اللذين هما مبتدأ وخبر ونحو ذلك، كقولك: ظننت زيدًا هو خيرًا منك، وكان زيد هو القائم.
وأنا من بعدُ أرى أن لهذه القراءة وجهًا صحيحًا؛ وهو أن تجعل "هن" أحد جزأي الجملة، وتجعلها خبرًا لـ"بناتي"، كقولك: زيد أخوك هو، وتجعل "أطهر" حالًا من "هن" أو من "بناتي"، والعامل فيه معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد هو قائمًا أو جالسًا، أو نحو ذلك. فعلى هذا مجازه، فأما على ما ذهب إليه سيبويه ففاسد كما قال.
ومن ذلك ما رواه الحلواني١ عن قالون٢ عن شيبة: "أو آوِيَ"٣ بفتح الياء. ورُوي أيضًا عن أبي جعفر مثله. قال ابن مجاهد: ولا يجوز تحريك الياء هاهنا.
قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي سائغ٤ جائز؛ وهو أن تعطف "آوِيَ" على "قوة" فكأنه قال: لو أن لي بكم قوة أو أُوِيًّا إلى ركن شديد. فإذا صرت إلى اعتقاد المصدر فقد وجب إضمار أن ونصب الفعل بها، ومثله قول مَيْسُون بنت بَحْدَل الكليبية٥:
للبسُ عباءة وتقرَّ عيني ... أحب إلى من لُبس الشفوف٦
فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقر عيني؛ أي: لأن ألبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من كذا، وعليه بيت الكتاب أيضًا:
فلولا رجالٌ من رِزَامٍ أعزَّةٌ ... وآلُ سُبيع أو أَسُوءك عَلْقَمَا٧
стр. 317
أي: أو أن أسوءَك، فكأن قال: أو مساءَتي إياك، فكذلك هذه القراءة: لو أن لي بكم قوة أو أُوِيًّا؛ أي: أن آوِيَ إلى ركن شديد، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "يُجْرِمَنَّكُمْ"١.
قال أبو الفتح: جَرَم الرجل ذنبًا إذا كسَب الْجُرْم، ثم ينقل فيقال: أَجْرَمْتُه ذنبًا إذا كسبته إياه، فعليه جاء: "لَا يُجْرِمَنَّكُم" أي: لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ القوم تركَ العدل، كما يدعو الإنسان الحِفْظَة٢ والغضب إلى ما يَحوب٣ فيه وينال من دينه.
ومن ذلك قراءة السلمي: "بَعُدَتْ ثَمُودُ" بضم العين٤.
قال أبو الفتح: أما بَعُدَ فيكون مع الخير والشر، تقول: بَعُدَ عن الشر، وبَعُدَ عن الخير، ومصدرها البُعْدُ، وأما بَعِدَ ففي
الشر خاصة، يقال: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، ومنه قولهم: أَبْعَدَه الله، فهو منقول من بَعِدَ؛ لأنه دعاء عليه، فهو من بَعِدَ الموضوعة للشر. فقراءة السلمي هذه: "أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ" متفقة الفعل مع مصدره، وإنما السؤال عن قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ .
وطريق ذلك أن يكون البُعْدُ بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله في معنى لعنه الله، ومنه قوله:
ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيْتُ عنه ... مُقَام الذئب كالرجل اللَّعِين٥
أي: مقام اللعين؛ أي: الْمُبْعَد، وعلى كل حال فالإبعاد للشيء نقص له وابتذال منه، فقد يلتقي معنى بَعِدَ مع معنى بَعُدَ من هذا الموضع، ألا ترى أنهم إذا أَدْنَوْا شيئًا من نفوسهم قالوا: هو الحبيب القريب، فالقرب على كل حال من صفات المدح، فنقيضه إذن من صفات الذم،
стр. 318
ولهذا قالوا: حبذا زيد، ولم يقولوا: حبذاك؛ لأنه موضع بِشَارَة وتَحَفٍّ به، فالقرب أولى به من البعد؛ ولهذ قالوا فيمن يُصطفى: قد أدناه منه، وقد قرُب من قلبه، وعليه قال:
ودارٌ أنت ساكنها حبيب ... تَوَددُهَا إلى قلبي قريب "٧٩و"
فهذا طريق قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ، وإن شئت كان من هذا الطَّرْز١، وإن شئت كان من معنى اللعنة.
ومن ذلك قراءة الزهري وسليمان٢ بين أرقم: "لَمًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ"٣ بالتنوين. ابن مسعود والأعمش: "إِنْ كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ".
قال أبو الفتح: أما "لَمًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" بالتنوين، فإنه مصدر كالذي في قوله سبحانه: ﴿وَيأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ ٤ أي: أكلًا جامعًا لأجزاء المأكول، فكذلك تقدير هذا: وإنَّ كلا ليوفينهم ربك أعمالهم لَمًّا؛ أي: توفية جامعة لأعمالهم جميعًا، ومحصلة٥ لأعمالهم تحصيلًا، فهو كقولك: قيامًا لأقومن، وقعودًا لأقعدن.
وأما "إِنْ كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" فمعناه: ما كُلٌّ إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه؛ أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ثانٍ؛ وهو أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة، وتجعل "إلا" زائدة، وقد جاء عنهم ذلك، قال:
أرى الدهر إلا منجنونا بأهله ... وما طلب الحاجات إلا مُعَلَّلا٦
стр. 319
أي: أرى الدهر منجنونًا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. وعلى ذلك أيضًا تأولوا قول ذي الرمة:
حَراجيجُ ما تنفك إلا مُنَاخَةً ... على الْخَسف أو تَرْمي بها بلدًا فقرا١
أي: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة.
ومن ذلك قراءة طلحة وقتادة والأشهب، ورُويت عن أبي عمرو: "ولا تَرْكُنُوا"٢ بضم الكاف.
قال أبو الفتح: فيها لغتان: رَكِنَ يَرْكَنُ كعلم يعلم، ورَكَن يَرْكُنُ كقتل يقتل، وحُكي عنهم رَكَن يَرْكَن فَعَل يَفْعَل، وهذا عند أبي بكر من اللغات المتداخلة؛ كأن الذي يقول: ركَن بفتح الكاف سمع مضارع الذي يقول: ركِن، وهو يركَن، فتركبت له لغة بين اللغتين، وهي رَكَن يَرْكَن، وقد ذكرنا في كتابنا الخصائص بابًا في تركيب اللغات٣.
وعليه كان أبو بكر يقول أيضًا في قولهم ضَفَن٤ الرجل يَضْفِن: إن قائل ذلك سمع قولهم: ضَيْفَنَ٥، وظاهر لفظ ذلك أن يكون فَيْعَلا؛ لأنه أكثر في الكلام٦ من فَعْلَن؛ فصارت نون ضَيْفَن وإن كانت زائدة كأنها أصل لما ذكرناه. فلما استعمل الفعل منه جاء به على ذلك فقال: ضَفَن يَضْفِن، فضَفَن يَضْفِن على حقيقة الأمر إنما هو فَلَن يَفْلِن؛ لأن الضاد فاء والفاء لام، وعين ضيف التي هي ياء محذوفة للشبهة الداخلة هناك من حيث ذكرنا، وله نظائر.
стр. 320
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف ورواه إسحاق الأزرق١ عن حمزة٢: "فَتِمَسَّكُمُ النَّارُ".
قال أبو الفتح: هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو: علمت تِعْلَم، وأنا إِعْلَم وهي تِعْلَم، ونحن نِرْكَب، وتقل الكسرة في الياء، نحو: يِعْلَم، ويِرْكَب؛ استثقالًا للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل مكسورة، نحو: تِنْطَلِق، ويوم تِسْوَدُّ وجوه وتِبْيَضُّ وجوه٣، فكذلك "فَتِمَسَّكُمُ النَّارُ".
فأما قولهم: أَبَيْتَ تِيبَي فإنما كسر أول مضارعه وعين ماضيه مفتوحة من قِبَل أن المضارع لما أتى على يَفْعَل -بفتح العين- صار كأن ماضيه مكسور العين حتى كأنه أَبِيَ، وقد شرحنا ذلك في كتابنا المنصف.
ومن ذلك: "وزُلُفًا"٤ بضم الزاي واللام، قرأ بها أبو جعفر يزيد وطلحة بن مصرف بخلاف، وعيسى وابن أبي إسحاق، وقرأ: "وزُلْفًا" بضم الزاي ساكنة اللام ابن محيصن ومجاهد.
قال أبو الفتح: مَن قال: "٧٩ظ" "زُلُفًا" بضم الزاي واللام جميعًا فواحدته زُلُفَة، وكبُسُرة وبُسُر فيمن ضم السين، ومَن قرأ: "زُلْفًا" بسكون اللام فواحدته زُلْفَة، إلا أنه جمعه جمع الأجناس المخلوقات، كبُرَّة وبُرّ، ودُرَّة ودُرّ؛ وذلك أن الزُّلْفَة جنس من المخلوقات وإن لم يكن جوهرًا، كما أن الدرة والبرة جوهر جنس من الجواهر. وعلى هذا أجاز أبو العباس في قولنا: ضربت ضربًا أن يكون جمع ضربة كحبة وحب، ومثله قول الآخر:
حتى اتَّقَوْهَا بالسلام والتَّحِي
стр. 321
يريد: جمع تحية.
والزُّلْفَة: الطائفة من الليل. وأما قراءة الجماعة: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فعلى الظاهر، نحو: غرفة وغرف، وصُفَّة وصُفَف.
ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والعلاء بن سَيَابَة، ورواه حسين الجعفي١ عن أبي عمرو: "وَأُتْبِعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا"٢ بضم الهمزة، وإسكان التاء، وكسر الباء.
قال أبو الفتح: هو عندنا على حذف المضاف؛ أي: أتبع الذين ظلموا جزاء ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين؛ أي: جزاء ما أُترفوا فيه وأجرموا فلم يشكروا؛ بل أُترفوا فيه مجرمين ظالمين.
