← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8660

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط المجلس الأعلى

ابن جني

Полный текст (817 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال أبو الفتح: "تَكْلِمُهُمْ": تجرحهم بأكلها إياهم، وهذا شاهد لمن ذهب في قوله "تُكَلِّمُهُمْ" إلى أنه بمعنى تجرحهم بأكلها إياهم. ألا ترى أن "تَكْلِمُهُمْ" لا يكون من الكَلْم وهو الجرح. وهذه المادة مما وضعته العرب عبارة عن الشدة هي وتقاليبها الستة: ك ل م، ك م ل، م ل ك، ل ك م، م ك ل، ل م ك. وقد ذكرناها في كتابنا الخصائص١ أول باب منه، وهو باب القول على فرق بين الكلام والقول. ويشهد لمن قال في قوله: "تُكَلِّمُهُمْ" إلى أنه من الكلام قراءة أبي: "تُنَبِّئُهُم"، ويشهد لهذا التأويل أيضا قراءة ابن مسعود: "تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُون". وإن شئت كان هذا شاهدا لمن ذهب إلى أن "تُكَلِّمُهُمْ": تجرحهم، أي: تفعل بهم ذلك بكفرهم، وزوال يقينهم. ومن ذلك قراءة قتادة: "وَكُلٌّ أَتَاهُ دَاخِرِين"٢. قال أبو الفتح: حمل "أتاه" على لفظ "كل"؛ إذ كان مفردا، و"داخرين" على معناها. ولو قلب ذلك لم يحسن، لو قال: وكل أتوه داخرا قبح وضعف؛ وذلك أنك لما قلت: وكل فقد جئت بلفظ مفرد، فإذا قلت: أتوه فقد حملت على المعنى وانصرفت عن اللفظ، ثم إذا قلت: من بعد داخرا فأفردت فقد تراجعت إلى ما انصرفت عنه، فكان ذلك قلقا في الصنعة وانتكاثا عن المحجة المصير إليها المعتزمة. وعلى ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٣. فلو قال: من بعد: حتى إذا خرج من عندك لم يحسن؛ وذلك لأنه قد ترك لفظ. "من" إلى معناه بقوله: "يستمعون". فلو عاد إليه بعدَ انصرافه عنه فقال: خرج عاد إلى ما كان قد رغب عنه. واعتزم غيره عوضا منه. وكذلك قول الفرزدق: تَعَشَّ فإنْ عاهدْتَنِي لا تخونُنِي ... نَكُنْ مِثْل مَن يا ذِيبُ يَصْطَحِبان٤

стр. 527

فلو١ قال بعدَ يصطحبان: فلا تُنكر صحبته، أو فلا تذم عشرته؛ عودا إلى لفظ "مَن" وإفراده لكان فيه ما ذكرنا من كراهيته. واعلم أن مقاد الاستعمال في "كُلٌّ" أنها إذا كانت [١٢١و] مفردة أخبر عنها بالجميع، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢، و ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٣، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ٤ في قراءة الكافة. فإن كانت مضافة إلى الجماعة أتى الخبر عنها مفردا كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٥، وذلك أن أحد عَلَمَي الجمع كاف عندهم من صاحبه، وابنِ٦ على ذلك.

стр. 528

سورة القصص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ عمرو بن عبد الواحد: "أَنِ ارْضِعِيهِ"١، بكسر النون، ولا همز بعدها. قال أبو الفتح: هذا على حذف الهمزة اعتباطا لا تخفيفا، كما قرأ ابن محيصن "فَجَاءَتْهُ احْدَاهُمَا"٢، بحذف همزة إحداهما: ألبتة. فلما حذف الهمزة على ما ذكرنا كسر النون من "أن" لسكونها وسكون الراء من بعدها، كما قال الله سبحانه: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ ٣. ولو كان على التخفيف القياسي لقال: أنَ ارْضِعِيه، بفتح النون بحركة الهمزة من "ارضيعه" ومثله مما حذف منه الهمزة اعتباطا هكذا لا تخفيفا قياسيا ما أنشده أبو الحسن: تَضِبُّ لِثاتُ الخيْلِ في حَجَرَاتِها ... وتسمْعُ مِنْ تحتِ العَجَاجِ لَها ازْمَلَا٤ يريد: لها أَزْمَلا. ومن ذلك قراءة فضالة بن عبد الله٥ والحسن وأبي الهذيل٦ وابن قطيب٧: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزعًا"٨.

стр. 529

وقرأ: "قَرِعًا"، بالقاف والراء - ابن عباس. وحكى قطرب عن بعض أصحاب النبي " ﷺ ": "فِرْغًا". وحكى فيها أيضا: "مؤسى"، بالهمز. قال أبو الفتح: أما "فَزِعًا" بالفاء والزاي فمعناه قَلِقًا، يكاد يخرج من غلافه فينكشف ومنه قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ١، أي: كُشِف عنها. وأما "قَرِعًا"، بالقاف والراء فراجع إلى معنى فارغا، وذلك أن الرأس الأقرع هو الخالي من الشغر، وإذا خلا من الشيء فقد انكشف منه وعنه. وأما "فِرْغًا" فكقولك: هدَرا٢ وباطلا، يؤكد ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ ٣. قال: فَإنْ تَكُ أذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَةٌ ... فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبالِ٤ ومعنى فارغا، أي: خاليا من الحزن؛ لعلمها أنه لا يغرق، وقال ابن عباس: فارغا أي: خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى. وأما همز "موسى" ففيه صنعة تصريفية؛ ذلك أن الساكن إذا جاور المتحرك فكثيرا ما تقدر العرب أن تلك الحركة كأنها في الساكن، فكأن٥ ضمة "موسى" في الواو. والواو

стр. 530

إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز، كأُعِدّ وأُجُوه. وكذلك أيضا١ قولهم في المرأة والكَمْأة: المرأة والكَمَاة، فقلبوا الهمزة ألفا؛ لأنهم قدروا فتحة الهمزة في الراء والميم قبلها، فصار كأنه المرأة والكَمَأة، فقيل فيه: مرَاة وكَمَاة، كما يقال في تخفيف رأس وكأس: رَاسٌ وكَاسٌ ومنه أيضا قول بعضهم في الوقف: هذا بكُرْ ومررت بِبَكِرْ، فنقلوا الضمة والكسرة إلى الساكن قبل الراء، وهو الكاف. فكأن الراء محركة بحركة الكاف [١٢١ظ] لأنها تجاورها ففي ذلك شيئان: أحدهما: الشح على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقف. والآخر: الاستراحة من اجتماع٢ ساكنين، وهذا ونحوه -مما تركناه تحاميا للإطالة به- يدلك على أن حركة الحرف تحدث معه وأن الحركة إذا جاورت الساكن صارت كأنها فيه، فعليه جاء همز مُؤسَى. أنشدنا شيخنا أبو علي: لَحَبَّ المُؤْقِدانِ إلى مُؤْسَى٣ ومن ذلك قراءة النعمان بن سالم٤: "عَنْ جانب"٥. وقرأ: "عَنْ جنْب"٦ الأعرج وقتادة والحسن. قال أبو الفتح: المعنى فيهما جميعا فَبَصُرَت به مُزْوَرَّة مُخاَيِلَة، فالياءُ والفاءُ يلتقيان في هذا المعنى٦، لاجتماعهما في كونهما من الشفة. فمن ذلك قولهم: تَجَانَفَ عن الشيء أي: مال عنه، وفيه جَنَفٌ، أي: ميل. ومنه قوله:

