← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8660

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط المجلس الأعلى

ابن جني

Полный текст (817 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

سورة الذاريات: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قراءة الحسن: "الْحُبُك١"، مضمومة الحاء، ساكنة الباء. وروي عنه: "الْحُبُك"، بكسر الحاء، ووقف الباء. وكذلك قرأ أبو مالك الغفاري٢: وروي عنه: "الْحُبُك"، بكسر الحاء، وضم الباء. وروي عنه: "الْحُبُك". وروي عنه: "الْحُبُك". الوجه السادس قراءة الناس٣. وروى عن عكرمة وجه سابع، وهو: "الْحُبُك" [١٥١ظ] . قال أبو الفتح: جميعه هو طرائق الغيم، وأثر حسن الصنعة فيه، وهو الحبيك في البيض. قال: الضاربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا٤ ويقال: حببكة الرمل، وحبائك. فهذا كسفينة، وسفن، وسفائن. وكذلك أيضا حبك الماء لطرائقه.

стр. 667

قال زهير: مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك١ فأما "الحبك" فمخفف من "الحبك"، وهي لغة بني تميم، كرسل وعمد، في رسل وعمد. وأما "الحبك" ففعل، وذلك قليل، منه: إبل، وإطل٢، وامرأة بلز٣، وبأسنانه حبر٤. وأما "الحبك" فمخفف منه، كإبل، وإطل. وأما "الحبك" بكسر الحاء، وضم الباء فأحسبه سهوا. وذلك أنه ليس في كلامهم فعل أصلا، بكسر الفاء، وضم العين. وهو المثال الثاني عشر من تركيب الثلاثي، فإنه ليس ف اسم ولا فعل أصلا والبتة. أو لعل الذي قرأ به تداخلت عليه القراءتان: بالكسر، والضم. فكأنه كسر الحاء يريد "الحبك"، وأدركه ضم الباء على صورة "الحبك" وقد يعرض هذا التداخل في اللفظة الواحدة، قال بلال بن جرير: إذا جئتهم أو سآيلتهم ... وجدت بهم علة حاضرة٥ أراد: أو سألتهم، أو ساءلتهم، أو لغة من قال: سايلتهم، فأبدلت، فتداخلت الثلاث عليه فخلط، فقال: سآيلتهم، فوزنها إذا فعاعلتهم؛ لأن الياء في سايلتهم بدل من الهمزة في ساءلتهم. فجمع بين اللغتين في موضعين على تلفته إلى اللغتين. كذلك أيضا نظر في "الحبك" إلى "الحبك"، و"الحبك"، فجمع بين أول اللفظة على هذه القراءة، وبين آخرها على القراءة الأخرى٦.

стр. 668

فإما "الحبك" فكأن واحدتها حبكة، كطرقة١ وطرق، وعقبة وعقب. وأما "الحبك" فعلى حبكة، كطرقة وطرق، وبرقة٢ وبرق. ولا يجوز أن يكون "حبك" معدولا إليها عن "حبك" تخفيفا، إنما ذلك شيء يستسهل في المضاعف خاصة، كقولهم في جدد: جدد، وفي سرر: سرر، وفي قلل: قلل. ومن ذلك قراءة السلمي: "أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ٣". قال أبو الفتح: هذه لغة في "أيان"، وينبغي أن يكون "أيان" م لفظ أي، لا من لفظ أين؛ لأمرين: أحدهما أن أين مكان، و"أيان" زمان. والآخر أن يكون قلة فعال في الأسماء مع كثرة فعلان. فلو سميت رجلا بأيان لم تصرفه كحمدان، ولسنا ندعى أن أين مما يحسن اشتقاقها والاشتقاق منها؛ لأنها مبنية كالحرف، إلا أنها مع هذا الاسم، وهي أخت أنى، وقد جاءت فيها الإمالة التي لاحظ للإمالة فيها، وإنما الإمالة للأفعال والأسماء؛ إذ كانت ضربا من التصرف. والحروف لا تصرف فيها. ومعنى أي: أنها بعض من كل، فهي تصلح للأزمنة صلاحها لغيرها؛ إذ كان البعض شاملا لذلك كله. قال أمية: والناس راث عليهم أمر يومهم ... فكلهم قائل: أيان أيانا٤ فإن سميت٥ بأيان سقط الكلام في حسن تصريفها، للحاقها -بالتسمية بها- ببقية الأسماء المنصرفة.

стр. 669

ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ١". قال أبو الفتح: يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون وصفا [١٥٢و] للقوة، فذكره على معنى الحبل، ويريد: قوى الحبل؛ لقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا ٢﴾ . والآخر أن يكون أراد الرفع وصفا للرزاق، إلا أنه جاء على لفظ القوة لجوارها إياه، على قولهم: هذا حجر ضب خرب، وعلى هذا في النكرة -على ما فيه- أسهل منه في المعرفة؛ وذلك أن النكرة أشد حاجة إلى الصفة. فبقدر قوة حاجتها إليها تتشبث بالأقرب إليها. فيجوز هذا حجر ضب خرب؛ لقوة حاجة النكرة إلى الصفة. فأما المعرفة فتقل حاجتها إلى الصفة، فبقدر ذلك لا يسوغ التشبث بما يقرب منها لاستغنائها في غالب الأمر عنها. ألا ترى أنه قد كان يجب ألا توصف المعرف، لكنه لما كثرت المعرفة تداخلت فيما بعد، فجاز وصفها، وليس كذلك النكرة لأنها في أول وضعها محتاجة -لإبهاامها- إلى وصفها. فإن قلت: إن القوة مؤنثة، والمتين مذكر. فكيف جاز أن تجريها عليها على الخلاف بينهما؟ أو لا ترى أن من قال: هذا حجر ضب خرب لا يقول: هذان حجرا ضب خربين لمخالفة الاثنين الواحد؟ قيل: قد تقدم أن القوة هنا إنما المفهوم منها الحبل، على ما تقدم فكأنه قال: إن الله هو الرزاق ذو الحبل المتين، وهذا واضح. وأيضا فإن المتين فعيل، وقد كثر مجيء فعيل مذكرا وصفا للمؤنث، كقولهم: حلة خصيف٣، وملحفة جديد، وناقة حسير وسديس٤، وريح خريق٥.

