الجمع بطرح الهاء. ونظير عِمامة وعِمام - إذا لم تجعله تكسيرا، وجعلته جمعا بحذف التاء وإن لم يكن جنسا وكان مصنوعا- قولهم: سفينة وسَفِين، ودواة ودَوًى، وغاية وغايٌ. وراية ورايٌ، وثاية١ وثايٌ، وطاية وطايٌ.
ومن ذلك قراءة قتادة والضحاك: "كَوْكَبٌ دَرِّيٌ٣"، مخففة.
وقرأ: "دَرِّيءٌ"، مفتوحة الدال، مشددة الراء، مهموزة - سعيد بن المسيب، ونصر بن علي، وأبو رجاء، وأبان بن عثمان٤، وقتادة، وعمرو بن فائد.
قال أبو الفتح: الغريب من هذا "دَرِّيءٌ"، بفتح الدال، وتشديد الراء، والهمز. وذلك لأن٥ فَعِّيلا بالفتح وتشديد العين عزيز، إنما حكي منه: السَّكِّينة، بفتح السين وتشديد الكاف، حكاها أبو زيد. وقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب القول على [١١٢ظ] الدُّرِّيّ وما فيه من الصنعة، شيئا على شيء، وبسطناه٦ هناك.
ومن ذلك قراءة السملي والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة: "يَوَقَّدُ"٧ وثلاثة أوجه٨ في السبعة، وفيه خامسة: "يُوَقَّدُ" برفع الياء، وبنصب الواو والقاف، وبرفع الدال٩.
стр. 492
قال أبو الفتح: المشكل من هذا "يَوَقَّدُ"؛ وذلك أن أصله يتوقد، فحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين في أول الفعل، وهما الياء والتاء المحذوفة. والعرف في هذا أنه إنما تحذف التاء إذا كان حرف المضارعة قبلها تاء، نحو "تَفَكَّرُون" و"تَذَكّرُون"، والأصل تتفكرون وتتذكرون؛ فيكره اجتماع المثلين زائدين، فيحذف الثاني منهما طلبا للخفة بذلك. وليس في يتوقد مثلان فيحذف أحدهما، لكنه شبه حرف مضارعة بحرف مضارعة، أعني شبه الياء في يتوقد بالتاء الأولى في تتوقد؛ إذ كانا زائدين، كما شبهت التاء والنون في تَعِد ونَعِد بالياء في يَعِد، فحذفت الواو معهما كما حذفت مع الياء في يعد.
وقياس من قال: "يَوَقَّد" -على ما مضى- أن يقول أيضا: أنا أَوَقَّدُ، ونحن نَوَقَّدُ؛ فتشبه النون والهمزة بالتاء، كما شبه الياء بها فيما مضى.
ونحو من هذا قراءة من قرأ: "نُجِّي الْمُؤْمِنِينَ"١، وهو يريد: نُنْجِي المؤمنين؛ فحذف النون الثانية وإن كانت أصلية، وشبهها -لاجتماع المثلين- بالزائدة. فهذا تشبيه أصل بزائد لاتفاق اللفظين، والأول تشبيه حرف مضارعة بحرف مضارعة، لا لاتفاق اللفظين، بل٢ لأنهما جميعا زائدان.
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "ولَوْ لَمْ يَمْسَسْهُ نارٌ"٣، بالياء.
قال أبو الفتح: هذا حسن مستقيم؛ وذلك لأن هناك شيئين حسنا التذكير هنا: أحدهما الفصل بالهاء، والآخر أن التأنيث ليس بحقيقي. فهو نظير قول الله "سبحانه": ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ٤، بل إذا جاز تذكير فعل "الصيحة" مع أن فيها علامة تأنيث فهو من النار التي لا علامة تأنيث فيها أمثل.
فأما قولهم: نعم المرأة هند بالتذكير فإنما جاز -وإن كان التأنيث حقيقيا، ولا فصل هناك- من قبل أن المرأة هنا ليست مقصودا قصدها، وإنما هي جنس؛ لأنها فاعل نعم، والأجناس عندنا إلى الشياع والتنكير.
стр. 493
أما ما رُوِّينا من قول جِران العود:
ألا لَا يَغُرَّنَّ امْرَأً نَوْفَلِيَّةٌ ... عَلَى الرَّأْسِ بَعْدِي أَوْ تَرَائِبُ وُضَّحُ١
فإن النوفلية هنا ليست امرأة، وإنما هي مِشْطَة تعرف بالنوفلية.
وأما قوله:
وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا٢
ففيه شيئان يُؤنّسان، وواحد يُوحش منه.
أما المؤنسان فأحدهما أنه تأنيثٌ لفظي لا حقيقي، والآخر أنه لا علامة تأنيث في لفظه. وأما الموحش فهو أن الفاعل مضمرٌ، وإذا أضمر الفاعلُ في فعله وكان الفاعل مؤنثا لم يحسن تذكير فعله حُسْنَه إذا كان مظهرا؛ وذلك أن قولك: قام هند أعذر من قولك: هند قام، من قبل أن الفعل٣ منصبغ [١١٣و] بالفاعل المضمر فيه أشد من انصباغه٤ به إذا كان مظهرا بعده. فقام هند -على صبغة- أقرب مأخذا من هند قام لما ذكرناه؛ وذلك أنك إذا قلت: قام فإلى أن تقول: هند فاللفظ الأول مقبول غير ممجوج؛ لأن الفعل أصل وضعه على التذكير فإذا قلت: هند قام فالتذكير الآتي من بعده مخالف للتأنيث السابق فيما قبل، فالنفس تعافه لأول استماعه. وقولك: قام هند، النفس تقبل تذكير الفعل أول استماعه إلى أن يأتي التأنيث فيما بعد. وقد سبق تذكير الفعل على لفظ غير مأبي ولا مرذول، ورد الغائب ليس كاستئناف الحاضر، فذلك فرق.
стр. 494
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير وأبي مجلز: "والإيصَالِ"١.
قال أبو الفتح: يريد وقت الإيصال، وهو قبل الغروب. وقد مضى القول عليه٢.
ومن ذلك ما حكاه عبد الله بن إبراهيم العمّي الأفطس، قال: سمعت مسلمة يقرأ: "كَسَرَابٍ بِقِيعَات"٣، بالألف.
قال أبو الفتح: كذلك في كتاب ابن مجاهد: "بِقيِعَاةٍ"، بالهاء بعد الألف. والذي قاله جائز؛ وذلك أن نظير قولهم: قِيعَةٌ وقِيعَاةٌ في أنه فِعْلَة وفِعْلَاة لمعنى واحد قولهم: رَجل عِزْهٌ وعِزْهَاةٌ: الذي لا يقرب النساء واللهو، فهذا فِعْلٌ وفِعْلَاة، وذلك فِعْلَة وفِعْلَاة، ولا فرق بينهما غير الهاء، وذلك ما لا بال به.
وقد يجوز أن يكون قيعات بالتاء جمع قِيعَة، كدِيمة ودِيمات، وقِيمة وقِيمات. وأما قيعة فيكون واحدا كديمة ويجوز أن يكون جمع قاع، كَنارٍ ونِيرَة -جاء في شعر الأسود -وجارٍ وجِيرَة. ومثله من الصحيح العين وَلَدٌ ووِلْدٌة، وأخٌ وإِخْوَة؛ لأن أخا عندنا فَعَل.
ووجه ثالث، وهو أن يكون أراد "بِقِيعة"، فأشبع فتحة العين، فأنشأ عنها ألفا، فقال: "بقيعاة". ونظيره قول ابن هرمة يرثي ابنه:
فأنْتَ مِنَ الغوائِلِ حِينَ تُرْمَى ... ومِنْ ذمّ الرِّجالِ بِمُنتَزَاحِ٤
أراد بمنتزح، فأشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفا، وقد تقصينا ذلك فيما مضى، فإذا أراد بالقيعات الجمع فهو كقول الآخر:
كأنَّ بالقيعاتِ مِنْ رُغَاهَا ... مِمَّا نَفَى بالليلِ حَالِبَاهَا
أَمْنَاءُ قُطْن جَدَّ حَالِجَاهَا٥
стр. 495
يريد ما جرى من رغوة لبنها في القيعات١، وهو كثير كقولهم: أرض قِفارٌ ومُحُول وسباسِبُ٢، مما بُولغ فيه بذكر الجمع.
ومن ذلك قراءة طلحة بن مُصّرِّف: "سَنَاءُ بَرْقِهِ"٣.
قال أبو الفتح: السناء، ممدودا: الشرف، يقال: رجل ظاهر النبل والسناء. والسنى مقصورا: الضوء. وعليه قراءة الكافة: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ ، أي: ضوء برقه. وأما "سناء برقه" فقد يجوز أن يكون أراد المبالغة في قوة ضوئه وصفائه، فأطلق عليه لفظ الشرف. كقولك: هذا ضوء كريم، أي: هو غاية في قوته وإنارته، فلو كان إنسانا لكان كريما شريفًا٤ [١١٣ظ]
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "يُذْهِبُ"٥، بضم الياء.
قال أبو الفتح: الباء زائدة، أي يذهِبُ الأبصار. ومثله في زيادة الباء في نحو هذا قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٦، وقول الهذلي:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... مَتَى لُحَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ٧
أي: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى في، أي: في لجج البحر.
