← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8660

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط المجلس الأعلى

ابن جني

Полный текст (817 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لأنها عين، أو تصح كما صحت في عِوَض وحِوَل، وأن تقول: لا سِوَما زيد؛ لكنه أقرها على قلبها دلالة على أنه يريد سكونها ووقوع الياء بعدها، وإن شئت لأنها الآن قد وقعت طرفًا فضعفت، فهذا كله ونظائر له كثيرة ألغينا ذكرها؛ لئلا يمتد الكتاب باقتصاصها تشهد بأن يكون قولهم: لا أكلمك حِيرِي دهر، إنما أُسكنت ياؤه لإرداة التثقيل في حيرِيّ دهر، غير أن الجماعة تلقته على ظاهره. وشواهد سكون هذه الياء في موضع النصب فاشٍ في الشعر، فإذا كثر هذه الكثرة وتقبَّله أبو العباس ذلك التقبل ساغ حمل تلك القراءة عليه. يؤكد ذلك "٧٠و" أيضًا أنك لو رُمت قطعه ورفعه على ابتداء؛ أي: هو ثاني اثنين؛ لتقطَّع الكلام، وفارقه مألوف السديد من النظام، وإنما المعنى: إلا تنصروه فقد نصره الله ثاني اثنين إذ هما في الغار، وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ بدل من قوله جل وعز: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . فإن قلت: فإن وقت إخراج الذين كفروا له قبل حصوله ﷺ في الغار، فكيف يُبدَل منه وليس هو هو، ولا هو أيضًا بعضه، ولا هو أيضًا من بدل الاشتمال؟ ومعاذ الله أن يكون من بدل الغلط، قيل: إذا تقارب الزمانان وُضع أحدهما موضع صاحبه، ألا تراك تقول: شكرتك إذ أحسنت إلَيَّ، وإنما كان الشكر سببًا عن الإحسان، فزمان الإحسان قبل زمان الشكر، فأعملت شكرت في زمان لم يقع الشكر فيه. ومن شرط الظرف العامل فيه الفعل أن يكون ذلك الفعل واقعًا في ذلك الزمان؛ كزرتك في يوم الجمعة، وجلست عندك يوم السبت؛ لكنه لما تجاور الزمانان وتقاربا جاز عمل الفعل في زمان لم يقع فيه لكنه قريب منه. وقد مر بنا هذا الحكم في المواضع أيضًا. قال زياد بن منقذ: وهُمْ إذا الخيل جالوا في كواثبها ... فوارسُ الخيل ولا مِيلٌ ولا قَزَم١ وإنما مقعد الفارس في صهوة الفرس لا في كاثبته؛ لأن المكانين لما تجاورا استُعمل أحدهما موضع الآخر، ألا ترى إلى قول النابغة: إذا عرَّضوا الْخَطيّ فوق الكواثب٢

стр. 282

ومحال أن يجلس الفارس موضع عرض الرمح من أدنى معرفة الفرس، فافهم بما ذكرنا ما مضى. ومن ذلك قراءة الأعمش: "لَوُ اسْتَطَعْنَا"١ بضم الواو. قال أبو الفتح: شبهت واو "لو" هذه بواو جماعة ضمير المذكرين، فضُمت كما تلك مضمومة في قول الله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ ٢، وكذلك شبهت واو الجمع هذه بواو "لو" فكُسرت؛ وذلك على من قرأ: "فَتَمَنَّوِا الْمَوْتَ"، و"الَّذِينَ اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ"٣. وهناك قراءة أخرى: "اشتروَا٤ الضلالة" بفتح الواو لالتقاء الساكنين، فلو قرأ قارئ متقدم: "لوَ استطعنا" بفتح الواو لكان محمولًا على قول من قال: "اشْتَرَوَا الضَّلالَةَ"، فأما الآن فلا عذر لأحد أن يرتجل قراءة وإن سوغتها العربية، من حيث كانت القراءة سُنة متَّبعة. ومن ذلك ما رواه ابن وهب عن حرملة بن عمران أنه سمع محمد بن عبد الملك يقرأ: "لَأَعدُّوا له عُدَّهُ"٥. قال أبو الفتح: المستعمل في هذا المعنى العُدَّة بالتاء، ولم يمرر بنا في هذا الموضع العُدّ، إنما العُدّ: البَثْر يخرج في الوجه. وطريقه أن يكون أراد: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته: أي تأَهبوا له، إلا أنه حذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير كالعوض منها. وهذا عندي أحسن مما ذهب إليه الفراء في معناه؛ وذلك أنه ذهب في قول الله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ ٦ إلى أنه أراد: إقامة الصلاة، إلا أنه حذف هاء الإقامة لإضافة الاسم إلى الصلاة. وإنما صار ما ذهبتُ إليه أقوى لأني أقمت الضمير والمجرور مُقام تاء التأنيث، والمضمر المجرور شديد الحاجة إلى ما جره من موضعين: "٧٠ظ" أحدهما: حاجة المجرور إلى ما جره، ألا تراه لا يُفصل بينهما ولا يُقدم المجرور على ما جره؟ والآخر: أن المجرور في "عُدَّهُ" مضمر، والمضمر

стр. 283

المجرور أضعف من المظهر المجرور للطف الضمير عن قيامه بنفسه، وليست الصلاة بمضمرة١؛ فتضعف ضعف هاء "عُدَّهُ"، فبقدر ضعف الشيء وحاجته إلى ما قبله ما٢ يكاد يُعتد جزءًا منه، فيَخلف جزءًا محذوفًا من جملته، فافهم ذلك. وأما أصحابنا فعندهم أن الإقام مصدر أقمت كالإقامة، وليس مذهبنا فيه كما ظنه الفراء. ومن ذلك قراءة ابن الزبير: "ولَأَرْقَصوا خِلالَكم"٣. قال أبو الفتح: هذا هو معنى القراءة المشهورة التي هي: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ ، يقال: وضع البعير يضع وأوضعته أنا أي: أسرعت به، وكذلك الرقْص والرقَص والرقَصان، يقال: رقص وأرقصته أنا، قال: يا ليتني فيها جَذَعْ ... أَخُب فيها وأَضَعْ كأَنني شاة صَدَعْ٤ وقال حسان: بزجاجة رَقَصَت بما في دنِّها ... رقَصَ القَلوص براكب مستعجل٥ وفي الخبر: فإذا راكب يوضِع؛ أي: يحث راحلته. وقال جميل: بماذا تردِّين امرأً جاء لا يرى ... كوُدِّكِ وُدًّا قد أَكلَّ وأوضعا٦ ولا يقال: رقص إلا للاعب أو للإبل، وشبهت الخمر بذلك.

стр. 284

ومن ذلك قراءة الناس: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا﴾ ١، وقرأ طلحة بن أَعيَن قاضي الري: "قل لن يُصيِّبنا" مشددًا. قال أبو الفتح: ظاهر أمر عين أصاب يُصيب أنها واو؛ ولذلك قالوا في جمع مصيبة: مَصَاوب بالواو، وهي القوية القياسية. فأما مصائب بالهمز فلغط من العرب؛ كهمزهم حلأت٢ السويق، ورثأث٣ زوجي، ونحو ذلك مما هُمز ولا أصل له في الهمز، وواحد المصايب مصيبة ومَصُوبة ومُصاب ومصابة. وأنا أرى أن تكون مصايب جمع مُصاب؛ لأن الألف هنا وإن كانت بدلًا من العين فإنها أشبه بألف رسالة التي يقال في تكسيرها: رسايل؛ وذلك أن الألف لا تكون أصلًا في الأسماء المتمكنة ولا في الأفعال؛ إنما تكون زائدة أو بدلًا، وليست كذلك الياء والواو؛ لأنهما قد تكونان أصلين في القبيلين جميعًا كما يكونان بدلين وزائدتين، فألف مصاب ومصابة أشبه بالزائد من ياء مصيبة وواو مصوبة، فافهم ذلك، فإن أحدًا من إخواننا لم يذكره. وبعد، فقد مر بنا في تركيب ص ي ب في هذا المعنى، فإنهم قد قالوا: أصاب السهم الهدف يَصيبه كباعه يَبيعه، ومنه قول الكميت: أَسهُمها الصائداتُ والصُّيُبُ٤ فعلى هذا ومن هذا الأصل تكون قراءة طلحة بالياء، فيكون يفعِّلنا منه، فيصيّب على هذا كيُسيّر ويُبيّع، وقد يجوز أيضًا أن يكون يصيّبنا من لفظ ص وب، إلا أنه بناه على فَيْعَل يُفَيْعل، وأصله على هذا يُصَيْوبنا، فاجتمعت الياء والواو وسَبقت الياء بالسكون فقلبت الواو ياء وأُدغمت فيها الياء فصارت يصيّبنا. ومثله قوله: تحيّز، وهو تفعيل من حاز يحوز، والوجه ما قدمناه؛ لأن فَعَل في الكلام أكثر "٧١و" من فيعل. ويجوز وجه آخر؛ وهو أن يكون من الواو، إلا أنه لما كثر يُصِيب والمصيبة أُنِس بالياء؛ لكثرة الاستعمال، ولخفتها عن الواو كما قالوا: دِيمة ودِيَم، فلما كثر ذلك وكانت الياء أخف من الواو مروا عليها فقالوا: دامت السماء تَديم.

