اعلم أن العرب تقارب بين الألفاظ والمعاني إذ كانت عليها أدلة، وبها محيطة. فمن ذلك ما نحن عليه، وهو نَحَتَ ينحِتُ، والتاء أخت الطاء، وقد قالوا: نَحَطَ ينحِطُ، إذا زفر في بكائه، فكأن ذلك الضغط الذي يصحَب الصوت ينال من آلة النفس، ويحتها ويسفنها١؛ فيكون كالنحت لما ينحت. لأنه تحيُّفٌ له وأخذ منه.
ونحو من ذلك [٨٩ظ] قولهم في تركيب ع ص ر: ع س ر: ع ز ر. فالعصر شدة تلحق المعصور.
والعسر شدة الخلق والتعزير للضرب، وذلك شدة لا محالة؛ فالشدة جامعة لأحرف الثلاثة. ومنه تركيب ج ب ر، ج ب ل، ج ب ن، المعنى الجامع لها اجتماع الأجزاء وتراجعها. من ذلك جبرت العظم، أي: وصلت ما تفرق من أجزائه، ومنه الجبل لاجتماع أجزائه، ومنه جبن الإنسان، أي: تراجع بعضه إلى بعض واجتمع. وإنما نبذت هنا طرفا من هذا الأمر تنبيها على أمثاله، حتى إذا هي اجتازت بك أحسست بها، ولم تطوك غير حافل بمعانيها وأوضاعها.
ومن ذلك قراءة مالك بن دينار والجحدري والأعمش: "إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَالِقُ٢".
قال أبو الفتح: في هذه القراءة دليل على أن فعَل الخفيفة فيها معنى الكثرة كفعَّل الثقيلة، ألا ترى إلى قراءة الجماعة: "الخلاق"؟ وهذا للكثرة لا محالة. نعم، وقد قرن به العليم، وفعيل للكثرة. وكأن الخلاق الموضوع للكثرة أشبه بعليم؛ لأنه موضوع لها، فلولا أن في خلق معنى الكثرة لما عبر لخالق عن معنى خلاق. ومنه قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْب٣﴾ . ألا تراها في معنى غفار وقبال؟ وعليه ما أنشده أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدمتها ... ونقرتها بيديك كل منقر٤
فوضع "نقرت" موضع نفرت، وعليه جاء بالمصدرن فقال: كل منقر. وعلة هذا هو ما تعلم من وقع المصدر دالا على الجنس، وإذا أفضت بك الحال إلى عموم الجنسية فقد اغترقت٥ وتجاوزت حد الشياع والكثرة.
стр. 387
سورة النحل ١:
بسم الله الرحمن الرحيم٢
قرأ الزهري "دِفُ٣". بغير همز.
قال أبو الفتح: هذه القراءة أقيس من قراءته الأخرى التي هو قول الله : "جُزْءٌ مَقْسُومٌ٤"، بتشديد الزاي. وذلك أنه هنا خفف لا غير. فحذفت الهمزة وألقى حركتها على الفاء قبلها. كقولك في مسألة: مسلة. وفي يلوم: يلم، وفي يزئر يزر. فكان قياس هذا أن يقول: "جُزٌّ مَقْسُومٌ"، إلا أنه سلك في كل من القراءتين طريقا إحداهما أقوى من الأخرى.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر وعمرو بن ميمون وابن أرقم، ورويت عن أبي عمرو: "بِشَقِّ الْأَنْفُس٥"، بفتح الشين.
قال أبو الفتح: الشَقّ، بفتح الشين بمعنى الشِقّ بكسرها وكلاهما المشقة٦، قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد لعمرو بن مِلْقَط
. وهو جاهليي:
والخيل قد تجشم أربابها الشَّـ ... ـقّ وقد تعتسف الراوية٧
هكذا الرواية بفتح الشين، وكلاهما من الشَّق في العصا ونحوها؛ لأنه آخذ منها وواصل إليها. كالمشقة التي تلحق الإنسان.
стр. 388
ومن ذلك قراءة أبي عياض "لِتَرْكَبُوهَا زِينَةً١"؛ بل واو.
قال أبو الفتح: لك في نصب "زِينَةً" وجهان: إن شئت كان معلقا بما قبله، أي: خلقها زينة لتركبوها، وإن شئت كان على قولك: لتركبوها زينة، فزينة هنا حال من "ها" في "لتركبوها"، ومعناه: كقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ .
ومن ذلك قراءة [٩٠و] الحسن: "وَبِالنُّجُمِ هُمْ يَهْتَدُون٢"، وقرأ يحيى: "وبالنُّجْم" بضم النون ساكنة الجيم.
قال أبو الفتح: النُّجُم جمع نَجْم، ومثله مما كسر من فَعْل على فُعُل: سَقْف وسُقُف، ورَهْن ورُهُن، ونحوه ثَطٌّ٣ وثُطٌّ. وقال أبو حاتم: سمعت أبا زيد يقول: رجل أَثَطُّ، فقلت له: أتقولها؟ فقال: سعتها -وكَثُّ اللحية وكُثُّ، وفرس وَرْد٤ وخيل وُرْد، وسهم حَشْر٥ وسهام حُشْر.
وإن شئت قلت: أراد النجوم، فقصر الكلمة فحذف واوها، فقال: النُجُم. ومثله من المقصور من فُعُول قول أبي بكر في أُسد: إنه مقصور من أُسُود فصار أُسُد، ثم أسكن فقال٦: أُسْد٧. ومثله قوله أيضا في ثِيرَةٍ جمع ثَوْر: إنه مقصور من ثِيَارَة؛ فلذلك وجب عنده قلب الواو من ثور ياء، ولو كان مُكُسّرًا على فِعَلَة لوجب تصحيحه فقيل: ثِوَرَة، كزَوْج وزِوَجَة وعَوْد وعِوَدَة.
وقال الراجز:
إن الفقير بيننا قاضٍ حَكَم ... أن ترد الماء إذا غابَ النُّجُم٧
يريد النجوم. وقال الأخطل:
كلمعِ أيْدِي مثاكِيل مسلَّبَةٍ ... يندُبْنَ ضرسَ بناتِ الدهْرِ والخُطُب٧
يريد الخطوب. وقد ذكرنا نحو هذا فيما مضى.
стр. 389
وعليه أيضا قراءة يحيى: "وبالنُّجْم" ساكنة الجيم، كأنه مخفف من النُّجْم كلغة تميم في قولهم: رسْل، وكتْب.
ومن ذلك قراءة السلمى: "إيَّانَ يُبْعَثُون١".
قال أبو الفتح: فيه لغتان: أيان، وإيان، بالفتح والكسر وقد مضى فيما قبل٢.
ومن ذلك قراءة مجاهد: "فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السُّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ٣"، و"لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا٤".
قال أبو الفتح: الذي قلناه آنفا٥ في "النُّجْم" هو شرح لهذه القراءة.
ومن ذلك قراءة الحسن وإبراهيم وابن خيرة: "إِنْ تَحْرَصْ"، بفتح الراء.
قال أبو الفتح: فيه لغتان: حَرَصَ يحرِص وهي أعلاهما، وحرِصْتُ أحرَص. وكلاهما من معنى السحابة الحارصة، وهي التي تقشِر وجه الأرض. وشجة حارصة: التي تقشِر جلدة الرأس، فكذلك الحرص، كأنه ينال صاحبه من نفسه لشدة اهتمامه بما هو حريص عليه، حتى يكاد يحُت٧ مستَقَر فكره.
ومن ذلك قراءة الناس: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ٨﴾ بالباء، وروي عن علي "﵇": "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، بالثاء.
قال أبو الفتح: نصب الحسنة هنا أي: يحسن إليهم إحسانا، وضع حسنة موضع إحسان، كأنه واحد من الحَسَن دال عليه، ودل قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ على ذلك الفعل؛ لأنه إذا
стр. 390
أقرهم في الأرض بإطالة مدتهم ومدة خلفهم فقد أحسن إليهم، كما قال سبحانه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ١﴾ ، وذلك ضدُّ ما يعمل بالعاصين الذين يسحَتُ٢ أعمارهم، ويصطلِمُهُم بذنوبهم وجرائم أفعالهم.
ومن ذلك قراءة الثقفي٣: "تَتَفَيَّأُ ظُلَلَهُ٤"، وقراءة الناس: ﴿ظِلالُهُ﴾ .
قال أبو الفتح: الظُلَلُ: جمع ظُلّة، كحِلّة وحُلَلَ، وجِلّة وجُلَل. وقد يكون ظِلال جمع ظُلَة أيضا، كجُلَة وجِلال. وقالوا أيضا: حُلّة وحِلال، بالحاء غير معجمة. وقد يكون ظِلال جمع ظِلّ، كشِعْب وشِعاب، وبِئْر وبِئار، وذِئب وذِئاب.