стр. 496
والمفعول محذوف، معناه شربن الماء في جملة ماء البحر. وفي هذا التأويل ضرب من الإطالة والبعد، واعلم منْ بعدُ أن هذه الباء إنما تزاد في هذا النحو كقوله: ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَار﴾ ، ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ لتوكيد معنى التعدي. كما زيدت اللام لتوكيد معنى الإضافة في قولهم:
يا بُؤسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّارًا لِأَقْوَامِ١
وكما زيدت الياءان لتوكيد معنى الصفة في أَشقريٌّ ودَوَّارِيٌّ وكَلَّابِيٌّ٢، وكما زيدت التاء لتوكيد معنى التأنيث في فَرَسَة وعَجُوزَة، فاعرف ذلك، ولا ترين الباء في: ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَار﴾ مزيدة زيادة ساذجة. وإن شئت حملته على المعنى. حتى كأنه قال: يكاد سنى برقه يلْوِي بالأبصار أو يستأثر بالأبصار على ما مضى من قوله "تعالى": ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٣.
ومن ذلك قراءة علي ﵇ والحسن بخلاف، وابن أبي إسحاق: "إِنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ"٤، بالرفع.
قال أبو الفتح: أقوى القراءتين إعرابا ما عليه الجماعة من نصب "القول" وذلك أن في شرط اسم كان وخبرها أن يكون اسمها أعرف من خبرها، وقوله "تعالى" ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أعرف من قول المؤمنين؛ وذلك لشبه "أنْ" وصلتها بالمضمر من حيث كان لا يجوز وصفها، كما لا يجوز وصف المضمر، والمضمر أعرف من قول المؤمنين؛ فلذلك اختارت الجماعة أن تكون "أنْ" وصلتها اسم كان. ومثله ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ ٥ أي: إلا قولُهم على ما مضى فأما قولهم:
стр. 497
وَقَدْ عَلِمَ الأقْوَامُ ما كانَ دَاءَهَا ... بِشَهْلَانَ إلَّا الخِزْيُ مِمَّنْ يَقُودُهَا١
وأنه إنما اختير فيه رفع "الخزي" وإن كان مظهرا ومعرفة، كما أن داءها مظهر ومعرفة من حيث٢ أذكره لك، وذلك أن "إلا" إذا باشرت شيئا بعدها فإنما جيء٣ به لتثبيته وتوكيد معناه، وذلك كقولك: ما كان زيد إلا قائما، فزيد غير محتاج إلى تثبيته، وإنما يثبت له القيام دون غيره. فإذا قلت: ما كان قائما إلا زيد، فهناك قيام لا محالة، فإنما أنت نافٍ أن يكون صاحبه غير زيد، فعلى هذا جاء قوله: ما كان داءها بشهلان إلا الخزيُ برفع "الخزيُ"، وذلك أنه قد كان شاع وتُعُولِمَ أن هناك داء، وأنما أراد أن يثبت أن هذا الداء الذي لا شك في كونه ووقوعه لم يكن جانيَه ومسببَه إلا الخزيُ ممن يقودها، فهذا أمرٌ الإعرابُ فيه تابعٌ لمعناه ومحذوّ على الغرض المراد فيه. وأما قوله:
وليس الذي يجري من العينِ ماءَها ... ولكِنَّها نَفْسٌ تَذُوبُ فتقْطُرُ٤ [١١٤و]
ويروى: "ولكنه" فالوجه فيه نصب الماء، وذلك أنه رأى ماء يجري من العين فاستكثره واستنكره، فقال: ليس هذا الذي أراه جاريًا من العين ماءً للعين، وإنما هو هكذا وشيء غير مائها٥. هذا هو الذي عناه فعبر عنه بما تراه، ولم يعنه الإخبار عن ماء العين فيخبر عنه بأنه هذا الشيء الجاري من العين؛ فذلك اختار نصب الماء، ولو رفعه لجاز؛ لأنه كان يعود إلى هذا المعنى، لكنه كان يعود بعد تعب به، ومسامحة فيه، وعلاج يريد حمله عليه.
ومن ذلك قراءة قتادة: "أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مِفْتَاحَهُ"٦، مكسورة الميم بألف.
قال أبو الفتح: "مِفْتَاحَهُ" هنا جنس وإن كان مضافا، فقد جاء ذلك عنهم، منه قولهم: قد مَنَعَتِ العراقُ قفيزَها ودِرْهَمَهَا، ومنعْتْ مِصْرُ إِرْدَبَّها، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى٧.
стр. 498
سورة الفرقان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرأ ابن الزبير: "نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْادِهِ"١.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه وإن كان إنزاله على رسول الله " ﷺ " فإنه لما كان "﵇" موصلا له إلى العباد ومخاطبا به لهم صار كأنه منزل عليهم، ولذلك كثر فيه خطاب العباد بالأمر والنهي لهم، والترغيب والترهيب والمصروف اللفظ إليهم، ونحو ذلك مما يوجه فيه الخطاب نحوهم.
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "اكْتُتِبَهَا٢"، بضم الألف والتاء الأولى وكسر الثانية. قال أبو الفتح: قراءة العامة: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ معناه استكتبها، ولا يكون معناه كتبها، أي: كتبها بيده؛ لأنه "﵇" كان أميا لا يكتب، وهو من تمام إعجازه، وأنه لم يكن يقرأ الكتب فيظن بما يورده من الأنباء المتقادمة الأزمان كان عن قراءته الكتب.
فـ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ معناه استكتبها؛ لأنه لم يكن أحد من المشركين يدعي أنه يقرأ الكتب وإذا كان كذلك فمعنى ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ إنما هو استكتبها، وهو على القالب، أي: استكتبت له. ومثله في القلب قراءة من قرأ: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيرًا"٣، أي: قدرت لهم، والقلب باب، وشواهده كثيرة، منها قولهم:
стр. 499
مِثلُ القنافِذِ هَدّاجُونَ قدْ بَلَغَتْ ... نجرانَ أو بَلَغَتْ سَوْاءَتِهِمْ هَجَرُ١
أراد: وبَلَغَتْ سوءاتُهُم هجرا، ومثله قولهم:
أسلَمُوها في دمشْقَ كَمَا ... أسلمَتْ وحشيَّةٌ وَهَقَا٢
أي: كما أسلم وهق وحشية، ومنه قوله:
ما أمسكَ الحبلَ حافِره٣
أي: ما أمسَكَ الحبْلُ حافِرَهُ.
وليس ممتنعا أن يكون قوله: ﴿اكتَتَبَهَا﴾ كتبها وإن لم يلِ ذلك بيده، إلا أنه لما كان عن رأيه أو أمره نسب ذلك إليه، كقولنا: ضرب الأمير اللص وإن لم يله بيده. وفي الحديث: "من اكتتب ضمنا كان له كذا" ٤، أي: زمنا، يعني كتب اسمه في الفرض.
فعلى هذا يكون "اكْتُتِبهَا" أي: اكْتُتِبَتْ لَهُ.
ومن ذلك قراءة عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان: "وَيَجْعَلَ لَكَ"، بالنصب.
قال أبو الفتح: نصبه على أنه جواب الجزاء بالواو، كقولك: إن تأتني آتك وأُحْسِنَ إليك. وجازت إجابته بالنصب [١١٤ظ] لما لم يكن واجبا إلا بوقوع الشرط من قبله وليس قويا من ذلك، ألا تراه بمعنى قولك: أفعلُ كذا إن شاء الله؟
стр. 500
ومن ذلك قراءة الأعرج: "نَحْشِرُهُمْ"١، بكسر الشين.
قال أبو الفتح: هذا وإن كان قليلا في الاستعمال فإنه قوي في القياس، وذلك أن "يَفْعِل" في المتعدي أقيس من "يَفْعُل"، فضرَب يضرِب إذًا أقيسُ من قتَل يقتُل؛ وذلك أن "يَفْعُل" إنما بابها الأقيس أن تأتي في مضارع فَعُلَ، كظرُف يظرُف، وكرُم، يكرُم، ثم نقلت إلى مضارع فعَل، نحو يقتُل ويدخُل؛ لتخالف حركة العين في المضارع حركتها في الماضي؛ إذ كان مبني الأفعال على اختلاف مُثُلِهَا، من حيث كان ذلك دليلا على اختلاف أزمنتها، فكلما خالف الماضي المضارع كان أقيس، وباب فَعَلَ إنما هو يَفْعُل، كما أن باب فَعِلَ إنما هو يَفْعَل. فكما انقاد عَلِمَ يَعْلَم فكذلك كان يجب أن ينقاد٢ باب ضَرَبَ يضرِب.
فأما يفعُل فبابه -على ما تقدم- فعُل، كشرُف يشرُف. وباب فعُل غيرُ متعدٍ، فالأشبه ما أُخْرِجَ إليه من باب فَعَلَ أن يكون مما ليس متعديا كقَعَدَ يقعُد، فكما أن ضرَب يضرِب أقيسُ من قتَل يقتُل فكذلك قعَد يقعُد أقيسُ من جلَس يجلِس وقد شرَحْنا هذا في كتابنا الموسوم بالمنصف٣.
ومن ذلك قراءة زيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي جعفر ومجاهد -بخلاف- ونصر بن علقمة٤ ومكحول٥ وزيد بن علي٦ وأبي رجاء والحسن -واختلف عنهما- وحفص بن حميد٤ وأبي عبد الله محمد بن علي: "نُتَّخَذَ٨"، بضم النون.
