← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... تقديم الكتاب: للأستاذ الدكتور السيد محمد بدوي عشت مع هذه الرسالة الجامعية مرتين: مرة أثناء تأليفها, ومرة أثناء ترجمتها. أما عن تأليفها, فقد كان ذلك في أوائل الأربعينات, وكانت الحرب العالمية الثانية قد بدأت تشتد وطأتها في أوروبا بعد هزيمة فرنسا وصحوة الحلفاء لوقف طغيان النازي. وكنت مع الطلبة العرب في باريس نلتمس في رحاب الأستاذ الجليل ما نحتاج إليه من رعاية في وقت الشدة, وكان هو يجمعنا في منزله في المناسبات الدينية والقومية ليشعرنا بما افتقدناه من جو عائلي بسبب بعدنا عن الأوطان. وكنا نجد عنده كرم الضيافة العربية, ونستمتع بأحاديثه ومناقشاته في شئون الدين والعلم والسياسة. وكان ﵀ لا يضيق بما نثيره من آراء متطرفة أحيانًا, بل يفندها بروح العالم المستنير, وفي سماحة ورحابة صدر, ولا يزال بنا حتى يقنعنا بوجهة نظره المستندة إلى البرهان العلمي والمنطقي. ثم حظيت بشرف مصاهرته, فازدادت صلتي به وثوقًا, ولمست عن

стр. 2

كثب الجهود والخطط التي رسمها منذ أمدٍ بعيد لنشر رسالة الإسلام في العالم الغربي. فعرفت أنه كان قد أتقن الفرنسية إبان طلبه للعلم في الأزهر الشريف استعدادًا لذلك اليوم الذي يقوم فيه بواجبه العلمي والديني. فما إن وطئت قدمه أرض فرنسا حتى بدأ في تحقيق خطته؛ ولم ينتهج الطريق السهلة التي انتهجها غيره بالشروع في تحضير رسالة الدكتوراه رأسًا, بل فضل أن يسير في الطريق الأكاديمي من بدايته, ويفعل ما يفعله طلاب العلم من الفرنسيين الذين يعدون أنفسهم إعدادًا أكاديميًّا رصينًا. فالتحق بالسوربون للتحضير لدرجة الليسانس, ودرس الفلسفة, والمنطق, والأخلاق, وعلم النفس, وعلم الاجتماع على أيدي أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس من أمثال ماسينيون, وليفي بروفنسال, ولوسن, وفالون, وفوكونيه. ونجد أثر هذا التكوين العلمي الرصين في رسالته, حيث لم يكتفِ بتوضيح وجهة النظر الإسلامية, بل كان يجليها بمقارنتها بآراء المفكرين والفلاسفة, وكان لا يترك مناسبة إلا استعرض فيها رأي عالم من علماء الغرب, أو نظرية من النظريات السائدة, ثم يبين ما في هذه النظرية أو في ذلك الرأي من تصور أو خطأ, ويعقب ذلك ببيان كمال النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم. وقد استغرقت كتابة هذه الرسالة ما يقرب من ست سنوات. ويبدو أن العالم الجليل قد شرع فيها في عام ١٩٤١ بعد أن انتهت حملة فرنسا, وعاد إلى باريس بعد سنة أمضاها في بوردو "بجنوب غرب فرنسا" حين اقتربت الجيوش النازية من العاصمة الفرنسية وأصبح سقوطها وشيكًا, وإذا أضفنا إلى هذه السنوات الست خمس سنوات قبلها أمضاها الأستاذ في التعرف على مناهج العلوم في الغرب وتحضير درجة الليسانس, فإنه يكون قد أمضى ما بين إعداد العدة وتنفيذ مشروعه حوالي أحد عشر عامًا. ولم تكن هذه بالفترة الطويلة إذا قدرنا ما اكتنفها من سنوات الحرب العصيبة, وما أثارته هذه الحرب من مشكلات مادية ونفسية كان الأستاذ يتحمل عبئها, ويحاول

стр. 3

إبعادها عن أسرته الكبيرة التي صحبته في غربته. وأذكر أنه اضطر -أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا- لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأ تحت الأرض, كان يجمع فيه أوراقه التي يحرص عليها ويشتغل وسط القنابل التي كانت تدوي من حوله, على ضوء شمعة أو مصباح خافت. وتمت مناقشة الرسالة أمام لجنة مكونة من خمسة من أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس في ١٥/ ١٢/ ١٩٤٧. وظل جمهور المثقفين من العرب والمسلمين يسمعون عن هذا العمل القيم دون أن يستطيعوا قراءته والاستفادة منه, حتى قيض الله له أستاذًا شابًّا من خيرة شباب العرب والمسلمين هو الدكتور عبد الصبور شاهين, الذي ندب نفسه طيلة أعوام ثلاثة لترجمة النص الفرنسي إلى العربية. وقد جمع صفات وميزات قلما تتوافر لمن يتصدى لمثل هذا العمل الضخم, فهو إلى جانب تكوينه وثقافته الدينية العميقة أستاذ للغة العربية؛ كما أنه يتقن اللغة الفرنسية التي درسها دراسة جادَّة, وترجم منها إلى العربية عدة كتب لعدد من العلماء والفلاسفة. ولم يألُ المترجم جهدًا في أن يضع في خدمة النص كل ما يستطيع من أساليب التوثيق والإيضاح التي تخدم قارئ العربية وتعمق ثقافته الدينية. من ذلك أنه لم يكتف -كما فعل المؤلف- بالإشارة إلى الآيات القرآنية في الهامش بذكر رقم الآية والسورة, بل أخذ على عاتقه كتابة الآيات الكريمة كاملة وإدماجها في النص نفسه, وبذلك كفى القارئ مئونة البحث في المصحف الشريف عن تلك التي لا غنًى عنها لتدعيم الفكرة التي يشرحها المؤلف. ومن ذلك أيضا ما قام به من الرجوع إلى كتب الفقه والحديث والتفسير وعلم الكلام لتوثيق بعض النصوص التي لخصها المؤلف بالفرنسية, وحرص المترجم على وضعها في نصها الأصلي الذي ورد في كتب التراث

стр. 4

الإسلامي. وفي بعض المواضع التي كان المؤلف يكتفي فيها بالإشارة إلى واقعة ما, كان المترجم يجهد نفسه للبحث عن ظروف هذه الواقعة, ويثبتها كاملة. وأشهد أنه قد بذل في الترجمة نفسها جهدًا كبيرًا؛ وذلك لصعوبة النص في بعض المواضع, ودقة الأفكار الفلسفية التي تعرض لها. ولا بد أنه قد وقف -مثلما وقفت عند مراجعة الترجمة- ساعات طويلة أمام عبارة من العبارات, حتى يطمئن إلى دقة الترجمة وإلى التعبير عن المعنى الذي قصد إليه المؤلف. وقد أسهمت في هذا الجهد بقدر ما أستطيع, معتمدًا على خبرتي بما عرفته من أسلوب المؤلف وطريقة تفكيره, ودقته في اختيار اللفظ الذي يعبر عن الفكرة. وأدى هذا التعاون الوثيق بيني وبين المترجم إلى خروج الترجمة على الصورة التي نرضاها لها, والتي نضعها اليوم بين يدي القارئ العربي آملين في حسن تقديره. والآن هل يسمح لنا القارئ بأن نقدم له خلاصة سريعة للأفكار الرئيسية في الكتاب؟ إن الهدف الرئيسي من هذا البحث هو إبراز الطابع العام للأخلاق التي تستمد من كتاب الله الحكيم, وذلك من الناحيتين النظرية والعملية. أما عن البحث في الأسس النظرية التي تقوم عليها المبادئ الأخلاقية في القرآن الكريم, فإن المؤلف يعبر لنا, دون مواربة, عن شعوره بأنه كان يضع قدميه لأول مرة على أرض لم تطأها قدم من قبل. لكن وعورة المسالك التي عزم -بمشيئة الله- على الخوض فيها لم تضعف من عزيمته, بل كانت حافزًا له على تحدي الصعاب في سبيل خدمة دين الله الحنيف.