стр. 322
سورة يوسف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قراءة الناس: ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ ١ بفتح العين، وأسكنها أبو جعفر ونافع٢ بخلاف وطلحة٣ بن سليمان.
قال أبو الفتح: سبب ذلك عندي أن الاسمين لما جُعلا كالاسم الواحد، وبُني الأول منهما لأنه كصدر الاسم، والثاني منهما لتضمنه معنى حرف العطف؛ لم يجز الوقف على الأول لأنه كصدر الاسم من عجزه، فجُعل تسكين أول الثاني دليلًا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك بقية العدد إلى تسعة عشر، إلا اثنا عشر واثني عشر، فإنه لا يسكن العين لسكون الألف والياء قبلهما.
ومما يدلك على أن الاسمين إذا جريا مجرى الاسم الواحد بالتركيب عوملا في مواضع معاملته، ما حكاه أبو عمر الشيباني من قولهم في حضرموت: حَضْرَمُوت بضم الميم؛ ليكون كحَذْرفُوت٤ وتَرْنَمُوت٥ وعنكبوت، وهذا واضح.
стр. 323
ومن ذلك قراءة الأعرج: "فِي غَيَّابَاتِ الْجُبِّ"١ مشددة. وقرأ الحسن: "في غَيْبَة الجب".
قال أبو الفتح: "أما "غيَّابة " فإنه اسم جاء على فَعَّالة، وكان أبو علي يضيف إلى ما حكاه سيبويه من الأسماء التي جاءت على فَعَّال؛ وهو الجبَّار والكلَّاء، الفيَّاد٢ لذكر البوم. ووجدت أنا غير ذلك، وهو التيَّار للموج، والفخَّار للخزف، والحمَّام، والجيار: السعال، والكَرَّار: كبش الراعي.
وأما "غَيْبَة الجب" فيجوز أن يكون حدثا فَعْلَة من غِبْت، فيكون كقولنا: في ظُلمة الجب، ويجوز أن يكون موضعًا على فَعْلَة كالقَرْمَة٣ والْجَرْفَة٤.
ومن ذلك قراءة العلاء بن سيابة: "يَرْتَعِ"٥ بالياء وكسر العين، و"يَلْعَبُ" رفعًا، وقرأ: "يُرْتِعْ وَيَلْعَبْ" أبو رجاء.
قال أبو الفتح: أما "يَرْتَعِ" فجزم؛ لأنه جواب "أرسله"، و"يلعب" مرفوع لأنه جعله استئنافًا؛ أي: هو ممن يعلب، كقولك: زرني أُحسنُ إليك؛ أي: أنا ممن يحسن إليك، إلا "٨٠و" أن الرفع في "أُحسن" هنا يُضعف الضمان، ألا ترى أن معناه: أنا كذلك، وليس فيه قوة معنى الإحسان إليه مع الجزم؟
وأما "يُرْتِعْ وَيَلْعَبْ" فمجزومان لأنهما جوابان؛ أحدهما: معطوف على صاحبه، وهو على حذف المفعول؛ أي: يُرْتِعْ مطيته، فحذف المفعول.
وعلى ذكر حذف المفعول فما أعرَبه وأعذَبه في الكلام! ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ ٦ أي: تذودان إبلهما، ولو نطق بالمفعول لما كان في عذوبة حذفه ولا في علوه. وأنشدنا أبو علي للحطيئة:
منعَّمةٌ تصون إليك منها ... كَصَونِك من رداءٍ شَرْعَبِيِّ٧
стр. 324
أي: تصون الحديث وتَخزُنه، فهو كقول الشَّنْفَرَى:
كأن لها في الأرض نِسْيًا تَقُصُّهُ ... على أمها وإن تخاطبك تَبْلِتِ١
أي: تقطع حديثها حياء وخفرًا. واعتدل في هذا الموضع ذو الرمة، قال:
لها بشَر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هُرَاء ولا نَزْرُ٢
وما أظرف قوله: رخيم الحواشي؛ أي: لا تنتشر حواشيه فتهرأ فيه٣، ولا يضيق عما يُحتاج من مثلها إليه للسماع والفكاهة؛ لكنه على اعتدال، وكما يُستحسن ويستعذب من التِّقال٤، ألا ترى إلى قول الآخر:
ولما قضينا من مِنى كل حاجة ... ومَسَّحَ بالأركان مَن هو ماسحُ
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح٥
ومنه:
وحديث أَلَذُّه هو مما ... تشتهيه النفوس يُوزَن وزْنا
مَنطِقٌ صائب وتلحَن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لَحْنَا٦
أي: تارة تورد القول صائبًا مسددًا، وأخرى تُحرف فيه وتلحن؛ أي: تعدل عن الجهة الواضحة معتمدة لذلك تلعُّبا بالقول، وهو من قوله ﵇: "فلعل أحدكم يكون ألحن
стр. 325
بحجته"١؛ أي: أنهض بها وأحسن تصرفًا فيها. وليس من اللحن الذي هو إفساد الإعراب، ذلك حديث غير هذا، وقد تقصيت هذا المذهب في الخصائص، فليُطلب هناك٢.
ومن ذلك ما رواه عيسى بن ميمون عن الحسن أنه قرأ: "وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عُشًا يَبْكُونَ"٣، قال: عُشْوًا من البكاء.
قال أبو الفتح: طريق ذلك أنه أراد جمع عَاشٍ، وكان قياسه عُشاةً كماشٍ ومُشاة، إلا أنه حذف الهاء تخفيفًا وهو يريدها، كقوله:
أبلغ النعمان عني مأْلُكًا ... أنه قد طال حبسي وانْتِظَارْ٤
أراد: مأْلُكَة، فحذف الهاء. وقد تقصينا ذلك في أماكن من كتبنا، وفيه بعد هذا ضعف؛ لأن قَدْرَ ما بَكَوْا في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان.
ويجوز أن يكون جمع عِشْوة: أي ظلامًا، وجمَعه لتفرِّق أجزائه كقولهم: مُغَيْربانَات٥ وأُصَيْلَال٦، ونحو ذلك.
ومن ذلك قراءة الحسن أيضًا:" "بِدَمٍ كَدِبٍ"٧ بالدال.
قال أبو الفتح: أصل هذا من الكَدَب؛ وهو الفُوفُ؛ يعني: البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث "٨٠ظ" فكأنه دم قد أثَّر في قميصه فلحقته أعراض كالنقش عليه. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بهذه القراءة أيضًا.
стр. 326
ومن ذلك قراءة أبي الطفيل١ والجحدري وابن أبي إسحاق ورُويت عن الحسن: "يَا بُشْرَيَّ"٢.
قال أبو الفتح: هذه لغة فاشية فيهم، ما٣ رويناه عن قطرب من قول الشاعر:
يُطَوِّفُ بي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ ... ويَطْعَنُ بالصُّمُلَّةِ في قَفَيَّا
فإن لم تَثْأَرَا لي من عِكَبٍّ ... فلا أَرْوَيْتُمَا أبدا صَدَيَّا٤
ونظائره كثيرة جدًّا.
وقال لي علي: إن قلب هذه الألف لوقوع الياء بعدها ياء؛ كأنه عوض مما كان يجب فيها من كسرها لياء الإضافة بعدها؛ ككسرة ميم غُلَامِي وياء صاحبي ونحو ذلك، ومَن قلب هذه الألف لوقوع هذه الياء بعدها ياء لم يفعل ذلك في ألف التثنية، نحو: غلاماي وصاحباي؛ كراهة التباس٥ المرفوع بالمنصوب والمجرور.
فإن قيل بعد: وهلا قلبوها وإن صار لفظ ما هي فيه إلى لفظ المجرور كما صار لفظ المرفوع والمنصوب جميعًا إلى لفظ المجرور في نحو: هذا غلامي؛ ورأيت غلامي، قيل: قَلْبُ الألف لوقوع الياء بعدها ياء أغلظ من قلب الضمة والفتحة حيث ذَكرْت كسرة؛ وذلك أن الجناية على الحرف أغلظ من الجناية على الحركة، فاحتُمل ذلك في: هذا غلامي ورأيت غلامي، ولم يُحتمل نحو: هذان غلامَيّ وما جرى مجراه.
فإن قيل: فالذي قال: "يا بُشْرَيَّ" قد جنى على الألف بقلبها ياء، قيل: هذه الألف يمكن أن تقدَّر الكسرة فيها، وحرف التثنية لا تقدير حركة فيه أصلًا عندنا، فجائز أن تقول: "بُشْرَيَّ"، ولم يُقَل: قام غلامَيّ. فأما الحركة في ياء ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ٦ فلالتقاء الساكنين، وهي غير
стр. 327
محفول بها، والحركة قبل الياء من "صَاحِبَي" ونحوه أقوى من حركة التقاء الساكنين، والكلام هنا يطول، لكن هذا مُتَوَجَّهُهُ.
ومن ذلك: "هِئْتُ لك"١ بالهمز وضم التاء، قرأ بها علي ﵇ وأبو وائل وأبو رجاء ويحيى، واختُلف عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة بن مُصَرِّف وأبي عبد الرحمن. وقرأ: "هَيْتِ لَكَ" بفتح الهاء وكسر التاء ابن عباس بخلاف وابن محيصن وابن أبي إسحاق وأبو الأسود وعيسى الثقفي. وقرأ: "هُيِّئْتُ لَكَ" ابن عباس.
قال أبو الفتح: فيها لغات: هَيْتَ لك، وهِيتَ لك، وهَيْتُ لك، وهَيْتِ لك. وكلها أسماء سمي بها الفعل بمنزلة صَه ومَه وإيه في ذلك.