стр. 501
قال أبو الفتح: أما إذا ضمت النون فإن قوله: "مِن أَولياء" في موضع الحال، أي: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، ودخلت "من" زائدة لمكان النفي، كقولك: اتخذت زيدا وكيلا، فإن نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما، وما أعطيته من درهم، وهذا في المفعول.
وأما في قراءة الجماعة: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ فإن قوله ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ في موضع المفعول به، أي: أولياء. فهو كقولك: ضربت رجلا، فإن نفيت قلت: ما ضربت من رجل.
وقوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ﴾ أي: لسنا ندعي استحقاق الولاء ولا العبادة لنا.
ومن ذلك قراءة علي "﵇" وعبد الرحمن بن عبد الله: "وَيُمْشَّونَ فِي الْأَسْوَاق"٢، بضم الياء، وفتح الشين مشددة.
قال أبو الفتح: "يُمشَّون" كقولك: يدعون إلى المشي، ويحملهم حامل إلى المشي، وجاء على فُعَّل لتكثير فعلهم، إذ هم "﵈" جماعة، ولو كانت "يُمشُّون" بضم الشين لكانت أوفق لقوله تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام﴾ ، إلا أن معناه٣ يكثرون المشي كما قال:
يُمَشِّي بَيْنَنا حانُوتُ خَمْر ... منَ الخُرْسِ الصَّراصِرَةِ القطاط٤
ومن ذلك ما روي عن ابن كثير وأهل مكة: "وَنُزِّلُ الْمَلائِكَة"٥، وكذلك روى خارجة عن أبي عمرو.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون محمولا على أنه أراد: ونُنَزِّلُ الملائكة، إلا أنه حذف النون الثانية التي هي فاء فِعل نزَّل؛ لالتقاء النونين استخفافا، وشبهها بما حذف من أحد المثلين
стр. 502
الزائدين في نحو قولهم: أنتم تَفكرون "١١٥و" وتَطهّرون، وأنت تريد: تتفكرون وتتطهرون ونحوه قراءة من قرأ: "وَكَذَلِكَ نُجِّي الْمُؤْمِنِين"، ألا تراه يريد: ننجِّي، فحذف النون الثانية وإن كانت أصلا لما ذكرنا؟ وقد تقدم القول على ذلك في سورة النور١.
وروى عبد الوهاب عن أبي عمرو: "وَنُزِلَ الْمَلائِكَةُ"، خفيفة.
قال أبو الفتح: هذا غير معروف؛ لأن "نَزَلَ" لا يتعدى إلى مفعول به فيبنى هنا للملائكة؛ لأن هذا إنما يجيء على نَزَلتُ الملائكةَ، ونُزِل الملائكةُ. وَنَزَلْت غير متعدّ كما ترى.
فإن قلت: فقد جاء فُعِل مما لا يتعدى فَعَلَ منه، نحو زُكِمَ، ولا يقال زَكَمَه الله. وجُنّ، ولا يقال جنَّه الله. وإنما يقال: أزكمه الله، وأَجَنَّه الله- فإن٢ هذا شاذ ومحفوظ، والقياس عليه مردود مرذول. فإما أن يكون ذلك لغة طارقة لم تقع إلينا، وإما أن يكون على حذف المضاف، يريد: ونُزِل نُزولُ الملائكة، ثم حُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه على ما مضى، فأقام "الملائكة" مقام المصدر الذي كان مضافا إليها، كما فعل ذلك الأعشى في قوله:
أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ ليلةَ أَرْمَدا٣
إنما يريد اغتماض ليلة أرمد فنصْبُ ليلة إذًا إنما هو على المصدر لا على الظرف؛ لأنه لم يُرد: ألم تغتمض عيناك في ليلة أرمد، وإنما أراد: ألم تغتمض عيناك من الشوق والأسف اغتماضا مثل اغتماض ليلة رَمِد العين. ومثله قول العجاج.
حَتَّى إذا صَفُّوا لَهُ جِدارا٤
"فجدارا" الآن منصوب نصب المصدر، وليس منصوبا على أنه مفعول به، كقولك: صففتَ قدمَك، إنما يريد: اصطفوا له اصطفاف جدار؛ فحذف الاصطفاف، وأقام "الجدار"
стр. 503
مقامه، فنصبه على المصدر، كما ينصب الاصطفاف أو ظهر، وكذلك ما رويناه عن محمد بن الحسن عن ابن الأعرابي من قوله:
وطَعْنَةِ مُسْتَبْسِلٍ ثَائِرٍ ... يَرُدُّ الكَتِيبَةَ نِصْفَ النَّهارِ١
أي ردّ نصف النهار ألا ترى أن ابن الأعرابي فسره فقال: يرد الكتيبة مقدار نصف يوم، فهذا يدلك على أنه أراد: يردُّ الكتيبة ردّ نصف النهار، أي: الرد الذي يمتد وقته بمقياس ما بين أول النهار إلى نصفه، وذلك نصف يوم. وليس يريد أنه يردها في هذا الوقت البتة، وإنما يريد أنه يردها مقدار نصف النهار، كان ابتداء ذلك في أول النهار أو غيره من نهار أو ليل، وكأنه قال: يرد الكتيبة ست ساعات، فهذا لا يخص نهارا من ليل، فبهذا يعلم أنه لا يريد: يردها في وقت انتصاف النهار دون ما سواه من الأوقات.
وكذلك: "وَنُزِل الْمَلائِكَةُ"، أي نزل نزول الملائكة. ولو سمى الفاعل على هذا التقدير لقيل: نَزَلَ النازلُ الملائكةَ، فنصب الملائكة انتصاب المصدر، كما نصب الجدار انتصاب المصدر، لأن كل مضاف إليه يحذف مِنْ قَبْله ما كان مضافا إليه فإنه يعرَب إعرابه، لا زيادة عليه ولا نقص منه.
فإن قيل: فما معنى: نُزِل نزولَ الملائكة، حتى يصح لك تقديره مثبتا ثم تحذفه؟ فإنه على قولك: هذا نُزولٌ منزول، وهذا صعودٌ مصعود، وهذا ضرب مضروب. وقريب منه قولهم: "١١٥ظ" قد قيل فيه قول، وقد خيف منه خوف. فاعرف ذلك؛ فإنه أمثل ما يحتج به لقراءة من قرأ: "وَنُزِلَ الْمَلائِكَة
"، بتخفيف٢ الزاي، فاعرفه.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه" ومسلمة بن محارب: "فَدَمِّرانِّهمْ تدْمِيرًا"٣. حكى أبو عمرو عن علي أنه قرأ: "فَدَمِرْناهم"، بكسر الميم مخففة، وحكى عنه أيضا: "فَدَمِّرا بهم"، بالباء على وجه الأمر.
قال أبو الفتح: الذي رويناه عن أبي حاتم أنه حكاها قراءة غيرَ معزُوَّة إلى أحد: "فَدَمِّرانِّهمْ تدْمِيرًا"، وقال: كأنه أمر موسى وهارون ﵉ أن يدمّراهم.
стр. 504
قال أبو الفتح: ألحقَ نون التوكيد ألف التثنية، كما تقول: اضربانَّ زيدا، ولا تقتلانَّ جعفرا.
ومن ذلك قراءة الأعرج: "مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَةً هَوَاهُ"١.
قال أبو الفتح: ذكر أبو حاتم أنها قراءة لبعض٣ أهل مكة، ولم ينص على أحد. والإلاهةُ: الشمس، ويقال: إلاهةُ بالضم غير مصروفة، روينا عن أبي علي:
تَرَوَّحْنا مِنَ اللَّعْبَاء قَصْرًا ... فَأَعجَلْنا الإلاهة أنْ تَئُوبا٣
ويروى: فأعجلنا إلاهة، فتكون إلاهة هذه المقروءة منزوعا عنها حرف التعريف الذي في الإلاهة، فتنكرت، فانصرفت.
فأما قراءة من قرأ: "وَيَذَرَكَ وَإلِاهَتَكَ"٤ فمعناه: وعبادتك، كذا قالوا عنه. وقد يجوز أن يكون أراد: إلاهة هذه المقروءة، فأضافها إليه لعبادته لها، فيكون كقوله: وَيَذَرَكَ وَشَمْسَكَ، أي الشمس التي تعبدها.
ومن ذلك قراءة ابن السميفع: "الرِّيَاحَ بُشْرَى"٥، مثل٦ حبلى.
قال أبو الفتح: "بُشْرَى"، مصدر وقع موقع الحال، أي: مُبَشِّرَةً، فهو كقولهم: جاء زيد ركضا، أي: راكضا. وهلم جرا، أي جارا أو منجرا. ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ٧، أي: ساعيات. ومثله قوله:
стр. 505
فأقبلْتُ زَحْفًا علَى الركبَتَيْنِ ... فَثَوْبًا نَسِيتُ وَثَوْبًا أَجُرُّ١
أي: أقبلت زاحفا وما أكثر نظائره!
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "وَهَذَا مَلْحٌ أُجَاجٌ٢".