стр. 285

ولا يحسن أن يُذهب في هذا إلى قول الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه: إنه فعِل يفعِل؛ لقلة ذلك ووجود المندوحة عنه في قولهم: هذا أَتيه منه وأَطيح منه، فاعرف ذلك. ومن ذلك قراءة الناس: "إلَّا إحْدى"١ غير ابنت محيصن، فإنه كان يصلها ويسقط الهمزة. قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك فيما مضى في قراءة ابن محيصن أيضًا في سورة الأعراف. ومن ذلك قراءة: ﴿مَغَارَاتٍ﴾ ٢، وقرأ سعد بن عبد الرحمن بن عوف: "مُغَارات". قال أبو الفتح: أما "مغارات" على قراءة الناس فجمع مَغارة أو مَغار، وجاز أن يجمع مغارات بالتاء وإن كان مذكرًا لأنه لا يعقل، ومثله إوان٣ وإوانات، وجمل سِبَطر٤ وجِمال سِبطرات، وحمَّام وحمامات. وقد ذكرنا هذا ونحوه في تفسير ديون المتنبي عند قوله: ففي الناس بُوقاتٌ لها وطبول٥ ومَغار مَفْعَل من غار الشيء يغور. وأما مُغَارات فجمع مُغَار، وليس من أَغرت على العدو؛ ولكنه من غار الشيء ويغور، وأَغرته أنا أُغيره، كقولك: غاب يغيب وأَغَبته، فكأنه: لو يجدون ملجأ أو أمكنة يُغيرون فيها أشخاصهم ويسترون أنفسهم، وهذا واضح. ويؤكد ذلك قراءة مسلمة٦ بن محارب: "مُدْخَلًا"٧ أي: مكانًا يُدخلون فيه أنفسهم، ورويت عن أبي بن كعب٨: "أو مندخلًا"، وهو من قول الشاعر:

стр. 286

ولا يدي في حميت السكن تندخل١ ومنفعل في هذا شاذ؛ لأن ثلاثيه غير متعد عندنا. ومن ذلك ما رواه الأعمش قال: سمعت أنَسًا٢ يقرأ: "لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمِزون"، قيل له: وما يجمزون؟ إنما هي "يجمحون"، فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد. قال أبو الفتح: ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرءون الحرف مكان نظيره من غير أن تتقدم القراءة بذلك؛ لكنه لموافقته صاحبه في المعنى. وهذا موضع يجد الطاعن به إذا كان هكذا على القراءة مطعنًا، فيقول: ليست هذه الحروف كلها عن النبي -صلى الله عليه سلم- ولو كانت عنه لما ساغ إبدال لفظ مكان لفظ؛ إذ لم يثبت التخيير في ذلك عنه، ولما أنكر أيضًا عليه: "يجمزون"، إلا أن حُسْنَ الظن بأَنَس يدعو إلى اعتقاد تقدم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة التي هي: "يجمحون" و"يجمزون" و"يشتدون"، فيقول: اقرأ بأيها شئت، فجميعها قراءة مسموعة عن النبي ﷺ لقوله ﵇: نزل القرآن بسبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ. فإن قيل: لو كانت هذه الأحرف مقروءًا بجميعها لكان النقل بذلك قد وصل إلينا، وقيل: أَوَلَا يكفيك أنس موصِّلًا لها إلينا؟ فإن قيل: ان أنسًا لم يحكها قراءة؛ وإنما جمع بينها في المعنى، واعتل في جواز القراءة بذلك لا بأنه رواها قراءة متقدمة. قيل: قد سبق من ذكر حسن الظن ما هو جواب عن هذا. ونحوٌ من هذه الحكاية "٧١ظ" ما يُروى عن أبي مَهدية٣ من أنه كان إذا أراد الأذان قال: الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين كذلك إلى آخر الأذان، ينطق من ذلك بالمرة الواحدة، ويقول في إثرها: مرتين كما ترى، فيقال له: ليس هكذا الأذان، إنما هو كذا، فيقول: المعنى واحد، وقد علمتم أن التَّكْرَارَ عِيٌّ.

стр. 287

وهذا لعمري مسموع من أبي مَهدية إلا أنه كان مدخولًا، ألا ترى أن أبا محمد يحيى بن المبارك اليزيدي١ وخلفًا الأحمر٢ لما أنفذهما إليه أبو عمرو ليسألاه عن شيء من اللغة لخلاف جرى بينه وبين عيسى بن عمر٣ أتياه وهو يخاطب الشياطين في صلاته: اخسأنانَّ عني، اخسأنان عني٤. وكذلك قول ذي الرمة: وظاهِرْ لها من يابس الشخت٥ فقيل له: أنشدتنا بائس فقال: يابس بائس واحد. وهذا شعر ليست٦ عليه مضايقة الشرع. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: كان يحضر ابنَ الأعرابي شيخٌ من أهل مجلسه، فسمعه يومًا ينشد: وموضِعِ زَبْنٍ لا أُريد بَراحه ... كأني به من شدة الروع آنس٧

стр. 288

فقال له الشيخ: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيد الله، فقال: كيف أنشدتك؟ فقال له: وموضع ضيق، فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم أن الزبْن والضيق شيء واحد؟ فهذا لعمري شائع؛ لأنه شعر وتحريفه جائز؛ لأنه ليس دِينًا ولا عملًا مسنونًا. ومن ذلك ما حكاه ابن أبي عبيدة بن معاوية بن قُرْمُل١ عن أبيه عن جده -وكانت له صحبة- أنه قرأ: "لَوالَوْا إليه"٢ بالألف وفتحة اللام الثانية. قال أبو الفتح: هذا مما اعتقب عليه فَاعَل وفَعَّل؛ أعني: وَالَوا ووَلَّوا، ومثله ضعَّفت وضاعفت الشيء، ووصَّلت الحديث وواصلته، وسوَّفت الرجل وساوفته، ومن أبيات الكتاب: لو ساوَفَتْنا بِسُوف من تحيتها ... سوْفَ العيوف لراح الركب قد قنِعوا٣ سوف العيوف: مصدر محذوف الزيادة؛ أي: مساوفة العيوف. ومن ذلك ما رُوي عن مجاهد: "إِنْ تُعْفَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ" بالتاء المضمومة "تُعَذَّبْ طَائِفَة"٤. قال أبو الفتح: الوجه "يُعْفَ" بالياء لتذكير الظروف، كقولك: سِيرَت الدابة وسِير بالدابة٥، وقُصدت هند وقُصد إلى هند؛ لكنه حمله على المعنى فأنث "تُعْفَ"، حتى كأنه قال: إن تُسامَح طائفة أو إن تُرحم طائفة. وزاد في الأُنس بذلك مجيء التأنيث يليه، وهو قوله: "تُعَذِّبْ طَائِفَةَ"، والحمل على المعنى أوسع وأفشى، منه ما مضى، ومنه ما سترى. ومن ذلك ما يُروى عن مالك بن دينار٦: "فاقعُدوا مع الخَلِفين"٧ بغير ألف.

стр. 289

قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون مقصورًا من "الخالفين" كقراءة الجماعة، وقد جاء نحو هذا، قال الراجز: أصبح قلبي صَرِدَا ... لا يشتهي أن يَردا ألا عَرَادا عَرِدا ... وصِلِّيانا برِدا وعَنْكثا ملتبِدا١ يريد: عارِدا٢ وبارِدا، كما قال أبو النجم: كأن في الفُرْشِ القَتَاد العاردا٣ "٧٢و" وقد حذفت الألف حشوًا في غير موضع. قال: مثل النَّقا لبده ضرب الطِّلل٤ يريد: الطِّلال٥، كقول القُحَيف: دِيار الحي تضربها الطِّلال ... بها أَنَس من الخافي ومالُ٦ وروينا عن قطرب: ألا لا بارك الله في سهيل ... إذا ما الله بارك في الرجال٧ يريد: لا بارك الله، فحذف الألف قبل الهاء. وينبغي أن يكون ألف فعال؛ لأنها زائدة، كقوله تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ ٨، ولا تكون الألف التي هي عين فَعَل في أحد قولي سيبويه: إن أصله: لاهٌ كناب؛ لأن الزائد أولى بالحذف من الأصلي. وقد حذفوا الواو حشوًا أيضًا قالوا: إن الفَقِير بيننا قاضٍ حَكَم ... أن تَرِد الماء إذا غاب النُّجُم٩

стр. 290

يريد: النجوم. وقال الأخطل: كلَمْع أيدي مثاكيل مُسلِّبَةٍ ... يندبْنَ ضَرْس بنات الدهر والْخُطُب١ يريد: الخطوب. وقد حُذفت الياء أيضًا نحو قول عبيد الله بن الحر: وبُدِّلتْ بعد الزعفران وطيبه ... صدا الدِّرع من مستحكِمات المسامر يريد: المسامير. وقال الآخر: والبكرات الفسج العطامسا٢ يريد: العطاميس. فكما حُذفت حروف اللين من هذا ونحوه مما تركناه إجمامًا بحذفه، فكذلك تحذف الألف من "الخالفين" فيصير "الخَلِفين". ومن ذلك قراءة عمر بن الخطاب والحسن وقتادة وسلام٣ وسعيد٤ بن أسعد ويعقوب بن طلحة وعيسى٥ الكوفي: "مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ"٦. قال أبو الفتح: الأنصار معطوف على قوله: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ".

