← Указатели

Указатели · id 8661

كيف تكتب بحثا أو رسالة دراسة منهجية لكتابة البحوث وإعداد رسائل الماجستير والدكتوراة

أحمد شلبي

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رائعة، ومع هذا فقد حاربته الدولة العثمانية حربا قاسية، وأسقطته، وأزالت دولة المماليك من العراق وكان ذلك سنة ١٨٣١م، وقد أوحى هذا التاريخ لي بمقارنة مهمة فسرت إصرار الدولة العثمانية على إسقاط ممالك العراق آنذاك، فكتبت في الجزء السابع من موسوعة التاريخ الإسلامي أوضح أن محمد على باشا بمصر كان يطمع في أن ينال ولاية الشام مكأفأة له على الجهد الذي بذله في حرب اليونان ولما رفض الباب العالي هذا الأمل أعلن محمد علي استقلاله بل اتجه ليحقق أطماعه بالقوة، فاكتسحت الجيوش المصرية بلاد الشام ثم منطقة الأناضول سنة ١٨٣١ وخاف الباب العالي أن توجد بالعراق قوة استقلالية تقلد الحركات التي قام بها محمد علي، وإذا كان الباب العالي يحتمل بشكل ما استقلال مصر وقوتها فإن الوضع مختلف بالنسبة للعراق لأن حدود العراق تتاخم حدود تركيا. وهذا يفسر لنا تحديد الوقت للقضاء على المماليك بالعراق وهو سنة ١٨٣١ أي نفس السنة التي بدأ فيها محمد علي باشا زحفه على الشام والأناضول، ولم يشفع لداود باشا أن حكمه كان أحسن العهود فكرا واستقرار.

стр. 37

وفيما يتعلق بعدم التسليم بالآراء التي سبق الباحث بها وبالتزامه أن يعيد التفكير في المقدمات لعله يصل إلى نتائج أحسن مما وصل إليه السابقون، نذكر أن نذكر أن أكثر الباحثين في التاريخ الإسلامي يتحدثون عن نظام تولية العهد لأكثر من واحد في الدولتين الأموية والعباسية على أنه كان من دواعي الاضطراب والضعف في هاتين الدولتين، ومن أهم العوامل التي أدت إلى سقوطها. يقول الدكتور حسن إبراهيم في كتابه تاريخ الإسلام السياسي١ تحت عنوان "أسباب سقوط الدولة الأموية" ما يلي: كان من بين الأسباب التي أثرت في اضمحلال البيت الأموي وذهاب ريحه، ولاية العهد لاثنين يلي أحدهما الآخر ... ولا غرو فإنه لم يكد يتم الأمر لأولهما حتى يعمل على إقصاء الثاني من ولاية العهد وإحلال أحد بنيه مكانه. وأول من سن هذه السنة مروان بن الحكم فقد ولى عهده ابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز، ولم يأبه بما كان في مؤتمر الجابية وما أجمعوا عليه حينذاك من البيعة بعده لخالد بن يزيد ثم

стр. 38

عمرو بن سعيد، وكان من أثر ذلك خروج عمرو بن سعيد بن العاص على عبد الملك وقضاء الأخير عليه. ويقول الخضري١ وهو يتحدث عن الأسباب التي أدت إلى ضعف الدولة العباسية وتلاشيها ما يلي: وحاول العباسيين التخلص مما تقضي به العهود إذا رأوها مخالفة لمصالحهم ولا سيما العهود التي تعقد لتولي الخلافة، فإنهم جعلوها من الأشياء التي يسهل حلها، وإن كان بعضهم يحاول أن يلبس باطله ثوب الحق، فعل ذلك المنصور مع عيسى بن موسى الذي عقد له السفاح الخلافة بعد المنصور فقدم عليه ابنه محمد المهدي، وهذا التقديم وإن كان قد تم بطلب عيسى ورضاه إلا أننا نعرف كيف توصل المنصور إلى الحصول على هذا الرضا من الإساءات المتكررة لعيسى ومن التهديد المتواصل.. وفعل المهدي مثل ذلك فحذف عيسى بن موسى وولى ولديه الهادي والرشيد.

стр. 39

فهل كانت ولاية العهد لأكثر من واحد مصدر خطر على الدولة الإسلامية؟ وهل كانت من أسباب سقوط الأمويين والعباسيين؟ الجواب عندي بالنفي؛ لقد قرأت رأي هذين المؤرخين الفاضلين ولم أجد أحدا من القدامى أو المحدثين يخالفهما في تقرير هذه النتيجة، غير أن قراءتي لكل هؤلاء كانت بروح مستقلة، وكنت أقرأ الحوادث لأضع أنا نتيجة تتفق أو تختلف مع الآخرين، فتبين لي من استعراض التاريخ الإسلامي أن هذا الجرح لم يكن بعيد الغور، وأن تغيير ولي العهد كان يتم بدون اضطراب يذكر، ولم يكن يستلزم هذا التغيير أكثر من اضطهاد شخص ولي العهد الذي كان يودي بنفسه، أو يطاطئ للعاصفة ويستجيب للقوة، وأنه هو -لا الدولة- الذي كان يقاسي العناء من هذا الإجراء، والوقفة الوحيدة القوية التي وقفها ولي عهد، هي تلك التي أشعل أوارها المأمون في وجه الأمين، وحتى هذه مرت وكان ضحيتها الأمين، أما الدولة العباسية والدولة الإسلامية فقد أفادتا من التعجيل بنقل السلطة من يد الأمين العابث إلى يد المأمون العظيم. هذا ولا نزاع أن المأمون استطاع أن يقف هذه الوقفة لأن

стр. 40

الرشيد ولاه خراسان بجميع أعمالها وأعد له جيشا كبيرا ومات الرشيد حينما كان المأمون بخراسان، ولم يجعل الرشيد للأمين عليه سلطة فيما وليه من بلاد، وذلك وحده هو الذي ساعد المأمون ليقف في وجه الأمين، ولو كان المأمون وليا للعهد، ولا نفوذ له لطاحت رأسه إذا تمرد كما فعل بعمرو بن سعيد، أو لخضع لرغبة الخليفة كما خضع عيسى بن موسى للمنصور وللمهدي، وكما كان الرشيد على وشك أن يخضع للهادي لولا وفاة الأخير. فليس في التاريخ ما يحدثنا عن أن تولية العهد لأكثر من واحد أسقطت الدولة أو كانت سببا مهما في اضطرابها، وأما الحرب بين الأمين والمأمون فإنها، وإن كانت حقيقة واقعة إلا أن لي فهما خاصا فيها، وهو أنها وقعت بسبب تولية المأمون خراسان وما حولها. وقد تدهورت الدولة الفاطمية في مصر بعد مدة قصيرة من قيامها، أي منذ عهد الحاكم، مع أنه لم يكن في نظام هذه الدولة جعل ولاية العهد لأكثر من واحد، وعاشت خلافة العباسيين أكثر من خمسة قرون، مع نظام التعدد اتبع بها منذ عهدها الأول.

стр. 41

هذه الأمثلة وغيرها١ تدعو الطالب أن يفحص بعمق كل ما يقرأ، وألا يسلم بما قرره غيره من نتائج، بل يدرس هو الأحداث والأسباب مع مقارنة النصوص بعضها ببعض، لتبرز شخصيته في كل مراحل البحث، شخصية إيجابية مؤثرة، ولكن حذار أن يبالغ الطالب في ذلك فيجادل بالحق وبالباطل؛ فهذا ما يجب أن يبعد عنه طالب الأبحاث كل البعد. وأخيرا فالرسالة فرصة ليثبت الطالب سعة إطلاعه، وعمق تفكيره وقوته في النقد، والتبصير فيما يصادفه من أمور.