стр. 5

إضافات لا تقوم بذاتها, وإنما بالاستناد إلى المبدأ الأول وهو العمل من أجل إرضاء الله. وكانت آخر مسألة عالجها المؤلف في الفصل الخامس من الكتاب هي تحليل طبيعة "الجهد" الإنساني الذي يأمر به القرآن الكريم, ودرجة هذا الجهد, وقيمته في اكتساب الثواب. وقد عالج المؤلف العلاقة بين الجهد والانبعاث التلقائي من ناحية, وبين الجهد وروح التيسير من ناحية أخرى. ووضح أن القرآن الكريم قد وازن بين كلٍّ من الطرفين المتعارضين, ودمج بينهما في تركيب يجمع بين الكمال والحكمة. وناقش فكرة المتشددين الذين يرفضون التلقائية في الفعل الأخلاقي, ولا يمنحون السلوك أية قيمة إلا إذا كان نتيجة لجهد أو معاناة كبيرين. فإذا صحَّ ما يدَّعي هؤلاء, فإن النفس المتحررة من شهواتها لا تكتسب ثوابًا على ما تقوم به من أفعال خيِّرة, ولا تستحق هذا الثواب إلا إذا كانت فريسة لانفعالات متسلطة عليها, وتكافح من أجل التغلب عليها. أو بمعنى آخر: كلما اقتربنا من المثال الأعلى في الانبعاث التلقائي لفعل الخير, فقد العمل جزءًا من قيمته. وواضح ما في هذا الرأي من منافاة لكل منطق, إذ بمقتضاه يكون الشرير الذي يحاول جاهدًا التخلص من نزعاته الشريرة أعلى درجة في السلم الأخلاقي من القديس الذي يمارس الفضيلة في يسر وبدون جهد يذكر. إن الوقوع في هذا التناقض قد نجم عن الاعتقاد الخاطئ بأن الحياة الأخلاقية يجب أن تكون حربًا لا هوادة فيها ضد نزعات كامنة في الإنسان, هذا الإنسان الذي يرى بعضهم أنه شرير بطبعه, وأنه لا يستطيع أن يتحرر من طبيعته الشريرة, وأن القداسة فكرة وهمية ليس لها مكان على الأرض. إن موقف القرآن الكريم من هذه المسألة يختلف تمامًا عن هذا الموقف المتشدد المتشائم, وينزع إلى نظرة أكثر رحابة وأكثر تفاؤلًا. لقد كان هناك

стр. 6

ففي تقرير المنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي, التابعة للجامعة العربية: أن معدل الجرائم ضد الأموال في ارتفاع, مع عملية التنمية الاقتصادية, إذ تزداد فرص الاعتداء على الأموال عندما يصبح المجتمع أكثر إنتاجًا وتعقيدًا, وتحضرًا وتصنيعًا, ومن ثم نجد أن نسبة عالية من جرائم الأحداث والشباب, في غالبية البلاد ذات طابع اقتصادي, مثل السرقة, والاختلاس, واقتحام المنازل, والسرقة بالإكراه. وقد صاحب مرحلة التنمية الاقتصادية السريعة خلال السنوات العشر السابقة, في مصر, زيادة في عدد الجرائم صد الأموال, وبخاصة الأموال العامة, وأصبح لهذا الاعتداء صور متعددة ومستحدثة, كجرائم الرشوة والاختلاس, وتزييف الأوراق الرسمية, وتزييف العملة, أو المسكوكات, وتهريب النقد, وسرقة الكابلات, وتهريب المخدرات, والخطف لطلب الفدية "وهو اعتداء على الأشخاص والأموال في آنٍ". وثمة صور مستحدثة من الجرائم الاقتصادية, بزغت مع تطبيق النظام التعاوني الزراعي, حيث لُوحِظَ تفشي السرقات من المحاصيل الزراعية, التي تودع في الجمعيات التعاونية الزراعية, قبل شحنها إلى مناطق التخزين العامة, وجرائم الغش والاختلاس باغتصاب خامات ومحاصيل زراعية جيدة النوع بأخرى رديئة, أو التلاعب في الأوراق الرسمية بالحصول على توقيعات من المنتفعين, باستغلال جهلهم بالقراءة والكتابة, وجرائم الرشوة "النقدية أو العينية" لتوريد سلف غير مستحقة للمنتفعين, أو للتغاضي عن مخالفات ارتكبها الزراع أثناء ري الأراضي, أو مقاومة الآفات, أو لعدم الالتزام بتطبيق المخطط الزراعي للدورات الزراعية, وجرائم السوق السوداء في مجال بيع الأسمدة الكيماوية والمبيدات, واختلاس جزء منها, وبيعها مغشوشة١.

стр. 7

لم يكن عمر وحده في هذا الموقف، بل كانت الأمة كلها تواجهه بشجاعة، وصبر، ومعالجة، حتى انجلت الأزمة، واستغنى الناس عن ربط الحجارة على البطون، ولم يسجل التاريخ حالة تذمر واحدة، أو حتى نكتة واحدة تشنع بسياسة الدولة، أو شكوى واحدة من اختفاء الخبز أو الإدام، بل إن الناس لم يزدادوا مع الأزمة إلا استمساكًا بأخلاقهم, وحرصًا على أداء واجباتهم، وصبرًا في البأساء والضراء وحين البأس. ولقد أوقف عمر ﵁, فيما يذكر التاريخ، تطبيق حد السرقة آنذاك، ترفقًا بالمضطرين إليها من أجل الإبقاء على حياتهم، ومع ذلك لم يذكر التاريخ أن الجائعين تحولوا إلى لصوص، أو أن القادرين أصبحوا مستغلين أو محتكرين، فقد كانت أخلاق الجماعة الإسلامية أقوى من قَرص الجوع، وأمنع من أن تزلزلها أزمة تموينية. في هذا الضوء الرباني نستطيع أن نقرر حاجة مجتمعنا العربي إلى ثورة أخلاقية تدعم الثورة الاشتراكية، وتعالج ما أحدثت من مشكلات اجتماعية؛ نتيجة عدم التوازن في حركة الإصلاح الذي تم حتى الآن. إن أكبر خطأ وقع فيه دعاة الثورة الاشتراكية في الوطن العربي أنهم تصوروا الثورة وصفة طبية، تقتبس من أصحابها؛ ليتعاطاها المجتمع المريض في أي زمان ومكان؛ فإذا بكثير من الثوريين المتفلسفين يعكفون على استملاء التجارب والأدوية من الكتابات والمؤلفات الجاهزة، وتدور المطابع، وتكثر الكتابات الثورية، حافلة بالتنفخ والادعاء، ولو جاز تطبيق حد السرقة على اللصوص، لكان أول من يحق عليهم حدها أولئك السرقة الكاتبون، والمقتبسون، دون تمييز، الآكلون أفكار الناس بالخطف والتقليد!! والحق أن الإصلاح الثوري نبات لا بد أن يتفجر من باطن الأرض

стр. 8

مقدمة مدخل ... مقدمة: "لا يؤلف أحد كتابًا إلا في أحد أقسام سبعة، ولا يمكن التأليف في غيرها، وهي: إما أن يؤلف من شيء لم يسبق إليه يخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مستغلق يشرحه، أو طويل يختصره، دون أن يخل بشيء في معانيه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه يبينه، أو شيء مفرق يجمعه"١. هذه القاعدة الرشيدة التي قالها عالم أزهري، من علماء القرن السابع عشر الميلادي، تحتفظ دائمًا بقيمتها، وهي تدعو دائمًا كل كاتب أن يسير على نهجها. ولسوف يكون لدى قارئنا الواعي فرصة أن يقدر إلى أي مدى يوفي كتابنا -الذي نقدمه اليوم إليه- بهذه الشرائط؛ فلم يكن شروعنا في هذا المؤلف الجديد عن القرآن، عبثًا نضيع فيه وقتنا، ونثقل به على قرائنا، ونزحم به مكتباتنا، فإذا لم يأتِ عملنا هذا بشيء جديد في عالم الشرق أو الغرب، فلن يكون سوى مضيعة وزحمة وإثقال.

стр. 9

١- الوضع السابق للمشكلة: إن نظرة سريعة نلقيها على مؤلفات علم الأخلاق العام -التي كتبها علماء غربيون- كافية لنلحظ فيها فراغًا هائلًا وعميقًا, نشأ عن صمتهم المطلق عن علم الأخلاق القرآني. والواقع أن هذه المؤلفات تذكر لنا باختصار، أو بإفاضة، المبادئ الأخلاقية، كما ارتأتها الوثنية الإغريقية، ثم أديان اليهودية والمسيحية. ولكنها حين تنتهي من عرض هذه المراحل الثلاثة، نجدها تنقلنا بغتة إلى العصور الحديثة، في أوروبا، مغفلة كل ما يمس الدستور الأخلاقي في الإسلام. وبرغم هذا، فإن الإضافة القرآنية في هذا الباب ذات قيمة لا تقدر، ولسوف يفيد منها تاريخ النظريات الأخلاقية سعةً، وعمقًا، وتوافقًا، كما تفيد المشكلة الأخلاقية ذاتها منها، في حل مصاعبها، سواء في ذلك المصاعب المتجددة والدائمة. أليست إذن خسارة ضخمة أن يغفل أمر نظرية كهذه، وأن يلفها الصمت؟ والحق أنه لو أننا -بدلًا من أن نبحث في هذه المؤلفات عن علم الأخلاق العام- لجأنا إلى الكتب الأوروبية، التي تعالج مسائل الإسلام بخاصة، فسوف نجد أن محاولات قد تمت خلال القرن التاسع عشر، من أجل استخراج المبادئ الأخلاقية من القرآن، بيد أن إطار هذه المحاولات، كان في الغالب محدودًا، كما كان مضمونها بعيدًا عن المطابقة الدقيقة للنظرية القرآنية الحقة.

стр. 10

فمن حيث الإطار نجدهم أغفلوا الجانب النظري من المسألة: فليس هنالك عالم أوروبي واحد حاول أن يستخلص من القرآن مبادئه الأخلاقية العامة، وفضلًا عن ذلك، فلم يكن لدى أيٍّ من بينهم اهتمام بأن يصوغ قواعده العملية، ويقدمها في صورة دستور كامل. وإنما انحصرت كل جهودهم في أن جمعوا عددًا، قليلًا أو كثيرًا، من الآيات القرآنية المتعلقة بالعبادة، أو بالسلوك، وترجموها ترجمة حرفية. ويبدو لنا، أن الذي استهل هذه المجموعة من النصوص المختارة من القرآن كان المستشرق جارسان دي تاسي Garcin de tassy، فقد قدم لنا مؤلفًا صغيرًا بعنوان: "القرآن: مبادئه وواجباته" "باريس ١٨٤٠م". وتبعه المستشرق لوفيفر lefevre، الذي نشر عام ١٨٥٠م قطعًا مختارة من ترجمة سفري savary، بعنوان: "محمد: قوانين أخلاقية، ومدنية، ودينية". ثم جاء من بعدهما بارثلمي سانت هيلير Barthelemy, s. hilaire في كتابه: "محمد والقرآن" "باريس، نشر ديدييه didier ١٨٦٥م". هذا من حيث الإطار الذي سيقت في داخله بحوث ذلك العهد. وأما من حيث عيوب المضمون فمرجعها إما إلى ترجمات غير صحيحة، وإما إلى تلخيص سيئ، وإما إلى الأمرين معًا، وهو ما نجده واضحًا لدى المستشرق جول لا بوم jules la beaume في كتابه: "تحليل آيات القرآن"koran analyse "باريس maisonneuve ١٨٧٨م". وهو مع ذلك أقل الأعمال التحليلية في هذا المجال بعدًا عن التمام١.

стр. 11

ولذلك بدا لنا من الضروري أن نتناول الموضوع من جديد، وأن نعالجه تبعًا لمنهج أكثر سلامة، من أجل تصحيح هذه الأخطاء، وملء هذه الفجوة في المكتبة الأوروبية١، وحتى نُرِيَ علماء الغرب الوجه الحقيقي للأخلاق القرآنية، وذلكم في الواقع هو هدفنا الأساسي من عملنا هذا. بيد أننا بالرجوع إلى مكتبتنا الإسلامية نفسها، لاحظنا أنها لم تعرف حتى الآن سوى نوعين من التعاليم الأخلاقية: فهي إما نصالح عملية، هدفها تقويم أخلاق الشباب، حين توحي إليهم الاقتناع بالقيمة العليا للفضيلة٢، وإما وصف لطبيعة النفس وملكاتها، ثم تعريف للفضيلة وتقسيم لها، مرتب في غالب الأمر بحسب النموذج الأفلاطوني، أو الأرسطي٣، وكثيرًا ما نرى المنهجين يتعاقبان في قلم كاتب واحد٤، وإذن فلم يكن هنالك سوى كتب إنسانية محضة، أجهد مؤلفوها أنفسهم، فاستودعوها ثمرات تأملاتهم، ودراساتهم الفلسفية، ولم يظهر فيها النص القرآني كلية، أو هو لا يكاد يظهر إلا بصفة ثانوية. فلم تكن الأخلاق القرآنية إذن الموضوع الرئيسي للدراسة، والتقنين، لدى المسلمين أو المستشرقين، لا من الناحية النظرية، ولا من الناحية العملية.

стр. 12

ونحسب أن من الواجب أن نضيف بعض التحديد إلى هذا التأكيد المزدوج؛ ليصبح أكثر دقة، ويخلص من كل لبس أو غموض. ولسنا ندعي ابتداء، أن بحوثنا في المجال النظري تخوض في أرض لم يرتدها أحد قبلنا، فإن العلماء المسلمين قد أعملوا قرائحهم منذ عهد مبكر في هذا الموضوع: علماء الكلام، وعلماء الأصول، فكروا جميعًا في مقياس الخير والشر، "أو بحسب تعبيرهم: مسألة الحسن والقبح"، وفكر الفقهاء في شروط المسئولية، وفكر الأخلاقيون والصوفية في فاعلية الجهد، وإخلاص النية والقصد. ولكنّا إذا صرفنا النظر عن أن هذه الأفكار قد بقيت متناثرة في مختلف المذاهب التي تمس الأخلاقية من قريب أو من بعيد، والتي لم تعنَ دائمًا بوجهة النظر الأخلاقية بمفهومها الخاص -فإن النظرية الأخلاقية التي يقدمها هؤلاء تصدر في جانب كبير منها -على الأقل- عن روح المذهب الذي ينتمي إليه مؤلفوها، إن لم تكن من محض نظراتهم الشخصية؛ لأن القرآن لا يرد ذكره فيها إلا بصفة مكملة، شاهدًا أو برهانًا على فكرة أو أخرى سبق الأخذ بها. وأما في المجال العملي فمن الحق أن الغزالي -كما نعلم- قد حاول في كتابه "جواهر القرآن" أن يحلل جوهر القرآن، وأن يرده إلى عنصرين أساسين، يتصل أحدهما بالمعرفة، ويتصل الآخر بالسلوك. وانتهى إلى أن حصر في القرآن من النوع الأول سبعمائة وثلاثًا وستين آية؛ كما حصر من النوع الثاني سبعمائة وإحدى وأربعين آية١.

стр. 13

ومن المؤسف أن هذا النوع من الحصر والتصنيف، الذي يعد خطوة أولى في سبيل إعداد المواد للتشييد -لم يعقبه ما يقتضيه من عمل ضروري يهدف إلى إعلاء البناء. ومع ذلك، يجب أن نعترف بأن اختيار المواد في العمل قد تمَّ بوجه عام تبعًا لقاعدة، وأن الآيات المختارة في القسم العملي تتوافق غالبًا مع موضوع دراستنا. وليس الأمر على هذا النحو بالنسبة إلى ما استخرجه القاضي أبو بكر الجصاص الحنفي "المتوفى عام ٣٧٠هـ"١، في كتابه: "أحكام القرآن"، "طبعة أسطنبول ١٣٣٨هـ"، وإلى ما استخرجه القاضي أبو بكر بن العربي، المالكي، "المتوفى عام ٥٤٢هـ"٢ في كتابه المعنون أيضًا باسم: "أحكام القرآن" "نشر مطبعة السعادة بالقاهرة: ١٣٣١هـ". وكذلك بالنسبة إلى ما استخرجه ملا أحمد جيون الهندي الحنفي، "المتوفى عام ١١٣٠" في كتابه "التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية" "بومباي ١٣٢٧هـ". ولم يقتصر الأمر في هذه الكتب على أن نجد النصوص القرآنية ذات المغزى الأخلاقي، وقد غرقت بطريقة غامضة وسط نصوص تتصل بموضوعات

стр. 14

فقهية، أو أصولية، أو كلامية، أو كونية، أو غيرها. بل لقد رأينا لدى القاضيين آيات مذكورة بمناسبة مسائل، لا يتصل النص بها إلا من بعيد، وقد اعتبرت هذه المسائل ببساطة مناسبة لذكرها. وعلى كل حال، فإن جميع المؤلفين، بما فيهم الغزالي، وقد جمعوا بطريقتهم الآيات القرآنية بترتيب السور -جعلوا من مختاراتهم مجرد جمع لمواد متفرقة، لا تربط بينها روح قرابة، ولا يظهر فيها أي تسلسل للأفكار. ولذلك، فعندما فقدت الوحدة الأولى لكل سورة لم يستطيعوا أن يكملوا عملهم بإيجاد وحدة منطقية، تربط بين الأجزاء المختارة، أو تصنيف منهجي تقتضيه قاعدة التعليم. وقد وجدنا هذا النظام المنطقي لدى بعض العلماء الشيعة، من مثل: الشيخ أحمد بن محمد الأردبيلي "المتوفى عام ٩٩٣هـ"، في كتابه: "درة البيان في آيات الأحكام"١، ومن مثل الشيخ أحمد بن إسماعيل الجزائري النجفي "المتوفى عام ١١٥٠هـ" في كتابه: "قلائد الدرر في بيان أحكام الآيات بالأثر"٢، غير أن هذين الكتابين٣ اللذين يمكن أن يعدا فهرسًا

стр. 15

لنصوص القرآن المتعلقة بالفقه الإسلامي -لا يعالجان الأوامر الأخلاقية إلا نادرًا. وهكذا لم ينهض أحد -فما نعلم- حتى الآن باستخلاص الشريعة الأخلاقية من القرآن في مجموعه، ولم يحاول أحد أن يقدم لنا مبادئها، وقواعدها في صورة بناء متماسك مستقل عن كل ما يربطه بالمجالات القريبة منه، وتلكم هي المهمة التي انتدبنا للوفاء بها هنا، بقدر ما تطيقه وسائلنا.

стр. 16

تقسيم ومنهج مدخل ... ٢- تقسيم ومنهج: نحن نميز تحت لفظة "القانون الأخلاقي" -كما يميز جميع الباحثين تحت اسم الجنس- فرعين مختلفين هما: النظرية والتطبيق. والواقع أن دراستنا للنص القرآني قد أوحت إلينا، لا بوجود هذين الفرعين لعلم الأخلاق في القرآن -فحسب، بل لقد كشفت لنا عن أن الصورة التي جاءت بها بلغت درجة من الكمال لا يُبتغى وراءها شيء.

стр. 17

الجانب العملي: وقد بحثنا في رسالة حديثة النشر, الأخلاقية العملية في القرآن، في علاقتها بالحكمة القديمة، واستطعنا أن نكشف فيها عن ثلاث خصائص نوجزها فيما يلي: فالقرآن -من حيث كون حافظًا لما سبقه، واستمرارًا له- قد تميز عنه بذلك الامتداد الرحب الذي ضم فيه جوهر القانون الأخلاقي كله، وهو الذي ظل متفرقًا في تعاليم القديسين والحكماء، من المؤسسين والمصلحين، الذين تباعد بعضهم عن بعض، زمانًا ومكانًا، وربما لم يترك بعضهم أثرًا من بعده يحفظ تعاليمه. ولعل هذا الجانب هو السمة البارزة من سمات القرآن، وإن لم تكن أثمن سماته، ولا أصلها.

стр. 18

وإنما تبدو أصالة هذا التعليم الأخلاقي في أجلى صورها، في طريقته التي سلكها لتقديم تلك الدروس المختلفة عن الماضين، وتقريبها، بحيث يصوغ تنوعها في وحدة لا تقبل الانفصام، ويسوقها على اختلافها في إطار من الاتفاق التام؛ وذلك لأنه بدأ بأن نزع عن الشرائع السابقة كل ما كان في ظاهر الأمر إفراطًا أو تفريطًا، وبعد أن حقق وضع التعادل في ميزانها، الذي كان يميل تارة إلى جانب، وأخرى إلى جانب آخر -دفعها جميعها في اتجاه واحد، ثم نفخ فيها من روح واحدة، بحيث صار حقًّا أن ينسب إليه بخاصة مجموع هذه الأخلاق. وأعجب من ذلك وأعظم أصالة جانبه الخلاق، فليس يكفي -في الواقع- لكي نصف أخلاق القرآن, أن نقول: إنها حفظت تراث الأسلاف ودعمته، وإنها وفقت بين الآراء المختلفة التي فرقت أخلافهم، بل ينبغي أن نضيف أن الأخلاق القرآنية قد رفعت ذلكم البناء المقدس، وجملته، حين ضمت إليه فصولًا كاملة الجدة، رائعة التقدم، ختمت إلى الأبد العمل الأخلاقي١. ولسوف يكون علينا في هذه الدراسة أن نعالج الأحكام العملية التي جاء بها القرآن في ذاتها، وفي مرحلتها النهائية من تطورها، وحسب القارئ بعد ذلك أن يتصفح النصوص التي نوردها في نهاية هذا الكتاب؛ ليدرك رحابة هذا النظام وجماله. ولسوف يختلف منهجنا كثيرًا في عرض هذا الجانب عن المنهج الذي اتبعه سابقونا. فلما كنا -أولًا- لا نرى من اللازم أن نستوعب النصوص والآيات ذات الاتصال بالموضوع، فقد اكتفينا بأن سقنا بعضًا منها؛ ذا دلالة كافية

стр. 19

على القواعد المختلفة للسلوك، ثم حاولنا من بعد ذلك أن نتجنب التكرار بقدر الإمكان. واتبعنا أخيرًا نظامًا منطقيًّا بدلًا من التزام نظام السور "الذي تبعه الإمام الغزالي"؛ أو النظام الأبجدي للمفاهيم "كما فعل جول لا بوم". فالنصوص في عملنا هذا مجمعة في فصول، بحسب نوع العلاقة التي سيقت القاعدة لتنظيمها، وقد ميزت في داخل كل طائفة عدة مجموعات صغيرة من النصوص، وضعنا لها عنوانًا فرعيًّا يوجز التعليم الخاص الذي يستقي منها، بحيث يتاح للقارئ أن يجد الحكم الذي يبحث عنه بكل سهولة. وتنظيم النصوص بمجموعها على هذا الوجه يبني لنا منهجًا كاملًا للحياة العملية كما رسمها القرآن: كيف ينبغي على الإنسان أن يسلك مع نفسه، وفي أسرته، ومع الناس أجمعين؟ وما المبادئ التي يجب أن تحكم العلاقات بين الحاكمين والمحكومين، وبين الدول أو المجتمعات؟ وكيف يؤدي الإنسان العبادة لله؟ وكل ذلك قد قيل بطريقة واضحة ومحددة. هذا الطابع الإجمالي يجد ما يكمله في طابع آخر، يمنحه قيمته العليا، ذلك أن القرآن -بعد أن رسم لكل مجال من مجالات الحياة خط سلوكه- يقدم لنا أُطُرًا معدّة على هيئة دوائر مشتركة المركز، كل واحدة منها قابلة لأن تتسع، وتنكمش، في توافق مع المجموع. بل لقد تتداخل هذه الدوائر بالتبادل، دون أن تطغى إحداها على الأخرى. كيف استطاع القرآن أن يحدث هذا الأثر المعجز؟ لقد كان منهجه غاية في البساطة، حين تخير لبيان قواعده أقوالًا ذات تأثير خاص، وهي أقوال تقف دائمًا في منتصف الطريق، بين المجرد: غامضه ومبهمه، وبين الحسي المفرط في الشكلية. وكذلك نجد أن الأطر التي يبنيها صارمة ومرنة في آن.

