← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8663

التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر

السخاوي

Полный текст (133 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على محمد نبينا وعبده. وبعد: فإن من شرف المرء أن يسير على منهج السلف الصالح ويقتدي بهم ويخدم ما تركه أولئك العلماء ليستفيد منه الخلف ويقف على آرائهم التي سطروها لنا في كتبهم. وكان للباحث الأخ عبد الله بن محمد عبد الرحيم شرف خدمة هذا الكتاب الذي بين أيدينا، فتناوله تصحيحًا وشرحًا وتعقيبًا وتعقبًا على من سبقه في تحقيق هذا الكتاب المفيد على صغر حجمه وقلة مادته فكان كالمفتاح للمبتدئ والتذكير للمنتهي، ولم أجد بعد قراءتي له موضعًا انتقده فيه في ضبط النص؛ لأنه قام بضبطه كما ينبغي لا كما يجي. ومع هذا فلم يترك موضعًا يحتاج إلى زيادة أو أيضًاح إلا وقام بها في الحاشية تسهيلا للباحث المستفيد منه، فجاء عمله كاملًا والكمال لله وحده فنرجو من المولى العلي القدير أن يثيبه على قدر نيته وأن ينفع به طلاب العلم في هذا التخصص العزيز. أما الكتاب فهو شرح موجز لكتاب ابن الملقن المعروف بـ "التذكرة" ومؤلفه الإمام المشهور في علم الحديث الإمام السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢هـ أبدع في شرح غامضه، وأيضًاح مبهمه ومشكله وأتى فيه بما لا نجد نظيره في كتابه "فتح المغيث" فصار مكملًا له، والله يثيبه على جهده إنه ولي ذلك والقادر عليه. كتبه د/ عبد الرحيم بن محمد القشقري الأستاذ المشارك بكلية الحديث الشريف ورئيس قسم علوم الحديث حرر في ٧/ ١٠/ ١٤١٧هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين، النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه وأتباعه السائرين على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن الاشتغال بالعلوم الشرعية من أعظم القربات وأجل الطاعات لمن صلحت نيته، واتبع سبيل سلفه الصالح، خاصة السنة النبوية وعلومها -بعد الاهتمام بكتاب الله وعلومه- لذا "كان من أعظم ما يسعى إليه الساعون، ويتنافس في الدعوة إليه المتنافسون، علوم الحديث الكاشف النقاب، عن جمال وجوه مجملات الكتاب، والمدار لتفصيل الحكام، وتبيين أقسام الحلال والحرام؛ إذ مستندها ما صح من الخبار، وثبت حسنه من الآثار، ولا طريق لتعرف ذلك إلا بما اصطُلح عليه من أصول تلك المسالك، ولما كان الشيء يشرف بشرف موضوعه أو بمسيس الحاجة إليه كان فن مصطلح الحديث مما جمع الأمرين وفاز بالشرفين؛ لأنه يُبصِّر

стр. 3

من سواء السبيل الجواد، ويرقي الهمم لتعرف سنن الرشاد"١. لذا تنوعت المصنفات من أهل الحديث في هذا الباب، وكثرت وتعددت، فمن مؤلف لها في وريقات، ومن مصنف لها في مجلدة أو مجلدات وهلم جرًّا. ومع هذا لم يثن ذلك الأئمة من التصنيف والتأليف والشرح والتهذيب والتحقيق والتنقيح فيه، وما ذلك إلا إيمانا منهم بوجوب الاستمرار على السنة المتبعة من منهج الأئمة السالفين، وإكمالًا من المتأخرين في التصنيف والتأليف. وقد حاز كتاب الحافظ ابن الصلاح قصب السبق في هذا الفن، فمن متناول له بالتهذيب تارة، وبالاختصار أخرى، وبالتعليق والشرح مرات، وممن اختصره وهذبه الحافظ ابن الملقن وذلك في كتابه "المقنع" كما أشار إليه في مقدمته للتذكرة، ثم اقتضب رسالته المسماة بـ "التذكرة" من كتابه المشار إليه آنفًا، والعلة في الاقتضاب هي أن "يتنبه المبتدي ويتبصر بها المنتهي" "ل١/ أ-ب"، فجاء الإمام السخاوي موضحا لهذه التذكرة محللا لألفاظها، متممًا لفوائدها، جامعًا لمقاصدها فلم يكن مطولًا تطويلًا مملًا، ولا مختصرًا اختصارًا مخلًا، أظهر تبحره في الفن، وعلوِّ كعبه فيه، وأجلى مراد المؤلف من تذكرته، فيسره لمن طالعه وتطلب فيه مراده، فرحمهما الله رحمة واسعة آمين. ولأجل ذلك عزمت على تحقيقه وإخراجه مع التعليق عليه إكمالًا للفائدة، ليخرج في هذه الحلة الجديدة، تليق بمصنف كهذا، ولا أدعي العصمة في العمل أو السلامة من الخلل، فالكمال عزيز، والخطأ والنقص

стр. 4

وارد، فالمرجوّ من الله -جل وعلا- المغفرة من الزلل، والثواب على العمل، إنه نعم المولى ونعم النصير. والحمد لله رب العالمين. وكتب أبو أسامة عبد الله بن محمد عبد الرحيم ابن حسين البخاري المدينة النبوية فجر الخميس ١٢/ ٩/ ١٤١٦هـ