стр. 42

الباب الثاني: مشكلات ما قبل الكتابة الأستاذ المشرف: يبدأ دور الأستاذ المشرف مبكرا، ولذلك كان لابد أن نبكر في الحديث عنه. والأستاذ المشرف تختاره الكلية أو المعهد الذي يتبعه الطالب، ومن الحق أن نقول إن العلاقة تبدأ بين الطالب والأستاذ قبل أن يعين الأستاذ للإشراف؛ فالعمل الذي تقوم به الكلية أو المعهد هو في الواقع تقرير لشيء حاصل. وتدلني تجاربي بجامعات إنجلترا على أن زمام الأمر متروك -إلى حد كبير- إلى الأستاذ المشرف، فهو الذي يقابل الطالب، ويقرر مستواه ومدى صلاحته، وتقريره مقبول دائما، ومن أمثلة ذلك أن أحد الطلاب بجامعة لندن قدم أوراقه فقرر الأستاذ أن صلاحيته لتحضير رسالة الماجستير تتوقف على نجاحه في امتحان مؤهل حدده له، ثم غير الأستاذ رأيه في الطالب بعد بضعة شهور أثبت الطالب خلالها كفاءته فطلب الأستاذ منه سحب أوراقه وتقديمها من

стр. 43

جديد، وكان القرار الثاني أن الطالب صالح للتحضير للدكتوراه وبدون أي امتحان مؤهل، كما أني رأيت بجامعة كمبردج طالبا سمح له بالتحضير الدكتوراه مع أنه لم يلتحق قبل ذلك بجامعة، ولا يحمل مؤهلا قط، ولكنه أثبت صلاحية وامتيازا في امتحان تحرير وآخر شفوي عقدا له في الجامعة، وأجمع الممتحنون -وأستاذه منهم- على أن مستواه يسمح له بالتحضير للدكتوراه. وكل ما يشترط في الأستاذ المشرف بجامعات إنجلترا هو صلته العلمية بموضوع البحث، وتخصصه وتعمقه فيه، دون أي اهتمام بمكانته بين أعضاء هيئة التدريس، فقد يكون مدرسا أو أستاذا مساعدا أو أستاذا. ولا تسير الأمور في مصر ولا في البلاد العربية على هذا المنوال؛ فليس للأستاذ المشرف هنا من السلطة في تقدير مستوى الطالب، مثل ما للأستاذ المشرف هناك، إذ أن القوانين في البلاد العربية تتدخل في كثير من الأمور لتنظيمها. والأستاذ المشرف في مصر وفي البلاد العربية هو أستاذ المادة، أو الأستاذة المساعد، وليس للمدرسين أن يشرفوا على تحضير الرسائل بصفة رسمية، فالاتجاه القانوني في الجامعات العربية يرى في الأستاذ أو الأستاذ المساعد مزيدا من الخبرات والتجارب تساعد على رفع مستوى البحث، وقد أجازت القوانين المصرية حديثا أن يشترك المدرسون في

стр. 44

الإشراف مساعدين للمشرف الرئيسي أستاذا كان أو أستاذا مساعدا. ويبدأ دور الأستاذ المشرف مبكرا كما سبق، فعقب اقتراح الطالب موضوع البحث يرشده الأستاذ عن الظروف المحيطة بهذا الموضوع، فقد يكون بحث من قبل على النحو الذي يقترحه الطالب، وقد يكون موضوعا لا يستحق المجهود الذي سيبذل فيه، لجفافه أو عدم إفادته، وقد يكون من الموضوعات التي تحتاج للغات لا يعرفها الطالب. واختيار الموضوع هو في الحقيقة مهمة الطالب، ولكن لا مانع أن يوجهه الأستاذ المشرف، ويقترح عليه حتى يتمكن من اختيار موضوعه، وسنتكلم عن اختيار الموضوع فيما بعد. ومتى تم الاتفاق على الموضوع فمن واجب الطالب أن يظل على صلة بالأستاذ المشرف، وأن ينسق علاقته به، ليظل الأستاذ المشرف على علم تام بالخطوات التي يخطوها الطالب، ويعرف تماما مدى التقدم والتطور الذي يحصل عليه. وفي هذه الناحية لا تختلف الجامعات فحسب، بل يختلف الأساتذة المشرفون أنفسهم في الجامعة الواحدة، أو حتى في الكلية الواحدة، ويدعوني هذا أن أتحدث بكثير من الفخار والاعتزاز عن أستاذي بورفسور آرثر أربري أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة كمبردج، فقد نظم لي مقابلة أسبوعية طوال مدة تحضيري للدكتوراه بهذه الجامعة، وكانت المقابلة تطول أو تقصر حسب الموضوع الذي أعرضه، والنقاش.

стр. 45

الذي يدور حوله، وكان لقائي بعد بعد ظهر الخميس من كل أسبوع، فإذا ما تعذر هذا الموعد لطارئ أجل لليوم التالي أو الذي بعده، ولكنه ما كان يلغي قط، وهكذا كان يفعل برفسور أربري مع جميع طلابه. والطالب الذي يقابل أستاذه من حين لآخر يستفيد جدا من خيرة أستاذه وتوجيهه، ثم يدرك إلى أي مدى خطأ، لأنه ينهي العمل نقطة نقطة بإشراف أستاذه، وهذا الوضع يريح الأستاذ أيضا، فهو في النهاية لا يحتاج إلا إلى نظرة سريعة إلى الرسالة، لأنه يعرف دقائقها، وقد مرت عليه كلها، وأبدى فيها ما شاء من نقد وتوجيه كان ينفذ أولا فأولا. والطالب وحده هو المسئول عن رسالته، ولا ينبغي أن يظن أن أستاذه يشاركه أية مسئولية، كما لا ينتظر أن يدافع عنه أستاذه عند نقاش نقطة ما، ولو أقرها الأستاذ عند الإعداد، فالأستاذ المشرف يفرق تماما بين كونه مشرفا وبين كونه ممتحنا، وطالما وافق الأستاذ في إنجلترا على تقديم الرسالة للمناقشة، ثم كانت نتيجة هذه المناقشة أن يطلب إجراء تعديل بها وتقديمها مرة أخرى، مع أن الأستاذ المشرف قد يكون أحد الممتحنين. والحق أن من العدالة ألا يخرج الأستاذ المشرف الرسائل التي يشرف عليها مصبوغة بروحه وعلمه، بل أن تصبع بروح الطالب وجهده، حتى يمكن التفاوت العادل بين الرسائل التي يعدها طلاب متعددون متفاوتو المواهب تحت إشراف أستاذ واحد.