стр. 670

سورة الطور: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ عبد الله وإبراهيم: "وَزَوَّجْنَاهُمْ بِعيس عِينٍ١". قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر العيس٢، وأن المرأة العيساء: البيضاء. ومثله جمل أعيس، وناقة عيساء. قال في وصف امرأة: كأنها البكرة العيساء ومن ذلك قراءة الأعرج: "وَمَا أَلَتْنَاهُم"، على أفعلناهم٣. قال أبو الفتح: وفيما روينا عن قطرب، قال: قراءة عبد الله وأبي: و"مالتناهم". وكان ابن عباس يقول: "ألتناهم": نقصناهم. يقال: ألته يألته ألتا، وآلته يؤلته إيلاتا، ولاته يليته ليتا. كلهن بمعنى واحد. أي: نقصه، ويقال أيضا: ولته يلته ولتا، بمعناه. قال الحطيئة: أبلغ لديك بني سعد مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا٤ وقالوا: ولته يلته: إذا صرفه عن الشيء يريده، وقالوا: ألته يألته باليمين: إذا غلظ عليه بها، وآلته يؤلته بها: إذا قلده إياها، وقال رؤبة: وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت٥

стр. 671

أي: لم يثني عنها ثان١. ومن ذلك قراءة الناس: "أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ٢". وقرأ مجاهد: "بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون"، في الطور٣. قال أبو الفتح: هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه: إن أم المنقطعة بمعنى بل، للترك والتحول، إلا أن مات بعد بل متيقن، وما بعد أم مشكوك فيه، مسئول عنه. وذلك كقول علقمة بن عبدة. هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم٤؟ كأنه قال: بل أحبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟ ويؤكده يوله بعده [١٥٢ظ] : أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم٥ ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام، وهو "هل" في قوله: أم هل كبير بكى حتى كأنه قال: بل هو كبير؟ ترك الكلام الأول، وأخذ في استفهام مستأنف. وقد توالت "أم" هذه في هذا الموضع من هذه السورة، قال "تعالى": ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ٦﴾ ، أي: بل أيقولون ذلك؟، "أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ٧"، أي: بل أهم قوم طاغون. أخرجه مخرج الاستفهام، وإن كانوا عنده "تعالى" قوما طاغين؛ تلعبا بهم، وتهكما عليهم. وهذا كقول الرجل لصاحبه الذي لا يشك في جهله:

стр. 672

أجاهل أنت؟ توبيخا له، وتقبيحا عليه. ومعناه: إني قد نبهتك على حالك، فانتبه لها، واحتط لنفسك منها. قال صخر الغي: أرائح أنت يوم اثنين أم غادي ... ولم تسلم على ريحانه الوادي١ ليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به. ولكنه يقبح هذا الرأي٢ لها، وينعاه عليها هكذا مقتاد كلام العرب، فاعرفه وأنس به. ومن ذلك قراءة الجحدري: "بِحَدِيثٍ مِثْلِه٣". قال أبو الفتح: الهاء في "مثله" في هذه القراءة ضمير النبي " ﷺ ". ألا ترى أن قلبه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ؟ أي: فليأتوا بحديث مثل النبي، ﷺ . وأما الهاء في قراءة الجماعة: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ٤﴾ فللقرآن، أي: مثل القرآن. ومن ذلك قراءة سالم أبي الجعد: "وَإِدْبَارَ النُّجُوم٥". قال أبو الفتح: هذا كقولك: في أعقاب النجوم، قيل له: دبر، كما قيل له: عقب قال: فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرب٦

стр. 673

سورة النجم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ: "جَنَّةُ الْمَأْوَى١"، بالهاء - على "﵇" وابن الزبير -بخلاف- وأبو هريرة وأنس -بخلاف- وأبو الدرداء وزر بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب. قال أبو الفتح: يقال: جن عليه الليل، وأجنه الليل، وقالوا أيضا: جنه، بغير همز، ولا حرف جر. وروينا عن قطرب، قال: سأل ابن عباس أبا العالية: كيف تقرءونها يا أبا العالية؟ فقال: "عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى"، فقال: صدقت، هي مثل الأخرى: "جَنَّاتُ الْمَأْوَى" فقالت عائشة -رحمة الله عليها-: من قرأ: "جَنَّةُ الْمَأْوَى" يريد جن عليه، فأجنه الله. قال قطرب أيضا: وقد حكى عن علي ﵇ أنه قرأ "جنة"، يعني فعله. قال أبو حاتم: روى عن ابن عباس وعائشة وابن الزبير قالوا٣: من قرأها٤: "جَنَّةُ الْمَأْوَى" فأجنه الله، قال: وقال سعد بن مالك: وقيل إن فلانا يقرأ: "جَنَّةُ الْمَأْوَى"، فقال ماله أجنه الله؟ وروى أيضا أبو حاتم عن عبد الله بن قيس قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقرؤها: "جَنَّةُ الْمَأْوَى"، بالهاء البينة، قال: يعني فعله المأوى، والمأوى هو الفاعل، فقد ترى إلى اختلاف هذا الحديث. والذي عليه اللغة أن جنه الليل: أدركه الليل، وجن عليه الليل، وأجنه: ألبسه سواده. جن عليه الليل جنونا وجنانا، وأجنه أجنانا. قال: ولولا جنون الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والأرطي عياض بن ناشب٥

стр. 674

والمعنى الجامع لتصريف ج ن ن أين وقعت إنما هو الاستخفاء والستر. ومنه الجن، والجنة. والجان، [١٥٣و] والجنان لا ستتار الجن، ومنه المجن -للترس- لسرته، ومنه الجنين لاستتاره في الرحمن ومنه الجنة؛ لأنها لا تكون جنة حتى يكون فيها شجر، وذلك ستر لها، والجنان: روح القلب لاستتار ذلك، والجنن: القبر، وعليه بقية الباب. ومن ذلك قراءة ابن عباس ومنصور بن المعتمر١ وطلحة: "اللَّات٢". قال أبو الفتح: روينا عن قطرب: كان رجل بسوق العكاظ٣ يلت السويق والسمن عند صخرة، فإذا باع السويق والسمن صب على الصخرة، ثم يلت. فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة، إعظاما لذلك الرجل صاحب السويق. قال أبو حاتم: كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سمن، فعبدوا ذلك الرجل. وحكى أبو الحسن فيها "أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ"، بكسر التاء. وذهب إلى أنها بدل من لام الفعل٤، بمنزلة التاء في كبت٥ وذيت، وأن الألف قبلها عين الفعل، بمنزلة ألف شاة وذات مال. ومن ذلك قراءة النبي " ﷺ ": "الَّذِي وَفَّى٦"، خفيفة. واختلف عنه، وهو قراءة أبي أمامة وسعيد بن جبير وابن السميفع وأبي مالك.

стр. 675

قال أبو الفتح: هذا على تسمية المسبب باسم سببه. ألا ترى أن معناه الذي وعد ذلك، فوفي بحاضره وسيفي بغائبه يوم القيامة؟ وذلك منهم لصدق الوعد، أي: إذا قال فقد فعل، أو قد وقع ما يقوله. وهذا كقولهم: وعد الكريم نقد، ونقد اللئيم وعد. وأخذه بعض المولدين فقال في صفة باز أو شاهين: مبارك إذا رأى فقد رزق وما أسمعه! وأصله لامرئ القيس في وصف الفرس: إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب١ ومن ذلك قراءة طلحة: "ليس لها مما يدعون من دون الله كاشفة وهي على الظالمين ساءت الغاشية٢". قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن المراد بقراءة الجماعة: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ - حذف مضاف بعد مضاف. ألا ترى أن تقدير: ليس لها من جزاء عبادة معبود دون الله كاشفة؟ فالعبادة على هذا مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ ٣﴾ ، و ﴿لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ٤﴾ ، ثم حذف المضاف الأول، فصار تقديره: ليس لها من عبادة معبود دون الله كاشفة، ثم حذف المضاف الثاني الذي هو "عبادة"، فصار تقديره: ليس لها من معبود دون الله كاشفة، ثم حذف المضاف الثالث، فصار إلى قوله: ليس لها من دون الله كاشفة. وهذا على تقديرك "دون الله" اسما هنا، لا ظرفا، لأن الإضافة إليه تسلبه معنى الظرفية التي فيه، كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار٥