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم٣: هذا منكر في القراءة، فقوله: هو منكر في القراءة يجوز أن يريد به أنه لم يُسمع في اللغة، وإن كان سُمِعَ فقليلٌ وخبيث، ويجوز أن يكون ذهب فيه إلى أنه أراد مالح، فحذف الألف تخفيفا كما ذكرنا قبل من قوله:
إلا عَرَادًا عَرِدَا ... وصلِّيَانًا بَرِدَا٤
وهو يريد عارِدا وبارِدا، وقد تقدم القول على هذا. وعلى أن "مالحا" ليست فصيحة صريحة؛ لأن الأقوى في ذلك: ماءٌ ملحٌ. ومثله من الأوصاف على فِعْل: نِضْوٌ٥، ونِقْضٌ٦، وهِرْطٌ٧، وحِلْفٌ. وقد أجاز ابن الأعرابي مالح، وأنشد:
وأنِّي لا أعِيجُ بِمَالِحٍ
وأنشدوا أيضا فيه:
بَصْرِيّةٌ تزوجَتْ بَصْرِيّا ... يطعمُها المالحَ والطريّا٩
стр. 506
وفيما قرئ على أحمد بن يحيى فاعترف بصحته: سمَك مالح، وماءٌ مالح. وإنما يقال: سمَك مملوح ومليح، هذا أفصح الكلام، والأول يقال.
ومن ذلك قراءة حسان بن عبد الرحمن١ صاحب عائشة "رضي الله عنه٢"، وهو الذي يروى عنه قتادة: "١١٦و" "وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قِوَامًا"٣.
قال أبو الفتح: القَوَامُ، بفتح القاف: الاعتدال في الأمر، ومنه قولهم: جارية حسنة القوام: إذا كانت معتدلة الطول والخلق. وأما "القِوَام" بكسر القاف فإنه ملاك الأمر وعصامه، يقال: مِلَاك أمرك وقِوَامه أن تتقي الله في سرك وعلانيتك، فكذلك قوله: "كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قِوَامًا"، أي: مِلاكا للأمر ونظاما وعصاما.
ولو اقتُصر فيه على قوله: "وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ" لكان كافيا؛ لأنه كان بين الإسراف والتقتير فإنه قصد ونظام للأمر؛ "فَقِوَام" إذًا تأكيد وجارٍ مجرى الصفة، أي: توسطا مقيما للحال وناظما. ومعلوم أنه إذا كان متوسطا فإنه قوام ومساك، وأقل ما فيه أن يكون صفة مؤكدة، كقوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٤، فالأخرى توكيد كما ترى.
ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "نُضَعِّفْ له" -بالنون- "العَذَابَ" -نصب- "وتَخْلُدْ فيه"٥، وجزم.
стр. 507
قال أبو الفتح: هو عندنا على ترك لفظ الغيبة إلى الخطاب، أي: وتخلد أيها المضعف له العذاب. وقد مضى القول على ترك الغيبة إلى الحضور، والحضور إلى الغيبة١.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن الزبير: "فَقَدْ كَذَّبَ الكَافِرُونَ"٢.
قال أبو الفتح: وهذا أيضا مما ترك فيه لفظ الحضور إلى الغيبة، ألا ترى قبله: "قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبَ الكافرون"؟
стр. 508
سورة الشعراء:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وحماد بن سلمة١: "قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا تَتَّقُون"٢، بالتاء.
قال أبو الفتح: هو عندنا على إضمار القول فيه، وإيضاحه: وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون فقل لهم: ألا تتقون؟ وقد كثر حذف القول عنهم، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ٣، أي: يقولون: سلام عليكم.
ومن ذلك قراءة الشعبي: "وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ"٤، بكسر الفاء.
قال أبو الفتح: الفِعْلَة: كناية عن الحال التي تكون عليها، كالرِّكْبَة، والجِلْسة. والمِشْيَة، والإِكْلَة: فجرت مجرى قولك: وفعلت فعلك الذي فعلت؛ وذلك لأن الفعل قد تعاقب الفعل، كقولهم: نشدته نشدا، وكذلك ﴿صِبْغَةَ اللَّه﴾ ٥، كقولك: صَبْغَ الله. ومثله من غير المصادر: هذا صَفْو الشيء وصِفْوَتُه، والبَرْكُ والبَرْكَة: الصدر، وله نظائر.
ومن ذلك قراءة أبان بن تغلب: "خَطَايَانَا إنْ كُنَّا"٦، بالكسر.
قال أبو الفتح: هذا كلام يعتاده المستظهر الْمُدِلُّ بما عنده، ويقول الرجل لصاحبه: أنا أحفظ عليك إن كنت وافيا، ولا يضيعُ لكَ جميلٌ عندِي إن كنت شاكرًا، أي ابنِ
стр. 509
هذا على هذا، فإن كنت تعلم أني شاكرٌ وافٍ فلن يضيع لك عندي جميل، أي: فكما تعلم أن هذا [١١٦ظ] معروف من حالي فثق بوفائي وزكاء صنيعك عندي، ومثله بيت الكتاب:
أتغضبُ إنْ أُذْنَا قُتَيْبةَ حُزَّتَا ... جهارًا ولَمْ تغضْب لقَتْلِ ابنِ خازم١
فشرط بذلك، وقد كان ووقع قبل ذلك.
ومثله ما أنشدَناه أبو علي:
فإنْ تَقْتُلُونا يوْمَ حرَّةِ وَاقِمٍ ... فَلَسْنا على الإسلامِ أَوَّلَ مَنْ قُتِلْ٢
وقد كان القتل من قبل وَقَعَ وعُلِمَ. وجاء به الطائي الكبير، فقال:
وَمَكارمًا عُتُقَ النِّجار تَلِيدَةً ... إنْ كانَ هَضْبُ عَمَايَتَيْن تَلِيدَا٣
أي: فكما أن هضب عمايتين تليد لا محالة فكذلك هذه المكارم تليدة.
ومن ذلك قراءة ابن أبي عمار: "حَادِرُونَ٤"، بالدال غير معجمة.
قال أبو الفتح: الحادر: القوي الشديد، ومنه الحادرة الشاعر، وهو كقولك: القوي، وحدر الرجل: إذا قوي جسمه وامتلأ لحما وشحما، وقالوا أيضا: حدر حدارة. قال الأعشى:
وَعَسِير أدماء حَادِرَة العيـ ... ـشِ خَنُوفٍ عَيْرَانَة شِمْلالِ٥
стр. 510
أي: قد امتلأت عينها نِقْيًا١، فارتوت وحسنت، وقيل أيضا: امرأة حدراء ورجل أحدر. وقد حدرت عينه تحدر، وعليه قول الفرزذق:
وأنكرْتَ مِنْ حَدْراء ما كُنْتَ تَعْرِف٢
ومن ذلك قراءة الأعرج وعبيد بن عمير: "لَمُدَّرَكُون"٣، بالتشديد.
قال أبو الفتح: أدركتُ الرجل، وادَّرَكْتُهُ، وادَّرَكَ الشيءُ إذا تتابع ففني. وقال الحسن في قول الله تعالى: "بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ"٤، قال: جهلوا علم الآخرة، أي: لا علم عندهم في أمر الآخرة، معناه بل أسرع وخف، فلم يثبت، ولم تطمئن لليقين به قدم.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن الحارث: "وَأَزْلَقْنَا"٥، بالقاف.
قال أبو الفتح: من قرأ: "وَأَزْلَفنَا" بالفاء فالآخرون موسى ﵇ وأصحابه، ومن قرأها بالقاف فالآخرون فرعون وأصحابه، أي: أهلكنا ثَمَّ الآخَرين، أي: فرعون وأصحابه.
ومن ذلك قراءة قتادة: "هَلْ يُسْمِعُونَكُم"٦.
قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف، أي: هل يسمعونك إذ تدعون جوابا عن دعائكم؟ يقال: دعاني فأسمعته، أي: أسمعته جواب دعائه.
وأما قراءة الجماعة: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُم﴾ فإن "سمعت" بابها أن تتعدى إلى ما كان صوتا مسموعا، كقولك: سمعت كلامك، وسمعت حديث القوم. فإن وقعت على جوهر تعدت إلى مفعولين، ولا يكون الثاني منهما إلا صوتا، كقولك: سمعت زيدا يقرأ، وسمعت محمدا يتحدث. ولا يجوز سمعت زيدا يقوم؛ لأن القيام ليس من المسموعات.
стр. 511
فأما قوله تعالى: [١١٧و] : ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُون﴾ فإنه على حذف المضاف، وتقديره: هل يسمعون دعاءكم؟ ودل عليه قوله: ﴿إِذْ تَدْعُون﴾ ، ويقول القائل لصاحبه: هل تسمع حديث أحد؟ فيقول مجيبا له: نعم أسمع زيدا، أي: حديث زيد. ودل قوله: "حديث أحد" عليه، فإن لم تدل عليه دلالة لم يجز الاقتصار على المفعول الواحد. لو قلت سمعت الطائر لم يجز؛ لأنه لا يعلم أسمعت جرس طيرانه أو سمعت صياحه على اختلاف أنواع الصياح؟ فهذا مثال يقتاس عليه، ويردُّ نحوُهُ -إذا أشكل- إليه.
ومن ذلك قراءة قتادة: "لَعَلَّكُمْ تُخْلَدُونَ"١.
