الهمزة بعد الألف فظنها القراء ألفا ساكنة مدة، إلا أن قوله: مثل ألجأها يشهد لقراءة الجماعة: ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ . وقد يمكن أن يكون أراد مثل: أجاءها إذا أبدلت همزته ألفا فيكون التشيبه لفظيا لا معنويا.
ومن ذلك قراءة محمد بن كعب١ وبكر بن حبيب السهمي٢: "نَسْئًا"٣، بفتح النون مهموزة؟
قال أبو الفتح: قال أبو زيد نسأت اللبن أنسؤه نسئا، وذلك أن تأخذ حليبا فتصب عليه ماء، واسمه النسء والنسيء، وأنشد:
سَقُونِي نَسْئًا قَطَعَ الماءُ مَتْنَهُ ... يُبِيلُ على ظَهْرِ الفِرَاشِ ويُعْجِلُ
فتأويل هذه القراءة -والله أعلم- يا ليتني مِتُّ قبل هذا، وكنت كهذا اللبن المخلوط. بالماء في قلته وصغارة حاله، كما أن قوله: "وَكُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا"٤، أي: كنت كالشيء المحقر ينساه أهله، ونَزَارَة٥ أمره.
ومن ذلك قراءة مسروق: "يُسَاقِطْ"٦، بالياء خفيفة.
стр. 422
قال أبو الفتح: يساقط هنا بمعنى يسقط، إلا أنه شيئا بعد شيء، وعليه قول ضابئ البرجمي:
يُسَاقِطُ عَنْهُ رَوْقُهُ ضَارِيَاتِها ... سِقَاطَ حَدِيدِ القَين أَخْوَلَ أَخْوَلا١
أي يسْقُطُ قرن هذا الثور ضاريات كلاب الصيد لطعنه إياها، شيئا بعد شيء.
ومن ذلك قراءة طلحة: "رُطَبًا جِنِيًّا"، بكسر الجيم.
قال أبو الفتح: أتبع فتحة الجيم من "جِنِيًّا" كسرة النون، وشبه النون وإن لم تكن من حروف الحلق بهن في نحو صَأَى٣ الفرخ صِئِيا، وفي نحو: الشخير، والنخير٤، والنغيق٥ والشعير، والبعير، والرغيف. وحكى أبو زيد عنهم: ذلك لمن خاف وعيد الله.
وله في تشبيهه النون بالحرف الحلقي عذر ما؛ وذلك لتفاوتهما، فالنون متعالية، كما أنهن سوافل: فكل في شقه مضاد لصاحبه، ألا ترى أن أبا العباس قال في همزة صحراء وبطحاء ونحوهما: صحراوان وبطحاوان [٩٧و] وصحراوات وبطحاوات؟ شبهت الهمزة بالواو، لأن كل واحدة منهما طارفة في جهتها؛ فجعل تناهيهما في البعد طريقا إلى تلاقيهما في الحكم.
وبعد فالعرب تجري الشيء مجرى نقيضه، كما تجريه مجرى نظيره. ألا تراها قالت: طَوِيل كما قالت: قَصِير، وشَبْعان كجَوْعان، وكَرُمَ كلَؤُمَ، وعَلِمَ كجَهِلَ؟ ولأجل هذا قال بعضهم: إن قَوِيَ فعل في الأصل حملا على نظيره الذي هو ضَعُفَ، وفي هذا كاف من غيره. ونحو من معناه قول المنجمين في النحسين إذا تقابلا: استحالا سعدا، وعليه قول الناس: عداوة أربعين سنة مودة. والمعاني في هذا٦ العالم متلاقية على تفاوُتها، ومجتمعة مع ظاهر تفرقها، لكنها محتاجة إلى طَبٍّ٧ بها وملاطف لها.
стр. 423
ومن ذلك قراءة طلحة: "فَإِمَّا تَرَيِنَ١".
وروى عن أبي عمرو: "تَرَئِنَّ"، بالهمز.
قال أبو الفتح: الهمز هنا ضعيف؛ وذلك لأن الياء مفتوح ما قبلها، والكسرة فيها لالتقاء الساكنين؛ فليست محتسبة أصلا، ولا يكثر مستثقَلُه، وعليه قراءة الجماعة: ﴿تَرَيِنَّ﴾ ، بالياء لما ذكرنا٢. غير أن الكوفيين قد حكوا الهمز في نحو هذا، وأنشدوا:
كَمُشْتَرِئ بِالْحَمْدِ أَحْمِرَةً بُتْرَا٣
نعم، وقد حكى الهمز في الواو التي هي نظيرة الياء في قول الله: "تعالى": ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ ٤، فشبه الياء لكونها ضميرا وعلم تأنيث بالواو؛ من حيث كانت ضميرا وعلم تذكير. وهذا تعذر ما وليس قويا، ولا تُرَيَنَّ هذه الهمزة هي همزة رأيت، تلك قد حذفت للتخفيف في أصل الكلمة "تَرْأَيْنَ"؛ فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على الراء فصارت "تَرَيْنَ"، فالهمزة الأصلية إذا محذوفة، وغير هذه الملفوظ بها.
وأما قراءة طلحة: "فَإِمَّا تَرَيِن" فشاذة، ولست أقول إنها لحن لثبات علم الرفع، وهو النون في حال الجزم، لكن تلك لغة: أن تثبت هذه النون في الجزم، وأنشد أبو الحسن:
لَوْلَا فَوَارِسُ مِنْ قَيْسٍ وَأُسْرَتِهِمْ ... يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لَمْ يُوفُونَ بِالْجَارِ٥
كذا أنشده "يُوفُونَ" بالنون، وقد يجوز أن يكون على تشبيه "لم" بلا.
ومن ذلك قراءة أبي نهيك وأبي مجلز: "وبِرًّا٦"، بكسر الباء.
стр. 424
قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع الجار والمجرور من قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ ١﴾ ، كأنه قال: ألزمني بِرًّا، وأشعرني بوالدتي؛ لأنه إذا أوصاه به؛ فقد ألزمه إياه. وعليه بيت الكتاب:
يَذْهَبْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرَا٢*
أي: ويسلكن غورا، وبيته أيضا:
فَإنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ دُونِ عَدْنَانَ وَالِدًا ... وَدُونَ مَعْدٍّ فَلْتَزَعْكَ الْعَوَاذِلُ٣
عطف "دونَ" الثانية على موضع "من دونِ" الأولى، نظائره كثيرة جدًّا. وإن شئت حملته على حذف المضاف، أي: وجعلني ذا برّ، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة، كقولها٤:
فإنما هي إقبالٌ وإدبارٌ
على غير حذف المضاف.
ومن ذلك قراءة طلحة: "وريًِا"٥، خفيفة بلا همز.
стр. 425
وقرأ: "وَزِيًّا"، [٩٧ظ] بالزاي سعيد بن جبير ويزيد البربري والأعسم المكي.
قال أبو الفتح١: النظر من ذلك في "وَرِيًّا"
، خفيفة بلا همز٢؛ وذلك أنه في الأصل فعل إما من رأيت وإما من رويت، فأصله -وهو من الهمز- "ورِثْيًا" كَرِعْيًا، على قراءة أبي عمرو وغيره؛ فأريد تخفيف الهمز، فأبدلت الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء المبدلة من الهمزة في الياء الثانية التي هي لام الفعل، فصارت "وَرِيًّا".
ويجوز أن يكون من رويت قال أبو علي: وذلك لأن المريان نضارة وحسنا؛ فيتفق إذا معناه ومعنى "وزيا" بالزاي. وأصله على هذا "رِوْيٌ"، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت٣ في الياء بعدها؛ فصارت "وَرِيًّا".
حدثنا أبو علي عن ابن مجاهد أن القراءة فيها على ثلاث أضرب: "ورِثْيًا"، "وَرِيًّا"، "وَزِيًّا" فهذا هذا.
فأما "رِيًا"، مخففة غير مهموزة فتحتمل أمرين:
أحدهما أن تكون مقلوبة من فعل إلى فلع؛ فصارت في التقدير "رِيئًا"، ثم خفف على هذا، فحذفت الهمزة، فألقيت حركتها على الياء؛ فصارت "رِيًا"، كقولك في تخفيف نيء: أكلت طعاما نِيًا، وفي تخفيف الجيئة: الجية. فإن خففت البيئة٤ من قولهم: بات بيئة سوء قلت فيها: البِوَة، وذلك أنها في الأصل بِوْءَة، لأنها فِعْلَة من تَبَوَّأت، فانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت بيئة، فإذا ألقيت عليها فتحة الهمزة قويت بها، فرجعت الواو لقوة الحرف بالحركة، فقلبت "بِوَة" وقد استقصينا هذا الموضع من كتابنا المعرب، فهذا أحد الوجهين في "رِيًا" بالتخفيف.
والآخر أن يكون يريد "رِيًا" من رويت، ثم يخفف الكلمة بحذف إحدى الياءين، كما قال: أتاني القوم لا سيما زيد بتخفيف الياء، وقولهم في الطَّيَّة٥ والنية: الطِيَة والنِّيَة، بحذف إحدى الياءين. وينبغي أن تكون المحذوفة من ذلك كله هي الياء الثانية؛ لأمرين:
أحدهما أنها هي المكررة، وبها وقع الاستثقال، وإياها ما٦ حذف.