стр. 676

وتلك عادة سيبويه إذا أراد تجريد الظرف من معنى الظرفية، فإنه يمثله بالإضافة إليه، وذلك مما ينافي تقدير حرف الجر معه؛ لأن حرف الجر يسقط، فلا يعترض بين المضاف والمضاف إليه. ولا تستنكر كثرة المضافات المحذوفة هناك، فإن المعنى إذا دل على شيء وقبله القياس أمضى على ذلك ولم يستوحش منه [١٥٣ظ] ألا ترى إلى قول الله "سبحانه": ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ١﴾ ؟ ألا تراه أن معناه: من تراب أرض أثروطء حافر فرس الرسول، أي من تراب الأرض الحاملة لأثر وطء فرس الرسول. المعنى على هذا؛ لأنه في تصحيحه من تقريه لاستيفاء٢ معانيه، وإذا دل الدليل كان التعجب من حيلة العاجز الذليل. وقوله: "وهي عَلَى الظَّالِمِين ساءت الغاشية" - هذا جار مجرى قولهم: زيد بئس الرجل؛ لأن ساء بمعنى بئس، و"الغاشية" هنا جنس، والعائئد منها إلى "هي" ضمير يتجرد ويماز من معنى الجماعة، كقولهم: زيد قام بنو محمد، إذا كان محمد أباهم، فكأنه قال: زيد قام في جملة القوم، كما أن قولك: زيد نعم الرجل العائد عليه في المعنى ذكر يخصه من جماعة الرجال.

стр. 677

سورة القمر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ حذيفة: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ١". قال أبو الفتح: هذا يجري مجرى الموافقة على إسقاط العذر ورفع التشاك، أي: قد كان انشقاق القمر متوقعا دلالة على قرب الساعة، فإذا كان قد انشق -وانشقاقه من أشراطها، وأحد أدلة قربها - فقد توكد الأمر في قرب وقوعها. وذلك أن "قد" إنما هي جواب وقوع أمر كان متوقعا، يقول القائل: انظر أقام زيد؟ وهل قام زيد؟ وأرجو ألا يتأخر زيد. فيقول المجيب: قد قام، أي: قد وقع ما كان متوقعا. ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِر٢". قال أبو الفتح: رفعه٣ عندي عطف على الساعة، أي: اقتربت الساعة وكل أمر٤ أي: قد اقترب استقرار الأمور في يوم القيامة، من حصول أهل الجنة في الجنة، وحصول أهل النار في النار. هذا وجه رفعه. والله أعلم.

стр. 678

من ذلك قراءة مجاهد والجحدري وأبي قلابة: "إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ١". قال أبو الفتح: يقال: أنكرت الشيء فهو منكر، ونكرته فهو منكور. وجمع الأعشى بين اللغتين، فقال: وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا٢ وكذلك هذه القراءة: "إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ"، إلى شيء يجهل. ومثله مررت بصبي ضرب، ونظرت إلى امرأة أكرمت، وصف بالفعل الماضي. ومن ذلك قراءة يزيد بن رومان٣ وقتادة: "لِمَنْ كَانَ كُفِر٤". قال أبو الفتح: أي: جزاء الكافرين بنوح ﵇. وأما قراءة الجماعة: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ فتأويله: جزاء لهم بكفرهم بنوح، "﵇"، فاللام الأولى التي هي مفعول بها محذوفة، واللام الثانية الظاهرة في قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ لام المفعول له. وهناك مضاف محذوف، أي: جزاء لهم؛ لكفر من كفر، أي: لكفرهم بمن كفروا به. ومن ذلك قراءة أبي السمال: "أبشر منا" - بالرفع - "وَاحِدًا نَتَّبِعُه٥"، بالنصب. قال أبو الفتح: "بشر" عندي مرفوع بفعل يدل عليه قوله: "أولقى عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا"، فكأنه قال: أينبأ، أو يبعث بشر منا؟ فأما انتصاب "واحدا" فإن شئت جعلته حالا من الضمير [١٥٤و] في "منا٦" أي: أينبأ بشركائن منا؟ والناصب لهذه الحال الظرف، كقولك: زيد في الدار جالسا.

стр. 679

وإن شئت جعلته حالا من الضمير في قوله: "نتبعه" أي: نتبعه واحد منفردا ولا ناصر له. ويؤكده قوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ١﴾ . ونظائره في القرآن كثيرة، نحو قوله "تعالى" ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ٢﴾ ؟ وقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا ٣﴾ ؟ ونحو ذلك. ومن ذلك قراءة أبي قلابة: "الْكَذَّابُ الْأَشِرُ٤". مجاهد: "الأشر"، بضم الشين خفيفة. قال أبو الفتح: "الأشر" بتشديد الراء هو الأصل المرفوض، لأن أصل قولهم: هذا خبر منه وهذا شر منه -هذا أخير منه، وأشر منه. فكثر استعمال هاتين الكلمتين، فحذف الهمزة منهما. ويدل على ذلك قولهم: الخورى والشرى، تأنيث الأخير والأشر. وقال رؤبة: بلاد خير الناس وابن الأخير٥ فعلى هذا جاءت هذه القراءة. وأما "الأشر" بضم الشين، وتخفيف الراء فعلى أنه من الأوصاف التي اعتقب عليها المثالان اللذان هما فعل وفعل فأشر وأشر، كحذر وحذر، ويقظ "ويقظ"، ورجل حدث وحدث: حسن الحديث، ووظيف عجر وعجر، أي: صلب. والضم أقوى معنى من الكسر؛ لأنه أبعد عن مثال الفعل، فأشر -من آشر- كضروب من ضارب. ومطعان من طاعن، والاسم البطر٦. ومن ذلك قراءة الحسن: "كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ٧"، بفتح الظاء.

стр. 680

قال أبو الفتح: المحتظر هنا مصدر، أي: كهشيم الاحتظار، كقولك: كآجر البناء وخشب النجارة. والاحتظار: أن يجعل حظيرة. وإن شئت جعلت "المحتظر" هنا هو الشجر، أي: كهشير الشجر المتخذة منها الحظيرة، أي: كما يتهافت من الشجر المجعولة حظيرة والهشيم: ما تهثم منه، وانتشر. ومن ذلك قراءة أبي السمال: "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ١"، بالرفع. قال أبو الفتح: الرفع هنا أقوى من النصب، وإن كانت الجماعة على النصب؛ وذلك أنه من مواضع الابتداء، فهو كقولك: زيد ضربته، وهو مذهب صاحب الكتاب٢ والجماعة. وذلك لأنها جملة٣ وقعت في الأصل خبرا عن مبتدأ في قولك: نحن كل شيء حلقناه بقدر، فهو كقولك: هند زيد ضربها، ثم تدخل إن، فتنصب الاسم، وبقي الخبر على تركيبه الذي كان عليه من كونه جملة من مبتدأ وخبر. واختار محمد بن يزيد هنا النصب، وقال: لأن تقديره إنا فعلنا كذا، وقال: فالفعل منتظر بعد إنا، فلما دل ما قبله عليه حسن إضمار. وليس هذا شيئا؛ لأن أصل خبر المبتدأ أن يكون اسما لا فعلا، جزءا منفردا. فما معنى توقع الفعل هنا، وخبر إن وأخواتها كأخبار المبتدأ؟ وعليه قول الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ٤﴾ ، فهذه الجملة التي هي وجوههم مسودة في موضع المفعول الثاني لرأيت، وهو في الأصل خبر المبتدأ. وقد ذكرنا هذا في غير موضع من كتبنا والعليق عنا. ومن ذلك قراءة زهير الفرقبي: "فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ٥". قال [١٥٤ظ] أبو الفتح: هذا جمع نهر، كما جاء عنهم من تكسير فعل على فعل، كأسد وأسد، ووثن ووثن.