стр. 291

فأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ فيجوز أن يكون معطوفًا على "الأنصار" في رفعه وجره، ويجوز أن يكون معطوفًا على "السابقون"، وأن يكون معطوفًا على "الأنصار" لقربه منه. ومن ذلك قراءة الحسن: "صَدَقَةً تُطْهِرُهُم"١ خفيفة. قال أبو الفتح: هذا منقول من طهَر وأَطهرته كظهر وأَظهرته. وقراءة الجماعة أشبه بالمعنى لكثرة المؤمنين؛ فذلك قرأت: "تُطَهِّرهم"، من حيث كان تشديد العين هنا إنما هو للكثير، وقد يؤدي فعلت وأَفعلت عن الكثرة من حيث كانت الأفعال تفيد أجناسها، والجنس غاية الجموع، ألا ترى أن ما أنشده الحسن من قوله: أنت الفداءُ لقِبلة هدَّمتها ... ونَقَرتها بيديك كل منقَّر ولم يقل: كل نَقْر، وهذا واضح، وعليه قراءة من قرأ: "وَأغْلَقَتِ الْأَبْوَاب"٢، وهو واضح. ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد: "أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهُ رِجَالٌ"٣ بكسر هاء "فيه" الأولى، وضم هاء "فيه" الآخرة مختَلَستين. قال أبو الفتح: أصل حركة هذه الهاء الضم، وإنما تكسر إذا وقع قبلها كسرة أو ياء ساكنة، كقولك: مررت به، ونزلت عليه، وقد يجوز الضم مع الكسرة والياء، وقد يجوز إشباع الكسرة والضمة ومطلهما إلى أن تحدث الواو والياء بعدهما، نحو: مررت بهِي وبهُو، ونزلْتُ عليهِي وعليهُو، وهذا مشروح في أماكنه؛ لكن القول في كسر "فيه" الأولى وضم "فيه" الثانية. والجواب "٧٢ظ" أنه لو كسرهما جميعًا أو ضمهما جميعًا لكان جميلًا حسنًا، غير أن الذي سوَّغ الخلاف بينهما عندي هو تكرير اللفظ بعينه؛ لأنه لو قال: "فيهِ فيهِ"، أو "فيهُ فيهُ" لتكرَّر اللفظ عينه ألبتة، وقد عرفنا ما عليهم في استثقالهم تكرير اللفظ حتى أنهم لا يتعاطونه إلا فيما يتناهى عنايتهم به، فيجعلون ما ظهر من تَجشمهم إياه دلالة على قوة مراعاتهم له، نحو قولهم:

стр. 292

ضربت زيدًا ضربت، وضربت زيدًا زيدًا، وقولهم: قم قائمًا قم قائمًا، وقولهم فيما لا محالة في توكيده؛ أعني الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. ومما يدلك على قوة الكلفة عليهم في التكرير أنهم لما صاغوا ألفاظ التوكيد لم يُرَدِّدوها بأعيانها؛ وذلك كقولهم: جاءني القوم أجمعون أكتعون أبصعون، فخالفوا بين الحروف؛ لكن أعادوا حرفًا واحدًا منها تنبيهًا على عنايتهم وإعلانهم أنه موضع يختارون تجشم التكرير من أجله، وجعلوا الحرف المعاد منه لامَه لأنه مقطع، والعناية بالمقاطع أقوى منها بِمَدْرَج الألفاظ. ألا تراهم يتسمحون بحشو البيت في اختلافه، فإذا وصلوا إلى القافية راعوها ووفَّقوا بين أحكامها؛ أعني: في الروي والوصل والخروج والرِّدْف والتأسيس والحركات؟ وسبب ذلك أنه مقطع، والمعول في أكثر الأمر عليه. ومنه إجماع الناس في الدعاء على أن يقولوا: اختِم بخير، ومنه قول الله سبحانه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ ١ أي: طَعْم مقطعه في طيب رائحة المسك، وهذا ألطف معنى من أن يكون المراد به أن هناك خاتمًا عليه، وأنه من مسك. ومن تجنب التكرير قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ ٢، ولم يقل: من بعد الفتح؛ تجنبًا للتكرير؛ ولهذا -في التكرير وكراهيتهم إياه إلا فيما يدُلُّون بتجشمهم تكريره على قوة اهتمامهم بما هم بسبيله- نظائر، وفيما ذكرنا كافٍ، فعلى هذا تكون هذه القراءة التي هي: "فيهِ فيهُ" اختيرت لوقوع الخلاف بين الحرفين على ما ذكرنا. فإن قيل: فَلِمَ كُسر الأول وضُم الآخر وهلا عُكس الأمر؟ ففيه قولان؛ أحدهما: أن الكسر في نحو هذا أفشى في اللغة فقُدِّم، والضم أقل استعمالًا فأُخر، والثاني: وهو أغمض؛ وهو أن "فيه" الأولى ليست في موضع رفع؛ بل هي منصوبة الموضع بقوله تعالى: "تَقُوم" من قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ، و"فيه" من قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ في موضع الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدم عليه، والمبتدأ "رجال"، و"فيه" خبر عنه، فهو مرفوع الموضع، فلما كان كذلك سُبقت الضمة لتصور معنى الظرف.

стр. 293

ومعاذ الله أن نقول: إن ضمة الهاء من "فيه" عَلَم رفع، كيف ذلك والهاء مجرورة الموضع "بفي"؟ نعم وهي اسم مضمر، والمضمر لا إعراب في شيء منه، وهي أيضًا مكسورة في أكثر اللغة، هل يجوز أن يظن أحد أن الضمة فيها علَم رفع؟ لكن الكلمة مرفوعة الموضع، وتصوُّر معنى الرفع فيها أسبق إلى اللفظ، كما ذهب بعضهم في ضمة تاء المتكلم في نحو: قمتُ وذهبتُ إلى أنها إنما بُنيت "٧٣و" على الضم لَمْحا لموضعها من الإعراب؛ إذ هي مرفوعة، وكانت أقوى من تاء المذكر والمؤنث في نحو: قمتَ وقمتِ؛ فكانت لذلك أحق بذلك. وليس الظرف هنا وصفًا لمسجد؛ بل هو على الاسئناف، والوقف عندنا على قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ، ثم استؤنف الكلام فقيل: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ . وهذا أولى من أن يُجعل الظرف وصفًا "لمسجد"؛ لما فيه من الفصل بين النكرة وصفتها بالخبر الذي هو "أحق"، ولأنك إذا استأنفت صار هناك كلامان، فكان أفخر من الوصف من حيث كانت الصفة مع موصوفها كالجزء الواحد. ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم١ بخلاف: "أفمن أَسَسُ بُنْيانِه خيرٌ أم من أَسَسُ بُنيانِه"٢ في وزن فَعَل، وقرأ: "أَساسُ بُنْيَانِه" بفتح الألف وألف بين السينين نصر بن علي٣ بخلاف، ورُوي عنه أيضًا: "أُسُّ بُنْيانِه" برفع الألف وخفض النون في "بنيانه" والسين مشددة. قال أبو الفتح: يقال: هو أس الحائط وأساسه، فُعْل وفَعَال. وقد قالوا: له أَسّ بفتح الألف، وقد أَسّ البناء يؤسه أَسًّا: إذا بناه على أساس، وقالوا في جمع أُس: آساس، كقفل وأقفال، وقالوا في جمع أساس: إساس وأُسُس، ونظير أساس وإساس ناقة هِجان٤ ونوق هِجَان، ودرع دِلاص٥ وأدرع دِلاص، وإن كان هذا مكسور الأول، فإن فَعَالًا وفِعَالًا تجريان مجرى المثال الواحد، ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيًّا وفيه الألف زائدة ثالثة؟ وقد اعتقبا أيضًا

стр. 294

على المعنى الواحد فقالوا: أَوان وإِوان، ودَواء ودِواء، وحَصاد وحِصاد، وجَزَاز١ وجِزَاز، وجَرَام٢ وجِرَام. وقد يجوز أن يكون إِسَاس جمع أُسّ كبُرد وبِرَاد، وقد يجوز أن يكون حمع أَس كفَرخ وفراخ، وأما أُسُس فجع أساس كقُذُل وقَذَال٣. قال كَذَّاب بني الحِرْماز: وأُس مجد ثابتٌ وطيد ... نال السماءَ فرعُه المديد٤ ومن ذلك ما حكاه ابن سلام قال: قال سيبويه: كان عيسى بن عمر يقرأ: "على تقوًى من الله"٥، قلت: على أي شيء نوَّن؟ قال: لا أدري ولا أعرفه، قلت: فهل نوَّن أحد غيره؟ قال: لا. قال أبو الفتح: أخبرنا بهذه الحكاية أبو بكر جعفر بن علي بن الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الْحُبَاب عن محمد بن سلام. فأما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا في هذه القراءة فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث، كتَتْرًى٦ فيمن نون٧ وجعلها ملحقة بجعفر. وكان الأشبه بقدر سيبويه ألا يقف في قياس ذلك، وألا يقول: لا أدري، ولولا أن هذه الحكاية رواها ابن مجاهد ورويناها عن شيخنا أبي بكر لتوقفت فيها. فأما أن يقول سيبويه: لم يقرأ بها أحد فجائز؛ يعني: فيما سمعه؛ لكن لا عذر له في أن يقول: لا أدري؛ لأن قياس ذلك أخف وأسهل على ما شرحنا من كون ألفه للإلحاق. ومن ذلك قراءة الجماعة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ ٨، وفي قراءة أُبي وعبد الله بن مسعود، ويُروى أيضًا عن الأعمش: "التائبين العابدين".

