← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لا تعد من المسلمات فحسب، بل إنها لتتفق تمامًا -فيما نرى- مع النظرية المستخلصة من القرآن. لقد علمنا هذا الكتاب أن النفس الإنسانية قد تلقت في تكوينها الأولي الإحساس بالخير وبالشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ١. وكما وهب الإنسان ملكة اللغة، والحواس الظاهرة، فإنه زود أيضًا ببصيرة أخلاقية: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٢. ولقد هُدي الإنسان طريقي الفضيلة والرذيلة: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ٣، حقًّا ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ٤. ولكن الإنسان قادر على أن يحكم أهواءه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٥. وإذا لم يكن كل الناس يمارسون هذا التأثير على أنفسهم فإن منهم من يفعله بتوفيق الله له، وهو ما قرره رسول الله ﷺ في قوله: "إذا أراد الله بعبد خيرًا جعل له واعظًا من نفسه، يأمره وينهاه" ٦. ففي الإنسان إذن قوة باطنة، لا تقتصر على نصحه، وهدايته وحسب، بل إنها توجه إليه بالمعنى الصريح أوامر بأن يفعل، أو لا يفعل. فماذا تكون تلك السلطة الخاصة، التي تدعي السيطرة على قدراتنا الدنيا، إن لم تكن ذلك الجانب الوضيء من النفس، والذي هو العقل؟

стр. 37

ذلكم أيضًا هو ما عبر عنه القرآن بألفاظه الخاصة، حين صور حال الكافرين بين أمرين، فقال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ١؟ فها هو ذا مبدأ الطرف الثالث المستبعد من الأخلاق قد استبان ووضح، إذ ليس وراء أمر العقل وقيادته قاعدة أخرى -سائغة- للسلوك، فهو وحده إذن السلطة الشرعية. في هذه الظروف نستطيع أن نقول مع "كانت": إننا مشرعون ورعايا في آن، وإن التجربة الأخلاقية للندم لتؤكد هذا الازدواج، فنحن عندما نقصر في واجبنا نحسّ أننا قد هبطنا إلى مستوى غير خليق بنا، ونعترف ضمنًا بأننا مخلوق نبيل قد زلَّ؛ ولا يزال القرآن يوقظ فينا هذا الشعور بكرامتنا الأصلية، ويؤصله، فهو لا يقرر فقط أن الله كرم الإنسان، وبسط سلطانه على الأرض، وعلى البحار: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٢, ولم يقتصر فضل الله سبحانه على أن أمر الملائكة أن تسجد أمام أبينا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ ٣، وهي درجة رفيعة، كثيرًا ما يذكرنا القرآن بها في مثل قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ ٤. ليس هذا فحسب، ولكنّا، إذا ما نحينا جانبًا تلك الإشارات الخارجية إلى الكرامة الإنسانية، وإذا ما وقفنا أمام القيمة الأخلاقية فإنه يبدو لنا أن القرآن لا ينظر إلى الطبيعة الإنسانية على أنها شريرة في أصلها، ولا على أنها فاسدة فسادًا عضالًا، بل على العكس من

стр. 38

ذلك: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ١. ولم يهلك من الناس بعد هذا سوى الجاحدين، والذين لا يؤدون شعائر دينهم: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٢، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ ٣ لم يهلك إلا الذين: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٤. فالأمر إذن أمر اختيار حر دنيوي، لا علوي، وهو يرجع إلى استخدامنا الحسن أو السيئ لملكاتنا العليا، وهي ملكات يزكي تثقيفها النفسَ، كما يدسيها ويطمسها إهمالها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٥. والحق أن القرآن لم يقتصر على الملكات العقلية وحدها، فلقد عنى في الوقت نفسه عناية كبيرة بإيقاظ أشرف مشاعرنا وأزكاها، بيد أنه لم يحرك هذه المشاعر إلا تحت رقابة عقلنا، فهو يتوجه إلينا دائمًا، أعني: يتوجه إلى ذلك الجانب المضيء من أنفسنا؛ إلى ملكتنا القادرة على أن تفهم، وأن تقدر في كل شيء ما يضر وما ينفع، وأن تقوم القيم المختلفة. ومن المشاعر السامية التي حركها القرآن فينا -نذكر على سبيل المثال٦ ما جاء فيه دعمًا لسائر واجباتنا الاجتماعية، بالمعنى الأوسع لكلمة: "مجتمع"، ألا وهو الشعور بالأخوة الإنسانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ

стр. 39

ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ١، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٢. ولقد تجلى هذا الشعور حين قدم لنا القرآن في صورة عاطفية مؤثرة مشهد الفزع الذي ينبغي أن يزعنا عن اغتياب الآخرين، فشبه المغتاب بمن ﴿يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ , ثم يضيف: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ٣ كلكم أجمعون. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يمكن أن نستخلص منه أن الإنسان يملك في غيبة أي تعليم إيجابي -جميع الوسائل الضرورية، العقلية والعاطفية، لكي يميز ما يفعل مما يدع؟، وعلى ذلك ألا يكون التشريع للخير وللشر أحد شئوننا نحن؟ وينبغي للإجابة عن هذا السؤال أن نحدد معنى هذه الدعوى، وأهميتها. هل نريد أن نقتصر على وجهة النظر الإنسانية، ونهتم بخاصة بالضمير الفردي، أم أننا نريد أن نتناول وجهة الشيء في ذاته؟ فإذا كانت فكرة الخير والشر قد حددت عقلًا على أنها: "صفة كمال أو نقص، موافق للطبع أو مخالف، مستحق للمدح أو الذم" -فإن المتكلمين المسلمين لم يجدوا صعوبة في أن يقرروا صلاحية الإنسان للتشريع من هذه الناحية، ولكن هل كل ما نرى أنه حسن، أو قبيح، بحسب عقولنا، هو في ذاته كذلك بالضرورة؟ وبعبارة أخرى: هل هو كذلك في نظر العقل الإلهي؟ وهل نحن على ذلك مدينون أمام الله سبحانه، حق قبل أن نتلقى أوامره بوساطة رسله؟ لقد دارت مناقشاتهم حول هذه النقطة المحددة، وتنوعت إجاباتهم التي

стр. 40

قدموها لنا، ابتداء من العقليين "المعتزلة والشيعة" الذين يؤكدون ذلك الرأي بصورة عامة، حتى الأشاعرة الذين ينكرونه إنكارًا مطلقًا، وبين هؤلاء وأولئك الماتريدية الذين يسلمون به في حدود الواجبات الأولية. ولكن من ذا الذي لا يرى أن العقليين من المتكلمين عندنا قد تغالوا في اعتقادهم بعصمة العقل الإنساني؟ وأليس هذا على الأقل مجالًا عصيًّا على إدراكنا؟ وخذ مثلًا: الطريقة التي يؤدي بها المرء عبادته لخالقه، فلو ترك لكل امرئ أن ينظم هذه العبادة فلن يخلو الأمر من احتمالين: فإما أن يبقى متحيرًا لا يفعل شيئًا، وإما أن يلجأ إلى كل ضرب من ضروب التخيل والاعتساف. وحتى بالنسبة إلى جميع المجالات الأخرى -يجب أن نعترف بأن هذا النور الفطري الذي يغلفه الهوى، وتفسده العادات، ينبغي أن يتعرض لنوع من الكبح، وأن يظفر بجملة من التوجيهات، تختلف باختلاف الزمان والمكان، والأمزجة، وإلا، فإن اليقين الأخلاقي -بصرف النظر عن بعض الواجبات الأساسية المعترف بها لدى جميع الضمائر السوية- سوف يخلي مكانة تدريجيًّا للأوهام، وضروب الشك، وصنوف الضلال. فمثلًا، ما واجبنا حيال طبيعتنا العاطفية؟ أمن الواجب ألا نستجيب لشيء من شهواتنا، وأن نفرض على أنفسنا الآلام، وألوان القهر والتقشف، وأن نمضي في هذه الطريق مع البوذية، حتى نبلغ مرحلة "النرفانا"١؛ أو درجة الامّحاء والفناء؟ أم أنه يكفي أن نتظاهر -كما يفعل الرواقيون- بنوع من اللامبالاة تجاه كل ضروب الخير والشر في هذا العالم، وإن كنا نفضل بعضها على بعض؟ أم أنه يجب علينا أخيرًا أن نستمتع بكل ملذات

стр. 41

الحياة، سواء أكان ذلك في حكمة وانتقاء، كما يعلمنا النفعيون، أما كان بلا قاعدة أو منهج، على طريقة أريستيب١ aristippe والشعراء في كل زمان؟ ومع ذلك فكل هذه ضروب من الإدراك تؤكد أننا قد رجعنا في أمرها إلى الفطرة الإنسانية، وأتحنا لكل منها الوسيلة الفريدة التي تجعل صاحبها يسلك سلوكًا مطابقًا لتلك الفطرة، بقدر الإمكان. وكذلك الحال في علاقاتنا بأقراننا، فإن الاهتداء إلى السلوك المناسب لا يقل صعوبة بسبب ما يواجهنا من اختلاف في الرأي. ونسوق هنا مثالًا طالما قوبل من قبل بآراء متعارضة: فهل يجب على من لحقته إهانة أن يقتص، أو أن يعفو، أو أن له الخيار؟ وهل يجب علينا أن نعامل أخواتنا بتحفظ، أو بقساوة، أو نكشف لهن عن حبنا الأخوي؟ وهل ينبغي أن نساعد الآخرين ليعيشوا أعفاء، أو نتركهم لوسائلهم الخاصة؟ ... إلخ ... ؟؟ فلو أننا أردنا أن ننزل إلى تفاصيل الحياة اليومية من: بيع، وربا، وخمر، وزواج، وزنا، فإن الخطايا سوف تعظم أبدًا، ولسوف تقاوم العقول دائمًا بعقول، كما تقاوم العواطف بعواطف. لقد أبصر "كانت" الصخرة التي تصطدم بها الأخلاق القائمة على الضمير الفردي، والواقع أنه من المستحيل عند بلوغ درجة معينة أن نسن قانونًا يفرض باعتباره ضرورة على كل الضمائر، فلماذا أضحي باقتناعي من أجل اقتناعك؟ إن من الضروري إذن أن نلجأ إلى سلطة عليا لحسم الخلاف؛ ولن يكون الحل بكل تأكيد أن نعترف بهذه السلطة للمجتمع، إذا كان الأمر أمر

стр. 42

أخلافية moralite، لا أمر شرعية legalite. وهنا نلمح الدافع السليم الذي حدا بكانت أن يلتمس هذا التشريع من سلطة أعلى، تتوفر لها صفتا: الأخلاقية والشمول، وأعتقد أنه واجدها في العقل نفسه، في صورته الأكثر صفاء وتجريدًا، والذي يحكم جميع الأشياء بقانون عدم التناقض la loi de la non - contradiction، ولسوف تتاح لنا الفرصة لنلاحظ إفلاس مثل هذا المعيار١. ونلاحظ أن "كانت" نفسه يعترف بعجز نقده عن تحديد الواجبات الإنسانية بخاصة، وهي الواجبات التي يعد تقسيمها من مهمة نظام العلم، لا من مهمة نظام نقد العقل بعامة، فإن هذا النظام لا يستتبع أي رجوع إلى الفطرة الإنسانية٢. وإذن، فالناس محتاجون على وجه التحديد إلى قاعدة صالحة للتطبيق على فطرتهم؛ ويستطيع كل منهم في الحالات السهلة أن يجد تلك القاعدة مسجلة بصورة ما في ضميره, أي: إن الشخص لا يحتاج إلى ذلك الكيان الشكلي المجرد، وهو إن احتاج إليه فإن هذه الفكرة الفارغة لا تفيدنا شيئًا محددًا. لا بد إذن من أن نتوجه وجهة أخرى، فأين نفتش عن ذلكم النور البديع لنهدي ضمائرنا، عندما لا تجد حيثما توجهت غير الظلام؟ وأين نجد ذلك المخلص الذي تعلقت به أنفسنا وقد تفاذفتها الشكوك؟ ليس لدينا أمام هذه الأسئلة سوى إجابة واحدة تفرض نفسها، إذ لا أحد يعرف جوهر النفس، وشريعة سعادتها وكمالها، مع الصلاحية الكاملة،

стр. 43

والبصيرة النافذة -غير خالق وجودها ذاته: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١؟ فمن ذلكم النور اللانهائي يجب أن أقتبس نوري، وإلى ذلكم الضمير الأخلاقي المطلق يجب أن أتوجه لهداية ضميري: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢. فبدلًا من أن نقول: "العقل المحض Raison transcendentale" -يجب أن نقول: "العقل العلوي raison transcendante"، وبدلًا من الاستناد إلى تجريد تصوري ذهني -يجب أن نلجأ إلى ذلكم الواقع المحس، الحي، العليم، الذي هو "العقل الإلهي", فنور الوحي وحده هو الذي يمكن أن يحل محل النور الفطري؛ ذلك أن الشرع الإلهي الإيجابي هو الذي يجب أن يستمر، ويكمل الشرع الأخلاقي الفطري. وفي القرآن يسير العقل والنقل معًا، جنبًا إلى جنب، وهو ما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣. وفي قلب المؤمن يستقر نوران، على حين لا يجد الملحد سوى نور واحد، وهذا هو معنى رمز النور المزدوج في قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ٤. هل معنى ذلك أن علينا أن نفرق بين مصدرين مختلفين للإلزام الأخلاقي؟ كلا ... فنحن بالآحرى نراهما مستويين لمصدر واحد، أقربهما إلى الناس هو أقلهما نقاء، وذلك أن هذا النور المكمل ليس قريب المنال، ولا سلطان له

стр. 44

علينا، وليس له معنى أخلاقي إلا من خلال ضميرنا الفردي، وشريطة أن يعترف به، فمن يد هذا الضمير الفردي نتلقى في كل حال الأمر المباشر، وعقلنا الإنساني هو الذي يأمرنا أن نخضع للعقل الإلهي. ومن هنا استطاع الغزالي أن يقول: "وقول القائل: صار واجبًا بالإيجاب حديث محض، فإن ما لا غرض لنا آجلًا وعاجلًا في فعله وتركه؛ فلا معنى لاشتغالنا به، أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه"١. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: عندما أسال نفسي، وقد استسلمت لأنواري الفطرية قبل أن أخوض عملًا ما -لكي أعرف واجبي، في موقف يتسم بالوضوح نسبيًّا, فإن إشارة ضميري لن يكون لها في نظري قيمة القاعدة الأخلاقية إلا إذا اعتقدت أنها تعبر عن الحقيقة الأخلاقية في ذاتها، لا عن حقيقة نسبية بالنظر إلى مشاعري. وكل جهودي في التأمل تهدف إلى مطالعة هذه الحقيقة التي أعتقد أنها مطبوعة في أعماقي، وفي جوهر كل كائن عاقل. فإذا ما قيل لنا: إننا نحن الذين نشرع لأنفسنا، بوصفنا أعضاء في عالم عقلي، وجب علينا أن نتفق على ذلك الاستقلال الذي خص به العقل. ماذا تعني في الواقع هذه القولة: "العقل يمنح نفسه قانونه"؟ هل يبدع العقل القانون؟ أم أنه يتلقاه معدًّا، على أنه جزء من كيانه؛ كيما يفرضه على الإرادة؟ ذلك لأنه إذا كان العقل مبدع القانون فإنه سوف يصبح السيد المطلق، فيبقي عليه أو يبطله، تبعًا لمشيئته، فإذا لم يستطع ذلك فلأنه قانون سبق في وضعه وجود العقل، وأن صانع العقل قد طبعه فيه، كفكرة فطرية, لا يمكن الفكاك منها.

стр. 45

وحينئذ يكون معنى أن يستنصح المرء عقله: أنه يقرأ في كتاب فطرته النقية، والإنسانية بصفة نوعية -ما سبق أن فطرها الله عليه. وبعبارة أخرى: عندما يرجع أشد الناس إلحادًا إلى سلطة العقل فإنه لا يفعل في الواقع سوى الإنصات إلى ذلكم الصوت الإلهي، الذي يتكلم في داخل كل منا، دون أن يذكر اسمه، وهو ينطق به صراحة عندما يتحدث إلى المؤمن. ولكن، إذا كان النوران: الفطري والموحى -ينبثقان من مصدر واحد فحسب، فيجب أن نخرج أخيرًا بأن الله سبحانه هو الذي يرشدنا دائمًا إلى واجبنا، ما ظهر منه وما بطن. وهكذا نصل إلى علاج الإلزام الأخلاقي في الإسلام، في صورته، كقانون إيجابي loi positive. وينبغي علينا في مواجهتنا لهذا المجال الجديد أن نسأل أنفسنا عما إذا كان للشريعة الإسلامية مصدر واحد، أو عدّة مصادر؟ ذلك لأن الفقهاء قد حددوا لها بعامة أربعة مصادر، هي: القرآن، أو "كلمة الله"، والسنة، أو "ما نقل عن الرسول"، والإجماع، أو "الحكم المجتمع عليه في الأمة", وأخيرًا: القياس أو "الحكم بطريق التناظر". وإذا كان التحليل الذي قدمنا صحيحًا -باستثناء بعض التحديدات التي يجب أن نضيفها إلى هذا القول- فلا ينبغي أن يكون لدينا سوى سلطة تشريعية واحدة، بالمعنى الصحيح. والقرآن ذاته لا يفتأ يؤكد لنا هذه الفكرة في كثير من آياته، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ١، و ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ ٢، و ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ٣.

стр. 46

وقد بعث الله سبحانه فينا رسوله، لا ليكون مجرد خاضع لشرع الله فحسب، بل ليكون أول خاضع له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١. وإذن, فماذا يقصد بذلك المبدأ الرباعي ... ؟

стр. 47

أولًا: القرآن لما كان القرآن -في نظر المسلمين- كلمة الله ذاته، فقد أصبح مستوفيًا لشرائطه تلقائيًّا؛ لكي يعبر عن الإرادة الإلهية. ولكن، ألا ينبغي أن يعد منذئذ المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية؟ ثم ألا يكون إقرار مصدر آخر للتكليف الأخلاقي المباشر والواقعي، بجانب القرآن -معناه: اشتراك بصائر أخرى مع الله، لها نفس الحق المقدس في إصدار الأحكام؟ فَلْنَرَ إلى أي مدى بلغت في الواقع السلطة المخولة للمبادئ الأخرى.

стр. 48

ثانيًا: السُّنة والحق أن جميع العلماء متفقون على أن يروا في تعاليم السُّنة العملية، أو مأثور النبي, صلى الله عليه وسلم١ -مصدرًا ثانيًا، عظيم الأهمية، للشريعة الإسلامية بعد القرآن، كلمة الله. والقرآن نفسه قد طلب إلى المؤمنين أن ينقادوا، دون حرج، لجميع أوامر النبي ﷺ متى أخذوا أنفسهم بالإيمان به، ومن ذلك قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ

стр. 49

لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١، وقوله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٤. غير أننا إذا ما نظرنا إلى حقيقة الأمر نجد أن جميع الأوامر النبوية لا تفرض تكليفًا نهائيًّا، مهما يكن شأنه، شرعيًّا أو دينيًّا، إلا بقدَرٍ, وبشرط أن ترتدي الفكرة التي يشتمل عليها صفة الوحي، صراحة أو ضمنًا. فإذا عدمت هذه الصفة الإلهية لم يعد للدرس أو المثال الذي قاله "الإنسان" سلطان على أحد. وقد وردت هذه التفرقة مشارًا إليها في النص القرآني، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٥. على أن النبي ﷺ هو الذي قرر ذلك بأوضح وجه وأصرحه، حين قال: "إذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله" ٦. ولم يكتف النبي ﷺ بإعلان أن آراءه حول أمور الدنيا ليست معصومة

стр. 50

من الخطأ، من حيث كانت خارج نطاق رسالته، وهو في ذلك يقول لصحابته ولأمته: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ١ -وإنما أضاف إلى ذلك أنه ربما يقع في أخطاء، صغيرة أو كبيرة، حين يتعرض لموضوع من موضوعات رسالته الإلهية نفسها، أعني: النظام الأخلاقي، أو التشريعي، أو العبادي, ما لم يكن مؤيدًا بالوحي. وهكذا وجدنا القرآن يعاتبه في مواقف كثيرة؛ لأنه رق لحال المشركين، فوقف منهم موقفًا يتسم بالرحمة، حيث كان ينبغي أن يكون أكثر تشددًا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٢. ويخاطبه في موقف آخر: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ٣. وفي موقف ثالث: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٤. ومن أمثلة ذلك أيضًا موقفه في إحدى حالات السرقة التي رفعت إليه، على ما ورد في القرآن، فكاد يخدع في حكمه، ولولا مساعدة الوحي له لأدان البريء، وبرّأ المذنب، وفي ذلك يقول القرآن: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ٥

стр. 51

وليس يخرج عن هذا السياق تلك العظة البليغة التي وجهها النبي ﷺ ذات يوم إلى متخاصمين قبل أن يفصل بينهما، قال -صلوات الله عليه- فيما روي عن أم سلمة: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" ١. وفضلًا عن ذلك كان يحدث له أحيانًا، وهو يؤم صلاة الجماعة أن ينسى، أو يزيد فيها بعض التفاصيل، مما يخالف صحتها. وفي ذلك يروي البخاري: فلما سَلَّمَ قيل له: يا رسول الله، أحدَث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك"؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني" ٢ ... إلخ. فالنبي ﷺ يعلن في موقف معين أنه معصوم، حين يكون مبلغًا -كما رأينا- أمرًا، بوصفه رسول الله، فإذا ما بلغ رسالته، وبينها للناس واستودعها ذاكرة الجماعة، فإن النقص الفطري الذي لا يفتأ يصيب انتباه الإنسان مهما يكن عقله قويًّا ذكيًّا -قد يجوز أن يظهر أحيانًا عنده، ولكن مع فارق هام هو: أن النبي ﷺ لا يمكن أن يستمر مطلقًا على رأي خاطئ وإذا لم يعد إلى الصواب بالطريق المعتادة فإن الوحي يتدخل حتمًا لتصحيح خطئه، وإقامته على الصراط المستقيم، وإلا وقعت الجماعة كلها في الخطأ، والتزمت باتباعه في طريق الضلال. والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ

стр. 52

لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون﴾ ١. فلولا هذا التقويم المستمر لنجم عن تخلفه أن تصبح كل أوامر النبي وأحكامه التي لم يقومها الوحي -موافقًا عليها ضمنًا، ولتلقاها الناس، ومعهم الحجة البالغة، على أنها أحكام إلهية. وقس على ذلك سائر أحواله, حين يعمل، فهي معدودة من حيث المبدأ أمثلة يُقتدى بها، وينظم المسلمون على أساسها سلوكهم، ما لم يصدر عنه ما ينقضها. وموجز القول: أن كل حديث صحيح لم يرد ما ينسخه، وكان موضوعه جزءًا من رسالة النبي ﷺ بحيث أصبح في نهاية الأمر تعبيرًا عن الإرادة الإلهية -هذا الحديث له في نظر المسلمين نفس السلطة الأخلاقية التي للنص القرآني. ولو اشتمل الحديث علاوة على ذلك، تفصيلات وتحديدات، أكثر مما اشتمل عليه النص القرآني -فإن هذا الحديث هو الذي يحكم النص القرآني٢ فهو يفسره، ويحدد أهميته، ويبين نماذج تطبيقه.

стр. 53

ثالثًا: الإجماع وهكذا رأينا من كل وجه، في أي ظرف، يمكن لسنة النبي ﷺ أن تكون مبدأ للإلزام، فما الظن إذن بتلك السلطة الرفيعة التي خص بها المصدر الآخر للتشريع، والمسمى بالإجماع، أو الحكم المجتمع عليه في الأمة..؟ الحق أن سلطة الإجماع يمكن أن تستقى من بعض النصوص القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١. وليس يهمنا أن يقال: إن هذه الآية موجهة إلى الأمة المحمدية بعامة، أو هي موجهة إلى الجيل الأول الذي شهد الوحي، وهو قول أكثر احتمالًا، فهناك دائمًا، أنى توجهنا، جماعة من الناس، رأيهم مجتمع، وقد يصدقه الكتاب الكريم، ليصبح رأيًا منزهًا من الناحية الأخلاقية، يجل عن أن يرضى شرًّا، أو يمنع خيرًا. وهناك استدلال مماثل يفيد مزية الإجماع، ويمكن أن يستقى من آية أخرى، فبعد أن قرر القرآن لأولي الأمر من المسلمين نفس حق الطاعة الذي قرره لله ورسوله -نجده يضيف مباشرة تحفظًا، هو أنه في حال النزاع يجب الرجوع إلى السلطتين الرئيسيتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢. ومن هذا النص يؤخذ أنه طالما

стр. 54

وُجد اتفاق مشترك فلن يكون هنالك مقتض للجوء إلى أي معيار آخر، لإقرار العدالة، فيما يواجه أولي الأمر من ظروف. فإذا ما رجعنا إلى الوثائق التي ترويها السُّنة فسوف نرى أن هذا الامتياز غير مقتصر مطلقًا على عصر الصحابة، على ما قد يفهم من هذه النصوص القرآنية، ولكنه ممتد بلا نهاية إلى جميع الأجيال المسلمة. وحسبنا هنا أن نذكر نصًّا منها، معترفًا بصحته، وهو غاية في الصراحة في هذا الصدد، قوله, ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" وفي رواية: "حتى تقوم الساعة" ١. وإذا كانت عصبة الحق لا تزال باقية في العالم الإسلامي فإن فكرة الاتفاق الإجماعي على الضلالة سوف تكون إذن مستبعدة، على أنها أمر محال من الوجهة العملية في العالم الإسلامي. فقد انتهى الرأي إلى اعتبار الإجماع في أي عصر سلطة عليا لا معقب لها، وهي تستطيع أن تحكم على نصوص القرآن والحديث ذاتها، ولا يمكن أن تحكم بهما، ولا أن تبطل برأي آخر، سابق أو لاحق. وعامة المسلمين يخضعون في الواقع لهذه السلطة دون مناقشة، اللهم فيما خلا بعض الخوارج والمعتزلة والشيعة. ولكن، كيف نوفق بين موقف كهذا وبين الخضوع المطلق، والولاء العميق الذي يضمره المسلم لله، ولكتابه، ولرسوله الذي هو المبلغ عن الله،

стр. 55

والمبين لكتابه؟ وكيف يمكن أن يكون هذا الموقف بخاصة متوافقًا مع منطق الإسلام، الذي يبغض أشد البغض كل انقياد أعمى، ولا يفتأ يمجد العقل، والرأي الناضج، حتى في عقائده الأساسية؟ من هنا نفهم إلى أي حد أثارت هذه النظرية رجلًا من العقليين، هو النَّظَّام، فدفعته إلى أن يعلن أن: "الإجماع عبارة عن كل قول قامت حجته، وإن كان قول واحد"١، ولا قيمة لإجماع لا يقوم على حجة. فإذا تأملنا من قريب رأي النظام فسوف نجد أنه لم يكن مصيبًا مطلقًا، ولا مخطئًا مطلقًا، فهو محق لأنه يدافع عن مبدأ سام اعترف به القرآن، ولكنه أخطأ حين اعتقد أنه كشف عن شرط أولي جهله كل الناس قبله. فلا بد إذن من إيضاح لتحديد هذا الإجماع، الذي يمكن أن يعتمد عليه المسلم، كسلطة تشريعية مؤكدة، ومعتمدة عند القضاء. فكلمة "إجماع" تترجم عمومًا بكلمة consensus ٢, consensus، ominium، وهي ترجمة غير كاملة تمامًا والواقع أنه لا يجب أن نتصور هذا الاتفاق على طريقة تصويت شامل، ناشئ عن استفتاء مفروض على شعب بأكمله، أو على جميع الشعوب الإسلامية، بحيث يشترك فيه أجهل الناس وغير المختصين، على قدم المساواة مع أعلم الناس. كما لا يجب أن نتمثل المجموعة المقترعة على هيئة مجمع ديني، أو جمعية عامة، أعضاؤها منتخبون أو معينون، تجتمع تحت سقف واحد لمناقشة بعض المسائل العقيدية، أو الاقتصادية، أو السياسية، فالإجماع لا يشبه شيئًا من هذه المنظمات الغربية، لا في شكله، ولا في موضوعه.

стр. 56

أما من ناحية الموضوع فإن دور الإجماع هو حسم مشكلة جديدة١, ذات طابع أخلاقي أو فقهي، أو عبادي، دون أن يكون من شأنه أن ينظر في مسائل الحياة التطبيقية، أو في مسائل الدين النظرية. فأما الحياة المادية فلأن أي نص لا يعصمنا من أن نرتكب خطأ يتوقع أن يحدث في أي قرار مشترك بهذا الصدد، وأما المسألة الاعتقادية فلسبب يختلف عن هذا، والواقع أنه إذا كان احتمال خطأ الأمة بأسرها في موضوع ديني، ذي طابع عملي -أمرًا ينبغي أن يستبعد من الافتراض، فمن الأولى أن يستبعد ذلك فيما يتعلق بموضوع الإيمان. وغاية الأمر أن يقال: إن الرجوع إلى الإجماع في هذا المجال لا تلتقي عنده بالرضى كل المشاعر والقلوب٢. وإذا كان بعضهم قد أجازه في المسائل الثانوية، فإن أحدًا لم يوافق عليه فيما يتصل بالعقائد الأساسية، فليس لمسلم الحق مطلقًا في أن يلجأ إلى سلطة الآخرين ليؤسس إيمانه، فإن بناء الدين على أساس لا يوضع إلا بوساطة الدين نفسه هو أشبه بالدوران في حلقة مفرغة. وأما من حيث الشروط التي ينبغي أن يتم بها التصويت لإنشاء سلطة تشريعية قطعية الأحكام -فإن القاعدة الثابتة تبدي إلحاحًا شديدًا على جوهر الموضوع، وإن ظلت غير عابئة مطلقًا بالشكل الخارجي، الذي

стр. 57

يمكن أن يتولاه تنظيم الهيئة المقترعة. وكون الأعضاء معينين أو غير معينين بوساطة الدولة، منتخبين أو غير منتخبين بوساطة الشعب، واجتماعهم في جلسة عامة، أو تفرقهم في أنحاء الأرض -كل ذلك لا يؤثر في شيء على قيمة النتيجة، بشرط أن تكون صادرة في دقة وإحكام. فجوهر القضية أن يكون كل عضو مدركًا لاستقلاله الأدبي، ولمسئوليته الأخلاقية، وأن يعبر عن رأيه في حرية، بعد تأمل ناضج في المشكلة المعروضة. بيد أن الأمر الجدير حقًّا بأن يشد اهتمامنا هو: أن أحدًا لا يمكن أن يعتبر عضوًا في هذه الجماعة إلا إذا حاز من قبل صفة العالم المتخصص في المادة، أعني: أن يحقق الشروط المطلوبة فيمن يكون له حق الرجوع مباشرة إلى المصادر؛ ليستقي منها الأحكام على منهج العلماء. وبعبارة أخرى: يجب ألا يقتصر جهد جميع الأعضاء على أن يضعوا تحت أيديهم الوثائق اللازمة لحل هذه المشكلة أو تلك، بل يلزمهم أيضًا أن يكونوا متمرسين بنقد النصوص التي تحتاج إلى إثبات، عندما لا يكون لديهم نقد موثق. ويلزمهم بعد ذلك أن يعرفوا اللغة معرفة عميقة، في أسلوبها الحقيقي، وفي أسلوبها المجازي، وأن يحسنوا إدراك الأفكار الأساسية، والأفكار الثانوية، سواء أكانت هذه الأفكار ملفوظة أم ملحوظة، ويلزمهم فضلًا عن ذلك أن يكونوا على قدم راسخة في تاريخ التشريع الإسلامي للمسألة، وأن يحيطوا بأسباب النزول، وبالناسخ والمنسوخ إن وجد. وأخيرًا: يجب أن يتعمقوا روح الشرع، وغاياته التي يهدف إليها، من خلال تطبيقاته على عهد النبي ﷺ وصحابته. فالإجماع على هذا أبعد شيء عن أن يكون تلفيقًا لآراء متعسفة، ذاتية، طائشة، ناتجة آليًّا عن التقليد، أو مدفوعة بروح المحاباة المغرضة. إنه

стр. 58

يتجلى لأعيننا على أنه وحدة اليقين الراسخ وحقيقته، اليقين الذي تفرضه حقيقة الأشياء على كل الأنفس المستنيرة. وإنا لنعلم كم تفرق الظروف الذاتية آراءنا الشخصية، وندرك إلى أي مدى تعمل هذه الظروف على تفرقها واختلافها غالبًا. وعلى هذا، فلو حدث في ظروف كهذه، يبذل فيها كل فرد جهده العقلي، تبعًا لطريقته الخاصة في التفكير، ومستقلًّا عن كل تأثير خارجي -لو حدث أن انتهى هذا الجهد إلى نفس الحل الذي انتهت إليه جهود الآخرين. فما ذلك إلا لأن هذا الحل قد تجلى من خلال الضمائر كلها في وضوح وصدق لا يقبلان المناقشة. فعصمة الإجماع، التي هي موضوعنا هنا، ليست في حقيقة الأمر منسوبة إلى المفكرين أنفسهم، ولا إلى هذا النص الخاص، أو ذاك، مما يمكن أن ترفض صحته، أو يختلف تأويله وتفسيره، ولكنها تكمن في ذلك الرجوع إلى مجموع الوثائق القرآنية والنبوية الصحيحة، ودراستها دراسة ناضجة، وبناء عليها يؤسس مفكرونا ما يصدرون من أحكام.

стр. 59

رابعًا: القياس على حين آمنت المدرسة الظاهرية، أو التفسيرية، بوجوب الاقتصار على المصادر الثلاثة السابقة: "الكتاب، والسُّنة، والإجماع" -فقد مضت المذاهب الأخرى -استنادًا إلى ما فعله صحابة النبي ﷺ وإلى رأي أكثر تابعيهم- إلى مصدر رابع وأخير، أطلق عليه: القياس. أيجب أن نعتقد أن نظريتهم هذه تنزع إلى أن تخلع على هذا النوع من التشريع صفة الاستقلال العقلي الذي سبق أن رفضناه بالنسبة إلى القرار الإجماعي، وبالنسبة إلى النبي نفسه؟ كلا ... فهذا الاستدلال بمقتضى تعريفه نفسه يفترض وجود حالة نقيس عليها، تمثل بها الحالة الجديدة، وعليه فالحالة النموذج ينبغي أن يسبق ذكرها في القرآن، أو في الحديث، أو في الإجماع. وفضلًا عن ذلك

стр. 60

فإن الطابع المشترك بين الحالتين يجب: إما أن ينشئ١ علة التشريع، وإما أن ينطوي٢ عليها. والمراد بالعلة: السبب الذي من أجله طبق حل الحالة الأولى. وبناء على ذلك فإذا كان هذا الطابع المشترك قد عين صراحة في النص، أو اعترف به الإجماع، على أنه سبب وجود الحل الأصلي, فليس هنالك أية صعوبة، حتى من قبل المدرسة الظاهرية؛ لكي نجعل هذا الطابع دليلًا، بل شرطًا ضروريًّا وكافيًا للحكم الصادر من قبل، ومن ثم لا صعوبة أيضًا في تعميم هذا الحكم وتطبيقه أينما توفرت العلة الثابتة. بيد أنه في الحال التي لا يمكن فيها استخراج هذا التعليل، أو هذه العلاقة السببية، إلا بواسطة جهد دقيق في البرهنة، قل أو كثر -أيجب في هذه الحال أن نعتد هذا التعليل بما يستقى منه من نتائج, مما تقتضيه روح الشريعة المنزلة؟ في رأينا أن الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن تشتمل درجات، ولكن سكوت المدرسة الظاهرية عنه لا يعد على الأقل مانعًا من إساءة استعمال بعض الفقهاء للحرية العقلية. وبعكس ذلك مذهب المالكية، الذي مضى إلى ما هو أبعد من ذلك في الاتجاه المتحرر، مستندًا إلى ما حدث من أمثلة على عهد المسلمين الأوائل. فالإمام مالك يوافق على هذه البرهنة القياسية، لا استنادًا إلى نص محدد فحسب، يضع نفس الحل لمشكلة محددة مماثلة للمشكلة المدروسة، بل كذلك استنادًا إلى الطرق العامة التي لجأت إليها الشريعة في مواضع لا تحصى، أقل شبهًا أو أكثر بما نحن بصدده، والتي تستخرج من مجموعها تلك الفكرة الثابتة التي تقول: إن هذا النوع من الخير هدف جوهري يسعى الشرع لتحقيقه بكل الوسائل الممكنة. فالحالة الجديدة حينئذ لا تقدم لنا سوى

стр. 61

وسيلة أخرى يجب أن تستخدم عندما تفرض بدورها نفسها؛ لتحقيق هذا الخيرالنوعي الذي يسميه مالك: المصلحة المرسلة. وبفضل هذا المبدأ، استطاع هذا الفقيه أن يحل عددًا من مشكلات الأخلاق والشريعة في اتجاه جد أصيل، وإن اصطدم حينًا بنصوص الشريعة١

стр. 62

على أننا مهما تعمقنا في مختلف تيارات الفكر التشريعي في الإسلام, فإن حقيقة معينة تظل ثابتة لا تقبل جدلًا، هي أن الغاية النهائية، وراء كل جهود الفقهاء ليست إلا التوصل إلى ذلكم المنبع الوحيد الذي يجب أن يستقي منه الناس جميعًا، من قريب، أو من بعيد: حكم الله، وهو الحكم الذي يسجله القرآن في المقام الأول مباشرة، ثم يأتي الحديث ليبينه ويحدده. وإذا لم يرد الحكم في نص الكتاب أو السُّنة فإن القياس يحاول أن يكشف عنه في روحهما، وفي مفهومهما العميق. ويأتي أخيرًا دور الإجماع، محاولًا إدراك هذا الحكم في فحوى مجموعهما. فالله سبحانه وحده هو إذن المشرع، وليس الآخرون سوى مقررين لأمره، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. بيد أننا لم نمس بعد أعمق الجذور في الإلزام الأخلاقي في القرآن، فنحن لم نفعل حتى الآن سوى أن نرد الشرع الأخلاقي الفطري إلى نوع من الشرع الإلهي المتضمن في كيان العقل الإنساني ذاته. ولقد سبق أن أشرنا إلى قصور هذا النور الجزئي "أي: نور العقل" عن أن يقدم شرعًا تتوفر فيه -في وقت واحد- صفات: الحسية، والكمال، والشمول. كما أشرنا إلى ضرورة اللجوء إلى سلطة أخرى من أجل الحصول على هذه الصفات الثلاثة، وهي سلطة تستطيع أن تنير للناس طريقهم على خير وجه، بوساطة تعليم إيجابي محدد، وإن كانت ذات طبيعة علوية. هذه السلطة التي يجب أن تكون ذات علم مطلق، ونور أبدي -لا يمكن أن تكون شيئًا آخر سوى الوجود الكامل l'etre parfait. ولقد انتهينا أخيرًا إلى أن رددنا جميع مصادر هذا الشرع الإيجابي إلى مصدر وحيد، وقصرنا جميع الأوامر إلى أمر واحد، ظاهر أو باطن، هو أمر الله.

стр. 63

على أن القرآن لا يقدم لنا هذا الأمر الإلهي على أنه سلطة مطلقة، مكتفية بنفسها لكي تكون في أعيننا أساسًا لسلطان الواجب، بل إن مما يثير العبرة في هذا المقام أن نلحظ -على العكس- العناية الفائقة التي التزمها هذا الكتاب في غالب الأحيان، حين قرن كل حكم في الشريعة بما يسوغه، وحين ربط كل تعليم من تعاليمه بالقيمة الأخلاقية التي تعد أساسه. ومن ذلك أنه عندما يدعونا أن نتقبل من أهلينا كل تسوية للصلح، حتى لو كانت في غير صالحنا يؤيد دعوته بتلك الحكمة: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ١، وعندما يأمرنا أن نوفي الكيل، ونزن بالقسطاس المستقيم يعقب على هذا الأمر بقوله ﴿ذَلِكَ خَيْر﴾ ٢. ولكي يسوغ قاعدة الحياء، التي تطلب من الرجال أن يغضوا أبصارهم، ويحفظوا فروجهم -نجده يسوق هذا التفسير: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ٣، وبعد أن يأمرنا بتبين السبب قبل أن نصدر حكمًا يقول: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ٤. وكذلك نجد الأمر الذي يقتضينا أن نكتب ديوننا، وآجال أدائها -مفسرًا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ ٥. وإنه ليكفينا عن تعداد أمثلة الأوامر الخاصة، أن نرى الطريقة التي يدفعنا بها إلى التماس القيم الروحية، وكيفية توجيهه بصفة عامة, فضلًا عن عدد هذه الأوامر. قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ ٦. وقال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى

стр. 64

ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ١. وقال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ٢. وإنه ليشهدنا كذلك على المبدأ الأساسي الذي صدرت عنه الشريعة الإلهية كلها، حين صاغه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ٣. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ٤. وهكذا، فإن ما كنا نعتقد أنه الحلقة الأخيرة في سلسلة المراجع، لم يثبت أنه الأخير. فالعقل الإلهي، في هذا المجال، أكثر تشددًا من العقل الإنساني. فهو لا يريد أن يتمسك بشكل حكمه، ويجعل منه المبدأ الأول للإلزام الأخلاقي، وإنما هو يلجأ بدوره إلى معيار آخر فيحيلنا إلى جوهر الواجب ذاته، إلى كيفية العمل، وإلى قيمته الذاتية. فالأمر الإلهي يسوغ في نظرنا بتطابقه مع تلك الحقيقة الموضوعية، وهو بهذا التطابق يستحوذ على قبولنا؛ كما أنه يقيم على هذا القبول سلطانه الأخلاقي. بيد أن هذا الطابع العميق الذي يؤلف جوهر العدل، والخير في ذاته لا يتسنى لنا أن نميزه بأنفسنا، دائمًا، وحيثما وجد فشأنه شأن كل جوهر، لا نراه مباشرة في حالة كماله، وإنما نلمحه لمحًا، بفضل ذلك الجزء من النور، المحدود في امتداده، وفي قوته، والذي نستمده من فطرتنا. ليس هنالك إذن سوى نور واحد محض، وغير محدود، هو الذي يستطيع أن يضم هذا الجوهر كاملًا، وفي ثقة تامة؛ ولذا كان من حق المؤمنين أن يتخذوا من العقل الإلهي وسيلة الهداية الأخلاقية الكاملة، وإذن ففي فكرة القيمة يكمن المنبع الحق للإلزام، فهي عقل العقل، وهي المرجع الأخير للحاسة الخلقية.

стр. 65

خصائص التكليف الأخلاقي مدخل ... ٢- خصائص التكليف الأخلاقي: كل قانون "مادي، أو اجتماعي، أو منطقي، أو غير ذلك"، يحكم بالضرورة جميع الأفراد الخاضعين له، على نسق واحد، كما يحكم الفرد الواحد في مختلف ظروفه. وإلا فلن يكون القانون قانونًا, أعني: قاعدة عامة وثابتة. وقانون الواجب، وإن كان ذا طابع جد فردي فإنه لا يتخلى عن هذا الطابع المشترك: إنه شامل، وضروري، ويتجلى طابع الشمول في القانون الأخلاقي، في القرآن، بوضوح لا ريبة معه، لا لأن مجموع أوامره يتوجه في جملته إلى الإنسانية جمعاء فحسب، وهو ما يقرره قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١. وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٢. وقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٣، وهو ما قد يحمل على معنى توزيعي. بل إن القاعدة الواحدة، ولتكن قاعدة العدالة، أو الفضيلة بعامة، يجب على كل فرد أن يطبقها على نسق واحد، سواء أكان تطبيقه لها على نفسه، أم على الآخرين: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٤. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ٥. ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا

стр. 66

عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١. وسواء أكان هذا التطبيق على أقربائه، أم على البعداء، على الأغنياء، أم على الفقراء: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ ٢. وسواء أكان خارج الجماعة أم داخلها: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣. على الأصدقاء أم على الأعداء: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٤. بل إنه، حتى في الحالة التي لا يشتمل نص التشريع فيها على لفظ عام، وحتى لو كان منزلًا بمناسبة ظرف فردي -فإنه يعتبر من حيث المبدأ قابلًا للشمول، أعني أن من الممكن أن ينطبق على جميع الحالات المماثلة، ومن ذلك ما أعلنه رسول الله ﷺ في قوله: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" ٥. وقد ذهب الجمهور إلى أن الحكم الوارد بشأن فرد واحد ينطبق على جميع الناس، ما دام القياس واضحًا بدرجة تقترب من التماثل. أعني: ما دامت الحالتان لا تفترقان إلا في صفات فردية يمكن التسامح فيها "بأن تختلفا في الأفراد، أو الزمان، أو المكان". وأعتى خصوم القياس هجومًا عليه، من أمثال ابن جزم، يؤيدون

стр. 67

شمول الحكم ويدافعون عنه بقوة، باعتباره نتيجة ضرورية لشمول رسالة النبي ﷺ وتساوي الجميع أمام الشريعة. وإنما كان مبدأ التعليل بالقياس موضع خلاف بين فقهاء المسلمين في موقف واحد، كما رأينا، عندما تكون الصفة المشتركة بين الحالتين غير محسوسة، ويحتاج استنباطها إلى إعمال العقل بطريقة أقل أو أكثر ذكاء، وهي حالة جزئية لا تحمل أدنى مساس بالمبدأ العام. بيد أن شمول الواجب لا يعني امتداده إلى جميع الأفراد فحسب، ولكنه يستتبع كذلك تطبيقه على مختلف الظروف التي يمكن أن يوجد فيها فرد معين، وهذا النوع من الشمول هو ما يطلق عليه اصطلاحًا: الضرورة المطلقة -NECESSITE ABSOLUE. ولسوف نرى فيما بعد أن هذا الوصف غير صالح لتطبيقه بدقة على فكرة الواجب القرآني؛ فالواجب -على ما قرره القرآن- لا يفرض على الإنسان إلا عندما يكون ممكنًا، ولكنه ضروري بمعنى أنه لا ينبغي أن ينحني أمام حالاتنا الذاتية، ولا أمام مصالحنا الشخصية. ومن الارتياب، أو مرض القلوب -كما حدثنا القرآن- ألا نذعن للقانون إلا حين نفيد منه، على حين يخضع له المؤمنون دون قيد أو شرط: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ١. والقرآن لا يعظم فحسب الإنفاق الذي يحدث على نسق واحد، في السراء والضراء: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ٢، ولا يمتدح فقط

стр. 68

الشجاعة التي تتحدى الجوع والعطش والنصَب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ١. ليس ذلك فحسب، وإنما هو يندد في قسوة بأولئك المرضى المنحرفين، الذين تمنعهم مثل هذه الحالات من أداء الواجب: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ ٢. وحين يتكلم الشرع الإلهي فلا كلام لأحد. يقول الله سبحانه في كلمات صريحة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٣. أيمكن أن نجد تعبيرًا أعظم قوة من هذا؛ لإثبات الضرورة التي يفرض بها الواجب؟ ومع ذلك فلا ينبغي أن يلتبس هذا التعبير في أذهاننا باستعمالين آخرين لكلمة "الضرورة". فإن الضرورة الأخلاقية تفترق في وقت واحد عن "الضرورة المادة LA NECESSITE PHYSIQUE، وعن "الضرورة المنطقية -LA NECESSITE LOGIQUE". فللقانون المادي على أجسامنا ضغط نتحمله مكرهين، دون أن نملك تحاشيه، وأما القانون الأخلاقي فهو بعكس ذلك يفترض حرية الاختيار، فهو يكلفنا، ولكنه لا يقهرنا قهرًا ماديًّا. إنه يدع لنا أولًا إمكان مراعاته، أو مخالفته "ودعك من مقوامته آخر الأمر"، وتلك هي القاعدة الأصلية التي لا يفتأ القرآن يعلنها، سواء فيما يتعلق بواجب الإيمان، أو بواجب الفضيلة العملية، واقرأ إن شئت هذه الآيات الكريمة: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا

стр. 69

أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ١. ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٢. ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ٣. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٤. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥. وهكذا يكون للفرد أمام الواجب الاختيار بحسب الواقع، ولكنه لا يملك هذا الاختيار شرعًا. فالضرورة الأخلاقية ليست إذن ضرورة وجودية، بل هي ضرورة مثالية. ومع ذلك يجب ألا نلبسها بالضرورة المنطقية، فكل ما هو ضروري منطقيًّا يفرض نفسه على العقل مسلمة من المسلمات، إذ ليس بوسع المرء ألا يرى ما رآه جليًّا، وكل ما هو ملزم أخلاقيًّا يفرض نفسه على الإرادة على أنه شيء لَمَّا يكن، ولكن يجب أن يكون. وهو ينتج من حكم على قيمة، لا من حكم على واقع. وهكذا يتمثل سلطان الواجب بطابعه الخاص الأصيل، فهو لا يقهر الجوارح، ولا يُكْرِه المدارك، ولكن يفرض نفسه بخاصة على الضمير. ومع ذلك اعتقد "كانت" أنه يستطيع أن يرد اللاأخلاقي L ' IMMORAL إلى ما ينافي المنطق L' ABSURDE، وإلى اللاعقلي L' IRRATIONNEL. وكان من قوله: "إن أي مبدأ خاطئ لا يمكن أن يقوم على هيئة قانون شامل دون أن يؤدي إلى تناقض، سواء في مفهومه ذاته، أو في الإرادة التي تريد رفعه إلى مرتبة الشمول"٦.

стр. 70

لقد نظر برجسون في بعض الأمثلة التي رأي الفيلسوف الألماني أن يستشهد بها على نظريته، ثم أعلن أنه لا يستطيع أن يوافقه على رأيه إلا بشرط أن يفهم هذا المعنى أو ذاك، لا في تعريفه المادي البسيط، بل بما يشمل طابعه الإلزامي، وجميع شروط الأخلاقية. وفسر ذلك بأنه ربما يكون من باب التناقض أن نجد من ائتمن على وديعة، مع تعهده بردها صراحة أو ضمنًا، يتملكها، فهو حين يفعل ذلك لا تصبح الوديعة وديعة١. ولكن، أليس واضحًا أن نظرية "كانت" -حتى مع هذا التقييد- تظل دائمًا غير مثبتة؟ بل نقول: إنها غير قابلة للإثبات أيضًا، مهما تكن قوة الجدل التي يمكن استخدامها؛ ذلك أنه حين يسحب اليوم تعهد أخذ بالأمس فإن الناتج عن ذلك يعد تباينًا "CONTRASTE" بين موقفين متقابلين، ولكنه ليس مطلقًا تناقضًا CONTRADICTION بالمعنى الصحيح. "فهذا التعهد يجب أن يلتزم". هذه قضية قانون، "ولكنه لم يلتزم" -وتلك قضية واقع. أية استحالة داخلية في هذين التقريرين؟ فما دام وجها التقابل غير صادرين من نفس المصدر، ولا يعودان إلى نفس المراجع، وما دام الإثبات والنفي لا يقعان معًا على نفس الشيء، وفي نفس الظروف -فلا يمكن أن يكون هنالك أي تناقض منطقي، دون أن نخترع مصطلحًا جديدًا. "فالعقل يتقاضانا أمرًا". نعم، وهو لا يفتأ يفعله ... "والشعور يقبل أو يرفض". واأسفًا.. لكن ذلك هو قانونه. ذلكم هو الصراع الخالد بين المثل الأعلى والواقع، بين شريعة الأخلاق، وشريعة الفطرة، وخير دليل على عدم تناقضهما أنهما تعملان معًا؛ على حين أن المنتناقض هو الشيء المطرود من حظيرة الواقع بداهة.

стр. 71

فبدلًا من القول "بالتناقض" نجد أن بعض من يرى تسمية الأشياء بأسمائها يقول فقط: إنه "تعويق", أو "إخفاق" فهو تعويق للمثل الأعلى الذي ينزع إلى التدخل في الواقع، ولكنه يجد نفسه ممنوعًا منه، وهو إخفاق للضمائر الأخلاقية في انتظارها للقيمة. لسنا نريد أن نتلعب بالكلمات، وليطلقوا ما يشاءون على هذا العمل، الذي لم تعد به الوديعة وديعة، فإن ما يثبت أن الخطأ الأخلاقي لا يكمن في هذا التبديل البسيط هو أنه يكفي أن يغير صفته أحد العوامل الأخلاقية "كأن يتنازل المالك عن حقه للمستودَع" لكي يصبح غير مستحق للوم. فلننظر الآن. لا أقول: في واقعة رفض إنسان للتكليف الأخلاقي بالتزام كلمته بعد قبوله، ولكن في مبدأ شخص كهذا يسمح لنفسه في حال حاجته، أن يعطي وعدًا كاذبًا، ما الذي يحدث على وجه الدقة إذا ما حولنا هذا المبدأ إلى قانون شامل؟ لا شك أن الارتقاء -إلى هذا المستوى- بالعمل الذي يسمح الإنسان به لكل فرد أن يخدع الآخرين -سوف يعرض للضرر من لم يكن يريد له هذا الإنسان أن يخدع به. ومنذئذ يبدو التعارض، وقد انتقل إلى الصعيد التشريعي ذاته. ولكن هل يستتبع هذا التنازع في الواقع تناقضًا: إنه يريد، ولا يريد -أن يكون مخدوعًا؟ إننا نعتقد أن هذا التعارض الظاهر لم ينشأ إلا عن غموض في معنى اللفظ "يريد"، الذي يؤدي هنا دورًا مزدوجًا، عمليًّا ACTIF، وعاطفيًّا AFFECTIF. فالواقع أن "إرادتنا" بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهو أنها القدرة على اتخاذ قرار -تستطيع تمامًا -كما يفعل المولع بالمخاطرة - أن تقر نظامًا عامًّا، يكون امتداده قابلًا ليؤثر فيما نطلق عليه اصطلاحًا كلمة "إرادة"، وهي ليست سوى حساسيتنا أو قدرتنا على الرغبة.

стр. 72

وعلى هذا النحو فإن القاضي "يريد"، ويرى عقوبة المذنب عدلًا، بصفة شاملة، وإن كان "لا يحب" أن يكون هو نفسه معاقبًا عند الاقتضاء. وعود إلى مثال الوعد الكاذب لنتساءل: ألا يتضمن السماح للآخرين بأن يخدعوا الناس -أن يدعي الكذاب الداهية أن بوسعه أن يفسد أحابيلهم ويفلت من شراكهم، دون أن يحتاج إلى الخروج على مبدئه؟ ولكن سوف يقال لنا: ألسنا حين ألغينا الثقة في الكلمة المعطاة قد أتحنا لمبدأ الوعد الكاذب أن يدمر فكرة الوعد ذاتها، وهي التي تفترض إمكان الوثوق بالغير؟ إن من السهل أن نكشف عن الحيلة التي تسلك بها في الخفاء أفكار كثيرة في فكرة واحدة. وبرغم كل ذلك فإن فكرة الوعد ليست لأجل هذا متناقضة، لا في جوهرها، ولا في وجودها، ولا في إمكان أن تؤثر على بعض العقول، ما دام في الناس مخدوعون. وإنما يطرأ التناقض في اليقين بنهايتها، فنحن على ذلك بعيدون جدًّا عن آية ضرورة منطقية. إن ما هو ضروري منطقيًّا يتمثل لنا حقيقة تحليلة ساكنة STATIQUE، وذلك هو اتفاق الفكرة مع ذاتها، على حين أن الضرورة الأخلاقية هي بالأحرى ذات طابع تركيبي متحرك DYNAMIQUE، فهي تصف علاقة بين مجالين مختلفين، وذلك هو سعي الفكرة نحو كينونتها كما هي الحال. وليس معنى ذلك مطلقًا أن جوهرها يكفيها في ذاتها لكي توجد في الواقع في فكرة الموجود الكامل عند "ديكارت". إذ إن المفهوم الأخلاقي لا يمكن أن يندمج في الواقع، إلا بوساطة نشاط فاعل مريد وحر، ولكنها "أي: الضرورة الأخلاقية" متصورة بوساطة هذا الفاعل كقيمة جديرة أن تتحقق، وحافظة لإرادته على أن توجدها. وفي كلمة واحدة: فإنها الإلحاح على مثال أعلى عملي يطلب حقه في الوجود الفعلي.

стр. 73

بهذه الفكرة عن القيمة العملية نترك مجال الخصائص العامة المشتركة بين جميع القوانين، لننتقل إلى الخصائص النوعية للقانون الأخلاقي. لقد أدرك "كانت"، بفضل تعمقه الفكري الملحوظ -الاختلاف الكبير الذي يفصل أساسًا القاعدة الأخلاقية عن جميع القواعد الأخرى العملية، ويكمن هذا الاختلاف في الفكرة الأرسطية عن "الغاية" و"الوسيلة"، ويعني الاختلاف بين ما ينبغي أن نسعى إليه "لذاته"، أو "لشيء آخر". وإنها لفكرة خصبة، تلك التي عرف "كانت" كيف يستخدمها لحسن الحظ، والتي نتناولها بدورنا، حين نستخرجها من مذهب "كانت" الشكلي. والواقع أنه على حين أن فن الحياة بما اشتمل من قواعد الحذق والفطنة لا يتطلب نشاطنا بشكل جاد، إلا بناء على هدف محبب، فإن القانون الأخلاقي وحده هو الذي يفرض النشاط لذاته، أعني: بموجب القيمة الذاتية التي يتضمنها. فأمر الواجب هو وحده الذي يمكن أن يسمى "إلزامًا" بالمعنى الحقيقي. أما الأوامر الأخرى فهي ليست سوى نصائح مجردة، تدل على الوسائل لمن أراد أن يبلغ الغاية. ولسوف ندع جانبًا -مؤقتًا- مسألة معرفة ما إذا كان الإنسان قادرًا دائمًا على تصور واجبه في تجرد كهذا. لسنا نتكلم الآن من وجهة نظر الفاعل، ولسوف نناقش فيما بعد١ النظرية التي تجعل من هذا الإخلاص المثالي في نية الإنسان، واجبًا صارمًا. لكنا نؤيد فقط "كانت" فيما ذهب إليه، من أنه لما كان كل اعتبار للنتيجة غريبًا عن فكرة الواجب، فإن القانون الأخلاقي من حيث هو لا حاجة به مطلقًا لأية قيمة خارجة عنه، يسوغ بها أمره. وإنما ينبغي، بل ويكفيه لكي يؤكد سلطته، أن يقدم لنا العمل على أنه إلزامي، وحسن في ذاته، بقطع النظر عن أية نتيجة مستحسنة، أو مستهجنة.

стр. 74

فإذا ما أحللنا أحد هذه الاعتبارات محل الآخر انقلب نظام الأمور، ولم يعد عملنا ذا صلة بعمل الأخلاقيين. بيد أنه إذا كان حقًّا أن أي نشاط يمكن أن يكون عادلًا، ونافعًا، ومستحسنًا في آن، فليس محظورًا على المشرع أن يضاعف الأسباب المسوغة لنظامه، ولكنه لن يكون حينئذ قد اقتصر على دور الأخلاقي؛ وإنما هو يضيف إلى هذا الدور أشياء أخرى ليست مع ذلك متعارضة. وأي مربٍّ حاذق يجب أن يلجأ إلى هذه الطريقة ليضمن فاعلية تعليمه. ولسوف تزداد مبررات هذه الإضافة كلما اتصلت بتربية المبتدئين، فأما إذا ما حققت الحاسة الخلقية بعض التقدم فإنها تصبح بالتدريج أكثر نقاء؛ لتكتفي في النهاية بذاتها، وبهذا المنهج التدريجي يبدو لنا أن القرآن قد سار في تعليمه الأخلاقي١. ويجب أن نشير إلى أن هذه السمة المميزة للإلزام الأخلاقي من ناحية التشريع، تصاحبها جنبًا إلى جنب، سمة أخرى تتصل بناحية التطبيق. ذلك أن العمل الأخلاقي لا يتمثل أبدًا في واقع مادي: لاشعوري، أو لاإرادي، أو غير مقصود، فعلى حين تقنع الشريعة "بمادة" العمل وحرفيته الجافة، تتطلب الأخلاقية منه "روحه". بل إننا -دون أن نتخذ موقفًا في الجدل المشهور الذي ثار بين فقهاء المسلمين حول الضرورة المطلقة في أن يؤدي المرء واجبه لمجرد كونه واجبًا- نجد أن هنالك واقعًا في الإسلام لا يقبل الشك، هو أن قداسة الواجب تقتضي أن نتأملها -على الأقل- في لحظة العمل، ولا بد أن يتخذ الذهن في تلك اللحظة وضعًا، لا يكون قصوره للعمل خلاله من جانبه المادي وحده، بل تكون له التفاتة إلى طابعه الإلزامي بهذا المعنى دون غيره.

стр. 75

وبدون هذا يصبح أكثر الأعمال مطابقة لنص القانون جسدًا ميتًا، وأمرًا دنيويًّا ليست له قيمة أخلاقية١. وهكذا نجد أن ما يتميز به قانون الواجب كونه قانون حرية، وعقل، وقيمته ذاتية، ونشاطه ذو طابع روحي في جوهره. بيد أننا ينبغي أن نعود إلى خصائص القانون الأخلاقي العامة التي يشترك فيها مع سائر القوانين والشرائع، كيما نقدمه في شكله القرآني الخاص. ولقد رأينا كيف ينظر القرآن إلى هذا القانون على أنه ضروري وشامل، ويجب أن نضيف أنه لا يترتب على هذا كونه غير مشروط إطلاقًا، فماذا تكون هذه الشروط؟ لدينا منها أنواع ثلاثة: أحدها ينظر إلى الطبيعة الإنسانية بعامة، والآخر ينظر إلى واقع الحياة المادي، والثالث ينظر إلى تدرج الأعمال.
следующие страницы →