علي بن جبلة كان أصغر إخوته، وكان أبوه يرق عليه، فجدر، فذهبت إحدى عينيه في الجدري، ثم نشأ فأسلم في الكتاب فحذق بعض ما يحذقه الصبيان فحمل على دابة ونثر عليه اللوز "تكريما لتفوقه في الكتاب" فوقعت على عينه الصحيحة لوزة فذهبت، فقال الشيخ لولده: أنتم لكم أرزاق من السلطان فإن أعنتموني على هذا الصبي وإلا صرفت بعض أرزاقكم إليه، فقالوا: وماذا تريد؟ قال: تختلفون به إلى مجالس الأدب. قالوا: فكنا نأتي به مجالس العلم.
ومن هنا يظهر أن دراسة هذا الصبي للعلم والأدب قد بدأت بعد نجاحه بتفوق في دراسة الأولية بالكتاب، وأن مجالس الأدب شيء والكتاب شيء آخر.
وقد ذكر الدكتور خليل طوطح في كتابه التربية والتعليم عند العرب١ تحت عنوان "البنت والمكتب" ما يلي: "ومما يذكر في كتاب الأغاني تردد البنات إلى المكتب في القرن الثاني للهجرة" ثم يسوق اقتباسات غير كاملة من الأغاني يرى أنها تؤيد رأيه "وسنوردها فيما بعد" ويعلق على هذه الاقتباسات بقوله: "فمن هذا يظهر أن الفتيات ذهبن للتعلم
стр. 72
في المكتب، وفي بعض الأحيان تعلمن مع الفتيان كما هو معروف اليوم في بعض الأماكن".
وكان مرجعه في ذلك الأغاني ١٤: ٤٩ و ٢١: ٤٨، فلما ذهبت إلى الأغاني في الموضوعين المذكورين وجدت النص الأول كالآتي: "كان بالكوفة رجل يقال له: علي بن آدم، وكان يهوى جارية لبعض أهلها "أهل الكوفة" وأنه علقها وهي صبية تختلف إلى الكتاب، فكان يجيء إلى ذلك المؤدب فيجلس عنده لينظر إليها، فما أن بلغت حتى باعها مواليها لبعض الهاشميين، فمات جزعا عليها".
"الأغاني جـ١٤ ص٤٩ طبعة السياسي".
أما النص الثاني فهو كما يلي:
حدثني القطراني المغني عن محمد بن حسان قال: كان خليل المعلم يلقب خليلان، وكان يؤدب الصبيان ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد، فحدثني من حضر قال: كنت يوما عنده وهو يردد على صبي يقرأ بين يديه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ثم يلتفت إلى صبية يردد عليها "في لحن غنائي":
стр. 73
اعتاد هذا القلبَ بلبالُه ... أن قربت للبين أجمالُه
فضحكْتُ ضحكا مفرطا لما فعله، فالتفت إلي فقال: ويلك!! مالك؟ قلت: ضحكي مما تفعل، والله ما سبقك إلى هذا أحد، ثم قلت: انظر أي شيء أخذت على الصبي من القرآن، وأي شيء تلقي على الصبية؟ والله إني لأظنك ممن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله.
قال: أرجو إلا أكون كذلك إن شاء الله.
"الأغاني جـ٢١ ص٤٨ طبعة مصر".
ويبدو لي أن هذه المادة قد لونت بلون خاص؛ لتناسب ما ذهب إليه الدكتور طوطح من تعليم البنت في الكتاب مع الولد، ولكن الذي أراه ويراه معي كثيرون لا يتفق من ما ذهب إليه الدكتور طوطح؛ فإن البنت المسلمة التي نقول إنها تعلمت في عصور الإسلام الأولى، ونالت قسطا ملحوظا من الثقافة هي البنت الحرة قبل كل شيء، وهذه البنت تعلمت في البيت على أحد ذويها، أو على معلم خاص، ولم تذهب كما ذهب الصبيان إلى الكتاب.
والاقتباسان اللذان اعتمد عليهما الدكتور طوطح يتعلقان
стр. 74
بالجواري، وتعليم الجواري بالكتاب لا يدل بحال من الأحوال على تعليم الحرائر به؛ لأن كراهية اختلاط الجنسين ما كانت تنطبق على الجواري، فقد كن متبذلات منحن كثيرا من التسهيلات التي لم تستمع بها الحرائر.
ولم يكن المراد بتعليم الجواري هو الثقافة بقدر ما كان يراد منه رفع أثمانهن بتعليمهن الكتابة كما في الاقتباس الأول، أو الغناء كما في الاقتباس الثاني، على أن الاقتباس الثاني أبعد جدا عن الموضوع لتعلقه بالغناء الذي هو صنعة أخرى صادف أن المؤدب كان يجيدها وكان يزاولها مع عمله البعيد عنها كل البعد، كما يزاول بعض معلمي كتاتيب الريف المصري في هذه الأيام بعض الصناعات اليدوية البسيطة وهم يشرفون على أطفال الكتاب، فلم تكن هذه البنت في الحقيقة ملتحقة بالكتاب، ولعل هذا الازدواج هو ما جعل خليل المعلم يلقب "خليلان".
لم يكن المراد هنا أن نناقش هذين المؤلفين الفاضلين وإنما أردت أن أبين -بما لا يدع مجالا للتردد- خطورة الاعتماد على مرجع ثانوي دون تحقيق ما ورد به في المرجع الأصلي.
ومما يؤكد ذلك من ناحية أخرى ما قام به بعض الباحثين من تجارب أثبتت أنه لو نقل "ب" من "أ" موضوعا ما، ثم
стр. 75
نقل "ج" من "ب" هذا الموضوع، ثم نقله "د" من "ج"، فإن ما نقله "د" سيكون مخالفا كثيرا أو قليلا لما أثبته "أ". ويستطيع المدرس مثلا أن يجري مثل هذه التجربة مع تلاميذه، وسيصل في الغالب إلى هذه النتيجة مع ملاحظة أن طول السلسلة أولا وعدم الدقة في إحدى حلقاتها ثانيا سيجعلان الاختلاف أكثر بروزا.
خلاصة عن المصادر والمراجع:
والآن نسجل هنا الحقائق المهمة التالية:
١- المراجع الأصلية قد تكون حديثة، كالإحصائيات التي تنشرها الحكومات من حين لآخر عن التعداد، وعن الواردات والصادرات، والميزان التجاري، وكالتجارب العلمية الموثوق بها، والتي قبلتها الهيئات العلمية، وكاليوميات وحيثيات الحكم وغير ذلك.
٢- الكتب الحديثة التي لا تكتب مصادر مادتها كتب قليلة الفائدة لطالب الأبحاث.
٣- المراجع الثانوية تشمل أحيانا نقاطا أصلية، مثل وجهات نظر المؤلف الخاصة فيما يتحدث عنه، وتعليقه على ما يقتبسه، ونقده له إذا لم يكن قد سبق بمثل هذا التفكير.
٤- الحقائق العامة الواسعة الانتشار يجوز ذكرها في الرسالة بدون أن يثبت لها مرجع قديم أو حديث.
стр. 76
٥- وقد لاحظت في الفترة الأخيرة اهتمام بعض الباحثين بالمراجع اهتماما يفوق عنايتهم بالأفكار، فقد رأيت أفكارا مسلَّما بها يمكن أن تورد بدون مراجع أو مصادر، ولكن الباحث يذكر لها العديد من المراجع، وهذا الوضع يجعل الأصل فرعا والفرع أصلا، فالمرجع مطلوب لتوثيق فكرة مهمة، أو بلغة أخرى إن الفكرة هي هدف الباحث، فإذا عثر عليها وثقها وذكر مصدرها، وليست المراجع مقصودة لذاتها، وقيمتها تتوقف على ما تقدمه للبحث من معلومات ومعارف.