ومن ذلك قراءة الزهري: "تَجَرُون٥"، بغير همز.
قال أبو الفتح: هذا في قوة القياس كقراءته أيضا٦ [٩٠ظ] : "لَكُمْ فِيهَا دِف٧"، وأصله "تَجْأَرُون"؛ فخفف الهمزة بأن ألقاها ونقل فتحتها إلى الجيم، فصار "تَجَرُونَ"، كقولك في تخفيف يَسْأَلون: يَسَلُون، وفي يَسْأَمُون: يَسَمون. ونظائره كثيرة قوية.
ومن ذلك ما يُروى عن قتادة: "ثُمَّ إِذَا كَاشَفَ الضُّرَّ٨"، بألف.
قال أبو الفتح: قد جاء عنهم فاعَلَ من الواحد يراد به فَعَلَ، نحو طارَقْتُ النعل، أي: طرقْتُها، وعاقَبْتُ اللصَّ، وعافاه اللهُ، وقانَيْتُ اللونَ، أي: خلطته، في أحرف غير هذه، فكذلك يكون "ثُمَّ إِذَا كَاشَفَ الضُّرَّ" أي: كشف. ونحوه منه في المعنى والمثال: راخيتُ من خناقه، أي أرخيْتُ.
стр. 391
ومن ذلك قراءة مكحول عن أبي رافع، قال: حفظت عن رسول الله " ﷺ ": "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُون١"، بالياء.
قال أبو الفتح: هو معطوف على الفعل المنصوب قبله، أي "لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَيُمَتَّعُوا"، ثم قال من بعد: "فَسَوْفَ يَعْلَمُون".
ومن ذلك قراءة معاذ: "وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكُذُبُ٢" بضم الكاف والذال والباء.
قال أبو الفتح: هو وصف الألسنة، جمع كاذب أو كذوب. ومفعول "تَصِفُ" قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ ، وهو على قراءة الجماعة ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعول "تصف"، "وأَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى" بدل من "الْكَذِبَ"؛ لأنه في المعنى كذب.
ومن ذلك قراءة الثقفي: "سَيْغًا٣"، وقراءة الناس: "سَائِغًا".
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "سَيْغ" هذا محذوفا من سَيِّغ، كمَيْت ومَيِّت، وهَيْن وهَيِّن٤؛ وذلك أنه من الواو، لقولهم ساغ شرابهم يسُوغ. ولو كان سيْغ فعْلا لكان "سوْغا". ومنه قولهم: هو أخوه سوْغُه، أي: قابل٥ له غير متباعد عنه، كالشراب إذا قبلتْهُ نفسُ شاربِهِ، ولم تنْبُ عنه.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وعلقمة ويحيى ومجاهد وطلحة: "أَيْنَمَا يُوَجِّهْ٦"، وروي عن علقمة: "يُوَجَّهْ"، بفتح الجيم.
قال أبو الفتح: أما "يُوَجِّهْ"، بكسر الجيم فعلى حذف المفعول، أي أينما يوجِّه وجهَه؛ قال أبو الفتح: أما "يُوَجَّهْ"؛
стр. 392
فحذف للعلم به. وأما "يُوَجَّهْ"، بفتح الجيم، أي أينما يرسل أو يبعث١ لا يأت بخير.
ومن ذلك قراءة الحسن: "بَشَرٌ الِلسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ٢"، بألف ولام.
قال أبو الفتح: ليس قوله: "الِلسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ" جملة في موضع صفة "بَشَر"، ألا تراها خالية من ضميره؟ وكذلك أيضا هي خالية منه في قراءة الجماعة: ﴿بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ ، ولأن المعنى أيضا ليس على كونها وصفا، وإنما الوقف على قوله: "بَشَر"، ثم استأنف الله تعالى القول ردا عليهم، فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: يميلون بالتهمة إليه ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ ، ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ، أي: فكيف يعلم الأعجمي العربية.
ولهذا قال سبحانه: ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ ، ولم يقل: عجمي، وذلك أن "الأعجمي" هو الذي لا يفصح وإن كان عربيا. والعجمي هو المنسوب للعجم٣ وإن كان فصيحا، ألا ترى أن سيبويه كان عجميا فإن كان لسان٤ اللغة العربية فقال الله تعالى: لسان هذا المتهم بأنه يعلمه أعجم، فكيف يجوز أن يعلم العربية وهو لا يفصح؟ [٩١و] فأعجميٌّ من أعجم بمنزلة أحمريُّ من أحمر، وأشقريٌّ من أشقر، ودوَّاريٌّ من دوَّار، وكلابيٌّ٥ من كِلَّاب. وقد مضى ذلك.
ومن ذلك قراءة الأعرج وابن يعمر والحسن -بخلاف- وابن أبي إسحاق وعمرو ونعيم بن ميسرة: "أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبِ٦"، وقرأ "الكُذُبَ" يعقوب، وقرأ "الكُذُبُ" مسلمة بن محارب، وقراءة الناس: ﴿الكَذِبَ﴾ .
قال أبو الفتح: أما "الْكَذِبِ" بالجر فبدل من "ما" في قوله: "وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
" أي: لا تقولوا للكذبِ الذي تصف ألسنتكم.
стр. 393
وأما "الكُذُبَ" بالنصب فجمع كِذَاب، ككِتاب وكُتُب. يقال: كذَب الرجل يكذِب كَذِبًا وكِذَابا، وهو رجل كَيْذَبان، وكِيْذَبان، وكَذَبْذَب. ويقال أيضا: مَكْذَبان، كمَلْكَعان١. وجاز جمع الكِذَاب لأنه ذُهِبَ به مذهب النوع، ولو أُرِيدَ به الجنس لكان جمعُه مستحيلا. والكُذُبُ وصف الألسنة، وقد تقدم مثله.
ومن ذلك قراءة ابن سيرين: "وَإِنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا٢".
قال أبو الفتح: معناه إن تتبعتم فتتبعوا بقدر الحق الذي لكم، ولا تزيدوا عليه. قال لبيد:
حتى تَهَجَّرَ في الرواحِ وهاجَهُ ... طلبُ المعقِّب حقَّه المظلوم٣
أي هاجه طلبا٤ مثل طلب المعقب حقه المظلوم، أي عاذَه ومنعَه المظلومُ، فـ"حَقَّه" على هذا فِعْلٌ: حَقَّه يَحُقُّه، أي لَوَاهُ حقَّه. ويجوز: طلبَ المعقِّب حقه، فتنصب "حقه" بنفس الطلب مع نصب "طلب" كما تنصبه، أي الحق مع رفعه، أي الطلب. والمظلوم صفة المعقب على معناه دون لفظه، أي أن طلب المعقب المظلوم حقه في الموضعين جميعا٥.
стр. 394
سورة النحل
...
стр. 395
سورة بني إسرائيل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قد ذكرنا ما في ذُرِّيَّة١ وذَرِّيَّة وذِرِّيَّة فما مضى من الكتاب٢.
ومن ذلك قراءة ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر بن يزيد٣: "لَتُفْسَدُنَّ٤"، بضم التاء، وفتح السين. وقرأ: "لَتَفْسُدُنَّ"، بفتح التاء، وضم السين والدال -الفعل لهم- عيسى الثقفي.
قال أبو الفتح: إحدى هاتين القراءتين شاهدة للأخرى؛ لأنهم إذا أفسدوا فقد فسدوا.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "﵁": "عَبيدًا لنا٥".
قال أبو الفتح: أكثر اللغة أن تستعمل العبيد للناس والعباد لله. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ٦﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُون ٧﴾ ، وهو كثير. وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٨﴾ . ومن أبيات الكتاب:
أتُوعِدُني بقومك يابن حَجْل ... أشاباتٍ يُخَالُون العبادا؟
بما جمَّعْتَ من حضَنٍ وعمرو ... وما حضَنٌ وعمرو والحِيادا٩؟
стр. 396
أي يُخالون عبيدا، أي مماليك. ويقال: العبادُ قوم من قبائل شتى من العرب، اجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يسموا العبيد؛ فقالوا: نحن العباد.
ومن ذلك قراءة أبي السمال: "فَحَاسُوا١"، بالحاء.
قال أبو الفتح: قال أبو زيد، أو غيره: قلت له إنما هو "فَجَاسُوا"، فقال: فَحَاسُوا وجَاسُوا٢ واحد، [٩١ظ] وهذا يدل على أن بعض القراءة يتخير٣ بلا رواية، ولذلك نظائر.
ومن ذلك قراءة أُبيّ بن كعب: "لِنَسُوءًا٤"، بالتنوين.