стр. 20

فمن حيث وضوح المضمون نجد أن وضوح كل قاعدة يوجد نوعًا من الحجاز، يقف في مواجهة الفوضى، وجموح الهوى؛ ولكنها من حيث عدم تحديد هذا المضمون تترك لكل فرد حرية اختيار الشكل الذي يكيف في نطاقه مثله الأعلى؛ طبقًا للشروط التي تمليها التجربة، كما يختار الشكل الذي يوائم به بين الواجب العاجل والمقتضيات الأخرى التي تمليها الأخلاقية. فهما أمران: تكييف ومواءمة، ينبغي أن يتما بوساطة جهد راشد، بعيد عن الإرخاء، وعن الغلواء، التي لا ضابط معها. وبهذه الطريقة استطاعت الشريعة القرآنية أن تبلغ كمالًا مزدوجًا، لا يمكن لغيرها أن يحقق التوافق بين شقيه: لطف في حزم، وتقدم في ثبات، وتنوع في وحدة. وبهذه الطريقة أيضًا، أتاحت الشريعة القرآنية للنفس الإنسانية أن تطمئن إلى سعادة مزدوجة، تجمع أيضًا بين النقيضين: خضوع في الحرية، ويسر في المجاهدة، ومبادأة في الاستمرار، وقليل من فهم تلك الحكمة الرفيعة. ومن ثَمَّ أخذ بعضهم على الإسلام أنه لم يحدد مثلًا الطريقة التي يستشار بها الشعب في القضايا العامة، ولم يحدد شكل الدولة المسلمة، وطريقة اختيار رئيسها: أهي اقتراع شامل، أم مقتصر على الصفوة؟ وهل هي جمهورية، أم ملكية؟ ... إلخ. هذا البحث المفرط في التحديد القانوني، يمكن أن يظهر لدى أولئك الذين يضعون القانون، أو أولئك الذين يخضعون له. ففي الحالة الأولى يفرض القانون ويحتمه نوع من الحذر لدى المشرعين، إزاء الأفراد الذين يناط بهم تطبيقه؛ ومع ذلك فهو يتجه إلى إلغاء كل مبادأة، وإلى أن يجعل الحياة المشتركة رتيبة لا تطاق، وإلى أن يجعل من أعضاء المجتمع ما يشبه النسخ المكررة من نموذج آلي واحد.

стр. 21

لكنا قد نصادف بين المحكومين أنفسهم أناسًا يودون أن يتولى المشرع بنفسه تحديد كل شيء وتقنينه، فإذا افترضنا أن هذا المشروع يمكن أن يتحقق، فكيف نفسر اقتضاءً من هذا القبيل بالغًا أقصى مداه، إلا بأنه تلمس لأدنى جهد عقلي وأخلاقي؟ إن لم نقل: إنه تنازل محض وبسيط عن الشخصية!! إن القرآن لا ينقض ذلك الاتجاه إلى حصر كل القواعد، كما لا ينقض الاتجاه المضاد، فهل كان هذا التصرف الحكيم، وذاك الموقف الوسط الذي يقف فيه الفرد دائمًا بمعزل عن طرفي نقيض -مجرد اتفاق؟ أو تحكمًا واعتسافًا؟ أو أن له غاية معينة؟ إننا لكي نقتنع بأن القرآن في إيجازه، وفي تفصيله، يهدف إلى تلك الحكمة التشريعية المنزهة -حسبنا أن نتذكر الواقعة التالية: "فعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج، فحجوا" فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال، رسول الله, ﷺ : " لو قلت: نعم، لَوَجَبَتْ، ولَمَا استطعتم؛ ثم قال: ذروني ما تركتكم ١، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" ٢ وفي رواية أخرى أكثر تصريحًا، رواها ابن جرير موقوفة عن أبي ثعلبة الخشني، ورُويت مرفوعة إلى النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت

стр. 22

عن أشياء رحمة لكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" ١، ويذكر ابن حبان أن ظروفًا كهذه الظروف كانت مناسبة لنزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ، قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ ٢. هذا الاستبعاد للمبالغة والإفراط في "كيف؟ وكم؟ " من القواعد القرآنية -إجراءٌ اتُّخذ صراحة، كيما يتسنى لكل فرد أن يمارس طاقته العقلية والجسمية والخلقية، بطريقة تختلف عن غيره. فهذا هو ما يتصل بالأخلاق العملية، والسمات العامة التي تحددها؛ فلنمض إلى الأخلاق النظرية:

стр. 23

الجانب النظري: وهنا يفارق منهجنا أيضًا المنهج العام؛ ذلك أن ما يهم غالبية علمائنا في المقام الأول هو الجانب الاقتصادي، أو الشرعي، ونحن بادئ ذي بدء، نركز اهتمامنا على المجال الأخلاقي؛ واضعين كل مسألة في المصطلحات التي تُصاغ بها لدى الأخلاقيين المحدثين. ونحن من ناحية أخرى نتخذ من القرآن ذاته نقطة انطلاق، بحيث كان دأبنا الدائب أن نستخرج منه الإجابة عن كل مسألة، بالرجوع المباشر إلى النص. وهنا تكمن الصعوبة؛ فإن النصوص المتعلقة بالنظرية الأخلاقية ليست بالكثرة والوضوح اللذين تمتاز بهما الأحكام العملية، غير أن هنا سؤالًا مسبقًا ينبغي أن يطرح: هل القرآن كتاب نظري؟ أم هل يمكن أن يلتمس فيه ما يلتمس، من المؤلفات والأعمال الفلسفية؟

стр. 24

إن الفلسفة بالمعنى المألوف للكلمة هي عمل فكر منطقي، معتمد على مجرد ومضات الذهن الطبيعي، ينتقل فيه المفكر من حكم إلى آخر، بمنهج معين؛ للتوصل إلى إقرار نظام معين، قادر على تفسير الأشياء في عمومها، أو تفسير وضع معين لأحد هذه الأشياء. وبدهي أن هذا الجهد العقلي؛ وهذه الخطوة التدريجية -لا يتناسبان مع ضوء وحي، يغمر النفس دون بحث أو توقع، ويقدم لها على حين فجأة جملة من المعرفة، لا تسبق فيها المقدمات نتيجتها، ولا المقدم تاليه. فليس القرآن إذن عملًا فلسفيًّا، بمعنى أنه ليس ثمرة فلسفة، وهو لا يستخدم طرق الاكتساب الفلسفي، بالإضافة إلى أنه لا يتبع كذلك طرق التعليم التي يتبعها الفلاسفة، وهي طرائق المنهج العقلي، التي تقوم على: "التعريف، والتقسيم، والبرهنة، والاعتراضات، والإجابات"؛ وهي كلها أمور متلاحمة دون جدال، ولكنها لا تؤثر إلا على جانب واحد من النفس، وهو الجانب العقلي، على حسين أن للقرآن منهجه الذي يتوجه إلى النفس بأكملها؛ فهو يقدم إليها غذاء كاملًا، يستمد منه العقل والقلب كلاهما, نصيبًا متساويًا. وهكذا يفارق التعليمُ القرآنيُّ التعليمَ الفلسفيَّ، سواء في المصادر، أو في المناهج. فهل هما يتفارقان كذلك في موضوعهما؟ وفي هدفهما؟ إن القول بهذا معناه أننا نقرر -بعلم أو بلا شعور- أن القرآن ليس كتاب دين؛ ذلك أنه مهما تكن الفروق بين الفلسفة والدين -والتي تتمثل في أن الأولى، تستمد منبعها من ارتياب العقل، على حين أن الدين يستمده من الضوء الكامل للوحي؛ أو أن كليهما قد ينقاد أحيانًا١ وراء سراب

стр. 25

التخيل، وأن أحدهما "وهو الفلسفة" ليس سوى معرفة محضة وبسيطة، والآخر اقتناع عميق، ومؤثر، وأخّاذ- مهما تكن الفروق بينهما فإن للفلسفة في جانبها الأسمى، وللدين في جميع أشكاله، موضوعًا مزدوجًا مشتركًا، هو: حل مشكلة الوجود؛ أصله ومصيره، وتحديد الطريقة الحكيمة والمثلى للسلوك، ولتحصيل السعادة. بيد أن أفضل ما يدل على التشابه بين المادة القرآنية بخاصة، وبين الفلسفة -أن نلحظ أن القرآن حين يعرض نظريته عن الحق، وعن الفضيلة لا يكتفي دائمًا بأن يذكر بهما العقل، ويثير أمرهما باستمرار أمام التفكر والتأمل، وإنما يتولى هو بنفسه التدليل على ما يقدم، ويتولى تسويغه. وفضلًا عن ذلك، فإن طبيعة استدلالاته، والطريقة التي يسوق بها الدليل؛ قد اختيرت كلتاهما على وجه يفحم أعظم الفلاسفة دقة، وأشد المناطقة صرامة، في الوقت الذي تُلبى فيه أكثر المطالب واقعية، كما تروق أرقى الأذواق الشعرية وأرقها، وأبسط المدارك وأقلها. فليس يكفي إذن أن نقول: إن القرآن لا ينكر الفلسفة الحقة، وليدة التفكير الناضج، وعاشقة اليقين؛ ولا يكفي كذلك أن تقول: إنه يوافقها ويشجعها، وإنه يرتضي بحثها المنصف، بل ينبغي أن نضيف إلى ذلك: أنه يمدها بمادة غزيرة في الموضوعات، وفي الاستدلالات. ولا ريب أن القرآن لا يقدم إلينا هذه الحقائق الأساسية مجتمعة، في صورة نظام موحد. بيد أننا نتساءل: إذا كان نظام كهذا لم يوجد كاملًا، أفلا يوجد في هذا الكتاب جميع العناصر الضرورية، والكافية لبنائه؟ الحق أنه لا مراء في أن القرآن مشتمل على جميع العناصر الأساسية للفلسفة الدينية: أصل الإنسان، ومصيره، وأصل العالم ومصيره، ومبادئ السبب والغاية، وأفكار عن النفس، وعن الله ... إلخ. وإن دراسة مثل هذا الموضوع لجديرة أن يخصص لها عمل مستقل.

стр. 26

فأما أن يكون ذلك الكتاب قد تحدث في الوقت نفسه عن أسس النظرية الأخلاقية -فذلكم هو السؤال الأول الذي طرحناه في دراستنا هذه، والذي خصصناه بأعظم قدر من جهدنا. وإنا لنعتقد أن بوسعنا أن نعلن منذ الآن أننا قد وجدنا لهذا السؤال إجابة واضحة، وإيجابية تمامًا. إن القرآن لا يكتفي في الواقع بأن يضع قاعدة السلوك، على وجه أكثر شمولًا وتفصيلًا، كما لم يفعله أي تعليم عملي، فقد وجدناه يرسي تحت هذا البناء الضخم قواعد من المعرفة النظرية أعظم متانة وأشد صلابة. ولتطرح عليه مثلًا السؤال التالي: على أي أساس ترتكز شريعة الواجب القرآني؟ ومن أي معين تستقي سلطانها؟ ولسوف يجيبك: بأن التمييز بين الخير والشر هو إلهام داخلي مركوز في النفس الإنسانية، قبل أن يكون شرعة سماوية؛ وبأن الفضيلة -في نهاية المطاف- إنما تتخذ مرقاتها من طبيعتها الخاصة، ومن قيمتها الذاتية، وبأن العقل والوحي -على هذا- ليسا سوى ضوء هادٍ، مزدوج لموضوع واحد، وترجمة مزدوجة لواقع واحد أصيل، تمتد جذوره في أعماق الأشياء. واسأله بعد ذلك: عن صفات هذه الشريعة، وامتداد سلطانها؟ ولسوف يقول لك: إنها شريعة عامة، وأبدية، تكفل للبشرية مطامحها المشروعة، ولكنها تعترض بكل وضوح وتأكيد على شهواتها الجامحة، والمتحكمة. وزد في سؤاله عن المسئولية الإنسانية، وعن شروطها، وحدودها، وعن الوسيلة الناجعة لكسب الفضيلة، وعن المبدأ الأسمى الذي ينبغي أن يحد الإرادة عن العمل؟

стр. 27

أو سله عن أي مبدأ عام لا يملك أي أخلاقي بصير بعمله أن يغفله؟ ولسوف تجد فيه لكل سؤال حكمًا محددًا وقاطعًا، يفرض نفسه إجابة فريدة، من شأنها أن تؤلف بين أكثر المشاعر نباهة واتزانًا. والذي استولى في النهاية على إعجابنا، هو ما رأينا من التباين المذهل بين الطريقة التي يقدم بها القرآن إجاباته على هذه الأسئلة، وطريقة غيره. فعلى حين أن هذه الحقائق الأساسية قد برزت إلى الوجود في ضوء القرآن اللامع، منذ أربعة عشر قرنًا، نجد أن مجتهدي المفكرين ممن يبحثون عن هذه الحقائق خارج ضوء القرآن يصدرون دائمًا عن تردد وارتياب، ولا يصلون إلى أبعاض منها إلا بعد جهد جهيد، دون أن يتوقَّوا الوقوع في أخطاء فادحة.

стр. 28

٣- دراسة مقارنة: ويجب أن نعترف بأن تصورنا للخطة الأولية لهذا العمل كانت في شكل محدود، بحيث لم نكن نتصور شيئًا سوى عرض القانون الأخلاقي المستمد من القرآن، وربما من تعليم النبي ﷺ المبيّن الأول، الثقة. غير أن الأستاذ لويس ماسينيون m. Louis massignon -الأستاذ في الكوليج دي فرانس، في معهد الدراسات العليا بباريس- قد أبدى لنا رغبة في أن يرى هذه الدراسة تتناول في نفس الوقت بعض نظريات المدارس الإسلامية المشهورة، وهو في سبيل هذا الهدف قد مكننا مما ضمت مكتبته من مؤلفات نادرة وثمينة، مخطوطة، أو مطبوعة. كما أن الأستاذ رينيه لوسن m. Rene le senne -الأستاذ بكلية الآداب، بجامعة باريس- قد اقترح علينا أن نقارن النظرية الأخلاقية المستمدة من

стр. 29

القرآن ببعض النظريات الغربية. وقد استجبنا بحمد الله لما أبديا من مقترحات موفقة، يبدو عملنا اليوم بفضلها أرحب مدًى، وأعظم توفيقًا. فعملنا على هذا النحو نوع من التأليف، تلتقي فيه الأفكار الأخلاقية، من الشرق بنظيرتها من الغرب، في مقارنة واعية، محايدة، بريئة من كل فكرة مسبقة، ومن كل هوًى متعصب لمدرسة بعينها، رائدها الوحيد في كل مناقشة أن تحتكم إلى العقل، الذي يستهدي بالأسانيد الوثيقة. ترى هل يكون هذا التقارب بين مختلف الثقافات استهلالًا في المجال العملي، يعقبه فهم أرحب مجالًا، ونزوع إلى الإنسانية أكثر امتدادًا، حيث تتجمع القلوب، من هنا وهناك، وتتشابك الأيدي لخير بني الإنسان؟!! باريس في ٨ يونيو ١٩٤٧ محمد دراز

стр. 30

النظرية الأخلاقية كما يمكن استخلاصها من القرآن الفصل الأول: الإلزام مدخل ... النظرية الأخلاقية كما يمكن استخلاصها من القرآن: الفصل الأول: الإلزام يستند أي مذهب أخلاقي جدير بهذا الاسم -في نهاية الأمر- على فكرة الإلزام l'obligation، فهو القاعدة الأساسية، والمدار، والعنصر النووي الذي يدور حوله كل النظام الأخلاقي، والذي يؤدي فقده إلى سحق جوهر الحكمة العملية ذاته؛ وفناء ماهيتها؛ ذلك أنه إذا لم يعد هناك إلزام فلن تكون هناك مسئولية، وإذا عدمت المسئولية، فلا يمكن أن تعود العدالة؛ وحينئذ تتفشى الفوضى، ويفسد النظام، وتعم الهمجية، لا في مجال الواقع فحسب، بل في مجال القانون أيضًا، وطبقًا لما يسمى بالمبدأ الأخلاقي. ومن هنا نرى إلى أي اتجاه يريد أن يقودنا بعض أصحاب النظريات المحدثين١. ومن ناحية أخرى، كيف نتصور قاعدة أخلاقية بدون إلزام؟ أليس هذا تناقضًا في الحدود؟ أم أننا نجعل من الضمير مجرد أداة للتقدير الفني؟ ولكن، أليس بدهيًّا أن علم الأخلاق وعلم الجمال -أمران مختلفان؟ وبمعنى أكثر عمقًا، إذا كان حقًّا أن كل ما هو خير فهو جميل، فهل العكس أيضًا صحيح؟ إن مما لا ريب فيه أن لفكرة الفضيلة جمالها الذاتي، الذي تتذوقه

стр. 31

الأنفس، حتى عندما لا تستبى الأعين، لكن هنالك أيضًا أشياء أكثر من هذا، فالفضيلة بطبيعتها عاملة ومحركة، فهي تستحثنا أن نعمل كيما نجعل منها واقعًا ملموسًا، على حين لا نرى للإحساس بالجمال، إذا ما رددناه إلى أبسط صوره، أية علاقة بالعمل، وبخاصة عندما لا يكون موضوعه متصلًا بإرادتنا. ومن ذلك أن إعجابنا بالقدرة الإلهية، أو بعظمة القبة السماوية لا يحملنا على أن نخلق أمثالهما. وشبيه بهذا ما يحدث للفنان عندما يتخيل فكرة عمل يمكن تحقيقه، فإن هذه الفكرة لا تقهره مطلقًا على أن ينفذها، ولكنها تدعوه برفق أن يحققها حين يريد، ومتى أتيح له وقت فراغ. ولو أنها فرضت نفسها على بعضهم، فإنها لا تفرض نفسها على الآخرين بنفس القدر من الضرورة، وهي في كل حال تعبر عن الإحساسات، دون أن تصادمها. أضف إلى ذلك أن أي نقص يرتكب في عمل فني -قد يصدم الحواس، ولكنه لا يثير الضمائر، ولا يقال: أن مرتكبه قد أحدث عملًا غير أخلاقي. أما الخير الأخلاقي فبعكس ذلك يتميز بتلك السلطة الآمرة تجاه الجميع، بتلك الضرورة التي يستشعرها كل فرد، أن ينفذ نفس الأمر، أية كانت الحال الراهنة لشعوره، وهي ضرورة تجعل من العصيان أمرًا مقيتًا ومستهجنًا. ولسوف نرى١ في أي صورة ساق القرآن هذه الضرورة التي يسميها: أمرًا = imperatif، وكتابة = prescription، وفريضة = devoir. فإذا ما عرّفنا مبدأ الإلزام, وطرحناه على هذا الوجه -وجب علينا الآن أن نتغلغل أكثر، في معرفة طبيعته، دارسين مصادره، وخصائصه، ومناقضاته.