ثم إن المراجع إذا كثرت اهتم الباحث بأقدمها وأكثرها صلة بالموضوع، وإذا ذكر المصدر الرئيس "أغنى ذلك عن سلسلة المراجع التي أخذت عنه، فليس هناك حاجة لأن يذكرها الباحث متصلة بهذه النقطة التي أخذها من مصدرها الأول.
إعداد البطاقات:
والآن بعد هذا الشوط الطويل من اختيار موضوع الرسالة، ومن تخطيطها وتبويبها، ومن إعداد مصادرها ومراجعها، يصل البحث إلى مرحلة القراءة التي سنتكلم عنها بعد قليل.
وقبل القراءة يعد الطالب البطاقات التي سيدون عليها اقتباساته، ونتائج تجاربه العملية.
стр. 77
وقد كنت في الطبعات السابقة أذكر أن الطالب يستطيع أن يدون هذه المعلومات على البطاقات أو أن يستعمل "الدوسيه المقسم" والطريقان سليمان، ولكن طريقة البطاقات تتيح للأستاذ المشرف فرصة أدق لمتابعة التعرف على جهد الطالب وسعة قراءته، ومن هنا رأيت ابتداء من الطبعة "الثامنة عشرة" أن أركز القول على استعمال البطاقات، فكثير من الطلاب لم يحسنوا استعمال الدوسيه المقسم، أو فروا به من المتابعة الدقيقة.
وتصنع البطاقات من الورق المقوى غالبا، وحجم البطاقة في العادة ١٠×١٤ سم، ومن الممكن أن يصنع الطالب البطاقات بنفسه من الأوراق، والغالب أن تشتري مجهزة، ويلزم أن تكون متساوية الحجم.
ولما كانت القراءة وسعة الاطلاع من أهم واجبات الباحث، فإنه يلتزم أن يجعل ذلك دستوره، وينصح عند القراءة أن يبدأ بأهم المصادر التي ترتبط بموضوعه، وبعد الأهم يجيء المهم وهكذا.
جمع المادة:
يبدأ الباحث بقراءة مراجعه كتابا إثر كتاب، ويقتبس من كل كتاب ما يراه نافعا لموضوعه، ويدونه في البطاقات على النحو الذي سنشرحه فيما يلي:
стр. 78
طريقة تدوين الاقتباسات:
تدون الاقتباسات على عرض البطاقة وعلى وجه واحد منها، ويستحسن أن يوضع عنوان لكل اقتباس؛ ليدل على ما ورد في البطاقة من معلومات، وتكون الكتابة بالحبر وبخط واضح، ويكتب في أسفل البطاقة اسم المصدر الذي أخذت منه المادة، وكذلك اسم المؤلف، ورقم الجزء والصفحة، ولا يكتب في كل بطاقة إلا اقتباس واحد.
وعلى الطالب أن يجمع من المادة كل ما اتصل بموضوعه من قريب أو من بعيد، ويتذكر أن من السهل أن يترك من المادة التي جمعها ما يظهر في المستقبل أنه عديم الفائدة أو قليلها، أما إذا ترك بعض المادة ثم تذكرها فيما بعد وظهر لزومها، فإن وقتا ثمينا قد يبدل رجاء العثور عليها، وقد تنجح المحاولة وقد تفشل.
دراسة عن الكتب والقراءة:
لا نزاع في أن الكتاب كريشة الرسام، إن أمسك بها قليل المران اضطربت وأحدثت خللا، وإن تناولها الماهر المتمرن أبدعت وأخرجت ما ينطق بالحسن والجمال، وكذلك الكتاب يقرؤه شخص فيسمى فهمه، أو يخرج منه صفر اليدين، ويقرؤه شخص آخر فيتزود منه علما وأسلوبا ومنهاجا.
ويظن البعض أن القراءة سهلة ما دامت المراجع قد أعدت،
стр. 79
والخطة قد وضعت، ولكن القراءة في الحقيقة عمل غير يسير إذا أريد بها أن تكون نافعة منظمة ويقول Cole: "إن مما لا شك فيه أن المقدرة على القراءة وعلى هضم الأفكار المكتوبة والانتفاع بها فن لا يعرفه إلا القليلون، ومن المجهود الضائع أن يبذل الطالب وقته وحماسته في قراءة غير نقدية وغير مركزة".
فعلى طالب الدراسات العليا أن يتعلم كيف يقرأ، وليضع أمامه حقيقة هامة، هي أنه يتوقع منه أن يقرأ كثيرا، وأن يطلع على مجموعة كبيرة من الكتب، وألا يفوته مرجع ذو أهمية في موضوعه وعمل كهذا يحتاج إلى أعوام طويلة لا تتوافر غالبا للطالب، وللتغلب على هذه المشكلة يجب أن يعرف الطالب نظام القراءة لبعض الكتب، وأن يتذكر قول Bacon:
Some books are to be tasted Others to be swallowd and aome few to be chewed and tasted.
فهو يشبه الكتب بالطعام تذوقه أحيانا ثم تدعه إذا لم تعجبك عناصره ونكهته، وتزدرده أحيانا ازدرادا سريعا، وأحيانا يكون لذيذا جدا -وقليلا ما يكون- وحينئذ فإنك تمضغه برفق وأناة طلبا للذة والمتعة.
وعلى هذا فالقراءة ثلاثة أنواع:
стр. 80
١- القراءة السريعة:
وتكون بقراءة الفهرس قراءة فاحصة، ويختار الطالب من الفهرس ما يمس موضوعه من قريب أو من بعيد، ففي هذه المرحلة، يكون تحديد الموضوعات التي ستقرأ هو الهدف الأساسي للاطلاع، ويدخل في هذه المرحلة كذلك التعرف على الكتاب بقراءة بعض موضوعاته أو فصوله قراءة سريعة يحدد الطالب بها قيمة الكتاب على العموم، فقد تكون الموضوعات بالفهرس جذابة ولكن يكون الحديث عنها في صلب الكتاب سطحيا أو ضحلا، وعلى هذا فالطالب في هذه المرحلة يستبعد بعض الكتب نهائيا لهبوط مستواها أو لعدم صلتها بموضوعه، ويختار من بعض الكتب موضوعات محددة يؤمل أن تكون مفيدة لبحثه.
٢- القراءة العادية:
وفي هذه المرحلة يقرأ الطالب الموضوعات التي حددها للقراءة في بعض الكتب ويختار منها الاقتباسات التي تتصل بموضوعه.
٣- القراءة العميقة:
هناك أبحاث ممتازة وثييقة الصلة بالموضوع، وهذه ينبغي أن يقرأها الطالب بتوؤده وعمق، وعليه أن يتمثلها ويستفيد بها في تكوين فكره وتطويره، وأن ينتفع باتجاهاتها، وربما كان
стр. 81
عليه أن يعيد قراءتها وأن يعيش معها، وأن يقتبس ما ينير له السبيل.
وفيما يلي نص الاقتراحات التي يقدمها كبار الباحثين لطلاب الدراسات العليا رجاء أن ينتفعوا بها في قراءتهم.
١- أن يكون الطالب حاذقا في تحديد قيمة الكتب التي بين يديه ليعرف المهم منها والأهم.
٢- ألا يقرأ وهو مجهد جسمانيا، فإن هذه الحالة ستؤثر في القوى العقلية، وستجعل الاستفادة من القراءة هزيلة.