ومعنى "هَيْتَ" وبقية أخواتها: أَسْرِعْ وبادرْ، وقال:
أبلغ أمير المؤمنين ... أخا العراق إذا أتيتا
إن العراق وأهله ... عُنُق إليك فهَيْتَ هَيْتَا٢
وقال طرفة٣:
ليس قومي بالأَبعدين إذا ما ... قال داع من العشيرة: هَيْتُ
هم يجيبون: وا هَلُمَّ سراعا ... كالأَبَابِيل لا يُغَادَرُ بيْتُ
والحركات في أواخرها لالتقاء الساكنين.
وأما "هِئْتُ" بالهمز وضم التاء فَفِعْل، يقال فيه: هِئْتُ٤ أَهِيءُ "٨١و" هيئة كجئت أجيء جيئة؛ أي: تهيأت. وقالوا أيضًا: هِئْتُ أَهَاءُ كخفت أخاف، هذا بمعنى خذ. قال:
أفاطم هائي السيف غير مُذَمَّمِ
стр. 328
أي: خذي السيف.
فأما قول الله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ ١، فحديث غير هذا وتصريف سواه، وفيه طول. وقد ذكرناه في كتاب الخصائص٢.
وأما "هُيِّئْتُ لك" ففعل صريح كهِئْتُ لك، كقولك: أُصْلِحْتُ لك؛ أي: فدونك، وما انتظارك؟ واللام متعلقة بنفس هَيْتَ وهَيْتِ وهِيتَ وهَيْتُ كتعلقها بنفس هلم من قولهم: هَلُمَّ لك، وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف؛ أي: إرادتي لذلك.
فأما "هئتُ لك" و"هيِّئتُ" فاللام فيه متعلقة بالفعل نفسه، كقولك: أُصْلِحْتُ لكذا وصَلَحْت لكذا.
ومن ذلك قراءة ابن يعمر والجارود بن أبي سبرة بخلاف وابن أبي إسحاق ونوح٣ القارئ ورُويت عن أبي رجاء: "من قُبُلُ"٤، و"من دُبُرُ"٥ بثلاث ضمات من غير تنوين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكونا غايتين؛ كقول الله سبحانه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٦ كأنه يريد: وقَدَّت قميصه من دُبُره، وإن كان قميصه قُدَّ من قُبُله، فلما حذف المضاف إليه -أعني: الهاء، وهي مرادة- صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له. وهذا حديث مفهوم في قول الله سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ، فبنَى هنا كما بُني هناك على الضم، ووَكَّد البناء أن قُبُل ودُبُر يكونان طرفين، ألا ترى إلى قول الفرزدق:
يُطَاعِن قُبْلَ الخيل وهو أمامَها ... ويطعنُ عن أدبارها إن تولَّتِ٧
وقال الله سبحانه: "وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ النُّجُومِ"٨ فنصبه على الظرف، وهو جمع دُبُر.
стр. 329
ومن ذلك قراءة علي ﵇ والحسن بخلاف وأبي رجاء ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت البناني١ وعوف الأعرابي وابن أبي مريم٢ والأعرج بخلاف ومجاهد بخلاف وحميد بخلاف والزهري بخلاف وابن محيصن ومحمد بن السميفع وعلي بن حسين بن علي وجعفر بن محمد: "قد شَعفها"٣ بالعين.
قال أبو الفتح: معناه: وصل حبه إلى قلبها، فكاد يحرقه لحدته، وأصله من البعير يُهْنَأ بالقطران فيصل حرارة ذلك إلى قبله. قال الشاعر:
أيقتلني وقد شَعَفْتُ فؤادها ... كما شَعَفَ الْمَهْنُوءَةَ الرجلُ الطَّالِي؟ ٤
وأما قراءة الجماعة: ﴿شَغَفَهَا﴾ بالغين معجمة، فتأويله أنه خرَّق شَغاف قلبها؛ وهو غلافه، فوصل إلى قلبها.
ومن ذلك قراءة الزهري وأبي جعفر وشيبة "مُتَّكًا"٥، مشدد من غير همز، وقرأ: "مُتْكًا" ساكنة التاء غير مهموز ابن عباس وابن عمر والجحدري وقتادة والضحاك والكلبي٦ وأبان بن تغلب، ورُويت عن الأعمش. وقرأ: "مُتَّكَاءً " بزيادة ألف الحسن. وقراءة الناس: ﴿مُتَّكَأً﴾ في وزن مُفْتَعَل.
قال أبو الفتح: أما "مُتَّكًَا" غير مهموز فمبدل من مُتَّكَأ، وهو مفتَعَل من تَوَكَّأْتُ، كمُتَّجَهٍ من تَوَجَّهْتُ، ومُتَّعَد من وعدت. وهذا الإبدال عندنا لا يجوز في "٨١ظ" السعة؛ وإنما هو في
стр. 330
ضرورة الشعر؛ فلذلك كانت القراءة به ضعيفة. وعلى أن له وجهًا آخر؛ وهو أن يكون مفتعَلًا من قوله:
إذا شرب الْمُرِضَّة قال أَوْكِي ... على ما في سقائك قد رَوِينا١
يقال: أَوْكَيْتُ السقاء: إذا شددته، فيكون راجعًا إلى معنى مُتَّكَأ المهموز؛ وذلك أن الشيء إذا شُد اعتمد على ما شده كما يعتمد المتكئ على المتكَأ عليه. فإن سلكت هذه الطريق لم يكن فيه بدل ولا ضعف، فيكون مُتَّكًا على هذا كمُتَّقًى من وقيت، ومُتَّلًى من وَلِيتُ.
وأما "مُتْكًا" ساكنة التاء فقالوا: هو الأُتْرُجُّ٢، ويقال أيضًا: هو الزُّمَاوَرْدُ٣.
وأما "مُتَّكَاءً" فعلي إشباع فتحة الكاف من "متَّكأ"، وقد جاء نحو هذا، أنشدناه أبو علي لابن هَرْمة يرثي ابنه:
فأنتَ من الغَوَائلِ حين تُرْمى ... ومن ذمِّ الرجال بِمُنْتَزَاح٤
يريد: بِمُنْتَزَح، وعليه قول عنترة، وأنشدناه أيضًا سنة إحدى وأربعين بالموصل:
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جسْرةٍ٥
وقال: أراد يَنْبَع، فأشبع الفتحة، فأنشأ عليه ألفًا. ولعمري إن هذا مما تختص به ضرورة الشعر وقلما يجيء في النثر، فوزن "مُتَّكَاء" على هذا مفتعال، كما أن وزن "يَنْبَاعُ" على هذا يَفْعَال، ولو سميت به رجلًا لصرفته في المعرفة؛ لأنه قد فارق شبه الفعل وَزْنًا، ولو سميته بينبع لم تصرفه، كما أنك لو سميته بينظر لم تصرفه، فإن سميته بأَنظور، تريد: فأنظر؛ لصرفته معرفة لزوال مثال الفعل. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بسر الصناعة.
стр. 331
ومن ذلك: "حاشَا اللهِ"١ ابن مسعود وأبي بن كعب. وقرأ: "حاش الإِلَهِ" الحسن. وقرأ: "حَاشْ للهِ" جَزْم الحسن بخلاف.
قال أبو الفتح: أما "حاشا الله " فعلى أصل اللفظة، وهي حرف جر، قال:
حاشا أبي ثوبان إنَّ به ... ضِنًّا على الْمَلْحَاةِ والشَّتْمِ٢
وأما "حاش الإله" فمحذوف من حاشا تخفيفًا٣، وهو كقولك: حاشا الرب وحاشا المعبود، وليس "الإله" هكذا بالهمز هو الاسم العلم؛ إنما ذلك الله -كما ترى- المحذوف الهمزة، على هذا استعملوه علَمًا وإن كان لعمري أصله الإله مكان الله، فإنه كاستعمالهم في مكانه المعبود والرب.
ومنه قوله:
لعنَ الإلهُ وزوجَها معها ... هند الهنود طويلة الفَعل٤
وأما "حاشْ لله" بسكون الشين، فضعيف من موضعين:
أحدهما: التقاء الساكنين: الألف، والشين، وليست الشين مذعمة.
والآخر: إسكان الشين بعد حذف الألف، ولا موجب لذلك؛ وطريقه في الحذف أنه لما حذف الألف تخفيفًا أتبع ذلك حذف الفتحة إذ كانت كالعَرَض اللاحق مع الألف؛ فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، والصفير في الصاد والسين والزاي، والإطباق في الصاد والضاد والطاء والظاء، ونحو ذلك. فمتى حَذفت حرفًا من هذه الحروف ذهب معه
стр. 332
ما يصحبه من التكرير في الراء، والصفير في حروفه، والإطباق في حروفه. وعليه قوله:
رهطُ مَرْجُومٍ ورهطُ ابن الْمُعَلْ١ "٨٢و"
يريد: الْمُعَلَّى، فلما حذف الألف حذف معها فتحتها، فبقي المعلَّ، فلما وقف في القافية المقيدة على الحرف المشدد خففه على العبرة في مثله، كما خففه في نحو قول طرفة:
ففداءٌ لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سُرٍّ وضُرْ
ما أَقَلَّتْ قَدَمِي إنهم ... نَعِمَ الساعون في الأمر الْمُبِرْ٢
فخفف ضُرْ ومُبِرْ، فكذلك خفف "المعَلَّ" فصار الْمُعَلْ. فهذا حديث حذف الفتحة من "حاشْ".
وأما التقاء الساكنين فعلى قراءة نافع "مَحْيَايْ"٣، وعلى ما حُكي عنهم من قولهم: التقت حَلْقَتَا البِطَان٤، بإثبات ألف "حلْقَتَا" مع سكون لام البطان؛ لكن السؤال من هذا عن إدغام لام الجر على "لله" وقبلها "حاشْ" و"حاشا"٥ وهو حرف جر، وكيف جاز التقاء حرفي جر؟
فالقول أن "حاشْ" و"حاشا" هنا فعلان، فلذلك وقع حرف الجر بعدهما.
حكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد قال: سمعت أعرابيًّا يقول: اللهم اغفر لي ولمن سمع حاشا الشيطان وأبا الأصبغ، فنصب بحاشا. وهذا دليل الفعلية، فعليه وقعت بعده لام الجر.