стр. 426
والآخر أنها لام، وقد كثر حذف اللام حرف علة: كمائة، ورِئة، وفِئة. وقلما تحذف العين، فهذا هذا.
وأما "الزِّي"، بالزاي ففِعل من زَوَيْت؛ وذلك أنه لا يقال لمن له شيء واحد من آلته: زِيٌّ١، حتى تكثر آلته المستحسنة، فهي إذا من زويْت، أي جمعت.
ومن قول النبي " ﷺ ": "زُوِيَت لِيَ الأرضُ" ٢، أي جمعت، ومن قول الأعشى؛
يَزِيدُ يغُضّ الطرْفَ دُونِي كَأَنَّما ... زَوَى بين عَيْنَيْه علَى المَحَاجِمِ٣
وأصلها زِوْيٌ، فقلبت الواو على ما مضى، وأدغمت في الياء.
ومن ذلك قراءة أبي نهيك: "كَلًّا سَيَكْفُرُون٤"، بالتنوين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن تكون "كلا" هذه مصدران كقولك: كل السيف كلا، فهو إذًا منصوب بعفل مضمر، فكأنه لما قال: "سبحانه": ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ٥﴾ قال الله "سبحانه" رادا عليهم: "كلا"، أي: كل الرأي والاعتقاد كلا، ورأوا منه رأيا [٩٨و] كلا، كما يقال: ضعفا لهذا الرأي وفيالة٦، فتم الكلام، ثم قال "تعالى" مستأنفا فقال: كل رأيهم كلا، ووقف، ثم قال من بعد: "سيكفرون"، فهناك إذا وقفان: أحدها "عزا"، والآخر "كلا"؛ من حيث كان منصوبا بفعل مضمر، لا من حيث كان زجرا وردا وردعا.
ومن ذلك قراءة السلمى: شيئ أدا٧، بالفتح.
قال أبو الفتح: الأد، بالفتح: القوة.
стр. 427
قال:
نَضَوْنَ عَنِّي شِرَّةً وَأَدَّا ... مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتُ صَمُلًّا نَهْدَا١
فهو إذًا حذف المضاف، فكأنه قال: لقد جِئْتُم شيئا ذا أدٍّ، أي: ذا قوة. فهو كقولهم رجل زَوْر٢ وعَدْل وضَيْف، تصفه بالمصدر إن شئت على حذف المضاف، وإن شئت على وجه آخر أصنع من هذا وألطف، وذلك أن تجعله نفسه هو المصدر للمبالغة، كقول الخنساء:
تَرْتَعُ مَا غَفَلَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ ... فإنما هِيَ إقبالُ وإدبارٌ٣
إن شئت على ذات إقبال وإدبار، وإن شئت جعلتها نفسها هي الإقبال والإدبار، أي: مخلوقة منهما: ويدلك على أن هذا معنى عندهم لا على حذف المضاف، بل لأنهم جعلوه الحدث نفسه قولهم، أنشدناه أبو علي:
ألّا أصبحَتْ أسماءُ جَاذِمَةَ الْحَبْلِ ... وَضَنَّتْ عَلَيْنَا وَالضَّنِينُ مِنَ الْبُخْلِ٤
أي: هو مخلوق من البخل، ولا تحمله على القلب، أي: والبخل من الضنين؛ لصغر معناه إلى المعنى الآخر، ولأنه مع ذلك أيضا نزول عن الظاهر وأنشدنا أيضا.
وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ قَبْلَكَ وَالْمُطْلِ٥
وأنشدنا أيضا:
وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ وَالْوَلَعانِ٦
ويكفي من هذا كله قول الله "سبحانه": ﴿خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٧، أي من العَجَلَة، لا من الطين كما يقول قومٌ؛ لقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ٨.
стр. 428
سورة طه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرأ الضحاك وعمرو بن فائد: "طاوى" مُبَيَّضٌ١.
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير، ورويت عن الحسن ومجاهد: "أَخْفِيهَا"٢، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: أَخْفَيْت الشيءَ: كتمْته، وأظهرته جميعا وخَفَيْتُه بلا ألف: أظهرتُه البتة. فمن ذلك قراءة من قرأ: "أُخْفِيهَا". قالوا: معناه أُظْهِرُها. قال أبو علي: الغرض فيه أزيل عنها خفاءها٣، وهو ما تلف فيه القربة ونحوها: من كساء، وما يجري مجراه، قال: وعليه قول الشاعر:
لَقَدْ عَلِمَ الأيْقَاظُ أَخْفِيَةَ الْكَرَى ... تَزَجُّجَهَا مِنْ حَالِكٍ واكْتِحَالِهَا٤
قال: أراد الأيقاظ عيونا٥، فجعل العين كالخِفاء للنومِ؛ لأنها تستره، قال: مِن ألفاظ السلب: فأخفيتُه: سَلَبْتُ عنه خِفاءه، وإذا زال عنه ساتره ظهر لا محالة، ومثله من السلب: أشكيْتُ الرجل: إذا أزلتَ عنه ما يشكُوه، وقد سيق نحو هذا وحديثُ السلب في اللغة.
فأما "أَخْفِيهَا" بفتح الألف فإنه [٩٨ظ] أُظهرها. قال امرؤ القيس:
стр. 429
خَفَاهُنَّ مِن أَنْفَاقِهِنَّ كأنَّما ... خَفَاهُنَّ وَدْقُ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلّب١
فهذا إذًا أكاد أُظهرها، وقيل: أكادُ أخفيها من نفسي. وفي هذا ضرب من التصوف وقيل: أكاد أخفيها: أريد أخفيها، وأنشد أبو الحسن شاهدا له:
كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ ... لَوْ عَادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ مَا مَضَى٢
فكأنه قال: أرادت وأردت: لقوله: وتلك خير إرادة. وقيل: أكاد هنا زائدة. أي: أخفيها وأنشدوا فيه لحسان:
وتَكَادُ تَكْسَلُ أنْ تَجِيءَ فِرَاشَهَا ... فِي جِسْمِ خَرعَبَة وَحُسْنِ قَوَام٣
فإذا كان "أَخْفِيها" بالفتح أو "أُخْفِيها" بمعنى أظهرها فاللام في قوله: "لِتُجْزَى" معلَّقةٌ بنفس "أخفيها"، ولا يحسن الوقف دونها.
وإذا كان من معنى الإخفاء والستر فاللام متعلقة بنفس "آتية". أي: إن الساعة آتية لِتُجْزَى كل نفس بما تسعى، أكاد أخفيها. فالوجه أن تقف بعد "أخفيها" وقفة قصيرة. أما الوقفة فلئلا يظن أن اللام معلَّقةٌ بنفس "أخفيها"، وهذا ضِد المعنى، لأنها إذا لم تظهر لم يكن هناك جزاء، إنما الجزاء مع ظهورها. فأما قصر الوقفة فلأن اللام متعلقة بنفس "آتية"، فلا يحسن إتمام الوقف دونها؛ لاتصال العامل بالمعمول فيه. وهذه الوقفة القصيرة ذكرها أبو الحسن، وما أحسنَها وألطفَ الصنعةَ فيها!
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو -بخلاف عنهما: "هِيَ عَصَايِ"٤ بكسر الياء، مثل غلامي٥.
стр. 430
وقرأ: "عَصَايْ" ابن أبي إسحاق أيضا.
قال أبو الفتح: كسر الياء في نحو هذا ضعيف؛ استثقالا للكسرة فيها وهربا إلى الفتحة، "كَهُدَايَ"١ و"يابُشْرَايَ"٢، إلا أن للكسرة وجها ما.
وذلك أنه قد قرأ حمزة: "مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيِّ٣"، فكسر الياء لالتقاء الساكنين مع أن قبلها كسرة وياء، والفتحة والألف في "عصايِ" أخف من الكسرة والياء في "مصرخِيِّ". وروينا عن قطرب وجماعة من أصحابنا:
قالَ لَهَا هَلْ لَكَ يَا تَافِيِّى٤
أراد "فِيّ"، ثم أشبع الكسرة للإطلاق، وأنشأ عنها ياء نحو منزلي وحوملي٥، وروينا عنه أيضا:
عَلَىِّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ... لِوَالِدِهِ لَيْسَتْ بِذَاتِ عَقَارِبِ٦
وروينا عنه أيضا:
إنَّ بَنِيِّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّونْ ... أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ رِبْعِيُّونْ٧
وقول ابن مجاهد: مثل غلامي لا وجه له؛ لأن الكسرة في ياء "عصايِ" لالتقاء الساكنين، والكسرة في ميم "غلامي" هي التي تحدثها ياء المتكلم. أفترى أن في "عصايِ" بعد ياء المتكلم
стр. 431
ياء له أخرى حتى يكون للمتكلم ياءان؟ وهذا محال، وإنما غرضه أن الياء في "عصايِ" مكسور كما أن ميم غلامي مكسورة، وأساء التمثيل على ما ترى.
ومن ذلك قراءة عكرمة، "وَأَهُسُّ"١ بالسين.
وقرأ إبراهيم: "وَأَهِشُّ"، بكسر الهاء، وبالشين.