٣- أثبتت عدة تجارب أن الإنسان أكثر استعدادا للفهم والاستفادة في ساعات الصباح، فعلى الطالب أن ينظم وقته لينتفع بهذه الفترة.
٤- ألا يستطرد في قراءة أجزاء لا تتصل بموضوعه من الكتاب الذي بين يديه، ويستطيع أن يستعين بالفهارس ليعرف ما يتصل بموضوعه وما لا يتصل، ويجب أن نشير هنا إلى أن قراء الكتب القديمة لن يستطيعوا الاستفادة من الفهارس؛ لأن فن الكتابة لم يكن قد تطور إلى مكانته الآن، فالكتاب القدامى يستطردون كثيرا لأدنى ملابسة، وكثيرا ما يعثر قارئ الكتب القديمة على معلومات هامة في غير مكانها، لذلك ينصح قراء هذه الكتب بالقراءة السريعة، حتى إذا عثروا على مادة ثمينة قرءوها قراءة هادئة فاحصة،
стр. 82
وبمناسبة الحديث عن الكتب القديمة نرى من حق ابن الأثير علينا أن نذكر أنه -وإن سار في وضع كتابه الكامل في التاريخ على نظام السنين- قد وضع عناوين دقيقة مفصلة لما أورده في حوادث كل سنة، فمن الممكن الاستفادة بهذه العناوين اختصارا للوقت، كما أن بعض الكتب القديمة مثل "الطبري" و"ابن الأثير" قد طبعها المستشرقون، ووضعوا لها فهارس شاملة كبيرة العون والفائدة، كما قام بعض الأساتذة الأستاذ عبد السلام هارون بالنسبة لكتاب الحيوان والبيان والتبيين للجاحظ، وكما تفعل دار الكتب -بإشراف فريق من المتخصصين- لإخراج كتاب الأغاني وغيره، والمرجو أن يجيء يوم قريب تكون فيه أمهات الكتب القديمة جميعها قد أعيد طبعها على هذا النحو؛ لتكون جميلة الإخراج سهلة التناول.
ويميل كثير من الطلاب إلى القراءة في بيوتهم وحجراتهم الخاصة، كما يفضل آخرون أن يطالعوا في المكتبات، وليس لي تعليق على هذا؛ لأن تفضيل أحد المكانين على الآخر يتوقف على ظروف الطالب الخاصة، وعلى التسهيلات التي تمنحها المكتبات له، وأيًّا ما كان هذا فالطالب محتاج إلى القراءة في منزله أحيانا وفي المكتبات أحيانا أخرى. وهو لهذا يجب أن يعرف نظم الاستعارة الداخلية والخارجية بالمكتبات
стр. 83
التي يتردد عليها، وأن يستوفى الشروط المطلوبة لها، وينصح الطالب -إذا كان يفضل القراءة خارج المكتبات- أن يطلع بالمكتبات على المراجع التي تمس موضوعه مسا خفيفا يمكنه الإحاطة به في وقت قصير، فهو بهذا يوفر على نفسه مشقة حمل هذه الكتب، ويساعد موظفي المكتبة وجمهور المطالعين، ثم يتجنب عدها عليه ضمن العدد المسموح باستعارته استعارة خارجية إذا كان هذا العدد محدودا.
ويقرأ الطالب قوائم مراجعه كتابا كتابا، وكلما وصل إلى نقطة متصلة بموضوعه توقف عن القراءة، لينقل هذه النقطة في بطاقة، البطاقات التي أعدها، ويكون النقل حرفيا وبدون تعليق في هذه الرحلة مدخرا المقارنة والنقد إلى مرحلة كتابه الرسالة١، وإذا ما انتهى من قراءة كتاب، وجب أن يدون في بطاقة خاصة: اسم الكتاب، واسم مؤلفه كاملا، وتاريخ طبعه ومكانه، ثم موجزا قصيرا لمحتوياته، مع إشارة خاصة للنقطة أو النقاط التي أفادها البحث من هذا المرجع، وسيساعده هذا في المستقبل عندما يعد قائمة الكتب التي رجع إليها في مصادر رسالته ليضعها في آخر الرسالة، وسيساعد هذا أيضا عند الكلام في المقدمة عن مصادر الرسالة، وسيساعده كذلك في إعداد الموجز الذي سيقدمه للجنة المناقشة.
стр. 84
ويحدث أحيانا أن يندمج الطالب في نقطة ما من نقاط بحثه، فيسلمه مرجع إلى مرجع حتى يجمع كل ما كتب عن هذه النقطة، وقد ينتج عن ذلك أن يكتب الطالب هذا الفصل ويضعه في صيغته النهائية مع أنه قد يكون في الشوط الأول بالنسبة للأجزاء الأخرى من الرسالة، ولا حرج في هذا، بل لعل الانتهاء من بعض الفصول أو الأبواب في أثناء القراءة، مما يشجع الطالب ويسهل عليه مهمته، ويخفف عنه أنس أنه وفى نقطة ما بحثا، وجمع من المادة ما يجعلها واضحة تمام الوضوح كتبها، ثم استأنف جمع المادة لغيرها، وتلوين العمل يجدد النشاط، ويدعو لليسر والسهولة.
وكما أن الطالب يتوقف أحيانا عن القراءة وجمع المادة ليكتب فصلا من فصول الرسالة، فإن العكس يحدث أيضا، أي أن الطالب يتوقف عن الكتابة ليجمع مادة عرضت له وهو يكتب، فإذا كان الطالب متجها تماما لكتابة فصل ما من فصول الرسالة، ثم صادفته معلوما تتصل بفصل آخر فينبغي أن يبادر فورا إلى اقتناص الفرصة، وإلى إثبات هذه المادة في مكانها أو -على الأقل- الإشارة إليها ليرجع لها عقب الانتهاء مما هو فيه، ويحذر الطالب أن يهمل هذه المادة بحجة أنه لا يريد أن يقطع تفكيره فيما هو بصدده، وليذكر أن جزءا كبيرا من المادة يأتي عفوا، ولو أهمل ما يصادفه عفوا، لبذل من أجل الحصول عليه عندما يطلبه وقتا طويلا، ومجهودا كبيرا.
стр. 85
وقد تكون هذه المعلومات التي وجدها عرضا تتصل بباب أو فصل قد انتهى الطالب من كتابته، فيجمعها أيضا، ليضيفها عند المراجعة إلى مكانها، وبهذه المناسبة نذكر أن الطالب قد تعرض له فكرة قيمة تتصل بالمادة أو المنهج، وعليه -حتى لا ينساها- أن يبادر بتدوينها في مكانها ولو موجزة يعود إليها بالتفصيل والدراسة فيما بعد.
التجارب العلمية والدراسات الخاصة:
Experiment and Fieldwork:
تستلزم بعض الأبحاث العلمية أن يجري الطالب بنفسه تجارب معينة على الإنسان أو الحيوان أو النبات، كما تستلزم أبحاث أخرى -كالأبحاث التاريخة والجغرافية والاجتماعية- أن يقوم الطالب بزيارة أمكنة خاصة، إما لدراسة المعالم والمواقع والمنشآت والأمكنة الهامة، وإما لمشاهدة ظاهرة من الظواهر الجغرافية، وإما لدراسة أحوال الناس وطبقاتهم والتيارات التي تنبعث بينهم، ثم الاستماع إليهم لمعرفة اتجاهاتهم، واختبار تفكيرهم.