قال أبو الفتح: خَلَد الشيءُ، أي: بقي، وأخلدته وخلَّدته، وأخلدت إلى كذا: أي أقمت عليه ولزمته، والخلود لا يكون في الدنيا، وقال قوم٢: أُخْلِدَ الرجلُ: إذا أبطأ عنه الشيب. وقد يقال في هذا أيضا: أَخْلَدَ، والخُلْدُ: الفأرة العمياء، ويقال: الخلد: السوار٣، ويقال: القرط. ودار الخلود، يعني الجنة، وقال أحمد بن يحيى: الخلد: داخل القلب، وقول امرئ القيس:
وَهَلْ يَنْعَمًا إلا سَعِيدٌ مُخَلَّدُ٤؟
يعني به من يلبس الخلد: السوار أو القرط، أي: الصبي أو الصبية، يدل عليه قوله:
قَلِيلُ الهمُومِ ما يَبِيتُ بِأَوْجَالِ
وقد مر به شاعرنا٥ فقال:
تَصْفُو الحياةُ لِجَاهِلٍ أوْ غَافِلٍ ... عَمّا مَضَى منها وَما يُتَوَقَّعُ
وقال رؤبة في معناه:
وقَدْ أَرَى واسِعَ جَيْبِ الْكُمِّ ... أَسْفَرُ مِنْ عَمامَةِ الْمُعْتَمِّ
стр. 512
عنْ قَصَب أسْحَمَ مُدْلَهِمّ ... رِيقي وَدِرْيَاقِي شِفاء السُّمّ١
ومن ذلك قراءة ابن مسعود والضحاك وطلحة وابن السميفع ويعقوب وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري: "وِأَتْبَاعُكَ"٢.
قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ضربين من القول مختلفي الطريق، إلا أنهما متفقا المعنى.
أحدهما أن يكون أراد: أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون؟ فأتباعك مرفوع بالابتداء، والأرذلون خبر.
والآخران يكون "وأتباعك"٣ معطوفا على الضمير في "نؤمن"٤، أي: أنؤمنُ لك نحن وأتباعك الأرذلون؟ فالأرذلون إذًا وصف للأتباع، وجاز العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير توكيد؛ لما وقع هناك من الفصل. وهو قوله: "لك"، فصار طول الكلام به كالعوض من توكيد الضمير بقوله: نحن. وإذا جاز قوله: "ما أشْرَكْنا ولا آباؤنا"٥ كان الأول من طريق الإعراب أمثل؛ وذلك أن العوض ينبغي أن يكون في شق المعوض منه، وأن يكون قبل حرف العطف، وهذه صورة قوله: "لك"، وأما "لا" من قوله تعالى: "وَلا آبَاؤُنَا"٥ فإنها حرف العطف، فهي في شق المعطوف نفسه، لا في شق المعطوف عليه. والجامع بينهما طول الكلام بكل واحد منهما، والمعنى من بعد: أنؤمن لك [١١٧ظ] نحن وأتباعك الأرذلون فنعدُّ في عدادهم؟ وهذا هو معنى القول الآخر: أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون فنساويهم في أن نكون مرذولين مثلهم؟.
стр. 513
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي حَصِين١: "الْجُبُلَّةَ الْأَوَّلِين"٢، بالضم.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك مشروحا.
ومن ذلك قراءة الحسن: "الأعْجَمِيِّين"٣، منسوب إلى العجم.
قال أبو الفتح: هذه قراءة عذر في القراءة المجتمع عليها، وتفسير للغرض٤ فيها، وهي قوله: "على بعض الأعَجَمِين"؛ وذلك أن ما كان من الصفات على أفعل، وأنثاه فعلاء -لا يجمع بالواو والنون، ولا مؤنثه بالألف والتاء. ألا تراك لا تقول: في أحمر: أحمرون، ولا في حمراء: حمراوات؟ فكان قياسه٥ ألا يجوز فيه "الأعجمون"، لأن مؤنثه "عجماء"، ولكن سببه أنه يريد: الأعجميون، ثم حذفت ياء النسب وجعل جمعه بالواو والنون دليلا عليها وأمارة لإدارتها، كما جعلت صحة٦ الواو في عَوَاوِر٧ أمرة لإرادة الياء في عَوَاوِير وكما جعل قلب تاء "افتعل" طاء في قوله:
مَالَ إلَى أَرْطَاة حِقْف فَالْطَجَعْ٧
دلالة على أن اللام في "الطجع" بدل من ضاد "اضطجع" لولا ذلك لقيل: التجع، كما قالوا: التحم، والْتَجَأ إلى كذا.
وقياس قوله: "الأعجمين" لإرادة ياء الإضافة في "الأعجميِّين" أن يقال: في مؤنثه مررت بنسوة عمجاوات؛ فيجمع بالتاء لأنه في معنى عجماويّات، ونظير ذلك الهُبَيْرُون؛ لأنه يريد الهُبَيْرِيُّون في النسب إلى هُبَيْرَة.
стр. 514
ومن ذلك قراءة الحسن: "فَتَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً"١، بالتاء.
قال أبو الفتح: الفاعل المضمر الساعة، أي فتأتيهم الساعة "بغتة"، فأضمرها لدلالة العذاب الواقع فيها عليها، ولكثرة ما تردد في القرآن من ذكر إتيانها.
ومن ذلك قراءة أيضا: "وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطُونُ"٢.
قال أبو الفتح: هذا مما يعرض مثله الفصيح، لتداخل الجمعين عليه، وتشابههما عنده، ونحو منه قولهم: مَسِيل، فيمن أخذه من السيل، وعليه المعنى. ثم قالوا فيه: مُسْلان وأَمْسِلَة. ومَعِينٌ، وأقوى المعنى فيه أن يكون من العيون، ثم قالوا: سالت مُعْنَانُهُ٣.
فإن قلت٤: فقد حكى يعقوب وغيره في واحده: مَسَل ومَسْل، وقيل: يشبه أن يكون ذلك لقولهم: مُسْلان. فلما سمعوا مُسْلانًا جاءوا بواحده على فَعْل، كبَطْن وبُطْنان، وظَهْر وظُهْرَان. وعلى فَعَل، كحَمَل وحُمْلان، وأَخ وأُخْوَان، فيمن ضم. كما قال أبو بكر: إن من قال ضَفَنَ يَضْفِن فإنما حمله على ذلك الشبهةُ عليهم في قولهم: ضَيْفَن، إذ كان ضَيْفَن ظاهر لفظه بأن يكون فَيْعَلا لا فَعْلَنًا، وعلى كل حال فـ"الشياطون" غلط. لكن يشبهه، كما أن من همز مصائب كذلك عنهم.
стр. 515
سورة النمل:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قراءة أُبَيّ: "تَبَارَكت الأرضُ".
قال أبو الفتح: هو تَفاعَلَ من البركة، وهو توكيد لمعنى البركة، كقولك: تعالى الله، فهو أبلغ من علا، وكقول العجاج:
تَقاعَسَ العِزُّ بِنا فَاقْعَنْسَسَا٢
فهو أبلغ معنى من قَعِسَ، كما أن [١١٨و] احدودب أقوى معنى من حَدِبَ، واعشوشب أقوى من أَعْشَبَ؛ وذلك لكثرة الحروف.
وأصل هذا كله من فَعَّلَ في الفعل، كقطّعت وكسّرت، ألا تراها أقوى معنى من قطَعت وكسَرت؟ وعليه جاء قوله: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٣، فهو أبلغ من قادر. ولهذا جاء قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٤، فعبر عن لفظ الحسنة بكسب، وذلك لاحتقار الحسنة إلى ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ٥ وجاء "اكتسبت" في السيئة، تنفيرا عنها، وتهويلا وتشنيعا بارتكابها. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ٦؟ فافهم هذا، وابنِ عليه.
стр. 516
قال أمية:
تَبَارَكَ أمْ صِدِّيقُ حَقًّا ... كانَ مِن كُل عَتِيقَا
خالِقُ الخَلْقِ جَمِيعًا ... ويعُودُ الخَلْقُ صِيقَا
أي ترابا: والتاء في "تبارك" زائدة على بناء البيت. ومعتدة خزما كالواو في قوله:
وكأنَّ ثَبِيرًا في عَرَانِينِ وَبْلِهِ ... كَبِيرُ أُنَاسٍ في بِجَاد مُزَمَّلِ١
فالواو خَزْم، وهذا يكاد يسقط حكم ما يُبنَى من الزوائد في الكلم حتى يحسنَ له تحقير الترخيم، نحو قولهم: في حارث حُرَيْث، وفي أزهر زُهَيْر. ألا تراه كيف خزم بتاء "تبارك" وإن كانت مصوغة في نفس المثال كما تُخْزَم حروف المعاني المنفصلة من المُثُل، كواو العطف، وفائه، وبل، وهل، ويا، ونحو ذلك؟ ولهذا قالوا أيضا في تكسير فَعَلَان: فِعْلَان، ككَرَوَان وكِرْوَان، وشَقَذَان٢ وشِقْذان، فأجروه مجرى فَعَل وفِعْلان، نحو خَرَب٣ وخِرْبان، وشَبَثٍ٤ وشِبْثان، وبَرَق٥ وبِرْقَان. فاعرف ذلك إلى ما يليه من نحوه بمشيئة الله.