стр. 295

قال أبو الفتح: أما رفع ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ فعلى "٧٣ظ" قطع واستئناف؛ أي: هم التائبون العابدون. وأما "التائبين العابدين" فيحتمل أن يكون جرًّا وأن يكون نصبًا: أما الجر فعلى أن يكون وصفًا للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ "التائبين العابدين"، وأما النصب فعلى إضمار فعل لمعنى المدح؛ كأنه قال: أعني أو أمدح "التائبين العابدين"، كما أنك مع الرفع أضمرت الرافع لمعنى المدح. ومن ذلك قراءة طلحة: "وما يَسْتَغْفِرُ إبراهيمُ لأَبيه"٢، ورويت عنه أيضًا: "وما استَغفر إبراهيمُ لأَبيه". قال أبو الفتح: أما "يَسْتَغْفِر" فعلى حكاية الحال، كقولك: كان زيد سيقوم، وإن كان متوقعًا منه القيام، وحكاية الحال فاشية في اللغة؛ منها قول الله : ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٣، ولم يقل: أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه؛ وذلك أنه تعالى لما حكى الحال الماضية صار النبي ﷺ ومن يَسمع من بعد كالحاضرين للحال، فقال: هذا، وهذا. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ وهذه اللام إنمتا تدخل على فعل الحال الحاضرة، فحَكى الحال المستأنفة كما حكى السالفة. ومن ذلك قراءة الناس: ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ٥، وقرأ: "خَلَفُوا" -بفتح الخاء واللام خفيفة- عكرمة وزر بن حُبيش٦ وعمرو بن عبيد، ورُويت عن أبي عمرو، قرأ: "خالَفُوا"

стр. 296

أبو جعفر محمد بن علي وعلي بن الحسين١ وجعفر بن محمد٢ وأبو عبد الرحمن السلمي٣. قال أبو الفتح: من قرأ: "خَلَفُوا" فتأويله: أقاموا ولم يبرحوا، ومَن قرأ: "خالَفُوا" فمعناه عائد إلى ذلك؛ وذلك أنهم إذا خالفوهم فأقاموا فقد خلفوا٤ هناك. ومن ذلك قراءة عبد الله بن قُسَيْط المكي: "لقد جاءكم رسولٌ من أَنْفَسِكم"٥. قال أبو الفتح: معناه: من خياركم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع؛ أي: أجوده وخياره، واشتقه من النفس؛ وهي أشرف ما في الإنسان.

стр. 297

سورة يونس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من ذلك قراءة أبي جعفر والأعمش وسهل بن شعيب١: "وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أَنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ"٢. قال أبو الفتح: إن شئت كان تقديره: وعد الله حقًّا؛ لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده؛ أي: من قدرَ على هذا الأمر العظيم فإنه غني عن إخلاف الوعد، وإن شئت كان تقديره: أي وَعَدَ الله وعدًا حقًّا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، فتكون "أنه" منصوبة بالفعل الناصب لقوله: "وعدًا"، ولا يجوز أن يكون "أنه" منصوبة الموضع بنفس "وَعْد" لأنه قد وصف بقوله حقًّا، والصفة إذا جرت على موصوفها أذِنت بتمامه وانقضاء أجزائه، فهي من صلته، فكيف يوصف قبل تمامه؟ فأما قول الحطيئة: أَزمعتُ يأْسًا مبينًا من نَوَالِكُمُ ... ولن تَرى طاردًا للحُرِّ كالياس٣ فلا يكون قوله: من نوالكم من صلة يأس من حيث ذكرنا، ألا تراه قد وصفه بقوله: "مبينًا"؟ وإذا كان المعنى لعمري عليه ومُنع الإعراب منه أُضمر له ما يتناول حرف الجر، ويكون يأسًا دليلًا عليه؛ كأنه قال فيما بعد "٧٤و": يئست من نوالكم.

стр. 298

ومن ذلك قراءة ابن محيصن١ وبلال بن أبي بُردة ويعقوب٢: "أنَّ الحمدَ لله". قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على أَنَّ "أَنْ" مخففة من أَنَّ، بمنزلة قول الأعشى: في فِتيةٍ كسيوف الهند قد علِموا ... أَنْ هالكٌ كلُّ من يَحفي وينتعل٣ أي: أنه هالك، فكأنه على هذا: وآخر دعواهم أنه الحمد الله، وعلى أنه لا يجوز أن يكون "أنْ" هنا زائدة كما زيدت في قوله: ويومًا تُوافينا بوجه مقسَّم ... كأَنْ ظبيةٍ تعطو إلى وارق السَّلَمْ٤ أي: كظبية، وإذا لم يكن ذلك كذلك لم يكن تقديره: وآخر دعواهم الحمد الله، هو كقولك: أول ما أقوله: زيد منطلق. وعلى أن هذا مع ما ذكرناه جائز في العربية؛ لكنَّ فيه خلافًا لتقدير قراءة الجماعة. وفيه أيضًا الحمل على زيادة "أنْ"، وليس بالكثير. ولو قرأ قارئ: إنَّ الحمدَ لله، بكسر الهمزة على الحكاية التي للفظ بعينه لكان جائزًا؛ لكن لا يُقْدَم على ذلك إلا أن يَرد به أَثر وإن كان في العربية سائغًا. وإذا فتح فقال: أنَّ الحمد لله، فلم يحكِ اللفظ بعينه؛ وإنما جاء بمعنى الكلام كقولنا: بلغني أن زيدًا منطلق، فليس هذا على حكاية ما سمع لفظًا، ألا تراه إذا قيل له: قد انطلق زيد، فقال: بلغني أن زيدًا منطلق كان صادقًا وإن لم يؤد نفس اللفظ الذي سمعه؛ لكنه أدى معناه؟ وإن كسَر فقال: إنَّ الحمد لله، فهو مؤدٍ لنفس اللفظ وحَاكٍ له ألبتة.

стр. 299

ومن ذلك ابن شعيب١ قال: سمعت يحيى٢ بن الحارث يقرأ: "لِنَظُّرَ كيف تَعْمَلون"٣ بنون واحدة. قال: فقلت له: ما سمعت أحدًا يقرؤها، قال: هكذا رأيتها في الإمام: مصحف عثمان. أيوب٤ عن يحيى عن ابن عامر: "لِنَظُّرَ" بنون واحدة مثله. قال أبو الفتح: ظاهر هذا أنه أدغم نون ننظر في الظاء، وهذا لا يُعرف في اللغة، ويشبه أن تكون مخفاة؛ فظنها القراء مدغمة على عادتهم في تحصيل كثير من الإخفاء إلى أن يظنوه مدغمًا؛ وذلك أن النون لا تُدغم إلا في ستة أحرف، ويجمعها قولك: يَرْمُلون. ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن وابن سيرين٥: "ولا أَدْرَأْتُكم به"٦. قال أبو الفتح: هذه قراءة قديمة التناكر لها والتعجب منها. ولعمري إنها في بادئ أمرها على ذلك، غير أن لها وجهًا وإن كانت فيه صنعة وإطالة. وطريقه أن يكون أراد: ولا أَدريتكم به، ثم قلب الياء لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة ألفًا؛ كقولهم في ييئس: ياءَس، وفي ييبس: يابَس، وكقولهم: ضَرب عليهم سايَة٧؛ وإنما

стр. 300

يريد: سَيَّة، وهي فَعْلة من سوّيت، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار سَيَّة، ثم قلبت الياء الأولى لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة ألفًا؛ فصارت ساية. وقالوا في الإضافة إلى الْحِيرَة: حاريّ، وإلى طَيّ: طائِيّ، وقالوا: حاحيت١ وعاييت وهاهيت، والأصل: حيحيت وعيعيت وهيهيت، فقلت الياءات السواكن في هذه الأماكن ألفات، فكذلك أيضًا قلبت ياء "أدريتكم" ألفًا فصارت "أدرأتكم" "٧٤ظ". وعلى ذلك أيضًا ما رويناه عن قطرب: أن لغة عقيل أن يقولوا في أعطيتُك: أعطاتك، فلما صارت "أدريتكم" إلى "أرداتكم" همز على لغة مَن قال في الباز: البأز، وفي العالم: العألم، وفي الخاتم: الخأتم، وفي التابل وتابَلْتُ القدر: التأبل، وتأبلت القدر. وأنشد ابن الأعرابي: ولَّى نعامُ بني صفوان زَوْزَأةً ... لَمَّا رأى أسدًا في الغار قد وثبا٢ يريد: زوزاة. ولنحو هذا نظائر قد أوردناها في كتابنا الموسوم بالخصائص في باب ما همَزَتْهُ العرب ولا أصل له في همز مثله٣، فهذا وإن طالت الصنعة فيه أمثل من أن تُعْطَى اليد بفساده وترك النظر في أمره. ومن ذلك قراءة أم الدرداء٤: "حتى إذا كننتم في الفُلْكِيِّ"٥ بكسر الكاف وتثبت الياء. قال أبو الفتح: اعلم أن العرب زادت ياء الإضافة فيما لا يحتاج إليها؛ من ذلك قولهم في الأحمر: أَحمريّ، وفي الأَشهر: أَشهريّ. قال العجاج: والدهر بالإنسان دَوّاريّ٦

стр. 301

أي: دوَّار. وقال فيها أيضًا: غُضْف طواها الأَمس كَلَّابي١ أي: كَلَّاب. فإن قيل: فإن هذا أمر يختص بالصفات، وليس "الفلك" بصفة فتلحقه ياء النسب، قيل: قد جاء ذلك في الاسم أيضًا. ألا ترى إلى قول الصلتان: أنا الصلتانيّ الذي٢ وأيضًا فقد شُبه كل واحد من الاسم والصفة بصاحبه، فغير منكَر أن يُشَبه الفلك بالحلو والمر. ويزيد في شبهه به أن الفلك عندنا اسم مكسَّر، وليس عندنا كما ذهب إليه الفراء فيه من أنه اسم مفرد يقع على الواحد والجمع؛ كالطاغوت ونحوه. وإذا كان جمعًا مكسرًا أشبه الفعل من حيث كان التكسير ضربًا من التصرف، وأصل التصرف للفعل، ألا ترى أن ضربًا من الجمع أشبه الفعل فمُنع من الصرف وهو باب مفاعل ومفاعيل؟ ولأن التكسير أيضًا ثانٍ كما أن الفعل ثانٍ، وإذا أشبه التكسير الفعل من حيث وصفنا قارب الصفة لشدة ملابسة الصفة للفعل لفظًا ومعنًى وعملًا، فهذا عندي هو العذر في إلحاق "الفُلك" ياءي الإضافة في هذه القراءة. ومن ذلك قراءة الأعرج: "وأَزْينَت"٣، وهي أيضًا قراءة نصر بن عاصم وأبي العالية والحسن بخلاف وقتادة وأبي رجاء بخلاف والشعبي وعيسى الثقفي. وقرأ: "وازْيأَنَّت" أبو عثمان النهدي. قال أبو الفتح: أما "أَزْيَنَتْ" فمعناه: صارت إلى الزينة بالنبت، ومثله من أَفعَل أي: صار إلى كذا، أجذع المهر٤ صار إلى الإجذاع، وأحصد الزرع وأجزَّ النخل: أي صار إلى الحصاد