стр. 5

القسم الأول: قسم الدراسة ترجمة ابن الملقن ... ترجمة ابن الملقن ١ اسمه ونسبه ونسبته: هو الإمام عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، سراج الدين أبو حفص الأنصاري، الوادي آشي، الأندلسي، التكريري الأصل، ثم المصري الشافعي، المعروف بابن النحوي؛ لأن أباه كان عالمًا بالنحو، ويعرف أيضًا بابن الملقن. وسمي بابن الملقن؛ لأن والده توفي وله من العمر سنة واحدة، فأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي، وكان يلقن القرآن في الجامع الطولوني، فلازمه سراج الدين وصحبه من صِغره، وتزوج من أمه، وكان ﵀ يغضب من نسبه إليه ولم يكتبه بخطه وإنما كان يكتب ابن النحوي. مولده: روى السخاوي في "الضوء اللامع" "٦/ ١٠٠" أن ابن الملقن كتب بخطه أنه ولد في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة.

стр. 6

نشأته: لما توفي والده وأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي اعتنى به الشيخ عيسى عناية فائقة أثر في ابن الملقن، ذلك أن الشيخ عيسى كان يلقن القرآن -كما سبق- في جامع طولون، وكان رجلا صالحا، ووافق ذلك أن تزوج الشيخ عيسى بأم ابن المقن، فاعتنى به وبتربيته، واستثمار مال أبيه، فنشأ ابن الملقن في كنفه فحفظ القرآن الكريم والعمدة للمقدسي والمنهاج وغيرها. رحلاته في طلب العلم: الرحلة في طلب العلم والحديث خاصة سنة متبعة لدى العلماء من سلف الأمة الصالح؛ إذ يندر أن تجد إمامًا لم يرحل في طلب العلم، لذا نجد الآن الإمام ابن المقن رحل إلى بلدان عدة منها دمشق، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وبيت المقدس ومصر وغيرها من البلدان. شيوخه: لقد مكنت الرحلة لابن الملقن لقاء العلماء والحفاظ في تلك الأمصار والأقطار فقرأ عليهم واستفاد منهم وأجيز، فمن شيوخه: الحافظ العلائي، وابن سيد الناس، وتقي الدين السبكي، ومغلطاي والعز ابن جماعة، والقطب الحلبي، وأجاز له الحافظ المزي، وجمال الدين الأسنوي، وأبي حيان الغرناطي، والبرهان الرشيدي وغيرهم كثير جدًّا. فهذه التلمذة على أمثال هؤلاء الأفذاذ من العلماء أثرت في شخصية ابن الملقن العلمية في فنون شتى كالنحو والقراءات والحديث والفقه وأصوله وغيرها من الفنون، لذا تقلد المناصب العديدة كالقضاء والتعليم وغيرها.

стр. 7

تلامذته: رجل جمع مثل هذا الجمع، وأخذ عن علماء عصر ومصره، حريٌّ أن يرتحل إليه، ويطلب العلم بين يديه، وكان الأمر كذلك، فقد ذاع صيته وانتشر خبره، فطلبه الطلاب، وأتوه، ليأخذوا عنه ويتتلمذوا عليه، واستفاد منهم كثير، بل صار أكثرهم أئمة يشار إليهم بالبنان، فمنهم: الحافظ العلامة الثقة البحر أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، والحافظ المتقن أحمد بن عبد الرحمن بن الحسين أبو زرعة العراقي، والإمام الحافظ إبراهيم بن محمد بن خليل برهان الدين الطرابلسي المعروف بـ "سبط ابن العجمي"، والحافظ أحمد بن نصر الله بن أحمد التستري، وغيرهم جمّ غفير. مكانته وثناء العلماء عليه: رحلة ابن الملقن الواسعة، وأخذه عن العلماء، كوّن لديه قاعدة عريضة في الاطلاع والمعرفة، فكان بذلك واسع الاطلاع غزير العلم في الحديث وعلومه والفقه وأصوله، والنحو وغيرها من الفنون، شهد بنبله وعظيم منزلته الأئمة الأعلام، وحسبك بشهادتهم تزكية، وبيانا لمنزلة هذه العلم الهمام، ومن هؤلاء الأئمة: الحافظ العلائي حيث قال: "الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدث الحافظ سراج الدين شرف الفقهاء والمحدثين فخر الفضلاء". وقال العراقي: "الشيخ الإمام الحافظ". وقال ابن فهد المكي: "الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام وعلم الأئمة الأعلام عمدة المحدثين وقدوة المصنفين". وقال الحافظ سبط ابن العجمي: "حفاظ مصر أربعة أشخاص وهم

стр. 8

من مشايخي: البلقيني وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثمي وهو أحفهم للأحاديث من حيث هي، وابن الملقن وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث". وقال الحافظ السيوطي: "الإمام الفقيه ذو التصانيف الكثرة ... أحد شيوخ الشافعية وأئمة الحديث ... وبرع في الفقه والحديث وصنف فيها الكثير". وقال ابن شهبة: "الشيخ الإمام العالم العلامة، عمدة المصنفين". فهذه بعض الأقوال المذكورة في، وهي كافية في بيان قدرة وعلو منزلته أضف إلى ذلك الثروة العلمية الضخمة التي خلفها ﵀، وسيأتي ذكر شيء منها. تصانيفه: اتفق الأئمة المترجمون على أنه من المكثرين في التصنيف، ولعل ذلك يرجع إلى أنه اشتغل بالتصنيف مبكرا، قال الحافظ ابن حجر في المجمع المؤسس "٢/ ٣١٢": "واشتغل بالتصنيف وهو شاب فكتب الكثير حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا". وقال القاضي محمد بن عبد الرحمن العثماني قاضي صفد: "أحد مشايخ الإسلام صاحب المصنفات التي ما فتح على غيره بمثلها في هذه الأوقات". من الضوء اللامع "٦/ ١٠٢". وقال الحافظ السخاوي: "واشتهرت في الآفاق تصانيفه، وكان يقول: إنها بلغت ثلثمائة تصنيف، وشغل الناس فيها وفي غيرها قديما، وحدث بالكثير منها وبغيرها من مروياته وانتفع الناس بها انتفاعًا صالحًا من حياته وهلم جرًّا" الضوء اللامع "٦/ ١٠٣".

стр. 9

ومن مصنفاته: ١- "عمدة المحتاج إلى كتاب المنهاج" شرح به "منهاج الطالبين" للنووي في الفقه. ٢- "خلاصة الفتاوي في تسهيل أسرار الحاوي" أي "الحاوي الصغير في الفقه الشافعي" للقزويني. ٣- "البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير" والشرح الكبير للرافعي. ٤- "المقنع في علوم الحديث". ٥- "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" شرح لعمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي وغيرها كثير. وفاته: ابتلي ﵀ باحتراق كتبه، وأكلت النار أكثر مسوداته، فتغير حاله بعدها وكان ذلك سببًا في حجب ابنه له عن التحديث، ثم وافاه الأجل في ليلة الجمعة السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة "٨٠٤هـ" بالقاهرة، ف-﵀ وغفر لنا وله ولجميع المؤمنين. ينظر في مصادر ترجمته: إنباء الغمر "٥/ ٤١"، والمجمع المؤسس "٢/ ٣١١"، والضوء اللامع "٦/ ١٠٠"، وابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية "٤/ ٣٧٣"، وذيل التقييد للتقي الفاسي "٢/ ٢٤٦"، ولحظ الأحاظ لابن فهد المكي "ص١٩٧"، وذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي "ص٣٦٩"، والبدر الطالع للشوكاني "١/ ٥٠٨"، وشذرات الذهب لابن العماد "٧/ ٤٤" والأعلام للزركلي "٤/ ٥٧".

стр. 10

ترجمة الإمام السخاوي: اسمه ونسبه ولقبه: هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، السخاوي نسبة إلى سخا بلد غربي الفسطاط، القاهري المولد الشافعي المذهب، نزيل الحرمين الشريفين الملقب بشمس الدين أبو الخير، وأبو عبد الله بن الزين، أو الجلال أبي الفضل وأبي محمد. مولده: ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، بحارة بهاء الدين علو الدرب، المجاور لمدرسة شيخ الإسلام البلقيني، محل أبيه وجده، ثم تحول منه حين دخل في الرابعة مع أبويه لملك اشتراه أبوه، مجاور لسكن شيخه ابن حجر. رحلاته: رحل وجاب ودخل الآفاق والبلدان، فكان صاحب رحلة واسعة، فمن تلك البلدان: حلب ودمشق وقطيا وغزة وبيت المقدس والخليل ونابلس ودمياط ومكة المكرمة والمدينة المنورة، والزبداني وبعلبك وحمص وحماة وسرين وجبرين وطرابلس وغيرها كثير. شيوخه: رحلة السخاوي الواسعة لقي في خلالها أئمة العصر من كل بلد ومصر، فقرأ وسمع وأجيز، وقد زادوا على الأربعمائة شيخ فمنهم البرهان ابن خضر، والشهاب أبي العباس الحناوي، تضلع على هذين في صناعة

стр. 11

الإعراب، وكذا أخذ عن حفيد سيبويه النحوي الشهير الجمال ابن هشام الحنبلي، وأخذ أيضًا عن صالح البلقيني، والشمني الحنفي، وقاسم بن قطلوبغا، والجلال المحلي، ولازم وأكثر عن شيخه شيخ الحفاظ ابن حجر العسقلاني، وهو أجلّ شيوخه وأعظمهم أثرًا فيه، وغيرهم كثير، جمعهم بنفسه في كتاب له أسماه "بغية الراوي فيمن أخذ عنه السخاوي" أو "الامتنان بمشايخ محمد بن عبد الرحمن". انظرهم في الضوء "٨/ ٣ وما بعدها". ثناء العلماء عليه: اشتهر السخاوي بنباهته وفطنته وحرصه، حتى فاق أقرانه وشهد له بذلك شيخ عصره وأستاذ مصره حافظة الزمان الإمام الهمام ابن حجر ﵀، بل كان ينوه بذكره. قال الزين قاسم الحنفي: "وقد كان هذا المصنف -يعني السخاوي- بالرتبة المنيفة في حياة حافظ العصر وأستاذ الزمان، حتى شافهني -أي ابن حجر- بأنه أنبه طلبتي الآن، وقال أيضًا: حتى كان ينوه بذكره ويعرف بعلو فخره ويرجحه على سائر جماعته المنسوبين إلى الحديث وصناعته كما سمعته منه وأثبته بخطي قبل عنه". وقال الحافظ التقي بن فهد الهاشمي: "زين الحفاظ وعمدة الأئمة الأيقاظ شمس الدنيا والدين ممن اعتنى بخدمة حديث سيد المرسلين واشتهر بذلك في العالمين على طريقة أهل الدين والتقوى فبلغ فيه الغاية القصوى. وأثنى عليه آخرون كثيرون منهم تلميذه الحافظ عمر بن فهد الهاشمي المكي، وأبو ذر ابن البرهان الحلبي، والبرهان البقاعي، والتقي القلقشندي، والعز الحنبلي والبلقيني، والشاب أحمد بن محمد بن علي الحجازي، والبدر العيني، والتقي الشمني، وصديق حسن خان،

стр. 12

والشوكاني وغيرهم كثير. مصنفاته: شرع الحافظ السخاوي في التصنيف قبل وفاة شيخه الحافظ ابن حجر، حيث قال في "الضوء" "٨/ ١٥": "إنه شرع في التصنيف والتخريج قبل الخمسين" أي قبل الخمسين وثمانمئة، وهذا النبوغ المبكر أفاده جدًّا من حيث البراعة في أكثر الفنون، كالفقه والعربية والقراءات والحديث والتاريخ، وله مشاركات في الفرائض وأصول الفقه والتفسير وغيرها. فهذه البراعة ساعده في التصنيف والتأليف، وقد ذكر البلوي في "ثبته" ص "٣٧٥" أن علي بن عياد البكري الفيلالي أخبره أن السخاوي كتب له إجازة عامة، وأحاله على فهرسته، وأخبره أن له مائة وستين تأليفا، وأن بينه وبين النبي ﷺ عشرة رجال في الحديث. والذي يبدو أن السخاوي لم يقتصر على هذا العدد من المصنفات والمؤلفات، بل تعدت هذا العدد بكثير، فقد ذكر الكتاني في "فهرس الفهارس" "٢/ ٩٨٩" عن ابن روزبهان قوله: " ... وله تصانيف تنيف على أربعمائة مجلد، كما ذكر وفصل في كثير من إجازاته، وكان له مائة وعشرون شيخًا في صحيح البخاري". وقال الزركلي في "الأعلام" "٦/ ١٩٤": " ... وصنف زهاء مئتي كتاب ... ". ومن تلك المؤلفات والمصنفات: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع و"الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ"، والمقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وفتح المغيث شرح ألفية الحديث، والتحفة اللطيفة في أخبار

стр. 13

المدينة الشريفة، وتخريج أحاديث العادلين، وتحرير الجواب عن ضرب الدواب، ورجحان الكفة في ذكر نبذة عن حال أهل الصفة، والجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، والغاية شرح الهداية. وغيرها كثير جدًّا. وفاته: توفي ﵀ بالمدينة النبوية سنة "٩٠٢هـ" وأسف الناس على موته أشد الأسف، ف-﵀ رحمة واسعة آمين. مصادر ترجمته: جرت عادة الحفاظ في عصره أن يترجم المرء لنفسه في بعض مؤلفاته، وكان من أولئك الحفاظ الإمام السخاوي ﵀ حيث ترجم لنفسه في كتابه الضوء اللامع "٨/ ٢-٣٢"، والتحفة اللطيفة "٣/ ٦٣٠"، وانظر أيضًا لترجمته: شذرات الذهب "٨/ ١٥-١٧"، والبدر الطالع "٢/ ١٨٤-١٨٧"، فهرس الفهارس للكتاني "٢/ ٩٨٩-٩٩٣"، وثبت البلوي "ص٣٧٥"، والتاج المكلل "ص٤٤٩" وهدية العارفين للبغدادي "٢/ ٢١٩-٢٢١"، ومعجم المؤلفين لكحالة "١٠/ ١٥٠"، والمستدرك على معجم المؤلفين "ص٦٧٨-٦٧٩"، والأعلام "٦/ ١٩٤-١٩٥" وغيرها.

стр. 14

نسخ الكتاب: وقفت -حسب علمي- على نسختين للكتاب. الأولى: مصدرها دار الكتب المصرية، وهي مصورة بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية -بالمدينة النبوية- فلم. رقمها: "٩٨٢". عدد أوراقها: "١٠" أوراق ذات وجهين، عدا الورقة الأولى. ناسخها: العلامة الحافظ الشيخ عبد العزيز بن عمر بن محمد بن فهد المكي الهاشمي. إمام محدث ثقة بارع، له مصنفات عدة، لازم الإمام السخاوي، وقرأ عليه الكثير من كتبه توفي سنة "٩٢١هـ". له ترجمة في "الضوء اللامع" "٤/ ٢٢٤"، و"شذرات الذهب" "٨/ ١٠٠"، والكتاني في "فهرس الفهارس" "٢/ ٧٥٤" وانظر مقدمة تحقيق كتاب "غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام" لابن فهد "١/ ١٥-١٧"، و"الأعلام" "٤/ ٢٤". تاريخها: نسخت هذه النسخة في حياة المؤلف ﵀ في يوم الأحد ٣/ ٦/ ٩٠٠هـ وعليها سماعات بخط المصنف ﵀ اعتمدت على هذه النسخة وجعلتها أصلًا، لتقدمها عن الأخرى، ولأن ناسخها من الحفاظ المتقنين، ومن الملازمين للإمام السخاوي ولندرة الأخطاء فيها. والذي يبدو من صنيع الناسخ في المخطوطة هذه أنه كان يكتب "التذكرة" لابن الملقن، بخط مغاير للخط الذي نسخ به التوضيح، وهذا واضح جدًّا في المخطوط، فنجد "التذكرة" بخط فاتح يصل أحيانًا إلى عدم الوضوح، والتوضيح بخط غامق داكن مميز.

стр. 15

وكذا تتميز النسخة هذه بخطها الجميل المرتب، ورمزت لها بـ "أ". الثانية: هي كذلك من محفوظات دار الكتب المصرية، منها صورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية -بالمدينة النبوية- فلم. رقمها: "٩٨٣". عدد الأوراق: "١٠" ورقات كل ورقة ذات وجهين عدا الورقة الولى والأخيرة، ناسخها: عبد المعطي بن أحمد بن محمد السخاوي. ولم أقف له على ترجمة، وليس هو حفيد السخاوي كما يظن من أول هلة؛ لأن ابن السخاوي أحمد ولد سنة "٨٥٥هـ" وتوفي بالطاعون سنة "٨٦٤ هـ" فيكون عمره تسع سنوات، ولم يذكر في ترجمته أنه تزوج أو عقب. ينظر الضوء اللامع "٢/ ١٢٠". تاريخها: نسخت هذه النسخة أيضًا في حياة المصنف ولكن في آخر حياته، بل قبل وفاته بتسعة أيام -البدر الطالع "٢/ ١٨٦- وكانت في يوم الأحد "٥/ ٨/ ٩٠٢هـ". وعلى هذه النسخة تعليقات كثيرة لعلي الأنصاري، وهي من كتبه، وعليها تملكه، وكذا عليها سماعات تثبت صحتها. وخطها مقروء لا بأس به، والنسخة مقروءة على المؤلف أو مقابلة على أصل له يدل على ذلك ما جاء في حواشي المخطوطة من تكرار كلمة "بلغ" أو "ثم بلغ" أو قوله "بلغ مقابلة على مؤلفه" كما في "ل/ ٧/ أ" وقوله "بلغ مقابلة بحضرة مؤلفه" "ل/ ١١/ أ" ورمزت لها بـ "ب". ومع هذا فإنه لا يوجد هناك فرق يذكر بين النسختين "أ" و"ب" لأن النسختين معروضتان على المؤلف فنتج عن هذا قلة الأخطاء. ومما يجب الإشارة إليه أن "التوضيح" طبع بتحقيق وتعليق/ حسن

стр. 16

إسماعيل الجمل، نشر دار التقوى، واعتمد المحقق على نسخة واحدة محفوظة بدار الكتب المصرية إلا أنها نسخة مغايرة للنسختين اللتين اعتمدتهما، فجاء عمله مشوبًا بالنقص خاصة في قراءة المخطوط، وحتى لا يقال أن هذا القول خالٍ من التدليل، سأذكر مثالين على سبيل التدليل لا الحصر: جاء في المطبوع من "التوضيح" "ص٢٦": " ... وقت واحد لغيره المتوصل به ... ". مع أن الصواب والوارد في النسختين قوله: " ... واحد لعزة -بالزاي والتاء المربوطة- التوصل -بدون ميم- به ... ". وانظر فتح المغيث "٣/ ٣٥٦". وأيضًا في الصفحة نفسها أخطأ في قراءة كلمة من تعريف المصحف حيث قال: " ... والمصحف زيادة ... ". بالزاي هكذا- والصواب كما في النسختين والموافق لتعريف المصحف والمصطلح عليه عند أهل الفن "تارة" بالتاء والراء ثم التاء المربوطة. ولعله لا يسعني في هذا المقام إلا أن أشكره على عمله ونسأل الله له التوفيق. وأقول للقارئ الكريم قارن بين التحقيقين والتعليقين ثم احكم. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 17

عملي في التحقيق: ١- اعتمدت النسخة "أ" أصلًا -كما أشرت آنفًا. ٢- جعلت النسخة "ب" نسخة مساعدة. ٣- أثبت الصواب في المتن إن كان ما في "أ" خطأًً، وأجعله بين معقوفتين [] ، وأشير في الحاشية إلى مصدر التصويب. ٤- استأنست بالطبعة المحققة من التوضيح المشار إليها آنفًا، وأبين في الحاشية -أحيانًا- ما ورد فيها من خطأ في التعليق أو القراءة للمخطوطة ونحوه. ٥- قمت بمقارنة ما بين النسخ "أ" و"ب" والمطبوع من التوضيح وكذا بالطبعات الثلاث لـ"تذكرة" ابن الملقن التي تعتبر -أي التذكرة- أصل التوضيح فبعد المقارنة أثبت الصواب في المتن -كما أشرت آنفًا- وأنبه على الخطأ إن ورد في إحدى الطبعات الثلاث من التذكرة إن وجد وهذا لم ألتزمه على الدوام. والطبعات الثلاث هي: الأولى: طبعة علي حسن عبد الحميد. والثانية: محمد عزيز شمس. والثالثة: المضمنة ثبت البلوي. ٦- عزوت الآيات إلى مواطنها من كتاب الله . ٧- خرجت الأحاديث الواردة والحكم عليها حسب القواعد الحديثية.

стр. 18

٨- ما كان في الصحيحين أو أحدهما أكتفى بعزوه، دون التوسع في العزو والتخريج، إلا ما شذ. ٩- ترجمت لجميع الرجال والأعلام الواردين في الكتاب إلا ما سهى عنه البصر. ١٠- علقت على الكتاب بما أراه يزيل اللبس -إن وجد- ويوضح المعنى ويفيد القارئ الكريم. ١١- بينت بعض الغريب الوارد في المتن ولم ألتزمه. ١٢- جعلت عناوين جانبية بجوار المبحث مساهمة في ترتيب وتنسيق مباحث الكتاب ليسهل الرجوع إليها. ١٣- شكلت في الغالب أواخر الكلمات ليقرأ النص قراءة صحيحة. ١٤- ميزت بين "التذكرة" وشرحها "التوضيح" حيث جعلت التذكرة بخط عريض أسود بين قوسين هكذا () ، وأما شرح "التوضيح" فبخط عادي أقل منه عرضا. ١٦- أعددت فهارس في نهاية الكتاب ترشد الطالب لطلبه ومطلبه، وهي: أ- فهرس للآيات. ب- فهرس للأحاديث. ج- فهرس التراجم. د- فهرس لمباحث الكتاب ومحتوياته. هـ- فهرس للمصادر. و فهرس عام.

стр. 19

والله أسأل التوفيق والسداد، والقبول في القول والعمل، وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلانية، ويرحم مؤلف الكتاب ومحققه وقارئه وجميع المؤمنين. آمين.

стр. 20

توثيق نسبة الكتاب: لا شك في نسبة الكتاب للإمام السخاوي -عليه رحمة الله- إذ إن هناك جملة من الأدلة تثبت صحة نسبته إليه، مع العلم أن لم يذكره ضمن مؤلفاته الكثيرة التي سردها لما ترجم لنفسه في الضوء، ومع ذلك قال في ترجمة ابن الملقن من الضوء "٦/ ١٠٠" ما نصه: " ... وله فيه -أي علوم الحديث- أيضًا التذكرة في كراسة رأيتها....". إليك -أخي القارئ- بعض الأدلة المثبتة صحة نسبة الكتاب للمؤلف ﵀ منها: ١- السماعات الموجودة على الكتاب. ٢- على الكتاب تصويبات بخط المؤلف ﵀. ٣- الكتاب، بل النسختان معروضتان على المؤلف وفيهما ما يدل على المقابلة كما سبق بيانه. ٤- إسناد المؤلف إلى ابن الملقن؛ حيث رواها عن شيخه ابن حجر وشيخه ابن حجر رواها عن شيخه ابن الملقن. ٥- اعتمد الإمام السخاوي في شرحه "للتذكرة" على نسخة بخط الحافظ الجمال ابن ظهيرة، وهي نسخة مقروءة على ابن الملقن سنة "٧٧٧هـ" في رمضان بالناصرية بالقاهرة، فنسخة شيخه ابن حجر ونسخة ابن ظهيرة ليس بينهما اختلاف، ولو وجد لذكره ﵀. ٦- بعد المقارنة بين المطبوعات الثلاث من التذكرة وبين التوضيح مع أصله التذكرة وبين التوضيح مع أصله التذكرة نجد التوافق بينهما في جلّ بل أغلب الكتاب إلا نادرًا.

стр. 21

٧- المقارن بين شرح الإمام السخاوي هنا وبين ما سطره في كتابه النافع "فتح المغيث" يجد توافقًا في الشرح والتعليق، وعلى سبيل المثال تعريفه للمقطوع والشاذ، وترجيحه في الكتابين لمذهب الشافعي في تعريف الشاذ، والتغاير بين المتواتر والمشهور حيث قال في الكتابين: "قال شيخنا: إن كل متواتر مشهور ولا عكس" وغيره كثير، وستجده واضحًا في الكتاب مع التعليق عليه. ٨- ما ذكره في آخر التوضيح بقوله: " ... وتم هذا التوضيح المناسب لها ... " ثم ختمه بقوله "قال وكتبه محمد السخاوي ... ". ٩- ذكر عمر كحالة في "المستدرك على معجم المؤلفين" "ص٦٧٨" عند ترجمة الإمام السخاوي أن من جملة آثار الإمام السخاوي هذا الكتاب حيث قال: "ويضاف إلى آثاره ... -ثم ساق جملة من كتبه ومنها- التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن على الأثر". وفي نظري أن هذه الدلائل تكفي في إثبات صحة النسبة إليه، والله أعلم.

стр. 22

القسم الثاني: قسم التحقيق النص المحقق ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [و] ١ صلى الله على سيدنا محمد "وآله وصحبه وسلم تسليمًا"٢. قال شيخنا شيخ الإسلام -أوحدُ العلماء الأعلام، خاتمة الحفاظ بلا نزاع، والمنفرد في سائر الأقطار بالإجماع، شمس الدين أبو الخير محمد بن الشيخ المقري "المرحوم"٣ زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر السخاوي القاهري الشافعي أدام الله النفع بعلومه آمين. الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد: فهذا تعليق لطيف على "التذكرة"٤ التي أشير فيها لكثير من أنواع

стр. 23

علوم الحديث، وأنبأني بها أستاذي إمام الأئمة أبو الفضل ابن حجر١ عن مؤلفها السراج أبي حفص عمر بن أبي الحسن الأنصاري الشافعي ابن النحوي الشهير بابن الملقن -رحمهما الله ونفعنا ببركاتهما-. سئلت فيه وأنا بمكة في أثناء سنة تسعمائة، ناسبت به في الإشارة المتن، معتمدا في المتن نسخة بخط الحافظ الجمال ابن ظهيرة٢ قرأ فيا على مؤلفها في رمضان سنة سبع وسبعين وسبعائة بالناصرية من القاهرة٣.

стр. 24

ووصف القارئ بالشيخ العالم الفاضل جمال الإسلام نفع الله تعالى به، سائلا من الله الانتفاع به إنه القادر على كل شيء. (الله أحمد على نعمائه) [الجمة] ١ المترادفة المسلسلة، (وأشكره على آلائه) أي نعمه الوافرة المتصلة التي لعدم انفكاكها أكد بالتعبير عنها، كما أتى بالشكر بعد الحمد الذي لا يكون منا إلا شكرا، وإن فرق بأن النعماء ما ظهر، والآلآء ما بطن، (وأصلي على أشرف الخلق محمد وآله) من الصحابة والذرية والقرابة وسائر مقتفيه، (وأسلم) تسليما. (وبعد، فهذه تذكرة في علوم الحديث) التي هي القواعد المعرِّفة بحال الراوي والمروي٢ (يتنبه بها المبتدي) لما كان غافلا عنه، (ويتبصر بها) أي بإشاراتها في الجملة، (المنتهي) بحيث يكون هو الأحق بالتذكر بها من المبتدي، (اقتضبتها) أي اختطفتها مستعجلا اختصارا، (من

стр. 25

المقنع١ تأليفي) الذي اختصرت فيه ابن الصلاح مع زيادات وتتمات وهو شهير في مجلد. (وإلى الله) سبحانه (أرغب في النفع بها) لقارئها وسامعها وكاتبها ومطالعها وحافظها، (إنه) أي النفع، (بيده والقادر عليه) لا يرغب لغيرٍ فيه. (أقسامه) أي الحديث المضاف إلى النبي ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا أو وصفًا حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام٢ (ثلاثة) بالنظر لما استقر الأمر عليه؛ إذ جمهور المتقدمين لم يذكروا الثاني٣.

стр. 26

(صحيح وحسن وضعيف) وما عداها مما سيشار لعدِّه شامل "أكثره"١ لكل ما يتوقف عليه القبول والرد منها. (فالصحيح) : لذاته وكذا لغيره، (ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه) إذ هو المتصل السند بالعدل التام الضبط أو القاصر عنه إذا اعتُضد من غير شذوذ ولا علة٢. والإسناد أو السند: هو الطريق الموصل للمتن٣.

стр. 27

المتن: هو الغاية التي ينتهي إليها١. (ومنه) أي من الصحيح لذاته مما هو أعلى مراتبه، (المتفق عليه: وهو ما أودعه الشيخان) البخاري ومسلم٢ (في صحيحهما) الذي أولهما أصحهما لا [عند] ٣ كل الأمة، وإن تضمن اتفاقها لتلقيها لهما

стр. 28

إلا ما علل مما أجيب عنه بالقبول، بل ما فيهما إلا ما استُثنيَ قطعي دون مطلق الصحيح فنظري١، ثم إنه على مراتب فأعلاها ما اتفق على تواتره، وإن اشترك مع عداه في مسمى إفادة العلم، ثم المشهور.

стр. 29

(والحسن) : أي لذاته، (ما كان إسناده) أي طريقه ولو في بعض رواته (دون الأول في الحفظ) أي الضبط، (والإتقان) إذ هو والصحيح سواء إلا في تمام الضبط، وإن أريد تعريفه لذاته ولغيره فهو: ما اتصل سنده بالعدل القاصر في الضبط أو بالمضعف بما عدا الكذب١، إذا اعتضد من غير شذوذ ولا علة. (ويعُمُّه و) الصحيح، (الذي قبله) مما زاده، وقال إنه من النفائس، (اسم الخبر القوي) وهما محتج بهما وإن كان الثاني لا يلحق الأول في

стр. 30

المرتبة (والضعيف: ما ليس واحدًا منهما) أعني الحسن بأن يفقد شرطا من شروطه فأكثر، وما يكون منحطًّا عن الحسن فانحطاطه عن الصحيح أولى، فيشمل المرسل الظاهر١، والخفي٢، والمنقطع٢ والمعضل٢ والمعلق٢ من غير الصحيحين، وما كان راويه ضعيفا أو مجهولا أو غير ضابط، والشاذ٢، والمعلل٢، وهو متفاوت المراتب أيضًا، فشرُّه الموضوع، ولا فائدة في سرد ما اجتمع منها بالسير والتقسيم٢؛ لأن أكثره لم

стр. 31

يخص بلقب غير الضعيف الذي ضابطه ما تقدم. (وأنواعه) أي مطلق علوم الحديث لا خصوص هذا التقسيم. (زائدة على الثمانين) بل على المائة: (المسند: وهو ما اتصل سنده) ولو ظاهرا مرفوعا، إلى (النبي ﷺ )

стр. 32

(والمتصل: وهو ما اتصل إسناده مرفوعا كان أو موقوفا١، وسُمي موصولا) وكذا مؤتَصِلا٢ (أيضًا، وضده) أي الموصول مما زاده المفصول. وأما ضد المتصل فالمنقطع الآتي. (والمرفوع: وهو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة، متصلا كان أو غيره) ، أي غير متصل٣ فبان٤ أن المسميات الثلاث يُنظر

стр. 33

فيها إلى ما يشعر به أسماؤها، فالمرفوع إلى الإضافة الشريفة خاصة، والمتصل إلى الإسناد خاصة، والمسند إليهما معا. (والموقوف: وهو المروي عن الصحابة قولا) لهم (أو فعلا أو نحوه) كالتقرير، (متصلا كان أو منقطعا١ ويستعمل في غيرهم) أي الصحابة من التابعين فمن بعدهم (مقيدا، فيقال: وقفه فلان على عطاء، مثلا، ونحوه) ، كمالك. (والمقطوع: وهو) عند الإطلاق، (الموقوف على التابعي) فمن يليه من أتباع التابعين فمن بعدهم، (قولا) له أو (فعلا) ٢، وربما يقال له

стр. 34

موقوف لكن مع التقييد كما علمته١. (والمنقطع: وهو ما لم يتصل إسناده من أي وجه كان" فيشمل المرسل والمعضل وغيرهما، ولكن التعريف المعتمد المغاير لغيره مما لم يتصل: ما سقط منه قبل الوصول إلى الصحابي واحد، بل ولو سقط منه أكثر من واحد مع عدم التوالي٢.

стр. 35

(والمرسل: وهو) أي الظاهر، (قول التابعي وإن لم يكن كبيرا) لكونه لم يرو إلا عن الواحد ونحوه من الصحابة، (قال رسول الله ﷺ ) كذا. (ومنه ما خفي إرساله) : وهوأن يروي الراوي عن من أدركه ولم يلقه أو لقيه ولم يسمع منه، مما يعلم بإخباره أو بتحقيق الحافظ. والصواب فيما يجيء عن الصحابة من ذلك كحديث عائشة في بدء الوحي١، أن حكمه الوصل٢، إلا فيما يرسله من له رؤية

стр. 36

_________ من طريق عامر بن صالح الزبير عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام قال: سألت. وعامر فيه ضعف، لكن وجدت له متابعا عند ابن منده، والمشهور الأول". وأكد الحافظ أيضًا وقوف على رواية عامر السابقة والرواية المتابعة لها كما في "الفتح" "٦/ ٣١٠". ٢ نعم يحكم له بالوصل، لعدالة الصحابة؛ إذ جهالة الصحابي لا تضر، ولأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وقد نص جل الأئمة بل وحكموا على مراسليهم بأنها لها حكم الوصل المسند وأنها مقبولة إذا صح الإسناد إلى الصحابي. قال الخطيب البغدادي في الكفاية "ص٩٣": "كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن". وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في هدي الساري "ص٣٥٠": "وقد اتفق المحدثون على أن مرسل الصحابي في حكم الموصول" وأيضًا "ص٣٧٨": ووقد اتفق الأئمة قاطبة على قبول ذلك، إلا من شذ ممن تأخر عصره عنهم، فلا يعتد بمخالفته "وانظر أيضًا في النكت "٢/ ٥٤١". وقال أيضًا في الفتح "١/ ٤٦٤" ح رقم "٣٥٠" عند حديث عائشة ﵂ قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرت في السفر، وزيدَ في الحضر". اعترض على هذا الحديث بأنه من قول عائشة غير مرفوع وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة". فأجاب ﵀: "أما أولًا فهو مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وأما ثانيًا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي وهو حجة؛ لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي ﷺ أو عن صحابي آخر أدرك ذلك". وممن نص أيضًا على قبول مراسيل الصحابة والاحتجاج بها وأن جهالتهم لا تضر ابن الصلاح ﵀ "علوم الحديث" "ص٥٦" وابن الملقن في المقنع "١/ ١٣٨"، والعراقي في التبصرة والتذكرة "١/ ١٥٦"، والتقييد والإيضاح =

стр. 37

فقط١، وحينئذ فيقال قد يجيء عن صاحبي مرسَل حكمه ما يجيء عن

стр. 38

التابعي١ كما يقال: قد يجيء عن تابعي مما يضيفه إلى النبي ﷺ ما حكمه الاتصال، كأن يسمع من النبي ﷺ قبل إسلامه ثم لم يره٢. واعلم أن المرسَل حجة عند أبي حنيفة، ومالك ومن وافقهما٣، وكذا إن اعتُضد عند الشافعي، والجمهور٤، بمجيء مرسَل آخر أخذ

стр. 39

مُرسِلُهُ العلمَ عن غير شيوخ الأول، أو مسنَد ولو كان ضعيفًًا، وبإسناد رواته نفسه له من باب أولى، إن لم يترجح مرسله بقرينة أو بقول صحابي أو بفتيا التابعين فمن يليهم، مما قد يعبر عنه بانتشار لم يخالف، أو يعمل أهل العصر، أو كثيرين، أو بقياس، أو لم يكن في بابه سواه، وكان المرسل مع كونه من كبار التابعين لا يسند إلا عن ثقة، ولا يخالف الحفاظ فيما يأتي به، مما الشرط اجتماع الثلاثة فيه دون العواضِد الأُوَل، فوجود واحد منها يكفي مع كلام في بعضها، ولا يناسب هذا الإشارة، ولولا أن ناظم الأصل١ أشار لها ما ألحقته.

стр. 40

(والمعضل: وهو) المستغلق الشديد، (ما سقط من إسناده اثنان فأكثر) على التوالي١، (ويسمى منقطعًا أيضًا) وكذا مرسلًا بالنظر لما عرف المنقطع به، فكل معضل منقطع ولا عكس؛ إذ هو بمقتضى ما مشى عليه أعمّ. (والمعلق: وهو) مأخوذ من تعليق الجدار أو الطلاق٢، (وما حُذف من مبتدأ إسناده) من تصرف مصنف، (واحد فأكثر) ٣ ولو حذف جميع
следующие страницы →