стр. 681

وحكى سيبويه قراءة: "إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أثنا١"، جمع وثن. وذهب محمد بن السري في قولهم: أسد وأسد إلى أنه مقصور من فعول، يريد أسودا، فحذفت الواو، فبقى أسد، ثم أسكنت السين تخفيفا، كقولهم في طنب٢: طنب. وهذه القراءة التي هي "نهر" تشهد لقوله: إن أصله أسود، ثم حذفت الواو، فبقى أسد. فإن قلت: فقد جاء أسود، ولم يأت نهور جمع نهر. قيل: وإن لم يأت لفظا فهو مقدر تصورا، كأشياء تثبت تقديرا، فتعامل معاملة المستعمل. فإن شئت قلت في "نهر": إنه جمع نهر الساكن العين، فيكون كسقف وسقف، ورهن ورهن، وثط٣ وثط، وسهم حشر٤ وسهام حشر وفرس ورد٥ فصارت نهر، ثم ثقل إتباعا، فصارت إلى "نهر". وأنس بذلك أن ما قبل الراء في أواخر هذه الآي، وهي "سقر"، و"قدر"، و"نكر"، و"مدكر"، و"زبر"، و"مستطر"، و"مقتدر" محرك، فكأنه الرغبة في استواء هذه الفواصل هو الذي زاد في الأنس بتثقيل "النهر" على هذا التأويل الذي في " نهر"، كما يختار ترك همز "الشان"٦ في سورة الرحمن؛ لتوافق رءوس الآي فيها: "تكذبان"، ونحوها، وإليه ذهب الفراء.

стр. 682

سورة الرحمن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ أبو السمال: "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا١"، رفع. قال أبو الفتح: الرفع هنا أظهر قراءة الجماعة؛ وذلك أنه صرف إلى الابتداء؛ لأنه عطفه على الجملة الكبيرة التي هي قوله "تعالى": ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٢﴾ ، فكما أن هذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، فكذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ جملة من مبتدأ وخبر، معطوفة على قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ . وأما قراءة العامة بالنصب: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ فإنها معطوفة على "يسجدان" وحدها، وهي جملة من فعل وفاعل، والعطف يقتضي التماثل في تركيب الجمل، فيصير تقديره: يسجدان، ورفع السماء. فلما أضمر "رفع" فسره بقوله: "رفعها"، كقولك: قام زيد، وعمرا ضربته، أي: وضربت عمرا؛ لتعطف جملة من فعل وفاعل على أخرى مثلها. وفي نصب "السماء" على قراءة العامة رد على أبي الحسن في امتناعه أن يقول: زيد ضربته وعمر كلمته، على أن يكون تقديره: وكلمت عمرا، عطفا على ضربته، قال: لأن قولك: "ضربته" جملة ذات موضع من الإعراب؛ لكونها خبر مبتدأ، وقولك: وكلمت عمرا لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست خبرا عن زيد؛ لخلوها من ضميره، قال: فلا يعطف جملة غير ذات موضع على جملة ذات موضع؛ إذ العطف نظير التثنية، فينبغي أن يتناسب المعطوف والمعطوف عليه. وهذا ساقط عند٣ سيبويه؛ وذلك أن ذلك الموضع من الإعراب لما لم يخرج إلى اللفظ سقط حكمه، وجرت الجملة ذات الموضع كغيرها من الجملة غير ذات الموضع، كما أن الضمير

стр. 683

في اسم الفاعل لما لم يظهر إلى اللفظ جرى مجرى [١٥٥و] ما لا ضمير فيه، فقيل: في تثنيته: قائمان، كما قيل: فرسان ورجلان، بل إذا كان اسم الفاعل قد يظهر ضميره إذا جرى على غير من هو له، ثم أجرى مع ذلك مجرى ما لا ضمير فيه لما لم يظهر في بعض المواضع -كان ما لا يظهر فيه الإعراب أصلا أحرى بأن يسقط الاعتداد به، والكلام هنا فيه طول، وهذا كتاب شرطنا فيه اختصاره؛ ليقرب على القرأة فهمه، فمنع ذلك من تقصيه وإغراق مدى القول فيه. ومن ذلك قراءة بلال بن أبي بردة١: "وَلا تُخْسِرُوا٢"، بفتح التاء والسين. وقرأ بلال أيضا: "وَلا تُخْسِرُوا"، من خسر يخسر، بخلاف. قال أبو الفتح: أما تخسروا -بفتح التاء والسين- فينبغي أن يكون على حذف حرف الجر، أي: تخسروا في الميزان، فلما حذف الجر أفضى إليه الفعل قبله، فنصبه؛ كقوله "تعالى": ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ٣﴾ ، أي: في كل مرصد، وعلى كل مرصد، وكقوله: بأسرع الشد مني يوم لانية ... لما لقيتهم واهتزت اللمم٤ أراد بأسرع في الشد، فحذف الحرف وأوصل "أسرع"، أو فعلا دل عليه أسرع هذه٥. وأما "تخسروا"، بفتح التاء، وكسر السين فعلى خسرت الميزان، وإنما المشهور أخسرته. خسر الميزان، أي: نقص، وأخسرته. ويشبه أن يكون لغة في أخسرته، كما يشترك فيه فعلت وأفعلت من المعنى الواحد، نحو أجبرت الرجل وجبرته، أهلكت الشيء هلكته.