قال أبو الفتح: أما "أَهِشُّ"، بكسر الهاء، وبالشين معجمة فيحتمل٢ أمرين:
أحدهما [٩٩و] : أن يكون: أَمِيل بها على غنمي، إما لسوقها. وإما لتكسير الكلأ لها بها، كقراءة من قرأ: "أهُشُّ" بضم، الشين معجمة، يقال: هشَّ الخبزُ يهشُّ: إذا كان جافا يتكسر لهشاشته.
والآخر أن يكون أراد "أهُشُّ" بضم الهاء، أي أكسر بها الكلأ لها؛ فجاء به على "فَعَلَ يفْعِل" وإن كان مضاعفا ومتعديا. فقد مر بنا نحو ذلك٣، منه: هَرَّ الشيءَ يَهِرُّه: إذا كرهه، ومنه قول عنترة:
حَتَّى تَهِرُّوا الْعَوَالِيَا٤
أي: تكرهوها، وهو من قول قيس بن ذّرِيح٥:
نَهَارِي نَهَارُ الناسِ حَتَّى إِذَا بَدَا ... لِيَ اللَّيلُ هَرَّتْنِي إلَيْك الْمَضَاجِعُ٦
أي: كرهْتني، فنبَتْ بِي، وهزَّتْنِي بالزاي تصحيفٌ عندهم، ومثله: حَبَّ الشَّيءَ يَحِبُّه
стр. 432
بكسر الحاء ألبتة. ولم يضموها، وغذّ١ العرقُ الدمَ يغِذُّه ويغُذُّه، وتمَّ الحديث يتِمُّه ويتُمُّه، وشَدَّ الحبل يشِدُّه ويشُدُّه. في أحرف سوى هذه. وكذلك يكون "أهش" كقراءة من قرأ: "أهُشُّ"، بضم الهاء، والشين معجمة.
وأما "أهُسُّ" بالسين غير معجمة فمعناه أسوق: رجل هساس. أي: سواق.
فإن قلت: فكيف قال: "أهسُّ بها على غنمي؟ "، وهلا قال: أهسُّ بها غنمي. كقولك: أسوق بها غنمي؟
قيل: لما دَخَلَ السَّوقَ معنى الانتحاءِ لها والميل بها عليها استعمل معها "على"، حملا على المعنى، وقد ذكرنا من هذا فيما مضى صدرا صالحا٢. ومن ذلك قولهم: كفى بالله أي كفى الله. إلا أنهم زادو الباء حملا على معناه؛ إذ كان في معنى اكتف بالله. ولذلك قالوا حسبك به لما دخله معنى اكتف به. ولذلك أيضا حذفوا خبره في قولهم: حسبك لما دخله معنى اكتف، والفعل لا يخبر عنه, ونظائره كثيرة جدا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "وَلْتُصْنَعَ عَلَى"٣ بجزم اللام والعين.
وقرأ: "ولِتَصْنَعَ". بفتح التاء والعين. وكسر اللام -أبو نهيك.
قال أبو الفتح: ليس دخول لام الأمر هنا كدخولها في قراءة النبي " ﷺ " وغيره ممن قرأها معه: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا"٤ بالتاء. وفرق بينهما أن المأمور في "فلتفرحوا" مخاطب، وعرف ذلك وعادته أن يحذف حرف المضارعة فيه. كقولنا: قُمْ، وقعد، وخُذْ
، وسِرّ، وبع، وأما "ولتصنع فإن المأمور غائب غير مخاطب. فإنما هو كقولنا: ولتعن بحاجتي. ولتوضع٥ في تجارتك؛ لأن العاني بها والواضع فيها غيرهما. وهما المخاطبان٦. فهذا كقولك: ليضرب زيد ولتضرب هند.
стр. 433
وأما قول الرجل لصاحبه: خذ طرفك ولآخذ طرفي، وقولهم: لنمش كلنا، ولنقم إلى فلان، ونحو ذلك فإنما جاء باللام لأنه لم يكدر أمر الإنسان نفسه، فلما قل استعماله لم يخفف بحذف اللام كما أمر المأمور الحاضر، فخفف نحو قم، سر، وبع، وخف، ونم.
وأما: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ففسره أحمد بن يحيى، أي: لتكون حركتك وتصرفك على عين مني، قال: ومعنى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ، بضم التاء: لتربَّ١ وتغذى بمرأى مني.
ومن ذلك قراءة ابن محيص: "أَنْ يُفْرَطَ"٢ بفتح الراء:
قال أبو الفتح: هذا منقول من قراءة من قرأ: "أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا"، أي: يسبق ويسرع، فكأنه أن يفرطه مفرِط، أي: يحمله حامل على السرعة علينا وترك التأني بنا، فكأنه قال: أن يُحمل على العجلة في بابنا [٩٩ظ] .
ومن ذلك قراءة الحسن: "مَكَانًا سُوَى"، غير منون.
قال أبو الفتح: ترك صرف "سوى" ههنا مشكل، وذلك أنه وصف على فُعَل، وذلك مصروف عندهم: كمالٍ لُبَد٤، ورجلٍ حُطَم٥، ودليلٍ خُثَع٦، وسُكَع٧، إلا أنه ينبغي أن يحمل عليه أنه محمول على الوقف عليه، فجاء بترك التنوين. فإن وصل على ذلك فعلى نحو من قولهم: سبسبا وكلكلا٨، فجرى في الوصل مجراه في الوقف.
стр. 434
ومن ذلك قراءة الحسن والأعمش والثقفي، ورويت عن أبي عمرو: "يَوْمَ الزِّينَةِ"١، بالنصب.
قال أبو الفتح: أما نصب "يَوْمَ الزِّينَةِ" فعلى الظرف، كقولنا: قيامك يومَ الجمعة، فالموعد إذًا٢ ههنا مصدر، والظرف بعده خبرٌ عنه. وهو عندي على حذف المضاف، أي: إنجاز موعدنا إياكم في ذلك٣ اليوم.
ألا ترى أنه لا يراد في ذلك اليوم نعدكم؟ كيف ذا والوعد قد وقع الآن؟ إنما يتوقع إنجازه في ذلك اليوم، لكن في قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ النظر، فظاهر حاله أن يكون مجرور الموضع حتى كأنه قال: موعدكم يوم الزينة وحشر الناس ضحى، أي: يوم هذا وهذا؛ فيكون "أن يحشر" معطوفا عل الزينة.
وقد يجوز أن يكون مرفوع الموضع عطفا على الموعد، فكأنه قال: إنجاز موعدكم وحشر الناس ضحى في يوم الزينة، أي: هذان الفعلان في يوم الزينة، فكأنه جعل الموعد عبارة عن جميع ما يتحدد ذلك اليوم: من الثواب، والعقاب، وغيرهما سوى الحشر. ألا تراه عطفه عليه. وأنت لا تقول: جاء القوم وزيد، وقد جاء زيد معهم؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه وكذلك قول الله "تعالى": ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ٤ لا يكون٥ "جبريل" و"ميكائيل" داخلين في جملة الملائكة؛ لأنهما معطوفان عليهم، فلابد أن يكونا خارجين منهم، فأما قوله:
أكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا وَلَبَانَهُ ... إذَا مَا اشتكَى وقعَ الرماحِ تَحَمْحَمَا٦
فيروى "لبانه" رفعا ونصبا، فمن رفعه فلا نظر فيه؛ لأنه مبتدأ وما بعده خبر عنه. وأما النصب فعلى أنه أخرج عن الجملة "لبانه"، ثم عطفه عليه، وساغ له ذلك لأنه مازه من جملته إكبارا له وتفخيما منه، كما ماز "جبريل" و"ميكائيل" من جملة الملائكة تشريفا
стр. 435
لهما، وكذلك قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ليس في جملة ما دل عليه الموعد لما قدمناه، كأنه مميز من الزينة في اعتقادك إياه مجرورا؛ لأنه معطوف عليها.
وأما من رفع فقال: "يَوْمُ الزِّينَةِ" فإن الموعد عنده ينبغي أن يكون زمانا، فكأنه قال: وقت وعدي يوم الزينة، كقولنا: مبعث١ الجيوش شهر كذا، أي: وقت بعثها حينئذ. والعطف عليه بقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ يؤكد الرفع؛ لأن "أن" لا تكون ظرفا. ألا ترى أن من قال: زيارتك إياي مقدم الحاج لا يقول: زيارتك إياي أن يقدم الحاج؟ وذلك أن٢ لفظ المصدر الصريح أشبه بالظرف من "أن" وصلتها التي بمعنى المصدر، إذا كان اسما لحدث، والظرف [١٠٠و] اسم للوقت، والوقت يكاد يكون حدثا. وعلى كل حال فلست تحصل من ظرف الزمان على أكثر من الحدث الذي هو حركات الفلك، فلما تدانيا هذا التداني ساغ وقوع أحدهما موقع صاحبه.