قال أبو الفتح: لم يذكر أبو حاتم التنوين، لكنه قال: وبلغني أنها في مصحف أُبي، "لِيُسِيءً٥"، بالياء مضمومة بغير واو. فأما التنوين في: "لنَسُوءًا" فطريق القول عليه أن يكون أراد الفاء فحذفها، كما قال في موضع آخر، أي "فَلْنَسُوءًا وُجُوهَكُمْ" على لفظ الأمر، كما تقول: إذا سألتني فلأعطك، كأنك تأمُرُ نفسَكَ، ومعناه فلأعطينَّك. واللامان بعده للأمر أيضا، وهما: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ... وَلِيُتَبِّرُوا ٦﴾ . ويقويّ ذلك أنه لم يأت لإذا جواب فيما بعد، فدل على أن تقديره "فَلْنَسُوءًا وُجُوهَكُمْ"، أي فَلْنَسُوءنَّ وُجُوهَكُمْ.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "﵇" "آمَرْنَا٧" في وزن عَامَرْنا، واختلف عن ابن عباس والحسن وأبي عمرو وأبي العتاهية وقتادة وابن كثير وعاصم والأعرج، وقرأ بها
стр. 397
ابن أبي إسحاق وإبو رجاء والثقفي١ وسلام وعبد الله بن أبي يزيد والكلبي٢.
وقرأ "أمَّرْنا" مشددة الميم، ابن عباس بخلاف، وأبو عثمان النهدي، وأبو العالية بخلاف، وأبو جعفر محمد بن علي -بخلاف- والحسن -بخلاف- وأبو عمرو -بخلاف- والسدي وعاصم، بخلاف.
وقرأ: "أَمِرْنا" بكسر الميم، بوزن عَمِرْنا-الحسن ويحيى بن يعمر.
قال أبو الفتح: يقال: أَمِرَ القومُ إذا كثروا، وقد أَمَرَهُم الله أي: كثَّرهم. وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ٣﴾ : أي كثيرا، من قول الله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ ، ومن قولهم: أَمِرَ الشيءُ، إذا كثر. ومنه قولهم: خَيرُ المالِ سكة مأبُورَة، أو مُهْرَةٌ مأمُورة٤. فالسكّةُ الطريقة من النخل، ومأبورة أي: ملقحة٥، ومهرة مأمورة أي: مُكثِرةُ النسل.
وكان يجب أن يقال: مُؤْمَرَة لأنه من آمَرَها الله، لكنه أتبعها قوله: مَأبُورَة، كقولهم: إنه ليأتينا بالغَدَايا والعَشَايا. هذا على قول الجماعة إلا ابن الأعرابي وحده؛ فإنه قال: الغَدَايا جمع غَدِيّة، كما أن العشايا جمع عَشِيّة. ولم يكن يرى أن الغدايا ملحقٌ بقولهم: العَشَايا٦، وأنشد شاهدا لذلك:
ألا ليت حظيّ من زيارة أُمِّيَّهْ ... غَدِيّاتُ قيظ أو عشيّاتُ أَشْتِيَهْ٧
وقد قالوا أيضا: أمَرَها اللهُ مقصورا خفيفا، بوزن عَمَرَها؛ فيكون مأمُورَة على هذا من هذا، ولا تكون ملحقةً بمأبُورَة.
стр. 398
وأما "أَمَرَّنَا مُتْرَفِيهَا" فقد يكون منقولا من أمِرَ القومُ أي: كثُروا. كعلِمَ وعلِمْتُه. وسلِمَ وسلمْتُه.
وقد يكون منقولا من أمَرَ الرجل إذا صار أميرا. وأمَرَ علينا فلان: إذ وَلِيَ. وإن شئت كان "أمَّرْنا" كثرنا، وإن شئت من الأمْرِ والإمارة.
فأما "أمِرْنا" فَعِلْنا، بكسر الميم، فأخبرنا أبو إسحاق وإبراهيم بن أحمد القرميسيني عن أبي بكر محمد بن هارون الروباني عن أبي حاتم قال: قال أبو زيد: يقال: أمِرَ اللهُ مالَه وآمَرَه. قال أبو حاتم: ورَوَوْا عن الحسن أن رجلا من المشركين قال للنبي ﷺ : إني أرى أمْرَكَ هذا حقيرًا، فقال ﵇: إنه سَيَأْمَرُ١ [٩٢و] أي ينتشر، قال: وقال أبو عمرو: معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ ، أي: أمرناهم بالطاعة، فعصوا. وقال زهير:
والإثمُ من شرِّ ما يصال به ... والبر كالغيث نبتُه أمِرُ٢
وأنشد أبو زيد، رويناه عنه وعن جماعة غيره:
أمُّ جوارٍ ضنؤها غيرُ أمِرْ ... صهصلقُ الصوتِ بعينها الصبِرْ٣
وقال لبيد:
إن يُغبَطوا يَهبُطوا وإن أمِرُوا ... يومًا يصيرُوا للْهُلْكِ والنفدِ٤
ومن٥ بعد فالأمر من أم ر، وهي مُحَادَّةٌ٦ للفظ ع م ر ومساوقة لمعناها٧، لأن الكثرة أقرب شيء إلى العمارة. وما أكثر وأظهر هذا المذهب في هذه اللغة! ومن تنبه عليه حظي بأطرف الطريف، وأظرف الظريف.
стр. 399
ومن ذلك قراءة أبي السمال: "أُفُّ" مضمومة غير منونة، وقرأ: "أُفَ١" خفيفة -ابن عباس. قال هارون٢ النحوي: ويقرأ: "أَفٌّ"، ولو قرئت "أَفًّا" لكان جائزا، ولكن ليس في الكتاب ألف.
قال أبو الفتح: فيها ثماني لغات: أُفِّ، وأُفٍّ، وأُفَّ، وأُفًّا، وأُفُّ، وأُفٌّ، وأُفى, ممال. وهي التي يقول لها العامة: أُفِّي، بالياء. وأُفْ خفيفة ساكنة.
وأما "أُفَ" خفيفة مفتوحة فقياسها قياس ربَ خفيفة مفتوحة، وكان قياسها إذا خففت أن يسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيها ساكنان فتحرك، لكنهم بقَّوا الحركة مع التخفيف أمارة ودلالة على أنها قد كانت مثقلة مفتوحة، كما قال: لا أكلمك حِيرِي دهر٣، فأسكن الياء في موضع النصب في غير ضرورة شعر، لأنه أراد التشديد في حيري دهر، فكما أنه لو أدغم الياء الأولى في الثانية لم تكن إلا ساكنة فكذلك إذا حذف الثانية تخفيفا أقر الأولى على سكونها دلالة وتنبيها على إرادة الإدغام الذي لابد معه من سكون الأولى.
هذا هنا كذاك ثمة، وقد مر بنا مما أريد غير ظاهره، فجعل كأنه هو المراد به -كثير نحو من عشرة أشياء، وفي هذا مع ما نحن عليه من الإنجاز وتنكب الإكثار كاف بإذن الله.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وعروة بن الزبير في جماعة غيرهما: "جَنَاحَ الذِّلِّ٤".
قال أبو الفتح: الذِّلِّ في الدابة: ضد الصعوبة، والذُّلِّ للإنسان، وهو ضد العز. وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة؛ لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدرا مما يحلق الدابة، واختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة. ولا تستنكر مثل هذا ولا تنبُ عنه؛ فإنه من عَرَفَ أَنِسَ، ومن جَهِلَ استوحش. وقد مر من هذا ما لا يحصى كثرة.
стр. 400
من ذلك قولهم: حلا الشيء في فمي يحلو، وحلي بعيني، فاختاروا البناء للفعل على فَعَل فيما كان لحاسة الذوق؛ لتظهر فيه الواو، وعلى فَعِل في حَلِي يحلَى١ لتظهر الياء والألف، وهما خفيفتان ضعيفتان إلى الواو؛ لأن [لو كان حس لكان أشبه٢] حصة الناظر أضعف من حس الذوق بالفم. وقالوا أيضا: جُمامُ المكوك دقيقا٣ وجِمام القدح ماء؛ وذلك لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح [٩٢ظ] كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكوك؛ فجعلوا الضمة لقوتها فيما يكثر حجمه، والكسرة لضعفها فيما يقل بل يعدم ارتفاعه.
وقالوا: النضح بالحاء غير معجمة للماء السخيف يخف أثره، وقالوا: النضخ بالخاء لما يقوَى أثره فيبُل الثوب ونحوه بللا ظاهرا؛ وذلك لأن الخاء أوفى صوتا من الحاء. ألا ترى إلى غلظ الخاء ورقة الحاء؟ وقد ثبت في كتاب الخصائص٤ من هذا الضرب ونحوه وما جرى مجراه وأحاط به شيء كثير. وقد قال شاعرنا٥:
وكم من عائبٍ قولا صحيحا ... وآفته من الفهمِ السقيم
ولكن تأخذُ الأذهانُ منه ... على قدرِ القرائحِ والعلومِ٦
ومن ذلك قراءة الحسن: "خَطَاءً٧"، بخلاف.