стр. 46

اختيار موضوع الرسالة: اختيار موضوع الرسالة قد يبدو مهمة شاقة على الطالب، إذ أنه ربما ظن أن أهم الموضوعات التي تتصل بتخصصه قد بحثت ووضحت، والحقيقة أن هذه الفكرة لا تتفق مع الواقع في شيء، فأغلب الأساتذة -إن لم يكن كلهم- يدركون أن موضوعات كثيرة لا تزال في حاجة إلى من يدرسها ويخرجها للوجود، وكثيرون منهم يشغلون أنفسهم بإخراج واحد من هذه الموضوعات، ويتمنون لو أتيح أن يحصلوا على من يعمل في الموضوعات الأخرى، ولكن الأساتذة يحرصون على أن يتركوا للطالب أن يثابر على حضور محاضرات أستاذه، وأن يكون وثيق الصلة بأساتذة المادة التي تخصص فيها، يجالسهم ويناقشهم، وسيصل حتما إلى معرفة الموضوعات التي تستحق دراسة أوسع وأعمق، فيختار منها ما يلائمه ويوافق ظروفه١. وإذا وجد الطالب من نفسه ميلا لدراسة موضوع ما،

стр. 47

وجب عليه قبل تسجيله والتقيد به أن يسأل نفسه الأسئلة الآتية: ١- هل يستحق هذا الموضوع ما سيبذل فيه من جهد؟ ٢- أمن الممكن كتابة رسالة عن هذا الموضوع؟ ٣- أفي طاقتي أنا أن أقوم بهذا العمل؟ ٤- هل أحب هذا الموضوع وأميل إليه؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي في أي من هذه الأسئلة، فليحاول موضوعا آخر دون أن يضيع وقته ونشاطه في دراسة لن تكتمل له فيها عناصر النجاح. ولنعد إلى هذه الأسئلة بشيء من الإيضاح: ١- ليس كل موضوع يستحق الجهد الذي سيبذل فيه، وعلى هذا يجب أن يحرص الطالب الطموح على أن يختار موضوعا حيا ليحصل به على الماجستير أو الدكتوراه بحث يفتخر بنشره وتقديمه للقراء بعد ذلك، وهنا انتهز الفرصة لأحث الطلاب على اختيار الموضوعات النافعة، لا الموضوعات التي تختفي في مكاتب أصحابه بمجرد حصولهم على الدرجة التي تقدموا لها، فليست المسألة أن يكتب رسالة أو ينال درجة، بل أن يخرج موضوعا مفيدًا يكون تذكارًا جميلًا لحياة الدراسة، وأثرا خالدا يتكافأ، والوقت الذي قضى فيه، والعناء الذي صودف من أجله، ويدعو مبدأ ربط العلم بالحياة أن يحاول الطالب اختيار

стр. 48

موضوع ينتفع به عمليا بعد تمامه، كأن يحاضر فيه إذا كان مدرسا، أو ينتفع به في معمل أو عمارة إذا كان يشتغل بالعلوم أو الهندسة. ٢- وقد يكون الموضوع مفيدا وطريفا ولكن المادة الموجودة عنه غير متوافرة، ولا تكفي لتكوين رسالة، ومثل هذا الموضوع يصلح لمقال علمي ينشر في المجلات العلمية، ولكنه لا يكون موضوع رسالة، والمقال العلمي من هذا النوع لا يختلف عن الرسالة من ناحية الكيف، وإن كان دونها من ناحية الكم. ٣- وأما السؤال الثالث فيشير إلى حالة الطالب وظروفه الخاصة، ويشمل ذلك اللغات التي يعرفها، والوقت الذي يكون قد خصص لهذا العمل، ومقدرة الطالب المالية، فالطالب الذي لا يعرف لغات متعددة لا يمكنه أن يكتب كتابة ناجحة عن موضوع كتب عنه بلغات كثيرة، ومن هذه الموضوعات موضوع الشيعة والموالي في الدراسات الإسلامية. وعلى هذا فالطالب الذي لا يجيد إلا اللغة العربية يحسن به أن يختار موضوعا غير مطروق كثيرًا للمستشرقين، حتى يستطيع أن يقرأ كل ما كتب عنه، ولا يصرفنا هذا عن تقرير حقيقة مهمة، هي إن إجادة لغة أخرى غنية على الأقل يعد عنصرا هاما من عناصر نجاح الرسالة، حتى يستطيع

стр. 49

الطالب أن يقرأ أفكار قوم آخرين بلغتهم، ويرى كيف يعالجون الموضوعات العلمية، وسيلمس بنفسه حينئذ أنهم يختلفون في كثير من الاتجاهات عن قومه الناطقين بلغته، ولا يكفي أن يقرأ الطالب ترجمة أبحاثهم، لأن المربين يقررون أن قراءة أفكار الرجل بلغته تفضل كثيرا قراءة أفكاره بلغة سواه. وتتدخل اللغات كذلك من ناحية أخرى، فالطالب الذي يجيد الأسبانية أو الروسية مثلا في بلاد لا تنتشر فيها هاتان اللغتان، يجدر به أن ينتهز هذه الفرصة ويختار موضوعا كتب عنه الأسبان أو الروس ليتمكن من نقل بعض أفكارهم إلى قومه. وللوقت تأثير كبير في اختيار الموضوع، فإذا كان على الطالب أن ينتهي من بحثه في مدة محددة -كعضو البعثة مثلا- فإن عليه أن يختار موضوعا يستطيع الفراغ منه في هذه المدة. وقد يكون للناحية المالية دخل في اختيار الموضوع، كأن يستلزم السير فيه القيام بزيارات نائية لدراسة ميدانية، أو يحتاج إلى صور مخطوطات تطلب من مكتبات بعيدة مقابل دفع تكاليفها، أو إلى شراء مراجع معينة حديثة لم تزود بها المكتبات العامة بعد، فإذا كانت حالة الطالب المالية لا تساعده على ذلك فالموضوع لا يناسبه، وقد يناسب سواه.

стр. 50

وبمناسبة الحديث عن المراجع يجدر بنا أن نقول: إن مراجع معينة قد تدفع الطالب لاختيار موضوع خاص، كأن يكون لدى الطالب أو أسرته مكتبة غنية بنوع من الكتب يناسب ثقافته مما قد يشجعه على اختيار موضوع تغذية هذه المكتبة بالقسط الأوفر من المصادر، ويظهر هذا بوضوح في حالة بعض الهنود الذين يميلون لدراسات تتصل بالطائفة الإسماعيلية، لأن بالهند كثيرا من العلماء الذين يملكون مكتبة غنية بالكتب في هذا الموضوع، كما أن الطالب قد يعثر على مخطوط أو عدد من المخطوطات لم تنشر بعد، وفيها مادة جديدة، فيدفعه ذلك إلى موضوع يتصل بهذه المعلومات الجديدة النافعة. ومثل المراجع ما يحدث أحيانا في بعض المصانع، فمصنع السيارات مثلا قد يصادف مشكلة ما في عمله، فيحيل المصنع هذه المشكلة إلى كلية متخصصة لتدرسها، ولتحاول أن تجد لها حلا، ويعلن المصنع عادة عن ألوان من المساعدات والتسهيلات للطالب الذي يعني بهذه الدراسة. ٤- وأما السؤال الرابع فيتصل بالعاطفة التي لا يمكن أن تتجاهل في هذا الصدد، إذ أن الطالب سيعيش مع موضوعه مدة أقلها سنتان، وعلى هذا يجب أن يختار موضوعا يحبه، ويمتزج بدمه، ويتصل بروحه، يقبل دائما عليه، ويفر لا منه بل إليه.