وأما "أن" فحرف موصول، جعل بدل لفظه على أنه في معنى المصدر. وما أبعد هذا عن الظرفية! وقد استقصينا القول على ذلك في كتابنا الخصائص٣ وغيره من مصنفاتنا وينبغي أيضا أن يكون على حذف المضاف، أي: وقت وعدكم يوم الزينة ووقت حشر الناس؛ لأن الحشر في الحقيقة ليس وقتا، كما أن: قولك: ورودك مقدم الحاج إنما هو على حذف المضاف، أي: وقت مقدم الحاج وكذلك، خفوق النجم وخلافة فلان. فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود والجحدري وأبي عمران الجوني وأبي نهيك وأبي بكرة وعمرو بن فائد: "وَأَنْ يَحْشُرَ النَّاسَ ضُحًى"٤.
قال أبو الفتح: الفاعل هنا مضمر، أي: وأن يحشر الله الناس، فهذا كقوله "سبحانه": ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا٥﴾ ، وجميع هذا يراد به العموم، أي: يحشرهم قاطبة وطُرًّا
стр. 436
ولا يكون١ حالا كقوله "سبحانه": ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ ٢ ويدل عليه أيضا قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٣.
ومن ذلك قراءة الحسن والثقفي: "تُخَيَّلُ"٤، بالتاء.
قال أبو الفتح: هذا يدل على أن قوله "تعالى": ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ بدل من الضمير في "تُخَيَّلُ" وهو عائد على الحبال والعصي، كقولك: إخوتك يعجبونني أحوالهم. فأحوالهم بدل من الضمير العائد عليهم بدل الاشتمال.
ومنه قوله "تعالى": ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ٥ فيمن جعل "الأبواب" بدلا من الضمير في "مفتحة"، وهذا أمثل من أن يعتقد خلو "تُخَيَّلُ" من ضمير يكون ما بعده بدلا منه، لكن يؤنث الفعل لتضمن ما بعد أن لفظ التأنيث، كقراءة من قرأ: "لا تَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا"٦ لأنه أسهل وأسرح٧ من إتعاب الإعراب والتعسف به من باب إلى باب.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وأُبي بن كعب وعبد الله بن الزبير ونصر بن عاصم والحسن وقتادة وابن سيرين -بخلاف، وأبي رجاء: "فَقَبَصْتُ قَبْصْةً٨"، بالصاد فيهما.
وقرأ: "قُبْصْةً"، بالصاد وضم القاف الحسن، بخلاف.
قال أبو الفتح: القبض بالضاد معجمة باليد كلها، وبالصاد غير معجمة بأطراف الأصابع. وهذا مما قدمت إليك في نحوه تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، وذلك أن الضاد لتفشيها واستطالة مخرجها ما٩ جعلت عبارة عن الأكثر، والصاد لصفائها وانحصار مخرجها وضيق محلها ما٩ جعلت عبارة عن الأقل. ولعلنا لو جمعنا من هذا الضرب ما مر بنا منه لكان أكثر من ألف موضع
стр. 437
هذا مع أننا لا نتطلبه ولا نتقرى مواضعه، فكيف لو قصدنا وانتحينا وجهه وحراه١؟ نسأل الله أن يجعل ما علمنا منه لوجهه مدنيا من رضاه، ومبعدا من غضبه بقدرته وماضي مشيئته.
وأما "القبصة" بالضم فالقدر المقبوص، كالحسوة للمحسوّ٢، والحسوة [١٠٠ظ] فعلك أنت، والقبضة والقبصة جميعا على ذلك إنما هما حدثان موضوعان موضع الجثة، كالخلق في معنى المخلوق، وضرب الأمير، ونسج اليمن، في معنى مضروبه ومنسوجه.
ومن ذلك قراءة أبي حيوة: "لا مَسَاسِ"٣.
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿لا مِسَاسَ﴾ فواضحة؛ لأنه المماسَّة: مَاسَسْتُهُ مِسَاسًا كضَاربْتُه ضَرابًا، لكن في قراءة من قرأ: "لا مَسَاسِ" نظرا؛ وذلك أن "مساسِ" هذه كنَزَالِ ودَرَاكِ وحَذَارِ، وليس هذا الضرب من الكلام -أعني ما سمي به الفعل- مما تدخل "لا" النافية للنكرة عليه، نحو لا رجل عندك ولا غلام لك فـ"لا" إذًا في قوله: "لا مَسَاسِ" نفي للفعل، كقولك: لا أمسّك ولا أقرب منك، فكأنه حكاية قول القائل: مَساسِ كدَراكِ ونَزالِ، فقال: لا مَساسِ، أي: لا أقول: مساس، وكان أبو علي ينعم التأمل لهذا الموضع لما ذكرته لك، وقال الكميت:
لا هَمَامِ لِي لا هَمَامِ٤
أي: لا أقولُ: هَمَامِ، فكأنه من بَعدُ لا أهمّ بذلك، ولا بد من الحكاية أن تكون مقدرة. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لا أضربُ، فتنفي "بلا" لفظ الأمر٥؛ لتنافي اجتماع الأمر والنهي. فالحكاية إذا مُقدَّرة مُعتقَدة.
стр. 438
فإن قال قائل: فأنت لا تقول: مساسِ في معنى امسس. فياليت شعري ما الذي بنيت؟ قيل: ليس هذا أول معتقد معتزم تقديرا. وإن لم يخرج إلى اللفظ استعمالا. ألا ترى إلى ملامحَ وليالٍ في قول سيبويه ومذاكير ومشابِه: لا آحاد لها مستعملة. وإنما هي مرادة متصورة معتقدة، فكأن الواحد ملمحة ومشبَهْ وليلاة ومِذكار أو مِذكير أو نحو ذلك، فكذلك "لا مساسِ"، جاء على أنه قد استعمل منه في الأمر مساسِ فنفى على تصور الحكايةِ والقولِ وإن لم يأت به مسموع، ونظائرُه كثيرةٌ، وكذلك القول في "همامِ" من بيت الكميت.
ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف: "لَنْ نُخْلَفَهُ١" بالنون.
وقرأ: "لَنْ يَخْلُفَهُ" أبو نهيك.
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فمعناه: لن تصادفه مُخلَفًا، كقول الأعشى:
فَمَضَى وأخلفَ من قُتَيْلَةَ مَوْعِدًا٢
وقد مضى هذا مستقصى٣.
وأما "نُخْلِفَهُ" بالنون فتقديره: لن نُخْلِفَكَ إياه، أي: لن ننقض منه ما عقدناه لك. وأما "يَخْلُفَهُ" أي٤ لا يخلُف الموعد الذي لك عندنا ما أنت عليه٥ من محنتك في الدنيا بأن يكون نقيضه ومزيلا لحكمه، بل تكون في الآخرة كحالك في الدنيا. كما قال "سبحانه": ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ ٦، وكقوله "تعالى": ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٧، ومنه قوله "سبحانه": ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ ٨، أي: يحضر أحدهما فيخلُف الآخر، بأن ينقض حاله ويستأثر بالأمر دونه. والهاء في "يخلفه" عائدة على "أن تقول لا مَسَاسِ"، أو "لا مِسَاسَ".
стр. 439
ومن ذلك قراءة علي١ وابن عباس "﵉" وعمرو بن فائد: "لَنَحَرُقَنَّهُ"٢، بفتح النون. وضم الراء.
قال أبو الفتح: حرقْتُ الحديدَ: إذا بردتَه، [١٠١و] فتحاتَّ وتساقَطَ. ومنه قولهم: أنه لَيَحْرُق عليَّ الأرَّم، أي: يحك أسنانه بعضها ببعض غيظًا عليَّ. قال:
نُيُوبَهم علينا يحرُقُونا٣
وقال زهير:
أبَى الضيمَ والنعمانُ يحْرُق نابَه ... عليه فأفضَى والسيوفُ معاقِلُهْ٤
وأنشد أبو زيد، ورويناه عنه:
نُبِّئتُ أحماءَ سُلَيْمَى أنما ... باتُوا غِضَابًا يحرُقون الأرَّما
إن قلتُ أسقَى عاقِلا فأظْلَما ... جَوْنًا وأسقَى الحرتيْنِ الدِّيَما٥
فكأن "لنَحْرُقَنَّه" على هذا: لنَبْرُدَنَّه ولنَحُتَّنَّه حتًّا، ثُمَّ، لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا.
ومن ذلك عندي تسميتهم هذا الزورق حراقة، وهو كقولهم لها: سفينة؛ لأنها تَسْفِنُ وجه الماء، فكذلك تَحْرُقُه أيضًا.
ومن ذلك قراءة مجاهد وقتادة: "وَسَّعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا"٦.
стр. 440
قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم: خَرَّقَ كلًّ مصمتٍ بعلمِه؛ لأنه بَطَن كل مُخْفًى ومستبهم، فصار لعلمه فضاء متسعًا، بعد ما كان متلاقيا مجتمعا. ومنه قوله "تعالى": ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ١. فهذا العمل. وذلك في العلم.
ومن ذلك قراءة عياض: "فِي الصُّوَرِ٢". بفتح الواو.
قال أبو الفتح: هذا جمع صورة، وقد يقال: فيها صير وأصلها صور. فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها استحسانا. وقد أفردنا في الخصائص بابا للاستحسان٣. قال ذو الرمة:
أشبهْنَ من بقرِ الخلصاءِ أعيُنَهَا ... وهنَّ أحسنُ من صِيرَانِه صِيرَا٤
وصِوَرا: قال أبو عبيدة: الصُّوَر جمع صورة. كصوَف جمع صوفة. ويقال: الصوَر: القرن، ويقال: فيه ثقب٥ بعدد أنفس البشر، فإذا نفخ فيه قال الناس بالأَرْمَاسِ٦.