стр. 531

لَمْ يَرْكَبُوا الخيْلَ إلا بَعْدَ ما هَرِمُوا ... فَهُمْ ثِقَالٌ على أعْجَازِها جُنُفُ ومن أبيات الكتاب: تَجَانَفَ عن جَوِّ اليَمَامَةِ نَاقَتِي ... وما قَصَدَتْ مِن أَهْلِها لِسَوَائِكا١ وأنشد أبو زيد: تَجَانَفَ رَضْوَانُ عن ضَيْفِه ... أَلَمْ يَأْتِ رَضْوَانَ عَنِّي النُّذُرْ٢؟ ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "فَجَاءَتْهُ احْدَاهُمَا"٣، بإسقاط الهمزة. قال أبو الفتح: قد قدمنا ذكر ضَعف ذلك، وأنه إنما يجوز في الشعر لا في التنزيل٤ ومن ذلك قراءة الحسن: "أَيْمَا الْأَجَلَيْنِ"٥، خفيفة الياء. قال أبو الفتح: في تخفيف هذه الياء طريقان يكادان يَعْذِران: أحدهما تضعيف الحرف، وقد امتد عنهم حذف أحد المثلين إذا تجاورا، نحو أحَسْت، ومَسْت، وظَلْت. وحكى ابن الأعرابي: ظَنْت في ظَنَنْت. والآخر أن الياء حرف ثقيل منفردةً، فكيف بها إذا ضُعِّفت؟ غير أن في واجب الصنعة شيئا أذكره لك. وذلك أن "أيّا" عندنا مما عينه واو ولامه ياء، وهذا من باب أَوَيْتُ، هكذا موجَب القياس والاشتقاق جميعا. أما القياس فلأن ما عينه واو ولامه ياء أضعاف ما لامه وعينه ياءان، ألا ترى إلى كثرة باب لَوَيْت وشَوَيْت وطَوَيْت وعَوَيْت٦ يَدَه وزَوَيْت٧ جانبه، إلى قلة باب عَييت وحَييت؟

стр. 532

فأصل "أيٍّ" على هذا أَوْيٌ، فاجتمع الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون؛ فقلبت ياء، وأدغمت في الياء؛ فصارت "أيٌّ"، كقولهم: طَوَيْت الثوب طيًّا، وزَوَى وجهه زَيًّا. وأما الاشتقاق فلأن "أيًّا" أين وقعت غيرُ مُتبَلَّعٍ١ بها؛ فإنها بعض من كل، كقولنا: أيّ الناس عندك؟ وأيُّهم قام قمت معه، وأيُّهم يقوم زيد٢ وبعض الشيء آو إلى جميعه ألا ترى إلى قول العجلي في صفة البعير: يَأْوي إلى مُلْطٍ لَهُ وَكَلْكَلٍ٣ أي يتساند إليها، ويعتمد عليها وهذا في المعنى كقول طفيل: وَآلَتْ إلى أجْوَازَها وتَقَلْقَلَتْ ... قَلَائِدُ في أَعْنَاقِها لَمْ تُقَضَّب٤ وهذا واضح، فأصل "أيٌّ" على هذا أَوْي، ثم أدغمت الواو في الياء على ما مضى؛ فصارت "أيّ" فإذا حذفت الياء تخفيفا فإنها الثانية. فإذا زالت الثانية أوجب القياس أن تعود الأولى إلى أصلها [١٢٢و] وهي الواو، فيقال: أوْما الأجلين قضيت. والذي حسُن عندي إظهار العين هنا ياء مع زوال الياء القالبة٥ لها من بعدها -أنها إنما حذفت اللام تخفيفا وهي منوية مرادة معتقدة؛ فأقرت العين مقلوبة ياء؛ دلالة على إرادة الياء التي هي لام، وإشادة بها، كما صحت الواو الثانية في قوله: وَكَحّلَ العَيْنَيْن بالْعَواوَر٦ دلالة على إرادة الياء في عوَاوِير، وأنها إنما حذفت استحسانا وتخفيفا، لا وجوبا وتصميما. وكما قالوا: اضْتَقَطْتُ النوَى، فصحّت التاء، ولم تقلب طاء لوقوع الضاد قبلها، كما قلبت

стр. 533

في اضطراب واضطمر؛ دلالة على أن الضاد فيها بدل من شين اشْتَقَطْتُ١، فقد قالوهما جمعيا: اضْتَقَطْت، واشْتَقَطْتُ. وكما قالوا: كان من الأمر ذَيْتَ وكَيْت، فأقروا الياء بحالها دلالة على أن التاء فيها بدل من ياء ذَيَّةَ وكَيَّةَ؛ فتركت الياء على إرادة التثقيل. ويجب -على ما قدمنا -أن "ذَيَّةَ" من باب طويت على ما مضى، فكان يجب إذا حذفت اللام التي هي الياء أن تعاد الواو إلى أصلها، فيقال: ذَوْتَ، وكذلك القول في كَيْتَ، والعلة في الجميع واحدة. وأنشدَنا أبو علي للفرزدق: تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِّماكَيْن أيْهُما ... عَلَيَّ من الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مُوَاطِرُهْ٢ فهذا كقراءة الحسن: "أَيْمَا الْأَجَلَيْنِ" سواء. ومن ذلك قراءة الحسن: "عُضُدَكَ"٣. قال أبو الفتح: فيها خمس لغات: عَضُد، وعَضْد، وعُضُد، وعُضْد، وعَضِد. وأفصحها وأعلاها عَضُد بوزن رَجُل. وعَضْد مُسَكنٌ من عَضُد، وعُضْد منقول الضمة من الضاد إلى العين، وعُضُد بالضمتين جميعا كأنه تثقيل عُضْد. وقد شاع عنهم نحو ذلك، كقولهم في تكسير أحمر: حُمُر، قال طرفة: وِرَادًا وَشُقُرْ٤ يريد: شُقْرًا. وأما عَضِد فلغة صريحة غير مصنوعة، ونظيرها رجل وَقِل٥ وَوَقْل، ووظيف عَجِر وعَجُر٦. من العَضُد قولهم: عَضَدْت فلانا إذا قويتَه؛ وذلك لأن العضد أقوى اليد، ومنه عِضادتا الباب: جانباه؛ لأنهما كالعضدين له، وعليه بقية الباب.

стр. 534

ومن ذلك قراءَة أبان بن تغلب: "ثُمُرَات"١، بضمتين. قال أبو الفتح: الواحدة ثَمَرَة، كخَشَبَة. وثُمُر، كخُشُب. ومثله أَكَمَة وأُكُم، ثم ضمت الميم إشباعا وتمكينا، كقولهم، في بُرْد: بُرُد٢، وفي قُفْل قُفُل. ثم جمع ثُمُر على ثُمُرات جمع التأنيث؛ لأنه لمّا لم يَعقل جرى مجرى المؤنث. وذلك عندنا لِتَخَضُّع٣ ما لا عقل له، فلحق بذلك بِضَعْفَة التأنيث، فعليه قالوا: يا لثارات فلان: جمع ثأر لما لم يكن من ذوي العلم. ونحو قول أبي طالب: أُسْدٌ تَهُدُّ بِالزَّئِيراتِ الصَّفَا جمع زئير، والعلة واحدة. وقد ذكرنا هذا مستقصى في تفسير ديوان المتنبي عند قوله: ففِي الناسِ بُوقَاتٌ لَهَا وَطُبُولٌ٤ ومنه ما أنشده الأصمعي من قول الراجز: وارْدُدْ إلَى حُورَاتِ حُور شِقَّه فجمع حُورًا على حُورات لما ذكرنا. ومن ذلك قراءة بديل بن ميسرة: "مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَيَنُوءُ"٥، بالياء. قال أبو الفتح: ذهب في التذكير [١٢٢ظ] إلى ذلك القدر والمبلغ، فلاحظ معنى الواحد فحمل عليه، فقال: "لَيَنُوءُ". ونحوه قول الراجز: مِثْلَ الفِراخِ نُتفَتْ حواصلُه

стр. 535

أي: حواصل ذلك، أو حواصل ما ذكرنا. وأخبرنا شيخنا أبو علي قال: قال أبو عبيدة لرؤبة في قوله: فِيها خُطُوطٌ من سوادٍ وَبَلَقْ ... كأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ١ إن كنت أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن كنت أردت السواد والبَلَق فقل: كأنهما، فقال رؤبة: أردت: كأن ذاك، ويلك! هذا مجموع الحكاية، وهي مُتَلَقّاة مقبولة، كما يجب في "ذلك". ولو قال قائل: إن الهاء في "كأنه" عائدة على "البَلَق" وحده لكان مصيبا؛ لأن في "البلق" ما يُحتاج إليه من تشبيهه بالبَهَق، فلا ضرورة هناك إلى إدخال السواد معه. ونحو القراءة قول الآخر: ألّا إنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ فأخبر عنه بلفظ الواحد، لأنه أجراه مجراه. وتجاوزوا هذا إلى أن أضافوا٢ إلى لفظ الجماعة، فقالوا: أنصاريٌ؛ لأنه جعل الأنصار جاريا مجرى الأب، أو الأم، أو البلد. وقال الآخر: مُشَوَّه الْخَلْقِ كِلَابِيّ الخُلُقْ٣ فنسب إلى جنس الكلاب، ولولا ذلك لقال: كَلْبِيّ، وفي الأنصاري: ناصريّ، كما تقول في الإضافة إلى الفرائض: فَرَضِيٌّ، وإلى السفائن: سَفَنيٌّ.