стр. 32

مصادر الإلزام الأخلاقي مدخل ... ١- مصادر الإلزام الأخلاقي: استطاع الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، في تحليله العميق لقضية الإلزام الأخلاقي أن يكشف له عن مصدرين: أحدهما: قوة الضعظ الاجتماعي, والآخر: قوة الجذب ذي الرحابة الإنسانية المستمدة من العون الإلهي، وهي قوة أوسع مدى من سابقتها. وقد فسر ذلك قائلًا: إننا نؤدي الدور الذي عينه لنا المجتمع، ونتبع الطريق التي رسمها لنا، ثم نسلم قيادنا لهذه الطريق، نترسمها كل يوم، بنوع من العادة لا يكاد يخالطه تفكير، أشبه شيء بغريزة النحلة أو النملة. وذلكم هو ما يُسمى عادة: بالوفاء بالواجب. ولو أننا قاومنا ذلك لحظة، أو حاولنا أن نعدل من سيره فإننا لا نلبث أن نرتد إليه، شئنا أو أبينا، بفضل تلك القوة القاهرة للحياة الجماعية. هذا الدور يختلف اختلافًا كاملًا في وجهه الآخر، فعلى حين أن أخلاق الكافة أثر ناشئ عن نوع من القهر الجماعي، نجد أن أخلاق الممتازين منهم هي طموح إلى المثل الأعلى، فهي نقلة على جناح الحب المبدع، الذي ينزع لا إلى توجيه سلوك الفرد وجهة أفضل فحسب، بل إلى جذب المجتمع معه، وقيادته، بدلًا من أن يكون مقودًا له١.

стр. 33

فإذا نظرنا إلى عرض برجسون هذا -على أنه وصف وتحليل لواقع معين نجده في التجربة- أمكن القول بأنه لم يغفل كثيرًا من الأساس. وأما إذا تناولناه -على أنه نظرية في الإلزام الأخلاقي- فإن تحليله يحمل بعض الصعوبات، وشيئًا من الانحراف عن الجادة، بالنسبة إلى وجهة النظر القرآنية. فمن حيث كونه وصفًا يمكن أن نتساءل -ما دام الأمر أمر تعيين لكل القوى المؤثرة على الإرادة-: لماذا لم يشر برجسون إلى عامل ثالث، أكثر قدمًا، وأعمق جذورًا في الفطرة الإنسانية، أعني: العنصر الفردي l'individuel، أو الحيوي le vital؟؟ ذلك أن ما يهم كل مواطن ليس فقط أن يخضع لقيود المجتمع، ويسلك في داخل الكيان الاجتماعي مسلك خلية في مركَّب عضوي، ولكنه كذلك أن يبحث بخاصة عن المحافظة على ذاته، مستقلًّا عن المجموعة التي ينتمي إليها، إن لم يكن على حسابها. وأخطر من ذلك أن مصطلحي "إلزام obligation" و"أخلاق morale" -الواردين في هذا التحليل- يبدوان لنا متنافيين، يناقض أحدهما الآخر، فمتى أصبح الإلزام قهرًا شبه غرزي فإنه يفقد بذلك صفته الأخلاقية، وعكس ذلك: أن تلقائية الحب هي نقيض الإلزام. والحق أن الأخلاقية الصحيحة لا تجد هنا مجالها، في إحدى الحالتين أو في الأخرى، فالإنسان قد صور لنا على أنه لعبة في يد قوة، أية كانت، فهو تارة مدفوع بالغريزة، وأخرى محمول بالعاطفة، ولكنه لم يكن مطلقًا شخصية مستقلة، قادرة على المقارنة، والتقويم، والاختيار. وإذن، فلكي تكون لدينا أخلاقية لا يكفي أن يتمثل لنا المثل الأعلى

стр. 34

على أنه هدف لطموح متوثب محلق، ولا على أنه أمر البيئة، وكأنه ضريبة استبدادية، بل يجب أن يمر كلاهما في الضمير؛ ويتعرض لعملية إنضاج حقيقية، يخرج منها بمظهر جديد، قائم على مبادئ قانونية، يقويها ويفرضها العقل. فما دامت جاذبية المثل الأعلى ليست لها صبغة الأمر الصادر عن العقل، وحتى لو لم تكن نوعًا من ملاحقة السراب، أو حلمًا واهمًا؛ فإنها تظل محكومة بنوع من الإحساس بالجمال, ولكن هذا الإحساس بالجمال، مهما بلغ من النبل، فلن يكون مبدأ أخلاقيًّا. وكذلك الحال في كل خضوع لا مسوغ له، إلا أن يكون صادرًا عن نوع من الإرهاب الجماعي. ومن هنا نرى القرآن يقف دائمًا أمام هذين العدوين للأخلاقية: اتباع الهوى دون تفكير: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾ ١. ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ ٢، والانقياد الأعمى: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونََ﴾ ٣. فهل يقدم الذين يريدون السير على سُنة أسلافهم على الانقياد لهم دون تمييز، حتى ولو ﴿كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ٤؟ ففي الفرد إذن -من حيث كونه فاعلًا- عنصر عقلي، أعني: عنصرًا أخلاقيًّا، بالمعنى الحق، وفي الأمر الخلقي عنصر آخر هو: العقل، والحرية، والمشروعية؛ وتلكم هي العوامل الأساسية، التي أدى إغفالها إلى نقص كبير في تحليل برجسون. ولقد يستطيع من شاء أن يقلل من شأن "الملكية الفكرية"، وما لها من دور في تصور الأمور والحكم عليها، باعتبارها الأخيرة من حيث تاريخ

стр. 35

ظهورها، ويستطيع أن يصر على أن تأثيرها ضئيل في مقاومة الشهوات، ولكن يبقى شيء لا شك فيه، هو أن جوهر الأخلاقية ذاته يكمن في نشاط ذاتنا المفكرة. وقد أحسن "كانت" صنعًا -برغم بعض النقص في طريقة تقديمه لنظريته- حين أكد أنه كشف عن مصدر الإلزام الأخلاقي، في تلك الملكة العليا في النفس الإنسانية، والتي توجد مستقلة عن الشهوة، وعن العالم الخارجي معًا، إذ يقول: "أيها الواجب، أيها الاسم الأسمى العظيم ... أي مصدر جدير بك؟ وأين نجد جذر ساقك النبيلة؟.. لعله لا يكون -على الأقل- سوى ذلك الذي يرفع الإنسان فوق ذاته ... والذي يشده إلى نظام للأشياء، لا يمكن لقوة أن تتصوره سوى قوة الإدراك"١. فالإنسان بانتمائه في وقت واحد إلى عالم الإدراك، وعالم الحس -ذو طبيعتين، تسيطر أشرفهما، وهي "العقل" على دنياهما، وهي "حب الذات غير المشروع" وهذا الصوت العقلي واضح تمام الوضوح، "شديد التأثير" قابل لأن يدركه حتى السذج من الناس ... والحدود التي تفصل الأخلاقية عن حب الذات مميزة بكثير من الوضوح والضبط، حتى إن النظرة العادية لا تعجز عن تمييز ما يتصف به أحدهما، دون الآخر" ٢. فإذا ما رددنا نظرية "كانت" إلى أبسط تعبير عنها، وخلصناها من جميع مظاهر الدقة الشكلية، ونزعة التسامي، ونقيناها أيضًا من نزعة التشاؤم، التي اتسمت بها؛ ومن بعض ما شابها من البرود العاطفي -فهي بعد هذا

стр. 36

لا تعد من المسلمات فحسب، بل إنها لتتفق تمامًا -فيما نرى- مع النظرية المستخلصة من القرآن. لقد علمنا هذا الكتاب أن النفس الإنسانية قد تلقت في تكوينها الأولي الإحساس بالخير وبالشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ١. وكما وهب الإنسان ملكة اللغة، والحواس الظاهرة، فإنه زود أيضًا ببصيرة أخلاقية: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٢. ولقد هُدي الإنسان طريقي الفضيلة والرذيلة: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٣، حقًّا ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ٤. ولكن الإنسان قادر على أن يحكم أهواءه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٥. وإذا لم يكن كل الناس يمارسون هذا التأثير على أنفسهم فإن منهم من يفعله بتوفيق الله له، وهو ما قرره رسول الله ﷺ في قوله: "إذا أراد الله بعبد خيرًا جعل له واعظًا من نفسه، يأمره وينهاه" ٦. ففي الإنسان إذن قوة باطنة، لا تقتصر على نصحه، وهدايته وحسب، بل إنها توجه إليه بالمعنى الصريح أوامر بأن يفعل، أو لا يفعل. فماذا تكون تلك السلطة الخاصة، التي تدعي السيطرة على قدراتنا الدنيا، إن لم تكن ذلك الجانب الوضيء من النفس، والذي هو العقل؟

стр. 37

ذلكم أيضًا هو ما عبر عنه القرآن بألفاظه الخاصة، حين صور حال الكافرين بين أمرين، فقال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ١؟ فها هو ذا مبدأ الطرف الثالث المستبعد من الأخلاق قد استبان ووضح، إذ ليس وراء أمر العقل وقيادته قاعدة أخرى -سائغة- للسلوك، فهو وحده إذن السلطة الشرعية. في هذه الظروف نستطيع أن نقول مع "كانت": إننا مشرعون ورعايا في آن، وإن التجربة الأخلاقية للندم لتؤكد هذا الازدواج، فنحن عندما نقصر في واجبنا نحسّ أننا قد هبطنا إلى مستوى غير خليق بنا، ونعترف ضمنًا بأننا مخلوق نبيل قد زلَّ؛ ولا يزال القرآن يوقظ فينا هذا الشعور بكرامتنا الأصلية، ويؤصله، فهو لا يقرر فقط أن الله كرم الإنسان، وبسط سلطانه على الأرض، وعلى البحار: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٢, ولم يقتصر فضل الله سبحانه على أن أمر الملائكة أن تسجد أمام أبينا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ ٣، وهي درجة رفيعة، كثيرًا ما يذكرنا القرآن بها في مثل قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ ٤. ليس هذا فحسب، ولكنّا، إذا ما نحينا جانبًا تلك الإشارات الخارجية إلى الكرامة الإنسانية، وإذا ما وقفنا أمام القيمة الأخلاقية فإنه يبدو لنا أن القرآن لا ينظر إلى الطبيعة الإنسانية على أنها شريرة في أصلها، ولا على أنها فاسدة فسادًا عضالًا، بل على العكس من

стр. 38

ذلك: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ١. ولم يهلك من الناس بعد هذا سوى الجاحدين، والذين لا يؤدون شعائر دينهم: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٢، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ ٣ لم يهلك إلا الذين: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٤. فالأمر إذن أمر اختيار حر دنيوي، لا علوي، وهو يرجع إلى استخدامنا الحسن أو السيئ لملكاتنا العليا، وهي ملكات يزكي تثقيفها النفسَ، كما يدسيها ويطمسها إهمالها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٥. والحق أن القرآن لم يقتصر على الملكات العقلية وحدها، فلقد عنى في الوقت نفسه عناية كبيرة بإيقاظ أشرف مشاعرنا وأزكاها، بيد أنه لم يحرك هذه المشاعر إلا تحت رقابة عقلنا، فهو يتوجه إلينا دائمًا، أعني: يتوجه إلى ذلك الجانب المضيء من أنفسنا؛ إلى ملكتنا القادرة على أن تفهم، وأن تقدر في كل شيء ما يضر وما ينفع، وأن تقوم القيم المختلفة. ومن المشاعر السامية التي حركها القرآن فينا -نذكر على سبيل المثال٦ ما جاء فيه دعمًا لسائر واجباتنا الاجتماعية، بالمعنى الأوسع لكلمة: "مجتمع"، ألا وهو الشعور بالأخوة الإنسانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ

стр. 39

ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ١، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٢. ولقد تجلى هذا الشعور حين قدم لنا القرآن في صورة عاطفية مؤثرة مشهد الفزع الذي ينبغي أن يزعنا عن اغتياب الآخرين، فشبه المغتاب بمن ﴿يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ , ثم يضيف: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ٣ كلكم أجمعون. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يمكن أن نستخلص منه أن الإنسان يملك في غيبة أي تعليم إيجابي -جميع الوسائل الضرورية، العقلية والعاطفية، لكي يميز ما يفعل مما يدع؟، وعلى ذلك ألا يكون التشريع للخير وللشر أحد شئوننا نحن؟ وينبغي للإجابة عن هذا السؤال أن نحدد معنى هذه الدعوى، وأهميتها. هل نريد أن نقتصر على وجهة النظر الإنسانية، ونهتم بخاصة بالضمير الفردي، أم أننا نريد أن نتناول وجهة الشيء في ذاته؟ فإذا كانت فكرة الخير والشر قد حددت عقلًا على أنها: "صفة كمال أو نقص، موافق للطبع أو مخالف، مستحق للمدح أو الذم" -فإن المتكلمين المسلمين لم يجدوا صعوبة في أن يقرروا صلاحية الإنسان للتشريع من هذه الناحية، ولكن هل كل ما نرى أنه حسن، أو قبيح، بحسب عقولنا، هو في ذاته كذلك بالضرورة؟ وبعبارة أخرى: هل هو كذلك في نظر العقل الإلهي؟ وهل نحن على ذلك مدينون أمام الله سبحانه، حق قبل أن نتلقى أوامره بوساطة رسله؟ لقد دارت مناقشاتهم حول هذه النقطة المحددة، وتنوعت إجاباتهم التي

стр. 40

قدموها لنا، ابتداء من العقليين "المعتزلة والشيعة" الذين يؤكدون ذلك الرأي بصورة عامة، حتى الأشاعرة الذين ينكرونه إنكارًا مطلقًا، وبين هؤلاء وأولئك الماتريدية الذين يسلمون به في حدود الواجبات الأولية. ولكن من ذا الذي لا يرى أن العقليين من المتكلمين عندنا قد تغالوا في اعتقادهم بعصمة العقل الإنساني؟ وأليس هذا على الأقل مجالًا عصيًّا على إدراكنا؟ وخذ مثلًا: الطريقة التي يؤدي بها المرء عبادته لخالقه، فلو ترك لكل امرئ أن ينظم هذه العبادة فلن يخلو الأمر من احتمالين: فإما أن يبقى متحيرًا لا يفعل شيئًا، وإما أن يلجأ إلى كل ضرب من ضروب التخيل والاعتساف. وحتى بالنسبة إلى جميع المجالات الأخرى -يجب أن نعترف بأن هذا النور الفطري الذي يغلفه الهوى، وتفسده العادات، ينبغي أن يتعرض لنوع من الكبح، وأن يظفر بجملة من التوجيهات، تختلف باختلاف الزمان والمكان، والأمزجة، وإلا، فإن اليقين الأخلاقي -بصرف النظر عن بعض الواجبات الأساسية المعترف بها لدى جميع الضمائر السوية- سوف يخلي مكانة تدريجيًّا للأوهام، وضروب الشك، وصنوف الضلال. فمثلًا، ما واجبنا حيال طبيعتنا العاطفية؟ أمن الواجب ألا نستجيب لشيء من شهواتنا، وأن نفرض على أنفسنا الآلام، وألوان القهر والتقشف، وأن نمضي في هذه الطريق مع البوذية، حتى نبلغ مرحلة "النرفانا"١؛ أو درجة الامّحاء والفناء؟ أم أنه يكفي أن نتظاهر -كما يفعل الرواقيون- بنوع من اللامبالاة تجاه كل ضروب الخير والشر في هذا العالم، وإن كنا نفضل بعضها على بعض؟ أم أنه يجب علينا أخيرًا أن نستمتع بكل ملذات
следующие страницы →