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: "كَأَنَّهَا جَأنٌ"٦.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نظير هذا فيما مضى من الكتاب٧، وذكرناه أيضا في الخصائص٨، وفي سر الصناعة٩، وفي المنصف١٠، وفي التمام، وغيره من مصنفاتنا وإنما كررناه لإعراب القول في معناه.
стр. 517
ومن ذلك قراءة زيد بن أسلم وأبي بن جعفر القارئ: "أَلَا مَنْ ظَلَم"١، بفتح الهمزة، خفيفة اللام.
قال أبو الفتح: "مَنْ" ههنا مرفوعة بالابتداء، وخبره "ظلم" كقول: من يَقُم أضربْ زيدا، فيقم خبر عن "من" حيث كان شرطا. وكأن من عَدَلَ إلى هذا جفا عليه انقطاع الاستثناء في القراءة الفاشية. و"من" هناك منصوبة على الاستثناء، وهو منقطع بمعنى لكن، فقوله تعالى: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ معناه: لكن من ظلم كان كذا. ولعمري إن الاستثناء المنقطع فاش في القرآن وغيره، إلا أنه -مع ذلك- مُحوِج إلى التأول وإعمال القياس والتمحّل.
ومن ذلك قراءة قتادة وعلي بن الحسين: "مَبْصَرَةً"٢.
قال أبو الفتح: هو كقولك: هُدًى، ونورا. وقد كثرت المَفْعَلَة بمعنى الشِّياع والكثرة في الجواهر والأحداث جميعا، وذلك كقولهم: أرض مَضَبَّةٌ: كثيرة الضِّبَاب، ومثْعلَة: كثيرة الثعالي٣، ومَحْيَاة ومَحْوَاة ومَفْعَاة: كثير الحيات والأفاعي، فهذا [١١٨ظ] في الجواهر٤. وأما الأحداث فكقولك: البِطْنَة مَوْسَنَة، وأكل الرطَب مَوْرَدَة٥ ومَحَمَّة. ومنه المَسْعَاة، والمَعْلَاة، والحقُّ مَجْدَرَة بك، ومَخْلَقَة ومَعْسَاة، ومَقْمَنَة، ومَحْجَاة. وفي كله معنى الكثرة من موضعين:
أحدهما المصدرية التي فيه، والمصدر إلى الشياع والعموم والسعة.
стр. 518
والآخر التاء، وهي لمثل ذلك، كرجل راوية، وعَلّامَة، ونَسّابَة، وهُذَرَة١. ولذلك٢ كثرت المَفْعَلَة فيما ذكرناه لإرادة المبالغة.
ومن ذلك قراءة سليمان التيمي: "قَالَتْ نَمُلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمُلُ"٣.
وروي عنه أيضا: "نُمُلَة"، و"النُّمُل"، بضمهما.
قال أبو الفتح: أما النَّمُلة، بفتح النون، وضم الميم؛ فتقبلها النَّمْلَة، بفتح النون، وسكون الميم، لأن فَعُلا يخفف إلى فَعْل، كسَبُع إلى سَبْع، ورَجُل إلى رَجْل. قال:
رَجْلانِ مِنْ ضَبَّة أخْبَرَانَا ... إنَّا رَأَيْنَا رَجُلا عُرْيَانَا٤
فقائل هذا الشعر إما أن يكون له لغتان: رَجُل ورَجْل، وإما أن تكون لغته رَجُل بضم الجيم، فاضطر للشعر؛ فأسكن الجيم.
ألا تراه كيف جمع بين "رَجْلان" و"رَجُل"؟ ونظير "نَمُلة" "ونَمُل": سَمُرة وسَمُر، وثَمُرة وثَمُر. وكذلك القول في "نُمُلة"، لأن فُعُلا لا يخفف إلى فَعْل، إنما يخفف إلى فُعْل، كطُنُب إلى طُنْب، وعُنُق إلى عُنْق. ومنه٥ عندي: أُخِذ رجل نَمَّال: أي: نمَّام، كأنه يدب بالنميمة دبيب النملة. ونظير "نُمُلة" و"نُمُل": بُسُرة وبُسُر، بضم السين.
ومن ذلك قراءة الحسن: "لا يَحَطِّمَنَّكُم"، بفتح الياء والحاء، وتشديد الطاء والنون.
وروي عنه أيضا: "يَحِطِّمَنَّكُم"، بفتح الياء، وكسر الحاء، والتشديد.
قال أبو الفتح: أما الأصل فيهما فَيَحتَطِمَنَّكُم، يفتعل من الحطم، وهو الكسر، أي: يقتلنكم. وآثر إدغام التاء في الطاء لقرب مخرجيهما؛ فأسكنها، وأبدلها طاء، وأدغمها في الطاء بعدها، ونقل الفتحة من التاء إلى الحاء، فقال: "يَحَطِّمَنَّكُم".
ومن كسر الحاء فإنه لما أسكن التاء للإدغام كسر الحاء، لسكونها وسكون التاء بعدها
стр. 519
ثم أدغم فصار "يَحِطِّمَنَّكُم". ويجوز في العربية كسر الياء إتباعا لكسرة الحاء؛ فقال يحطمنكم. ومثله قول العجلي:
تَدَافُعُ الشَّيبِ ولم تِقِتِّلِ١
يريد: تَقتتل، ثم غير ذلك على ما تقدم.
يقال: حَطَمَه يَحْطِمه حَطْما: إذا كسره، وحطَّمه يُحَطِّمه، واحْتَطَمَه يَحْتَطِمُه احتطاما ويغيَّر الماضي واسم الفاعل والمصدر على الصنعة التي تقدمت في "يَحَطِّمَنَّكُم".
فمن قال: يَحَطِّم قال: حَطَّم، ومن قال: يَحِطِّمُ قال: حِطِّمَ.
ومن أتبع الأول يِحِطِّم أتبع الآخر هنا، فقال: حِطِّمَ. وعليه أنشد قطرب فيما روينا عنه أو غيره.
لا حِطِّبَ القَوْمَ ولا القَومَ سَقَى١
يريد: احتطب.
ويقول في اسم الفاعل على يَحَطِّم: مُحَطِّم، وعلى يَحِطِّم: مُحِطِّم.
ومن كسر الأول إتباعا، فقال: يحِطِّمُ لم٢ يكسر الميم؛ لأن اسم المفعول والفاعل من هذا ونحوه لا يكون إلا مضموم الأول، وعليه قال: "وَجَاءَ الْمُعَذِّرُون"٣، و"الْمُعِذِّرُون". وتتبع العينُ الميم، فيقال: "الْمُعُذِّرُون". وعليه أيضا يقال: مُخُطِّفٌ، والأصل في جميعه المعتذرون. ويقول في المصدر على يَحَطِّم ويَحِطِّم جميعا: حِطَّامًا.
ومن كسر هناك لالتقاء الساكنين [١١٩و] كسر هنا أيضا، فقال: حِطَّاما؛ لئلا تنكسر الطاء، فتبدل الألف بعدها ياء، فتقول: حِطِّيمًا، فيزول حديث المصدر بانقلاب ألفه. وليس في حِطِّم ألف؛ فتنقلب لكسرة الطاء إلى غيرها.
ومن قال: "وَجَاءَ الْمُعُذِّرُون"، فضم العين لم يقل حُطاما؛ لأنه ليس معه في حُطَّاما ضمة مثل الميم فتتبَعها الحاء مضمومةً، وكذلك "مُرَدِّفِين" "ومُرِدِّفِين" ومُرُدِّفين، الحكم واحد.
стр. 520
ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: "فَتَبَسَّمَ ضَحِكًا مِنْ قَوْلِهَا"١، بفتح الضاد بغير ألف.
قال أبو الفتح: "ضَحِكًا" منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل على عليه تبسم، كأنه قال: ضَحِكَ ضَحِكًا. وهذا مذهب صاحب الكتاب، وقياس قول أبي عثمان في قولهم: تَبَسَّمْتُ وميضَ البرقِ، أنه منصوب بنفس "تبسمتُ"؛ لأنه في معنى أومضت، ويكون٢ "ضحِكًا" منصوبًا بنفس تبسم؛ لأنه في معنى ضحك.
ويدل على مذهب صاحب الكتاب أنه قد ثبت أن الماضي والمضارع واسم الفاعل والمصدر يجري كل واحد منها مجرى صاحبه، حتى كأنه هو. ويجب أن تكون كلها من لفظ واحد، كضرب يضرب ضربا وهو ضارب، فكما لا يجوز أن يقول: قعد يجلس وإن كانا في معنى واحد دون أن يكون من لفظ واحد وهو قعد يقعد، ولا يجوز تبسَّم يُومِض؛ لاختلاف لفظيهما وإن كان معنياهما واحد - فكذلك لا يجوز تبسمت وميض البرق؛ لاختلاف لفظيهما، كما لا يجوز تبسمتُ أُومِض، لكن دل تبسمت على أومضت، فكأنه قال: أومضت وميض البرق، فاعرف ذلك وقسه بإذن الله.
ومن ذلك قراءة ابن عباس في رواية وهب بن منبه: "أنْ لَا تَغْلُوا"٣، بالغين معجمة.