стр. 536

ومن ذلك قراءة يعقوب: "وَيْكَ"١، يقف عليها، ثم يبتدئ فيقول: "أنه"، وكذلك الحرف الآخر٢ مثله. قال أبو الفتح: في "وَيْكأَنَّهُ" ثلاثة أقوال: منهم من جعلها كلمة واحدة، فقال: "وَيْكَأَنَّهُ"، فلم يقف على "وَيْ". ومنهم من يقف على "وَيْ". ويعقوب. على ما مضى -يقول: ""وَيْكَ""، وهو مذهب أبي الحسن. والوجه فيه عندنا الخليل وسيبويه٣، وهو أن "وَيْ" على قياس مذهبهما اسم سمي به الفعل في الخبر، فكأنه اسم أعجب، ثم ابتدأ فقال: ﴿كَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾ ، و ﴿وَيْ كَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ . فـ"كأن" هنا إخبارٌ عارٍ من معنى التشبيه، ومعناه: أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. و"وَيْ" منفصلة من "كَأَنَّ" وعليه بيت الكتاب: وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحـ ... ـبَبْ ومَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ٤ ومما جاءت فيه "كأن" عارية من معنى التشبيه ما أنشدَناه أبو علي: كَأَنني حينَ أُمْسِي لا تُكَلِّمُنِي ... مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي ما لَيْسَ مَوْجُودَا٥ أي: أنا حين أمسي "متيم" من حالي كذا وكذا. ومن قال: إنها "وَيْكَ" فكأنه قال أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، وأعجب لأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، وهو قول أبي الحسن. وينبغي أن تكون الكاف هنا حرف

стр. 537

خطاب لا اسما، بل هي بمنزلة الكاف في ذلك وأولئك؛ وذلك أن "وي" ليست مما يضاف ومن وقف على "ويك"، ثم استأنف فينبغي أن يكون أراد أن يعلم أن الكاف من جملة "وي"، وليست بالتي في صدر "كأن"، فوقف شيئا لبيان هذا المعنى. ويشهد لهذا المذهب قول عنترة: وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قِيلُ الفَوَارْسُ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ١ وقال الكسائي -فيما أظن: أراد: ويلك، ثم حذف اللام، وهذا يحتاج إلى خبر نبي ليقبل. وقول من قال: إن "وَيْكَأنَّه" كلمة واحدة إنما يريد به أنه لا يفصل بعضه عن بعض. ومن ذلك قراءة الأعرج وشيبة ومجاهد وعاصم [١٢٣و] في رواية أبان والحجاج بن أرطاة٢ والحسن وأبي رجاء وسلام ويعقوب وحسن بن حيّ٣ وعطية بن سعد٤ وعبد الله بن يزيد٥ "لَخَسَفَ بِنَا"٦.

стр. 538

قال أبو الفتح: الفاعل اسم الله، والمفعول محذوف، أي: لخسف الله بنا الأرض، وقد كررنا ذِكر حُسن حذف المفعول به. وقرأ: "لانْخُسِف بنا" الأعمش وطلحة، وكذلك في قراءة ابن مسعود. قال أبو الفتح: "بنا" من هذه القراءة مرفوعة الموضع؛ لإقامتها مقام الفاعل، فهو كقولك: انْقُطِع بالرجل، وانْجُذِب إلى ما يريد، وانْقِيد١ له إلى هواه. وانفعل -وإن لم يتعد إلى مفعول به- فإنه يتعدى إلى حرف الجر، فيقام حرف الجر مقام الفاعل، كقولهم: سِيرَ بزيد. وإن شئت أضمرت المصدر، لدلالة فعله عليه٢، فكأنه قال: لَانْخُسِف الانْخِسَافُ بنا، "فَبِنَا" على هذا منصوبة الموضع؛ لقيام غيرها وهو المصدر مقام الفاعل ولا يكون للفعل الواحد فاعلان قائمان مقامه إلا على وجه الإشراك.

стр. 539

سورة العنكبوت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ورش: "ألفْ لامْ مِيمَ حَسِبَ"١، بفتح الميم من غير همز بعدها. قال أبو الفتح: هذا على تخفيف همزة: "أحَسِبَ"، حذَفها وألقي حركتها على الميم، وانفتحت. وفيه ضعف؛ وذلك أن حروف التهجي مبنية على الوقف في حال الوصل، كقراءة الجماعة: "ميم أَحَسِبَ النَّاسُ". فإذا كانت في الإدراج ساكنة لم يلق بها إلقاء الحركة عليها؛ وذلك أن إلقاء الحركة في نحو هذا إنما يكون لما من عادته أن يحرك في الوصل لالتقاء الساكنين. وأنت تقول: "ميم" فتجمع بين الساكنين، وهما: الياء، والميم. فإذا كان الساكنان يجتمعان في الوصل ضعف إلقاء حركة الهمزة عليها، وليس كذلك٢ قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣ لأن "قد" مما يحرك لالتقاء الساكنين، نحو قدِ انقطع، وقد استخرج. فكما حرك لالتقاء الساكنين، فكذلك حرك لإلقاء حركة الهمزة عليه. فإن قلت: قد تقول: "ألفْ لامْ ميمَ الله"، فتحرك الميم من آخر "ميمَ" لسكونها وسكون اللام من بعدها، فهلا جاز على ذلك إلقاء حركة الهمزة عليها٤. قيل: أصل حركة التقاء الساكنين إنما هو في المتصل، نحو: أين، وكيف، ومنذ، وسوف، وأمس، وهؤلاء. ثم شبه المنفصل في ذلك بالمتصل، "ميم" و"نون" و"قاف" يجتمع فيه الساكنان في الوصل،

стр. 540

فعليه العمل لا على ما يحرك في الوصل المنفصل لالتقاء الساكنين، إلا أن له أن يقول: شَبهتُ سكونا بسكون، فحركتُ ميمَ "ميمَ" بإلقاء حركة الهمزة، كما حركت دال "قدَ أفْلَح" كذلك. ومن ذلك قراءة علي١ بن أبي طالب كرم الله وجهه: "فَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيُعْلِمَنَّ الْكَاذِبِين"٢ برفع الياء فيهما، وكسر اللام. وقرأ الزهري: "فَلَيَعْلَمَنَّ" مثل قراءة الناس، وقرأ: "١٢٣ظ" "وَلَيُعْلِمَنَّ الْكَاذِبِين" كقراءة علي: وقرأ جعفر بن محمد ومحمد بن عبد الله بن حسن، كقراءة علي ﵇. وقرأ الزهري: "فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا" كقراءة الناس أيضا، "ولَيَعْلَمَنَّ المنافقين". قال أبو الفتح: أما "فَلَيَعْلَمَنَّ"، بفتح الياء واللام فإنها على إقامة السبب مقام المسبب، والغرض فيه: فليكافئن الله الذين آمنوا، وذلك أن المكافأة على الشيء إنما هي مسببة عن علم، ولو لم يعلم لما صحت المكافأة. ومثله من إقامة السبب مقام المسبب قول الله سبحانه: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ٣، فهذا سبب قضاء الحاجة المكنّى بذكره عنها. وقد أفردنا لهذا الفصل من إقامة كل واحد من السبب والمسبب مقام صاحبه بابا في كتاب الخصائص٤. وأما قوله: "وَلَيُعْلِمَنَّ"٥ فمعناه: ولَيُعَرِّفَنَّ الناس من هم؟ فحذفتَ المفعول الأول، كما قال الله تعالى: "يَوْمَ يُدْعُى كُلُّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ"٦، وكقوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ ٨. جاء في التفسير أنها زُرْقَة العيون، وسواد الوجوه. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ، وقيل في زرقا: أي: عطاشا، ومنه سنان أزرق، أي: ظمآن إلى الدم.