ويبدأ الطالب تجاربه وزياراته بعد أن يفرغ من قراءة ما قد يكون قد كتب عن هذا الموضوع أو حوله، حتى يستطيع أن يجري أبحاثه وله معرفة وخبرة بما سبق به، وليتمكن -وهو يجري أبحاثه ويقوم بدراساته- من أن يقارن فيثبت أو يعارض ما اتجه إليه من سبقه من الكتاب.
стр. 86
والرسائل العلمية -كتلك التي تقدم في مسائل طبية أو زراعية- تعتمد كثيرا على التجارب الشخصية التي يقوم بها الطالب، ولا بد له قبل أن يبدأ في التجارب اللازمة لرسالته أن يكون قد قام بعدة تجارب أخرى تكونت فيها خبرته، وثبتت بها مقدرته وكفاءته، ولا بد له من دقة الحساسية، ومزيد من الفطنة، وأن يكون رزينا، صبورا لا يعجل، مجتهدا أمينا كل الأمانة.
ويعطي الطالب في الرسائل العلمية وصفا دقيقا مفصلا عن الإنسان أو الحيوان أو النبات الذي أجريت التجارب عليه، ويشمل ذلك صحته وسنه ونوعه "ذكر أو أنثى"، وغير ذلك مما يلزم في مثل هذه التجارب.
وليدرك الطالب أن عماد التجارب العلمية هو أن يبدأ بها بدءا صحيحا، ويسير فيها سيرا محكما، ويكون خلال ذلك قوى الملاحظة عميق التأمل، ثم يرصد النتائج أولا بأول بمنتهى الدقة.
والدراسة التي يجريها الطالب في مكان ما يجب أن تتم بكل عناية واهتمام، وأن تعتمد على الحقائق الثابتة، وعلى الاتصالات المباشرة، بحيث تنقل صورة صحيحة عن مشاهدات الطالب، ويجب ألا يخلط بين ما يثبته على أنه رآه وشاهده، وبين ما يثبته على أنه استنتاج ورأي.
стр. 87
وإجراء هذه التجارب، والقيام بهذه الدراسة، من أهم ما يلجأ إليه الباحثون في العصر الحديث، والرسائل التي تشمل هذا اللون من العمل هي رسائل كبيرة القيمة بلا ريب، إذا برهن الطالب على دقته فيما أجراه من تجارب ووصف ما شاهده من معالم، وقد أتيح لي وأنا أزور معاهد العلوم الإسلامية الأولى بالبلاد العربية، أن أصحح بعض ما كتبه المؤرخون عن هذه الأماكن دون أن يزوروها أو يشاهدوا معالمها ومحتوياتها، وقد أثبت هذا في رسالتي عن "تاريخ التربية الإسلامية" التي حصلت بها على درجة الدكتوراه.
المحادثات والمراسلات العلمية:
برز بعض العلماء الأفذاذ المعاصرين بروزا واضحا في مادتهم، وكثيرا ما نجد اسم الواحد من هؤلاء يتصل اتصالا وثيقا بموضوع ما، كما تتصل أسماء بعض علماء النجف كالسيد محمد آل كاشف الغطاء والشيخ محمد الأميني بالدراسات الشيعية، وكما يتصل اسم الدكتور طه حسين بالأدب العربي، واسم البروفسور أربري بدراسة التصوف الإسلامي، وغيرهم.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن بعض فروع الرسالة قد لا يكون الأستاذ المشرف متخصصا فيه تخصص غيره من الباحثين، مما يستدعي أن يتصل الطالب بأحد هؤلاء الباحثين ليهتدي بآرائه حول هذه النقطة، وينتفع بتوجيهاته.
стр. 88
فإذا مس الطالب في دراسته موضوعا من هذه الموضوعات، أو جدت عنده نقطة من تلك النقاط، فينبغي عليه أن يتصل بالعالم المبرز الذي له أبحاث ودراسات في ذلك الموضوع أو تلك النقطة، وتكون الصلة بمقابلة شخصية كلما أمكن ذلك، ويعد الطالب نفسه إعدادا تاما لهذه المقابلة بتنظيم الأسئلة التي سيطلب الإجابة عنها، والنقاط التي يريد استيضاحا لها، ثم يدون الإجابة تدوينا دقيقا منظما، ويكون التسجيل بطريق الكتابة أو بطريق تسجيل الصوت على شريط "كاست" ثم على الطالب أن يعرض المادة على هذا العالم ليوافق عليها قبل نشرها، فإذا لم يتمكن من المقابلة الشخصية لبعد الشقة فالواجب أن تتم الاتصالات بطريق المراسلة، ويجب حينئذ أن تكون رسالة الطالب لهذه الشخصية واضحة تمام الوضوح، يقدم فيها نفسه تقديما قصيرا، ثم يتبع ذلك بالأسئلة التي يريد عنها إجابة، أو لها إيضاحا.
وقد قمت في أثناء تحضيري لدرجة الدكتوراه بالاتصال الشخصي بعدد من كبار العلماء، أذكر منهم هنا علماء النجف فيما كتبته عن مذهب الشيعة برسالتي، والشيخ "أغا بزرج" الذي أفدت من مقابلته إفادة كبيرة في مسألة تاريخ الشهادات الدراسية، والدكتور مصطفى جواد في محاولة تحديد موضوع للمدرسة النظامية ببغداد، وغيرهم، ولا شك أن هذه المقابلات كانت كبيرة الفائدة عظيمة النفع.
стр. 89
توزيع المادة:
عندما ينتهي الطالب من قراءة المصادر والمراجع والدوريات التي أعدها وينتهي من جمع مادته منها، وعندما يصبح عنده حوالي خمسين ظرفا بها بطاقات لاقتباساته، عندئذ يبدأ خطوة جديدة هي فرز هذه البطاقات وتوزيعها حسب أبواب الرسالة، فإذا كانت أبواب الرسالة خمسة مثلا، فإن البطاقات كلها ستوضح في خمسة أقسام، وربما وضع كل قسم في ظرف خاص، ومعنى هذا أن محتويات الأظرف الخمسين الأولى أصبحت في خمسة أظرف فقط، ويكتب على كل ظرف عنوان الباب.
وهناك طريقة أخرى يلجأ لها بعض الطلاب الأذكياء، هي أن يجمع المادة ويوزعها في نفس الوقت، بمعنى أن يعد أظرفا بعدد الأبواب، ويكتب على كل ظرف عنوان باب من أبواب الرسالة، ثم يقرأ، ويقتبس ويضع بطاقاته في الأظرف حسب موضوعها، فهو هنا يخطو خطوتين في عمل واحد.
وقد يجري الباحث تقسيما آخر حسب فصول كل باب؛ أي أن تقسم بطاقات كل باب على فصوله.
وهذا التقسيم سيوضح للطالب مدى القصور أو الكفاية بالنسبة للمعلومات اللازمة لكل باب وكل فصل، مما قد يجعله يحاول استكمال حاجاته للمادة عن طريق كتب ومراجع أخرى يقرؤها لهذا الغرض.
стр. 90
تعديل خطة الرسالة:
عندما ينتهي الطالب من قراءة ما أعده من مراجع، وبعد أن يجمع ما استطاع الحصول عليه من مادة دونها في البطاقات، عليه -قبل أن يبدأ الكتابة- أن يعاود النظر في التبويب الذي كان قد وضعه من قبل، وسيجد غالبا أنه في حاجة إلى تعديل في ضوء ما عثر عليه من مادة، وقد يكون هذا التعديل واسعا بأن يشمل تحويرا في عنوان الرسالة تبعا لتغيير الهدف الأساسي الذي كان قد ارتسمه وذلك إذا كان المادة التي جمعها توحي بهذا التحوير، ومثل هذا التغيير يجب أن يتم بصفة رسمية أي أن الطالب يجب أن يكتب للكلية التي يتبعها بالعنوان في صيغته الجديدة التي يريدها، ولا تمانع الكلية غالبا في إجراء مثل هذا التحوير ما دام الأستاذ المشرف موافقا.