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي الحويرث الحنفي: "ما هذا بِشِرًى"٦ بكسر الباء والشين.
قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد: ما هذا يِمَشْرِيٍّ، من قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ٧ أي:
стр. 333
باعوه؛ أي: ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوُضع المصدر موضع اسم المفعول، كقول الله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ١ أي: مصيده، وكقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ٢ أي: المخلوق، وكقول النبي ﷺ : "الراجع في هبته ... " أي: في موهوبه، وهذا الثوب نسْج اليمن، أي: منسوجه؛ وذلك أن الأفعال لا يمكننا إعادتها. ومنه قولهم: غفر الله لك عِلْمَه فيك؛ أي: معلومه. ومنه قولهم: هذا الدرهم ضَرْب الأمير؛ أي: مضروبه.
والآخر: أن تكون الباء غير زائدة للتوكيد كالوجه الأول؛ لكنها كالتي في قولك: هذا الثوب بمائة درهم، وهذا العبد بألف درهم؛ أي: هذا بهذا، فيكون معناه: ما هذا بثمن؛ أي: مثله لا يُقَوَّم ولا يُثَمَّنُ، فيكون "الشِّري" هنا يراد به المفعول به؛ أي: الثمن المشترَى به، كقولك: ما هذا بألف، وهو نفي قولك: هذا بألف، فالباء إذن متعلقة بمحذوف هو الخبر، مثلها كقولك: كُرُّ٣ البر بستين، ومنوَا٤ السمن بدرهم.
ومن ذلك ما رُوي عن عمر أنه سمع رجلًا يقرأ: "عَتَّى حِينٍ"٥، فقال: مَن أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله أنزل هذا القرآن فجلعه عربيًّا، وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام.
قال أبو الفتح: العرب تُبْدل أحد هذين الحرفين من صاحبه لتقاربهما في المخرج، كقولهم: بُحْثِر ما في القبور؛ أي: بعثر، وضبعت الخيل؛ أي: ضبحت٦، وهو يُحنْظِي ويُعَنْظِي: إذا جاء بالكلام الفاحش، فعلى هذا يكون عتَّى وحتَّى؛ لكن الأخذ بالأكثر استعمالًا، وهذا الآخر جائز وغير خطأ "٨٢ظ".
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "إنِّي أَرانِي أَعْصِرُ عِنَبًا"٧.
قال أبو الفتح: هذه القراءة هي مراد قراءة الجماعة: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ؛ وذلك أن
стр. 334
المعصور حينئذ هو العنب، فسماه خمرًا لما يصير إليه من بعدُ حكايةً لحاله المستأنفة، كقول الآخر:
إذا ما مات مَيْتٌ من تميم ... فسرَّك أن يعيش فجيء بزاد١
أراد: إذا مات حيٌّ فصار ميْتًا كان كذا، أو فليكن كذا. وعليه قول الفرزدق:
قتلت قتيلًا لم يَرَ الناسُ مثلَه ... أُقَلِّبُهُ ذا تُومتين مُسَوَّرَا٢
وقد مضى هذا قبل.
ومن ذلك قراءة عكرمة والجحدري: "فَيُسْقَى ربُّهُ خَمْرًا"٣.
قال أبو الفتح: هذا في الخير يضاهي في الشر قوله: "فيُصْلَبُ"٤؛ لأن تلك نعمة، وهي نَقِمة٥.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن عمر بخلاف وعكرمة ومجاهد بخلاف عنهما والضحاك وأبي رجاء وقتادة وشُبيل بن عَزْرَة الضُّبْعِي٦ وربيعة بن عمرو وزيد بن علي: "وادَّكَرَ بَعْد أَمَهٍ"٧، وقرأ: "بعْد إِمَّةٍ" الأشهب العقيلي.
قال أبو الفتح: "الأَمَهُ": النسيان، أَمِهَ الرجل يَأمَهُ أَمَهًا: أي نسي. "والإِمَّةُ": النعمة؛ أي: بعد أن أنعم عليه بالنجاة.
ومن ذلك قراءة عيسى والأعرج وجعفر بن محمد: "وفيه يُعْصَرُون"٨ بياء مضمومة وصاد مفتوحة.
стр. 335
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب أن معنى "يُعْصَرُون": أي يُمْطَرُون، فإن شئت أخذته من العُصْرَة والعَصَر للمَنْجَاةِ، وإن شئت أخذته من عَصَرَت السحاب ماءها عليهم.
وعليه قراءة الجماعة: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ، فهذا من النجاة. وروينا عن ابن عباس: أي يَعْصِرون من الكرم والأدهان١، فهذا تفسير النجاة: كيف تقع بهم وإليهم؟ قال أبو زبيد:
صاديا يستغيث غير مُغَات ... ولقد كان عُصْرة الْمنْجُود٢
أي: نجاة المكروب.
ومن ذلك قراءة علقمة ويحيى: "رِدَّتْ إلينا٣" بكسر الراء.
قال أبو الفتح: فُعِل من ذوات الثلاثة إذا كان مضعفًا أو معتلًا عينه يجيء عنهم على ثلاثة أضرب: لغة فاشية، والأخرى تليها، والثالثة قليلة، إلا أن المضعَّف مخالف للمعتل العين فيما أذكره.
أما المضعف، فأكثره عنهم ضم أوله كشُدَّ ورُدَّ، ثم يليه الإشمام، وهو شُِدّ ورُِدّ بين ضم الأول وكسره، إلا أن الكسرة هنا داخلة على الضمة؛ لأن الأفشى في اللغة الضم. والثالث -وهو أقلها- شِدّ ورِدّ وحِلّ وبِلّ، بإخلاص الكسرة، فهذا المضعف.
وأما المعتل العين، فأقوى اللغات فيه كسر أوله، نحو: قِيلَ وبِيعَ وسِيرَ به، ثم يليه الإشمام؛ وهو أن تُدخل الضمة على الكسرة؛ لأن الكسر هنا هو الأفشى، فتقول: قُِيلَ وبُِيعَ وعُِيصَ٤، والثالث -وهو أقلها- أن تُخلص الضمة في الأول كما أخلصتَ الكسرة فيه مع التضعيف، نحو: رِدّ وحِلّ، فتصح الواو من بعدها؛ فتقول "٨٣و": قُولَ وبُوعَ، وروينا عن محمد بن الحسن، أظنه عن أحمد بن يحيى:
وابْتُذِلَتْ غَضْبَي وأُمُّ الرِّحالْ ... وقُولَ لا أهلَ له ولا مالْ٥
وقال ذو الرمة:
دنا البيْنُ من ميٍّ فَرِدَّتْ جِمَالُها ... وهاج الهوى تَقْوِيضُها واحتمالُها٦
стр. 336
وهذه لغة لبني ضبة، وبعضهم يقول في الصحيح بكسر أوله: قد ضِرْب زيد، وقِتْل عمرو، وينقل١ كسرة العين على الفاء.
وحُكي عنهم فيما رويناه عن قطرب: بُوعَ متاعُه، وخُورَ له، واخْتُور عليه: أي اخْتِيرَ، وهو الأجود. ومَن أشَمَّ فقال: قُِيل قال: اختير عليه، ومَن قال: شُد قال: اشْتُدَّ عليه، ومن قال: شُِد فأشم أشم أيضًا فقال: اشتُد عليه، ومَن قال: شِدّ قال: اشْتِدَّ عليه.
وحكى الفراء أن بعضهم قرأ: "كشجرةٍ خَبِيثَةٌ اجْتِثَّتْ"٢ بضم تنوين "خبيثة" وكسر تاء "اجتثت". ومن أبيات الكتاب قول الفرزدق:
وما حِل من جهل حُبَا حلمائنا ... ولا قائلُ المعروف فينا يُعَنِّفُ٣
بإشمام ضمة الحاء كسرًا كما ترى.
ومن ذلك قراءة أبي رجاء بخلاف: "صَوْع الْمَلِكِ"٤ بفتح الصاد. وقرأ: "صُوعَ" بضم الصاد بغير ألف عبد الله بن عون بن أبي أَرْطَبَان. وقرأ: "صَوْغَ الملِكِ" بفتح الصاد وبالغين معجمة يحيى بن يعمر. وقرأ: "صاعَ الملِكِ" أبو هريرة٥ ومجاهد بخلاف، وقراءة الناس: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ .
قال أبو الفتح: الصَّاعُ والصُّواعُ والصَّوْعُ والصُّوعُ واحد، وكلها مكيال. وقيل: الصُّواعُ: إناء للملِك يشرب فيه. وأما الصَّوْغُ فمصدر وُضع موضع اسم المفعول؛ يراد به الْمَصُوغُ، كالخلق في معنى المخلوق، والصيد في معنى الْمَصِيدِ، وقد تقدم ذكره.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عَالِمٍ عَلِيمٌ"٦.
стр. 337
قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون من باب إضافة المسمى إلى الاسم؛ أي: وفوق كل شخص يسمى عالمًا عليم. وقد كثر عنهم إضافة المسمى إلى اسمه، منه قول الكميت:
إلَيكُم ذَوِي آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ ... نَوَازِعُ من نَفْسِي ظِماءٌ وأَلْبُبُ١
أي: إليكم يا آل النبي؛ أي: يا أصحاب هذا الاسم الذي هو آل النبي، وعليه قول الأعشى:
فَكَذَّبُوهَا بما قالت فصبَّحهم ... ذُو آلِ حَسَّانَ يُزْجِي الموتَ والشِّرعَا٢
أي: صبحهم الجيش الذي يقال له: آل حسان. ومنه قول الآخر:
وحيّ بَكْرٍ طعنَّا طعنة بَحَرَا٣
أي: الإنسان الحي -الذي يسمى بقولهم: بكرٌ- طعنَّا. وقال الآخر:
أَلَا قَبَحَ الإلهُ بني زياد ... وحيّ أبيهم قَبْحَ الحِمَار٤
أي: وقبح أباهم الحيَّ الذي يقال له: أبوهم، وليس الحي هنا كقولنا: حيّ مُضَر ونحوه. وهو باب من العربية واسع قد تقصيناه في كتاب الخصائص٥.
والوجه الثاني: أن يكون "عالم" مصدرًا كالفالج والباطل "٨٣ظ" فكأنه قال: وفوق كل ذي علم عليم.
والوجه الثالث: أن يكون على مذهب مَن يعتقد زيادة "ذي"؛ فكأنه قال: وفوق كل عالم عليم.
وقراءة الجماعة: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قراءة حسنة محتاط فيها؛ وذلك أنه إذا قال القائل: وفوق كل ذي عالم عليم، كان لفظه لفظ العموم ومعناه الخصوص؛ وذلك لأن الله عالم ولا عالم فوقه، وإذا قال: وفوق كل ذي علم عليم، فذلك مستقيم وسليم؛ لأن القديم تعالى خارج
стр. 338
منه، ألا تراه -عز وعلا- عالمًا لنفسه بلا علم، والكلام ملاقٍ ظاهره لباطنه، وليس لفظه على شيء ومعناه على غيره.
ومن ذلك قراءة الحسن: "ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وُعَاءِ أَخِيهِ"١ بضم الواو.
قال أبو الفتح: وقرأ سعيد بن جبير: "إِعاءِ أخيه" بهمزة، وأصله: وِعاء، فأبدلت الواو وإن كانت مكسورة همزة، كما قالوا في وِسَادة: إِسَادة، وفي وِجَاح، إِجَاح؛ وهو السِّتر. وهمز وُعاء بالضم أقيس من همز المكسور الواو؛ فعليه يحسن بل يقول أُعاء أخيه. ومثله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ٢، وقالوا في وجوه: أُجُوه، وفي وُعِد: أُعِد، وقالوا: أُجْنَةَ٣، قال أبو حاتم: ولم يقولوا: وُجْنَة؛ بل ألزموها الهمز، وقد هُمزت الواو المفتوحة، قالوا: أَحَد، وأصله: وَحَد؛ أعني: أحد عشر ونحوها: من أحد وعشرين إلى فوق.
وأما قولهم: ما بالدار أحد، فقال شيخنا أبو علي: إن الهمزة فيه أصلية؛ لأنه للعموم لا للأَفراد. وقالوا في وَنَاة: أَنَاة، وفي وَجم: أَجم، وفي وَجٍّ للطائف٤: أَجٌّ، وقال أبو عبيدة: قالوا في وَبَلَةِ٥ الطعام: أَبَلَة. وقال أبو بكر في أسماء اسم امرأة: أصلها وَسْمَاء، فَعْلَاءُ من الوَسامَة، كما قيل لها: حسناء.
ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز٦: "مِنْ رُوْحِ اللَّهِ"٧.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون -والله أعلم- من الرُّوح الذي من الله، ويعني به رُوح ابن آدم، وقد أضيف نحو ذلك إلى الله تعالى. قال لنا أبو علي في قولهم:
إذا رَضِيتْ عليَّ بنو قُشَيْر ... لعمر الله أعجبني رضاها٨
стр. 339
أي: وحق العمر الذي وهبه الله لي. وكذلك من رُوح الله: أي من الروح الذي هو من عند الله وبِلُطفه ونعمته.
ومن ذلك قراءة أُبي: "أَئِنَّك أَوْ أَنْتَ يُوسُفُ"١.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر إن، حتى كأنه قال: أئنك لغير يوسف، أو أنت يوسف؟ فكأنه قال: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقف قال: أنا يوسف، وقد جاء عنهم حذف خبر إن، قال الأعشى:
إنَّ مَحَلًّا وإِنَّ مُرْتَحَلَا ... وإنَّ في السَّفْر إذ مضى مَهَلَا٢
أراد: إن لنا محلًّا، وإن لنا مرتحلًا، فحذف الخبر. والكوفيون لا يجيزون حذف خبر إن إلا إذا كان اسمها نكرة؛ ولهذا وجه حسن عندنا وإن كان أصحابنا يجيزونه مع المعرفة.
ومن ذلك قراءة عمر بن ذر، وكان يقرأ قراءة ابن مسعود: "قَدْ أَتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ"٣.
قال أبو الفتح: أراد الياء فيهما جميعًا، فحذفها تخفيفًا ولطول الاسم، كقول الأعشى: "٨٤و"
فهل يَمعنِّي ارتياد البلا ... دِ من حذر الموت أن يَأْتِينْ٤
وهو كثير، وقد مضى مثله.
ومن ذلك قراءة عكرمة وعمرو بن فائد: "والأرضُ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا"٥ بالرفع، وقرأ: "الأرضَ" نصبًا السدي، قراءة الناس: ﴿والْأَرْضِ﴾ .
قال أبو الفتح: الوقف فيمن رفع أو نصب على السماوات، ثم تبتدئ فتقول: "والأرضُ، والأرضَ"؛ فأما الرفع الابتداء، والجملة بعدها خبر عنها، والعائد منها على الأرض "ها" من عليها، و"ها" من عنها عائدة على الآية. وأما من نصب فقال: "والأرضَ يمرون عليها" فبفعل مضمر؛ أي: يطئون الأرض، أو يدوسون الأرض، ونحو ذلك.
стр. 340
وعليه قراءة ابن مسعود: "يَمْشُون عليها"، فلما أضمر الفعل الناصب فسره بقوله: "يمرون عليها". والنصب هنا دليل جواز قولنا: زيد عندك وعمرًا مررت به، فهو كقولك: زيدًا مررت به في الابتداء. ومَن جر "الأرض" على قراءة الجماعة، فإن شاء وقف على "الأرض"، وإن شاء على قوله: "معرضون".
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد والضحاك، بخلاف عنهم: "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذبُوا"١ بفتح الكاف والذال خفيفة.
قال أبو الفتح: تقديره: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذَبوا فيما أَتوا به من الوحي إليهم جاءهم نصرنا.
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "وَلَكِنْ تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ"٢ برفع الثلاثة الأحرف.
قال أبو الفتح: أي ولكن هو تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة، فحُذف المتبدأ وبقي الخبر. ويجوز على هذا الرفع في قوله تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ"٣ أي: ولكن هو رسول الله.
стр. 341
سورة الرعد:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قراءة الناس: ﴿صِنْوَانٌ﴾ ١ إلا الحسن وقتادة، فإنهما قرآ: "صَنْوَان".
قال أبو الفتح: الذي روينا في هذا عن قطرب: "صِنْوانٌ"، قال: وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: "صُنْوانٌ" بضم الصاد، ولم يَحْكِ الفتح.
فأما الواحد فصِنْو بكسر الصاد، وأما الجمع فصِنْوَانٌ بكسرها وصُنْوَان بضمها، والصِّنْوُ: النخلة لها رأسان وأصلها واحد، ومنه قول النبي ﷺ : "العباس عمي وصِنْو أبي"، فكأنه قال: هما فرعان من أصل واحد. والصُّنوان بالضم لتميم وقيس، وبالكسر لأهل الحجاز.
فأما صِنْو وصُِنْوَانٌ فإن نظيره ذئب وذُؤْبان، وقِنْو وقُنْوان٢. وقد يكون مثله شِيح٣ وشِيحان؛ لكن المسئول عنه من هذا صِنْو وصِنْوان: هل هو جمع تصحيح أو جمع تكسير؟ وليس جمعًا مصححًا وإن كان مثال الواحد موجودًا في الجمع؛ وذلك أن جمع التصحيح ضربان: بالواو والنون كالزيدون والعمرون، وبالألف والتاء كالزينبات والصالحات.
وليس فِعْلَان واحدًا منهما، وإذا كان كذلك فينبغي أن تعلم أن المثالين وإن كانا وَفقَين فإن التقديرين مختلفان، فالكسرة في صاد صِنوان غير الكسرة في صاد صِنو، فيتفق "٨٤ظ" اللفظان ويختلف التقديران؛ وإنما صِنْوان من صِنْو كخِرْبان٤ من خَرَب، فكما أن فتحة الخاء من خَرَب غير كسرتها من خِربان لفظًا، فكذلك كسرة الصاد من صِنْوان غير كسرتها من صِنْو تقديرًا.
وجاء تكسير فِعْل على فِعْلان، كما جاز تكسير فعَل عليه، نحو: خَرَب وخِرْبَان وشَبَث٥ وشِبْثَان وبَرَق٦ وبِرْقَان؛ وذلك أن فِعْلا وفَعَلا قد تعاقبا على المعنى الواحد؛ فصارا في ذلك أخوين
стр. 342
نحو: بِدْل وبَدَل وشِبْه وشَبَه ومِثْل ومَثَل، فكما كسروا فَعَلا على فِعْلان -فيما ذكرنا- فكذلك أيضًا كسروا فِعْلا عليه في صِنْو وصِنْوان، وإذا كانت كسرة الصاد من صِنْوان غير كسرتها من صِنْو تقديرًا فكذلك أيضًا سكون النون من صنوان غير سكونها من صِنْو تقديرًا، فكما جاز أن تكون الكسرة غير الكسرة تقديرًا كذلك جاز أيضًا أن يكون السكون في الجمع غير السكون في الواحد.
وكما لا يُشَك في أن فتحة خاء خَرَب غير كسرة خاء خِرْبان، فلا يُشَك أيضًا في أن فتحة راء خَرَب غير سكون راء خِرْبان، فكذلك أيضًا كسرة الصاد في الواحد غير كسرة الصاد في الجمع، وسكون النون في صِنْو غير سكون النون في صِنْوان؛ اعتبارًا لحالي المتفقين بحالي المختلفين.
ونظير اتفاق اللفظين في الحركات مع اختلاف التقديرات قولهم في ترخيم منصور على من قال يا حارِ: يا منْصُ، وكذلك تقول في ترخيم منصور على يا حَارُ: يا منْصُ، فالكسرة على يا حارِ هي ضمة صاد منصور، وهي على يا حَارُ ضمة مجتلبة للنداء غير تلك؛ اعتبارًا بيا حارِ، ويا حارُ. فكما أن الضمة في يا حارُ غير الكسرة في يا حارِ لفظًا، فكذلك ضمة صاد يا منْصُ على يا حارِ غير ضمتها في يا منْصُ على يا حارُ تقديرًا.
وكذلك الفُلْك -في قول سيبويه- وأنت تريد الواحد، وكذلك إذا أردت الجمع؛ وذلك أنه يعتقد أنه كسَّر فُعْلا على فُعْل، كما كسروا فَعَلا على فُعْل، نحو: أَسَد وأُسْد ووثَن ووُثْن فيمن قرأ: "إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه إِلَّا أُثْنَا"١ جمع وثن، فكذلك كُسر فُعْل على فُعْل؛ وذلك أن فُعْلا وفَعَلا قد اعتقبا على المعنى الواحد، كالشُّغْل والشَّغَل، والبُخْل والبَخَل، والْحُزْن والْحَزَن، فكما كسروا فَعَلا على فُعْلا -فيما ذكرنا- كذلك كسروا فُعْلا على فُعْل في الفلك، فالضمة إذن في فاء الفلك وأنت تريد الواحد كالضمة في قاف قُفْل وخاء خُرْج، وهي في الفلك وأنت تريد الجميع كضمة حاء حُمْر وصاد صُفْر، فاللفظان واحد والتقديران اثنان. وقد أفردنا في كتابنا الخصائص بابًا لما اتفق فيه اللفظان واختلف فيه التقديران في الحروف والحركات والسكون٢.
فسكون اللام إذن في الفلك وهو واحد غير سكونها فيه وأنت تريد الجمع؛ اعتبارًا بأَسَد وأُسْد ووَثَن ووُثْن. وقد قالوا في جمع صِنْو: أَصْنَاء، فهذا كقِنْو وأَقْنَاء. ونظير صِنْو
стр. 343
وصِنْوان في اتفاق اللفظين واختلاف التقديران مما جاء على فِعْل وفِعْلان قولهم: قِنْو وقِنْوان، وحِسْل١ وحِسْلان، ورِئْد٢ ورِئْدان، وخِشْف٣ وخِشْفان، وسِيد٤ وسِيدان. هذا هو الظاهر "٨٥و" ومثله كِير الحداد وكِيرَان، وشِيح٥ وشِيحان، وخِيط٦ وخِيطان من النعام، وخِرْص٧ الرمح وخِرْصان، وشِقْد٨ وشِقْدان، ونِسْوة ونِسْوان.
وأما "صَنْوان" بفتح الصاد فليس من أمثلة التكسير؛ وإنما هو اسم للجمع بمنزلة الباقِر٩ والجامِل والسامِر والدابِر. وعلى أن قطربًا لم يحكِ فتح الصاد، وكذلك أبو حاتم في كتابه الذي نرويه عنه في القرآن؛ فإن صح فتح الصاد من "صَنْوان" فهو على ما ذكرناه من كونه اسمًا للجمع، لا مثالًا من أمثلة التكسير. ومثله مما جاء اسمًا مفردًا للجمع غير مكسر قولهم: السَّعْدَان والضَّمْرَان١٠.
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي وطلحة بن سليمان: "الْمَثْلَاتُ"١١، وقرأ: "الْمُثْلَاتُ" يحيى بن وثاب، وقراءة الناس: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾ .
قال أبو الفتح: روينا عن أبي حاتم قال روى: زائدة١٢ عن الأعمش عن يحيى: "الْمَثْلَاتُ" بالفتح والإسكان. قال: وقال زائدة: وبما ثقَّل سليمان١٣ -يعني: الأعمش- يقول: "الْمَثُلَاتُ".
وأصل هذا كله "الْمَثُلَاتُ" بفتح الميم وضم الثاء، يقال: أَمْثَلْتُ الرجل من صاحبه إِمْثَالًا، واقصصْتُه منه إِقْصَاصًا بمعنى واحد، والاسم المثال كالقِصَاص.
فأما من قرأ: "الْمَثُلَاتُ" فعلى أصله، كالسَّمُرَات جمع سَمُرة، والثمُرَات جمع ثَمُرَة١٤.
стр. 344
ومن قال: "الْمُثْلَاتُ" بضم الميم وسكون الثاء احتمل عندنا أمرين:
أحدهما: أن يكون أراد: الْمثُلَات، ثم آثر إسكان الثاء استثقالًا للضمة ففعل ذلك، إلا أنه نقل الضمة إلى الميم فقال: الْمُثْلَات، كما قالوا في عَضُد: عُضْد، وفي عَجُز: عُجْز.
والآخر: أن يكون خفف في الواحد فصار مَثُلَة إلى مُثْلَة، ثم جمع على ذلك فقال: الْمُثْلَات.
فإن قيل: فهلا أتبع الضمَّ الضمَّ، فقيل: الْمُثُلَات، كما نقول في غُرْفة: غُرُفات، وفي حجرة: حُجُرات، ففي ذلك جوابان:
أحدهما: أنه إنما كَرِهَ الْمَثُلَة مع فتح الميم، أفيجمع في الْمُثُلَات بين ضمين، فيصير إلى أثقل مما هرب منه؟
والآخر: أنه لو جمع مُثْلَة بعد أن غيرها عن مَثُلَة على مُثُلَات لكان كأنه جمع مُثْلَة مرتجلة على فُعْلَة، كحُجْرَة وظُلْمَة، فأقرها على سكون الثاء بحاله لذلك.
فإن قيل: هلا لم يجمع بين الضمتين لكن فتح الثاء فقال: الْمُثَلَات هربًا إلى الخفة بالفتح كظُلَمَات وغُرَفَات، قيل: لو كان ممن يرى هذا لأقر المثال الأول بحاله فقال: الْمَثُلَات؛ لأنه إذا فعل ذلك فإنما جمع بين ضمة وفتحة أيضًا، فإذا انصرف عن ذلك ألبتة فلا وجه لمعاودة ما كأنه هو، فضم الميم وأسكن الثاء فقال: الْمُثْلَات، واستغنى عن التعسف بالكلمة إلى هذه الغاية المستبعدة، ثم إنها مع ذلك غير مفيدة ولا مجدية، فهذا هذا.
وروينا عن قطرب أن بعضهم قرأ: "الْمُثُلَات" بضمتين، فهذا إما عامَل الحاضر معه فثقَّل عليه، وإما فيها لغلة أخرى؛ وهي مُثُلَة، كبُسُرة، فيمن ضم السين، وإما فيها لغة ثالثة؛ وهي مُثْلَة كغُرْفَة.
وأما من قال: "الْمَثْلَات" بفتح الميم وسكون الثاء، فإنه أسكن عين الْمَثُلَات "٨٥ظ" استثقالًا لها فأقر الميم المفتوحة. وإن شئت قلت: أسكن عين الواحد فقال: مَثْلَة، ثم جمع وأقر السكون بحاله ولم يفتح الثاء، كما قال في جَفْنَة وتَمْرَة: جَفَنَات وتَمَرَات؛ لأنها ليست في الأصل فَعْلَة؛ وإنما هي مسكَّنة من فَعُلَة، ففصل بذلك بين فَعْلَة مرتجلة وفَعْلَة مصنوعة منقولة من فَعُلَة على ما ترى.
وإن شئت قلت: قد أسكن الثاء تخفيفًا، فلم يراجع تحريكها إلا بحركتها الأصلية لها. وقد يمكن أيضًا أن يكون من قال: "الْمَثُلَات" ممن يرى إسكان الواحد تخفيفًا، فلما صار إلى الجمع
стр. 345
وآثر التحريك في الثاء عاود الضمة؛ لأنها هي الأصل لها، ولم يرتجل لها فتحة أجنبية عنها، كل ذلك جائز.
ومن ذلك قراءة عبيد الله بن زياد: "لَهُ مَعَاقِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه"١.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا تكسير مُعَقِّب أو مُعَقِّبَة، إلا أنه لما حذف إحدى القافين عوض منها الياء، فقال: "معاقيب"، كما تقول في تكسير مقدّم: مقاديم، ويجوز ألا تعوض فتقول: مَعَاقِب كمقادم.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس ﵂ وعكرمة وزيد بن علي وجعفر بن محمد: "يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللهِ"٢.
قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف؛ أي: يحفظونه مما يحاذره بأمر الله. وأما قراءة الجماعة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ فليس معناه أنهم يحفظونه من أمر الله أن ينزل به؛ لكن تقديره: له مُعَقِّبَات من أمر الله يحفظونه مما يخافه، فـ"من" على هذا مرفوعة الموضع؛ لأنها صفة للمرفوع الذي هو "معقبات"، ولو كانت -كما يُظن- أنهم يحفظونه من أمر الله أن ينزل به لكانت منصوبة الموضع؛ كقولك: حفِظت زيدًا من الأسد، فقولك: من الأسد، منصوب الموضع؛ لأنه مفعول حفِظت.
والذي ذكرناه في هذا رأي أبي الحسن، وما أحسنه! فأن قلت: فهلا كان تقديره: يحفظونه من أمر الله؛ أي: بأمر الله، ويُستدل على إرادة الباء هنا بقراءة علي ﵇: "يحفظونه بأمر الله". وجاز أن يحفظوه بأمر الله؛ لأن هذه المصائب كلها في علم الله وبإقداره فاعليها عليها، فيكون هذا كقول القائل: هربتُ من قضاء الله بقضاء الله، قيل: تأويل أبي الحسن أذهب في الاعتداد عليهم؛ وذلك أنه -سبحانه- وكَّل بهم من يحفظهم من حوادث الدهر ومخاوفه
стр. 346
التي لا يعتد عليهم بتسليطها عليهم، وهذا أسهل طريقًا، وأرسخ في الاعتداد بالنعمة عليهم عروقًا.
ومن ذلك قراءة الأعرج بخلاف: ﴿شَدِيدُ الْمَحَالِ﴾ ١ بفتح الميم.
قال أبو الفتح: "الْمَحَال" هنا مَفْعَل من الحِيلة. قال أبو زيد: يقال: ما له حِيلة ولا مَحَالة؛ فيكون تقديره: شديد الحِيلة عليهم، وتفسيره قوله سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ٣، وقال: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ٤، والطريق هنا واضحة.
ومن ذلك قراءة أبى مِجْلَز: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْإيصَالِ﴾ ٥.
قال أبو الفتح: هو مصدر آصلْنَا: دخلنا في وقت الأصيل "٨٦و" ونحن مُؤصلون. وقد ذكرنا هذا فيما مضى من الكتاب.
ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب: "فَنَعْم عُقْبى الدارِ"٦.
قال أبو الفتح: أصل قولنا: نِعْم الرجل ونحوه نَعِمَ كعَلِمَ، وكل ما كان على فَعِل وثانيه حرف حلقى فلهم أربع لغات، وذلك نحو: فخِذ، ومَحِك٧، ونَغِر٨، بفتح اللام وكسر الثانى على الأصل. وإن شئت أسكنت الثانى وأقررت الأول على فتحه فقلت: فَخْذ، ومَحْك، ونَغْر. وإن شئت أسكنت ونقلت الكسرة إلى الأول فقلت: فِخْذ، ومِحْك، ونِغْر. وإن شئت أتبعت الكسر الكسر فقلت: فِخِذ، ومِحِك، ونِغِر. وكذلك الفعل نحو: ضَحِك، وإن شئت
стр. 347
ضَحْك، وإن شئت ضِحْك، وإن شئت ضِحِك. فعلى هذ القول: نَعِمَ الرجل، وإن شئت: نعْم، وإن شئت نِعْمَ، وإن شئت نِعِمَ. فعليه جاء: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ . وأنشدنا أبو علي لطرفة:
ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سُر وضُرْ
ما أقلَّتْ قدمي إنهم ... نَعِمَ الساعون في الأمر الْمُبِرْ١
وروينا عن قطرب: نَعِيم الرجل زيد، بإشبع كسرة العين وإنشاء ياء بعدها كالمطافيل٢ والمساجيد. ولَا بُدَّ من أن يكون الأمر على ما ذكرنا؛ لأنه ليس في أمثلة الأفعال فعِيل ألبتة.
ومن ذلك قراءة علي ﵇ وابن عباس وابن أبي مليكة٣ وعكرمة والجحدري وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد وأبي يزيد المدني وعلي بن بديمة وعبد الله بن يزيد: "أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الذين"٤.
قال أبو الفتح: هذه القراءة فيها تفسير معنى قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وروينا عن ابن عباس أنها لغة وَهْبِيل: فخذ من النَّخَع، قال:
ألم ييئس الأقوام أني أنا ابنُه ... وإن كنتُ عن أرض العشيرة نائيا٥
وروينا لسُحيم بن وَثِيل:
أقول لأهل الشِّعْبِ إذ يأسِرُونني ... ألم تيئسوا أني ابن فارس زَهْدم٦
أي: ألم تعلموا. ويشبه عندي أن يكون هذا راجعًا أيضًا إلى معنى اليأس؛ وذلك أن المتأمل للشيء المتطلب لعلمه ذاهب بفكره في جهات تعرفه إياه، فإذا ثبت يقينه على شيء من أمره اعتقده وأَضرب عما سواه، فلم ينصرف إليه كما ينصرف اليائس من الشيء عنه، ولا يلتفت إليه. وهذه
стр. 348
اللغة هكذا طريق صنعتها وملاءمة أجزائها وضم نَشَرِها وشتاتها، فإن لم تطبَن١ لها وتُلاقِ بين متهاجراتها بَدَّت٢ فِرقًا، وكانت حرية لو لاطفْتَها بالتعانق والالتقاء فرفقًا رفقًا، لا عُنفًا ولا خُرقًا.
ومن ذلك قراءة النبي ﷺ وعلى وابن عباس وأبي ﵃ وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد بخلاف والحسن بخلاف وعبد الرحمن بن أبي بكرة وابن أبي إسحاق والضحاك والحكم بن عتيبة، ورُويت عن الأعمش: "وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ"٣، وقرأ: "ومِنْ عِنْدِهِ" بكسر الميم والدال والهاء "عُلِمَ الكتابُ" بضم العين وفتح الميم علي وابن السميفع "٨٦ط" والحسن. وقراءة الجماعة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ .
قال أبو الفتح: مَن قرأ: "وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ" فتقديره ومعناه: من فضله ولطفه علم الكتاب، ومَن قرأ: "وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ" فمعناه معنى الأول، إلا أن تقدير إعرابه مخالف له؛ لأن من قال: "وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ" فـ "من" متعلقة بمحذوف، "وعلمُ الكتاب" مرفوع بالابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ٤. ومن قال: "وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ" فـ"من" متعلقة بنفس "عُلم"، كقولك: من الدار أُخرج زيد؛ أي: أخرج زيد من الدار، ثم قَدَّمتَ حرف الجر. وقراءة الجماعة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ فالعلم مرفوع بنفس الظرف؛ لأنه إذا جرى الظرف صلة رفع الظاهر لإيغاله في قوة شبهه بالفعل، كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه.
стр. 349
سورة إبراهيم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرأ أبو السمال: "بِلِسْنِ قَوْمِهِ"١.
قال أبو الفتح: حُكي أن بعض أصحابنا قال: دخلت علي أبي السمال وهو ينتف شعر إسْبِهِ وهو يقرأ: "ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسْنِ قومه"، وإِسْبُهُ يعني عانته، فاللِّسْنُ واللسان، كالريش والرياش: فِعْل وفِعَال بمعنى واحد. هذا إذا أردت باللسان اللغة والكلام. فإن أردت به العضو فلا يقال فيه: لِسْن؛ إنما ذلك في القول لا العضو. وكأن الأصل فيهما للعضو، ثم سَمَّوا القول لسانًا؛ لأنه باللسان، كما يُسَمى الشيء باسم الشيء لملابسته إياه؛ كالراوية٢ والظعينة٣ ونحوها.
ومن ذلك قراءة الحسن: "فَلِيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"٤.
قال أبو الفتح: هذا لعمري الأصل في لام الأمر: أن تكون مكسورة، إلا أنهم أقروا إسكانها تخفيفًا. وإذا كانوا يقولون: مُرْه فلْيَقُمْ، فيسكنونها مع قلة الحروف والحركات، فإسكانها مع كثرة الحروف والحركات أمثل، وتلك حالها في قوله: "فَلِيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، لا سيما وقبلها كسرة الهاء، فاعرف ذلك، فإن مصارفة الألفاظ باب معتمد في الاستثقال والاستخفاف.
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: "وَاسْتَفْتِحُوا"٥.
стр. 350
قال أبو الفتح: هو معطوف على ما سبق من قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ ١ أي: قال لهم: اسْتَفْتِحُوا، ومعناه: استنصِروا الله عليهم، واستحكموه بينكم وبينهم، والقاضى اسمه الفتاح، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ ٢ أي: تستنصروا فقد جاءكم النصر. وعليه سَمَّوا الظفر بالعدو فتحًا، ومنه الحديث أن النبي ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين٣؛ أي: يستنصر بهم. وقال أحمد بن يحيى: أي يقدِّمهم ويبدأ أمره بهم، وكأنهم إنما سَمَّوا القاضي فتَّاحًا لأنه يفتح باب الحق الذي هو واقف ومنسد، فيُصار إليه ويُعمل عليه.
ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بُكَير: "فِي يَوْمِ عَاصِفٍ"٤ بالإضافة.
قال أبو الفتح: هذا على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ أي: في يوم ريح عاصف، وحسن "٨٧و" حذف الموصوف هنا شيئًا؛ لأنه قد أُلف حذفه في قراءة الجماعة: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ .
فإن قيل: فإذا كان "عاصف" قد جرى وصفًا على "يوم" فكيف جاز إضافة "يوم" إليه، والموصوف لا يصاف إلى صفته؛ إذ كانت هي هو في المعنى؛ والشيء لا يضاف إلى نفسه؟ ألا تراك لا تقول: هذا رُجُلُ عاقلٍ، ولا غلامُ ظريفٍ، وأنت تريد الصفة؟ قيل: جاز ذلك من حيث كان "اليوم" غير العاصف في المعنى وإن كان إياه في اللفظ؛ لأن العاصف في الحقيقة إنما هو الريح لا اليوم، وليس كذلك هذا رُجُلُ عاقلٍ؛ لأن الرجل هو العاقل في الحقيقة، والشيء لا يضاف إلى نفسه، فهذا فرق.
ومن ذلك قراءة السلمي: ﴿أَلَمْ تَرْ أَنَّ اللَّهَ﴾ ٥ ساكنة الراء.
قال أبوالفتح: فيها ضعف؛ لأنه إذا حذف الألف للجزم فقد وجب إبقاؤه للحركة قبلها
стр. 351
دليلًا عليها، وكالعوض منها لا سيما وهي خفيفة، إلا أنه شبه الفتحة بالكسرة المحذوفة في نحو هذا استخفافًا. أنشد أبو زيد:
قالت سليمى اشْتَرْ لنا دقيقا١
وأنشدنا أيضًا:
قالت سليمى كَلْمَةً تَلجْلَجَا ... لو طُبخ النِّيء به لَأُنْضِجَا
يا شيخ لا بدَّ لنا أن نَحْجُجَا ... قد حج في ذا العامِ مَن كان رَجا
فاكْتَرْ لنا كَرِيَّ صدق فالنَّجا ... واحذر فلا تَكْتَرْ كَرِيًّا أَعْوجَا
عِلْجًا إذا ساق بنا عَفَنْجَجَا٢
فأسكن الراء من "اشترْ" و"اكترْ" استخفافًا، أو إجراء للوصل على حد الوقف. وروينا عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قول الشاعر:
ومن يتَّقْ فإن الله معه ... ورِزقُ الله مُؤتابٌ وغادِي٣
فأسكن قاف "يتقْ" لما ذكرنا، وكذلك شبه السلمى "أَلَمْ تَرْ" بذلك إذا كانت الكسرة أثقل، أو لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف.
ومن ذلك قراءة الحسن: "وَأُدْخِلُ الَّذِينَ"٤ برفع اللام.
قال أبو الفتح: هذه القراءة على أن "أُدْخِلُ" من كلام الله تعالى؛ كأنه قطَع الكلام واستؤنف
стр. 352
فقال الله : "وَأُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا" أي: وأنا أدخلُهم جنات تجرى من تحتها الأنهار بإذن ربهم؛ أي: بإذني، إلا أنه أعاد ذكر الرب ليضيفه إليهم، فتقوى الملابسة باللفظ، فيكون أحنى وأذهب في الإكرام والتقريب منه لهم. ومثله في القرآن: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ ٢، فهذا كله تحقُّق بالله تعالى، وتقرب منه، وانتساب إليه.
ومن ذلك قراءة أنس بن مالك: "كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابتٍ أَصْلُهَا"٣.
قال أبو الفتح: قراءة الجماعة: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ أقوى معنى؛ وذلك أنك إذا قلت: "ثابت أصلها" فقد أجربت ثابتًا صفة على شجرة، وليس الثبات لها؛ إنما هو للأصل. ولعمري إن الصفة إذا كانت في المعنى لِما هو من سبب الموصوف جرت عليه؛ إلا أنها إذا كانت له كانت أخص لفظا به.
وإذا كان الثبات في الحقيقة إنما هو للأصل فالمعتمد بالثبات هو الأصل، فبِقَدْر ذلك ما٤ حسن تقديمه عناية به ومسارعة إلى ذكره، ولأجل ذلك قالوا: زيد ضربته "٨٧ظ" فقدموا المفعول لأن الغرض هنا ليس بذكر الفاعل؛ وإنما٥ هو ذكر المفعول، فقدموه عناية بذكره، ثم لم يُقْنِع ذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة وجعلوه في اللفظ رَبَّ الجملة، فرفعوه بالابتداء، وصارت الجملة التي إنما كان ذيلًا لها وفضلة ملحقة بها في قولهم: ضربت زيدًا، ثانية له، وواردة في اللفظ بعده، ومسندة إليه، ومخبَرًا بها عنه. وقد تقدم في هذا الكتاب نحو هذا مستقصى.
فكذلك قولك: مررت برجل أبوه قائم، أقوى معنى من قولك: قائم أبوه؛ لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا رجل؛ ومن هنا ذهب أبو الحسن في نحو قولنا: قام زيد، إلى أن قام في موضع؛ لأنه وقع موقع الاسم؛ لأن تقدير المحدَّث عنه أن يكون أسبق رتبة من الحديث،
стр. 353
إلا أن لقراءة أنس هذه وجهًا من القياس حسنًا؛ وذلك أن قوله: "ثَابِتٍ أَصْلُها" صفة لشجرة، وأصل الصفة أن تكون اسمًا مفردًا لا جملة، يدل على ذلك أن الجملة إذا جرت صفة للنكرة حُكم على موضعها بإعراب المفرد الذي هي واقعة موقعه.
فإذا قال: "ثَابِتٍ أصلُها" فقد جرى لفظ المفرد صفة على النكرة، وإذا قال: "أصلُها ثابت" فقد وضع الجملة موضع المفرد، فالموضع إذن له لا لها.
فإن قلت: فليس اللفظ مفردًا، ألا ترى أنه ثابت أصلها؟ قيل: هذا لا يبلغ به صورة الجملة؛ لأن ثابتًا جارٍ في اللفظ على ما قبله، وإنما فيه أنه وضع أصلها لتضمنه لفظ الضمير موضع الضمير الخاص بالأول، وليس كذلك "أصلها ثابت"؛ لأن معك صورة الجملة ألبتة، فهذا تقوية لقول أنس.
وكان أبو علي يعتذر من إجازتهم: مررت برجل قائمٌ أبوه، ويقول: إنما ذلك لأن الجملة نكرة، كما أن المفرد هنا لو وقع لم يكن إلا نكرة؛ لأن موصوفه نكرة.
ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن والضحاك ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن فائد ويعقوب: "مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ"١ بالتنوين.
قال أبو الفتح: أما على هذه القراءة فالمفعول ملفوظ به؛ أي: وآتاكم ما سألتموه أن يؤتيكم منه. وأما على قراءة الجماعة: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ على الإضافة فالمفعول محذوف؛ أي: وآتاكم سؤلكم من كل شيء؛ أي: وآتاكم ما ساغ إيتاؤه إياكم أياه منه، فهو كقوله : ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ أي: أوتيت من كل شيء شيئًًا. وقد سبق ذكرُنا حذف المفعول للعلم به، وأنه مع ذلك عذْب عالٍ في اللغة.
ومن ذلك قراءة الجحدري والثقفي وأبي الْهَجْهاج: "وَأَجْنِبْنِي"٣ بقطع الألف.
قال أبو الفتح: يقال: جنَبتُ الشيء أَجْنُبُه جُنُوبًا، وتميم تقول: أجنَبْتُهُ أُجْنِبُه إِجْنَابًا؛ أي: نَحَّيته عن الشيء. فجنَبتُهُ كصرفته، وأَجنَبتُهُ جعلته جنِيبًا عنه، وكذلك: ﴿وَاجْنُبْنِي
стр. 354
وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ أي: اصرفني وإياهم عن ذلك، وأَجْنِبني: أي اجعلني كَالْجَنِيبِ لك؛ أي: المنقاد معك عنها.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وأبي جعفر محمد بن علي وجعفر بن محمد ﵈ ومجاهد: "تَهْوىَ"١ بفتح الواو، وقرأ "٨٨و" مسلمة بن عبد الله: "تُهوَى إليهم".
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِم﴾ بكسر الواو فتميل إليهم: أي تحبهم، فهذا في المعنى كقولهم: فلان يَنْحَط في هواك؛ أي: يُخلد إليه ويقيم عليه؛ وذلك أن الإنسان إذا أحب شيئًا أكثر من ذكره وأقام عليه، فإذا كرهه أسرع عنه وخف إلى سواه، وعلى ذلك قالوا: أَحبَّ البعيرُ: إذا برك في موضعه، قال:
حُلْت عليه بالقطيع ضَربَا ... ضرب بعير السوء إذا أَحَبَّا٢
أي: برك.
ومنه قولهم: هَوِيت فلانًا، فهذا من لفظ هَوَى الشيء يَهْوِي، إلا أنهم خالفوا بين المثالين لاختلاف ظاهر الأمرين وإن كانا على معنى واحد متلاقيين، فقراءة علي ﵇: "تَهْوَى إليهم" بفتح الواو؛ وهو من هَوِيتُ الشيء إذا أحببته، إلا أنه قال: "إليهم"، وأنت لا تقول: هوِيت إلى فلان؛ لكنك تقول: هويت فلانًا؛ لأنه ﵇ حمله على المعنى، ألا ترى أن معنى هوِيت الشيء ملت إليه؟ فقال: "تهوَى إليهم" لأنه لاحظ معنى تميل إليهم. وهذا باب من العربية ذو غور، وقد ذكرناه في هذا الكتاب.
ومنه قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٣، عدَّاه بإلىوأنت لا تقول: رَفَثْتُ إلى المرأة، وإنما تقول: رفثتُ بها أو معها؛ لكنه لما كان معنى الرَّفَث معنى الإفضاء عداه بإلى ملاحظة لمعنى ما هو مثله، فكأنه قال: الإفضاء إلى نسائكم، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ ٤ لما كانت التوبة سببًا للعفو لاحظ معناه فقال: عن عباده، حتى كأنه قال: وهو الذي يقبل سبب العفو عن عباده، وقد أفردنا لهذا ونحوه في الخصائص بابًا٥.
стр. 355
وأما "تُهوَى إليهم" فمنقول من تهوِي إليهم، وإن شئت كان منقولًا من قراءة علي ﵇: "تَهْوَى"، كلاهما جائز على ما مضى.
ومن ذلك قراءة يحيى بني يعمر: "ولِوُلْدِي"١، وقرأ: "لِوَلَدَيّ" على اثنين الحسين بن علي والزهري وإبراهيم النخعي٢ وأبو جعفر محمد بن علي، وقرأ: "ولِوالِدِي" يعني: أباه وحده سعيد بن جبير.
قال أبو الفتح: الوُلْدُ يكون واحدًا ويكون جمعًا، قال في الواحد:
فليت زيادًا كان في بطن أمه ... وليت زيادًا كان وُلْد حمار٣
ومن كلام بني أسد: وُلْدُكِ من دمي عقِبيكِ؛ أي: وُلْدُك مَن وَلَدتِهِ فسال دمكِ على عقبيكِ عند ولادته، لا مَن اتخذته وَلَدًا، قريبًا كان منك أو بعيدًا.
وإذا كان جمعًا فهو جمع وَلَد كأَسَد وأُسُد، وخَشبَة وخُشْب. وقد يجوز أن يكون الوُلْد أيضًا جمع وُلْد كالفُلْك في أنه جع الفُلْك، وقالوا: كُور الناقة للواحد والجماعة على هذا، ورجل هُود: أي تائب، وقوم هود. وقول الله تعالى: ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ ٤ أي: رهطه، ويقال: ولَدُه، والوَلَد اسم يجمع الواحد والجماعة والأنثى والذكر. وقالوا: وِلْد أيضًا.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود -واختلف عنه- وأبي بن كعب وأبي إسحاق السبيعي٥: "وإنْ كاد" بالدال "مَكْرُهم لَتزُولُ"٦ بفتح اللام الأولى وضم الثانية.