стр. 541

وإن شئت لم تحمله على حذف المفعول لكن على أنه من قولهم: ثوب مُعْلم، ومن قولهم: فارس مُعْلم، أي: أعلم نفسه في الحرب بما يعرف به من ثوب أو غيره، فكأنه قال: وَلَيَشْهَرَنَّ الذين صدقوا، وَلَيَشْهَرَنَّ الكاذبين؛ فيرجع إلى المعنى الأول، إلا أنه ليس على تقدير حذف المفعول. وإن شئت كان على حذف المفعول الثاني لا الأول، كأنه قال: فَلَيُعْلِمَنَّ الله الصادقين ثواب صدقهم، والكاذبين عقاب كذبهم. ومثل: "لَيَعْلَمَنَّ"، بفتح الياء واللام جميعا - قراءة من قرأ: "عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ"١، بتخفيف الراء من عَرَفَ فأقام المعرفة مقام المعاتبة عنها. ومثل "ولَيُعْلِمَنَّ"، بضم الياء، وكسر اللام -قراءة من قرأ: "عَرَّفَ بَعضَه"، بتشديد الراء. وأعلمت في القراءتين جميعا إذا لم تكن بمعنى أعلمت الثوب فهو بمعنى عرفت٢، وهي متعدية إلى مفعول واحد، كقوله تعالى٣: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ ٤، أي: عرفتم. وأما "لَيَعْلَمَنَّ" و"فَلَيُعْلِمَنَّ" فكأنه قال: فليكافئن، ولَيَشْهَرَن بما كافأ به على ما مضى من التفسير. ومن ذلك قراءة السلمى وزيد بن علي: "وَتَخَلَّقُونَ إِفْكًا"٥. وقرأ فضيل بن مرزوق٦ وابن الزبير: "وَتَخْلُقُونَ أَفِكًا"، بفتح الهمزة، وكسر الفاء. قال أبو الفتح: أما "تَخَلَّقُونَ" فعلى وزن تَكَذَّبُونَ٧ ومعناه. وأما "أَفِكًا" فإما أن يكون

стр. 542

مصدرا كالكذب والضحك، وإما أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي تكذبون كذبا أفِكا، ثم١ حذف المصدر، وأقيمت صفته مقامه، كقولك: قمت مثل ما قام زيد، أي: قياما مثل قيام زيد. وأذهب في الحذف -على هذا الحد- منه قول الله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ٢ أي: شُربًا مثل شُربِ الهيم [١٢٤و] لأنه حذف فيه مع الموصوف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. و"أَفِك" على هذا صفة، كبَطِر، وأَشِر، ويجوز أن يكون محذوفا من "آفك"، وهو اسم الفاعل من أفك يأفِك إفكا: إذا كذب. وأفكته آفكه إفكا: إذا صرفته عن الشيء، وهو مأفوك. قال: إنْ تَكُ عن أَحْسَنِ الْمُرُوءة مأ ... فُوكًا فَفِي آخِرينَ قد أُفِكُوا٣ إلا أن الألف حذفت، كما حذفت في بَرِد وعَرِد، يريد باردا وعاردا٤. وقد مضى ذكره. ومن ذلك قراءة الزهري: "أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يَبْدَا اللَّهُ الْخَلْقَ"٥، بغير همز. قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون أراد بغير همزة محققة٦، بل هي مخففة، فقربت من الساكن إلا أنها مضمومة؛ لأنها مخففة في وزن المحققة. ولو كان بدلا محضا لقال: "يبدا"، فقلبها ياء، ثم أبدل من الياء ألفا، أجراها مجرى ألف يخشى، كما أنه لما أبدلها الشاعر فيما أنشده أبو علي عن أبي زيد:

стр. 543

إذا مَلا بَطْنَهُ ألْبانُها حَلَبًا ... بَاتَتْ تُغْنِيه وَضْرَى ذاتُ أجْرَاسِ١ أراد: "ملأ" فأبدله البتة، فصارت ياء، فأبدلها للفتحة قبلها ألفا، فصارت "ملا" كما ترى، بوزن قضَى وسعَى. وقد شرحنا هذا في كتابنا سر الصناعة وبأخَرَة٢ في كتابنا الخصائص٣، وبعده في كتاب الخطيب، لما دعا إلى تكرير٤ ذكره لقوة الحاجة إليه وتقاضي الوضع له٥.

стр. 544

سورة الروم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ روى الواقدي١ عن سليمان عن أبي جعفر: "وَآثَارُوا الْأَرْضَ"٢، ممدودة. قال ابن مجاهد: ليس هذا بشيء. قال أبو الفتح ظاهره لعمري منكر إلا أن له وجها ما، وليس لحنا مقطوعا به؛ وذلك أنه أراد وأثاروا الأرض، أي: شققوها للغرس والزراعة، وهو أفعلوا من قول الله سبحانه: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ ٣، إلا أنه أشبع فتحة الهمزة؛ فأنشأ عنها ألفا، فصارت "آثاروا" وقد ذكرنا ذلك وشواهده في نحو قول ابن هرمة: فأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمَى ... ومِنْ ذَمَّ الرجال بِمُنْتَزاحِ٤ يريد: بمنتزح، منفعل من النازح؛ فأشبع فتحة الزاي، فأنشأ عنها ألفا. وهذا لعمري مما تختص به ضرورة الشعر لا تخيُّر القرآن. ومن ذلك قراءة عكرمة "حِينًا تُمْسُونَ"٥. قال أبو الفتح: أراد: حينًا تمسون فيه، فحذف "فيه" تخفيفا. هذا مذهب صاحب الكتاب في نحوه، وهو قوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٦،

стр. 545

أي لا تجزي فيه ثم حذف "فيه" معتبطا١ لحرف الجر والضمير لدلالة الفعل٢ عليهما. وقال أبو الحسن: حذف "في" فبقي "تجزيه"؛ لأنه أوصل إليه الفعل، ثم حذف الضمير من بعد، ففيه حذفان متتاليان شيئا على شيء، وهذا أرفق، والنفس به أبسأ٣ من أن يُعْتَبَطَ الحرفان معا في وقت واحد. وقرأ أيضا: "وَحِينًا تُصْبِحُونَ"، والطريق واحد. ومن ذلك [١٢٤ظ] قراءة أبي العالية: "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُون"٤. قال أبو الفتح: "يمتعوا" معطوف على قوله: "لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَيُمَتَّعُوا"، أي: فتطول أعمارهم على كفرهم فسوف يعلمون، تهدّدا على ذلك. ومن ذلك قراءة علي ﵇: "مِن خَلَلِه"٥، وكذا ابن عباس والضحاك والحسن، بخلاف. قال أبو الفتح: يجوز أن يكون "خلل" واحد خِلال، كجَبَل وجِبال، ودار ودِيَار. ويجوز أن يكون خلال واحدًا عَاقَبَ خللا، كالغَرَاء والغِرَاء٦، والصَلَى والصَّلاء٧. وسُمِّيَ الرجلُ خليلا٨، كأنه يسدُّ خَلَلَ خَلِيلِهِ٩، فهذا إذا للسلب لا للإثبات، كالسُّكاك للهواء بين الأرض والسماء، كأنه استلب معنى س ك ك، وهو الضيق، وقد تقدم نحو هذا.

стр. 546

ومن ذلك قراءة الجحدري وابن السميفع وأبي حيوة: "أثَر رَحْمَةِ اللَّهِ"١، "كيْفَ تُحْيي". قال أبو الفتح ذهب بالتأنيث إلى لفظ "الرحمة" ولا تقول على هذا: أما ترى إلى غلام هند كيف تضرب زيدا؟ بالتاء وفرق بينهما أن الرحمة قد يقوم مقامها أثرها، فإذا ذكرت أثرها فكأن الغرض في ذلك إنما هو هي. تقول: رأيت عليك النعمة، ورأيت عليك أثر النعمة، ولا يعبر عن هند بغلامها. ألا ترى أنك لا تقول رأيت غلام هند وأنت تعني أنك رأيتها؟ وأثر النعمة كأنه هو النعمة، وقوله: ﴿كَيْفَ تُحْيِي﴾ جملة منصوبة الموضع على الحال، حملا على المعنى لا على اللفظ؛ وذلك أن اللفظ استفهام، والحال ضرب من الخبر، والاستفهام والخبر معنيان متدافعان. وتلخيص كونها حالا أنه كأنه قال: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها، كما أن قوله: ما زِلْتُ أسعَى معهمْ وأختبِط ... حتى إذا جاء الظلامُ المُخْتَلِط جاءُوا بِضَيْحٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّيبَ قَطّ٢؟ فقوله: هل رأيت الذيب قط جملة استفهامية، إلا أنها في موضع وصف "الضيح" حملا على معناها دون لفظها؛ لأن الصفة ضرب من الخبر، فكأنه قال: جاءوا بضيح يشبه لونه لون الذئب. والضيح: هو اللبن المخلوط بالماء، فهو يضرب إلى الخضرة والطلسة٣، وعليه قول الآخر: إلَى اللهِ أَشْكُو بالمدينةِ حاجَةً ... وبالشَّامِ أُخْرَى كَيْفَ تَلْتَقِيانِ٤؟

стр. 547

فقوله: كيف تلتقيان جملة في موضع نصب بدلا من "حاجةً" وحاجةً، فكأنه قال: إلى الله أشكو هاتين الحالتين تعذر التقائهما, هذا أحسن من أن تقتطع قوله: كيف تلتقيان مستأنفا، لأن هذا ضرب من هجنة الإعراب، لأنه إنما يشكو تعذر التقائهما، ولا يريد استقبال الاستفهام عنهما. ومن ذلك قراءة الحسن: "إِلَى يَوْمِ الْبَعَثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعَثِ"١، بفتح العين فيهما. قال أبو الفتح: قد تقدم القول على حديث فتحة الحرف الحلقي إذا كان ساكن الأصل تاليا للفتح، وذكر الفرق بين قولنا وقول البغداديين فيه، وأننى أرى فيه رأيهم لا أرى أصحابنا. وذكرت ما سمعته من الشجري وغيره من قولهم فيه: أنا محموم، وقوله: يغذو، وهو يريد: يغذو. فلا حاجة لإعادته هنا٢، فكذلك يجوز أن يكون أراد "البعث [١٢٥و] على قراءة الجماعة، ثم حرك بالفتح لأجل حرف الحلق. ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق ويعقوب: "ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ"٣. قال أبو الفتح: أي لا يغلبنك، فيصيروا أحق بك منك بنفسك، هذا محصول هذه القراءة.

стр. 548

سورة لقمان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحُلوانيّ عن شباب عن أحمد بن موسى عن أبي عمرو وعيسى الثقفي: "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهَنًا عَلَى وَهَنٍ"١، بفتح الهاء فيهما. قال أبو الفتح: الكلام هنا كالكلام فيما ذكرناه آنفا في قوله تعالى: "إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ"٢، وعلى أنه قد حكى أبو زيد: "فَمَا وَهِنُوا"٣، قراءة. فقد يمكن أن يكون "الوهَن" مصدر هذا الفعل، كقولهم: وَضِرَ٤ وَضَرًا، ووَحِرَ٥ وَحَرًا. ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وأبي رجاء الجحدري وقتادة ويعقوب: "وَفِصَلُهُ فِي عَامَيْنِ"٦. قال أبو الفتح: الفصل أعم من الفصال؛ لأنه مستعمل في الرضاع وغيره، والفصلا هنا أوقع؛ لأنه موضع٧ يختص بالرضاع. فإما الفصال مصدر فاصلته فغير هذا المعنى وإن كان الأصل واحدا. ومعنى ف ص ل قريب من معنى ف س ل؛ وذلك أن الفسل الدني من الناس، والدني هو الساقط. وإذا سقط الإنسان انقطع عن معظم ما عليه الناس، ولذلك قالوا: فيه هو ساقط. ومنقطع ومتأخر، فالمعنى إذا راجع إلى الانفصال والانقطاع.

стр. 549

ومن ذلك قراءة عبد الكريم الجزري١: "فَتَكُنْ فِي صَخْرَة٢"، بكسر الكاف. قال أبو الفتح هذا من قولهم٣: وكن الطائر: إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلا، وهي أيضا عشه الذي يبيض فيه، ووكره. ومنه قوله: وقد أغتدى والطير في وكناتها٤ وقد وكن يكن وكونا فهو واكن، وجمعه وكون، كقاعد وقعود. قال: يذكرني سلمى وقد حال دونها ... حمام على بيضاتهن وكون٥ وكأنه من مقوب الكون؛ لأن الكون الاستقرار، وعليه قالوا: قد تكون في منزله واستقر. ومن ذلك قراءة يحيى بن عمارة: "وَأَصْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً"٦. قال أبو الفتح: أصله السين، إلا أنها أبدلت للغين بعدها صادا، كما قالوا في سالغ٧: صالغ، وفي سالخ: صالح، وفي سقر: صقر، وفي السقر الصقر٨. وذلك أن حروف الاستعلاء تجتذب السين عن سفالها إلى تعاليهن، والصاد مستعلية، وهي أخت السين في المخرج، وأخرى حروف الاستعلاء, وهذا التقريب بين الحروف مشروح الحديث في باب الإدغام، ومنه قولهم في سطر: صطر، وفي سويق: صويق.

стр. 550

وحكى يونس عنهم١ في السوق: الصوق، وروينا عن الأصمعي، قال: تنازع رجلان في السقر، فقال أحدهما: بالصاد، والآخر: بالسين، فتراضيا بأول من يجتاز بهما، فإذا راكب يوضع، فسألاه، فقال: ليس كما قلت ولا كما قلت، إنما هو الزقر. ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وَبَحْرٌ يُمِدُّهُ٢"، وهي قراءة طلحة بن مصرف. وقرأ جعفر بن محمد: "والبَحْرُ مِدَادُه" "١٢٥ظ". وقرأ الأعرج الحسن: "والبَحْرُ يُمِدُّه"، برفع الياء. قال أبو الفتح: في إعراب هذه الآية نظر؛ وذلك أن هناك حذفا، فتقديره: فكتب بذلك كلمات الله ما نفدت، فحذف ذلك للدلالة عليه، كما أن قوله ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ٣﴾ ، أي: فحلق فعليه فدية، فاكتفي بالمسبب، وهو الفدية من السبب، وهو الحلق، ونظائره كثيرة في القرآن وفصيح الكلام. وأما رفع "بحر" فالابتداء، وخبره محذوف، أي: وهناك بحر يمده من بعده سبعة أبحر. ولا يجوز أن يكون "وبحر" معطوفا على "أقلام"؛ لأن البحر وما فيه من الماء ليس من حديث الشجر والأقلام، وإنما هو من حديث المداد، كما قرأ جعفر بن محمد: "والبَحرُ مِدَادُه". فأما رفع "البحر" فإن شئت كان معطوفا على موضع "أن٤" واسمها وإن كانت مفتوحة، كما عطف على موضعها في قوله سبحانه: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٥، وقد ذكرنا ما في ذلك وكيف يسقط اعتراض من تعقب فيه فيما مضى. ويدل على صحة العطف هنا، وأن الواو ليست بواو حال قراءة أبي عمرو وغيره: "وَالْبَحْرَ يَمُدُّه "، بالنصب، فهذا عطف على "ما" لا محالة. ويشهد بجواز كون الواو حالا هنا قراءة طلحة بن مصرف: "وَبَحْرٌ يُمِدُّه"، أي: وهناك بحر يمده من بعده سبعة أبحر، فهذه واو حال لا محالة.

стр. 551

وأما "وَالْبَحْرُ يُمِدُّه"، بضم الياء فتشبيه بإمداد الجيش١، يقال: مد النهر، ومده نهر آخر، وأمددت الجيش بمدد. قال الله تعالى: ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ٢﴾ ، قال العجاج: ما قري مدة قري٣ فأما قول الآخر: نظرت إليها والنجوم كأنها ... قناديل مرس أوقدت بمداد٤ فليس من المداد الذي يكتب به، وإنما أراد هنا ما يمدها من الدهن، كذا فسروه، وليس بقوي أن تكون قراءة جعفر بن محمد: "والبَحرُ مِدَاده"، أي: زائدة فيه؛ لأن ماء البحر لا يعتد زائدا في الشجر والأقلام؛ لأن ليس من جنسه، فالمداد هناك إنما هو هذا المكتوب به بإذن الله. ومن ذلك قراءة موسى بن الزبير: "الْفُلُك٥"، بضم اللام. قال أبو الفتح: حكى أبو الحسن عن عيسى بن عمران، قال: ما سمع، أو ما سمعنا: فعل إلا وقد سمعنا فيه: فعل؛ فقد يكون هذا منه أيضا، وقد ذكرناه قبل٦. ومن ذلك: "بنِعْمَاتِ الله٥"، ساكنة العين، قرأها جماعة منهم الأعرج.

стр. 552

قال أبو الفتح: ما كان على فعلة ففي جمعه بالتاء ثلاث لغات: فعلات، وفعلات، وفعلات: كسدرة وسدرات، وسدرات، وسدرات. وكذلك فعلة فيها الثلاث أيضا: الإتباع. والعدول عن ضمة العين إلى فتحها. والسكون هربا من اجتماع الضمتين: كغرفة وغرفات وغرفات، وغرفات. قال أبو علي: ما يدل على أن الألف والتاء في هذا النحو في تقدير الاتصال، وأنهما ليستا كناء التأنيث في نحو: سدرة، وبسرة - اطراد الكسر في نحو: سدرات، وكسرات، وعذرات١، مع عزة فعل في الواحد، يريد إبلا، وما لحق به مما لم يذكره صاحب الكتاب. ذكر ذلك عند تفسيره قول سيبويه: [١٢٦و] إنك لو سميت رجلا بذيت لقلت فيه: ذيات، بتخفيف الياء فيمن رواه هكذا. وذكر هناك أيضا صحة الواو في نحو: خطوات، ورشوات مع ضمة ما قبلها، قال: ولو كانت الألف والتاء في تقدير الانفصال لما صحت الواو في نحو: خطوات، كما لا يصح في فعلة من غزوت إذا بنيتها على التذكير فقلت: غزية؟ وأنا من بعد أرى أن تسكين عين فعلات، كنعمات وسدرات -أمثل من تسكين عين فعلات، كغرفات؛ وذلك أن صدر سدرات قليل النظير، إنما هو إبل، وإطل٢، وأمرأة بلز للضخمة، ومالا بال به. وصدر فعلات كثيرن كبرد، ودرج، وقرط. ومن قال: كسرات، فأثبت كسرة السين لم يقل كذلك في رشوات؛ لأنه إن كسر الشين انقلبت الواو ياء. وكذلك مديات لا تضم ثانيها؛ لئلا تنقلب الياء واوا، فيقال: مدوات كما كان يجب في رشوات رشيات، لكنهم جنحوا فيهما إلى الإسكان الذي كان مستعملا في الصحيح العين، نحو: ظلمات، وكسرات. فأما الفتح فجائز حسن نحو: رشوات، ومديات؛ لأن حرفي العلة تصحان هنا بعد الفتحةن نحو: قنوات، وحصيات. وأنا أرى أن إسكان عين فعلات مما جاء في الشعر من الأسماء نحو قول ذو الرمة: أبت ذكر عدون أحشاء قلبه ... خفوقا ورفضات الهوى في المفاصل٣ ليس العذر فيه كالعذر في قولهم: ظبية وظبيات، وغلوة٤ وغلوات؛ وذلك أنه

стр. 553

سورة السجدة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ الزهري: "وَبَدَا خَلْقَ الْإنْسَانِ"١، بغير همز. قال أبو الفتح: ترك الهمز في هذا عندنا على البدل، لا على التخفيف القياسي، ومثله بيت الكتاب: رَاحَتْ بِمَسلَمَة البِغَالَ عَشِيَةً ... فَارْعَى فَزَارَةُ لا هَنَاكِ الْمَرْتَعُ٢ ولو كان تخفيفا قياسيا لجعل الهمزة٣ بين بين، فقال: "بدا"، ولو أسندت الفعل٤ إلى نفسك على التخفيف القياسي قلت: "١٢٦ظ" بَدَاتُ، بألف لا همز في لفظها، وعلى البدل: بَدَيتُ، كما حكي عنهم: قريتُ، وأخطيتُ. وقد مضى ذلك٥. ومن ذلك قراءة علي وابن عباس ﵄ وأبان بن سعيد بن العاص٦ والحسن بخلاف: "صَلِلْنَا٧"، بالصاد، مكسورة اللام.

стр. 554

وقرأ أيضا بالصاد مفتوحة اللام الحسن، بخلاف. قال أبو الفتح: صَلَّ اللحمُّ يَصِلُّ: إذا أنتنَ. وصَلَّ أيضا يَصَلُّ -بفتح الصاد- والكسر في المضارع أقوى اللغتين. والمعنى: إذا دُفِنّا في الأرض، وصلت أجسامنا، يقال: صل اللحم وأصل صلولا وصلالا، قال: هُو الفَتَى كُلُّ الفَتَى فاعلمي ... لا يفسِدُ اللحمَّ لديِهِ الصلُولُ١ وقال زهير: تُلَجلِجُ مضغةً فيها أبيض ... أصلتْ فهي تحتَ الكشْحِ داءُ٢ ومن ذلك قراءة النبي ﷺ وأبي هريرة وأبي الدرداء وابن مسعود وعون العقيلي٣ "قُرَّات أَعْيُنٍ"٤. قال أبو الفتح: القرة المصدر، وكان قياسه ألا يجمع؛ لأن المصدر اسم جنس، والأجناس أبعد شيء عن الجمعية لاستحالة المعنى في ذلك، لكن جعلت القرة هنا نوعا. فجاز جمعها كما تقول: نحن في أشغال، وبيننا حروب، وهناك أحزان وأمراض. وحسَّن لفظ الجمع هنا أيضا إضافة "القرات" إلى لفظ الجماعة، أعني "الأعين". فقولنا إذًا: أشغال القوم أشبه لفظا من أشغال زيد، وكلاهما صحيح، غير أن فيه ما ذكرته. وليس ينبغي أن يحتقر في هذه اللغة الشريفة تجانس الألفاظ؛ فإن أكثرها دائر عليه في أكثر الوقت.

стр. 555

ومن ذلك قراءة ابن السميفع: "يُمَشُّونَ فِي مَسَاكِنِهِم"١، وقرأ أيضا: "إِنَّهُمْ مُنْتَظَرُون"٢. قال أبو الفتح: دفع أبو حاتم هذه القراءة بالفتح، واعتزم الكسر، واستدل على ذلك بقوله ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُون﴾ ٣. و"يُمَشُّون" للكثرة، قال: يُمَشِّى بيننا حانوتُ خًمْر ... من الخُرْسِ الصراصرة القِطاط٤

стр. 556

سورة الأحزاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "إِنَّ بُيُوتَنَا عَوِرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوِرَةٍ"١ بكسر الواو -ابن عباس وابن يعمر وأبو رجاء، بخلاف، وعبد السلام أبو طالوت٢ عن أبيه وقتادة. قال أبو الفتح: صحة الواو في هذا شاذة من طريق الاستعمال، وذلك أنها متحركة بعد فتحة، فكان قياسها أن تقلب ألفا، فيقال: عَارَة، كما قولوا: رجل مالٌ٣. وامرأة مالةٌ، وكبش صافٌ٤ ونعجة صافةٌ، ويوم راحٌ٥، وطانٌ٦، ورجل نالٌ، من النوال، وله نظائر. وكل ذلك عندنا فَعِل، كرجل فَرِق وحَذِر. ومثل "عَوِرَة" في صحة واوها قولهم: رجل عَوِزٌ لَوِزٌ، أي: لا شيء له، وقول الأعشى: وقد غَدَوْتُ إلى الحانوتِ يَتْبَعُنِي ... شاوٍ مِشَلٌ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلٌ٧ فكأن "عَوِرة" أسهل من ذلك شيئا؛ لأنها كأنها جارية على قولهم: عَوِرَ الرجلُ، فهو بلفظه، والمعنيان ملتقيان؛ لأن المنزل إذا أعور٨ فهناك إخلال واختلال.

стр. 557

ومن ذلك قراءة ابن عباس: "بُدًّى فِي الْأَعْرَابِ"١، شديدة الدال، منونة. قال أبو الفتح: هذا أيضا جمع باد، فنظيره قول الله سبحانه: ﴿كَانُوا غُزًّى﴾ ٢، جمع غاز على فُعَّل. ولو كان على فُعَّال لكان بُدّاء وغُزّاء، ككاتب وكُتّاب، وضارب وضُرّاب [١٢٧و] أنشد الأصمعي: وأنا في الضُّرّاب قيلانُ القُلة٣ ومن ذلك قراءة الحسن: "ثُمَّ سُوِلُوا الْفِتْنَةَ"٤، مرفوعة السين، ولا يجعل فيها ياء، ولا يمدها. قال أبو الفتح: اعلم أن في سألت٥ لغتين: إحداهما: سأل يسأل مهموزًا، كدأل٦ يدأل، وجار يجأر. والأخرى وهي سال يسال، كخاف يخاف. والعين من هذه اللغة واو؛ لما حكاه أبو زيد من قوله: هما يتساولان، كقولك: يتقاومان، ويتقاولان. والذي ينبغي أن تحمل عليه هذه القراءة هو أن تكون على لغة من قال: سال يسال، كخاف يخاف، ومال يمال: إذا كثر ماله. وأقيس اللغات في هذا أن يقال عند إسناد الفعل إلى المفعول: سِيلُوا كعِيدُوا، ومثل قِيل، وبِيع وسِير به. ولغة أخرى هنا وهي إشمام كسرة الفاء ضمة: سُِيلوا، كقُِيل وبُِيع. واللغة الثالثة سُولوا، كقولهم: قُولَ، وبُوعَ، وقد

стр. 558

سُورَ بِهِ. وهو على إخلاص ضمة فُعِل، إلا أنه أقل اللغات. ورُوِّينا عن محمد بن الحسن قول الشاعر: وَابْتُذِلَتْ غَضْبَى وأُم الرحالْ ... وقُولَ: لا أهلَ له ولا مالْ١ أي: وقيل: وروينا أيضا: نُوطَ إلى صُلْبٍ شَدِيدِ الخَلِّ٢ أي: نِيطَ، كقولك: وُصِلَ به، فهذا أحد الوجهين، وهو كالساذج. والآخر وفيه الصنعة، وهو أن يكون أراد: سُئلُوا، فخفف الهمزة، فجعلها بين بين أي: شابهت الياء الساكنة وقبلها ضمة، فأنحى بها نحو قُولَ وبُوعَ. فإما أخلصها في اللفظ واو لانضمام ما قبلها على رأي أبي الحسن في تخفيف الهمزة المكسورة إذا انضم ما قبلها، نحو قولهم: مررت بِاَكْمُوِك٣، وعلى قوله: "يَسْتَهْزِيُون"٤ بإخلاص الهمز إذا خففها ياء لانكسار ما قبلها. وأما بقَّاها على روائح الهمزة الذي٥ فيها فجعلها بين بين، فخفيت الكسرة فيها، فشابهت -لانضمام ما قبلها- الواو. ويدل على أن الهمزة المكسورة إذا خففت قاربت -لضعف حركتها- الياء الساكنة قول ابن ميادة: فكانَ يومَيْذٍ لَها أَمرُها٦ أراد: يومئذ، ثم خفف الهمزة، فقاربت الياء، فصارت كأنها "يومَيِذ" بياء مخلصة، فأسكنها استثقالا فيها فصارت "يومَيْذ".

стр. 559

وعليه قولهم: أيْشٍ تقول: أراد أيُّ شيء تقول؟ ثم خفف الهمزة وهي مكسورة، فدانت الياء، فاستثقل فيها الكسرة، كما يستثقلها في ياء القاضي والغازي، فصار أيْشٍ، كقولك: قاضٍ، وغازٍ. ويؤكد هذا القولَ الثاني قولُ ابن مجاهد: ولا يمدها، أي: ينسى الهمز الذي كان فيها الذي لو اعتمده وتطاول نحوه لزاد في الحرف الصوتَ للحركة التي كان يقوى ويزيد صداه لمكانها. ألا ترى أن قولك: آدم وآمن أنقص صوتا من قولك: "آاْنتَ قلتَ للناس"١؛ لمكان حركة الهمزة الثانية وإن كانت مخفاة مضعفة؟ أعني إذا خففت همزة "أنت" ولم تفصل بينها وبين [١٢٧ظ] همزة الاستفهام قبلها بألف الوصل، كالتي في قوله: "آاْنتَ قلتَ للناس" في قول أبي عمرو ومن ذهب مذهبه، لأن ذلك صوت وافٍ ومطمئن متمادٍ، وإنما مرادنا قدر تمام الصوت لتخفيف٢ الثانية، على أن لا فاصل بينها وبين الأولى. لأنه حينئذ يوافق٣ قوله ولا يمدها، أي: لا يمدها كما يمدها إذا اعتد حركة الثانية. ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد الأسواري، ورويت عن يعقوب: "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ تأْتِ مِنْكُنَّ"٤ بالتاء. قال أبو الفتح: هذا حمل على المعنى، كأن "مَن" هنا امرأة في المعنى، فكأنه قال: أية امرأة أتت منكن بفاحشة، أو تأت بفاحشة٥. وهو كثير في الكلام، معناه للبيان كقول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٦، وقول الفرزدق: تَعَشَّ فإنْ عاهدتَني لا تخونُني ... نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِيبُ يصْطَحِبان٧

стр. 560

أي: مثل اللذين يصطحبان، أو مثل اثنين يصطحبان، وأن يكون على الصلة أولى من أن يكون على الصفة، فكأن الموضع في هذا الحمل على المعنى إنما بابه الصلة، ثم شُبهت بها الصفة، ثم شُبهت الحال بالصفة، ثم شُبه الخبر بالحال، كذا ينبغي أن يرتب هذا الباب من تنزيل، ولا ينبغي أن يؤخذ بابا سرْدًا وطرْحًا واحدًا؛ وذلك أن الصلة أذهب في باب التخصيص من الصفة لإبهام١ الموصول، فلما قويت الحاجة إلى البيان في الصلة جاء ضميرها من الصلة على معناها، لأنه أشد إفصاحا بالغرض، وأذهب في البيان المعتمد. فأما ما أنشدَناه أبو علي عن الكسائي من قول الشاعر: أخو الذيبِ يعوِي والغرابِ ومَن يكنْ ... شريكَيْهِ تطمعْ نفسُهُ كلَّ مَطْمَعِ٢ ففيه نظر. وكان قياسه: ومن يكن شريكيهما، أو من يكونا شريكيه، وقد كان أبو علي يتعسف هذا، وأقرب ما فيه أن يكون تقديره: وأي إنسان يكونا٣ شريكيه، إلا أنه أعاد إليهما معا ضميرا واحدا، وهو الضمير في "يكن" وساغ ذلك إذ كانت٤ الذيب والغراب في أكثر الأحوال مصطحبين، فجريا مجرى الشيء الواحد، فعاد الضمير كذلك. ومثله قوله: لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهلّ٥ ولم يقل: تنهلان؛ لكونهما كالعضو الواحد. ومثله للفرزدق:

стр. 561

ولو رضيَتْ يداي بها وضنَّتْ ... لكانَ علي للقدرِ الخيارُ١ ولم يقل رضيتا٢. ومن ذلك قراءة الأعرج وأبان بن عثمان "فَيَطْمَعِ الَّذِي"٣ بكسر العين. قال أبو الفتح: هو معطوف على قول الله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ ، أي: فلا يطمعِ الذي في قلبه مرض، فكلاهما منهي عنه، إلا أن النصب أقوى معنى، وأشد إصابة للعذر؛ وذلك أنه إذا نصب كان معناه أن طمعه إنما هو مسبَّبٌ عن خضوعهن بالقول. فالأصل في ذلك منهي عنه، والمنهي مسبَّبٌ عن فعلهن، وإذا عطفه كان نهيا لهن وله، وليس فيه دليل على أن الطمع راجعٌ في الأصل إليهن، وواقع من أجلهن. وعليه بيت امرئ القيس: فقلْتُ له صَوِّبْ ولا تُجْهِدَنَّه ... فيَذُرِكَ من أُخْرَى القطاة فتزلَقِ٤ [١٢٨و] فهذا نهي بعد نهي، كالقراءة الشاذة. ومن ذلك ما رواه عبد الوهاب٥ عن أبي عمرو: "وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ"٦، نصب. قال أبو الفتح: "رسول الله" منصوب على اسم "لكن"، والخبر محذوف، أي: ولكن رسول الله محمد. وعليه قول الفرزدق:

стр. 562

فلو كنت ضبيا عرفت فرابتي ... ولكن زنجيا غليظ المشافر١ أي: ولكن زنجيا غليظ المشافر لا يعرف قرابتي، فحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: عرفت قرابتي، كما أن قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يدل على أنه مخالف لهذا الضرب من الناس، ونحو من ذلك قول طرفة: وتبسِمُ عن أَلْمَى كان مُنَوِّرًا ... تخلل حُرَّ الرملِ دعصٌ له نَدِي٢ قال أبو الحسن علي بن سليمان: لم يأت لكأن بخبر، علما بمعرفة موضعه، أي: كأن ذلك المنور ثغرها، فحذفه للعلم به، ولطول الكلام. ومن ذلك قراءة أبي بن كعب والحسن والثقفي وسلام: " أَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ"٣، بفتح الألف. قال أبو الفتح: تقديره لأن وهبت نفسها، أي أنها تحل له من أجل أن وهبت نفسها له، إلا أن حل ذلك لذلك عند هبتها نفسها له وإن هي وهبت نفسها له٤. وليس يعني بذلك امرأة بعينها قد كانت وهبت نفسها له، وإنما محصوله أنها إن وهبت امرأة نفسها للنبي " ﷺ " حلت له من أجل هبتها إياها له ﵇، فالحل إذا إنما هو مسبب عن الهبة متى كانت، فلهذا لم يعتزم به واحدة معينة قد كانت وهبت نفسها له، ويؤكد ذلك القراءة بالكسر، فصح به الشرط. ومن ذلك قراءة أبي إياس جوية بن عائذ: "بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلَّهُنَّ٥"، بنصب اللام.

стр. 563

قال أبو الفتح: نصبه على أنه توكيد لـ"هن" من قوله١: "آتَيْتَهُنَّ"، وهو راجع إلى معنى قراءة العامة: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ ، بضم اللام؛ وذلك أن رضاهن كلهن بما أوتين كلهن على انفرادهن واجتماعهن، فالمعنيان إذًا واحد، إلا أن الرفع أقوى معنى وذلك أن فيه إصراحا من اللفظ با، يرضين كلهن، والإصراح في القراءة الشاذة -أعني النصب- إنما هو بإيتائهن كلهن، وإن كان محصول الحال فيهما مع التأويل واحدا. ومن ذلك قراءة الحسن: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَصَلُّوا عليه٢". قال أبو الفتح: دخول الفاء إنما هو لما ضُمنه الحديث من معنى الشرط، وذلك أنه إنما وجبت عليه الصلاة منا لأن الله "سبحانه" قد صلى عليه، فجرى ذلك مجرى قولهم: قد أعطيتك فخذ، أي٣: إنما وجب عليك الأخذ من أجل العطية: وإذا قال قد أعطيتك خذ، فالوقوف على أعطيتك، ثم استأنف الأمر له بالأخذ فهو أعلى٤ معنى، وأقوم قيلا. وذلك أنه إذا علل الأخذ، فجعله واجبا عن العطية فجائز أن يعارضه المأمور بالأخذ بأن يقول: قد ثبت أن الأخذ لا يجب بعطيتك، فإن كان أخذي لغير ذلك فعلت. وهو إذ ارتجل قوله: خذ لم يسرع المعارضة له في أمره إياه؛ لاستبهام معنى [١٢٨ظ] موجب الأخذ، كما قد تقع المعارضة إذا ذكر العلة في ذلك. فإن قلت فقد يجوز أن يعارض أمره بالأخذ مرسلا، كما قد يعارضه معللا. ألا تراه قد يقول له: اذكر لي علة الأخذ لأرى فيه رأيي فيتوقف عن الأخذ إلى أن يعرف علة الأمر له بذلك؟ قيل على كل حال الأمر المحتوم به على حالاته أثبت في النفس من المعلل بما يجوز أن يعارض. وإذا راجعت نظرك وأعملت فكرتك وجدت الحال فيه على ما ذكرت لك، فلذلك كان قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أقوى معنى.

стр. 564

ومن ذلك قراءة عيسى بن عمر الكوفي: "يَوْمَ تُقَلِّبُ وُجُوهَهُمْ"١، نصب. قال أبو الفتح: الفاعل في "تُقَلِّبُ" ضمير السعير المقدم الذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ، ثم قال: "يَوْمَ تُقَلِّبُ"، أي: تُقَلِّبُ السعيرُ وجوههم في النار، فنسب الفعل إلى النار، وإن كان المُقَلِّبُ هو الله سبحانه، بدلالة قراءة أبي حيوة: "يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهَهُمْ"، لأنه إذا كان التقليب فيها جاز أن ينسب الفعل إليها للملابسة التي بينهما، كما قال الله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ٢، فنسب المكر إليهما لوقوعه فيهما، وعليه قول رؤبة: فَنَامَ لَيْلِي وتَجَلَّى هَمِّي٣ أي: نمتُ في ليلِي: وعليه نفى جرير الفعل الواقع فيه عنه فقال: لقد لُمْتِنا يا أمَّ غَيلانَ في السُّرَى ... ونِمتِ ومَا لَيْلُ المطِيِّ بنائمِ٤ فهذا نفي لمن قال: نام لَيْلُ المطِيِّ، وتطرقوا من هذا الاتساع إلى ما هو أعلى منه، فعليه بيت الكتاب: أما النهارُ فَفِي قَيْدٍ وسِلْسِلةٍ ... والليلُ فِي جَوفٍ منحُوتٍ من السَّاجِ٥ فجعل النهار نفسه في القيدِ والسلسلةِ، والليلَ نفسَه في جوفِ المنحوتِ. وإنما يريد أن هذا المذكور في نهاره في القيد والسلسلة، وفي ليله في بطن المنحوت. وقد جاء هذا في الأماكن أيضا، وعليه قول رؤبة: ناجٍ وقدْ زَوْزَى بنا زِيزَاؤه٦

стр. 565

فالزيزاء على فعلاء، وهي هذه الغليظة المنقادة من الأرض، فكأن هذه الأرض سارت بهم الفجاج؛ لأنهم ساروا عليها. وقد يمكن أن يكون "زيزاؤه" مصدر من زَوْزَيْتُ، فيكون الفعل منسوبا إلى المصدر، كقولهم: سار بنا السيرُ، وقام بهم القيامُ. فهو على قولك: سيرٌ سائرٌ، وقيامٌ قائمٌ. ومنه: شعرٌ شاعرٌ، وموتٌ مائتٌ، وويلٌ وائلٌ. والزيزاء على هذا فِعلال، كالزلزال، والقلقال. وأما قول رؤبة: هيهاتَ من منخرقٍ هيهاؤه١ فهو فعلال من لفظ. هيهات، كالزلزال، والقلقال، وليس مصدرا صريحا. وهيهات من مضاعف الياء، ومن باب الصِّيصِية٢ وقد تقدم القول عليه٣. ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وَكَانَ عَبْدًا لِلَّهِ وَجِيهًا"٤. قال أبو الفتح: قراءة الكافة أقوى معنى من هذه القراءة، وذلك أن هذه إنما يُفْهَم منها أنه عبدٌ لله ولا تُفْهَم منها وجاهته عند من هي؟ أعندَ الله، أم عندَ الناس؟ وأما قراءة الجماعة فإنها تفيد كون وجاهته عند الله، وهذا أشرف [١٢٩و] من القول الأول؛ لإسناد وجاهته إلى الله تعالى، وحسبه هذا شرفا.
следующие страницы →