стр. 302

والجزاز، إلا أنه أخرج العين على الصحة، وكان قياسه أَزانت، مثل أشاع الحديث، وأباع الثوب: أي عرضه للبيع. وأما "ازْيأَنَّت" فإنه أراد فعالَّت، وأصله: ازيانَّت مثل: ابياضَّت واسوادَّت، إلا أنه كره التقاء الألف والنون الأولى ساكنتين، فحرك الألف فانقلبت همزة، كقول كُثير: وللأرض أما سُودُها فتجللت ... بياضًا وأما بِيضها فادهأَمت١ "٧٥و" وقد تقدم نظير ذلك فيه. ومن ذلك قراءة مروان على المنبر: "كَأَنْ لَمْ تَتَغَنَّ بِالْأَمْس"٢. قال أبو الفتح: جاء هذا مجيء نظائره؛ كقولهم: تمتعت بكذا، وتأنقت فيه، وتلبَّست بالأمر، مما جاء تفعَّلت على هذا الحد. ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد٣: "بِسُورَةِ مِثْلِهِ"٤ بالإضافة. قال أبو الفتح: هو عندي على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ أي: بسورة كلام مثله، أو حديثٍ مثله، أو ذِكْرٍ مثله، وقد ذكرنا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه. ومن ذلك قراءة الأعمش: "آلحقُّ هو"٥. قال أبو الفتح: اعلم أن الأجناس تتساوى فائدتا٦ معرفتها ونكرتها في نحو هذا، تقول:

стр. 303

ثق بأمانٍ من الله، وثق بالأمان من الله، وهذا حق، وهذا الحق، وهذا صدق، وهذا الصدق. ومنه قولهم: خرجت فإذا بالباب أسد، وإذا بالباب الأسد، المعنى واحد ووضع اللفظ مختلف؛ وسبب ذلك كون الموضع جنسًا، وقد تقدم نحو هذا. ومن ذلك قراءة النبي ﷺ وعثمان بن عفان وأُبي بن كعب والحسن وأبي رجاء ومحمد بن سيرين والأعرج وأبي جعفر بخلاف والسلمي وقتادة والجحدري١ وهلال بن يَسَاف٢ والأعمش بخلاف وعباس بن الفضل وعمرو بن فائد: "فَبِذَلِكَ فَلْتفْرَحُوا"٣ بالتاء، وقرأ: "فبِذَلِكَ فافرَحُوا" أبي بن كعب. قال أبو الفتح: أما قراءة أبي هذه "فافرحوا" فلا نظر فيها؛ لكن "فلتفرحوا" بالتاء خرجت على أصلها؛ وذلك أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر وهو اللام، فأصل اضرب لتضرب، وأصل قم لتقم، كما تقول للغائب: ليقم زيد، ولتضرب هند؛ لكن لما كثر أمر الحاضر نحو: قم، واقعد، وادخل، واخرج، وخذ، ودع؛ حذفوا حرف المضارعة تخفيفًا، بقى ما بعده ودل حاضر الحال على أن المأمور هو الحاضر المخاطب، فلما حذف حرف المضارعة بقى ما بعده في أكثر الأمر ساكنًا؛ فاحتيج إلى همزة الوصل ليقع الابتداء بها، فقيل: اضرب، اذهب، ونحو ذلك. فإن قيل: ولِمَ كان أمر الحاضر أكثر حتى دعت الحال إلى تخفيفه لكثرته؟ قيل: لأن الغائب بعيد عنك، فإذا أردت أن تأمره احتجت إلى أن تأمر الحاضر لتؤدي إليه أنك تأمره، فقلت: يا زيد، قل لعمرو: قم، ويا محمد، قل لجعفر: اذهب، فلا تصل إلى أمر الغائب إلا بعد أن تأمر الحاضر أن يؤدي إليه أمرك إياه، والحاضر لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن خطابك إياه قد أغنى عن تكليفك غيره أن يتحمل إليه أمرك له. ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بالأسماء المسمى بها الفعل في الأمر، نحو:

стр. 304

صَه١، ومَه٢، وإِيه٣، وإِيهًا٤، وحيَّهل٥، ودونك، وعندك، ونحو ذلك. لا تقول: دونه زيدًا، ولا عليه جعفرًا، كقولك: دونك زيدًا، وعليك سعدًا. وقد شذ حرف من ذلك فقالوا: عليه رجلًا لَيْسَنِي. ولهذا المعنى قوِي ضمير الحاضر على ضمير الغائب فقالوا: أنت وهو، فلما صاغوا لهما اسمًا واحدًا صاغوه على لفظ الحضور "٧٥ظ" لا لفظ الغيبة، فقالوا: أنتما، فضموا الغائب إلى الحاضر، ولم يقولوا: هما، فيضموا الحاضر إلى الغائب، فهذا كله يريك استغناءَهم بقُمْ عن لِتَقُم ونحوه. وكأن الذي حسَّن التاءَ هنا أنه أمر لهم بالفرح، فخوطبوا بالتاء لأنها أذهب في قوة الخطاب، فاعرفه، ولا تقل قياسًا على ذلك: فبذلك فلتحزنوا؛ لأن الحزن لا تقبله النفس قبول الفرح، إلا أن تريد إصغارهم وإرغامهم، فتؤكد ذلك بالتاء على ما مضى. ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وسلام ويعقوب، ورُويت عن أبي عمرو: "فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ"٦ مكسورة الميم ورفع "شركاؤكم". وقرأ: "فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ" غير مهموزة والميم مفتوحة "وشُرَكاءَكم" نصبًا الأعرج وأبو رجاء وعاصم الجحدري والزهري، ورُوي عن الأعمش. وفي قراءة أبي: "وادْعُوا شُرَكاءَكم ثم اجمَعوا أَمْرَكم". قال أبو الفتح: أما "فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ" بالرفع، فرفعه على العطف على الضمير في "أَجْمِعوا"، وساغ عطفه عليه من غير توكيد للضمير٧ في "أَجْمِعوا" من أجل طول الكلام بقوله: "أْمْرَكُم". وعلى نحو من هذا يجوز أن تقول: قم إلى أخيك وأبو محمد، واذهب مع عبد الله وأبو بكر، فتعطف على الضمير من غير توكيد وإن كان مرفوعًا ومتصلًا؛ لما ذكرنا من طول الكلام بالجار والمجرور. وإذا جاز قول الله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٨، وأن نكتفي بطول الكلام بـ"لا" وإن كانت بعد حرف العطف؛ كان الاكتفاء من التوكيد بما هو أطول من "لا"، وهو أيضًا قبل الواو، كما أن التوكيد لو ظهر لكان قبلها أحرى.

стр. 305

وعلى ذلك فلو قال قائل: قم وزيد، فعطف على الضمير المرفوع من غير توكيد كان أقبح من قولنا: قمت وزيد؛ وذلك أن المعطوف عليه في قم وزيد ضمير لا لفظ له، فهو أضعف من الضمير في قمت؛ لأن له لفظًا وهو التاء، وقمت وزيد أضعف من قمنا وزيد؛ لأن "نا" من قمنا أتم لفظًا من التاء في قمت. وعليه أيضًا تعلم أن قمتما وزيد أشبه شيئًا من قمنا وزيد؛ لأن "تُما" من قمتما أتم لفظًا من "نا" من قمنا. وكذلك أيضًا قولك للنساء: ادْخلْنانِّ وزيد، أمثل من قولك: دخلتنَّ وزيد؛ لأن "نانِّ" من ادخلنان أطول من "تُنَّ" من دخلتن. فهذه مصارفة وإن خفيت ولطفت تؤثِّر في أنفس العارفين بها ما لا تخطر على أوهام الساهين عنها. وكذلك لو قلت: اضربنا"نِّهِ"١ وزيد؛ لكان أمثل من ادخلنانِّ وزيد؛ لأن "نانِّهِ" ستة أحرف و"نانِّ" أربعة أحرف، وكذلك اضربنانِّهما وزيد أمثل من اضربنانِّه وزيد؛ لأن "نانِّهما" سبعة أحرف و"نانِّه" ستة أحرف، وكذلك الزيدين الثوبين اكسُونانِّهما هما، أمثل من قولك: الزيدين اكسونانِّهما؛ لأن "نانِّهما هما " عشرة أحرف "ونانِّهما" سبعة أحرف. فهذا مبنًى يعاد عليه، ويثنى أشباهه إليه. وجميعه من بعد ليس في قوة التوكيد نحو: قم أنت وزيد، و ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٢؛ وذلك أن التوكيد وإن لم يكن في طول هذه الفروق والفصول، فإن فيه معنى ليس فيها وهو تثبيتة معنى الاسمية للمضمر المتصل "٧٦و" الذي قد شَعَّثَ٣ الفعل فمازجه وصار كجزء منه، فضعفت عن العطف عليه، كما لا يجوز العطف على جزء من الفعل، فإذا وُكِّد صار في حيز الأسماء، ولحق بما يحسن العطف عليه بعد توكيده كما حسن عليها. ومن ذلك قراءة السري بن يَنْعُم: "ثم أَفْضُوا إليَّ"٤ من أفضيت. قال أبو الفتح: معناه: أَسرعوا إليَّ، وهو أَفعلْت من الفضاء؛ وذلك أنه إذا صار إلى الفضاء تمكن من الإسراع، ولو كان في ضيق لم يقدر من الإسراع على ما يقدر عليه من السبعة، ولام