وقرأ: "خَطًا" غير ممدود، والخاء منصوبة خفيفة- الحسن، بخلاف.
وقرأ: "خِطًا" -بكسر الخاء غير ممدود- أبو رجاء والزهري.
وقرأ: "خَطْئًا" -في وزن خَطْعًا- ابن عامر، بخلاف.
стр. 401
قال أبو الفتح: أما "خَطَاءً" فاسم بمعنى المصدر، والمصدر من أخطأت: إخْطاءً، والخطاءُ من أخطأْت كالعطاء من أعطيْتُ. ويقال: خطِيَ يخطأ خِطْئًا وخَطَأً، هذا في الدين، وأخطأت الغرض ونحوه. وقد يتداخلان فيقال: أخطأتُ في الدينِ، وخَطِئْتُ في الرأي ونحوه. قال:
ذرِيني إنما خطئي وصَوْبِي ... علي وإن ما أهلكتُ مال١
وقال عبيد:
والناس يلحوْنَ الأميرَ إذا همُ ... خطِئُوا الصوابَ ولا يُلام المرشد٢
وقال في الدين أمية:
عبادك يخَطَئُون وأنتَ ربٌّ ... بكفَيْكَ المنايا والحُتُوم٣
وأما "خَطًا" و"خِطًا" فتخفيف خَطْئًا وخِطْئًا على القياس.
ومن ذلك قراءة أبي مسلم٤ صاحب الدولة: "فَلا يُسْرِفُ فِي الْقَتْلِ"٥.
قال أبو الفتح: رفع هذا على لفظ الخبر بمعنى الأمر، كقولهم: يرحمُ الله زيدًا، فهذا لفظ الخبر، ومعناه الدعاء. أي: ليرحَمْهُ اللهُ، ومثله قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ٦﴾ ، أي: ليتربصْنَ. وإن شئت٧ كان معناه دون الأمر، أي ينبغي ألا يسرفَ، وينبغي أن يتربصْنَ. وعليه قولُه:
стр. 402
على الحكم المأتِيّ يوما إذا قضى ... قضيّته ألا يجورَ ويقصِدُ١
فرفعه على الاستئناف، ومعناه ينبغي أن يقصد.
ومن ذلك قراءة الجراح: "وَالْبَصَرَ وَالْفَوَادَ٢"، بفتح الفاء.
قال أبو الفتح: أنكر أبو حاتم فتح الفاء، ولم يذكر هو ولا ابن مجاهد الهمز ولا تركه.
وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان "الفؤاد" بضمها والهمز، ثم خففت فخلصت في اللفظ واوا، وفتحت الفاء على ما في ذلك فبقيت واو.
ومن ذلك قراءة الحسن "صَرَفْنَا٣"، خفيف الراء.
قال أبو الفتح: "صَرَفْنَا" هنا بمعنى صرفنا مشددا على ما بيناه قبل: من كون فعل خفيفة في معنى فعل. ومنه قوله:
ونقرتها بيديك كل منقر٤
أي نقرتها.
ومن ذلك [٩٣و] قراءة أبي جعفر: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا٥".
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر هذا البتة فيما مضى في البقرة٦.
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي عمرو -بخلاف- وعاصم -بخلاف-: "بِخَيْلِكَ وَرَجِلِك٧"، بكسر الجيم.
قال أبو الفتح: روينا عن قُطرب هذه القراءة عن أبي عبد الرحمن، وقال: الرجِلُ: الرجال،
стр. 403
وعليه قراءة عكرمة وقتادة "ورجالِك". وقالوا: ثلاثة رَجِلَة ورَجْلَة، ومثله الأراجيلُ والمِرْجَلُ. وكان يونس يرى أن الرجْلة للعبيد أكثر، وقال الشاعر:
وأية أرضٍ لا أنيت سراتها ... وأية أرض لم أرِدْها بِمِرْجَل١
أي برجال.
ويقال: رجْل جمع راجِل كتاجر وتَجْر، وهذا عند سيبويه اسم للجمع غير مكَّسر بمنزلة الجامل والباقر٢، وهو عند أبي الحسن تكسير راجل وتاجر، وقال زهير:
هم ضربوا عن فرجها بكتيبة ... كبيضاء حرْس في جوانبها الرجْل٣
ويكون الرجال جمع راجل كتاجر وتِجَار، قال الله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ٤﴾ .
ومن ذلك قراءة الحسن: "يَوْمَ يُدْعَوْ كُلُّ أُنَاسٍ٥"، بضم الياء، وفتح العين.
قال أبو الفتح: هذا على لغة من أبدل الألف في الوصل واوا، نحو أفْعَوْ، وحُبْلَوْ٦ ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو في الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير، وهو أيضا في الوصل محكي عن حاله في الوقف. ومنهم من يبدلها ياء، وبهذه اللغة يحتج ليونس في البيت الذي أنشده صاحب الكتاب شاهدا عليه بأن ياء لبيك ياء التثنية ردا على يونس في أنها ألف بمنزلة ألف: عَلَى ولَدَى، والبيت قوله:
стр. 404
دعوتُ لما نابني مسوَرًا ... فَلَبَّي فَلَبَّي يَدَيْ مسورٍ١
قال سيبوبه: "فَلَبَّي" بالياء دلالة على أنها ياء التثنية. قال: ولو كانت كألف عَلَى ولَدَى لقال: فَلَبَّى يدى مسور، كقولك: على يدى مسور؛ فليونس أن يقول: جاء هذا على قولهم في الوصل: هذه أفعى. وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع من كتبنا٢؛ فكذلك يكون "يُدْعَوْ" مرادا به يدعَى على أفْعَوْ.
ومن ذلك قراءة علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب "﵃" والشعبي والحسن -بخلاف- وأبي رجاء وقتادة وحميد وعمرو بن فائد وعمر بن ذر وأبي عمرو، بخلاف: "وَقُرْآنًا فَرَّقْنَاه"٣، بالتشديد.
قال أبو الفتح: تفسيره: فصّلناه، ونزّلناه شيئا بعد شيء، ودليله قوله تعالى: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ .
стр. 405
سورة الكهف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرأ "كَبُرَتْ كَلِمَةٌ١" رفعا يحيى بن يعمر والحسن وابن محيصن وابن أبي إسحاق والثقفي والأعرج -بخلاف- وعمرو بن عبيد.
قال أبو الفتح: أخلص الفعل "لكَلِمَةٍ" هذه الظاهرة، فرفعها، وسَمَّى قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ٢﴾ ، - كما سمَّوا القصيدة وإن كانت مائة بيت -"كلمةً". وهذا كوضعهم الاسم الواحد على جنسه، كقولهم: أهلك الناسَ الدرهمُ والدينارُ، وذهب الناسُ بالشاة والبعير.
ولله فصاحة الحجاج، وكثرة قوله على منبره: يأيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل! ألا تراه لما أشفق أن يظن به أنه يريد رجلا واحدا بعينه قال: وكلكم ذلك الرجل؟
ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "بِوِرْقكُّمْ٣"، مكسورة الواو، مدغمة.
قال أبو الفتح: هذا ونحوه عند أصحابنا مخفي غير مدغم، لكنه أخفى كسرة القاف، فظنها القراء مدغمة. ومعاذ الله لو كانت مدغمة [٩٣ظ] لوجب نقل كسرة القاف إلى الراء، كقولهم: يَرُدّ ويَفِرّ ويَصُبّ. ألا ترى أن الأصل يرْدُدُ ويفْرِرُ ويَصْبُبُ، فلما أسكن الأول ليدغمه نقل حركته إلى الساكن قبله؟
وللقراء في نحو هذا عادة: أن يعبروا عن المخفي بالمدغم؛ وذلك للطف ذلك عليهم. منه قولهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ٤﴾ : إنه أدغم نون "نحنُ" في نون "نَزلنا"
стр. 406
حتى كأنهم لم يسمعوا أن هذا ونحوه مما لا يجوز مع الانفصال، وأنه أمر يختص به المتصل. فاستدل صاحب الكتاب١ على أنه إخفاء بقولهم: اسمُ مُوسى وابنُ نُوح، قال: فلو كان إدغام لوجب تحريك سين "اسم" وباء "ابن"، ولو تحركتا لإدغام ما بعدهما لسقطت ألف الوصل من أولهما، وهذا واضح.
وإذا جاز مثل هذا على قطرب مع تخصصه حتى جرى في بعض ألفاظه فالقراء بذلك أولى، وهم فيه أظهر عذرًا. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وإنما هي "بِوِرقِكُم"، بإخفاء كسرة القاف، كأنه يريد الإدغام تخفيفا ولا ويبلغه.
وحكى أبو حاتم -فيما روينا عنه- أن ابن محيصن قرأ: "بِوَرِقكُّمْ٢" مدغمة، ولم يحك قراءة أبي رجاء بالإدغام، وهذا لا نظر في جوازه.
ومن ذلك قراءة الجحدري: "تَزْوارُّ٣".
قال أبو الفتح: هذا افْعالَّ وتَزَاوَرُ تَفَاعَلُ وقلما جاءت افعالّ إلا في الألوان، نحو: اسوادّ وابياضّ واحمارّ واصفارّ، أو العيوب الظاهرة، نحو: احولّ واحوالّ واعورّ واعوارّ واصيدّ واصيادّ٤. وقد جاءت افعالّ وافعلّ، وهي مقصورة من افعالّ- في غير الألوان، قالوا: ارعوى وهو افعلّ، وافتوى أي: خدم، وساس. قال يزيد بن الحكم:
تبدَّل خليلا بي كشكلك شكلُه ... فإني خليلا صالحا بك مُقْتَوِي٥
فمقتو مفتعل من الفتو، وهو الخدمة. قال:
إني امرؤ من بني خُزَيمة لا ... أحسن قتوَ الملوكِ والحفَدَا٦
стр. 407
وخليلا عندنا منصوب بفعل مضمر يدل عليه "مُقْتَوٍ"، وذلك أن افعلّ لا يتعدى إلى المفعول به، فكأنه قال: فإني أخدم، أو أسوس، أو أتعهد، أو استبدل بك خليلا صالحا١. ودل مقتوٍ على ذلك الفعل. وقالوا: اضرابّ الشيء أي: املسّ، وقالوا: اشعانّ رأسه، أي: تفرق شعره، في أحرف غير هذه.
ومن ذلك قراءة٢ الحسن: "وَتَقَلُّبَهُمْ٣"، بفتح التاء والقاف، وضم اللام، وفتح الباء.
قال أبو الفتح: هذا منصوب بفعل دل عليه ما قبله من قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ٤﴾ ، وقوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ٥﴾ : فهذه٦ أحوال مشاهدة، فكذلك "تَقَلُّبَهُمْ" داخل في معناه، فكأنه قال: ونرى أو نشاهد تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. فإن قيل: إن التقلب حركة، والحركة غير مرئية، قيل: هذا غَوْر آخر ليس من القراءة في شيء إلا أنك تراهم يتقلبون، والمعنى مفهوم. وليس كل أحد يقول: إن الحركة لا ترى ولا غرض في الإطالة هنا، لكن ما أوردناه قد مضى على الغرض فيه والمراد منه.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "ثَلاتٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ٧"، بإدغام ثاء ثلاثة في التاء التي تبدل في الوقف هاء من ثلاثة.
قال أبو الفتح: الثاء لقربها من التاء تدغم فيها، كقولك: ابعث تِّلك، وأغث تِّلك. وجاز الإدغام [٩٤و] وإن كان قبل الأول ساكن لأنه ألف، فصارت كشابّة ودابّة، ولم يدغمها فيها إلا ابن محيصن وحده٨.
стр. 408
ومن ذلك أنه لم يقرأ أحد "خَمَسَةَ"١
، بفتح الميم إلا ابن كثير وحده في رواية حسن بن محمد٢ عن شبل.
قال أبو الفتح: لم يحرك٣ ميم خمسة إلا عن سماع، وينبغي أن يكون أُتبعت عشرة، وليس يحسن أن يقال إنه أتبع الفتح الفتح، كقول رؤبة:
مُشْتَبِهِ الأعْلَامِ لَمَّاعِ الخَفَقْ٤.
وهو يريد "الخَفْق"؛ لأن هذا أمر يختص٥ به ضرورة الشعر.
قال أبو عثمان عن الأصمعي: سألت أعرابيا - ونحن بالموضع الذي ذكره زهير في قوله:
ثُمَّ استمَرُّوا وقالوا إنَّ مّوْعِدُكُمْ ... ماءً بِشَرقيّ سلمَى فيدُ أو رَكَكُ٦
أتعرف رَكَكًا هذا؟ فقال: قد كان ههنا ماء يسمى "رَكًّا"، فعلمت أن زهيرا احتاج إليه فحركه، وقد يجوز أن يكونا٧ لغتين: رَكٌّ ورَكَكٌ، كالقصِّ والقصَصِ، والنَشْزِ٨ والنَّشَزِ. وقد كان يجب على الأصمعي ألا يسرع إلى أنه ضرورة.
ومن ذلك قراءة الحسن: "وَلا تُعْدِ عَيْنَيْكَ٩".
قال أبو الفتح: هذا منقول من: عدت عيناك أي جاوزتا. من قولهم: جاء القوم عدا زيدا، أي: جاوز بعضهم زيدا، ثم نقل إلى أعديت عيني عن كذا، أي: صرفتها عنه.
قال:
حتى لَحِقْنا بهم تُعْدِي فَوَارِسُنا ... كأننا رَعْنُ قُفٍّ يَرْفَعُ الآلا١٠
стр. 409
أي: تعدي فوارسنا خيلهم عن كذا، فحذف المفعول بعد المفعول. وتعديها١ من عدا الفرس، كقولنا: جرى، وعلى أن أصلهما واحد، لأن الفرس إذا عدا فقد جاوز مكانا إلى غيره.
ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: "مَنْ أَغْفَلَنَا قَلْبُهُ٢".
قال أبو الفتح: يقال: أغفلْتُ الرجل: وجته غافلا، كقول عمرو بن معد يكرب: والله يا بني سليم لقد قاتلناكم فما أجبنَّاكُمْ، وسألْنَاكم فما أبخلْناكم، وهاجيْناكُم فما أفحمْناكُم، أي: لم نجدْكُم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحَمِين. وكقول الأعشى:
أثْوَى وقَصَّرَ ليلَةً لِيُزَوَّدَا ... فَمَضَى وَأَخْلَفَ من قُتَيْلَةَ مَوْعَدَا٣
أي صادفه مُخْلِفًا. وقال رؤبة:
وَأَهْيَجَ الخَلْصَاءَ مَنْ ذَاتِ البُرَقْ٣
أي صادفها هائجة النبت. وقال الآخر:
فَأَتْلَفْنا المَنَايا وأَتْلَفُوا٤
أي: صادفناها مُتْلِفَةً.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يجدَ اللهَ غافلا؟ قيل: لَمّا فَعَلَ أفعالَ من لا يرتقبُ ولا يخافُ صار كأن الله سبحانه غافل عنه، وعلى هذا وقع النفي عن هذا الموضع، فقال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون ٥﴾ ، أي: لا تظنوا الله غافلا عنكم. وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٦﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظ ٧﴾ ، ونحو هذا في القرآن كثير، فكأنه قال: ولا تُطِعْ مَنْ ظَنَّنَا غافِلِينَ عنه.
стр. 410
وعليه قول آخر:
أخْشَى عليها طَيِّئًا وأَسَدَا ... وَخَارِبَيْن خَرَبَا فَمَعَدَا
لا يحسبانِ اللهَ إلا رَقَدَا١
وهذا هو ما نحن فيه البتة.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "مِنْ سُنْدُسٍ وَاسْتَبْرَقَ٢"، بوصل الألف.
قال أبو الفتح: هذا عندنا سهو أو كالسهو، وسنذكره في سورة الرحمن بإذن الله٣.
ومن ذلك قراءة أبي بن كعب والحسن: "لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي٤".
وقرأ: "لَكِنْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي" -ساكنة النون من ألف- عيسى الثقفي [٩٤ظ] .
قال أبو الفتح: قراءة أبي هذه هي أصل قراءة أبي عمرو وغيره: "لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي"٥، فخففت همزة "أنا" بأن حذفت وألقيت حركتها على ما قبلها، فصارت "لكنَنَا"، ثم التقت النونان متحركتين، فأسكنت الأولى، وأدغمت في الثانية، فصارت "لكنَّ" في الإدراج. فإذا وقفت ألحقت الألف لبيان الحركة، فقلت: "لكنَّا"، فـ "أنا" على هذا مرفوع بالابتداء وخبره الجملة، وهي مركبة من متبدأ وخبر، فالمبتدأ "هو"٦، وهو ضمير الشأن والحديث، والجملة بعده خبر عنه، وهي مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ "الله"، والخبر "ربي"، والجملة خبر عن "هو"، و"هو" وما بعده من الجملة خبر عن "أنا"، والعائد عليه من الجملة بعده الياء في "ربي"، كقولك: أنا قائم غلامي.
فإن قلت: فما العائد على "هو" من الجملة بعده التي هي خبر عنه؟ فإنه لا عائد على المبتدأ
стр. 411
أبدا إذا كان ضمير الشأن والقصة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١، فـ"الله أحد" خبر عن "هو"، و"هو" ضمير الشأن والحديث، ولا عائد عليه من الجملة بعده التي هي "الله أحد"، وإنما كان كذلك من قبل أن المبتدأ إنما احتاج إلى العائد من الجملة بعده إذا كانت خبرًا عنه؛ لأنها ليست هي المبتدأ، فاحتاجت إلى عود ضمير منها عليه؛ ليلتبس٢ بذلك الضمير بجملته.
وأما "هو" من قولنا: "هُوَ اللَّهُ رَبِّي" ونحوه فهو الجملة نفسها، ألا تراه ضمير الشأن، وقولنا: الله ربي٣ شأن وحديث في المعنى؟ فلما كانت هذه الجملة هي نفس المبتدأ لم يحتج إلى عائد عليه منها، وليس كذلك: زيد قام أخوه؛ لأن زيدا ليس بقولك: قام أخوه في المعنى، فلم يكن له بد من أن يعود عليه ضمير منه ليلتبس به؛ فيصير خبرا عنه. ومن قرأ: "لَكِنْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي" فـ"هو" ضمير الشأن، والجملة بعده خبر عنه على ما مضى آنفا٤، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار٥: "مَجْمِعَ الْبَحْرَيْن٦".
قال أبو الفتح: المصدر من فَعَلَ يفعَل والمكان والزمان٧ كلهن على مَفْعَل بالفتح، كقولك: ذهبت مذْهَبًا، أي: ذهابا، ومذهبا، أي: مكانا يذهب فيه. وهذا مذهبك أي: زمان ذهابك، وكذلك سأل يسأل مَسْألا، فهو مصدر ومكان وزمان٨، وبعث يبعث مَبْعَثًا وهو مصدر ومكان وزمان. ومنه: مبْعَثُ الجيوش، هو زمان بعثها، إلا أنه قد جاء المفعِلُ بكسر العين موضع المفتوح، منه: المشرِق، والمغرِب، والمنسِك، والمطلِع. وبابه فتح عينه لأنه من يَفْعُل، يشرُق، ويغرُب، وينسُك، ويطلُع. فعلى نحو من هذا يكون "مَجْمِعَ الْبَحْرَيْن" وهو مكان -كما ترى- من جمع يجمع، فقياسه "مجْمَع"، لولا ما ذكرنا من الحمل على نظيره.
стр. 412
ومن ذلك قراءة النبي " ﷺ ": "جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يُنْقَضَ"، برفع الياء وبالضاد٢.
وقرأ: "يَنْقَاصُ" بالصاد غير معجمة، وبالألف -علي بن أبي طالب وعكرمة٣ وأبو شيخ الهنائي٤ ويحيى بن يعمر.
وفي قراءة عبد الله: "يُرِيدُ ليُنْقَضَ٥"، وكذلك روي عن الأعمش.
قال أبو الفتح: [٩٥و] معناه: قد قارب أن يُنقض، أو شارف ذلك, وهو عائد إلى معنى يكاد، وقد جاء ذلك عنهم. وأنشد أبو الحسن:
كادَتْ وكدْتُ وتلكَ خَيْرُ إرادَةٍ ... لَوْ عادَ مِنْ لَهْوِ الصَّبابَةِ مَا مَضَى٦
وحَسُن هنا لفظ "الإرادة" لأنه أقوى في وقوع الفعل؛ وذلك لأنها داعية إلى وقوعه، وهي أيضا لا تصح إلا مع الحياة، ولا يصح الفعل إلا لذي الحياة. وليس كذلك كاد، لأنه قد يقارب الأمرَ ما لا حياة فيه، نحن مَمِيل الحائط وإشراق ضوء الفجر، فاعرف ذلك.
و"يَنْقَاصُ" مطاوع قِصْتُه فانْقَاصَ، أي: كسرتُه فانكَسَرَ. قال:
فِرَاقًا كَقَيْصِ السِّنِّ فالصَّبْرُ إنهُ ... لِكُلِّ أُناسٍ عثرةٌ وجُبُورُ٧
يجوز أن يكون جُبُورُ جمع جَبْرَة، كبَدْرَة وبُدُور، ومَأنَة٨ ومُئُون. وقد قالوا: قِضْتُه فانْقَاضَ، أي: هَدَمْتُه فانْهَدَمَ، بالضاد معجمة. قال:
стр. 413
كَأَنَّها هَدَمٌ في الجَفْرِ مُنْقَاضُ١
وقَيْضُ البيضةِ: قِشْرُها الذي انفلق عن الفرخ.
وقراءة العامة: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أشبه أولا منها بآخر؛ لأن الإرادة في اللفظ له، والانقضاض أيضا كذلك. وأما "يَنْقَضُّ" فيحتمل أمرين: أحدهما أن يكون ينفَعِل من القَضّة، وهي الحصا الصغار، وقال أبو زيد: يقال طعام قَضَضٌ: إذا كانت فيه القَضّة.
والآخر أن يكون يفعلّ من: نَقَضْت الشيء، كقراءة النبي " ﷺ ": "يُرِيدُ أَنْ يُنْقَضَ"، ويكون يفعل هنا من غير الألوان والعيوب كيَزْوَرُّ ويَرْعَوِي، وقد مضى ذلك٢.
وقراءة عبد الله والأعمش: "يُرِيدُ ليُنْقَضَ" إن شئت قلت: إن اللام زائدةٌ، واحتججت فيه بقراءة النبي " ﷺ "، وإن شئت قلتَ: تقديره: إرادته لكذا، كقولك: قيامه لكذا، وجلوسه لكذا، ثم وضع الفعل موضع مصدره، كما أنشد أبو زيد:
فَقَالُوا: مَا تَشَاءُ؟ فَقُلْتُ: أَلْهُو ... إلَى الإصْبَاحِ آثِرَ ذِي أَثِيرِ٣
أي: اللهو، فوضع "ألهو" موضع مصدره، وأنشد أيضا:
وَأَهْلَكَنِي لَكُمْ في كُلِّ يَوْمٍ ... تَعَوُّجُكُمْ عَلَيَّ وَأَسْتَقِيمُ٤
أي: واستقامتي، واللام هنا اللام في قوله:
أُرِيدُ لِأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأنَما ... تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ٥
стр. 414
تحتمل اللام هنا الوجهين اللذين تقدم ذكرهما.
ومن ذلك قراءة أبي سعيد الخدري١: "وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ٢".
أحدهما: أن يكون اسم "كان" ضمير الغلام، أي: فَكَانَ هُوَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ٢، والجملة بعده خبر كان.
والآخر: أن يكون اسم "كان" مضمرا فيها، وهو ضمير الشأن والحديث، أي: فكان الحديث أو الشأن أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ٢، والجملة بعده خبر لـ "كان" على ما مضى، إلا أنه في هذا الوجه الثاني لا ضمير عائدا على اسم "كان"؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يحتاج من الجملة التي هي بعده خبر عنه إلى ضمير عائد عليه منها، من حيث كان هو الجملة في المعنى. وقد مضى ذلك آنفا٣، ومثله قول النبي " ﷺ ": "كلُّ مولودٍ يُولُدُ علَى الفطرةِ حتَّى يكونَ أبواهُ هُمَا اللَّذانِ يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرانِه ٤ ".
إن شئت كان ضمير المولود في "كان" اسما لها، [٩٥ظ] وأبواه ابتداء، "هما" فصل لا موضع لها من الإعراب، و"اللذان" خبر "لكان"، والعائد على اسم "كان" الضمير في "أبواه"؛ لأنه أقرب إليه مما بعده.
وإن شئت جعلت اسم "كان" على ما كان عليه٥، وجعلت "أبواه" ابتداء، والجملة بعدهما خبرا عنها، وهي مركبة من مبتدأ وخبر: فالمبتدأ "هما"، وخبرهما "اللذان"، و"هما" وخبره خبر عن "أبواه"، و"أبواه" وما بعدهما خبر "كان".
وإن شئت كان في "كان" ضمير الشأن والحديث، وما بعدها خبر عنه.
стр. 415
وإن شئت رفعت "أبواه" لأنهما اسم "كان" وجعلت ما بعدهما الخبر على ما مضى من كون "هما" فصلا إن شئت، ومبتدأ إن شئت، ويجوز فيه هما اللذين.
ومن ذلك قراءة الماجشون١: "الصَّدُفَيْنِ٢"، بفتح الصاد، وضم الدال.
قال أبو الفتح: فيها لغات: صَدَفَانِ، وصُدُفَانِ، وصُدْفَانِ، وصَدُفَانِ. وقد قرئ بجميعها، إلا أنهما الجبلان المتقابلان، فكأن أحدهما صادف صاحبه، ولذلك لا يقال ذلك لما انفرد بنفسه عن أن يلاقي مثله من الجبال.
ومن ذلك قراءة علي وابن عباس "﵉" وابن يعمَر والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن كثير بخلاف، ونعيم بن ميسرة والضحاك ويعقوب وابن أبي ليلى: "أَفَحَسْبُ الَّذِينَ٣".
قال أبو الفتح: أي أَفَحَسْبُ الَّذِينَ كفروا وحظُّهم ومطلوبُهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء؟ بل يجب أن يعتدُّوا أنفسهم مثلهم، فيكونوا كلهم عبيدا وأولياء لي. ونحوه قول٤ الله "تعالى": "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ٥"، أي: اتخذتَهم عبيدًا لك، وهذا أيضا هو المعنى إذا كانت القراءة: "أَفَحَسِب الَّذِينَ كَفَرُوا"، إلا أن "حَسْبُ" ساكنة السين أذهب في الذم لهم؛ وذلك لأنه جعله غاية مرادهم ومجموع مطلبهم، وليست القراءة الأخرى كذا.
стр. 416
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش، - بخلاف- ومجاهد وسليمان التيمي١ "وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَادًا٢"٠
قال أبو الفتح: "مدادًا" منصوب على التمييز، أي: بمثله من "المداد"؛ فهو كقولك: لي مثلُه عبدًا، أي: من العبيد، وعلى التمرة مثلها زبدًا، أي: من الزبد. وأما ﴿مَدَدًا﴾ فمنصوب على الحال، كقولك: جئتك بزيد عونا لك ويدًا معك، وإن شئت نصبته على المصدر بفعل مضمر يدل عليه قوله ﴿جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ كأنه قال: ولو أمددناه به إمدادا، ثم وضع "مددًا"٣ موضع إمداد، ولهذا نظائر كثيرة.
стр. 417
سورة مريم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرأ أبو جعفر: "كافْ هَا يَا عَين صَاد١".
وقرأ: "كافْ هَا يُا عَين صَاد"، بفتح الهاء، ورفع "الياء" - الحسن.
وقرأ: "كافْ هُا يَا عَين صَاد"، بضم الهاء٢ وفتح الياء - الحسن أيضا.
قال أبو الفتح: أما على الجملة فإن الإمالة والتفخيم في حروف المعجم٣ ضرب من الاتساع، وذلك أن الإمالة والتفخيم ضربان من ضروب التصرف، وهذه الحروف جوامد لا حظ لها في التصرف؛ لأنها كـ"ما" و"لا" و"هل" و"قد" و"بل" و"إنما". وإنما أتاه ذانك من قبل أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء، كقولنا: الهاء حرف هاوٍ، والواو والياء والألف [٩٦و] حروف الإعلال، وفي الصاد والزاي والسين صفير، والميم حرف ثقيل.
فلما كانت تفارق كونها هجاء إلى الاسمية دخلها ضرب من القوة؛ فتصرفت، فحملت الإمالة والتفخيم.
فمن فتح ولم يفخم ولم يُمِلْ فعلَى ظاهر الأمر، ومن أمال أو فخم اعتمد ما ذكرنا: من جواز كونها أسماء، فمن قال "يا" فأمال - جنح بالإمالة إلى الياء، كما جنح بها إليها في نحو قولك: السَّيَال٤ والهِيَام٥. ومن فخم تصور أن عين الفعل في الياء انقلبت عن الواو، كالباب والدار والمال والحال؛ وذلك أن هذه الألِفَات -وإن كانت مجهولة أنه٦ لا اشتقاق لها- فإنها تُحمَلُ على ما هو في اللفظ مشابِهٌ لها، والألف إذا وقعت عينا فجهلت فالواجب فيها
стр. 418
أن يعتقد منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة عند اعتبارنا له، ولذلك حمل الخليل ألف آءَة١ على أنها من الواو، فقال: كأنها من أُؤتُ٢. وبمثل ذلك ينبغي أن يحكم في راءَة٣ وصاءَة٤، حتى كأنها في الأصل روَأة وصوَأة. فهذا قول جامع في هذا الضرب من الألِفات، فَاغْنَ به عما وراءه.
ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: "ذَكَّرَ رَحْمَة رَبِّكَ٥".
قال أبو الفتح: فاعل: ذَكَّرَ ضمير ما تقدم، أي: هذا المتلو من القرآن الذي هذه الحروف أوله وفاتحته يُذَكِّرُ رحمةَ ربِّكَ، فهو كقوله "تعالى": ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ٦﴾ . وعلى هذا أيضا يرتفع قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ ، أي: هذا القرآن ذكر رحمة ربك. وإن شئت كان تقديره: مما يُقَصُّ عليك، أو يُتْلَى عليك ذِكْرُ رحمةِ ربِّك عبدَهُ زَكَرِيَّا.
ومن ذلك قراءة عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاص٧ وابن يعمَر وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وشُبَيل بن عزرة٨: "خَفَّتِ الْمَوَالِي٩"، بفتح الحاء والتاء مكسورة.
قال أبو الفتح: أي قَلَّ بنو عمي وأهلي، ومعنى قوله -والله أعلم: "مِنْ وَرَائي"، أي مَنْ أُخَلِّفُه بعدي. قوله: "مِنْ وَرَائي" حال متوقَّعَة محكية. أي: خَفُّوا مُتوقَّعًا مُتصوَّرًا
стр. 419
كونهم بعدي. ومثله مسألة الكتاب: مررت برجل معه صقرٌ صائدًا، أي: مُتَصَوَّرًا صيدُه بهِ غدًا، ومثله قول الله١ "تعالى": ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ٢﴾ ، أي مُتَصَوَّرًا خُلُودُهُم فيها مدةَ دوامِ السمواتِ والأرضِ. فإذا أشفقت من ذلك فارْزُقْنِي وَلَدًا يَخْلُفُنِي.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس "﵉" وابن يعمَر وأبي حرب بن أبي الأسود٣ والحسن والجحدري وقتادة وأبي نَهِيك وجعفر بن محمد: "يَرِثُنِي وَارثٌ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ٤".
قال أبو الفتح: هذا ضرب من العربية غريب، ومعناه التجريد؛ وذلك أنك تريد؛ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي منه أو به وَارثٌ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، وهو الوارث نفسه، فكأنه جَرَّدَ منه وارثًا. ومثله قول الله "تعالى"
: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ٥﴾ ، فهي نفسها دارُ الخلد، فكأنه جَرَّدَ من الدارِ دارًا، وعليه قول الأخطل:
بنزوةِ لصٍّ بعد ما مرَّ مُصعَبٌ ... بأشعثَ لا يُفْلَى ولا هو يَقْمَلُ٦
ومصعب نفسه [٩٦ظ] هو الأشعثُ٧، فكأنه استخلص منه أشعثَ. ومثله قول الأعشى:
стр. 420
.................. أمْ مَنْ ... جَاءَ مِنْها بِطائِفِ الأهْوَالِ١*
وهي نفسُها طائفُ الأهوال. وقد أفردنا لهذا الضرب من العربية بابا من كتاب الخصائص٢ فاعرفه، فإنه موضع غريب لطيف وطريف. وقد ذكرناه أيضا فيما مضى٣.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "الْكِبَرِ عَتِيًّا"٤، ١ بفتح العين.
وكذلك قرأ أيضا: "أَوْلَى بِهَا صَلِيًّا"٥، بفتح الصاد. وقال ابن مجاهد: لا أعرف لهما في العربية، أصلا، قال ابن مجاهد: ويقرأ مع ذلك "بُكِيًّا" بضم الباء.
قال أبو الفتح: لا وجه لإنكار ابن مجاهد ذلك لأن له في العربية أصلا ماضيا، وهو ما جاء من المصادر على فعيل نحو: الحويل٦، والزويل٧، والشخير، والنخير٨. فأما "البكِىّ" فجماعة، وهي فعول: كالحثيّ٩، والدني، والفلي، جمع فلاة، والحلي.
ومن ذلك قراءة شبيل١٠ بن عزرة: "فَأَجَأها"١١، مثل فألجأها.
قال أبو الفتح: رواها ابن مجاهد أيضا أنها من المفاجأة، إلا أن ترك همزها إنما هو بدل لا تخفيف قياسي. وقد يجوز أن تكون القراءة على التخفيف القياسي، إلا أنه لطفت لضعف
стр. 421
الهمزة بعد الألف فظنها القراء ألفا ساكنة مدة، إلا أن قوله: مثل ألجأها يشهد لقراءة الجماعة: ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ . وقد يمكن أن يكون أراد مثل: أجاءها إذا أبدلت همزته ألفا فيكون التشيبه لفظيا لا معنويا.
ومن ذلك قراءة محمد بن كعب١ وبكر بن حبيب السهمي٢: "نَسْئًا"٣، بفتح النون مهموزة؟
قال أبو الفتح: قال أبو زيد نسأت اللبن أنسؤه نسئا، وذلك أن تأخذ حليبا فتصب عليه ماء، واسمه النسء والنسيء، وأنشد:
سَقُونِي نَسْئًا قَطَعَ الماءُ مَتْنَهُ ... يُبِيلُ على ظَهْرِ الفِرَاشِ ويُعْجِلُ
فتأويل هذه القراءة -والله أعلم- يا ليتني مِتُّ قبل هذا، وكنت كهذا اللبن المخلوط. بالماء في قلته وصغارة حاله، كما أن قوله: "وَكُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا"٤، أي: كنت كالشيء المحقر ينساه أهله، ونَزَارَة٥ أمره.
ومن ذلك قراءة مسروق: "يُسَاقِطْ"٦، بالياء خفيفة.
стр. 422
قال أبو الفتح: يساقط هنا بمعنى يسقط، إلا أنه شيئا بعد شيء، وعليه قول ضابئ البرجمي:
يُسَاقِطُ عَنْهُ رَوْقُهُ ضَارِيَاتِها ... سِقَاطَ حَدِيدِ القَين أَخْوَلَ أَخْوَلا١
أي يسْقُطُ قرن هذا الثور ضاريات كلاب الصيد لطعنه إياها، شيئا بعد شيء.
ومن ذلك قراءة طلحة: "رُطَبًا جِنِيًّا"، بكسر الجيم.
قال أبو الفتح: أتبع فتحة الجيم من "جِنِيًّا" كسرة النون، وشبه النون وإن لم تكن من حروف الحلق بهن في نحو صَأَى٣ الفرخ صِئِيا، وفي نحو: الشخير، والنخير٤، والنغيق٥ والشعير، والبعير، والرغيف. وحكى أبو زيد عنهم: ذلك لمن خاف وعيد الله.
وله في تشبيهه النون بالحرف الحلقي عذر ما؛ وذلك لتفاوتهما، فالنون متعالية، كما أنهن سوافل: فكل في شقه مضاد لصاحبه، ألا ترى أن أبا العباس قال في همزة صحراء وبطحاء ونحوهما: صحراوان وبطحاوان [٩٧و] وصحراوات وبطحاوات؟ شبهت الهمزة بالواو، لأن كل واحدة منهما طارفة في جهتها؛ فجعل تناهيهما في البعد طريقا إلى تلاقيهما في الحكم.
وبعد فالعرب تجري الشيء مجرى نقيضه، كما تجريه مجرى نظيره. ألا تراها قالت: طَوِيل كما قالت: قَصِير، وشَبْعان كجَوْعان، وكَرُمَ كلَؤُمَ، وعَلِمَ كجَهِلَ؟ ولأجل هذا قال بعضهم: إن قَوِيَ فعل في الأصل حملا على نظيره الذي هو ضَعُفَ، وفي هذا كاف من غيره. ونحو من معناه قول المنجمين في النحسين إذا تقابلا: استحالا سعدا، وعليه قول الناس: عداوة أربعين سنة مودة. والمعاني في هذا٦ العالم متلاقية على تفاوُتها، ومجتمعة مع ظاهر تفرقها، لكنها محتاجة إلى طَبٍّ٧ بها وملاطف لها.
стр. 423
ومن ذلك قراءة طلحة: "فَإِمَّا تَرَيِنَ١".
وروى عن أبي عمرو: "تَرَئِنَّ"، بالهمز.
قال أبو الفتح: الهمز هنا ضعيف؛ وذلك لأن الياء مفتوح ما قبلها، والكسرة فيها لالتقاء الساكنين؛ فليست محتسبة أصلا، ولا يكثر مستثقَلُه، وعليه قراءة الجماعة: ﴿تَرَيِنَّ﴾ ، بالياء لما ذكرنا٢. غير أن الكوفيين قد حكوا الهمز في نحو هذا، وأنشدوا:
كَمُشْتَرِئ بِالْحَمْدِ أَحْمِرَةً بُتْرَا٣
نعم، وقد حكى الهمز في الواو التي هي نظيرة الياء في قول الله: "تعالى": ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ ٤، فشبه الياء لكونها ضميرا وعلم تأنيث بالواو؛ من حيث كانت ضميرا وعلم تذكير. وهذا تعذر ما وليس قويا، ولا تُرَيَنَّ هذه الهمزة هي همزة رأيت، تلك قد حذفت للتخفيف في أصل الكلمة "تَرْأَيْنَ"؛ فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على الراء فصارت "تَرَيْنَ"، فالهمزة الأصلية إذا محذوفة، وغير هذه الملفوظ بها.
وأما قراءة طلحة: "فَإِمَّا تَرَيِن" فشاذة، ولست أقول إنها لحن لثبات علم الرفع، وهو النون في حال الجزم، لكن تلك لغة: أن تثبت هذه النون في الجزم، وأنشد أبو الحسن:
لَوْلَا فَوَارِسُ مِنْ قَيْسٍ وَأُسْرَتِهِمْ ... يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لَمْ يُوفُونَ بِالْجَارِ٥
كذا أنشده "يُوفُونَ" بالنون، وقد يجوز أن يكون على تشبيه "لم" بلا.
ومن ذلك قراءة أبي نهيك وأبي مجلز: "وبِرًّا٦"، بكسر الباء.
стр. 424
قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع الجار والمجرور من قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ ١﴾ ، كأنه قال: ألزمني بِرًّا، وأشعرني بوالدتي؛ لأنه إذا أوصاه به؛ فقد ألزمه إياه. وعليه بيت الكتاب:
يَذْهَبْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرَا٢*
أي: ويسلكن غورا، وبيته أيضا:
فَإنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ دُونِ عَدْنَانَ وَالِدًا ... وَدُونَ مَعْدٍّ فَلْتَزَعْكَ الْعَوَاذِلُ٣
عطف "دونَ" الثانية على موضع "من دونِ" الأولى، نظائره كثيرة جدًّا. وإن شئت حملته على حذف المضاف، أي: وجعلني ذا برّ، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة، كقولها٤:
فإنما هي إقبالٌ وإدبارٌ
على غير حذف المضاف.
ومن ذلك قراءة طلحة: "وريًِا"٥، خفيفة بلا همز.
стр. 425
وقرأ: "وَزِيًّا"، [٩٧ظ] بالزاي سعيد بن جبير ويزيد البربري والأعسم المكي.
قال أبو الفتح١: النظر من ذلك في "وَرِيًّا"
، خفيفة بلا همز٢؛ وذلك أنه في الأصل فعل إما من رأيت وإما من رويت، فأصله -وهو من الهمز- "ورِثْيًا" كَرِعْيًا، على قراءة أبي عمرو وغيره؛ فأريد تخفيف الهمز، فأبدلت الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء المبدلة من الهمزة في الياء الثانية التي هي لام الفعل، فصارت "وَرِيًّا".
ويجوز أن يكون من رويت قال أبو علي: وذلك لأن المريان نضارة وحسنا؛ فيتفق إذا معناه ومعنى "وزيا" بالزاي. وأصله على هذا "رِوْيٌ"، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت٣ في الياء بعدها؛ فصارت "وَرِيًّا".
حدثنا أبو علي عن ابن مجاهد أن القراءة فيها على ثلاث أضرب: "ورِثْيًا"، "وَرِيًّا"، "وَزِيًّا" فهذا هذا.
فأما "رِيًا"، مخففة غير مهموزة فتحتمل أمرين:
أحدهما أن تكون مقلوبة من فعل إلى فلع؛ فصارت في التقدير "رِيئًا"، ثم خفف على هذا، فحذفت الهمزة، فألقيت حركتها على الياء؛ فصارت "رِيًا"، كقولك في تخفيف نيء: أكلت طعاما نِيًا، وفي تخفيف الجيئة: الجية. فإن خففت البيئة٤ من قولهم: بات بيئة سوء قلت فيها: البِوَة، وذلك أنها في الأصل بِوْءَة، لأنها فِعْلَة من تَبَوَّأت، فانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت بيئة، فإذا ألقيت عليها فتحة الهمزة قويت بها، فرجعت الواو لقوة الحرف بالحركة، فقلبت "بِوَة" وقد استقصينا هذا الموضع من كتابنا المعرب، فهذا أحد الوجهين في "رِيًا" بالتخفيف.
والآخر أن يكون يريد "رِيًا" من رويت، ثم يخفف الكلمة بحذف إحدى الياءين، كما قال: أتاني القوم لا سيما زيد بتخفيف الياء، وقولهم في الطَّيَّة٥ والنية: الطِيَة والنِّيَة، بحذف إحدى الياءين. وينبغي أن تكون المحذوفة من ذلك كله هي الياء الثانية؛ لأمرين:
أحدهما أنها هي المكررة، وبها وقع الاستثقال، وإياها ما٦ حذف.