وقد يشمل التعديل حذف بعض الأبواب أو الفصول، أو إضافة أبواب أو فصول جديدة، كما يشمل تغييرا بالتقديم أو التأخير سواء في الأبواب أو الفصول، وكل هذا يتم بين الطالب وأستاذه دون حاجة لموافقة الكلية فإذا ما أجرى الطالب هذا التعديل، ووضع الخطة النهائية، كان عليه أن يستشير أستاذه ليقر ذلك، أو ليبدي ما يراه من اقتراحات، فإذا ما حصل الطالب على موافقته، أو إذا حقق مقترحاته، كان ذلك إيذانا بالسير إلى مرحلة جديدة هي مرحلة كتابة
стр. 91
الرسالة التي ستكون موضوع حديثنا في الباب التالي.
ومع أن التعديل يحدث غالبا في هذه المرحلة، فقد يعن للطالب ما يجعله يحدث تعديلا ثانيا في أثناء الكتابة، وليس هناك ما يمنع من ذلك، فالرسالة للطالب كالصورة للرسام يظل يحرك قلمه في أي جزء منها حتى تخرج في النهاية على أحسن ما يمكن، وخير ما يستطاع.
стр. 92
الباب الثالث كتابة الرسالة
...
كتابة الرسالة:
المواد الأولية التي يتكون منها صنف ما من صنوف الطعام تكاد تكون واحدة بين يدي كل طباخ، ولكن الطعام بعد تكوينه يختلف اختلافا بينا باختلاف طاهيه، ومن مادتي القطن والصوف مثلا يمكن إنتاج رقيق الملابس وخشنها، غاليها ورخيصها، فموقف الطالب من المادة التي جمعها هو موقف الطاهي مما بين يديه من اللحم والخضر والأرز والملح والتوابل، وموقف النساج من مادتي القطن والصوف.
فإذا انتهى الطالب من قراءة المراجع، ومن جميع المادة، وفرز البطاقات على ما مر ذكره، فليدرك أنه انتهى من مرحلة يستطيع كثيرون أن يقوموا بها بدون تفاوت يذكر، وأنه ابتدأ مرحلة جديدة يبرز فيها التفاوت بروزا كبيرا، وتظهر فيها ذاتية الطالب وشخصيته ظهورا واضحا، وتلك هي مرحلة الاختيار من المادة المجموعة، وترتيب ما اختير، ثم كتابته، وتلك مرحلة شاقة لا ريب، إذ إن الطالب سيجد
стр. 93
من غير الممكن ومن غير المرغوب فيه إثبات جميع ما جمع، وبخاصة إذا كان موضوعه مطروقا كثرت البحوث عنه، فعلى الطالب حينئذ أن يظهر مقدرته في تقدير المادة التي جمعها ليتمكن من الاختيار منها، فعملية الاختيار أو قل التصفية تتوقف قبل كل شيء على مقدرة الطالب على تقدير قيمة بضاعته ومادته ليأخذ بعضها ويدع بعضها الآخر، وبطبيعة الحال سيتدخل في تقدير قيمة المادة طرافتها، وعدم ذيوعها، ودقة المرجع الذي أخذت منه، وقبل كل شيء فائدتها لموضع البحث.
وليس من الحكمة أن نتجاهل صعوبة ترك بعض المادة وعدم الانتفاع بها في الرسالة، فالطالب كثيرا ما يتأثر بما بذل من جهد وما لاقى من عناء حينما كان يجمع هذه المادة، وهو لهذا يضن بها ألا يستعملها، ولكن على الطالب أن يتذكر أن حشر مادة غير ضرورية سيؤثر حتما في جمال الرسالة، وسيقلل من قيمتها، وعليه أن يدرك أن القيام بالبحث لا يكون لإنتاج الرسالة فقط، بل للتزود بثقافة رفيعة في موضوع تخصصه، فهو لا شك قد استفاد بما قرأ وبما جمع من مادة إن لم تكن لازمة في الرسالة فهي لازمة في حياته العملية وفي إنتاج أبحاث أخرى يقوم بها في دراساته في المستقبل.
وقد سبق أن أشرنا إلى حقيقة هامة هي أن الطالب يبدأ
стр. 94
دراسته وفي ذهنه فكرة غير واضحة تماما عن الموضوع، وهو في ضوء هذه الفكرة يجمع مادته من هنا ومن هناك، وفي ضوء معلوماته التي تتطور وتتعمق يحدث تغييرا في الخطة التي كان قد رسمها عند بدئه في العمل، وإحداث هذا التغيير يقتضي أن يصرف الطالب النظر عن بعض ما جمعه، وعلى هذا فترك بعض ما لديه من مادة شيء طبيعي.
وعملية الاختيار أو التصفية تستلزم أن يضع الطالب أمامه البطاقات التي بها مادة عن الباب أو الفصل الذي يريد كتابته، ويقوم بقراءتها ثانيا، وبالتفكير فيما احتوته، ثم يختار منها، ويكون رأيا ينساب في تسطيره تبعا لخطة ارتسمها ولترتيب اقترحه، ويجب أن يلاحظ الترتيب الزمني ملاحظة دقيقة فيما للزمن دخل فيه، ويجب كذلك أن تبرز شخصية الطالب في مقارنة النصوص بعضها ببعض، وفي التقديم لها، والربط بينها، والتعليق عليها، وعليه أن يبدل رأيه بين الحين والحين ليدل على حسن تفهمه لما أمامه من معلومات، وعلى أنه مؤثر فيها، متأثر بها، وحذار أن يكون متأثرا بها فحسب، فهو إذًا ناقل وليس بباحث ناقد خبير.
والطالب مسئول عن كل ما يورده في رسالته، ولا يعفيه من المسئولية أن يكون ما أورده قد أخذه عن شخص آخر
стр. 95
وإن كانت مكانته العلمية في القمة، إذ إن عليه ألا ينقل إلا ما اطمأنت نفسه هو إليه.
ويمكن للطالب أن يفتتح الباب أو الفصل الذي يكتب فيه بمقدمة قصيرة تبين النهج الذي سيتبعه في دراسته، وأهم من هذا أن يجعل في ختام كل باب موجزا يعرض فيه باختصارٍ النتائج التي وصل إليها، ويكون الطالب صريحا كل الصراحة في عرض هذه النتائج، فيعرضها نهائية إذا اعتقد أن فيها فصل الخطاب، أما إذا لم تكن نهائية في نظره فيعرضها على أنها نهاية ما استطاع الوصول إليه، ولا يتردد في إعلان أنها ليست القول الفصل وأنه يرجو في ضوء ما قدم من أبحاث، وفي ضوء ما قد يظهر من مادة، أن يتمكن هو أو سواه في المستقبل من متابعة البحث رجاء الوصول به إلى الغاية.
وقد اتبعت هذه الخطة في موقف مماثل، فقد حدث أن عثرت على مخطوط قصير لا يعرف له مؤلف ثم عثرت على مخطوط آخر في نفس الموضوع ومؤلفه معروف وبين الاثنين تشابه من بعض الجهات مما جعلني أرجح -لا أجزم- أن مؤلفهما واحد، أو أن أحدهما مأخوذ عن الآخر.