стр. 51

وما يناسب تفصيله هنا ما سبق أن أشرنا إليه من أن الطالب لا يختار موضوعا يتعصب ضده أو يتعصب له، فالطالب الشيعي النزعة، الإمامي العقيدة لا يكتب رسالة عن عمر بن الخطاب "﵁". والطالب الشيوعي لا يدرس موضوعا يدور حول نظرية اقتصادية يحتضنها الاقتصاديون الرأسماليون، ففي مثل هذه الموضوعا يقف الطالب حائرا بين الأمانة العلمية وبين العاطفة التي قد تثور ضده، فلا يقوى على مواصلة العمل والتحمس له. وكما أن الطالب لا يختار موضوعا يتنافى مع عقيدته وعاطفته، فكذلك لا يختار موضوعا توجب عليه عاطفته أن يسير فيه سيرا معينا، فلا يكتب طالب رسالة عن أبيه العالم أو السياسي؛ خوف أن يغفل هفواته ويبالغ في تصوير حسناته، ومثل ألب أي إنسان أو أي موضوع يكن له الطالب كامل الإحلال والتقدير لعلاقة خاصة. ويجب أن نبرز هنا نقطتين مهمتين: ١- من الممكن أن يكتب الإنسان كتابا فيما لا يجوز أن يكتب فيه رسالة، ومن اليسير أن تلمس الفرق واضحا بين كتاب، ورسالة كتبا في موضوع واحد، فمثلا كتب سامي الكيالي كتابا عن طه حسين عنوانه "مع طه حسين" "سلسلة اقرأ عدد مايو سنة ١٩٥٢" وقدم Pierre Caschia لجامعة ادنبره رسالة سنة ١٩٥١ حصل بها على الدكتوراه موضوعها،

стр. 52

"طه حسين" والمطلع السفرين يرى أن سامي الكيالي يمدح الدكتور طه في كل سطر، ويدافع عنه في كل فقرة، ويملأ صفحات كتابه ثناء وإعجابا بالمفكر الحر والكاتب العظيم دون أن يخط سطرا واحدا ينقده به أو يخالف فيه آراءه، فهذا كتاب وما كان من الممكن أن يكون رسالة، ولكن Pierre Caschia يحلل ويعرض، ويمدح وينقد، ويتفق ويختلف، وغير ذلك مما جعل عمله رسالة وكتب له النجاح فيها. ٢- إذا استطاع الطالب أن يجرد نفسه تجريدا تاما من كل ميل، ويبدأ بحثه خاليا من أي مؤثر، مستعدا لينقب وليعلن النتائج التي يقوده إليها بحثه الحر، وكانت الظروف تتيح له هذا الوضع، فإنه حيئنذ يمكنه أن يختار موضوعا من الموضوعات التي سبق أن حظرناها عليه. واختيار موضوع الرسالة هو مهمة الطالب كما سبق، وهي مهمة تحتاج إلى إرشاد المشرف وتوجيهه، ويجب أن يكون الموضوع متصلا تمام الاتصال بتخصيص الطالب، وبدراسته بالجامعة في أثناء عمله للحصول على الليسانس أوالبكالوريوس، كما يحسن أن يطلب إلى الطالب أني كتب بضعة بحوث في موضوعات مختلفة في المادة التي تخصص فيها، ويدور بعضها حول موضوعه، قبل أن يبدأ العمل في رسالته، فإن هذه البحوث بإشراف الأستاذ ستعطي للطالب فرصة الدربة ليستطيع أن يبدأ عمله في الرسالة بنجاح.

стр. 53

ويميل كثير من الطلاب إلى أن يختاروا للماجستير موضوعا يكون ذا صلة فيما بعد بدارسة جديدة ذات طابع أعمق، وعناصر أوسع، تصلح للدكتوراه، كأن يكتب الطالب رسالة الماجستير عن: أبو نواس، حياته وشعره، ثم يجعل رسالة الدكتوراه عن الخمريات في العصر العباسي الأول، وكأن تكون رسالة الماجستير عن: عبد الرحمن الناصر، ورسالة الدكتوراه عن: الحالة الاجتماعية في العهد الأموي بالأندلس. ويحرص الطالب الطموح أيضا على أن يختار للدكتوراه موضوعا يكون أساسا لدراسات أوسع يقوم فيها فيما بعد، وقد انتفعت أنا بهذه التجربة فقد كتبت رسالة الدكتوراه عن "تاريخ التربية الإسلامية" وفيها تحدثت عن نقابات المدرسين، وعن تاريخ الشهادات الدراسية، وعن تكافؤ الفرص بين الطلاب، وتوجيههم حسب مواهبهم، وغير ذلك، ولما كانت التربية الإسلامية جزءا من الحضارة الإسلامية، فقد فتحت هذه الرسالة أمامي آفاقا أوسع لاستكمال الدراسة عن الحضارة الإسلامية، فكتبت موسوعة الحضارة الإسلامية في عشرة أجزاء شملت الكلام عن السياسة في الفكر الإسلامي، وعن المجتمع الإسلامي، وعن الاقتصاد في الفكر الإسلامي وعن العلاقات الدولية في الفكر الإسلامي، وغيرها..

стр. 54

ويجب أن تكون الرسالة عملا مستقلا يقوم به طالب واحد، ويحدث في بعض الأحيان أن يختار عدد من الطلبة موضوعا واحدا ليبحثه كل منهم بحثا مستقلا من زاوية معينة مثل: ١- المذهب الإسماعيلي: مبادئه وطرق الدعاية له. الدولة الفاطمية: ٢- السياسة الخارجية لخلفاء الفاطميين. ٣- وزراء الدولة الفاطمية. كما يحدث أن يختار عدد من الطلاب موضوعا واحد ليبحثه كل منهم في فترة خاصة مثل: ١- في صدر الإسلام. الحياة الاقتصادية. ٢- في العهد الأموي. ٣- في العصر العباسي الأول. تغيير الموضوع: يحدث في بعض الأحيان ألا يجد الطالب مادة كافية عن الموضوع الذي اختاره، أو يعرف أن هذا الموضوع قد درس من قبل على النحو الذي كان الطالب يزعم أن ينتهجه، أو يدرك صعوبة الحصول على بعض المراجع الأساسية في الموضوع. والواجب حينئذ أن يبادر إلى تغيير هذا الموضوع حتى لا يضيع الوقت فيما لا طائل تحته.

стр. 55

وينصح الطالب أن يسأل نفسه من حين لآخر الأسئلة التي سبق أن ذكرناها: - هل يستحق هذا الموضوع ما يبذل فيه من جهد؟ - أفي طاقتي أنا أن أقوم بهذا العمل؟ .......................................................................... فإذا لم تكن الإجابة دائما بالإيجاب فمن الأفضل أن يتوقف، ويبحث عن موضوع أكثر نفعا، وأغزر مادة، ويجب ألا يأسف على الوقت والجهد اللذين يكون قد بذلهما في الموضوع الذي يتركه، وليفهم أنه يستفيد من كل قراءة، ويتزود من كل اطلاع، وأنه في سبيل تكوين نفسه وتخصصه سيقرأ كثيرًا مما يتصل بموضوعه أو لا يتصل، فليست الرسالة إلا عملا من الأعمال التي يعنى بها الطالب. تبويب الرسالة تبويبا أوليا: ينظم المهندس خطة البناء تبعا للغرض المطلوب من البناء، ووفقا للظروف المختلفة التي تحيط بالمشروع، فلكل من المسجد والمنزل والمسرح تصميم خاص، ثم يتدخل الغنى، وموقع المكان، وظروف كثيرة فيختلف المنزل في مكان أو لشخص، عنه في مكان آخر أو لشخص آخر. كذلك يختلف تخطيط الرسائل اختلافا بينا تبعا لموضوعاتها، وللمادة التي كتبت عنها، وللمدة المعينة لدراستها، وللجامعة التي يتبعها الطالب، وغير هذه من