стр. 306

أفضيت والفضاء وما تصرف منهما واو لقولهم: فَضَا الشيء يقضو إذا اتسع، فقولهم: أفضيت: صرت إلى الفضاء؛ كقولهم: أَعرَق الرجل: إذا صار إلى العراق، وأعمن الرجل: إذا صار إلى عُمان، وأنجد: أتى نجدًا، ونحو ذلك. ومن ذلك قراءة مجاهد١ وسعيد بن جبير٢: "إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ"٣. قال أبو الفتح: هذا -على قول٤ قراءة الجماعة: ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ - إشارة إلى الفعل الواقع هناك من قلب العصا حية ونحوه، وهذا -على من قرأ: "لَسَاحِر"- إشارة إلى موسى ﵇، كما أن هذا -من قول الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ٥- إشارة إلى اليوم، وهذا -على قراءة٦ من قرأ: "هَذَا يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ" بالنصب- إشارة إلى الفعل الواقع في هذا اليوم. ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: "قَدْ أُجِيبَتْ دَعَوَاتُكُمَا"٧. قال أبو الفتح: هذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ يراد فيها بالواحد معنى الكثرة؛ وساغ ذلك لأن المصدر جنس، وقد تقدم أن الأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موقع قليلها. ومن ذلك قراءة أُبي بن كعب ومحمد بن السميفع٨ ويزيد البربري: "فاليومَ نُنَحِّيك" بالحاء.

стр. 307

قال أبو الفتح: هذه نُفَعِّلك من الناحية؛ أي: نجعلك في ناحية من كذا، يقال: نَحوْتُ الشيء أنحوه: إذا قصدته، ونَحَّيت الشيء فتنحى: أي باعدته فتباعد فصار في ناحية. قال رؤبة وهو في جماعة من أصحابه ممن يأخذ عنه، وقد أقبلت عجوز منصرفة عن السوق، وقد ضاق الطريق بها عليهم: تَنَحَّ للعجوز عن طريقها ... إذ أقبلت رائحةً من سوقها دعها فما النحويّ من صديقها١ وقال الحطيئة لأمه: تَنَحَّيْ فاقعدي مِنِّي بعيدا ... أراح الله منك العالمينا٢ وقد استَعملت العرب مصدر نحوت الشيء نحوًا ظرفًا؛ كقولك: زيد نحوك: أي في شِقِّك وناحيتك. وعليه ما أنشده أبو الحسن: تَرمِي الأماعيز بِمُجْمَرَات ... بأَرجل رُوحٍ مُحَنِّبَات يحدو بها كلُّ فتى هيَّات ... وهن نحو البيت عامدات٣ فنصب عامدات على الحال لتمام الكلام من قبلها. وقد جمعوا نحوًا على نُحُوّ، فأخرجوه على أصله. ومنه حكاية الكتاب: إنكم لتنظرون في نُحُوّ كثيرة، ومثله من الشاذ بَهو وبُهُو للصدر، وأَب وأُبُوّ، وابن وبُنُوّ. قال القناني يمدح الكسائي "٧٦ظ": أَبى الذمَّ أخلاق الكسائي وانتمى ... به المجدَ أخلاقُ الأُبُوّ السوابق٤

стр. 308

سورة هود: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من ذلك قراءة الناس: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ١، وقرأ: "فَصَلَتْ" بفتح الفاء والصاد خفيفة عكرمة والضحاك والجحدري، ورُويت عن ابن كثير٢. قال أبو الفتح: معنى "فَصَلت": أي صدَرت وانفصلت عنه ومنه، وهو كقولك: قد فَصَل الأمير عن البلد: أي سار عنه. ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف مجاهد ويحيى بن يعمر٣ ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن أفزى٤ والجحدري وابن أبي إسحاق وأبي رَزِين٥ وأبي جعفر محمد بن علي وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد والضحاك وأبي الأسود٦: "يَثْنُونِي صُدُورُهُم"٧ على

стр. 309

تفعوعل، وقرأ: "تَثْنَوِنَّ صُدُورُهُمْ" ابن عباس بخلاف، وقرأ: "تَثْنَئِنَّ صدورُهم" عروة الأعشى، ورُويت عن عروة الأعشى أيضًا: "يَثْنؤنَّ صُدُورَهُمْ"، ورُوي ذلك عن مجاهد أيضًا، ورُوي عن ابن عباس: "تثْنوْنِ صُدُورُهُمْ "، ورُوي عن سعيد بن جبير وأحسبها وَهْمًا: "يُثْنُونَ صُدُورَهُمْ" بضم الياء والنون. قال أبو الفتح: أما "تَثْنَوني" فتفعوعِل، كما قال: وهذا من أبنية المبالغة لتكرير العين؛ كقولك: أعشب البلد، فإذا كثر فيه ذلك قيل: اعشوشب، واخلولقت السماء للمطر: إذا قويت أمارةُ ذلك، واغْدَوْدنَ الشعر: إذا طال واسترخى. أنشدنا أبو علي: وقامت ترائيك مُغْدَوْدِنا ... إذا ما تنوء به آدها١ وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قول الشاعر: لو كنت تعطِي حين تُسْأَلُ سامحتْ ... لك النفسُ واحلولاك كل خليل٢ وقال حُميد بن ثور: فلما مضى عامَين بعد انفصاله ... عن الضرع واحلولى دِماثًا يَرودُها٣ فهذا أقوى معنى من استحلى. وأما "تَثْنَئِنَّ" و"تَثْنَوِنَّ" ففيهما النظر؛ فتثنئن تفعلِلَّ من لفظ الثِّنّ ومعناه، وهو ما هشَّ وضعف من الكلأ. أنشد أبو زيد ورويناه عنه: يأيها الفُصيِّل الْمُعَنِّي ... إنك ريَّان فصَمِّت عَنِّي يكفي اللقوحَ أكلةٌ من ثِنّ٤

стр. 310

وأصله: تثنانُّ، فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى؛ فانقلبت همزة على ما مضى قبل، وعليه قول دُكَين: راكدةٌ مِخلاتُه ومحلبُه ... وجُلُّه حتى ابيأَضَّ ملبَبُه١ يريد: ابياض، فحرك الألف فهمزها على ما مضى، والتقاء المعنيين أن "الثِّنَّ": ما ضعف ولان من الكلأ، فهو سريع إلى طالبه خفيف، وغير معتاص على آكله، وكذلك "صدروهم" مجيبة لهم إلى أن يثنوها؛ ليستخفوا من الله سبحانه. وأما "تَثْنوِنَّ" فإنها تفعوْعل من لفظ الثِّنّ ومعناه أيضًا، وأصلها: تثنونِنُ، فلزم الإدغام لتكرير العين إذ كان غير ملحق، وكذلك قالوا: في مُفعوعل من رَددت مُرْدَوِدّ، وأصلها: مُرْدَوْدِدُ. فلما لم يكن ملحقًا وجب إدغامه؛ فنقلب الكسرة من الدال الأولى فأُلقيت "٧٧و" على الواو، وأُدغمت الدال في الدال فصار مُرْدوِدٌّ، وكذلك أصل هذه: تَثْنَوْنِنُ، فأسكنت النون الأولى، ونقلت كسرتها على الواو، فأُدغمت النون في النون فصار "تَثْنَوِنَّ". وذهب أبو إسحاق في قولهم: مصائب -بالهمز- إلى أن أصلها: مصاوب، فهمزت الواو لانكسارها، كما همزت في إسادة وإعاء، فقياسه على هذا أن تكون "تثنئنَّ" أصلها: تثنوِنُّ، فهمزت الواو لانكسارها، وعلى أن مذهب أبي إسحاق هذا مردود عندنا غير أن قياسه أن يقول ما ذكرنا. وأما "تَثْنَوْنِ صُدُورُهُمْ" بنون مكسورة من غير ياء، ورفع "صدروهم" فإنه أراد الياء، فحذفها تخفيفًا كالعادة في ذلك، ولا سيما والكلمة طويلة بكونها على تفعوعل. وأما "يَثْنَؤُنَّ صُدُورَهُمْ" بالنصب وبالهمزة المضمومة فَوْهم من حاكيه أو قارئه؛ لأنه لا يقال: ثنأت كذا بمعنى تَثَنيْتُه، وكذلك "يُثْنُونَ صُدُورَهُمْ"؛ لأنه لا يُعرف في اللغة أَثنيت كذا بمعنى ثَنيته، إلا أن يكون معناه يجدونها منثنية؛ كقولهم: أحمدته: وجدته محمودًا، وأذممته: وجدته مذمومًا. ومن ذلك قراءة أُبي وابن مسعود٢: "وباطِلًا ما كانوا يَعْمَلُون"٣.

стр. 311

قال أبو الفتح: "باطلًا" منصوب بـ"يعملون"، "ما" زائدة للتوكيد؛ فكأنه قال: وباطلًا كانوا يعملون. ومن بعد ففي هذه القراءة دلالة على جواز تقديم خبر كان عليها؛ كقولك: قائمًا كان زيد، وواقفًا كان جعفر. ووجه الدلالة من ذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، و"باطلًا" منصوب بـ"يعملون"، والموضع إذن لـ"يعملون" لوقوع معموله متقدمًا عليه؛ فكانه قال: ويعملون باطلًا كانوا. ومثله قول الله تعالى: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ؟ ١ استدل أبو علي بذلك على جواز تقديم خبر كان عليها؛ لأن "إياكم" معمول "يعبدون"، وهو خبر كان، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه؛ بحيث يجوز وقوع العامل على ما قدمناه. وعلى نحو من ذلك ما استدل أبو علي على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه بقول الشماخ: كلا يومَى طُوَالة وصْلُ أروى ... ظَنُونٌ آن مُطَّرَحُ الظنُونِ٢ فقال: "كلا" ظرف لقوله: "ظَنون"، و"ظنون" خبر المبتدأ الذي هو "وصل أروى"، فدل هذا على جواز تقديم "ظنون" على "وصل أروى"؛ كأنه قال: ظنون في كلا هذين اليومين وصل أروى؛ أي: هومتهم فيهما كليهما. وقد مضى نحو هذا. ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وأيوب السختياني٣: "فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا"٤. قال أبو الفتح: الجدل اسم بمعنى الجِدال والمجادلة، وأصل ج د ل في الكلام: القوة، منه قولهم: غلام جادل: إذا ترعرع وقوي، وركب فلان جَديلة رأيه: أي صمم عليه ولم يلِن فيه. ومنه الأجدل للصقر؛ وذلك لشدة خَلْقه، وعليه بقية الباب. وكذلك الجِدال إنما هو الاقتواء٥ على خصمك بالحجة، قال الله : ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ٦ أي: مغالبة بالقول "٧٧ظ" وتقويا.

стр. 312

ونحو منه لفظًا قولهم: ظَبْي شادن: أي قد قوي واشتد، والشين أخت الجيم، والنون أخت اللام. ونحو منه قولهم: عطَوت الشيءَ: إذا تناولتَه، وقالوا: أتيت عليه: إذا ملكتَه واشتملت عليه. والعين أخت الهمزة، والطاء أخت التاء، والواو أخت الياء. وهذا باب من اللغة لعله لو تُقرِّيَتْ لأَتى على أكثرها، وقد أَتيتُ على كثير منه في كتاب الخصائص١. ولولا أن القراء لا ينبسطون في هذه الطريق لنبهت على كثير منه. لا، بل إذا كان منتحلو هذا العلم والمترسمون به قلَّما تَطُوع٢ طباعهم لهذا الضرب منه، وإن اضطروا إلى فهم شيء من جملته أظهروا التجاهل به، ولم يشكروا الله على ما لاح لهم وأعرض من طريقه؛ جريًا على عادة مستوخَمة، وإخلادًا إلى خليقة كرِهة مستوبَلة حسدًا يريهم٣ ونَغَلًا٤ يُجويهم. وما أقلهم مع ذلك عددًا! وكذلك هم بحمد الله ولو ضوعفوا مددًا، فما ظنك بالقراء لو جُشموا النظر فيه والتقري لغروره ومطاويه؟ جعلنا الله ممن يأوي إلى طاعته، وأودعنا أبدًا شكر نعمته. ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب ﵇ وعروة٥ بن الزبير وأبي جعفر محمد بن علي وأبي عبد الله جعفر بن محمد: "ونادَى نُوحٌ ابنَهَ"٦، ورُوي عنه عروة: "ابْنَها". وقرأ: "ابْناه" ممدوة الألف السدي٧ على النداء، وبلغني أنه على التَّرَثي٨، ورُوي عن ابن عباس: "نُوحٌ ابنَهْ" جزم. قال أبو الفتح: أما "ابنَهَ" فإنه أراد ابنها، كما يُروى عن عروة فيما قرأ: "ابنها"؛ يعني: ابن امرأته؛ لأنه قد جرى ذكرها في قوله سبحانه: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ ٩، فحذف الألف تخفيفًا، كقراءة

стр. 313

من قرأ: "يا أبَتَ"١. قال أبو عثمان يريد: يا أبتاه، وقد ذكرنا حذف الألف فيما مضى، وأنشدنا البيت الذي أنشده أبو الحسن وابن الأعرابي جميعًا: فلستُ بمدرِك ما فات مني ... بلهفَ ولا بِلَيْتَ ولا لو اني٢ أراد: بهلفا، وغَيَّره. وقراءة السدي: "ابناه" يريد بها الندبة، وهو معنى قولهم: "الترثِّي، وهو على الحكاية؛ أي قال له: يا ابناه، على النداء. ولو أراد حقيقة الندبة لم يكن بُد من أحد الحرفين: يا ابناه، أو واابناه، كقولك فيها: وازيداه، ويازيداه. وأما "ابْنَهْ" بجزم الهاء، فعلى اللغة التي ذكرناها لأزد السراة في نحو قوله: ومِطْواي مشتاقان لَهُ أَرِقَانِ٣ ومن قراءة الأعمش بخلاف: "على الْجُودِي" خفيف. قال أبو الفتح: تخفيف ياءَي الإضافة قليل إلا في الشعر. أنشدنا أبو علي: بَكِّي بعينكِ واكفَ القطر ... ابن الحواري العالي الذِّكْر٤ يريد: "الحواريّ". ورُوي عنهم: لا أكلمك حِيْرِيْ دهر بتخفف الياء، يريد: حِيْرِيّ دهر، وهذا في النثر، فعليه قراءة الأعمش: "الْجُودِي" خفيفًا. ومن ذلك قراءة محمد بن زياد٥ الأعرابي: "فَضَحَكَتْ"٦ فتحًا. قال أبو الفتح: روى ابن مجاهد قال: قال أبو عبد الله بن الأعرابي: الضَّحْك: هو الحيض، وأنشد "٧٨و": ضَحْكُ الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الجوف يوم اللِّقا٧

стр. 314

قال: وأنشد: فجاءت بِمَزْج لم يَرَ الناس مثله ... هو الضّحْك إلا أنه عمَل النحل١ وبعد، فليس في اللغة ضحَكَت؛ وإنما هو ضَحِكت؛ أي: حاضت. قال أحمد بن يحيى: ضحِكت وطَمِثت لوقتها، والضَّحك: الشهد؛ وهو الثلج، وقال أحمد بن يحيى: وهو الطلع، قال محمد بن الحسن: قلت لأبي حاتم في قوله: تضحك الضبْع لِقتلي هذيلٍ٢ قال: من أين لهم أن الضبُع تحيض؟ وقال: يا بني، إنما تكشِر للقتلى إذا رأتهم، كما قالوا: يضحك العَيْر إذا انتزع الصلِّيَانَة٣. ويقال فيه: تضحك الضبْع لقتلَى هذيل أي: تستبشر لقتلاهم لتأكلهم، فيهِرُّ بعضها على بعض، فجلعه ضحِكًا. وترى الذئب لها٤ يستهلُّ أي: يعوي، فيستدعي الذئاب فرحًا بذلك. ومن ذلك قراءة الأعمش: "وَهَذَا بَعْلِي شَيخ"٥. قال أبو الفتح: الرفع في "شيخ" من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون "شيخ" خبر مبتدأ محذوف؛ كأنه قال: هذا شيخ، والوقف إذن على قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ ؛ لأن الجملة هناك قد تمت، ثم استأنف جملة ثانية فقال: "هذا شيخ". والثاني: أن يكون "بعلي" بدلًا من "هذا"، و"شيخ" هو الخبر.

стр. 315

والثالث: أن يكون "شيخ" بدلًا من "بعلي"، وكأنه قال: هذا شيخ، كما كان التقدير فيما قبله: بعلي شيخ. والرابع: أن يكون "بعلي" و"شيخ" جميعًا خبرًا عن هذا؛ كقولك: هذا حُلو حامض؛ أي: قد جمع الحلاوة والحموضة، وكذلك هذا: أي قد جمع البعولة والشيخوخة. فإن قلت: فهل تجيز أن يكون "بعلي" وصفًا "لـ"هذا"؟ قيل: لا؛ وذلك أن هذا ونحو من أسماء الإشارة لا يوصف بالمضاف، ألا تراهم لم يجيزوا مررت بهذا ذي المال، كما أجاوزا مررت بهذا الغلام؟ وإذا لم يجز أن يكون "بعلي" وصفًا لـ"هذا" من حيث ذكرنا لم يجز أيضًا أن يكون عطف بيان له؛ لأن صورة عطف البيان صورة الصفة، فافهم ذلك. وهنا وجه خامس: لكنه على قياس مذهب الكسائي؛ وذلك أنه يعتقد في خبر المبتدأ أبدًا أن فيه ضميرًا وإن لم يكن مشتقًّا من الفعل، نحو: زيد أخوك، وهو يريد النسب، فإذا كان كذلك فقياس مذهبه أن يكون "شيخ" بدلًا من الضمير في "بعلي"؛ لأنه خبر عن "هذا". فإن قلت: فإن الكوفيين لا يُجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا إذا كان من لفظها، نحو قول الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ١، وليس قبل "شيخ" معرفة من لفظه، قيل: أجل، إلا أن هذا اعتبار في الاسمين الملفوظ بكل واحد منهما، فأما الضمير فيه فعلى قياس قول من استودعه إياه فلا لفظ له أيضًا فيعتبر خلافُه أو وفاقُه، وإذا سقط ذلك ساغ، وجاز إبدال النكرة منه لِما ذكرنا من تقديم لفظه المخالف للفظها. ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير والحسن بخلاف ومحمد بن مروان٢ وعيسى الثقفي وابن إبي إسحاق: "هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ"٣ بالنصب. قال أبو الفتح: ذكر سيبويه هذه القراءة وضعفها، وقال فيها: احتَبى ابن مروان في لحنه٤، وإنما قبح ذلك عنده؛ لأنه ذهب إلى أنه جعل "هن" فصلًا، وليست "٧٨ظ" بين أحد الجزأين