قال أبو الفتح: غَلَا في قوله غُلُوًّا، وغلا السعرُ يغلُو غَلَاء. فصلوا بينهما في المصدر وإن اتفقا في الماضي، وهذا أحد ما يدل على ما قدمناه أيضا من أن الماضي والمضارع واسم الفاعل والمصدر تجري مجرى المثال الواحد، فإذا خولف فيها بين المصادر قام ذلك الخلاف مقام ما كان يجب من اختلاف الأمثلة لاختلاف ما تحتها من المعاني المقصودة؛ وذلك أن أعدل اللغة اختلاف الألفاظ لاختلاف المعاني، فإن اتفقت الألفاظ اختلفت الأمثلة، فإن اتفقت الألفاظ والأمثلة، ووقع التغيير في بعض المُثُل قام مقام تغييرها كلها. وذلك نحو غلا يغلو في القول والسعر.
فلما اتفق اللفظان والمِثْلان في الماضي والمضارع خالفوا بين مصدريهما؛ ليكون ذلك كالخلاف
стр. 521
بين مثاليهما أنفسهما، فقالوا: غُلُوًّا، وغَلَاء على ما مضى. وكذلك قولهم في نظائر هذا: وجَدت الشيء وجُودا، ووجَدت في الحزن وَجْدًا، ووجَدت من الغنى وُجْدًا ووَجْدًا ووِجْدًا وجِدَة، ووجدت على الرَّجل مَوْجِدة، وجدت الضَالَة وِجدَانا، فجعلوا اختلاف المصادر فيها عوضًا مما كان يقتضيه أصل وضع اللغة من اختلافها أنفسها، فهذا مَقَاد يُقْتَاس ويُرْجَع في نظائره إليه.
نعم، وخصوا غَلَا في القول بالغُلُوّ؛ [١١٩ظ] لأن لفظ فُعُول أقوى من لفظ فَعَال؛ للواوين والضمتين، وضعفِ الألف والفتحتين. وذلك أن الغُلُوّ في القول أعلى وأعنى عندهم من غلاء السعر، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٢؟ وأما غلاء٣ السعر فلا يدخل النار، ولا يحرم الجنة، ثم إنهم قالوا: غلتِ القِدْرُ تَغْلِي غَلَيَانا، فلما صغر هذا المعنى في أنفسهم أخذوه من الياء؛ لأنها تنحط عن الواو والضمة إلى الياء والكسرة٤.
فإن قلت: فقد قالوا: عَلَوْتُ في المكان أَعْلُوا عُلُوًّا وعلِيتُ في الشرف٥ علاءً؛ فجعلوا الشرف دون ارتفاع النِّصْبَة٦.
قيل: لم يَجْفُ الشرفُ عندهم، ولا تَبشَّع تبشّع الكفر والغلوّ في القول المعاقَب عليه، والمنهيَّ عنه؛ فلان جانبُه، ونَعُمَ وعَذُبَ في أنفسهم؛ فبنوه على فَعِل لتنقلب الواو ياءً، ومصدره على الفَعَال؛ لعذوبته بالفتحتين والألف. وهذه أماكن إن رَفَقْت بها، وسانَيْتَهَا٧، وتأنَّيْتَهَا٨، ولم تَبْءَ٩ عليها وتَخْتَبطَها -أَوْلَئْكَ جانبها، وأركبتك ذِرْوَتها، وقبلَتْكَ لها ضيفا، وَبَسَطَتْكَ يدًا وسيفًا. وإن أَخْلَدْتَ بها إلى ضِدّ هذا أخْلَدَتْ بكَ إلى ضده، فَتَلَاقيا ورفقا، لا مُغَالَاةً ولا خُرْقًا.
стр. 522
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وعيسى الثقفي: "عِفْريَةٌ"١.
قال أبو الفتح: هو العفريت. يقال: رجل عِفْريَةٌ نِفْريَةٌ إتباعا: إذا كان خبيثا داهيا. وقالوا: تَعَفْرَتَ الرجلُ: إذا صار عفريتا، أي: خبيثا. وهذا مثال غريب؛ لأن وزنه تَفَعْلَتَ، ونحوه من المُثُل الغريبة في الفعل قولهم: يَرْنَأَ الرجُلُ لِحْيَتَهُ: إذا صَبَغَها باليُرْنَاء، وهو الحناء. فيَرْنَأَ على ما ترى يَفْعَلَ٢، ومضارعه يُيَرْنِئ يُيَفْعِلُ، واسم الفاعل مُيَرْنِئ، وهو مُيَفْعِل.
وأصل العفريب من العَفْر، وهو التراب، كأنه يختِل قِرْنَه فيصرعه إلى العَفْر, ومنه قيل للأسد: عَفَرْني، وللناقة الشديدة: عفرناة. وقال الأعشى:
بِذاتِ لَوْثٍ عَفْرَنَاةِ إذَا عَثَرَتْ ... فَالنَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ: لَعَا٣
ومنه عِفْرِيَةُ الرأس: للشعر الذي عليه؛ وذلك لأن قُصَارَاه أن يُحْلَقَ فيصير إلى التراب، أو يصير تُرَابًا. ومنه اليَعْفُور. لولَدِ الظبية؛ لأنه لصغَرِه ما٤ يلزق بالتراب، أو لأن لونه لون التراب. ومنه ليث عِفِرِّينَ؛ لأنه دابة يلزم التراب.
ومن ذلك قراءة الحسن: "فَمَا كَانَ جَوَابُ قَوْمِهِ"٥، يرفع الباء.
قال أبو الفتح: أقوى من هذا "جَوَابَ قَوْمِهِ" بالنصب، ويجعل اسم كان قوله: ﴿أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ : لشبه أن بالمضمر. من حيث كانت لا توصف كما لا يوصف. والمضمر٦ أعرف من هذا المظهر، وقد تقدم القول في ذلك٧.
стр. 523
ومن ذلك قراءة الأعمش، وقد اختلف عنه: "أَمَنْ خَلَقَ"١، خفيفة الميم.
قال أبو الفتح: "مَنْ" هنا خبر٢ بمنزلة الذي، وليست باستفهام [١٢٠و] كقراءة الجماعة: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقَ﴾ ، فكأنه قال: الذي خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة٣ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها خير أم ما تشركون٤ ثم حذف الخبر الذي هو خير أم ما تشركون؛ لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥. وما يحذف خبره لدلالة ما هناك عليه أكثر من أن يحصى، فابنِ على هذا.
ومن ذلك قراءة السلمى: "إِيَّانَ يُبْعَثُونَ"٦، بكسر الهمزة.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على كسر هذه الهمزة فيما مضى من الكتاب٧.
ومن ذلك قراءة سليمان بن يسار وعطاء بن السائب: "بَلَ ادْرَكَ عِلْمُهُمْ"٨، بفتح اللام، ولا همز، ولا ألف.
وروي عنهما: "بَلَ ادّرَكَ"، بفتح اللام، ولا همز، وتشديد الدال، وليس بعد الدال ألف.
وقرأ: "بلْ آدْرَكَ" الحسن وأبو رجاء وابن محيصن وقتادة.
وقرأ: "بَلَى" بياء "آدْرَك" ممدودا ابن عباس.
وقرأ: "بَلِ ادَّرَكَ"، مخفوضة اللام، مشددة الدال الحسن.
وقرأ: "بَلْ تَدَارَكَ" أُبَيّ بن كعب.
стр. 524
وقراءة الناس: "بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ"، و"بَلِ ادَّارَكَ١"، فذلك ثمانية أوجه:
قال أبو الفتح: "أما بَلَ ادْرَكَ" فعلى تخفيف الهمزة بحذفها، وإلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها، كقولك: في ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ٢: "قَدَ افْلَحَ".
وأما "بَلَ ادَّرَكَ"، بفتح اللام فكان قياسه: بَلِ ادَّرَكَ؛ بكسر اللام لسكونها وسكون الدال بعدها، إلا أنه فتحت اللام لأن في ذلك إزالة لالتقاء الساكنين، وعدولا إلى الفتحة لخفتها، كما رُوِّينا عن قطرب: أن منهم من يقول: "قُمَ الليل"٣، وبِيعَ الثوب.
وأما "بَلْ آدْرَكَ" فإن "بل" استئناف، وما بعدها استفهام، كما تقول: أزيد عندك؟ بل أجعفر عندك؟ تركا للأول إلى غيره، لا تراجعا عنه، لكن للانتحاء من بعده على غيره.
وأما "بَلَى" فكأنه جواب، وذلك أنه لما قال: "قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ" فكأن قائلا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: "بلى"، ثم استؤنف فقيل: "آدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ".
وأما "بَلِ ادَّرَكَ" فلا سوال مع كسر اللام؛ لسكونها، وسكون الدال بعدها.
وأما "بَلْ تَدَارَكَ" فإنه أصل قراءة من قرأ: "ادَّارَكَ"؛ وذلك أنه في الأصل تدارك، ثم آثر إدغام التاء في الدال؛ لأنها أختها في المخرج، فقلبها إلى لفظها، وأسكنها، وأدغمها فيها. واحتاج إلى ألف الوصل؛ لسكون الدال بعدها، ومثله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ ٤. ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ٥.
ومن ذلك قراءة الأعرج: "رَدَفَ لَكُمْ"٦، بفتح الدال.
قال أبو الفتح: من قال "رَدِف" فهو في وزن تبع، ومن قال: "ردف" فهو بمنزلة تلا، وشفع. والكسر أفصح، وهو أكثر اللغة.