стр. 56

المؤثرات، ومن ثم لم يكن من الممكن أن نورد هنا تفصيلات دقيقة لكيفية وضع الخطوط الرئيسية تاركين ذلك إلى صلات خاصة تتهيأ فيها دراسة الظروف المختلفة التي تحيط بكل موضوع. ويمكن أن نوصي الطالب أن ينتفع بجهود من سبقوه، فإن مكتبات الجامعات تشمل مجموعة من الرسائل الناجحة، وهذه الرسالة يجب أن تكون عونا كبيرا لطلاب الدرجات المماثلة؛ لأنها تلقي للطالب ضوءا ينير له السبيل. ويجب ألا يكون مفهوما أن كل الرسالة التي أجازتها الجامعات يمكن أن تعد نموذجا، لا؛ فبعضها في مستوى عادٍ ليس من الخير أن يحتذيه الطالب. وعلى الطالب أن يحاول الحصول على رسالة في المادة التي يبحثها، فطلاب القانون يبحثون الرسائل التي قدمت في القانون، وطلاب التاريخ يرجعون إلى رسائل تاريخية وهكذا، وليس ذلك فحسب، بل من الأفضل أن يحاول الطالب أن يجد رسالة أقرب من حيث الخطوط العريضة إلى موضوعه، فإذا أراد أن يكتب عن حياة شاعر، أو عن قصة عاصمة من العواصم، فمن الأفضل له أن يرى رسائل كتبت عن حياة شعراء آخرين أو عن عواصم أخرى، وسيلم من ذلك بفكرة عن الطريقة التي تبحث بها حياة الأشخاص أو العواصم،

стр. 57

وليس معنى ذلك أنه سيتبع نفس الطريقة التي سبق بها، بل معناه أن يسترشد بها في وضع خطوط رسالته، ملاحظا أن الظروف تختلف من موضوع إلى موضوع، ومن فكرة إلى فكرة. ويقدم الأستاذ عونا كبيرا للطالب في مجال التخطيط للرسالة. وبعد أن يتعرف الطالب على نماذج من التخطيط لرسائل تشبه رسالته، وبعد أن يتفق مع أستاذه على تخطيطها، بعد ذلك يقرأ عن موضوعه قراءة عامة لينمي فكرته عن اتجاهات الموضوع، وليتعرف عليه تعرفا كافيا، فالطالب في هذه المرحلة يعمل ليعرف الموضوع معرفة واسعة قبل أن يعرف به، ويأخذ عنه قبل أن يعطي. وفي هذه الأضواء يستطيع الطالب أن ينتقل إلى مرحلة جديدة، هي أن يضع الخطوط العريضة الأولية لدراساته وأبحاثه، ويشمل ذلك: ١- وضع عنوان للمشكلة موضوع الرسالة. ٢- بيان المشكلات الرئيسية التي تتفرع عن هذه المشكلة، وكل مشكلة من هذه المشكلات الرئيسية المتفرعة تسمى بابا. ٣- تقسم كل مشكلة من هذه المشكلات الرئيسية إلى مشكلات فرعية، كل منها يسمى فصلا.

стр. 58

ويجب أن يلاحظ أن يكون عنوان الرسالة طريفا ممتعا جذابا، ثم أن يكون ذلك العنوان، وكذلك عنوان كل باب، وكل فصل، قصيرا بقدر الإمكان، ولكن على أن يكون واضعا تمام الوضوح وشاملا لكل ما يستوعبه من جزئيات وتفاصيل، وقد وضع Bigelow قاعدة لذلك خلاصتها: أن يشمل العنوان من المعلومات ما يدفع باحثا آخر أن يبحث عن هذه المعلومات تحت هذا العنوان. ويقرر الأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة١ أن العنوان يشبه اللافتة ذات السهم، الموضوعة في مكان ما لترشد السائرين حتى يصلوا إلى هدفهم. وعلى هذا فالعنوان يجب أن يدل القارئ على ما تحتويه الرسالة، ويتضح من هذا أن العناوين العامة التي لم يحدد مدلولها لا قيمة لها على الإطلاق، فليتحاش الطالب أن يكون عنوان رسالته مبهما أو ضعيفا، مثل: نظرات في التاريخ المصري الحديث، دراسة عن بعض الاتجاهات الأدبية المعاصرة، ونحو ذلك، فإن العنوان الضعيف أو المبهم تخلف في الشوط الأول، ومن مصلحة الطالب أن يبدأ بدءا قويا، فالمطلع الناجح نصف الفوز. ويجب كذلك أن تخضع الأبواب والفصول في ترتيبها إلى

стр. 59

أساس سليم، وفكرة منظمة، ورابطة خاصة، كالترتيب الزمني مثلا، أو كالأهمية، أو نحو ذلك، وليحذر الطالب أن يضع الأبواب والفصول ارتجالا، وعلى غير أساس مقبول. وينصح الطالب عند وضع تخطيط رسالته أن يدعه جانبا بضعة أشهر، وأن يقرأ خلال هذه الفترة قراءة عامة لا تتصل بموضوع رسالته فحسب بل تتصل عموما بالعلم أو الفن الذي اختار منه موضوعه، كالتاريخ أو الطب أو الموسيقى أو الأدب. ويكتب آنذاك بعض الأبحاث في موضوعات مختلفة، ويظل فكريا على صلة بهذا التخطيط طيلة هذه المدة، وسيرى أنه خلالها قد يحدث تعديلات فيه ذات بال. ولنعد لنوجز المراحل السابقة قبل أن نخطو خطوات جديدة: ١- التعرف على نماذج من التخطيط لرسائل قريبة الشبه برسالة الطالب. ٢- القراءة حول موضوع رسالته للتعرف عليه والتعمق فيه دون تقييد شيء. ٣- اقتراح تخطيط لرسالته في ضوء النقطتين السابقتين. ٤- القراءة العامة حول الموضوع مدة شهر أو شهرين، مع قرب الصلة بالتخطيط لإمكان أن يحدث به بعض التعديلات قبل أن يبدأ مرحلة إعداد البطاقات وإعداد المراجع.

стр. 60

إعداد المصادر والمراجع١: مهمة إعداد المراجع مهمة ذات بال في الدراسات العليا، ومن المسلم به أن الطالب إذا نجح في إعداد تبويب لرسالته، ونجح كذلك في إعداد قوائم مراجعه، فإن طريقه يسير واضحا، وعمله يبدأ بعد ذلك على أساس قويم. وهناك اقتراحات قيمة تساعد الطالب على إعداد مراجعه، وفيما يلي أهم هذه الاقتراحات: ١- يبدأ الطالب بأن يقرأ ما كتب عن موضوعه بدوائر المعارف العالمية التي تضارفت جهود ضخمة لإنتاجها، فطلاب الدراسات الإسلامية مثلا يقرأون ما يتصل بموضوعاتهم في: The Encyclopaedia of Islam. The Encyclopaedia of Religions and Ethics. موسوعة التاريخ الإسلامي وموسوعة الحضارة الإسلامية "للمؤلف". وطلاب التربية يقرأون ما يتصل بموضوعاتهم في: The Encyclopaedia and Dictionary of Education.