стр. 684

ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "سَنَفْرُغُ١ لَكُمْ"، بكسر النون، وفتح الراء. وقرأ: "سَنَفْرُغُ لَكُمْ"، بفتح النون والراء - قتادة ويحيى بن عمارة الزارع والأعمش -بخلاف- وابن إدريس. وقرأ: "سَنَفْرُغُ لَكُمْ"، بنصب الياء والراء أبو عمرو والأعرج. أبو حاتم عن الأعمش: "سَنَفْرُغُ لَكُمْ". قال أبو الفتح: يقال: فرغ يفرغ كدفع يدفع، وفرغ يفرغ كذبغ يدبغ، وفرغ يفرغ كلثغ يلثغ. وأما "سَيفْرُغُ"، بالياء فالفاعل فيه اسم الله تعالى. و"سَيفْرُغُ" واضح. ومن ذلك قراءة ابن أبي بكرة: "ونَحُسٌ٢"، بفتح النون، وضم الحاء، وتشديد السين، رفع. قال أبو الفتح: "نَحُسٌ"، أي: نقتل بالعذاب. يقال: حس القوم يحسهم حسا: إذا استأصلهم. قال الله "تعالى": ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم ٣﴾ ، أي: تقتلونهم قتلا ذريعا. ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "مِنْ إِسْتَبْرَق٤"، بالوصل. قال أبو الفتح: هذه صورة الفعل البتة، بمنزلة استخرج، وكأنه سمى بالفعل وفيه ضمير الفاعل، فحكى كأنه جملة، وهذا باب إنما طريقه في الأعلام، كتأبظ شرا، وذري حبا، وشاب قرناها. وليس الإستبراق علما يسمى بالجملة، وإنما هو قولك: بزيون٥. وعلى أنه إنما استبرق: إذا بلغ فدعا البصر إلى البرق وقال: تستبرق الأفق الأقصى إذا ابتسمت ... لاح السيوف سوى أغمادها القضب٦

стр. 685

[هذا إن شئت قلت: معناه تستبرق أبصار أهل الأفق وإن شئت قلت: تبرقه، أي: تأتي بالبرق منه١] . وأما البزيون فبعيد عن هذا، اللهم إلا أن نقول: إنه لمائه٢ وصنعته تستبرق، أي: تبرق فيكون [١٥٥ظ] كفر واستقر. ولست أدفع أن تكون قراءة ابن محيصن بهذا، لأنه توهم فعلا، وإذ كان على وزنه، فتركه مفتوحا على حاله، كما توهم الآخر أن ملك الموت من معنى الملك حتى قال: فمالك موت بالقضاء دهاني فبني منه صورة فاعل من الملك، وهذا أسبق ما فيه إلي. ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: "وَلا جَأن٣"، بالهمز. قال أبو الفتح: قد تقدم القول على هذا. لما حرك الألف لالتقاء الساكنين همزها، كقراءة أيوب السختياني: "وَلا الضَّالِّين٤". ومن ذلك قراءة النبي " ﷺ " وعثمان ونصر بن علي والجحدري وأبي الجلد ومالك بن دينار وأبي طعمة وابن محيصن وزهير الفرقبي: "رَفْارَفٍ خُضْرٍ وَعَبْاقَرِيٍّ حِسَانٍ٥". وقرأ: "خُضُرا"، مثقلا - الأعرج. قال أبو الفتح: كذلك رويته عن قطرب: "عَبَاقِرِيّ"، بكسر القاف غير مصروف. ورويناه عن أبي حاتم: "عَبْاقَرِيٍّ"، بفتح القاف غير مصروف أيضا. قال أبو حاتم: ويشبه أن يكون عباقر بكسر القاف على ما يتكلم به العرب، قال: ولو قالوا: عباقري٦، فكسروا القاف، وصرفوا لكان أشبه بكلام العرب، كالنسب إلى مدائن

стр. 686

مدائني، قال: وقال سعيد بن جبير: رفارف: رياض الجنة١، قال: وعبقر: موضع قال امرؤ القيس: كأن صليل المرحين تشذه ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا٢ وقال زهير: بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا٣ وأما ترك صرف "عباقري" فشاذ في٤ القياس، ولا يستنكر شذوذه في القياس ما استمراره في الاستعمال، كما جاء عن الجماعة: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ ٥﴾ ، وهو شاذ في القياس ما استمراره في الاستعمال. نعم، إذا كان قد جاء عنهم عنكبوت وعناكيب، وتخربوت٦ وتخاربيت - كان عباقري أسهل منه؛ من حيث كان فيه حرف مشدد، يكاد يجري مجرى الحرف الواحد ومع ذلك أنه في آخر الكلمة، كياءي بخاتي٧ وزرابي٨. وليس لنا أن نتلقى قراءة رسول الله " ﷺ " إلا بقبولها، والاعتراف لها. وأما "خضر" بضمخ الضاد فقليل، وهذا من مواضع الشعر كما قال طرفة: ورادا وشقر٩ بضم القاف.

стр. 687

سورة الواقعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ الحسن واليزيدي والثقفي وأبو حيوة: "خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ١"، بالنصب. قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ حينئذ٢ حال أخرى قبلها، أي: إذا وقعت الواقعة، صادقة الواقعة، خافضة، رافعة. فهذه الثلاث أحوال، أولاهن الجملة التي هي قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ ، ومثله: مررت بزيد، جالسا، متكئا، ضاحكا. وإن شئت أن تأتي بعشر أحوال إلى أضعاف ذلك لجاز٣ وحسن، كما لك أن تأتي للمبتدأ من الأخبار بما شئت، كقولك: زيد عالم، جميل، جواد، فارس، بصري٤، بزاز، ونحو ذلك. ألا ترى أن الحال زيادة في الخير، وضرب منه؟ وعلى ذلك امتنع أبو الحسن أن يقول: لولا هند جالسة لقمت ونحو ذلك، قال: لأن هذا موضع قد امتنعت العرب أن تستعمل فيه [١٥٦و] الخبر، والحال ضرب من الخبر. فلا يجوز استعمالها في لذلك. والعامل في "إذا" محذوف لدلالة المكان عليه، كأنه قال: إذا وقعت الواقعة كذلك فاز المؤمنون وخاب الكافرون، ونحو ذلك ويجوز أن تكون "إذا" الثانية، وهي قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ٥﴾ خبرا عن "إذا" الأولى، ونظيره: إذا تزورني إلا يقوم زيد، أي: وقت زيارتك

стр. 688

إياي وقت قيام زيد. وجاز لـ"إذا" أن تفارق الظرفية وترتفع بالابتداء، كما جاز لها أن تخرج بحرف جر عن الظرفية١ كقوله: حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها٢ وقال الله "سبحانه": ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ٣﴾ ، إذا مجرورة عند أبي الحسن بحتى، وذلك يخرجها من الظرفية، كما ترى. ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق: "وَلا يُنْزِفُون٤"، بفتح الياء، وكسر الزاي. قال أبو الفتح: يقال: أنزف عبرته: إذا أفنى دمعه بالبكاء، ونزف البئر - ينزفها نزفا: إذا استقى ماءها، وأنزفت الشيء: إذا أفنيته، قال: لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا٥ وقال العجاج: وأنزف العبرة من لا في العبر٦ وقال: أيام لا أحسب شيئا منزفا٧ أي: فانيا، فكأنه "سبحانه" قال: "لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ عقولهم" كما ينزف ماء البئر. والنزيف: السكران، وكله راجع إلى معنى واحد.

стр. 689

ومن ذلك قراءة أبي بن كعب وابن مسعود: "وَحُورًا عِينًا١". قال أبو الفتح: هذا على فعل مضمر، أي: ويؤتون، أو يزوجون حورا عينا، كما قال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ٢﴾ ، وهو كثير في القرآن والشعر. ومن ذلك قرأ: "إِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا٣ إنا"، على الخبر كلاهما بلا استفهام. قال أبو الفتح: مخرج هذا منهم على الهزء، وهذا كما تقول لمن تهزأ به، إذا نظرت إلي مت منك فرقا، وإذا سألتك جممت لي بحرا، أي: الأمر بخلاف ذلك، وإنما أقوله هازئا. ويدل على هذا شاهد الحال حينئذ، ولولا شهود الحال لكان حقيقة لا عبثا، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعثنا. ودل قوله: ﴿إِنَّا لَمَبْعُوثُون﴾ على بعثنا ولا يجوز أن يعمل فيه "مبعوثون" لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها. ومن ذلك قراءة الحسن والثقفي: "فَلأقْسِم"، بغير ألف. قال أبو الفتح: هذا فعل الحال، وهناك مبتدأ محذوف، أي: لأنا أقسم، فدل على ذلك أن جميع ما في القرآن من الأقسام إنما هو على حاضر الحال، لا وعد الأقسام، كقوله "سبحانه": ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون ٥﴾ ، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ٦﴾ ، وكذلك حملت "لا" على الزيادة في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، ونحوه. نعم، ولو أريد الفعل المستقبل للزمت فيه النون، فقيل: لأقسمن، وحذف هذه النون هنا ضعيف جدا.

стр. 690

ومن ذلك قراءة علي وابن عباس -ورويت عن النبي " ﷺ "-: "وَتَجْعَلُونَ شكركم أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ١". قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أي: تفعلون بدل شكركم [١٥٦ظ] ومكان شكركم التكذيب ومثله قول العجاج: ربيته حتى إذا تمعددا ... كان جزائي بالعصا أن أجلدا٢ أي: كان مكان جزائي الجلد بالعصا ومن ذلك قراءة النبي " ﷺ وابن عباس وقتادة والحسن والضحاك والأشهب ونوح٣ القارئ وبديل وشعيب بن الحارث وسليمان التيمي والربيع بن خثيم٤ وأبي عمران الجوني وأبي جعفر محمد بن على والضحاك وفياض: "فَرَوْح"، بضم الراء. قال أبو الفتح: هو راجع إلى معنى الروح، فكأنه قال: فمسك روح، وممسكها هو الروح، كما تقول: هذا الهواء هو الحياة، وهذا السماع هو العيش، وهو الروح.

стр. 691

سورة الحديد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ: "بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم١"، بكسر الهمزة - سهل بن شعيب النهمي. قال أبو الفتح: قوله "وَبِأَيْمَانِهِمْ" معطوف على قوله: "بَيْنَ أَيْدِيهِمْ". فإن قلت: فإن قوله: "بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" ظرف، وقوله: "بِأَيْمَانِهِمْ" ليس ظرفا. ألا ترى أنه ليس معناه يسعر في إيمانهم؟ فكيف يجوز أن يعطف على الظرف ما ليس ظرفا، وقد علمت أن العطف بالواو نظير التثنية، والتثنية توجب تماثل الشيء؟ قيل: الظرف الذي هو بين أيديهم معناه الحال، وهو متعلق بمحذوف، أي: يسعى كائنا بين أيديهم، وليس بين أيديهم متعلقا بنفس يسعى، كقولك: سعيت بين القوم، وسعيت في حاجتي. وإذا كان الظرف هنا في موضع الحال جاز أن يعطف عليه الباء وما جرته، حتى كأنه قال: يسعى كائنا بين أيديهم، وكائنا بإيمانهم؛ أي: إنما حدث السعى كائنا بإيمانهم، كقول الله "تعالى": ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ٢﴾ ، أي: ذلك كائن بذلك. فعلى هذا التقدير يجب أن يكون قوله: "وبإيمانهم". فأما أن يعلق "بين" بنفس "يسعى" يعطف عليه "بإيمانهم" فلا؛ لما تقدم. ومن ذلك قراءة سماك بن حرب٣: "وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ٤"، بضم الغين.

стр. 692

قال أبو الفتح: هو كقوله: وغركم بالله الاغترار، وتقديره على حذف المضاف، أي: وغركم بالله سلامة الاغترار، ومعناه سلامتكم منه مع اغتراركم. ومن ذلك قراءة الحسن: "أَلَمْا يَأْنِ لِلَّذِينَ"، مثقلة. قال أبو الفتح: أصل "لما" لم، زيد عليها ما، فصارت نفيا لقوله: قد كان كذا، و"لم" ونفي فعل. تقول: قام زيد، فيقول المجيب بالنفي: لم يقم. فإن قال: قد قام. قلت: لما يقم، لما زاد في الإثبات "قد"- زاد في النفي "ما"، إلا أنهم لما ركبوا "لم" مع "ما" - حدث لها معنى ولفظ. أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا، فقالوا: لما قمت قام زيد، أي: وقت قيامك قام زيد. وأما اللفظ. فلأنها جاز أن يقف عليها دون مجزومها، كقولك: جئت ولما، أي: ولما تجئ. ولو قلت: جئت ولم-لم يجز. فإن قلت: فقد علمنا أن أصل لما - على ما وصفت -"لم" و"ما" - حدث لها معنى ولفظ. أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا، فقالوا: لما قمت قام زيد، أي: وقت قيامك قام زيد. وأما اللفظ. فلأنها جاز أن يقف عليها دون مجزومها، كقولك: جئت ولما، أي: ولما تجيء. ولو قلت: جئت ولم - لم يجز. فإن قلت: فقد علمنا أن أصل لما -على ما وصفت - "لم" و"ما"، وهما حرفان٢، وأما الظرف فاسم، فكيف جاز للحرف أن يستحيل، فيصير اسما؟ قيل: كما استحال الاسم لما ركب مع الحرف، فاعتد مجموعهما حرفا في قولهم: إذ ما تقم أقم. ألا ترى أن سيبويه ذكر "إذ ما" في الحرف، وقرنها بإن [١٥٧و] في الشرط؟ وذلك أن التركيب يحدث للمركبين حكما مستأنفا، ويخلقه خلقا مرتجلا. ألا ترى إلى قولهم: بأبأت الصبي: إذا قلت له: بأبي أنت، والباء في أوله مزيدة للجر، والثانية أيضا قد يمكن أن تكون للجر كررت، إلا أنك إذا مثلت قلت: هو فعللت، فجعلت الباء الزائدة للجر مقابلة للفاء؟ وكذلك قولهم: بسملت، فالباء من قولهم: "بسم الله"، والسين فاء "اسم"، واللام عين إله، ثم إنك إذا مثلت بسملت قلت: هو فعللت، ومثله حوقلت: إذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومثال حرقلت: فوعلت، والواو -كما ترى- زائدة،

стр. 693

وهي عين حول في الأصل. أفلا ترى إلى استحالة أحوال الحروف من الزيادة إلى الأصل، ومن الأصل إلى الزيادة؟ وهذا كقول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر ١﴾ . ومن ذلك قراءة الحسن: "وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيل٢"، بفتح الهمزة. قال أبو الفتح: هذا مثال لا نظير له؛ لأنه أفعيل، وهو عندهم من تجلت الشيء: إذا استخرجته؛ لأنه حال الحرام من الحلال، كما قيل لنظيره: التوراة، وهي فوعلة من ورى الزند يرى: إذا أخرج النار، ومثله الفرقان، وهو فعلان من فرق بين الشيئين. قال أبو النجم: تنجل أيديهن كل منجل٣ يصف أيدي الإبل، وإنها في سيرها تثير الأرض، وتستخرج باطنها. فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة؛ لأنه لا نظير له. وغالب الظن وأحسنه به- أن يكون ما قرأة. إلا عن سماع، فإن يكن كذلك فشاذ شذ، كما قال بعضهم في البرطيل: البرطيل، ونحو منهما ما حكاه أبو زيد من قولهم: السكينة بفتح السين، وتشديد الكاف. وربما ظن "الأنجيل" أعجميا فأجرى عليه بتحريف مثاله. ومن ذلك قراءة الحسن: "لِيلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ٤"، بنصب اللام٥، وبجزم الياء، ولا يهمز. قال أبو الفتح: حكاه قطرب -فيما رويناه عنه- "ليلا"، بكسر اللام، وسكون الياء، وقال: حذف همزة "أن"، وأبدل "النون" ياء، هكذا قال. والذي حكاه ابن مجاهد: بفتح اللام، وسكون الياء. وما ذكره قطرب من الكسر أقرب؛ وذلك أنه إذا حذف "الهمزة" بقى بعد ذلك "لئلا"،

стр. 694

فيجب إدغام النون في اللام، فيصير اللفظ "للا"، فتجتمع اللامات، فتبدل الوسطى لإدغامها وانكسار ما قبلها، فتصير "ليلا"، كما أبدلوا راء قراط، ونو دنار لذلك، فقالوا: قيراط، ودينار - وميم دماس، فقالوا كذلك: ديماس١، فيمن قال: دماميسن وباء دباج، فقالوا: ديباج، فيمن قال دبابيج. وأما فتح اللام من "ليلا" فجائز هو البدل جميعا، وذلك أن منهم من يفتح لام الجر مع الظاهر. حكى أبو الحسن عن أبي عبيدة أن بعضهم قرأ: "وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ٢"، وحسن ذلك أيضا مع "أن" لمشابهتها المضمر، كما يشبه المضمر الحرف، فيبنى. وعليه اختاروا: "وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا٣"، فجعلوا اسم كان "أن قالوا"، لأنه ضارع المضمر بالامتناع من وصفه، كالامتناع من وصف المضمر. والمضمر أعرف من "جواب قومه". وإذا كان أعرف كان بكونه اسم كان [١٥٧ظ] أجدر؟ وأما إبداله أحد المثلين مع الفتح فقد جاء ذلك، ألا ترى إلى قوله سعد بن قرط: يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار٤؟ يريد: أما بالفتح. ومثله ما رويناه عن قطرب أيضا من قول الراجز: لا تفسدوا آبالكم ... أيما لنا أيما لكم٥ فاجتمع من ذلك أن صار اللفظ إلى "ليلا"، وعليه قال الخليل: في لن: إن أصلها لا أن، فحذف الهمزة تخفيفا، والألف لالتقاء الساكنين.

стр. 695

سورة المجادلة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ: "مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ١"، بالتاء - أبو جعفر وأبو حية. قال أبو الفتح: التذكير الذي عليه العامة هو الوجه؛ لما هناك من الشياع وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، وما حضرني من جارية. وأما "تكون"، بالتاء فلا عتزام لفظ التأنيث، حتى كأنه قال: ما تكون٢ من نجوى ثلاثة، كما تقول: ما قامت امرأة، ولا حضرت جارية وما تكون نجوى ثلاثة. ومن ذلك قرأ الحسن وداود بن أبي هند٣: "تَفَاسَحُوا٤"، بألف. قال أبو الفتح: هذا لائق بالغرض؛ لأنه إذا قيل: تفسحوا في المجلس لم يكن فيه إصراح بدليل: ليفسح بعضكم لبعض، وإنما ظاهر معناه: ليكن هناك تفسح. وأما التفاسح فتفاعل، والمراد به هنا المفاعلة، وبابها أن يكون فما فوق الواحد، كالمقاسمة والمكايلة والمساقات والمشاربة، إلا أنه قد يستفاد أيضا مع "تفسحوا" هذا المعنى؛ لأنه لم يقصد به تفسح مخصوص، فهو شائع بينهم، فسرى لذلك في جميعهم. ومن ذلك قراءة الحسن: "اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُم٥،" بكسر الهمزة. قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أي: اتخذوا إظهار إيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين، وهذا حديث المنافقين المعروف.

стр. 696

سورة الحشر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ: "كَيْ لا تكُونَ دُولَةً١"، بالتاء مرفوعة الدال والهاء - أبو جعفر يزيد. قال أبو الفتح: منهم من لا يفصل بين الدولة والدولة، ومنهم من يفصل فيقول: الدولة في الملك، والدولة في الملك. "وتكون" هنا هي التامة، ولا خير لها، أي: كي لا تقع دولة أو تحدث دولة بين الأغنياء. وإن شئت كانت٢ صفة لـ"دولة"، وإن شئت كانت متعلقة بنفس "دولة"، تداول بين الأغنياء، وإن شئت علقتها بنفس "تكون" أي: لا تحدث بين الأغنياء منكم، وإن شئت جعلتها "كان" الناقصة، وجعلت "بين" خبرها. والأول الوجه، ومعناه: كي لا تقع دولة فيه أو عليه، يعنى على المفاء من عند الله. ومن ذلك قراءة أبي رجاء وأبي حية: "جُدْر٣"، بضم الجيم، وتسكين الدال. قال أبو الفتح: هذه مخففة من جدر، جمع جدار. وأما من قرأ: "مِنْ وَرَاءِ جِدَار" فيحتمل أمرين: أحدهما أن يكون واحد وقع موقع الجماعة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ٤﴾ ، أي: أطفالا. وفيه وجه آخر لطيفن وفيه الصنعة، وهو أن يكون "جدار" تكسير جدار أيضا، فتكون ألف [١٥٨و] جدار في الواحد، كألف كتاب وحساب، وفي الجماعة كألف ظراف وكرام.