وحينما كنت أبحث نشأة "الكتاب" الذي كان الأطفال -ولا يزالون في بعض البلدان- يتعلمون فيه القرآن الكريم والمعلومات الأولية أوردت أقدم نصوص عثرت عليها عن
стр. 96
الكتاب، ورجحت أن يكون الكتاب نشأ حوالي ذلك التاريخ.
وإذا كان الطالب يريد أن يورد أدلة؛ ليدعم رأيا معينا؛ فإن عليه أن يبدأ بأبسط هذه الأدلة ثم يتبعه بآخر أقوى منه، وهكذا يتدرج في إبراز فكرته، حتى إذا ما نقل السامع أو القارئ من جانب المعارضة إلى جانب التشكك، ألقى بأقوى أدلته؛ لتصادف عقلا مترددا فتجذبه، وتنال تأييده.
وليحذر الطالب من الاستطراد؛ فإنه يفكك الموضوع ويذهب وحدته وانسجامه، وأقصد بالاستطراد هنا الاستطراد بكل أنواعه، بأن يضاف للرسالة باب ليس وثيق الصلة بها، أو يوضع في أحد الأبواب فصل ليس واضح العلاقة بغيره من الفصول، أو الاستطراد في ثنايا الحديث بإضافة فقرة أو فقرات أو جملة أو جمل لا يتطلبها الهدف الذي يحاول الطالب الوصول إليه، ويجب أن ننبه إلى أن مثل هذا الاستطراد قد يحدث قلقا وارتباكا للقارئ، وهو على أية حال يقطع لذاته التي ركزها في تتبع نقطة ما، وقطع هذه اللذة يغضبه، ويؤثر في مدى انقياده للباحث، وذلك ما يجب أن يتجنبه الطالب الذكي.
مظهر الكتابة والإضافات لما كتب:
ويكتب الطالب على أوراق مسطرة ذات هامش كبير على الجانب الأيمن، ويكتب على سطر ويترك سطرا، وتكون
стр. 97
الكتابة- على وجه واحد من الورقة، كما أن عليه أن يلاحظ أن يترك في أسفل كل صفحة المسافة المطلوبة لكتابة الحواشي والمراجح.
وقد يعنُّ للطالب أن يضيف جديدا في ثنايا ما انتهى من كتابته؛ فإذا كان هذا الجديد سطرا فأقل، كتبه على السطر الذي تركه بين كل سطرين مع وضع إشارة كهذه "×" لتحدد موضع هذه الإضافة، أما إذا زادت الإضافة عن سطر واتسع لها الهامش الجانبي فإنها توضع فيه بعد تحديد موضع الإضافة.
وهناك طريق آخر لإضافة الزيادات التي تحتاج لحوالي خمسة أسطر، وذلك هو وضع سهم يبدأ عند المكان الذي يراد وضع الزيادة به، ويمتد هذا السهم ليشير إلى ظهر الورقة، ثم توضع الزيادة بظهر الورقة، وعلى الباحث أن ينبه الكاتب على الآلة الكاتبة؛ ليلاحظ ذلك عند كتابة الرسالة على الآلة الكاتبة.
أما إذا تجاوزت الزيادة هذا القدر فهناك طريقة أخرى أتبعتها في رسالة الدكتوراه فوجدتها -على ما تحتاج إليه من جهد وعناية- أكثر وضوحا وجلاء وهي أن تكتب الإضافة التي تزيد على خمسة أسطر كتابة مستقلة على ورقة تكبر أو تصغر بحسب هذه الزيادة، ثم تقطع الورقة
стр. 98
الأصلية عند المكان الذي يراد إدماج الزيادة عنده، وتثبت هذه الورقة الجديدة في مكان المعلومات الجديدة بصمغ، أو بورق لصق يوضع على ظهر الورقة، وتظهر مهارة الطالب في جعل الأسلوب متسلسلا متصلا مع هذه الزيادة الجديدة، والورقة التي أضيفت لها الزيادة تطوى من أسفل حتى لا يظهر طولها، وأذكر أن المكتب الذي تولى كتابة رسالتي على الآلة الكاتبة بانجلترا امتدح هذه الطريقة كثيرا، وذكر أنها يسرت عمل العمال تيسيرا ملموسا.
وعلى العموم فإنه يحسن إلغاء الورقة إذا طالت بها الزيادة أو تعددت الزيادات، وإعادة كتابتها من جديد في ورقتين أو أكثر مع وضع الإضافة أو الإضافات في أماكنها؛ أما مسألة تعديل أرقام الصفحات بسبب هذه الزيادة فسيأتي الحديث عنها فيما بعد.
وعلى الطالب أن ينتقد عمله بلا هوادة كلما سار فيه، وأن يدرك أن خبرته بموضوعه واسعة، تؤهله أن يتعرف مواطن الضعف به، وأن يحاول دائما أن يكمل نفسه، وينبغي أن يدع جانبا ما انتهى من كتابته ثم يعود إليه بعد بضعة أيام وينظر فيه لا بالفكر الذي أملاه، بل بفكر الناقد له، الباحث عن السبل التي ترفع مستوى هذه الرسالة وتجعلها أقرب للكمال، سواء في خطتها، أو في معلوماتها، أو أسلوبها.
стр. 99
القواعد والأسلوب١:
سواء أكانت الرسالة في موضوع علمي أو أدبي لا بد من سلامة قواعد اللغة وقواعد الإملاء، وإذا لم يكن الطالب واثقا من صحة ما يكتب فلا بد له أن يرجع إلى من يجيد هذه القواعد؛ ليصحح ما قد يكون قد وقع في الرسالة من هفوات أو أخطاء، وليس من مهمة الأستاذ المشرف -طبعا- أن يقوم بهذا التصحيح، فمهمته أسمى من ذلك، كما أن هذه الأخطاء وإن كانت شكلية فهي معيبة جدا في الرسائل.
أما جمال الأسلوب فليست الحاجة ماسة إليه في الرسائل العلمية، كالرسائل التي كتبت في موضوعات الطب العلوم والهندسة بشرط أن يتوافر فيها الوضوح والجلاء، ولكن الرسائل التي تكتب في موضوعات أدبية يحسن أن تكتب بأسلوب جميل، ويجب أن يكون مفهوما أن الأسلوب الجميل
стр. 100
ليس معناه الزخرفة والألفاظ الغريبة، فهذا ما يجب أن يتحاشاه الطالب؛ لأنه يتنافي مع طبيعة الرسائل، تلك الطبيعة التي تدعو أن يكون هدف الكاتب والقارئ هو الناحية الفكرية، ولهذا فمعنى الأسلوب الجميل في الرسائل هو أن يعرف الطالب جيدا:
- كيف تختار الكلمات.
- كيف تنظم الكلمات في جمل.
- كيف تتكون من الجمل العبارات والمقالات.
وفيما يلي بعض ما ذكره الباحثون؛ ليساعد الطلاب في إيضاح هذه النقاط الثلاث:
الكلمات:
يجب أن يكون معجم الطالب في اللغة التي يكتب بها واسعا، بحيث يمده باللفظ التي يدور معناها في خلده، ثم يمده بألفاظ متعددة مترادفة للمعنى الواحد إذا كان هذا المعنى سيتكرر عدة مرات في مكان واحد.
وتستعمل الكلمات المعاصرة الواضحة، لا الكلمات القديمة، ولا الكلمات حديثة الظهور، هذا في الأسلوب العادي، أما في ظروف خاصة كأن يكون الطالب يكتب مثلا عن شاعر قديم أو شاعر حديث مجدد فلا مانع من اقتباس بعض الألفاظ التي استعملها الشاعر على ألا تكون نابية مبهمة، وليدرك أن التعقيدات اللفظية والكلمات
стр. 101
الغريبة تسبب جفاف الأسلوب وإجهاد القارئ، وتشبه قِطَعًا من الحجارة تلقى في طريق ممهد، فتعوق السائر عن المسير بيسر.
ولا تستعمل الكلمات أو العبارات الأجنبية إلا إذا كانت كلمات أو عبارات اصطلاحية "Technical Terms" وفيما عدا ذلك فتجنبها لازم في الوسائل.
الجمل:
تكتب الجملة بأقل ما يمكن من الألفاظ، وكلما استطعت أن تضع معنى في ثمانية كلمات فلا تضعه في عشرة.
ويسبق المبتدأ الخبر، أو الخبر المبتدأ، ويتقدم الفعل على الاسم أو يتقدم الاسم على الفعل؛ تبعا لأهميته أولا، وثانيا للتطابق بين الجملة التي أنت بصدد كتابتها، وما سبقها من جمل.
ويتحاشى الطالب الفواصل الطويلة بقدر الإمكان بين الفعل والفاعل وبين المبتدأ والخبر، بحيث يكون من السهل على القارئ أو السامع أن يدرك الارتباط بين شطري الجملة أو بين الكلمة ومعلقاتها.
والجمل القصيرة تفضل الجمل الطويلة بوجه عام.
الأسلوب:
السجع جميل إذا حدث من حين لآخر وجاء عفوا، والتزواج بين الجمل محبوب.
стр. 102
وينصح الطالب ألا يقتبس مشهور الشعر أو الأمثال.
ويلاحظ أن تكرار المعاني معيب للغاية، وأن الحديث عن نقطة في أكثر من مكان عيب كبير١.
ومن مظاهر الأسلوب الجميل الارتباط بين الجمل بأن تأخذ كل منها بعجز سابقتها؛ ومن مظاهر الأسلوب الجميل كذلك البساطة، فالتعقيد يقلل من قيمة الرسالة، ثم الإيجاز بحيث يحس القارئ أنه يجد جديدا كلما قرأ، فإذا اتضحت الفكرة التي يشرحها الطالب، فليتوقف عن أن يضيف سطرًا واحدا إليها، وينتقل بالقارئ إلى فكرة أخرى.
ومن المستحسن كلما انتهى الطالب من كتابة فصل ما، أن يقرأ بصوت مرتفع؛ ليزاوج بين الجمل، وليطمئن إلى انسجام العبارات، وحسن جرسها ورنينها.
وكلمة أسلوب يغلب أن تستعمل في اللغة العربية لتدل على رقة العبارة وتسلسلها، وعدم التعقيد فيها على ما مر، ولكن للأسلوب معنى آخر أعم يشمل خطة الرسالة، والبراعة في عرض المادة، وترتيب الفقرات، وإبراز النتائج،
стр. 103
وكل ما من شأنه أن يؤثر تأثيرا قويا في قيمة الرسالة، والأسلوب بهذا المعنى يجب أن يلاحظ فيه الاعتبارات الآتية:
على الطالب ألا يكثر من إيراد براهين على مبادئ مسلم بها أو يمكن التسليم بها بسهولة؛ فمن الواجب أن تطرد قلة الأدلة أو كثرتها مع التسليم بالرأي أو الإمعان في مخالفته.
وعلي الطالب أن يتحاشى المبالغات، وأن يقصد كل ما يكتب، وقد حدث مرة أن كتب لي أحد الطلاب -وهو ينقد رأي ابن خلدون في ولاية العهد: "إن هذا الموضوع شائك، وقد كتبت فيه كتب كثيرة جدا"، فسألته أن يعدد لي بعض هذه الكتب التي وصفها بأنها كثيرة جدا، فتوقف ولم يجب، ويبدو أنه كتب "كثيرة جدًّا" دون أن يعنيها، وذلك وما يشبهه يجب ألا يقع فيه طالب الماجستير والدكتوراه.
ويتحاشى الطالب كذلك الأسلوب التهكمي وعبارات السخرية، فليس في الرسائل مجال لمثل هذا اللون من التعبير.
ويتجنب بقدر الإمكان كل ما سيفتح عليه بابا للخلاف، وهنا تبدو براعة الطالب الذي لا يحذف شيئا مهما ولا يتورط في الوقت نفسه في إثارة مشكلات يمكنه أن يفلت منها.
وحذار أن يجادل الطالب حبا في الجدل، فذلك أبعد ما يكون عن الروح العلمية التي ترمي -كما قلنا- إلى تبيان
стр. 104
الحقيقة، وعلى هذا إذا رأى أن الضرورة تقتضي مناقشة آراء الآخرين فليناقشها دون تهيب ودون مجاملة، ولكن بأدب جم، وعدل بعيد عن الهوى.
الضمائر:
أكثر الذين كتبوا في موضوع هذا الكتاب "كيف تكتب رسالة"، وتعرضوا للكلام عن ضمير المتكلم، ينصحون أن يتجنب الباحث ذكر هذا الضمير بكل أنواعه، سواء في ذلك ضمائر الرفع وضمائر النصب والجر، منفصلة أو متصلة، بارزة أو مستترة، للفرد أو للجماعة، وعلى هذا لا يقول: أنا، ونحن، وأرى، ونرى، وقد انتهيت في هذا الموضوع إلى ... ورأيي، ونحو ذلك، ومثل ضمير المتكلم ضمير المخاطب.
وينصح هؤلاء الكتاب الباحث أيضا ألا يكثر من استعمال الأساليب الآتية:
ويرى الكاتب، والمؤلف لا يوافق.. والباحث يميل.. أما التعبيرات التي يجب أن تغلب على الأسلوب فهي مثل: ويبدو أنه ... ويظهر مما سبق ذكره، ويتضح من ذلك، والمادة المعروفة عن هذا الموضوع تبرز.
هذا ما ذكره الكتاب الإنجليز الذين تعرضوا للكلام عن ضمير المتكلم والمخاطب، وهذا هو ما يتبعه الإنجليز في أسلوبهم، وما ينبغي أن يتبعه الذين يكتبون رسائلهم
стр. 105
بالإنجليزية كطلاب الطب والعلوم بالجامعات المصرية، وقد اتبعت ذلك إلى حد كبير في رسالتي التي كتبتها بالإنجليزية وحصلت بها على الدكتوراه من جامعة كمبردج، ولكني عندما بدأت أترجم هذه الرسالة للغة العربية، وجدت أنه لا غنى عن استعمال الضمائر في بعض الأحايين، ثم تناقشت مع بعض الأساتذة في ذلك، فاتفقنا على أن أسلوب اللغة العربية لا يتنافى مع هذه الضمائر على ألا يكثر استعمالها، وعلى أن تخلو من مظهر الفخر والاعتداد بالنفس.
وعلى هذا ينصح الذين يكتبون رسائلهم باللغة العربية ألا يكثروا من استعمال ضمير المتكلم والمخاطب، وأن يلاحظوا -إذا استعملوا ضمير المتكلم- التواضع والأدب الجم، فالحديث عن النفس غير محبوب غالبا للقارئ والسامع، ويتحاشى الطالب عبارات مثل: إن الأبحاث التي قمت بها تجعلني اعتقد ... ولا أوافق هذا الكاتب على، لأني استطعت الحصول على مادة ... وغير ذلك من الأساليب التي فيها مظاهر الإعجاب، وعلى الطالب أن يكون ماهرا في إبراز ما يريد بأسلوب سمح هادئ وأن يستعمل الأساليب التي سبقت الإشارة إليها مثل: ويبدو أنه.. ويتضح مما تجمع من مادة.
الفقرات:
الفقرة وحدة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى عنوان، وهي
стр. 106
تكون مع غيرها من الواحدات "فصلا" مستقلا له عنوان، ومن مجموعة الفصول يتكون "الباب".
والفقرة مجموعة من الجمل بينها اتصال وثيق لإبراز معنى واحد أو لشرح حقيقة واحدة، وينبغي أن يلاحظ أن للفقرة استقلالا يمكن معه أن يطلق عليه أنها "بحث قصير" أو "بحث داخل بحث" ولهذا يجب أن تستوفى عناصر الاستقلال، وأن تؤدي إلى نتيجة واضحة، وأن تكون حول فكرة واحدة.
وللفقرة طول متوسط فلا ينبغي أن تكون طويلة جدا ولا قصيرة جدا، وإن كان قصرها مقبولا عن طولها.
وترتيب الفقرة ينبغي أن يكون متسلسلا ومنطقيا، تنبني كل جملة على ما قبلها وتمهد لما بعدها لإيضاح الفكرة التي يراد إبرازها.
وينبغي كذلك ملاحظة الصلة التي بين كل فقرة وأخرى بأن تحوى كل فقرة نوعا من الارتباط بالفقرة السابقة؛ إذ إن جميع الفقرات في الفصل تخدمه وتوضحه.
ومن حيث إن كل فقرة وحدة قائمة بذاتها، فينبغي أن يبرز ذلك للعين فضلا عن بروزه للعقل، ومعنى ذلك أن تظهر الفقرة مستقلة على الورق، فيبدأ الكاتب سطرا جديدا لكل فقرة، ويترك فراغا عند بدء ذلك السطر، ويضع نقطة عند انتهاء الفقرة، ويترك بين كل فقرتين فراغ أوسع
стр. 107
قليلا من الفراغ المتروك بين السطرين في الفقرة الواحدة، وذلك حتى تظهر الفقرة مستقلة بنفسها تمام الاستقلال، وهو ما اتبعناه في هذا الكتاب.
الاقتباس:
يعتبر الاقتباس من أهم المشكلات التي يجب على الباحث أن يدرسها بكامل العناية والاهتمام، ويدرس كل ما يحيط بها من ظروف على ما يلي:
١- أول ما يوصى به الطالب أن يلاحظ ما سبق أن فصلناه عن ضرورة الدقة في اختيار المصادر التي يقتبس منها، بأن تكون مصادر أصلية في الموضوع جهد الطاقة، وأن يكون مؤلفوها ممن يعتمد عليهم، ويوثق بهم.
٢- ثم يجيء بعد ذلك أن يلاحظ الطالب الدقة التامة في النقل، ويضع ما يقتبس بين شولات، وإذا كان الاقتباس لأكثر من فقرة يجب أن توضع شولتان قبل بدء كل فقرة، ولكن الفقرة الأخيرة فقط هي التي تختم بشولتين، ويشار في الحاشية إلى المرجع الذي اقتبس منه.
٣- ولا بد من حسن الانسجام بين ما اقتبس وما قبله وما بعده بحيث لا يبدو أي تنافر في السياق.
٤- ويجب ألا تختفي شخصية الباحث بين ثنايا كثرة الاقتباسات، وألا تكون الرسالة سلسلة اقتباسات متتالية،
стр. 108
كما يجب أن تنسق الاقتباسات تنسيقا بديعا، وألا توضع خالية من التقديم والمقارنة والتعليق، حسب الظروف.
٥- أما عن طول الاقتباس في الرسالة فقد وضع الباحثون له نظاما يلخص فيما يلي:
إذا لم يتجاوز طول الاقتباس ستة أسطر فإنه يوضع كجزء من الرسالة ولكن بين شولات " ... " فإذا تجاوز ستة أسطر إلى صفحة فإنه حينئذ لا يحتاج إلى شولات، ولكنه يوضع مميزا بأن يترك فراغ أوسع بين الاقتباس وبين آخر سطر قبله وأول سطر بعده، وبحيث يكون الهامش على يمين الاقتباس وعن شماله أوسع من الهامش الأبيض المتبع في بقية الرسالة، وأن يكون الفراغ بين سطوره أضيق من الفراغ بين السطور العادية "مسافة واحدة في حالة الآلة الكاتبة، وفي حال الطبع يكون بنط الحرف الذي يجمع به الاقتباس أصغر قليلا من بنط الحرف الذي جمع به الكتاب"، وقد مرت أمثلة في هذا الكتاب طبقت فيها جميع هذه الإرشادات١، فإذا تجاوز ما يراد اقتباسه عن صفحة فإنه لا يجوز حنئذ الاقتباس الحرفي، بل يصوغ الكاتب المعنى في أسلوبه الخاص ويشير في الحاشية إلى ما يفيد أن هذا المعنى -لا الألفاظ- قد اقتبس من مرجع كذا، كأن يقول: انظر كتاب معجم البلدان لياقوت جـ٢ ص٢٢٥ وما بعدها.
стр. 109
٦- الاقتباس لا يكون من الكتب والمجلات فحسب؛ بل يكون أيضا من المحاضرات أو من محادثات علمية شفوية.. ولكن يجب حنيئذ استئذان صاحب الرأي ما دام هذا الاقتباس لم يصبح عاما بنشره للجماهير في كتاب أو مقال.
٧- وإذا كان الطالب يريد اقتباس رأي لمؤلف ما ليناقشه، فعليه أن يتأكد من أن هذا المؤلف لم يعدل عن هذا الرأي فيما نشر بعد ذلك من أبحاث، أو في الطبعات الحديثة للكتاب.
٨- ويجوز أن يحذف الطالب من الفقرة التي يقتبسها كلمة أو جملة لا يحتاج إليها في بحثه على ألا يضر الحذف بالمعنى الذي يريده الكاتب الأصلي، وفي حالة الحذف يجب أن توضع نقط أفقية متتابعة في موضع الحذف، مثل ... فإذا اقتبس الطالب فقرة كاملة ثم ترك فقرة، وعاد يقتبس مرة أخرى، فالدلالة على ما حذف تكون بوضع سطر تام مستقل من النقط.
٩- وفي بعض الحالات يضطر الطالب أن يضيف كلمة أو كلمات في أثناء الاقتباس؛ ليشرع شيئا أو ليبين مرجع ضمير أو نحو ذلك، ولا بد إذن أن توضع هذه الزيادات داخل علامتين مثل [] .
التفريع:
يكون الطالب ماهرا إذا استطاع أن يتتبع طريقا واضحا
стр. 110
منظما كلما استدعته دراسته أن يفرع فروعا متعددة لأصل واحد، وهذه المسألة الشكلية ذات قيمة كبيرة في الرسائل وفي الكتابة على العموم، فإذا قسم الطالب مسألة ثلاثة أقسام مثلا، ثم قسم أحد هذه الأقسام إلى فرعين، وهكذا، فيجب:
أولا: أن تبدأ أسطر الفروع داخلة قليلا عن بدء أسطر الأصول.
ثانيا: أن توضع الأسطر ذات الرتبة الواحدة أحدها تحت الآخر بكل ضبط وعناية.
ثالثا: أن يلاحظ الدقة في الأرقام أو الحروف التي يضعها للتعريف بالأقسام والفروع.
وفيما يلي مثال ذلك:
والموارد الإسلامية التي رتبت لسد المصالح العامة هي:
أولا: الزكاة، وتجب في:
أ- النقد.
ب- عروض التجارة.
جـ- السوائم، وتشمل السوائم ما يلي:
١- الإبل على ألا تقل عن خمسة.
٢- البقر على ألا تقل عن ثلاثين.