стр. 61

التربية الإسلامية: نظمها، تاريخها، فلسفتها "للمؤلف". وهكذا. ويلاحظ الطالب أن الموضوع الواحد يبحث بدوائر المعارف في عدة مقالات غالبا، وعلى الطالب أن يجيد التعرف على هذه المقالات التي تتصل بموضوعه بالكشف عن الأماكن والأشخاص الذين لهم صلة بذلك الموضوع، فإذا كان يريد القراءة عن الحروب الصليبية فسيجد ذلك فيما كتب عنها وعن الخليفة العاضد والسلطان صلاح الدين والملك الكامل وغيرهم، وإذا كان يريد أن يقرأ عن أسرة مالكة اطلع على المقال العام الذي يكتب عن الأسرة، ثم على ما كتب عن أبرز رجالها من ملوك ووزراء، وإذا كان يقرأ عن التعليم في الإسلام فسيجد ذلك فيما كتب عن: مسجد وعن "نظام الملك"، وهكذا. وستضع دوائر المعارف أيدي الطالب على المصادر الأصيلة بما تذكره من مراجع ومصادر لما تورده من معلومات، ويسارع الطالب فيدون عناوين هذه المصادر بقوائم مراجعه وسنتكلم عن قوائم المراجع بعد قليل. ٢- أن يستعين في هذه المرحلة بالكتب الحديثة القيمة التي تثبت مراجع ما احتوته في أسفل الصفحات، ومن هذه الهوامش سيحصل الطالب على كثير من المراجع الأصلية، يضيفها إلى قوائم مراجعه.

стр. 62

٣- أن يتحدث مع من له خبرة بهذه الدراسة، فأغلب الظن أنه سيرشده إلى بعض المراجع، كما يفيده في تنسيق الموضوع، ويفتح له أبواب نافعة. ٤- على الطالب أن يتعرف بل أن يعقد صلات ودية مع المشرفين على المكتبات التي يتردد عليها، أو مع رؤساء الأقسام بالمكتبات التي تتبعها دراسته إذا وجدت هذه الأقسام بالمكتبات، فأغلب هؤلاء لهم خبرة كبيرة بالمراجع، وببعض المخطوطات الثمينة التي قد تتصل بالموضوع، ولا يفتأ هؤلاء يعملون في الكتب وينقبون فيها، فلا نزاع أنهم سيمدونه بين الحين والآخر بما يعاونه معاونة ظاهرة. ٥- يراجع الطالب فهارس المكتبات في المادة التي يبحث فيها، وبالإضافة إلى المكتبات العامة سيجد في مكتبات المعاهد والكليات التي تعنى بدراسته فرصة أوسع وأيسر للحصول على مصادر مهمة، فطالب القانون يلجأ إلى فهارس كلية الحقوق، وطالب الدراسات الإسلامية يلجأ إلى فهارس مكتبة الأزهر وكلية دار العلوم، وطالب التربية يلجأ إلى فهارس مكتبات كليات التربية وهكذا. ٦- ينصح الطالب بأن يقرأ الأبحاث الجديدة التي تنتشر بمجلات ودوريات تعنى بمثل دراسته، وسيجد طالب الدراسات الإسلامية مثلا مقالات ذات قيمة مع مراجعها ينشرها كبار الكتاب والباحثين في: The Journal Asiatique Islamic Culture

стр. 63

- المشرق. - مجلة كلية الآداب "جامعة القاهرة". - مجلة المعهد العلمي العربي بدمشق. كل هذا سيضمن للطالب مجموعة كبيرة من المراجع مفيدة وشاملة، وحتى إذا كانت هذه المجموعة غير كافية، فلا نزاع في أن الموضوع سيتضح له كلما سار فيه، وستتفرع مراجعه من حين لآخر، فإذا بدأ الطالب بعشرين مرجعا فليس غريبا أن ينتهي بمائتين، غير أن عليه أن يبادر فيضيف إلى قوائم الكتب التي أعدها، كل كتاب يصادفه ويرى أنه متصل بموضوعه، وبإثبات هذا الكتاب في المراجع سيتحقق أن هذا المرجع لن يهمل، أو يحجبه النسيان. وسيجد الطالب بعض هذه المراجع متصلا بالموضوع اتصالا عاما، كما سيجد بعضها متصلا بباب من أبواب الرسالة أو بفصل من فصولها، فليثبت الكتب المتصلة اتصالا عاما بالموضوع وحدها، وليوزع على كل فصل مجموعة الكتب المتصلة به. ويجوز أن يثبت المراجع كلها في قائمة واحدة إذا لم تكن مميزة الاتجاهات، وهذا ما يغلب أن يتبعه الطلاب الذين يعتمدون على مراجع قديمة، إذ أن مؤلفيها كانوا -غالبا- يكتبون عن كل شيء، فأغلب الظن أن كل كتاب سيحوي مادة عن كل باب من أبواب الرسالة.

стр. 64

قائمة المراجع: فإذا ما انتهى من إعداد قائمة مراجعه، أو قوائم مراجعه، كان عليه أن يثبت أمام كل مرجع مكان وجوده، فإذا كان هذا المرجع في مكتبته الخاصة كتب أمامه: مكتبتي الخاصة، وإلا بحث عنه في المكتبة الأسياسية التي يعتمد عليها١، فإذا وجده بها كتب أمامه الرمز الموضوع له بهذه المكتبة٢. وإلا حاول أن يعثر عليه في إحدى المكتبات الأخرى الخاصة أو العامة، فإذا وجده كتب أمامه اسم المكتبة والرمز الموضوع له إن كان في مكتبة عامة، أو كان في مكتبة خاصة تستعمل فيها الرموز٣، أو كتب اسم صاحبه إن كان بمكتبة خاصة لا تستعمل فيها الرموز، فإذا لم يجده فلا مناص إذن من شرائه، وينصح الطالع على العموم أن يشتري -كلما أمكنه ذلك- الكتب الأسياسية، التي سيحتاج إلى الرجوع إليها من حين لآخر.

стр. 65

وفيما يلي "نموذج قصير لقائمة المراجع": الجهشياري: الوزراء والكتاب "٩٢٦ح" "٩٢٦ح" Rechard Cpke The City Of Peacs. "مكتبتي الخاصة" الصابي: تاريخ الوزراء "٥٩٠ح". W.Berthold: Turkestan Down to the Mongol Invesion "مكتبتي الخاصة" ابن حجر: رفع الإصر عن قضاة مصر مخطوط: دار الكتب ١٠٥ تاريخ الوليد بن بكر: الوجازة في صحة القول بأحكام الإجارة مكتبة الأستاذ " ... " الفتح بن خاقان: قلائد العقيان. دار الكتب تاريخ تيمور ٢٨٦ ابن منقذ: الاعتبار دار الكتب ٤٠٦ E. J.Bolus: the Infuence of Islam. مكتبتي الخاصة ويجب أن يلاحظ الطالب كلما أدخل مرجعا جديدا على قوائم مراجعه، أن ينتهز أقرب فرصة ليثبت أمامه الرمز الخاص به على النحو السابق.