стр. 697

ومثله مما كسر من من فعال على فعال قولهم: ناقة هجان١ ونوق هجان، ودرع دلاص٢ وأدرع دلاص. ويدل على أن هجانا ليس لفظا واحد يقع على الواحد فما فوقه كجنب وبابه- قولهم: هجانان، وهذا واضح. وإنما جاز تكسير فعال على فعال من حيث كانت فعال أخت فعيل. ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيا وقيل لامه حرف لين؟ فكما كسر فعيل على فعال كشريف وشراف، وكريم وكرام - كذلك أيضا جاز تكسير فعال على فعال، وكما أن ألف جدار في الواحد ليست ألف جدار في الجمع - فكذلك كسرة الجيم فيه غير كسرته فيه، وفتحة الدال فيه غير فتحته فيه، كما أن كسرة الشين في شراف غير فتحتها في شريف، وكما أن فتحة الدال في جدار غير كسرة الراء من شريف. فهذا الخلاف لفظا هو الذي سوغ اعتقاد المتفقين لفظا مختلفين تقديرا ومعنى. وهذا غور من العربية بطين، وله نظائر كثيرة، وفيه صنعة لطيفة, وقد أفردنا له بابا في كتابنا الخصائص فيما اتفق لفظه واختلف معناه من الحروف والحركات والسكون٣، ومثله سواء قول الله "تعالى": ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ٤﴾ ، يكون "إمام" مع إمام، على ما شرحناه في جدار. وذهب أبو الحسن إلى أنه جمع آم، كقائم وقيام. ومن ذلك قال ابن مجاهد وأبو حاتم عن يعقوب، قال: سمعت أعرابيا يكنى أبا الدينار عند الكسائي يقرأ: "الْقَدُّوس"، بفتح القاف. قال أبو الفتح: فعول في الصفة قليل، وذكر سيبويه في الصفة السبوح، والقدوس، وحكى

стр. 698

في الصفة أيضا السبوح، والقدوس، بالضم، وإثبات الفعول الاسم كشبوط١، وسمور٢، وتنور، وسفود٣، وهبود٤، -لجبل باليمامة، - وعبود. ومن ذلك قرأ الأعمش: "وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِمْرًا٥". قال أبو الفتح: هو راجع بالمعنى إلى أنه من قولهم: منديل الغمر؛- لأنه الدنس وفساد المعتقد، وكلام العرب لطيف المذهب، وكريم المضطرب لكن بقى من يشبه٦، وينجلى بنظره أغماؤه٧ وأشبه٨.

стр. 699

سورة الممتحنة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ عيسى الثقفي: "بِرَاء١"، بكسر الباء، وليس بين الراء والألف همزة، في وزن براع. قال أبو الفتح: هذا جمع بريء، وفي تكسره أربعة أوجه: بريء وبراء كظريف وظراف، وبريء وأبرياء كصديق وأصدقاء، وبريء وبرآء كشريف وشرفاء، وبريء وبراء -على فعال- كتؤام٢، ورباب: جمع شاة ربي: حديثة العهد بالنتاج. وعليه بيت الحارث: فإنا من حربهم لبراء٣ وقال الفراء: أراد برآء، فحذف الهمزة التي هي لام تخفيفا، فأخذ هذا الموضع من أبي الحسن في قوله: إن أشياء أصلها أشيياء، ومذهبه هذا يوجب ترك صرف براء؛ لأنها عنده همزة التأنيث. ومن ذلك قراءة الأعرج: "فَعَقَّبْتُمْ٤" [١٥٨ظ] . النخعي والزهري ويحيى بخلاف-: "فعقبتم"، خفيفة القاف من غير ألف.

стр. 700

مسروق: "فَعَقِبتُهم"، بكسر القاف بغير ألف. وقراءة الناس: "فَعَاقَبتُم". قال أبو الفتح: روينا عن قطرب، قال: "فعاقبتم:" أصبتم عقبا١ منهن. يقال عاقب الرجل شيئا: إذا أخذ شيئا، وأنشد لطرفة: فعقبتم بذنوب غير مر٢ جمع مرة، فسروه على أعطيتم وعدتم. وقال في قوله: ﴿وَلَمْ يُعَقِّب ٣﴾ : لم يرجع، كذا قال أحمد بن يحيى. قال أبو حاتم: قرأ مجاهد: "فأعقبتم"، قال: معنى أعقبتم: صنعتم بهم مثل ما صنعوا بكم. وحكى عن أبي عوانة٤ عن المغيرة: قرأت على إبراهيم: "فعاقبتم"، فأخذها علي: "فعقبتم"، خفيفة. وحكى عن الأعمش، قال: "عقبتم" "عقبتم"، فقد يجوز أن يكون عقبتم بوزن غنمتم ومعناه جميعا. وروى أيضا بيت طرفة: "فعقبتم"، بكسر القاف.

стр. 701

سورة الصف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ طلحة: "وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ١". قال أبو الفتح: ظاهر هذا أن يقال: يدعى الإسلام، إلا أنه لما كان يدعى الإسلام: ينتسب إليه قال: يدعى إلى الإسلام، حملا على معناه، كقول الله "تعالى" ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ٢،﴾ وعادة الاستعمال: هل لك في كذا، لكنه لما كان معناه أدعوك إلى أن تزكى استعمل "إلى" هنا، تطاولا نحو المعنى. وقد تقدم هذا، وهو غور عظيم.

стр. 702

سورة الجمعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ ابن يعمر وابن إسحاق: "فَتَمَنَّوُا الْمَوْت١"، بالكسر. قال أبو الفتح: قد سبق القول على هذا فيما مضى٢، فأغنى عنه هنا. ومن ذلك قراءة علي "﵇" وعمر "صلوات الله عليه" وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وابن عمر وابن الزبير "﵃" وأبي العالية والسلمي ومسروق طاوس٣ وسالم بن عبد الله٤ وطلحة، بخلاف: " فامضوا ذِكْرِ اللَّه٥". قال أبو الفتح: في هذه القراءة تفسير للقراءة العامة: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، أي: فاقصدوا، وتوجهوا. وليس فيه دليل على الإسراع، وإنما الغرض المضي إليها، كقراءة من ذكرنا.

стр. 703

سورة المنافقين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قراءة الحسن: "اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً١". قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أي: اتخذوا إظهار إيمانهم جنة، وقد مضى ذكر ذلك٢. ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "آسْتَغْفَرْت٣"، بالمد. وروى عنه: "اسْتَغْفَرْت"، بالوصل. قال أبو الفتح: هاتان القراءتان كلتاهما مضعوفتان. أما "آسْتَغْفَرْت"، بالمد فأنه أثبت همزة الوصل، وقد استغنى عنها بهمزة الاستفهام من قبلها، وليس كذلك طريق العربية. ألا ترى إلى قول ذي الرمة: أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا ... أم عاود القلب من أطرابه طرب٤؟ وأما "استغفرت"، بالوصل ففي الطرف الآخر من الضعف، وذلك أنه حذف همزة الاستفهام، وهو يريدها. وهذا مما يختص بالتجوز فيه الشعر، لا القرآن، نحو قوله: [١٥٩و] لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر٥

стр. 704

سورة التغابن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ: "يَهْدأ قَلْبَهُ١"، مهموزا - عكرمة وعمرو بن دينار. قال أبو الفتح: أي: يطمئن قلبه، كما قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ ٢﴾ .

стр. 705

سورة الطلاق: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قرأ: "فطلقوهن في قبل عدتهن١"- النبي " ﷺ " وعثمان وابن عباس وأبي بن عب وجابر بن عبد الله ومجاهد وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد، ﵃. قال أبو الفتح: هذه القراءة تصديق لمعنى قراءة الجماعة: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، أي: عند عدتهن. ومثله قول الله تعالى: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ٢﴾ ، أي: عند وقتها. ومن ذلك قراءة داود بن أبي هند: "إِنَّ اللَّهَ بَالِغ" - منونة - "أَمْرِه٣"، بالرفع. قال أبو الفتح: معناه أن أمره بالغ ما يريده الله به، فقد بلغ أمر الله ما أرداه، والمفعول كما ترى محذوف.
следующие страницы →