стр. 316

اللذين هما مبتدأ وخبر ونحو ذلك، كقولك: ظننت زيدًا هو خيرًا منك، وكان زيد هو القائم. وأنا من بعدُ أرى أن لهذه القراءة وجهًا صحيحًا؛ وهو أن تجعل "هن" أحد جزأي الجملة، وتجعلها خبرًا لـ"بناتي"، كقولك: زيد أخوك هو، وتجعل "أطهر" حالًا من "هن" أو من "بناتي"، والعامل فيه معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد هو قائمًا أو جالسًا، أو نحو ذلك. فعلى هذا مجازه، فأما على ما ذهب إليه سيبويه ففاسد كما قال. ومن ذلك ما رواه الحلواني١ عن قالون٢ عن شيبة: "أو آوِيَ"٣ بفتح الياء. ورُوي أيضًا عن أبي جعفر مثله. قال ابن مجاهد: ولا يجوز تحريك الياء هاهنا. قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي سائغ٤ جائز؛ وهو أن تعطف "آوِيَ" على "قوة" فكأنه قال: لو أن لي بكم قوة أو أُوِيًّا إلى ركن شديد. فإذا صرت إلى اعتقاد المصدر فقد وجب إضمار أن ونصب الفعل بها، ومثله قول مَيْسُون بنت بَحْدَل الكليبية٥: للبسُ عباءة وتقرَّ عيني ... أحب إلى من لُبس الشفوف٦ فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقر عيني؛ أي: لأن ألبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من كذا، وعليه بيت الكتاب أيضًا: فلولا رجالٌ من رِزَامٍ أعزَّةٌ ... وآلُ سُبيع أو أَسُوءك عَلْقَمَا٧

стр. 317

أي: أو أن أسوءَك، فكأن قال: أو مساءَتي إياك، فكذلك هذه القراءة: لو أن لي بكم قوة أو أُوِيًّا؛ أي: أن آوِيَ إلى ركن شديد، وهذا واضح. ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "يُجْرِمَنَّكُمْ"١. قال أبو الفتح: جَرَم الرجل ذنبًا إذا كسَب الْجُرْم، ثم ينقل فيقال: أَجْرَمْتُه ذنبًا إذا كسبته إياه، فعليه جاء: "لَا يُجْرِمَنَّكُم" أي: لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ القوم تركَ العدل، كما يدعو الإنسان الحِفْظَة٢ والغضب إلى ما يَحوب٣ فيه وينال من دينه. ومن ذلك قراءة السلمي: "بَعُدَتْ ثَمُودُ" بضم العين٤. قال أبو الفتح: أما بَعُدَ فيكون مع الخير والشر، تقول: بَعُدَ عن الشر، وبَعُدَ عن الخير، ومصدرها البُعْدُ، وأما بَعِدَ ففي الشر خاصة، يقال: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، ومنه قولهم: أَبْعَدَه الله، فهو منقول من بَعِدَ؛ لأنه دعاء عليه، فهو من بَعِدَ الموضوعة للشر. فقراءة السلمي هذه: "أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ" متفقة الفعل مع مصدره، وإنما السؤال عن قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ . وطريق ذلك أن يكون البُعْدُ بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله في معنى لعنه الله، ومنه قوله: ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيْتُ عنه ... مُقَام الذئب كالرجل اللَّعِين٥ أي: مقام اللعين؛ أي: الْمُبْعَد، وعلى كل حال فالإبعاد للشيء نقص له وابتذال منه، فقد يلتقي معنى بَعِدَ مع معنى بَعُدَ من هذا الموضع، ألا ترى أنهم إذا أَدْنَوْا شيئًا من نفوسهم قالوا: هو الحبيب القريب، فالقرب على كل حال من صفات المدح، فنقيضه إذن من صفات الذم،

стр. 318

ولهذا قالوا: حبذا زيد، ولم يقولوا: حبذاك؛ لأنه موضع بِشَارَة وتَحَفٍّ به، فالقرب أولى به من البعد؛ ولهذ قالوا فيمن يُصطفى: قد أدناه منه، وقد قرُب من قلبه، وعليه قال: ودارٌ أنت ساكنها حبيب ... تَوَددُهَا إلى قلبي قريب "٧٩و" فهذا طريق قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ، وإن شئت كان من هذا الطَّرْز١، وإن شئت كان من معنى اللعنة. ومن ذلك قراءة الزهري وسليمان٢ بين أرقم: "لَمًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ"٣ بالتنوين. ابن مسعود والأعمش: "إِنْ كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ". قال أبو الفتح: أما "لَمًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" بالتنوين، فإنه مصدر كالذي في قوله سبحانه: ﴿وَيأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ ٤ أي: أكلًا جامعًا لأجزاء المأكول، فكذلك تقدير هذا: وإنَّ كلا ليوفينهم ربك أعمالهم لَمًّا؛ أي: توفية جامعة لأعمالهم جميعًا، ومحصلة٥ لأعمالهم تحصيلًا، فهو كقولك: قيامًا لأقومن، وقعودًا لأقعدن. وأما "إِنْ كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" فمعناه: ما كُلٌّ إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه؛ أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ثانٍ؛ وهو أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة، وتجعل "إلا" زائدة، وقد جاء عنهم ذلك، قال: أرى الدهر إلا منجنونا بأهله ... وما طلب الحاجات إلا مُعَلَّلا٦

стр. 319

أي: أرى الدهر منجنونًا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. وعلى ذلك أيضًا تأولوا قول ذي الرمة: حَراجيجُ ما تنفك إلا مُنَاخَةً ... على الْخَسف أو تَرْمي بها بلدًا فقرا١ أي: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة. ومن ذلك قراءة طلحة وقتادة والأشهب، ورُويت عن أبي عمرو: "ولا تَرْكُنُوا"٢ بضم الكاف. قال أبو الفتح: فيها لغتان: رَكِنَ يَرْكَنُ كعلم يعلم، ورَكَن يَرْكُنُ كقتل يقتل، وحُكي عنهم رَكَن يَرْكَن فَعَل يَفْعَل، وهذا عند أبي بكر من اللغات المتداخلة؛ كأن الذي يقول: ركَن بفتح الكاف سمع مضارع الذي يقول: ركِن، وهو يركَن، فتركبت له لغة بين اللغتين، وهي رَكَن يَرْكَن، وقد ذكرنا في كتابنا الخصائص بابًا في تركيب اللغات٣. وعليه كان أبو بكر يقول أيضًا في قولهم ضَفَن٤ الرجل يَضْفِن: إن قائل ذلك سمع قولهم: ضَيْفَنَ٥، وظاهر لفظ ذلك أن يكون فَيْعَلا؛ لأنه أكثر في الكلام٦ من فَعْلَن؛ فصارت نون ضَيْفَن وإن كانت زائدة كأنها أصل لما ذكرناه. فلما استعمل الفعل منه جاء به على ذلك فقال: ضَفَن يَضْفِن، فضَفَن يَضْفِن على حقيقة الأمر إنما هو فَلَن يَفْلِن؛ لأن الضاد فاء والفاء لام، وعين ضيف التي هي ياء محذوفة للشبهة الداخلة هناك من حيث ذكرنا، وله نظائر.

стр. 320

ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف ورواه إسحاق الأزرق١ عن حمزة٢: "فَتِمَسَّكُمُ النَّارُ". قال أبو الفتح: هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو: علمت تِعْلَم، وأنا إِعْلَم وهي تِعْلَم، ونحن نِرْكَب، وتقل الكسرة في الياء، نحو: يِعْلَم، ويِرْكَب؛ استثقالًا للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل مكسورة، نحو: تِنْطَلِق، ويوم تِسْوَدُّ وجوه وتِبْيَضُّ وجوه٣، فكذلك "فَتِمَسَّكُمُ النَّارُ". فأما قولهم: أَبَيْتَ تِيبَي فإنما كسر أول مضارعه وعين ماضيه مفتوحة من قِبَل أن المضارع لما أتى على يَفْعَل -بفتح العين- صار كأن ماضيه مكسور العين حتى كأنه أَبِيَ، وقد شرحنا ذلك في كتابنا المنصف. ومن ذلك: "وزُلُفًا"٤ بضم الزاي واللام، قرأ بها أبو جعفر يزيد وطلحة بن مصرف بخلاف، وعيسى وابن أبي إسحاق، وقرأ: "وزُلْفًا" بضم الزاي ساكنة اللام ابن محيصن ومجاهد. قال أبو الفتح: مَن قال: "٧٩ظ" "زُلُفًا" بضم الزاي واللام جميعًا فواحدته زُلُفَة، وكبُسُرة وبُسُر فيمن ضم السين، ومَن قرأ: "زُلْفًا" بسكون اللام فواحدته زُلْفَة، إلا أنه جمعه جمع الأجناس المخلوقات، كبُرَّة وبُرّ، ودُرَّة ودُرّ؛ وذلك أن الزُّلْفَة جنس من المخلوقات وإن لم يكن جوهرًا، كما أن الدرة والبرة جوهر جنس من الجواهر. وعلى هذا أجاز أبو العباس في قولنا: ضربت ضربًا أن يكون جمع ضربة كحبة وحب، ومثله قول الآخر: حتى اتَّقَوْهَا بالسلام والتَّحِي
следующие страницы →