ومن ذلك قراءة الحسن: "أَوْ يُحْدِثْ لَهُمْ ذِكْرًا٧"، ساكنة الثاء.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا مما يسكن استثقالا للضمة، كقول جرير، أنشدَناه أبو علي"
سِيرُوا بَنِي الْعَمِّ فالأهْوَازُ منزِلُكُمْ ... ونهرُ تِيرَى ولا تعرِفْكُمُ العربُ٨
أي: ولا تعرفُكم، وقد مضى ذكر نحوه.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "فَنَسِيْ وَلَمْ٩"، ولا ينصب الياء.
стр. 441
قال أبو الفتح: قد قدمنا القول على سكون هذه الياء١ في موضع النصب والفتح وأنه عند أبي العباس من أحسن الضرورات، حتى إنه لو جاء به جاء في النثر لكان قياسا.
ومن ذلك ما يروى عن أبان بن تغلب: "وَنَحْشُرْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى"٢، بالجزم.
قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع قوله : "فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا"، وموضع ذلك جزم لكونه جواب الشرط الذي هو قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ ، فكأنه قال: ومن أعرض عن ذكري يَعِشْ عيشة ضنكا ونحشرْهُ، كما تقول: من يزرْنِي فله درهمٌ وأزده على ذلك، أي: من يزرْني يجبْ له درهم علي وأزده عليه. وعليه قراءة أبي عمرو بن العلاء: "فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ مِنَ الصَّالِحِينَ"٣.
стр. 442
سورة الأنبياء:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[١٠١ظ] قراءة يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف: "هَذَا ذِكْرٌ مِنْ مَعِيَ وَذِكْرٌ مِنْ قَبْلِي١"، بالتنوين في "ذكر"، وكسر الميم من "مِنْ".
قال أبو الفتح: هذا أحد ما يدل على أن "مع" اسم، وهو دخول "مِنْ" عليها.
حكى صاحب الكتاب وأبو زيد ذلك عنهم: جئت من معهم، أي: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكر مِنْ عندي ومِنْ قَبلي، أي: جئت أنا به، كما جاء به الأنبياءُ مِنْ قَبلي، كما قال الله "تعالى": ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٢.
ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيصن: "الْحَقُّ فَهُمْ مُعْرِضُون"٣.
قال أبو الفتح: الوقف في هذه القراءة على قوله "تعالى": "لا يَعْلَمُونَ"، ثم يستأنف: "الحقُّ"، أي هذا الحق، أو هو الحق؛ فيحذف المبتدأ، ثم يوقف على "الحق"، ثم يستأنف فيقال: فهم معرضون، أي: فهم معرضون٤، أي: أكثرهم لا يعلمون.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: "فَذَلِكَ نُجْزِيهُ"٥، برفع الهاء والنون.
قال ابن مجاهد: لا أدري ما ضم النون؟ لا يقال إلا جزيت، كما قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ ٦.
стр. 443
قال أبو الفتح: هو لعمري غريب عن الاستعمال، إلا أن له وجها أنا أذكره.
وذلك أنه يقال: أجزأني الشيء: كفاني، وهذا يجزئني من كذا، أي يكفيني منه، فكأنه في الأصل نجزئ به جهنم، أي نكفيها به، ومعناه: نمكنها منه. فتأتي عليه، كأنها تطلب باستيفائها إياه الاكتفاء بذلك، ثم حُذف حرف الجر. فصار نجزئه جهنم، أي: نُطعمه جهنم، كما حُذف الحرف في قوله "تعالى": ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ١، أي: من "قومه"، ثم أبدلت الهمزة من نجزئه ياء على حد أخطيت وقريت؛ فصارت ياء ساكنة: نجزِيهُ، وأقرت الهاء على ضمتها وهو الأصل، كما قرأ أهل الحجاز: "فَخَسَفْنَا بِهُو بِدَارِهُو الْأَرْضَ٢".
وزاد في حسن الضمة هنا أن الأصل الهمز. والهاء مع الهمزة هنا مضمومة. أي: نجزئه، فلما أبدلت الهمزة على غير قياس صارت الهاء كأن لا ياء قبلها؛ لأنه ليس هناك مسوغ للهمز لولا حمله على قريت وبابه، فبقيت الهاء على ضمتها تنبيها على أن الهمز ياء في الحكم، وأن ما عرض فيه من البدل لم يكن عن قَوِيّ عذر، فهذا٣ طريق الصنعة فيه. وهو أمثل من أن يحمل على إعطاء في بابه بما لا طريق إلى تسهيل طريقه.
ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفي وأبي حيوة: "رَتَقًا"٤، بفتح التاء.
قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجيء المصدر على فَعْل ساكن العين. واسم مفعول منه على فعَل مفتوحها، وذلك قولهم: النفْضُ للمصدر والنَّفَضُ للمنفوض٥، والخبْط. المصدر والخبَط الشيء المخبوط، والطرْد المصدر والطرَد المطرود. وإن كان قد يستعمل مصدرا، نحو: الحلْب والحلَب. فقراءة الجماعة: ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ كأنه مما وضع من المصدر موضع اسم المفعول، كالصيْد في معنى المصيد، والخّلْق بمعنى المخلوق.
وأما "رَتَقًا"، بفتح التاء فهو المرتوق، أي: كانتا شيئا واحدا مرتوقا، فهو إذًا كالنفض
стр. 444
والخبط، بمعنى المنفوض والمخبوط. ونحو من ذلك مجيئهم بالمصدر على فَعْل مفتوح الفاء [١٠٢و] ، واسم المفعول على فِعْل بكسرها، نحو رعيْت رَعيًا والرِّعي: المرعى، وطحنت الشيء طحنا والطِّحن: المطحون. ونقضت الشيء نقضا. والنِّقض: التعب، فكأنه منقوض. وسوغ الانحراف عن المصدر تارة على فَعَل والأخرى إلى فِعْل -تعاقبُ فِعْل وفَعَل في أماكن صالحة على المعنى الواحد، وهو المِثْل والمَثَل، والبِدْل والبَدَل، والشِّبْه والشَّبَه. ومن المعتل القِيل والقَال، والرِّير١ والرَّار. والكِيح٢ والكَاح، والقِير والقَار.
وقالوا أيضًا صِغْوُهُ٣ معك وصَغَاهُ معك، وكذلك عندي ما عدلوا بِفَعَل تارة إلى فِعْل، وأخرى إلى فُعْل، وذلك قولهم: بِنْت على فِعْل وأُخْت على فُعْل. وأصل كل واحد منهما فَعَل: بنو. وأخو، فلما مالوا إلى التأنيث جاءوا "ببنت" على فِعل. و"أخت" على فُعل؛ فصارا في التقدير بنو وأخو، ثم أبدلوا الواو تاء كتُجَاه وتُرَاث؛ فصارت بِنْتًا وأُخْتًا.
وقد مالوا أيضا ببعضه إلى فَعْل. فقالوا: هَنْت٤، وأصله فَعَل: هَنَوٌ، فأصاروه إلى هَنْو، ثم أبدلوا الواو تاء، فقالوا: هَنْت. وقابل ذلك أيضا من كلامهم ما كان فيه ثلاث لغات. نحو الشُّرب والشَّرب والشِّرب، والزَّعم والزُّعم والزِّعم. وقالوا شَنِئْتُه شَنْئًا وشِنئًا وشُنئًا.
وقال أبو عبيدة: هو قُطْب الرحى وقِطْب وقَطْب، فهذا طريق مقابلة صنعة اللغة ولفظة واحدة منه في هذا الحد، وعلى التنبه وتدارك الوضع -يقوم مقام كتاب لغة يحفظ هكذا سردا، ولا تَبُلّ النفس بنحو ذلك من لطيف الصنعة فيه يدا.
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن سريج الأصبهاني: "آَتَيْنَا بِهَا"٥، بالمد.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "آتَيْنَا" هنا فاعَلْنا لا أفْعَلْنا؛ لأنه لو كانت أفعَلْنا لما احتيج إلى الباء ولقيل: آتيناها. كما قال "تعالى": ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ٦،
стр. 445
فآتينا إذا من قوله: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ فاعلْنا، ومضارعها يُوَاتِي١ كيُهاتِي٢ في قول الجماعة إلا أبا علي فإنه كان يقول في هات: غير ما يقول الناس فتصريف هذا الفعل آتينا نُواتِي مُواتاة، وأنا مواتٍ، وهو مواتًى. ومن قال: ضاربت ضِرَابًا قال: إتاءً، ومن قال: ضِيرَابا قال: إيتاءً؛ فإيتاءُ على فِيعال كضِيراب، ومن قال:
أقاتلُ حتى لا أرى لي مُقاتًلا٣
قال: مواتًى.
ومن ذلك قراءة ابن عباس، وعكرمة والضحاك: "الْفُرْقَانَ ضِيَاءً"٤، بغير واو.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "ضياء" هنا حالا، كقولك: دفعت إليك زيدا مجملا لك ومسددا من أمرك، وأصحبتك القرآن دافعا عنك ومؤنسا لك. فأما في قراءة الجماعة: "وضياء" بالواو، فإنه عطف على الفرقان، فهو مفعول به على ذلك.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي نهيك وأبي السمال: "فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا"٥.
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد عن أبي بكر محمد بن هارون٦ عن أبي حاتم قال: فيها لغات: جِذاذا، وجُذاذا، وجَذاذا. قال: وأجودها الضم، كالحُطام والرُّقات، وكذلك روينا عن قطرب: جَذَّ الشيءَ يجُذه جَذًّا [١٠٢ظ] وجُذاذا وجِذاذا وجَذاذا.
стр. 446
ومن ذلك قراءة الحسن وابن أبي إسحاق والأشهب ورويت عن أبي عمرو: "أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ"١.
قال أبو الفتح: تكون "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" بدلا من "أُمَّتُكُمْ"، كقولك: زيد أخوك رجل صالح، حتى كأنه قال: أخوك رجل صالح. ولو قرئ "أُمَّتَكُمْ" بالنصب بدلا وتوضيحا "لهذه". ورفع "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" لأنه٢ خبر إن لكان وجها جميلا حسنا.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة: "وَحَرِمَ عَلَى قَرْيَةٍ"٣.
وقرأ: "وحرُم" ابن عباس -بخلاف- وأبو العالية وعكرمة.
وقرأ: "وَحَرَمَ عَلَى قَرْيَةٍ" قتادة ومطر الوراق.
وقرأ: "وَحَرِمَ"، بفتح الحاء، وكسر الراء، والتنوين في الميم عكرمة، بخلاف.
وقرأ: "وحَرْمٌ"، بفتح الحاء، وسكون الراء والتنوين ابن عباس، بخلاف.
قال أبو الفتح: أما "حَرِمَ" فالماضي من حَرِمَ٤، كقَلِقَ من قَلِقٍ، وبَطِرَ من بَطِرٍ. قالوا: حرم زيد، وهو حرم وحارم: إذا قبر ماله٥، وأحرمته: قمرته. قال زهير:
وإن أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمٌ٦
وأما "حَرُمَ" فأمره في الاستعمال ظاهر.
ومن جهة أحمد بن يحيى: "وَحَرِمٌ عَلَى قَرْيَةٍ"، أي: واجبٌ وحرامٌ، معناه: حُرِّمَ ذلك عليها، فلا تُبعث إلى يوم القيامة، وهذا على زيادة "لا"٧، وحَرِمَ الرجلُ: إذا لجَّ في شيء ومَحَكَ٨.
стр. 447
وأما "حَرُمَ" فمن حَرَمْتُه الشيءَ: إذا منعْتُه إياه، فقد عاد إذًا إلى معنى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ . وأما "حَرْمٌ"، بفتح الحاء، وتسكين الراء فمخفف من حَرِمٌ على لغة بني تميم، فهو كبَطْر من بَطِرٍ، وفَخْذ من فَخِذٍ، وكَلْمة من كَلِمَة. وقال أبو وعلة:
لا تأمنَنْ قوما ظلمتَهُمُ ... وبدأتَهُمُ بالشرِّ والحِرْمِ.
فكسَر، فهذا يصلح أن يكون من معنى اللجاج والمحك، ويصلح أن يكون من معنى الحرمان، أي: ناصبتهم وحرمتهم إنصافك.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "مِنْ كُلِّ جَدَث يَنْسِلُونَ١".
قال أبو الفتح: هو القبر بلغة أهل الحجاز، والجَدَفُ بالفاء لبني تميم. وقالوا: أجدثْتُ له جَدَثًا، ولم يقولوا: أجدفْتُ، فهذا يريك أن الفاء في "جَدَفٍ" بدل من الثاء في "جَدَثٍ". ألا ترى الثاء أذهب في التصرف من الفاء؟ وقد يجوز أن يكونا أصليين إلا أن أحدهما أوسع تصرفا من صاحبه، كما قالوا: وَكَّدْتُ عهدَه وأَكَّدْتُه، إلا أن الواو أوسع تصرفًا من الهمزة. ألا تراهم قالوا: قد وَكَدَ وَكْدَهُ٢، أي: شغل به، ولم يقولوا: أَكَدَ أَكْدَهُ؟ فالواوُ إذًا أوسعُ تصرفًا، وعليه قالوا: مودَّةٌ وكِيدَةٌ، ولم يقولوا: أكِيدَةٌ. وقالوا: وَكَّدْتُ السَّرجَ، والوِكَادُ٣، ولم تستعملْ هنا الهمزةُ، فهذا مذهبٌ مقتاس على ما رأيتك هنا.
ومن ذلك قراءة ابن السَّمَيفع: "حَصْبُ جَهَنَّمَ٤"، ساكنة الصاد.
وقرأ: "حَضَبُ"، بالضاد مفتوحة- ابن عباس.
وقرأ: "حَضْبُ"، ساكنة الضاد كُثِّير عَزَّة٥.
стр. 448
وقرأ: "حَطَبُ جَهَنَّمَ" علي بن أبي طالب وعائشة "﵉" وابن الزبير وأبي بن كعب وعكرمة.
قال أبو الفتح: أما الحَضَبُ١ بالضاد مفتوحة، وكذلك بالصاد غير معجمة فكلاهما الحطب، ففيه ثلاث لغات: حَطَبُ، وحَضَبُ، وحَصَبُ, وإنما يقال: حَصَبٌ إذا ألقي في التنور والموقد. فأما ما لم يستعمل فلا يقال له: حصب. وقال أحمد بن يحيى: أصل الحَصْب الرمي، حطبًا كان أو غيره. [١٠٣و] فهذا يؤكد ما ذكرناه من كونه المرمي في النار.
قال الأعشى:
فًلا تَكُ في حَرْبِنًا مِحْضَبًا ... لِتَجْعَلَ قوْمَكَ شَتَّى شُعُوبَا٢
فأما "الحَصْب" ساكنا بالصاد والضاد فالطرح، فقراءة من قرأ: "حَضْبُ جَهَنَّمَ" و "حَصْبُ جَهَنمَ" بإسكان الثاني منهما إنما هو على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول. كالخلق في معنى المخلوق، والصيد في معنى المصيد. وقد تقدم ذكر ذلك٣.
ومن ذلك قراءة أبي زرعة٤: "السُجُلِّ"٥ بضم السين والجيم، مشددة. وهذا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وكان قد قرأ على أبي هريرة.
وقرأ: "كَطَيِّ السِّجْلِ"، بكسر السين، ساكنة الجيم، خفيفة اللام- الحسن، وأجازه أبو عمرو، وحكاه عن أهل مكة.
وقرأ أبو السمال: "السَّجْل"، بفتح السين والجيم ساكنة، واللام خفيفة.
قال أبو الفتح: السَّجْل: الكتاب، ويقال: هو كتاب العهدة ونحوها. وقال قوم: هو
стр. 449
فارسي معرب، وأنكر ذلك أصحابنا: أبو عبيدة وكافة أصحابنا، وقالوا: بل هو عربي، وهذه اللغات بعد مسموعة فيه. وقال قوم: هو مَلَك، وقال آخرون: هو كاتب كان للنبي " ﷺ "، وذلك مدفوع؛ لأن كتابه معروفون.
ويشبه أن يكون هذان القولان إنما قاد إليهما توهم من ظن أن السجلّ هنا فاعل في المعنى، وإنما هو مفعول في المعنى. وهو كقولك: كطي الكتاب للكتابة، وقوله: "للكتاب" كقولك: للكتابة، أي كطي الكتاب لأن يكتب فيه؟
ومن ذلك ما رواه أيوب عن يحيى عن ابن عامر أنه قرأ: "وَإِنْ أَدْرِيَ لَعَلَّه"١، "وَإِنْ أَدْرِيَ أَقرِيبٌ"٢، بفتح الياء فيهما جميعا.
قال أبو الفتح: أنكر ابن مجاهد تحريك هاتين الياءين، وظاهر الأمر لعمري كذلك، لأنها لام الفعل بمنزلة ياء أرمي وأفضي، إلا أن تحريكها بالفتح في هذين الموضعين لشبهة عرضت هناك، وليس خطأ ساذجا بحتا.
وذلك أنك إذا قلت: "أدري" فلك هناك ضمير وإن كان فاعلا، فأشبه آخرهُ، آخرَ ما لك فيه ضمير وإن كان مضافا إليه، كقولك: غلامي وداري. فلما تشابه الآخران بكونهما ياءين، وهناك أيضا للمتكلم ضميران، وهما المرفوع في "أدري" و"صاحبي"؛ ففتحت الياء في "أدري" كما تفتح في نحو "داري" و"غلامي".
ولا تستبعد في الشبه نحو هذا، فقد همزوا مصائب لما أشبه حرف اللين في مصيبة -وإن كانت عينا- حرف اللين في صحيفة وإن كان زائدا٣. وقالوا ما هو أعلى من هذا، وهو أنهم تركوا صرف أحمد وأصرم٤ لما أشبها بالمثال نحو أركبُ وأذهبُ، وقالوا أيضا: مَسِيل، وهو من سال يسيل وياؤه عين، ثم عاملوها معاملة ياء فعيل الزائدة، فقالوا:
стр. 450
أمسلة. كما قالوا: أجربة١، قالوا: سالت معنانه٢. فحذفوا ياء معين، وهو من العيون، وأجروها مجرى ياء قفيز وقفزان الزائدة. هذا هو الظاهر. فأما قولهم: مَسِيل ومُسُل، وأَمْعَنَ بحقِّهِ: إذا أجاب إليه وانقاد له -فقد يجوز أن يكون إنما ساغ ذلك لما سمعوهم يقولن: مُعْنَان [١٠٣ظ] وأمْسِلَة، كما قال أبو بكر في قولهم٣ ضَفنَ الرجلُ يضفِنُ إذا جاء ضيفًا مع الضيف: لما قالوا ضيفَنَ، فأشبه فيعلا٤. فصارت النون في ضيفن كالأصل، إلا أن فَيْعَلا أكثر من فَعْلَن. فاشتُقَّ منه على أقوى ما يجب في مثله؛ فثبتت النون في ضَفَن لاما وإن كانت في ضَيْفَن زائدة. فكذلك شبهوا ياء "أدري" بياء غلامي وداري من حيث ذكرنا. فاعرفه معنى كالعذر أو عذرا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "قُلْ رَبُّ احْكُمْ"٥ بضم الباء، والألف ساقطة على أنه نداء مفرد.
قال أبو الفتح: هذا عند أصحابنا ضعيف، أعني حذف حرف النداء مع الاسم الذي يجوز أن يكون وصفا لأي. ألا تراك لا تقول: رجل أقبل؛ لأنه يمكنك أن تجعل الرجل وصفا لأي. فتقول: يأيها الرجل؟ ولهذا ضعف عندنا قول من قال في قوله "تعالى": ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ٦: إنه أراد يا هؤلاء. وحذف حرف النداء من حيث كان "هؤلاء" من أسماء الإشارة، وهو جائز أن يكون وصفا لأي في نحو قوله:
ألا أيُّها ذا المنزِلُ الدارِسُ الذي ... كأنَّكَ لم يعهدْ بِكَ الحيَّ عاهِدُ٧
стр. 451
و "رَبُّ" مما يجوز أن يكون وصفا لأي، ألا تراك تجيز يأيها الربُّ؟ قال أصحابنا فلم يكونوا ليَجمعوا عليه حذف موصوفه وهو "أي"، وحذف حرف النداء جميعا١.
وعلى أن هذا قد جاء مثلُه في المثَل، وهو قولهم: افتدِ مخنُوق٢، وأصبِحْ ليل٣، وأطرقْ كَرا٤. يريد يا مخنوق، وياليل، ويا كروان. وعلى أن الأمثال عندنا وإن كانت٥ منثورة فإنها تجري في تحمل الضرورة لها مجرى المنظوم في ذلك. قال أبو علي: لأن الغرض في الأمثال إنما هو التسيير، كما أن الشعر كذلك، فجرى المثل مجرى الشعر في تجوز الضرورة فيه ومن الشعر قوله:
عجِبْتُ لِعطَّارٍ أَتانا يَسُومُنا ... بِدَسْكَرَةِ المَرَّانِ دُهْنَ البنفسجِ
فَقُلْتُ له: عطارُ هَلّا أتيْتَنا ... بنَوْر الخزامى أو بِخُوصَةِ عَرْفَجِ٦
стр. 452
أراد يا عطار.
وقد ذكرنا هذا في غير موضع من كتبنا، وإنما قال ابن مجاهد: والألف ساقطة لأجل قراءة ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر والجحدري والضحاك وابن محيصن: "رَبِّي احْكُمْ بِالْحَقِّ" بياء ثابتة، وفتح الألف والكاف، ورفع الميم.
стр. 453
سورة الحج:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومن ذلك قراءة الأعرج والحسن، بخلاف: "وَتَرَى النَّاسَ سُكُرَى وَمَا هُمْ بِسُكُرَى"١. ورُوِّينا عن أبي زرعة أنه قرأها أيضا: "سُكْرى"
بضم السين والكاف ساكنة. كما رواه ابن مجاهد عن الحسن والأعرج.
قال أبو الفتح: يقال رجل سَكْرَان وامرأة سَكْرَى، كغَضْبَان وغَضْبَى. وقد قال بعضهم: سَكْرَانة، كما قال بعضهم: غَضْبَانة، والأول أقوى وأفصح. فأما في الجميع٢ فيقال: سَكَارَى بفتح السين، وسُكَارَى بضمها، وسَكْرَى كصَرْعَى وجَرْحَى. وذلك لأن السُكْرَ علةٌ لَحِقَت عقولهم، كما أن الصرع علة لحقت أجسامهم. وفَعْلَى في التكسير مما يختص به المبتلون، كالمرضى، والسقمى، والموتى، والهلكى. وبكل قد قرأ الناس٣ [١٠٤و]
فأما "سَكارَى"، بفتح السين فتكسير لا محالة وكأنه منحرف به عن سَكارِين، كما قالوا: ندمان وندامى، وكان أصله نَدامِين، وكما قالوا في الاسم: حومانة٤ وحَوَامِين، ثم إنهم أبدلوا النون ياء. فصارت في التقدير سَكَارِيّ، كما قالوا إنسان وأَنَاسِيّ، وأصله أناسِين، فأبدلوا النون ياء، وأدغموا فيها ياء فعالِيل. فلما صار "سكاريّ" حذفوا إحدى الياءين تخفيفا فصار "سَكارِي"، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة ومن الياء ألفا؛ فصار "سَكارَى"، كما قالوا في مدار٥ وصحار ومعاي٦: مَدارَى وصَحارَى ومَعايا.
стр. 454
ويدل على أنه قد كان في الأصل أن يقال في تكسير سكران: سَكارِين بالنون ما أنشده الفراء:
إنْ يهبِطِ الضبُّ أرضَ النونِ ينصُرُهُ ... يهلِكْ ويعْلُ عليْهِ الماءُ والطينُ
أو يهبِطِ النونُ أرضَ الضبِّ ينصُرُهُ ... يهلِكْ ويأكُلُهُ قومٌ غَراثِينُ
فهذا تكسير غَرْثَان١، ومؤنثه غَرْثَى. أخبرنا أبو علي عن الفراء يقول الشاعر:
مَمْكُورَةٌ غَرْثَى الوشاح السالِسِ ... تضحَكُ عنْ ذِي أُشُرٍ عُضَارس٢
وأما "سُكارى" بالضم في السين فظاهره أن يكون اسما مفردا غير مكسّر كَجُمادَى وحُمَادَى٣ وسُمانَى٤ وسُلَامَى٥. ُّ
وقد يجوز أن يكون مكسَّرًا مما جاء على فُعَال: كالظُّؤار٦، والعُرَاق٧، والرُّخال٨، والثُّناء٩، والتؤام١٠، والرباب١١، إلا أنه أنَّثّ بالألف كما أنَّثّ بالهاء في قولهم: النُّقاوة١٢. قال أبو علي: وهو جمع نِقْوَة، وأنَّثّ كما أنَّثّ فِعَال في نحو: حِجَارة، وذِكَارَة وعِيَارَة١٣.
стр. 455
وأما "سُكْرَى"، بضم السين فاسم مفرد على فُعْلى، كالحُبْلَى: والبُشْرَى. وبهذا أفتاني أبو علي، وقد سألته عن هذا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "وَرَبَأتْ" بالهمز، ورويت عن أبي عمرو بن العلاء.
قال أبو الفتح: المسموع في هذا المعنى رَبَتْ؛ لأنه من ربا يربو: إذا ذهب في جهاته زائدا، وهذه حال الأرض إذا ربت. وأما الهمز فمن: رَبَأْتُ القوم: إذا أشرفتَ مكانا عاليا لتنظر لهم وتحفظهم. وهذا إنما فيه الشخوص والانتصاب، وليس له دلالة على الوفور والانبساط، إلا أنه يجوز أن يكون ذهبه٢ إلى علوّ الأرض، لما فيه من إفراط الربو، فإذا وصف علوَّها دل على أن الزيادة قد شاعت في جميع جهاتها؛ فلذلك همز، وأخذه من: ربأتُ القوم، أي: كنت لهم طليعة. وهذا مما يذكر أحد أوصافه، فيدل على بقية ذلك وما يصحبه. ألا ترى إلى قوله:
كأنَّ أيديهِنَّ بالمَوْمَاةِ ... أيدِي جوارٍ بِتْنَ ناعِمَاتِ٣؟
ولم يرد الشاعر أن أيدي الإبل ناعمة، وكيف يريد ذلك وإنما المعتاد المألوف في ذلك وصف الأيدي بالشدة والسلاطة؟ ألا ترى إلى قوله:
َترْمِي الأماعِيزَ بِمُجمراتِ ... بأرجُلٍ رُوحٍ مُحنَّباتِ٤؟
وقوله:
تَرْمِي الحَصا بمناسِمٍ ... صُمٍّ صَلادِمَةٍ صِلَابِ٥؟
стр. 456
والأمر في ذلك أشهر، وإنما [١٠٤ظ] أراد أن أيديها اختضبن بالدم فاحمررن، فذكر نَعْمة اليد، لأنها مما يصحبها الخضاب.
وعليه قال الآخر:
كأنَّ أيديهِنَّ بالقاعِ القَرِقْ ... أيدِي عَذارٍ يَتَعاطَينَ الوَرِقْ١
فذكر العذارى؛ لأنهن مما يصحبهن الخضاب، فأراد انخضاب أيدي الإبل بالدم. وهذا ونحوه من لمحات العرب وإيماءاتها التي تكتفي بأيسرها مما وراءه. ألا ترى إلى قول الهذلي:
أمِنْكِ البرقُ أرقبُهُ فَهاجَا ... فَبِتُّ أَظُنُّه دُهْمًا خِلاجا٢؟
أي: فإذا اختَلَجَتْ عنها أولادَها حنَّت إليها، فشبه حنينهنَّ بصوتِ الرعد، فقدَّم ذكر البرق، وأودع الكلام ذكر حَدث صوت الرعد؛ لأنه مما يصحبه وهو كثير، فكذلك قراءته: "وَرَبَأَتْ"، دل بذكر الشخوص والانتصاب على الوفور والانبساط الذي في قراءة الجماعة: "وَرَبَتْ".
ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد بن قيس: "خَاسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ"٣.
قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، أي: انقلب على وجهه خاسرا، وقراءة٤ الجماعة: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ تكون هذه الجملة بدلا من قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ، فكأنه قال: وإن أصابته فتنة خسر الدنيا والآخرة، ومثله من الجمل التي تقع وهي من فِعْلٍ وفاعِلٍ بدلا من جواب الشرط قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ٥؛ وذلك لأن مضاعفة العذاب هي لُقِيّ الأثام، وعليه قول الآخر:
إنْ يجْبُنُو أو يَغْدِرُوا ... أَوْ يَبْخَلُوا لَا يَحْفِلُوا
стр. 457
يغْدُوا عليكَ مُرَجِّلِيـ ... ـنَ كأنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا١
فقوله: يغْدُوا عليكَ مُرَجِّلِينَ بدلٌ من قوله: لا يحْفِلُوا.
ومن ذلك قراءة الزهري: "والدَّوَابُ"٢، خفيفة الياء. ولا أعلم أحدًا خففها سواه.
قال أبو الفتح: لعمري إن تخفيفها قليل ضعيف قياسا وسماعا.
أما القياس فلأن٣ المدة الزائدة في الألف عوض من اجتماع الساكنين حتى كأن الألف حرف متحرك٤، وإذا كان كذلك٥ فكأنه لم يلتق ساكنان. ويدل على أن زيادة المد في الألف جار مجرى تحريكها أنك لو أظهرت التضعيف فقلت: دوابِب، لقصرت الألف وإذا أدغمت أتممت صدى الألف فقلت دوابّ؛ فصارت تلك الزيادة في الصوت عوضا من تحريك الألف.
وأما السماع فإنه لا يعرف فيه التخفيف، لكن له من بعد ذلك ضرب من العذر، وذلك أنهم إذا كرهوا تضعيف الحرف فقد يحذفون أحدهما، من ذلك قولهم: ظَلْت، ومَسْت، وأَحَسْت. يريدون: ظَلِلْت، ومَسِسْت، وأَحسست، قال أبو زبيد:
خَلَا أنَّ العِتَاقَ من المَطايا ... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إليهِ شُوسُ٦
وقال:
قَدْ كُنْتُ عِنْدَكَ حَوْلًا لا تُرَوِّعُني ... فِيهِ رَوَائِعُ من إنس ولا جَانِ٧
стр. 458
يريد: جانٌّ، فحذف إحدى النونين. وأنشدنا أبو علي:
حتَّى إذا مَا لَمْ أجِدْ غيْرَ الشَّرِ ... كُنْتُ امرأً من مَالِكِ بنِ جَعْفَرِ [١٠٥و]
أراد: غير الشرّ، فحذف الراء الثانية. وإذا كانوا قد حذفوا بعض الكلمة من غير تضعيف فحذف ذلك مع التضعيف أحرى. ألا ترى إلى قول لبيد:
دَرَسَ المنا بِمُتَالِعٍ فَأَبَانِ١؟
وقال علقمة بن عبدة:
كأنَّ إبرِيقَهُمْ ظَبْيٌ عَلَى شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكَتَّانِ مَلْثُومُ٢
أراد بسبائب الكتَّان.
وقد ذكرنا نحو ذلك، إلا أن هذا باب إنما يحمله الشعر، غير أن فيه لتخفيف "الدوابّ" عذرا ما، هو أولى من أن يتلقى بالرد وقد وجدت له وجها.
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "يَحْلَوْنَ"٣، بفتح الياء وتخفيف اللام، من حَلِيَ يَحْلَى.
قال أبو الفتح: هذا٤ من قولهم: لم أحْلَ منه بطائل، أي: لم أظفر٥ منه بطائل؛ فيجعل ما يُحَلَّوْن به هناك أمرا ظفِروا به، وأُوصلوا إليه. والحلية٦ راجعة المعنى إليه، وذلك أن النفس تعتدها مظفورا به٧ موصلا إليه. وليست الحلية من لفظ: حَلِيَ الشيءُ بِعَيْنِي؛ لأن الحلية من الحَلْي، فهي من الياء. وحلي بعيني من الواو، لقولهم: حَلِيَ بعيني يَحْلَى حلاوة، فهي كشَقِيَ يشْقَى شَقَاوَةً، وغَبِيَ يغْبَى غَباوَةً. ولكن قولهم: امرأةٌ حالية أي: ذات حَلْي من الياء، فحالية إذًا من قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ على هذه القراءة وهما من الياء، فكأنه أقوى عندهم من قولهم ما حليْتُ من بطائل؛ لأن ذلك لا يستعمل إلا في غير الواجب. لا يقولون: حليت منه،
стр. 459
ولا حليت بكذا. فأما المثل وهو قولهم: حَلَأَتْ حالِئَة عن كُوعها١ فهو مهموز، وأمره ظاهر.
ومن ذلك قراءة الحسن والجحدري وسلام ويعقوب: "وَلُؤْلُؤا"، بالنصب.
قال أبو الفتح: هو محمول على فِعْل يدل عليه قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ ، أي ويؤتون لؤلؤا، ويلبسون لؤلؤا.
ومثله قراءة أبي: "وحورًا عينًا"٣ أي ويؤتون حورا عينا، ويُزَوَّجون حورا عينا.
ومثله مما نصب على إضمار فعل يدل عليه ما قبله قوله:
جئْنِي بِمِثلِ بني بَدْرٍ لِقَوْمِهِمُ ... أو مِثْلَ أسرة مَنْظُورِ بنِ سيَّارِ٤
فكأنه قال: أو هاتِ مثلَ أسرة. وعليه قول الآخر:
بَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُه أَتانَا ... مُعَلِّق وَفْضَةٍ وزنادَ راعٍ٥
فكأنه قال: وحاملا زناد راع، ومعلقا زناد راع، وهو كثير.
ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيص: "وَأَذِنَ فِي النَّاسِ"٦، بالتخفيف.
قال أبو الفتح: "أَذِنَ" معطوف على "بَوَّأْنَا"، فكأنه قال: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، وأذن، فأما قوله على هذا: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ فإنه انجزم لأنه جواب قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ ، وهو على قراءة الجماعة جواب قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ .
стр. 460
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي مِجْلَز ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي عبد الله جعفر بن محمد: "رُجَّالًا"١.
وقرأ: "رُجَالًا"، بضم الراء، وتخفيف الجيم منونة - عكرمة وابن أبي إسحاق وأبو مجلز والحسن البصري والزهري.
وقرأ: "رُجَال"، على فُعَال مخففة - عكرمة.
قال أبو الفتح: أما [١٠٥ظ] "رُجَّالًا" فجمع راجل، ككَاتِب وكُتَّاب، وعالِم وعُلَّام، وعامِل وعُمَّال.
وأما "رُجَالًا"، مضمومة الراء، خفيفة الجيم، منونة - فغريب. وهو مما ذكرناه مما جاء من الجمع على فُعَال: كظُؤار، وعُراق، ورُخال٢.
وأما "رُجَالَى" فمثل: حُبارَى، وسُكارَى. ويقال: أراجِل، وأراجِيل، ورَجَالَى، ورُجَالَى، ورُجْلَان. قال كثير:
لَهُ بجنوبِ القادِسِيَّة فَالشَّبا ... مَوَاطِنُ لا يَمْشِي بِهِنَّ الأراجِلُ٣
وقال أبو الأسود:
كأنَّ مَصامَاتِ الأُسُودِ بِبَطْنِه ... مَرَاغٌ وآثارَ الملاعِيبِ مَلْعَبُ٤
وأنشد الأصمعي:
وَمَرْكَبٍ يَخْلِطُني بالرُّكْبَانْ ... يَقِي بِهِ اللهُ أذَاةَ الرُّجْلَانْ٥
ورُوِّينا عن ابن الأعرابي: رَجُل رَجْلَان٦، ورَجَل أي: رَاجِل.
وقراءة الكافة: ﴿رِجَالًا﴾ جَمْع رَاجِل أيضا، كصائِم وصِيام، وصَاحِب وصِحَاب.