стр. 66

ويعمد بعض الطلاب وهم يعدون فهرسا عام للمراجع التي سيرجعون إليها، إلى اتباع نظام البطاقات، وطريقة ذلك أن يحضر الطالب عددا من البطاقات مقاس كل بطاقة ٨×١٠ سم ويخصص كل بطاقة لكتاب واحد، على أن يوضع اسم المؤلف في أعلى البطاقة، وتحته عنوان الكتاب، وفي السطر الثالث يدون اسم المكتبة التي بها الكتاب، وكذلك الرمز الموضوع له، وترتب هذه البطاقات في درج تريبا أبجديا حسب أسماء المؤلفين، وكلما عثر على كتاب جديد يتصل بموضوعه أعد له بطاقة ووضعها في موضعها من درج البطاقات، والطالب بذلك يكون له مكتبة هامة وإن لم يملك كتبها. ومن الضروري أن يتنبه الطالب إلى أنه إذا استعمل طبعة ما لمصدر من المصادر، كان عليه أن يستعمل نفس الطبعة في جميع بحثه كلما أمكن ذلك، فإذا اضطر لاستعمال طبعتين لمصدر واحد فإن من الواجب أن يحدد الطبعة التي اعتمد عليها في كل اقتباس يورده عن ذلك المصدر. المصادر أهم ما يعنى به الباحث: والمراجع الأصلية "المصادر" -وهي أقدم ما يحوى مادة عن موضوع ما- هي المراجع ذات القيمة في الرسائل، ولذلك وجب الاعتماد عليها والرجوع إليها، وكلما زاد استخدام المراجع الأصلية وكثرت الحقائق المستفادة منها كلما عظمت

стр. 67

قيمة الرسائل، وبخاصة إذا كانت هذه الحقائق وتلك المعلومات لم تصل لها يد من قبل، ولم يسبق لأحد أن اقتبسها، فالمراجع الأصلية إذن هي: ١- المخطوطات القيمة التي لم يسبق نشرها والتي تحوي معلومات لا توجد فيما نشر من كتب. ٢- الوثائق "وسيأتي شيء من التفصيل عنها فيما بعد". ٣- مذكرات القادة والساسة عما يجري في الخفاء مما يعرفونه هم ولا يعرفه سواهم. ٤- حيثيات الحكم المسببة للأحكام القضائية. ٥- الخطابات الخاصة ذات الأهمية العامة. ٦- اليوميات. ٧- الدراسة الشخصية للأمكنة واللوحات التاريخية. ٨- والأكثر ذيوعا هو الكتب على أن يكون مؤلفوها قد شاهدوا الفكرة التي هي موضوع الحديث، وبهذا يكون الوصف وصف شاهد عيان، ومن هذه الكتب في الدراسات الإسلامية كتاب "أخبار الراضي بالله أو تاريخ الدولة العباسية من سنة ٣٢٢هـ إلى سنة ٣٣٣" الذي ألفه أبو بكر الصولي المتفوى سنة ٣٣٥، وكذلك كتاب "المحاسن اليوسفية" الذي وضعه عن صلاح الدين "سكرتيره" ابن شداد، ويدخل في هذا ما يكتبه المؤرخون المعاصرون مرتبطا

стр. 68

بما يشاهدونه من أحداث، ومنه ما دونته في جزأين من "موسوعة التاريخ الإسلامي" هما: جـ٩: ثورة ٢٣ يوليو من يوم إلى يوم: عهد محمد نجيب وعهد عبد الناصر. جـ١٠: ثورة ٢٣ يوليو من يوم إلى يوم: عهد أنور السادات. وتأتي بعد هذه الكتب المعاصرة الكتب قريبة الصلة الزمنية بموضوع الكلام، ومن هنا يظهر أن الطالب لا يحق أن يعتمد على كتاب السيوطي "٩١١هـ" المسمى تاريخ الخلفاء فيما أورده الطبري "٣١٠هـ": أو الصولي في كتابه سالف الذكر، أو غريب ابن سعد "٣٦٦هـ" في صلة تاريخ الطبري، أو ابن الأثير "٦٣٠هـ" في الكامل في التاريخ، أو غيرهم من المعاصرين أو القريبين من الأحداث. وكما يلاحظ الزمن يلاحظ المكان، فيحسن بالطالب الذي يتحدث عن تاريخ مصر أن يعتمد -كلما أمكنه ذلك- على مؤرخ مصري كتب عن الحقبة التي يتحدث عنها، فذلك أفضل من اعتماده على مؤرخ بغدادي معاصر له، وتناولها أيضا بالكتابة. وشيء ثالث لا يقل عن الزمان والمكان إن لم يزد عليهما، ذلك أن يعرف المؤلف بالدقة والنزاهة، ويسوقنا هذا إلى أن ننبه إلى ضرورة أن يعرف الطالب فكرة عن الكتاب الذين

стр. 69

كتبوا في موضوعه، وعن ميولهم السياسية والاقتصادية والدينية والمذهبية، وكذلك عن مقدار معرفتهم ببواطن الأمور، ثم عن أخلاقهم، وعن كل ما يؤثر فيما يكتبونه؛ ليختار منهم أنزههم وأدقهم وأوسعهم ذكاء وأكثرهم صلة وخبرة بالأمور، ثم ليقرأ بكثير من التحفظ ما كتبه مؤلفون يعتقد أنهم كانوا متأثرين بمؤثر خارجي، كما يفعل أكثر الكتاب المحدثين عندما يقرأون لشخص مثل ناصر خسرو "٤٨١هـ" في وصفه لمصر أيام الفاطميين؛ إذ إن الباحثين يخشون أن يكون ناصر خسرو قد تأثره بميوله الشيعية فيما كتب عن مصر الفاطمية. التخصص في نقطة البحث: ومن أهم ما يجب أن يلاحظ في المراجع تخصصها في النقطة التي يبحث فيها الطالب، فإذا كان يبحث مثلا في التاريخ فمراجعه الأصلية العامة هي كتب التاريخ، ولكنه إذا عرض له في بحثه تحقيق لغوي -كأن يريد أن يحقق معنى الخلافة أو الوزارة في اللغة- فمرجعه في ذلك كتب اللغة، وإذا عرض له حديث عن النبي ﷺ ، وأراد أن يؤكد صحته فليبحث عنه في كتب الحديث الستة الشهيرة، وإذا أراد أن يستشهد بأبيات لشاعر فليكن مرجعه ديوانه، وهكذا ينتقل الباحث من مراجعه الأصلية العامة إلى مراجع أصلية خاصة ككتب الفقه والعقائد واللغة والحديث ودواوين الشعراء كلما صادف في بحثه ما يستلزم ذلك.

стр. 70

المراجع والحرص منها: أما المراجع الثانوية فهي المراجع التي أخذت مادة أصلية من مراجع متعددة، وأخرجتها في ثوب آخر جديد، فعلى الطالب -إذا وجد في المراجع الثانوية ما يلزمه- أن يعود للمراجع الأصلية لتحقيقه وأخذه منها، وسيجد الطالب من تجاربه أن عودته للمراجع الأصلية للتحقيق ضرورية، فبعض المراجع الثانوية تسيء فهم ما كتب في المراجع الأصلية، أو أن المادة تلون في المراجع الثانوية بلون خاص يبعدها عن الفكرة التي سيقت لها في الأصل، وكثيرا ما رأيت أنا مثل هذا، ونبهت على بعضه، وأنا أكتب رسالة الدكتوراه، ولا بأس أن أعطي هنا أمثلة قليلة لذلك: ورد في The Eneyctopaedia of Islam ج٣ ص٣٦٠ النص الآتي في معرض الكلام عن الكتاتيب: The main Subject taught in children's schools was Adab so that the schools of children were called "Maj-alis al- Adab". وترجمة هذه العبارة هي: وكان الأدب هو المادة الرئيسية التي تدرس بمدارس الأطفال "الكتاتيب" حتى أن هذه المدارس كانت تسمى "مجالس الأدب". وكان المرجع الذي ذكره المؤلف لهذه العبارة هو الأغاني ١٨: ١٠١ فلما رجعت إلى هذه الصفحة من الأغاني وجدت النص هو:

стр. 71

علي بن جبلة كان أصغر إخوته، وكان أبوه يرق عليه، فجدر، فذهبت إحدى عينيه في الجدري، ثم نشأ فأسلم في الكتاب فحذق بعض ما يحذقه الصبيان فحمل على دابة ونثر عليه اللوز "تكريما لتفوقه في الكتاب" فوقعت على عينه الصحيحة لوزة فذهبت، فقال الشيخ لولده: أنتم لكم أرزاق من السلطان فإن أعنتموني على هذا الصبي وإلا صرفت بعض أرزاقكم إليه، فقالوا: وماذا تريد؟ قال: تختلفون به إلى مجالس الأدب. قالوا: فكنا نأتي به مجالس العلم. ومن هنا يظهر أن دراسة هذا الصبي للعلم والأدب قد بدأت بعد نجاحه بتفوق في دراسة الأولية بالكتاب، وأن مجالس الأدب شيء والكتاب شيء آخر. وقد ذكر الدكتور خليل طوطح في كتابه التربية والتعليم عند العرب١ تحت عنوان "البنت والمكتب" ما يلي: "ومما يذكر في كتاب الأغاني تردد البنات إلى المكتب في القرن الثاني للهجرة" ثم يسوق اقتباسات غير كاملة من الأغاني يرى أنها تؤيد رأيه "وسنوردها فيما بعد" ويعلق على هذه الاقتباسات بقوله: "فمن هذا يظهر أن الفتيات ذهبن للتعلم

стр. 72

في المكتب، وفي بعض الأحيان تعلمن مع الفتيان كما هو معروف اليوم في بعض الأماكن". وكان مرجعه في ذلك الأغاني ١٤: ٤٩ و ٢١: ٤٨، فلما ذهبت إلى الأغاني في الموضوعين المذكورين وجدت النص الأول كالآتي: "كان بالكوفة رجل يقال له: علي بن آدم، وكان يهوى جارية لبعض أهلها "أهل الكوفة" وأنه علقها وهي صبية تختلف إلى الكتاب، فكان يجيء إلى ذلك المؤدب فيجلس عنده لينظر إليها، فما أن بلغت حتى باعها مواليها لبعض الهاشميين، فمات جزعا عليها". "الأغاني جـ١٤ ص٤٩ طبعة السياسي". أما النص الثاني فهو كما يلي: حدثني القطراني المغني عن محمد بن حسان قال: كان خليل المعلم يلقب خليلان، وكان يؤدب الصبيان ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد، فحدثني من حضر قال: كنت يوما عنده وهو يردد على صبي يقرأ بين يديه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ثم يلتفت إلى صبية يردد عليها "في لحن غنائي":

стр. 73

اعتاد هذا القلبَ بلبالُه ... أن قربت للبين أجمالُه فضحكْتُ ضحكا مفرطا لما فعله، فالتفت إلي فقال: ويلك!! مالك؟ قلت: ضحكي مما تفعل، والله ما سبقك إلى هذا أحد، ثم قلت: انظر أي شيء أخذت على الصبي من القرآن، وأي شيء تلقي على الصبية؟ والله إني لأظنك ممن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله. قال: أرجو إلا أكون كذلك إن شاء الله. "الأغاني جـ٢١ ص٤٨ طبعة مصر". ويبدو لي أن هذه المادة قد لونت بلون خاص؛ لتناسب ما ذهب إليه الدكتور طوطح من تعليم البنت في الكتاب مع الولد، ولكن الذي أراه ويراه معي كثيرون لا يتفق من ما ذهب إليه الدكتور طوطح؛ فإن البنت المسلمة التي نقول إنها تعلمت في عصور الإسلام الأولى، ونالت قسطا ملحوظا من الثقافة هي البنت الحرة قبل كل شيء، وهذه البنت تعلمت في البيت على أحد ذويها، أو على معلم خاص، ولم تذهب كما ذهب الصبيان إلى الكتاب. والاقتباسان اللذان اعتمد عليهما الدكتور طوطح يتعلقان

стр. 74

بالجواري، وتعليم الجواري بالكتاب لا يدل بحال من الأحوال على تعليم الحرائر به؛ لأن كراهية اختلاط الجنسين ما كانت تنطبق على الجواري، فقد كن متبذلات منحن كثيرا من التسهيلات التي لم تستمع بها الحرائر. ولم يكن المراد بتعليم الجواري هو الثقافة بقدر ما كان يراد منه رفع أثمانهن بتعليمهن الكتابة كما في الاقتباس الأول، أو الغناء كما في الاقتباس الثاني، على أن الاقتباس الثاني أبعد جدا عن الموضوع لتعلقه بالغناء الذي هو صنعة أخرى صادف أن المؤدب كان يجيدها وكان يزاولها مع عمله البعيد عنها كل البعد، كما يزاول بعض معلمي كتاتيب الريف المصري في هذه الأيام بعض الصناعات اليدوية البسيطة وهم يشرفون على أطفال الكتاب، فلم تكن هذه البنت في الحقيقة ملتحقة بالكتاب، ولعل هذا الازدواج هو ما جعل خليل المعلم يلقب "خليلان". لم يكن المراد هنا أن نناقش هذين المؤلفين الفاضلين وإنما أردت أن أبين -بما لا يدع مجالا للتردد- خطورة الاعتماد على مرجع ثانوي دون تحقيق ما ورد به في المرجع الأصلي. ومما يؤكد ذلك من ناحية أخرى ما قام به بعض الباحثين من تجارب أثبتت أنه لو نقل "ب" من "أ" موضوعا ما، ثم

стр. 75

نقل "ج" من "ب" هذا الموضوع، ثم نقله "د" من "ج"، فإن ما نقله "د" سيكون مخالفا كثيرا أو قليلا لما أثبته "أ". ويستطيع المدرس مثلا أن يجري مثل هذه التجربة مع تلاميذه، وسيصل في الغالب إلى هذه النتيجة مع ملاحظة أن طول السلسلة أولا وعدم الدقة في إحدى حلقاتها ثانيا سيجعلان الاختلاف أكثر بروزا. خلاصة عن المصادر والمراجع: والآن نسجل هنا الحقائق المهمة التالية: ١- المراجع الأصلية قد تكون حديثة، كالإحصائيات التي تنشرها الحكومات من حين لآخر عن التعداد، وعن الواردات والصادرات، والميزان التجاري، وكالتجارب العلمية الموثوق بها، والتي قبلتها الهيئات العلمية، وكاليوميات وحيثيات الحكم وغير ذلك. ٢- الكتب الحديثة التي لا تكتب مصادر مادتها كتب قليلة الفائدة لطالب الأبحاث. ٣- المراجع الثانوية تشمل أحيانا نقاطا أصلية، مثل وجهات نظر المؤلف الخاصة فيما يتحدث عنه، وتعليقه على ما يقتبسه، ونقده له إذا لم يكن قد سبق بمثل هذا التفكير. ٤- الحقائق العامة الواسعة الانتشار يجوز ذكرها في الرسالة بدون أن يثبت لها مرجع قديم أو حديث.
следующие страницы →