيث؟ أما التذكير فالواو والنون، وأما التأنيث فقولك: ثلاث من ثلاثون؛ ولذلك صلحت ثلاثون إلى التسعين للمذكر والمونث فقلت: ثلاثون رجلًا وثلاثون امرأة، وتسعون غلامًا وتسعون جارية، فكذلك أيضًا هذا الموضع. ألا تراه قال تعالى: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ ؟ ٣ فـ"أَسْبَاطًا" يؤذن بالتذكير، و"أمم" يؤذن بالتأنيث، وهذا واضح. وحَسُن تشبيه اثنتي عشرة "٦٤و" برءوس العقود دون المائة من حيث كان إعراب كل واحد منهما بالحرف لا بالحركة، وذلك اثنتا عشْرة واثنتي عشْرة، فهذا نحو من قولهم: عشرون وعشرين، وخمسون وخمسين، وتسعون وتسعين، فافهمه. ومما يدلك على أن ضم أسماء العدد بعضها إلى بعض يدعو إلى تحريفها عن عادة استعمالها قولهم: أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وكان قياس أربع وأربعة وخمس وخمسة أن يكون

стр. 254

هذا أَحد وأَحَدة، أفلا ترى إلى إحدى -وهي فِعْلَى وأصلها وِحْدى- كيف عاقبت في المذكر فعلًا، وهو أحد وأصله وَحَد؟ فأما إحدى وعشرون إلى التسعين فإنه لما سبق التحريف إليها في إحدى عشرة ثبت فيها فيما بعد. ومن ذلك ما رواه قتادة عن الحسن: "وقولوا حِطَّةً"١ بالنصب. قال أبو الفتح: هذا منصوب عندنا على المصدر بفعل مقدر؛ أي: احْطُطْ عنا ذنوبنا حِطَّةً. قال: واحطُط إلهي بفضلٍ منك أوزاري ولا يكون "حطة" منصوبًا بنفس قولوا؛ لأن قلت وبابها لا ينصب المفرد إلا أن يكون ترجمة الجملة، وذلك كأن يقول إنسان:" لا إله إلا الله، فتقول أنت قلت: حقًّا؛ لأن قوله: لا إله إلا الله حق، ولا تقول: قلت زيدًا ولا عمرًا، ولا قلت قيامًا ولا قعودًا، على أن تنصب هذين المصدرين بنفس قلت لما ذكرته. ومن ذلك قراءة شهر بن حوشب٢ وأبي نهيك٣: "يَعَدُّونَ فِي السَّبْت"٤. قال أبو الفتح: أراد يعتدون، فأسكن التاء ليدغمها في الدال، ونقل فتحتها إلى العين، فصار يعَدُّون، وقد مضى مثله في يَخَصِّف٥. ومن ذلك قراءة أبي جعفر وشيبة وأبي عبد الرحمن والحسن واختلف عن نافع: "بعَذابٍ بِيسٍ"٦ فعل بلا همز، و"بِئْسٍ" وهي قراء السلمي بخلاف، ويحيى وعاصم بخلاف،

стр. 255

والأعمش بخلاف، وعيسى الهمداني. "بَيْئِسٍ" مثل فَيْعِل ابن عباس وعاصم بخلاف. "بَيْئَس" طلحة بن مصرف. وقرأ أبو رجاء: "بائس "، و"بَيَسٍّ" وزن فَعَلٍّ. وقراءة نصر بن عاصم وجُؤيَّة١ بن عائذ: و"بَأْس"٢ ورُوي عن مالك بن دينار أيضًا. و"بَيِّسٍ" وزن فَعِّلٍ، يروى عن نصر بن عاصم أيضًا. و"بئِس " وزن فعِل قراءة زيد بن ثابت و"بِئْس". ومما رويت عن الحسن و"بَيْس "، ورويت عن نافع أيضًا. قال أبو الفتح: أما "بِيس" بغير همز على وزن فِعْل فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أراد مثال فِعْل، فيكون كما جاء من الأوصاف على فِعْل، نحو: نِضْو٣ ونِقْض٤ وحِلْف، وأصله الهمز كقراءة مَن قرأ "بِئْسٍ" بالهمز، إلا أنه خفف فأبدل ياء فصارت "بيس" كبِير وذيبٍ، فيمن خفف. والآخر: أن يكون أراد فَعِلًا، فأصله بَئِس كمَطِر وحَذِر، ثم أسكن ونقل الحركة من العين إلى الفاء كالعبرة فيما كان على فَعِل وثانيه حرف الحلق كفخِذ ونغِر٥ وجئِز٦، فصار إلى بِئس، ثم خفف فقال: بِيس، على ما مضى. وأما "بَئِس" على فَعِل فجاء على قولهم: قد بَئِس الرجل بآسةً: إذا شَجُعَ، فكأنه عذاب مُقدِم عليهم وغير متأخر عنهم. وقد يجوز أيضًا أن يكون "بَئِس" مقصورًا من بئيس كالقراءة "٦٤ظ" الفاشية، كما قالوا في لبيق: لَبق، وفي سيمج سَمج. وأما "بَيْئِس" على فَيْعِل ففيه النظر؛ وذلك أن هذا البناء مما يختص به ما كان معتل العين كسيِّد وهين ودين ولين، ولم يجئ في الصحيح، وكأنه إنما جاء في الهمزة لمشابهتها حرفي العلة، والشبه بينها وبينهما من وجوه كثيرة.

стр. 256

وأما "بَيْسٍ" في وزن جَيْشٍ فطريق صنعته أنه أراد بَئِس، فخفف الهمزة فصارت بين بين؛ أي: بين الهمزة والياء، فلما قاربت الياء ثقلت فيها الكسرة فأسكنها طلبًا للاستخفاف، فصارت في اللفظ ياء، كما خففوا نحو صَيِدَ البعير، فقالوا: صيْدَ وإن كنت العين في صيِد ياء محضة وكانت في بَئِس همزة مخففة، إلا أنه شبهها بياء صَيِد لما ذكرنا من مقاربتها في اللفظ الياء، ونحو من ذلك قول ابن ميادة: فكان يوْميْذٍ لها حكمُها أراد: يومئذ، فخفف فصارت الهمزة بين بين وأشبهت الياء فأسكنها، فقال: "يَوْمَيْذٍ"، فهذا كبَيْسٍ على ما ترى. وقد يجوز أن يكون أراد تخفيف بَيْئِس، فصارت بَيِس ثم أسكن تخفيفًا، كقولهم في عَلِمَ: عَلْم، وفي كلمة: كَلْمة، وفي فَخِذ: فَخْذ، ومثال بيْس على هذا فَيْل. فأما "بائس" فاسم الفاعل من بئِس على ما قدمنا ذكره. وأما "بَيَس"١ فطريف، وظاهر أمره أن يكون جاء على ماضٍ مثالُه فَيْعَل كهَيْنَم٢، ثم خففت الهمزة فيه وأُلقيت حركتها على الياء فصار بَيَس، وجاز اعتقاد هذا الفعل وإن لم يظهر كأشياء تثبت تقديرًا ولا تبرز استعمالًا. وأما "بَيِّس" بتشديد الياء وكسرها، فليس على فَعِّل كما ظن ابن مجاهد؛ بل هو على فَيْعِل تخفيف بيئِس على قول من قال من تخفيف سوءَة: سَوَّة، وفي تخفيف شيء: شيّ، فأبدل الهمزة على لفظ ما قبلها، وعليه قول الشاعر: يعجل ذا القباضة الوحِيَّا ... أن يرفع المئزر عنه شَيَّا٣ فصار بَيِّس كما ترى. وأما "بأْسٍ" فتخفيف بَئِس، كقولك في سَئِم: سأْم، وفي علِم عَلْم. وأما "بَيْس" فالعمل فيه من تخفيف الهمزة ثم إسكانها فيما بعد كالعمل في "بَيْسٍ" وهو يريد الاسم، وقد مضى ذلك.

стр. 257

وأما "بِئِس" فعلى الإتباع مثل: فِخِذ وشِهِد. قال أبو حاتم في قراءة بعضهم: "بِئيَس"، فهذا في الصفة بمنزلة حِذْيم١ فِعْيَل، وكذا مثَّله أبو حاتم أيضًا. وحكى أبو حاتم أيضًا "بِئِيس" كشِعِير وبِعِير، فكسر أوله لكسر الهمزة بعده. وحكى أيضًا فيها "بَئِّس" فَعِّل، وأنكرها فردها ألبتة، وأنكر قراءة الحسن: "بِئْس" وقال: لو كان كذا لما كان بُدٌّ معها من "ما" بئِسما كنعم ما. ومن ذلك قراءة زهير عن خُصَيف: "مِنْ ظُهورهم ذُرِّيئَتَهم"٢ واحدة مهموزة. قال أبو الفتح: هذا يمنع مِن تَأَوُّل الذرية فيمن لم يهمز أنها من الذر أو من ذَرَوت أو من ذَرَيْت، ويقطع بأنها من ذَرَأْتُ؛ أي: خلقتُ. فإن قلت: فهلا أجزْتَ أن تكون من الذَّر وجعلتها فُعْلِيَّة غير أنها همزت كما وجد بخط الأصمعي: قَطًا جؤني٣. قيل: هذا من الشذوذ؛ بحيث لا يُسمع أصلًا، فضلًا عن "٦٥و" أن يتخذ قياسًا. ومن ذلك قراءة السلمي: "وادَّارسُوا ما فيه"٤، وعباس عن الضبي عن الأعمش: "وادَّكَروا ما فيه". قال أبو الفتح: "ادَّارسُوا" تدارسوا، كقوله: "ادَّاركوا"٥، والعمل فيهما واحد، وقد تقدم.

стр. 258

وأما "وادَّكرُوا" فأراد تذكروا، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ ١. ومن ذلك قراءة السُّلمي: "إيَّان مرساها"٢ بكسر الهمزة. قال أبو الفتح: أما "أَيَّان" بفتح الهمزة فَفَعْلان، وبكسرها فِعْلان، والنون فيهما زائدة حملًا على الأكثر في زيادة النون في نحو ذلك. فإن قيل: فهلا جعلتها فَِعَّالا من لفظ أين، قيل: يمنع من ذلك أن أيان ظرفُ زمان وأين ظرف مكان؛ لكنها ينبغي أن تكون من لفظ "أي"؛ لما ذكرناه من اعتبار زيادة النون في نحو هذا. ولأن "أيًّا" استفهام كما أن "أَيان" استفهام، وأن "أَيّ" أين كانت فهي بعض من كل، والبعض لا يخص زمانًا من مكان ولا جوهرًا من حدث، فحملها على "أي" أولى من حملها على أين. وقد كنا قلنا في أي هذه: إنها من لفظ أَوَيْتُ ومعناه. أما اللفظ فلأن باب طويت وشويت أضعاف باب حَيِيت وعَيِيت. وأما المعنى فلأن البعض آوٍ إلى الكل ومتساند إليه، فهي إذن من قوله: يأْوي إلى مُلْطٍ له وكَلْكَلِ٣ يصف البعير يقول: إنه يتساندُ بعضُه إلى بعض، فهو أقوى له، فأصلها على هذا أَوْيٌ، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصارت أَيّ، كقولك: طويت الكتاب طيًّا، وشويت اللحم شَيًّا. ولو سمت رجلًا بأَيّان، فتحت الهمزة أو كسرتها، لم تصرفه معرفة؛ لأنها كحَمْدان وعِمْران، وإن كسَّرت ذلك الاسم على سِرْحان وسَراحين وحَوْمانة٤ وحوامِين قلت: أوايين، فظهرت الواو التي هي عين أَوَيْتُ، كقولك في تكسير ريَّان أو جمعه على مثال مفاعيل: روايِين، تظهر الواو التي هي عينه لزوال علة القلب عنها.

стр. 259

ومن ذلك قراءة ابن عباس: "كأنَّك حفيٌّ بِها"١. قال أبو الفتح: ذهب أبو الحسن في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ إلى أن تقديره: يسألونك عنها كأنك حفي بها، فأخر "عن" وحذف الجار والمجرور للدلالة عليهما، فهذا الذي قدره أبو الحسن قد أظهره ابن عباس، وحذف "عنها" لدلالة الحال عليها، ألا ترى أنه إذا كان حفيًّا بها فمن العرف وجاري عادة الاستعمال أن يُسْأَل عنها، كما أنه إذا سئل عنها فليس ذلك إلا لحفاوته بها؟ وإذا لم يكن بها حفيًّا لم يكن عنها مسئولًا، وكل واحد من حرفي الجر دل عليه ما صحبه فساغ حذفه، وهذا واضح. ومن ذلك قراءة ابن يعمر: "فَمَرَت بِه"٢ خفيفة. قال أبو الفتح: أصله "فمرَّت به" مثقلة، كقراءة الجماعة، غير أنهم قد حذفوا نحو هذا تخفيفًا لثقل التضعيف. وحكى ابن الأعرابي فيما رويناه عنه فيما أحسب: ظنْتُ زيدًا يفعل كذا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ٣ فيمن أخذه من القرار لا من الوقار، وهذا الحذف في المكسور أسوغ؛ لأنه اجتمع فيه مع "٦٥ظ" التضغيف الكسرة، وكلاهما مكروه، وهو قوله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ ٤ أي: ظَلِلْتَ، وقالوا: مَسْتُ يده: أي مَسِسْتُها. وقال أبو زبيد: خلا أن العتاق من المطايا ... أَحسن به فهُن إليه شُوسُ٥ أراد: أحسسن، وهذا وإن كان مفتوحًا فإنه قد حُمل الهمزة والزائدة، فازداد ثقلًا.

стр. 260

وقرأ: "فَمَارتْ به" بألف عبد الله بن عمرو، وهذا من مار يمور: إذا ذهب وجاء، والمعنى واحد، ومنه سُمي الطريق مَوْرا للذَّهاب والمجيء عليه، ومنه الْمُورُ: التراب لذلك. وقرأ ابن عباس: "فاستَمرَّت به "١، ومعناه: مرَّت مكلِّفَة نفسَها ذلك؛ لأن استفعل إنما يأتي في أكثر الأمر لمعنى الطلب؛ كقولك: استطعم أي: طلب الطُّعْم، واستوهب: طلب الْهِبَة، والباب على ذلك. ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: "إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا"٢ نَصْبٌ، "أمثالَكم " نصب. قال أبو الفتح: ينبغي -والله أعلم- أن تكون إن هذه بمنزلة ما، فكأنه قال: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، فأعمل إن إعمال "ما"، وفيه ضعف؛ لأن إن هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص "ما" به، فتجري مجرى ليس في العمل، ويكون المعنى: إنْ هؤلاء الذين تدعون من دون الله إنما هي حجارة أو خشب، فهم أقل منكم لأنكم أنت عقلاء ومخاطبون، فكيف تعبدون ما هو دونكم؟ فإن قلت: ما تصنع بقراءة الجماعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ؟ فكيف يُثبت في هذه ما نفاه في هذه؟ قيل: يكون تقديره أنهم مخلوقون كما أنتم أيها العباد مخلوقون، فسماهم عبادًا على تشبيههم في خلقهم بالناس٣، كما قال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان﴾ ٤، وكما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ٥ أي: تقوم الصنعة فيه مقام تسبيحه.

стр. 261

ومن ذلك قراءة الجحدري: "يُمَادُّونَهم"١. قال أبو الفتح: هو يُفَاعِلونهم من أَمددته بكذا، فكأنه قال: يعاونونهم. ومن ذلك قراءة أبي مِجْلَز٢: "بالغُدُوِّ والإِيصال"٣ بكسر الألف. قال أبو الفتح: هو مصدر آصلنا فنحن مؤصلون؛ أي: دخلنا في وقت الأصيل. قال أبو النجم: فَصَدرت بعد أَصِيل المؤصِل

стр. 262

سورة الأنفال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من ذلك قرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة١ بن مصرف: "يَسأَلونك الأَنْفَالَ"٢. قال أبو الفتح: هذه القراءة بالنصب مؤدية عن السبب للقراءة الأخرى التي هي: ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ، وذلك أنهم إنما سألوه عنها تعرضًا لطلبها، واستعلامًا لحالها: هل يسوغ طلبها؟ وهذه القراءة بالنصب إصراح بالتماس الأنفال، وبيانٌ عن الغرض في السؤال عنها، فإن قلت: فهل يحسن أن تحملها على حذف حرف الجر حتي كأنه قال٣: يسألونك عن الأنفال، فلما حذف عن نصب المفعول، كقوله: أَمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمرت به٤ قيل: هذا شاذ، إنما يحمله الشعر، فأما "٦٦و" القرآن فيُختار له أفصح اللغات، وإن كان قد جاء: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ٥ و ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٦ فإن الأظهر ما قدمناه. ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ احْدَى الطَّائِفَتَيْنِ"٧ يصل ضمة الهاء بالحاء ويسقط الهمزة.

стр. 263

قال أبو الفتح: هذا حذف على غير قياس، ومثله قراءة ابن كثير: "إنها لَحْدَى الكُبَر"١، وقد ذكرنا نحوه، وهو ضعيف القياس، والشعر أَوْلَى به من القرآن. ومن ذلك قراءة مسلمة٢ بن محارب: "وإذ يعِدْكُمُ الله"٣ بإسكان الدال. قال أبو الفتح: أسكن ذلك لتوالي الحركات وثقل الضمة، وقد ذكرنا قبله مثله. ومن ذلك قراءة رجل من أهل مكة، زعم الخليل أنه سمعه يقرأ: "مُرَدِّفين"٤، واختلفت الرواية عن الخليل في هذا الحرف، فقال بعضهم: "مُرُدِّفين"، وقال آخر: "مُرِدِّفين". قال أبو الفتح: أصله "مُرْتَدِفين" مفتعلين من الرَّدْف٥، فآثر إدغام التاء في الدال، فأسكنها وأدغمها في الدال، فلما التقى ساكنان -وهما الراء والدال- حرك الراء لالتقاء الساكنين، فتارة ضمها إتباعًا لضمة الميم، وأخرى كسرها إتباعًا لكسرة الدال. ومثله ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ ٦، ومن كسر الراء فلالتقاء الساكنين، وعليه جاء: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ ، ويجوز فيهما أن تُنقل حركة الحرف الساكن على الساكن قبله فيقول: "مُرَدِّفِين"، "وَجَاءَ الْمُعَذِّرُون" مُفَعِّلين من الاعتذار، على قولهم: عذَّر في الحاجة: أي قصَّر، وأعذر: تقدم. ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "أَمْنَةً نُعَاسًا"٧ بسكون الميم.

стр. 264

قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون "أمْنة" مخففًا من "أمَنة" كقراءة الجماعة، من قِبَلِ أن المفتوح في نحو هذا لا يُسكن كما يُسكن المضموم في المكسور لخفة الفتحة. وأما قوله: وما كل مبتاع ولو سَلْف صَفقُه بِرَاجعِ ما قد فاته بِرِداد١ قال أبو الفتح: فشاذ على أننا قد ذكرنا وجه الصنعة في كتابنا الموسوم بالمنصف٢. ومن ذلك قراءة الناس: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ٣، وقرأ الشعبي٤: "مَا لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ" على معنى: الذي به. قال أبو الفتح: "ما" هاهنا موصولة، وصلتها حرف الجر بما جره، وكأنه قال: ما لِلطَّهور، كقولك: كسوته الثوب الذي لدفع البرد، ودفعت إليه المال الذي للجهاد، واشتريت الغلام الذي للقتال. ألا ترى أن تقديره: ويُنَزِّل عليكم من السماء الماء الذي لأن يطهركم به؛ أي: الماء الذي لطهارتكم أو لتطهيركم به. وهذه اللام في قراءة الجماعة: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ هي لام المفعول له، كقوله: زرتك لتكرمني، وهي متعلقة بزرتك، ولا ضمير فيها لتعلقها بالظاهر. فهي كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ٥، فهي كما ترى متعلقة بنفس "فتحنا" تعلقَ حرف الجر بالفعل قبله. وأما اللام في قراءة من قرأ: "ما لِيُطَهِّرَكم به" أي: الذي للطهارة به، فمتعلقة بمحذوف، كقولك: دفعت إليه المال الذي له؛ أي: استقر أو ثبت٦ له، وفيها ضمير لتعلقها بالمحذوف. وأما لام المفعول له فلا تكون إلا متعلقة بالظاهر نحو: زرته ليكرمني وأعطيته ليشكرني، أو بظاهر يقوم مقام الفعل كقولك: المال لزيد لينتفع به، فاللام في لزيد متعلقة بمحذوف على ما مضى، والتي في قولك: لينتفع به هي لام المفعول له "٦٦ظ"، وهي متعلقة بنفس قولك:

стр. 265

لزيد، تعلقها بالظرف النائب عن المحذوف في نحو قولك: أزيد عندك لتنتفع بحضوره؟ وزيد بين يديك ليُؤْنِسك. فاللام هنا متعلقة بنفس الظرفين اللذين هما عندك وبين يديك. وعلى كل حال، فمعنى القراءة بقوله: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ ، والقراءة بقوله: "مَا لِيطَهَّركم به" يرجعان إلى شيء واحد، إلا أن أشدهما إفصاحًا بأن الماء أُنزل للتطهر به هي قراءة مَن قرأ: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ؛ لأن فيه تصريحًا بأن الماء أنزل للطهارة، وتلك القراءة الشاذة إنما يُعْلَم أنه أُنزل للطهارة به، فالقراءة الأخرى وبغيرها مما فيه إصراح بذلك. وعلى كل حال، فلام المفعول له لا تتعلق بمحذوف أبدًا، إنما تعلقها بالظاهر، فعلًا كان أو غيره مما يُقام مقامه. ومن ذلك قراءة أبي العالية١: "رِجْسَ الشيطان"٢ بالسين. قال أبو الفتح: كل شيء يُستقذَر عندهم فهو رجس، كالخنزير ونحوه. وفيما قرئ على أبي العباس أحمد بن يحيى٣ قال: الرجس في القرآن: العذاب كالرجز، ورجس الشيطان: وسوستُه وهمزُه ونحو ذلك من أمره، والرجز: عبادة الأوثان، ويقال: هو إثم الشرك كله. وقرئ: "وَالرِّجْزَ وَالرُّجْزَ"٤ جميعًا "فَاهْجُرْ"، قال: وقال بعضهم: أراد به الصنم. قال: وكل عذاب أُنزل على قوم فهو رجز، ووسواس الشيطان رجز، وقد ترى إلى تزاحم السين والزاي في هذا الموضع، فقراءة الجماعة: ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ معناه كمعنى رجس الشيطان.

стр. 266

وقد نبهنا في كتابنا المعروف بالخصائص١ من هذه الطريق في تزاحم الحروف المتقاربة ما في بعضه كل مَقْنَع بمشيئة الله. ومن ذلك قراءة الحسن والزهري: "بين الْمَرِّ وقلبِه"٢. قال أبو الفتح: وجه الصنعة في هذا أنه خفف الهمزة في "المرء" وألقى حركتها على الراء قبلها، فصارت "بين المرِّ وقبله"، ثم نوى الوقف فأسكن وثقَّل الراء على لغة من قال في الوقف: هذا خالدّ وهو يجعلّ، ثم أطلق ووصل على نية الوقف، فأقر التثقيل بحاله على إرادة الوقف، وعليه قوله، أنشدَناه أبو علي: بِبَازلٍ وَجناءَ أو عَيْهَلِّ٣ يريد: العيهل، فنوى الوقف فثقل، ثم أطلق وهو يريد الوقف، ومثله ما قرأنا على أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى: ومُقلتان جَوْنتا المكْحَلِّ٤ يريد: الْمَكْحَل. وأول هذه القصيدة: ليث شبابي عاد للأولِّ ... وغضَّ عيش قد خلا أَرْغَلِّ٥ وفيها أشياء من هذا الطراز كثيرة، فكذلك "الْمَرِّ" على هذا. وقراءة الجماعة من بعدُ أقوى وأحسن؛ لأن هذا من أغراض الشعر لا القرآن.

стр. 267

ومن ذلك قراءة العامة: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ١، وقراءة علي وزيد بن ثابت وأبي جعفر محمد بن علي٢ والربيع بن أنس وأبي العالية وابن جماز٣: "لَتُصِيبَنَّ". قال أبو الفتح: معنيا هاتين القراءتين ضدان كما ترى؛ لأن إحداهما: ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ، والأخرى: "لَتُصِيبَنَّ" هؤلاء بأعيانهم خاصة. وإذا تباعد معنيا قراءتين هذا التباعد وأمكن أن يُجمع بينهما كان ذلك جميلًا وحسنًا، ولا يجوز أن يراد زيادة "لا" من قِبَل أنه كان "٦٧و" يصير معناه: واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فليس هذا عندنا من مواضع دخول النون، ألا تراك لا تقول: ضربت رجلًا يدخلَنَّ المسجد؟ هذا خطأ لا يقال؛ ولكن أقرب ما يصرف إليه الأمر في تلافي معنى القراءتين أن يكون يراد: لا تصيبن، ثم يحذف الألف من "لا" تخفيفًا واكتفاء بالفتحة منها، فقد فَعَلَت العرب هذا في أخت "لا" وهي أَمَا. من ذلك ما حكاه محمد بن الحسن من قول بعضهم: أَمَ والله ليكونن كذا، فحذف ألف أَمَا تخفيفًا، وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابي وغيرهما: فلستُ بمدرك ما فات مني ... بلَهْف ولا بِلَيت ولا لو اني٤ يريد: بلهفا، فحذف الألف، وذهب أبو عثمان في قوله الله سبحانه: ﴿يَا أَبَتَ﴾ ٥ -فيمن فتح التاء- أنه أراد: يا أبتا، فحذف الألف تخفيفًا، وأنشدوا: قد وردت من أَمكنه ... من هاهنا ومن هُنَهْ إن لم أُروّها فَمَهْ٦ يريد: إن لم أروها فما أصنع؟ أو فما مغناي؟ أو فما مقداري؟ فحذف الألف، وألحق الهاء لبيان الحركة، وروينا عن قطرب٧.

стр. 268

فعلى هذا يجوز أن يكون أراد بقوله: "لَتُصِيبَنَّ": لا تُصِيبَنَّ، فحذف ألف "لا" تخفيفًا من حيث ذكرنا. فإن قلت: فهل يجوز أن يحمله على أنه أراد: لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، ثم أشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفًا كالأبيات التي أنشدتها قبل هذا الموضع، نحو قوله: ينباع من ذِفْرَى غَضوب جَسْرة١ وهو يريد: ينبع. قيل: يمنع من هذا المعنى، وهو قوله تعالى يليه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . فهذا الإغلاظ والإرهاب أشبه بقراءة مَن قرأ: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ من أن يكون معناه: إنما تصيب الذين ظلموا خاصة. فتأمل ذلك؛ فإنه يضح لك بمشيئة الله. ومن ذلك ما رُوي عن عاصم أنه قرأ: "وَمَا كَانَ صَلاتَهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ" نصبًا "إِلَّا مُكَاءٌ وَتَصْدِيَةٌ"٢ رفعًا، رواه عبيد الله٣ عن سفيان٤ عن الأعمش٥ أن عاصمًا قرأ كذلك.

стр. 269

قال الأعمش: وإن لحن عاصم تلحن أنت؟! وقد رُوي هذا الحرف أيضًا عن أبان١ بن تغلب أنه قرأ كذلك. قال أبو الفتح: لسنا ندفع أنَّ جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة قبيح، فإنما جاءت منه أبيات شاذة، وهو في ضرورة الشعر أعذر، والوجه اختيار الأفصح الأَعرب، ولكن من وراء ذلك ما أذكره. اعلم أن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، فتجد معناه معنى قولك: خرجت فإذا الأسد بالباب، لا فرق بينهما؟ وذلك أنك في الموضعين لا تريد أسدًا واحدًا معينًا، وإنما تريد: خرجت فإذا بالباب واحد من هذا الجنس، وإذا كان كذلك جاز هنا الرفع في ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ جوازًا قريبًا، حتى كأنه قال: وما كان صلاتَهم عند البيت إلا المكاءُ والتصديةُ؛ أي: إلا هذا الجنس من الفعل، وإذا كان كذلك لم يجرِ هذا مجرى قولك: كان قائم أخاك، وكان جالس أباك؛ لأنه ليس في جالس وقائم من معنى الجنسية التي تلاقى معنيا "٦٧ظ" نكرتها ومعرفتها على ما ذكرنا وقدمنا. وأيضًا فإنه يجوز مع النفي من جعل اسم كان وأخواتها نكرة ما لا يجوز مع الإيجاب، ألا تراك تقول: ما كان إنسان خيرًا منك، ولا تجيز: كان إنسان خيرًا منك؟ فكذلك هذه القراءة أيضًا، لَمَّا دخلها النفي قَوِي وحسن جعل اسم كان نكرة، هذا إلى ما ذكرناه من متشابهة نكرة اسم الجنس لمعرفته؛ ولهذا ذهب بعضهم في قول حسان: كأَنَّ سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجَها عسل وماءُ٢ إنه إنما جاز ذلك من حيث كان عسل وماء هما جنسين، فكأنه قال: يكون مزاجَها العسل والماء، فبهذا تسهل هذه القراءة، ولا يكون من القبح واللحن الذي ذهب إليه الأعمش على ما ظن.

стр. 270

ومن ذلك قراءة الناس ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾ ١ و"العِدْوَةِ" بالضم والكسر. وقرأ: "بالعَدْوَةِ" قتادة٢ والحسن٣ وعمرو، واختلف عنهم. قال أبو الفتح: الذي في هذا أنها لغة ثالثة، كقولهم: في اللبن رِغوة ورَغوة ورُغوة. ولها نظائر مما جاءت فيها فُعْلة وفِعْلة وفَعْلة، منه قولهم: له صِفوة مالي وصَفوته وصُفوته، روى ذلك أبو عبيدة. ومثله أَوطأته عَشوة٤ وعُشوة وعِشوة، روى ذلك أبو عبيدة وابن الأعرابي. وروى الكسائي: كلمته بِحَضْرة فلان وحِضْرته، وحكى ابن الأعرابي: غَشوة وغُشوة وغِشوة، وغِلظة وغُلظة وغَلظة. وقالوا: شاة لَجْبة٥ ولُجْبة ولِجْبة، ورِبْوة٦ ورُبْوة ورَبْوة، فكذلك تكون أيضًا العِدْوة والعَدْوة والعُدْوة. وروى ابن الأعرابي أيضًَا: الْمُدية والْمِدية والْمَدية، بالفتح. ومن ذلك ما يروى عن الأعمش أنه قرأ: "فَشَرِّذ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ "٧ بالذال معجمة. قال أبو الفتح: لم يمرر بنا في اللغة تركيب ش ر ذ، وأوجه ما يُصْرَف إليه ذلك أن تكون الذال بدلًا من الدال، كما قالوا: لحم خَرادل وخَراذل٨، والمعنى الجامع لهما أنهما مجهوران ومتقاربان. ومن ذلك قراءة الأشهب العقيلي: "فاجْنُحْ لها"٩ بضم النون.

стр. 271

قال أبو الفتح: حكى سيبويه جنَح يجنُح، وهي في طريق ركَد يركُد، وقعَد يقعُد، وسفَل يسفُل في قربها ومعناها. ويؤكد ذلك أيضًا ضَرْبٌ من القياس؛ وهو أن جنح غير متعد، وغير المتعدي الضم أقيس فيه من الكسر، فقعد يقعد أقيس من جلس يجلس؛ وذلك أن يفعُل بابه لِمَا ماضيه فَعُل نحو: شرُف يشرُف، ثم أُلحق به قعد. وباب يفعِل بابه لِمَا يتعدى نحو: ضرب يضرب، فضرب يضرب إذن أقيس من قتل يقتل، كما أن قعد يقعد أقيس من جلس يجلس. وقد تقصيت هذه الطريق في كتابي المنصف١. ومن ذلك قراءة ابن جماز: "واللهُ يُريد الآخرةِ"٢ يحملها على عَرَضَ الآخرة. قال أبو الفتح: وجه جواز ذلك على عزته وقلة نظيره أنه لما قال: "تريدون عَرَض الدنيا"، فجرى ذكر العَرَض فصار كأنه أعاده ثانيًا فقال: عَرَض الآخرة "٦٨و" ولا يُنْكَرُ نحو ذلك. ألا ترى إلى بيت الكتاب: أكُلَّ امرئ تحسبين امرأً ... ونارٍ تَوَقَّد بالليل نارا٣ وأن تقديره: وكل نار؟ فناب ذكره "كُلَّا" في أول الكلام عن إعادتها في الآخر، حتى كأنه قال: وكُلَّ نار؛ هربًا من العطف على عاملين، وهما: كل وتحسبين. وعليه بيته أيضًا: إنَّ الكريم وأبيك يَعتمِلْ ... إن لم يجد يومًا على من يتكلْ٤ أراد: من يتكل عليه، فحذف "عليه" من آخر الكلام استغناء عنها بزيادتها في قوله: على من يتكل، وإنما يريد: إن لم يجد من يكتل عليه. وعليه أيضًا قول الآخر: أتدْفع عن نفس أتاه حِمامُها ... فهلا التي عن بين جنبيك تَدفع٥

стр. 272

أراد: فهلا عن التي بين جنبيك تدفع، فزاد "عن" في قوله: عن بين جنبيك، وجعلها عوضًا من "عن" التي حذفها، وهو يريدها في قوله: فهلا التي، ومعناها: فهلا عن التي. وله نظائر، فعلى هذا جازت هذه القراءة؛ أعني قوله: "تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةِ"، في معنى: عرض الآخرة وعلى تقديره. ولعمري إنه إذا نصب فقال على قراءة الجماعة: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ، فإنما يريد: عرض الآخرة، إلا أنه يَحذف المضاف ويقيم المضاف إليه مقامه، وإذا جَرَّ فقال: يريد الآخرةِ، صار كأن العَرَض في اللفظ موجود لم يحذف، فاحتُمل ضعف الإعراب تجريدًا للمعنى وإزالة للشك أن يَظن ظان أنه يريد الآخرةَ إرادة مرسلة هكذا. هذا إلى ما قدمناه من حذف لفظ لمجيئه فيما قَبْلُ أو بَعْدُ. آخر الأنفال

стр. 273

سورة التوبة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من ذلك حكى أبو عمرو أن أهل نجران يقولون: "بَرَاءَةٌ مِنِ اللَّه"١ يَجرُّون الميم والنون. قال أبو الفتح: حكاها سيبويه، وهي أول القياس، تكسرها لالتقاء الساكنين، غير أنه كثُر استعمال "مِن" مع لام المعرفة، فهربوا من توالي كسرتين إلى الفتح، وإذا كانوا قد قالوا: "قُمَ اللَّيْلَ"٢، "وقُلَ الحق"٣ ففتحوا ولم تلتقِ هناك كسرتان، فالفتح في "مِنَ اللَّهِ" لتوالي الكسرتين أولى. ومن ذلك قراءة عكرمة: "ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوكُمْ شَيْئًا"٤ بالضاد معجمة، قال: أي لم ينقضوا أموركم، وهو كناية حسنة عن النقص؛ لأنه إذا نقصه شيئًا من خاصه فقد نقصه عما كان، فهذه طريقة. ومن ذلك قراءة عكرمة أيضًا: "إِيلًا ولا ذِمَّةً"٥ بياء بعد الكسرة خفيفة اللام. قال أبو الفتح: طريق الصنعة فيه أن يكون أراد "إلا" كقراءة الجماعة، إلا أنه أبدل اللام الأولى ياء لثقل الإدغام، وانضاف إلى ذلك كسرة الهمزة وثِقَل الهمزة. وقد جاء نحو هذا أحرف صالحة كدينار؛ لقولهم: دنانير، وقيراط: قراريط، وديماس٦ فيمن قال: دماميس،

стр. 274

وديباج فيمن قال: دبايبج، وشيراز١ فيمن قال: شراريز. وقد جاء مع الفتحة استثقالًا للتضعيف وحده. قال سعد بن قُرْط يهجو أمه: يا ليتما أُمُّنَا شالت نَعامتُها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار٢ وروينا عن قطرب "٦٨ظ": لا تفسدوا آبَالَكم ... أَيْمَا لنا أَيْمَا لكم٣ وقال عمر بن أبي ربيعة: رأيت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت ... فيَضْحَى وأيما بالعشي فيَخصر٤ وقد قلبوا الثاني منهما فقالوا في أمللت: أمليت، وفي أَمَلُّ: أَمْلَى أنا. وحدثنا أبو علي أن أحمد بن يحيى حكى عنهم: لا وَرَبْيِك لا أَفعل؛ أي: لا ورَبِّك، فكذا تكون قراءة عكرمة "إيلًا ولا ذمةً" يريد "إلا"، وأبدل الحرف الأول ياء لما ذكرناه. وقد يجوز أن يكون فِعْلًا من أُلْتُ الشيء إذا سُسْته أُءُوله إيالة، إلا أنه قلب الواو ياء لسكونها والكسرة قبلها. ومن ذلك قراءة الأعرج٥ وابن أبي إسحاق٦ وعيسى الثقفي٧ وعمرو

стр. 275

ابن عبيد١، ورُويت عن أبي عمرو: "ويتوبَ اللهُ"٢ بالنصب. قال أبو الفتح: إذا نَصب فالتوبة داخلة في جواب الشرط معنى، وإذا رفع كقراءة الجماعة فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فهو استئناف؛ وذلك أن قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فهو كقولك: إن تزرني أُحسن إليك وأُعطيَ زيدًا درهمًا، فتنصبه على إضمار أن؛ أي: إن تزرني أجمع بين الإحسان إليك والإعطاء لزيد. والوجه قراءة الجماعة على الاستئناف؛ لأنه تم الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ ، ثم استأنف فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ ، فالتوبة منه سبحانه على من يشاء ليست مسببة عن قتالهم، هذا هو الظاهر؛ لأن هذه حال موجودة من الله تعالى قاتَلوهم أو لم يقاتلوهم، فلا وجه لتعليقها بقاتِلوهم، فإن ذهبتَ تعلِّق هذه التوبة بقتالهم إياهم كان فيه ضرب من التعسف بالمعنى. ومن ذلك قراءة ابن الزبير٣ وأبي وجزة٤ السعدي ومحمد بن علي وأبي جعفر القاري٥: "أَجَعَلْتُمْ سُقَاةَ الْحَاجِّ وَعَمَرَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"٦ وقرأ: "سُقَايَةَ الْحَاجِّ وَعَمَرَةَ الْمَسْجِدِ" الضحاك٧.

стр. 276

قال أبو الفتح: أما "سُقاة" فجمع ساقٍ، كقاضٍ وقضاة وغازٍ وغزاة. و"عَمَرَة" جمع عامر، ككافر وكفرة وبارٍّ وبررة. وأما "سُقاية" ففيه النظر، ووجهه أن يكون جمع ساق، إلا أنه جاء على فُعال كعَرق١ وعُراق، ورَخِل ورُخال٢، وتوءَم وتُؤام، وظِئر وظُآر، وإنسان وأُناس، وثَنِي٣ وثُناء، وبرئ وبُرَاء. فكان قياسه إذا جاء به على فُعال أن يكون سُقاء، إلا أنه أنثه كما يؤنَّث من الجمع أشياء غيره، نحو: حِجارة وعِيارة وقَصير وقِصارة. وجاءت في شعر الأعشى٤ وعُيُورة٥ وخُيوطة٦، وقد جاء هذا التأنيث أيضًا في فُعَال هذا. ذهب أبو علي في قولهم: نُقاوة المتاع إلى أنه جمع نَقوة٧، فعلى هذا جاء سُقاية الحاج، فهو كتأنيث ظُؤار وتُؤام ونحو ذلك. وكأن الذي آنس مَن قرأ "سُقاة" و"عَمَرَة" و"سُقاية" وعدل إليه عن قراءة الجماعة: ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هربه من أن يقابل الحدث بالجوهر؛ وذلك أن السقاية والعمارة مصدران، و"مَن آمن بالله" جوهر، فلا بد إذن "٦٩و" من حذف المضاف؛ أي: أجعلتم هذين الفعلين كفعل من آمن بالله؟ فلما رأى أنه لا بد من حذف المضاف قرأ: "سقاة" و"عَمَرَة" و"سُقاية" على ما مضى. ولست أدفع مع هذا أن يكون ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ جع ساق ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ جمع عامر، فيكون كقائم وقيام وصاحب وصِحاب وراع ورِعاء، إلا أنه أنث فِعالًا على ما مضى، فصار كحِجارة وعِيارة، وأن يكونا مصدرَي سقيت وعمرت أقيس؛ لأن ذلك في اللغة أفشى، وبَنَى سقاية وهو جمع ساق على التأنيث لا على أنه أنث سِقاء؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: سِقَاءَة فهمر، كعَظَاءة٨ إذا بنيت على العَظاءِ، ويكون كل واحد منهما قائمًا برأسه.

стр. 277

ومن ذلك قراءة ابن مسعود١: "وَإِنْ خِفْتُمْ عَائلةً"٢. قال أبو الفتح: هذا من المصادر التي جاءت على فاعلة كالعاقبة والعافية. وذهب الخليل في قولهم: ما باليت بالة، أنها في الأصل بالية كالعاقبة والعافية، فحذفت لامها تخفيفًا. ومنه قوله سبحانه: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ ٣ أي: لغوًا. ومنه قولهم: مررت به خاصة؛ أي: خصوصًا. وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ ٤ فيجوز فيه أن يكون مصدرًا؛ أي: خيانة منهم، ويجوز أن يكون على أن معناه على نية خائنة أو عقيدة خائنة. وكذلك أيضًا يجوز أن يكون: لا تسمع فيها كلمة لاغية. وكذلك الآخر على: إن خفتم حالًا عائلة، فالمصدر هنا أعذب وأعلى. ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والزهري٥ والعلاء بن سَيَّابه والأشهب: "إنما النَّسْي"٦ مخففًا في وزن الْهَدْي بغير همز. قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون أراد النَّسْء على ما يُحكى عن ابن كثير بخلاف أنه قرأ به، ثم أُبدلت الهمزة ياء، كما أُبدلت منها فيما رويناه من قول الشاعر: أَهبَى التراب فوقه إهبايا٧

стр. 278

يريد: إهباء، ونحو منه قوله: كفِعل الهِر يحترش العَظَايا١ يريد: العَظَاءَة، لا على قول أبي عثمان من أنه شبه ألف النصب بهاء التأنيث، ولا على ما رأيته من كونه تكسير العَظاية كإداوة وأداوَى. والوجه الثاني: أن يكون فَعْلًا من نَسِيء؛ وذلك أن النسيء من نسأت: أي٢ أخرت، والشيء إذا أُخر ودوفع به فكأنه منسي. والثالث: وفيه الصنعة أنه أراد النسيء على فعيل، ثم خفف الهمزة وأبدلها ياء، وأدغم فيها ياء فعيل فصارت النَّسِيّ، ثم قصَر فعيلًا بحذف يائه فصار نَسٍ، ثم أسكن عين فعيل فصار نَسْيٌ. ومثله مما قُصر من فَعيل ثم أسكن بعد الحذف قولهم في سميح: سَمْح، وفي رطيب: رَطْب، وفي جديب: جدب، ومما قصر ولم يسكن قولهم في لبيق: لَبِق، وفي سميج: سَمِج، وقد ذكرنا ذلك. ومن ذلك قراءة أبي رجاء٣: "يَضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا"٤ بفتح الياء والضاد. قال أبو الفتح: هذه لغة؛ أعني: ضَلِلت أَضَلّ. واللغة الفصحى "٦٩ظ" ضَلَلت أَضِل. وقراءة

стр. 279

الحسن بخلاف وابن مسعود ومجاهد١ وأبي رجاء بخلاف وقتادة وعمرو بن ميمون٢ ورواه عباس٣ عن الأعمش: "يُضَلُّ بِه". وفيه تأويلان: إن شئت كان الفاعل اسم الله تعالى مضمرًا؛ أي: يُضل الله الذين كفروا، وإن شئت كان تقديره: يُضِل به الذين كفروا أولياءَهم وأتباعَهم. ومن ذلك قال عباس: سألت أبا عمرو وقرأ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ٤، قال أبو عمرو٥: وفيها قراءة أخرى لا ينصب الياء "ثانِي اثنين". قال أبو الفتح: الذي يُعمل عليه في هذا أن يكون أراد: ثانيَ اثنين كقراءة الجماعة، إلا أنه أسكن الياء تشبيهًا لها بالألف. قال أبو العباس: هو من أحسن الضرورات، حتى لو جاء به إنسان في النثر كان مصيبًا. فإن قيل: كيف تجيزه في القرآن وهو موضع اختيار لا اضطرار؟ قيل: قد كثر عنهم جدًّا، ألا ترى إلى قوله: كأنَّ أيديهن بالقاع القَرِق ... أيدي عَذَارى يتعاطَيْن الورِق٦

стр. 280

وقول الآخر: حُدْبًا حدابير من الوَخْشَنَّ ... تركْن راعيهن مثلَ الشَّنّ١ وقال رؤبة، أنشدَناه أبو علي: سَوَّى مساحيهن تقطيطَ الْحُقَق ... تَفْليلُ ما قارعْن من سُمْر الطُّرَق٢ وقال الأعشى: إذا كان هادي الفتى في البلا ... د صدرُ القناة أطاع الأميرا٣ وقد جاء عنهم في النثر قولهم: لا أكلمك حَيْرِي٤ دهر، كذا يقول أصحابنا، ولي أنا فيه مذهب غير هذا؛ وهو أن يكون أراد حِيريّ دهر بالتشديد، ثم خفف الكلمة فحذف ياءها الثانية وقد كانت الأولى المدغمة فيها ساكنة، فأقرها على سكونها تلفتًا إلى الياء المحذوفة الثانية؛ لأنها في حكم الثبات كما صحح الآخَرُ الواو في العواور٥؛ لأنه إنما يريد العواوير، فلما حذف الياء وهي عنده في حكم الثبات أقر الواو على صحتها دلالة على أنه يريد الياء. ومثله أيضًا ما جاء عنهم من تخفيف ياء لا سيما؛ وذلك أن السِّيّ فِعْل من سوّيت، وأصله سِوْي، فقلبت الواو ياء لسكونها مكسورًا ما قبلها، أو لوقوع الياء بعدها، أو لهما جميعًا، فلما حذفت الياء التي هي لام وانفتحت الياء بالتاء فتحة اللام عليها كان يجب أن يرجع واوًا

стр. 281

لأنها عين، أو تصح كما صحت في عِوَض وحِوَل، وأن تقول: لا سِوَما زيد؛ لكنه أقرها على قلبها دلالة على أنه يريد سكونها ووقوع الياء بعدها، وإن شئت لأنها الآن قد وقعت طرفًا فضعفت، فهذا كله ونظائر له كثيرة ألغينا ذكرها؛ لئلا يمتد الكتاب باقتصاصها تشهد بأن يكون قولهم: لا أكلمك حِيرِي دهر، إنما أُسكنت ياؤه لإرداة التثقيل في حيرِيّ دهر، غير أن الجماعة تلقته على ظاهره. وشواهد سكون هذه الياء في موضع النصب فاشٍ في الشعر، فإذا كثر هذه الكثرة وتقبَّله أبو العباس ذلك التقبل ساغ حمل تلك القراءة عليه. يؤكد ذلك "٧٠و" أيضًا أنك لو رُمت قطعه ورفعه على ابتداء؛ أي: هو ثاني اثنين؛ لتقطَّع الكلام، وفارقه مألوف السديد من النظام، وإنما المعنى: إلا تنصروه فقد نصره الله ثاني اثنين إذ هما في الغار، وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ بدل من قوله جل وعز: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . فإن قلت: فإن وقت إخراج الذين كفروا له قبل حصوله ﷺ في الغار، فكيف يُبدَل منه وليس هو هو، ولا هو أيضًا بعضه، ولا هو أيضًا من بدل الاشتمال؟ ومعاذ الله أن يكون من بدل الغلط، قيل: إذا تقارب الزمانان وُضع أحدهما موضع صاحبه، ألا تراك تقول: شكرتك إذ أحسنت إلَيَّ، وإنما كان الشكر سببًا عن الإحسان، فزمان الإحسان قبل زمان الشكر، فأعملت شكرت في زمان لم يقع الشكر فيه. ومن شرط الظرف العامل فيه الفعل أن يكون ذلك الفعل واقعًا في ذلك الزمان؛ كزرتك في يوم الجمعة، وجلست عندك يوم السبت؛ لكنه لما تجاور الزمانان وتقاربا جاز عمل الفعل في زمان لم يقع فيه لكنه قريب منه. وقد مر بنا هذا الحكم في المواضع أيضًا. قال زياد بن منقذ: وهُمْ إذا الخيل جالوا في كواثبها ... فوارسُ الخيل ولا مِيلٌ ولا قَزَم١ وإنما مقعد الفارس في صهوة الفرس لا في كاثبته؛ لأن المكانين لما تجاورا استُعمل أحدهما موضع الآخر، ألا ترى إلى قول النابغة: إذا عرَّضوا الْخَطيّ فوق الكواثب٢

стр. 282

ومحال أن يجلس الفارس موضع عرض الرمح من أدنى معرفة الفرس، فافهم بما ذكرنا ما مضى. ومن ذلك قراءة الأعمش: "لَوُ اسْتَطَعْنَا"١ بضم الواو. قال أبو الفتح: شبهت واو "لو" هذه بواو جماعة ضمير المذكرين، فضُمت كما تلك مضمومة في قول الله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ ٢، وكذلك شبهت واو الجمع هذه بواو "لو" فكُسرت؛ وذلك على من قرأ: "فَتَمَنَّوِا الْمَوْتَ"، و"الَّذِينَ اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ"٣. وهناك قراءة أخرى: "اشتروَا٤ الضلالة" بفتح الواو لالتقاء الساكنين، فلو قرأ قارئ متقدم: "لوَ استطعنا" بفتح الواو لكان محمولًا على قول من قال: "اشْتَرَوَا الضَّلالَةَ"، فأما الآن فلا عذر لأحد أن يرتجل قراءة وإن سوغتها العربية، من حيث كانت القراءة سُنة متَّبعة. ومن ذلك ما رواه ابن وهب عن حرملة بن عمران أنه سمع محمد بن عبد الملك يقرأ: "لَأَعدُّوا له عُدَّهُ"٥. قال أبو الفتح: المستعمل في هذا المعنى العُدَّة بالتاء، ولم يمرر بنا في هذا الموضع العُدّ، إنما العُدّ: البَثْر يخرج في الوجه. وطريقه أن يكون أراد: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته: أي تأَهبوا له، إلا أنه حذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير كالعوض منها. وهذا عندي أحسن مما ذهب إليه الفراء في معناه؛ وذلك أنه ذهب في قول الله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ ٦ إلى أنه أراد: إقامة الصلاة، إلا أنه حذف هاء الإقامة لإضافة الاسم إلى الصلاة. وإنما صار ما ذهبتُ إليه أقوى لأني أقمت الضمير والمجرور مُقام تاء التأنيث، والمضمر المجرور شديد الحاجة إلى ما جره من موضعين: "٧٠ظ" أحدهما: حاجة المجرور إلى ما جره، ألا تراه لا يُفصل بينهما ولا يُقدم المجرور على ما جره؟ والآخر: أن المجرور في "عُدَّهُ" مضمر، والمضمر

стр. 283

المجرور أضعف من المظهر المجرور للطف الضمير عن قيامه بنفسه، وليست الصلاة بمضمرة١؛ فتضعف ضعف هاء "عُدَّهُ"، فبقدر ضعف الشيء وحاجته إلى ما قبله ما٢ يكاد يُعتد جزءًا منه، فيَخلف جزءًا محذوفًا من جملته، فافهم ذلك. وأما أصحابنا فعندهم أن الإقام مصدر أقمت كالإقامة، وليس مذهبنا فيه كما ظنه الفراء. ومن ذلك قراءة ابن الزبير: "ولَأَرْقَصوا خِلالَكم"٣. قال أبو الفتح: هذا هو معنى القراءة المشهورة التي هي: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ ، يقال: وضع البعير يضع وأوضعته أنا أي: أسرعت به، وكذلك الرقْص والرقَص والرقَصان، يقال: رقص وأرقصته أنا، قال: يا ليتني فيها جَذَعْ ... أَخُب فيها وأَضَعْ كأَنني شاة صَدَعْ٤ وقال حسان: بزجاجة رَقَصَت بما في دنِّها ... رقَصَ القَلوص براكب مستعجل٥ وفي الخبر: فإذا راكب يوضِع؛ أي: يحث راحلته. وقال جميل: بماذا تردِّين امرأً جاء لا يرى ... كوُدِّكِ وُدًّا قد أَكلَّ وأوضعا٦ ولا يقال: رقص إلا للاعب أو للإبل، وشبهت الخمر بذلك.

стр. 284

ومن ذلك قراءة الناس: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا﴾ ١، وقرأ طلحة بن أَعيَن قاضي الري: "قل لن يُصيِّبنا" مشددًا. قال أبو الفتح: ظاهر أمر عين أصاب يُصيب أنها واو؛ ولذلك قالوا في جمع مصيبة: مَصَاوب بالواو، وهي القوية القياسية. فأما مصائب بالهمز فلغط من العرب؛ كهمزهم حلأت٢ السويق، ورثأث٣ زوجي، ونحو ذلك مما هُمز ولا أصل له في الهمز، وواحد المصايب مصيبة ومَصُوبة ومُصاب ومصابة. وأنا أرى أن تكون مصايب جمع مُصاب؛ لأن الألف هنا وإن كانت بدلًا من العين فإنها أشبه بألف رسالة التي يقال في تكسيرها: رسايل؛ وذلك أن الألف لا تكون أصلًا في الأسماء المتمكنة ولا في الأفعال؛ إنما تكون زائدة أو بدلًا، وليست كذلك الياء والواو؛ لأنهما قد تكونان أصلين في القبيلين جميعًا كما يكونان بدلين وزائدتين، فألف مصاب ومصابة أشبه بالزائد من ياء مصيبة وواو مصوبة، فافهم ذلك، فإن أحدًا من إخواننا لم يذكره. وبعد، فقد مر بنا في تركيب ص ي ب في هذا المعنى، فإنهم قد قالوا: أصاب السهم الهدف يَصيبه كباعه يَبيعه، ومنه قول الكميت: أَسهُمها الصائداتُ والصُّيُبُ٤ فعلى هذا ومن هذا الأصل تكون قراءة طلحة بالياء، فيكون يفعِّلنا منه، فيصيّب على هذا كيُسيّر ويُبيّع، وقد يجوز أيضًا أن يكون يصيّبنا من لفظ ص وب، إلا أنه بناه على فَيْعَل يُفَيْعل، وأصله على هذا يُصَيْوبنا، فاجتمعت الياء والواو وسَبقت الياء بالسكون فقلبت الواو ياء وأُدغمت فيها الياء فصارت يصيّبنا. ومثله قوله: تحيّز، وهو تفعيل من حاز يحوز، والوجه ما قدمناه؛ لأن فَعَل في الكلام أكثر "٧١و" من فيعل. ويجوز وجه آخر؛ وهو أن يكون من الواو، إلا أنه لما كثر يُصِيب والمصيبة أُنِس بالياء؛ لكثرة الاستعمال، ولخفتها عن الواو كما قالوا: دِيمة ودِيَم، فلما كثر ذلك وكانت الياء أخف من الواو مروا عليها فقالوا: دامت السماء تَديم.

стр. 285

ولا يحسن أن يُذهب في هذا إلى قول الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه: إنه فعِل يفعِل؛ لقلة ذلك ووجود المندوحة عنه في قولهم: هذا أَتيه منه وأَطيح منه، فاعرف ذلك. ومن ذلك قراءة الناس: "إلَّا إحْدى"١ غير ابنت محيصن، فإنه كان يصلها ويسقط الهمزة. قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك فيما مضى في قراءة ابن محيصن أيضًا في سورة الأعراف. ومن ذلك قراءة: ﴿مَغَارَاتٍ﴾ ٢، وقرأ سعد بن عبد الرحمن بن عوف: "مُغَارات". قال أبو الفتح: أما "مغارات" على قراءة الناس فجمع مَغارة أو مَغار، وجاز أن يجمع مغارات بالتاء وإن كان مذكرًا لأنه لا يعقل، ومثله إوان٣ وإوانات، وجمل سِبَطر٤ وجِمال سِبطرات، وحمَّام وحمامات. وقد ذكرنا هذا ونحوه في تفسير ديون المتنبي عند قوله: ففي الناس بُوقاتٌ لها وطبول٥ ومَغار مَفْعَل من غار الشيء يغور. وأما مُغَارات فجمع مُغَار، وليس من أَغرت على العدو؛ ولكنه من غار الشيء ويغور، وأَغرته أنا أُغيره، كقولك: غاب يغيب وأَغَبته، فكأنه: لو يجدون ملجأ أو أمكنة يُغيرون فيها أشخاصهم ويسترون أنفسهم، وهذا واضح. ويؤكد ذلك قراءة مسلمة٦ بن محارب: "مُدْخَلًا"٧ أي: مكانًا يُدخلون فيه أنفسهم، ورويت عن أبي بن كعب٨: "أو مندخلًا"، وهو من قول الشاعر:
следующие страницы →