стр. 525
ومن ذلك قراءة ابن السميفع وابن محيصن: "تَكُنُّ صُدُورُهُمْ١" بفتح التاء. وضم الكاف.
قال أبو الفتح: المألوف في هذا: أَكْنَنْتُ الشيءَ: إذا أخفيتَه في نفسك. وكَنَنْتُه: إذا سترته بشيء، فأكننت كأضمرت، وكَنَنْتُ كسترت٢. فأما هذه القراءة: "تَكُنُّ صُدُورُهُمْ
" [١٢٠ظ] فعلى أنه أجرى الضمير٣ لها مجرى الجسم الساتر لها مبالغة؛ وذلك لأن الجسم أقوى من العَرَض، وهذا نحو من قوله:
وحَاجَةٌ دونَ أُخْرَى قَدْ عَرَضْتُ لها ... جَعَلْتُها لِلَّتِي أَخْفَيْتُ عُنْوَانا٤
فأجرى ما يخفيه الضمير ويبرزه البوح به مجرى ما يدرك باللمس؛ تنويها به، ومُبَادَاة للحس بإدراكه, وقد مر به بعض المولدين، فقال:
حُبِّي لَهُ جِسْمٌ وَحُبْـ ... ـبُّ الناسِ كُلِّهِمُ عَرَضْ
وعليه قول الآخر:
تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُوادِي ... فَبَادِيِهِ مَعَ الخافِي يَسِيرُ٥
ألا تراه كيف وصفه بما توصف به الجواهر من السروب والتغلغل؟ ومرَّ به الطائي الكبير٦، إلا أنه عكسه فقال:
مَوَدَّةٌ ذَهَبٌ أثمارُها شَبهُ ... وَهِمّةٌ جَوْهَرٌ مَعْرُوفُها عَرَضُ
والباب واسع، والطريف مُسْهَب, إلا أنّ هذا سًمْته.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وأبي زرعة. "تَكْلِمُهُمْ"٧
стр. 526
قال أبو الفتح: "تَكْلِمُهُمْ": تجرحهم بأكلها إياهم، وهذا شاهد لمن ذهب في قوله "تُكَلِّمُهُمْ" إلى أنه بمعنى تجرحهم بأكلها إياهم. ألا ترى أن "تَكْلِمُهُمْ" لا يكون من الكَلْم وهو الجرح. وهذه المادة مما وضعته العرب عبارة عن الشدة هي وتقاليبها الستة: ك ل م، ك م ل، م ل ك، ل ك م، م ك ل، ل م ك. وقد ذكرناها في كتابنا الخصائص١ أول باب منه، وهو باب القول على فرق بين الكلام والقول.
ويشهد لمن قال في قوله: "تُكَلِّمُهُمْ" إلى أنه من الكلام قراءة أبي: "تُنَبِّئُهُم"، ويشهد لهذا التأويل أيضا قراءة ابن مسعود: "تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُون". وإن شئت كان هذا شاهدا لمن ذهب إلى أن "تُكَلِّمُهُمْ": تجرحهم، أي: تفعل بهم ذلك بكفرهم، وزوال يقينهم.
ومن ذلك قراءة قتادة: "وَكُلٌّ أَتَاهُ دَاخِرِين"٢.
قال أبو الفتح: حمل "أتاه" على لفظ "كل"؛ إذ كان مفردا، و"داخرين" على معناها. ولو قلب ذلك لم يحسن، لو قال: وكل أتوه داخرا قبح وضعف؛ وذلك أنك لما قلت: وكل فقد جئت بلفظ مفرد، فإذا قلت: أتوه فقد حملت على المعنى وانصرفت عن اللفظ، ثم إذا قلت: من بعد داخرا فأفردت فقد تراجعت إلى ما انصرفت عنه، فكان ذلك قلقا في الصنعة وانتكاثا عن المحجة المصير إليها المعتزمة.
وعلى ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٣. فلو قال: من بعد: حتى إذا خرج من عندك لم يحسن؛ وذلك لأنه قد ترك لفظ. "من" إلى معناه بقوله: "يستمعون". فلو عاد إليه بعدَ انصرافه عنه فقال: خرج عاد إلى ما كان قد رغب عنه. واعتزم غيره عوضا منه. وكذلك قول الفرزدق:
تَعَشَّ فإنْ عاهدْتَنِي لا تخونُنِي ... نَكُنْ مِثْل مَن يا ذِيبُ يَصْطَحِبان٤
стр. 527
فلو١ قال بعدَ يصطحبان: فلا تُنكر صحبته، أو فلا تذم عشرته؛ عودا إلى لفظ "مَن" وإفراده لكان فيه ما ذكرنا من كراهيته. واعلم أن مقاد الاستعمال في "كُلٌّ" أنها إذا كانت [١٢١و] مفردة أخبر عنها بالجميع، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢، و ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٣، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ٤ في قراءة الكافة. فإن كانت مضافة إلى الجماعة أتى الخبر عنها مفردا كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٥، وذلك أن أحد عَلَمَي الجمع كاف عندهم من صاحبه، وابنِ٦ على ذلك.
стр. 528
سورة القصص:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرأ عمرو بن عبد الواحد: "أَنِ ارْضِعِيهِ"١، بكسر النون، ولا همز بعدها.
قال أبو الفتح: هذا على حذف الهمزة اعتباطا لا تخفيفا، كما قرأ ابن محيصن "فَجَاءَتْهُ احْدَاهُمَا"٢، بحذف همزة إحداهما: ألبتة. فلما حذف الهمزة على ما ذكرنا كسر النون من "أن" لسكونها وسكون الراء من بعدها، كما قال الله سبحانه: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ ٣. ولو كان على التخفيف القياسي لقال: أنَ ارْضِعِيه، بفتح النون بحركة الهمزة من "ارضيعه" ومثله مما حذف منه الهمزة اعتباطا هكذا لا تخفيفا قياسيا ما أنشده أبو الحسن:
تَضِبُّ لِثاتُ الخيْلِ في حَجَرَاتِها ... وتسمْعُ مِنْ تحتِ العَجَاجِ لَها ازْمَلَا٤
يريد: لها أَزْمَلا.
ومن ذلك قراءة فضالة بن عبد الله٥ والحسن وأبي الهذيل٦ وابن قطيب٧: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزعًا"٨.
стр. 529
وقرأ: "قَرِعًا"، بالقاف والراء - ابن عباس.
وحكى قطرب عن بعض أصحاب النبي " ﷺ ": "فِرْغًا".
وحكى فيها أيضا: "مؤسى"، بالهمز.
قال أبو الفتح: أما "فَزِعًا" بالفاء والزاي فمعناه قَلِقًا، يكاد يخرج من غلافه فينكشف ومنه قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ١، أي: كُشِف عنها.
وأما "قَرِعًا"، بالقاف والراء فراجع إلى معنى فارغا، وذلك أن الرأس الأقرع هو الخالي من الشغر، وإذا خلا من الشيء فقد انكشف منه وعنه.
وأما "فِرْغًا" فكقولك: هدَرا٢ وباطلا، يؤكد ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ ٣. قال:
فَإنْ تَكُ أذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَةٌ ... فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبالِ٤
ومعنى فارغا، أي: خاليا من الحزن؛ لعلمها أنه لا يغرق، وقال ابن عباس: فارغا أي: خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى.
وأما همز "موسى" ففيه صنعة تصريفية؛ ذلك أن الساكن إذا جاور المتحرك فكثيرا ما تقدر العرب أن تلك الحركة كأنها في الساكن، فكأن٥ ضمة "موسى" في الواو. والواو
стр. 530
إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز، كأُعِدّ وأُجُوه. وكذلك أيضا١ قولهم في المرأة والكَمْأة: المرأة والكَمَاة، فقلبوا الهمزة ألفا؛ لأنهم قدروا فتحة الهمزة في الراء والميم قبلها، فصار كأنه المرأة والكَمَأة، فقيل فيه: مرَاة وكَمَاة، كما يقال في تخفيف رأس وكأس: رَاسٌ وكَاسٌ ومنه أيضا قول بعضهم في الوقف: هذا بكُرْ ومررت بِبَكِرْ، فنقلوا الضمة والكسرة إلى الساكن قبل الراء، وهو الكاف. فكأن الراء محركة بحركة الكاف [١٢١ظ] لأنها تجاورها ففي ذلك شيئان:
أحدهما: الشح على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقف.
والآخر: الاستراحة من اجتماع٢ ساكنين، وهذا ونحوه -مما تركناه تحاميا للإطالة به- يدلك على أن حركة الحرف تحدث معه وأن الحركة إذا جاورت الساكن صارت كأنها فيه، فعليه جاء همز مُؤسَى. أنشدنا شيخنا أبو علي:
لَحَبَّ المُؤْقِدانِ إلى مُؤْسَى٣
ومن ذلك قراءة النعمان بن سالم٤: "عَنْ جانب"٥.
وقرأ: "عَنْ جنْب"٦ الأعرج وقتادة والحسن.
قال أبو الفتح: المعنى فيهما جميعا فَبَصُرَت به مُزْوَرَّة مُخاَيِلَة، فالياءُ والفاءُ يلتقيان في هذا المعنى٦، لاجتماعهما في كونهما من الشفة. فمن ذلك قولهم: تَجَانَفَ عن الشيء أي: مال عنه، وفيه جَنَفٌ، أي: ميل. ومنه قوله: