← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والحق أن الاعتراض من هذا الجانب العاطفي ليس دقيقًا؛ لأنه ليس عسيرًا أن نجيب عليه بأن مسألة المنافسة لا موضع لها في جنة الله. وقلوب السعداء منزوع منها كل حقد، أو تحاسد فيما بينها: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ ١، وبأنه، حتى في هذه الحياة، يجب استبعاد كل أثرة بين السلف والخلف، وبخاصة من ناحية الأولين؛ فإن الآباء يشهدون دائمًا أنهم لا يجدون سوى الرضا الكامل، حين يرون أولادهم يتمتعون بمثل ما ذاقوا من سعادة، إن لم يكن بأكثر منه. ولكن، لنفترض أن العالم كله قد حصل على هذا الرضا، أفترضى العدالة في ذاتها بهذا؟ ولماذا الإحسان إلى بعض الناس، وعدم الإحسان إلى الآخرين بنفس القدر؟ ألم يكن للكرم أيضًا حق في عدم المحاباة؟ لقد كان هدف جميع محاولات المفسرين أن يسوغوا الحكم الإلهي الذي يسوي "في الواقع" بين طرفين غير متساويين "في الحق" بحسب طبيعتهما الخاصة، وبدا لنا أكثر مشروعية -قبل أن نحاول تقديم تسويغ- أن نسأل أنفسنا أولًا عما إذا كانت مساواة من هذا القبيل مستفادة من النص المذكور. إننا حين نرجع إلى النص العربي نلاحظ أن كلمة "ألحق" يمكن أن تفسر بمعنى "شبه" أو بمعنى "أتبع وضم"، فإذا لم يكن في السياق شيء يحتم أحد هذين المعنيين، فإن هناك مع ذلك عدة اعتبارات لغوية وأخرى ذات طابع عقلي، تدفعنا إلى أن نختار المعنى الأخير. ومن المقرر، كقاعدة عامة، فيما يتعلق بتفسير الألفاظ الملتبسة، أنه يجب أن نحملها بقدر الإمكان على المعنى الحقيقي، وهو أقل التباسًا. فإذا كان حقًّا أن أحد المعنيين مادي محسوس، والآخر مجرد، ذو طابع أخلاقي، وهو لا يكون غالبًا إلا بوساطة القياس، فإن المعنى الأولي بأن نأخذ به.

стр. 177

في حالتنا سوف يكون هو "الضم"، وهو في الوقت نفسه، أكثر تأكدًا بما أن التفسيرين يتفقان في مضمونه، على حين أن معنى التشبيه لا يحتمل سوى شيء واحد. بيد أن لدينا من وراء هذه الاعتبارات العامة -نصوصًا تعالج حالات شبيهة، ولم يحدث أن تعرضت لذكر المعاملة على قدم المساواة، وإنما ذكرت مجرد الاشتراك المعبر عنه بلفظة "مع"، وقد ورد هذا في القرآن: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ١، كما ورد في كثير من حديث رسول الله ﷺ الذي يقرر أن المتحابين في الله سوف يجتمعان في الجنة: "أنت مع من أحببت" و "المرء مع من أحب" ٢. فنحن نرى إذن أن المثال الذي نتناوله بالبحث ليس سوى حالة خاصة لهذا المفهوم العام، الذي هو الحب في الله، فهؤلاء الأولاد الذين لا يكتفون ببنوتهم الطبيعية، حتى يضيفوا إليها بنوة روحية، لماذا لا يستطيعون أن يعملوا على تحقيق مثلهم الأعلى باجتماعهم في الله، كيما يحرزوا حق الاجتماع في نفس المنزلة مع من اتخذوهم قدوة، حين اتبعوهم في الواقع بصورة تتفاوت في درجة كمالها؟ أليس فصلهم عنهم إنكارًا لقيمة هذا الحب؟ وعليه، فإن هذا الاتحاد في جنة الله لا ينفي مطلقًا التدرج في الجزاء. ولا يستتبع بالضرورة اختلاطًا في القيم؛ فنحن ندرك جيدًا أن أعضاء جمعية واحدة متدرجون في مناصبهم، مختلفون في وظائفهم، متفاوتون في استحقاقهم، شأن القطار الذي يقل مجموعة مختلفة من طوائف المسافرين. فإذا فسرنا الآية على هذا النحو، وقابلناها كما ينبغي بمجموع النصوص الأخرى، فإنها لا تحتوي أدنى تضارب مع المبدأ العام، مبدأ المسئولية التي تظل فردية، على وجه الخصوص.

стр. 178

وهنالك اعتراض أخير، قد يثار ضد هذا المبدأ، وهو ما يمكن أن يستقى من فكرة "الشفاعة" بمعنى "التوسط عند الله يوم القيامة، سواء من ناحية الملائكة، أو الأنبياء، من أجل الصالحين، أو من ناحية المؤمنين من أجل إخوانهم". وهي فكرة نجد أصلها في كثير من الأحاديث التي عرفت بأنها صحيحة. فما دور هذا التدخل، وما أهميته؟ إذا حكمنا عليه قياسًا على ما يحدث أمامنا في هذه الدنيا فسوف نقول بأن مصير المشفوع له يمكن أن يتعرض لتغيير جذري أو لتعديل، تحت إلحاح الشفيع، أو ضغطه. وأن هذا المصير سوف يكون شيئًا آخر غير ما يستحق، وغير ما كان قد قدر بدون هذا التدخل. وإذن فهو فضل غير مستحق، أو جزاء يأتي من خارج. وفكرة الشفاعة بهذه الصورة تتضمن أخطاء فادحة، إنها من صميم الوثنية العربية التي كانت مهمة الإسلام الأولى أن يجاهدها، والتي وقف القرآن ضدها من أوله إلى آخره. واقرأ معي هذه الآيات الكريمة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١، ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٢، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ٣، ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ٤، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٥، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ ٦، ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٧، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ٨، ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٩، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ١٠، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ ١١. ومجموع هذه النصوص يستخلص منه

стр. 179

تعريف يحدد مفهوم الشفاعة، الذي يختلف كثيرًا عن المفهوم الذي ذكرنا آنفًا. فللشفاعة في هذه النصوص ثلاثة شروط: ١- أن الشفيع لا يقترح التدخل، ولا يسمح لنفسه بأن يتدخل من تلقاء نفسه، وإنما الله هو الذي بيده الأمر، فهو الذي يأذن له بالكلام. ٢- أن الشفيع لا يتدخل إلا من أجل من يرتضي الله سبحانه قبوله. ٣- أن الشفيع لا يتصرف على أساس جاهه عند الحاكم الأعلى، بل إنه يدافع عن المشفوع له متوسلًا ببعض فضائله، وهو توسل ينبغي أن يطابق الواقع، فها نحن أولاء نرى أن دور الشفيع لا يعدو أن يكون دور شاهد نفي، أو مِدْرَه موثوق به، مهمته إكمال جهاز العدالة المعقد، وعمل الشفيع في هذه المهمة الجليلة أن يعلن الصفات والحسنات الصالحة التي تعوض سيئات المؤمنين، وأن يبرر العفو عنهم، أو استحقاقهم للمثوبة. وهكذا نرى أن الشفاعة بهذا المعنى، تسبغ شرفًا مزدوجًا على المدافع والمدافع عنه. ولكن هيهات أن تكون القضية دائمًا رابحة؛ ذلك أن أحاديث الشفاعة نفسها تذكر لنا حالات أخطأ فيها الشفيع في صحة الوقائع المروية، وحينئذ ينسحب الدفاع، ويتنازل عن مسعاه بمجرد علمه بالحقيقة. وهذا هو ما قاله الرسول ﷺ عن نفسه من أنه في ذلك اليوم سوف يطلب تبرئة بعض الناس الذين يعرفهم كأصحابه؛ خلال حياته في الدنيا، فيقال له: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، فيقول: "سحقًا سحقًا" ١. وهكذا نجد أن الحكم يصدر دائمًا تبعًا لفضائل المحكوم عليه، لا على أساس التوسلات. ومهما بذلنا من جهود مضاعفة، ودعوات ورجوات من

стр. 180

أجل من نحبهم، أو نعطف عليهم، فلا يعدو ذلك أن يكون لفتة جميلة، وهو واجب علينا، ولكن ليس هذا هو الذي سينقذهم. فإذا ما بلغت جهودنا غايتها، واستجيبت دعواتنا، فذلك لأنهم يستحقون رضا الله، تبعًا لشرائعه، ولم تكن دعواتنا سوى فرصة تتجلى فيها الإرادة المقدسة، التي كانت حتى ذلك الحين محتجبة. ولسنا نجد في أي مكان في القرآن الكريم ثوابًا مستعارًا، أو زينة مزيفة، أو عنوانًا على فراغ جواني، فليس ثوابًا إلا من كان ثمرة ناضجة لموقفنا المتعاطف تجاه شرع الله. ومع ذلك فلا ننس أن هذا الموقف قائم على الكيف، أكثر منه على الكم، فالله يقول: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ ١، ولما كانت هذه القيمة الكيفية متعلقة بألف شرط، فإن العمل الجواني بخاصة هو الذي يصل إلى أعلى درجاتها، ولذلك قال الرسول: "التقوى ههنا"، وهو يشير بإصبعه إلى قلبه٢، ومن أجل هذا لا نملك القول مسبقًا بأن عملًا معينًا ستكون له هذه الميزة التي تجبُّ خطأ معينًا، إذ لما كنا لا نتصرف في نظام الموازين والمقاييس الذي سيزن الله سبحانه به القلوب، فنحن عاجزون عن أن نحكم على الناس بنفس الطريقة التي سوف يحكم الله بها عليهم، عجزنا عن أن نحكم على أنفسنا بأنفسنا، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٣. بيد أن جهلنا بالتفاصيل لا يمتد إلى المبدأ الذي يجعل من السلوك الفردي الأساسي الوحيد للتقدير الأخلاقي وما يتبعه من أنواع الجزاء: فالله سبحانه يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٤.

стр. 181

ولا يقولن أحد: إننا بهذه الطريقة ننظم الكرم العلوي على نحو صارم، فلسنا نحن, ولكن القرآن الذي يقول ذلك، حين يفرق في الحقيقة بين نوعين من الفضل، أحدهما عام، والآخر محدود. وحين يتحدث القرآن عن النوع الأول يستعمل الفعل في الماضي: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١، وهو يقدمها واقعًا ضم جميع الأشياء في الدنيا، ولذا فإن الناس جميعًا يتمتعون بها بنفس القدر، الطيبون منهم والأشرار. هذا الفضل العام يتبع نظام الوجود، وهو شرط في المسئولية، وبمقتضاه يملك كل إنسان، من الناحيتين الأخلاقية والمادية، الوسائل الضرورية لفهم الشرع والخضوع له. ولكن القرآن حين يتحدث عن النوع الثاني يتناوله في المستقبل: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢، إنه يتبع نظام القيم، وهو ثمن للمسئولية، فينبغي أن يضمن إذن لأولئك الذين رعوا تكاليفهم بإخلاص، وهو أمر طبيعي. وعلى هذا المبدأ تعتمد الحكمة القرآنية المشهورة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.

стр. 182

ب- الأساس القانوني: هذا هو الشرط الثاني للمسئولية، فالقرآن يعلمنا أن أحدًا لن يحاسب على أفعاله دون أن يكون قد أعلم مسبقًا بأحكامها. وهذا الإعلام يأتي من طريقين مختلفتين: داخلية، وخارجية، فقواعد القانون الأخلاقي في أكثر صورها شمولًا مسجلة بشكل ما في أنفسنا، وليس علينا لكي ندرك مغزاها، سوى أن نستخدم قدراتنا وملكاتنا الفطرية: فنستشير عقلنا، ونستبطن قلبنا، أو نتبع غرائزنا الخيرة. ولما كانت معرفة هذا القانون الفطري في وسع كل إنسان، على تفاوت بين الأفراد،

стр. 183

فإن هذه المعرفة تكفي قطعًا لتأكيد مسئوليتنا نحو أنفسنا. ولم تنازع أكثر المدارس الإسلامية تشددًا في أن هنالك نوعًا من المسئولية الشاملة القائمة على هذا التكليف الفطري، فهل يكفي هذا أيضًا لإقرار مسئوليتنا عند الله؟ هنا تفترق المدارس. فعلى حين أن المعتزلة يرون ذلك ويقرونه بلا استثناء، وعلى حين أن الماتريدية يوافقون عليه جزئيًا "فيما يتعلق بالواجبات الأولية"، فإن أكثر مدارس أهل السنة ينكرونه مطلقًا. ويقولون: إننا لسنا مسئولين أمام الله، حتى عن واجباتنا الأساسية إلا إذا أعلمنا بواجباتنا، هو نفسه، وبطريقة خاصة وإيجابية. وهؤلاء المفكرون يتمسكون بحرفية القرآن حيث يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ١، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ٣. ومن المفيد جدًّا أن نبحث عن الأسباب في أن القرآن يضع هذه الشروط المفيدة، فلماذا أوجب الله مطلقًا على نفسه أن يعلم الشعوب بواجباتها بوساطة الرسل، الوسطاء بينه وبينهم؟ ولماذا لم يتركهم لنورهم الفطري وحده؟ والجواب كما يبينه القرآن: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤. والواقع أن أكثرية الناس ينتمون إلى إحدى فئتين: فإما أنهم رجال أعمال مشغولون بلقمة العيش، أو يكونون فارغين عاكفين على ملذاتهم. وعليه، أفلا يكون من النادر إلى أقصى حد أن تسنح لحظات يخطر لهؤلاء وهؤلاء فيها أن يرفعوا أبصارهم نحو السماء، أو أن يحولوها

стр. 184

نحو أنفسهم؟ كم رجلًا منّا يسائل نفسه عن خير الوسائل لتثقيف الروح، وتغذية القلب، بله أن يشرع لها؟؟ وهذه الآلاف المؤلفة من شواغل الحياة اليومية التي تصرفنا عن هذه الأمور العلوية أليست عذرًا بالنسبة لنا؟ إن هذه الحجة سوف تكون أكثر قبولًا إذا ما استشهدت بضعف سلطاننا الأخلاقي. وهل كانت العقائد الزائفة، والعادات السيئة الموروثة سوى طبقات سميكة تغلف، وتحجب بصائرنا؟ فمن أجل استباق هذا الاعتراض المزدوج أراد الله سبحانه أن يقوي أنوارنا الفطرية بأنوار الوحي المنزل: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١. والحقيقة أن الله سبحانه أوجب على نفسه أن يعلم الناس قبل أن يحملهم مسئوليتهم؛ لأنه يرى من الظلم تعذيب القرى التي تغفل عن واجباتها؛ لأنها لم تعرفها: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ ٢، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ، ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ٣. ولكن إذا كان الأمر كذلك، أعني إذا كان يكفي مجرد الغفلة الطارئة، سواء أكانت نقص انتباه، أو استعصاء عادات، لكي نعلن عدم مسئولية أناس أسوياء بصورة كاملة، وإذا كانت العدالة الإلهية قد التزمت بإيقاظهم أولًا من سباتهم بوساطة تعليم إيجابي، فما القول إذن في الضمائر التي ما زالت غائبة أو محجوبة كلية بحوادث طبيعية؟ ألا يجدر بالأحرى أن ننتظر انتباهها أو يقظتها العادية، كيما تكون بحيث تعلم الشريعة المقررة؟ إن هذا بداهة

стр. 185

هو ما يريده منطق هذا البيان القرآني. فليس يكفي إذن أن يصوغ الشارع شرائع، ويكلف رسله بإبلاغها، بل يجب أن يصل هذا التعليم إلى الناس، وأن يكون هؤلاء الناس على علم به. وهكذا تحتوي الشرعية جزأين، ثانيهما موجود ضمنًا في المبدأ الذي ينشئ الأول. وقد أكملت السُّنة النبوية لحسن الحظ هذا الإيجاز في النص، واستخرجت منه صراحة نتائجه، فقال رسول الله, ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى "المجنون" حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" يحتلم١. وربما لزمنا هذا أن ننبه القارئ ضد تفسير خاطئ، قد يقع فيه، إذ لا ينبغي أن نستخلص من تشبيه الصبيان بالطائفتين الأخريين، من حيث عدم مسئوليتهما -أنهم جزء مهمل، أو يجوز إغفاله في المجتمع الإسلامي، فللطفل المسلم نظامه الكامل، تمامًا كنظام الرجل البالغ، وحسبنا أن نفتح أي كتاب في الفقه السلفي لنرى ما يخصه في كل فصل من فصوله، بل إنه من الوجه الأخلاقية وحدها، فإن الاستطراد الذي يمكن أن نتطرق إليه، لنوضح ما يجب أن يطلب من الطفل، وما يمكن أن يتسامح فيه، قد يكون أطول من اللازم. ولكن بالرغم من أن سلوك الأطفال منظم في الشريعة الإسلامية، حتى في أدق تفاصيله، فإن الشرع غير متوجه إليهم، بل إلى آبائهم، وإلى الحكام،

стр. 186

والأساتذة، والرؤساء، أي: إلى الأمة بأكملها، فهي التي على كاهلها تقع مهمة تربيتهم، وتقويمهم، حتى تظفر منهم بأقصى درجات التوافق مع القاعدة. وإذن، فإذا كانت مسئوليتهم قد تخففت، فما ذلك إلا لترتبط مسئوليتنا تجاههم. وحسبنا هنا أن نقدم ثلاثة أمثلة لنبين أن الإنسان المسلم الصغير، يجب أن يتعود -منذ حداثته- على ما يقرب من سلوك الرجل الناضج، في سلوكه الشخصي، وفي علاقته بالآخرين، وفي علاقته بالله سبحانه. المثال الأول: نحن نعرف قواعد الأدب والحياء التي فرضها القرآن على كل فرد، ألا يدخل بيوت الآخرين دون أن يستأذن، ويسلم عليهم في أدب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ ١، أما فيما يتعلق بخدمنا وأطفالنا فإن القرآن يمنحهم نوعًا من التساهل في بعض القيود، لا على سبيل الإعفاء منها، فهو يقيد وجوب هذه الأوامر بأوقات الراحة حين نكون غالبًا مستترين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢. المثال الثاني: إن الإسلام في دعوته الأطفال لأداء شعائرهم الدينية لا ينتظر بلوغهم، بل يجب علينا أن نشجعهم متى بلغوا سن السابعة، على أن يؤدوا الصلاة دون إكراه، فإذا بلغوا العاشرة ولم يطيعوا أدبناهم عليها

стр. 187

أدبًا مترفقًا، وفي هذا السن يجب أن نفرق بينهم في فرشهم، ومن قول رسول الله ﷺ في ذلك: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها"، وفي رواية: "مروا أولادكم ... وفرقوا بينهم في المضاجع" ١. المثال الثالث: إننا ملزمون بألا ندع أطفالنا منذ طفولتهم الأولى، يأكلون، أو يستعملون من الأشياء ما ليس لهم. ونحن نعرف ما كان سائدًا على عهد النبي ﷺ من أن الصدقات نقدية أو عينية والتي كانت مخصصة للتوزيع على الفقراء وأشباههم، كانت تجمع أولًا في المسجد، أو في أحد البيوت المجاورة، الخاصة بالنبي ﷺ وذات يوم لمح النبي، وهو عائد إلى بيته، تمرة من تمر الصدقة، أخذها حفيده الحسن، فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ بالفارسية "كخ! كخ! ارم بها، أما تعرف أنَّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة؟ " ٢. ولنقف عند هذا الحد من الاستطراد، ولنعد إلى مبدأ العلم بالشرع، وهو الشرط الضروري للمسئولية، لنسأل أنفسنا عن المعنى المحدد الذي ينبغي أن نحمله عليه، فإن في ذلك مشكلة ذات أهمية قصوى، أهو العلم الجماعي، أم الفردي؟ نحن نعرف مبدأ القانون الفرنسي القائل "بأن أحدًا لا يعد جاهلًا بالقانون"، وفي الشريعة الإسلامية صيغة مثل هذه تقول: "لا عذر لأحد بالجهل في دار الإسلام"، فهل يكفي إذن أن يكون القانون منشورًا ومعلومًا في وسط

стр. 188

معين لكي تثبت مسئولية كل من يعيشون في هذا الوسط، على الرغم من جهل بعضهم؟ والحق أن الفقهاء قد قيدوا مدى تطبيق هذا المبدأ؛ لأنه لا ينطبق -من ناحية- إلا على المسلمين بالميلاد، ممن يعيشون في مجتمع يمارس واجباته الدينية "أي: إن من يعتنق الإسلام حديثًا معذور في الجهل بالقانون". وهو لا يصدق -من ناحية أخرى- إلا على القواعد العامة، ذات الوضوح المؤكد، بعامة، لا على التفاصيل التي قد تفوت غير المتخصصين. بيد أن هذه التحفظات جميعها لا تقدم لنا سوى احتمال كبير، وقرينة قوية على علم كل فرد، دون أن تفيدنا يقينًا، ويبقى دائمًا أن نسأل: على أي مبدأ من مبادئ العدالة تقوم مسئولية من يجهل فعلًا واجبه، في حالة معينة، حتى ولو عرفه كل الناس في مكانه؟ لا شك أن من الأمور الملزمة بالنسبة لي أن أنور ضميري وأن أستعلم عن واجباتي كلما جهلتها ولا يتحتم لهذا أن أواجه مشكلة بعينها. ولكن هناك حالات أعتقد فيها، بكل صدق، أن العمل الذي ألزم نفسي به، أو أمتنع عنه ليس سوى عمل فطري طبيعي لا ينشأ عن أي تحريم، أو تكليف، وذلك باستثناء حالة الجهل الإرادي الخاطئ الذي يقدم عليه الفاسق، الذي يتحدث عنه أرسطو١

стр. 189

فكيف أكون في هذه الظروف مسئولًا دون أن أدري، وكيف تقع المسئولية إذا لم يكن مبعثها تنبيه ضميري؟ الحق أن هذا المبدأ لا يعبر إلا عن نوع من العدالة القانونية، التي ترى الناس من خارج، وتحكم عليهم موضوعيًّا، وإحصائيًّا، تبعًا لسلوك متوسطهم. ولا شك أن من المفيد واللازم لحفظ النظام في المجتمع -أن ننظر إلى الأمور من هذه الزاوية, وإلا فإن الباب قد يتسع كثيرًا، بالنسبة إلى جميع مخالفات القانون، بحجة الجهل بالقانون. أما فيما يتعلق بالمسئولية الأخلاقية والدينية التي نعالجها الآن، فلا ينبغي أن تقوم إلا على الحالة الواقعية لضميرنا، مع تحفظ واحد هو ألا يزيغ هذا الضمير مختارًا عن الهدى الذي يقدم إليه، بل يحاول أن يبحث عنه عند الحاجة، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ١. فليس يكفي إذن، في نظرنا، أن يحمل القانون إلى علم الناس بعامة، وأن أكون بحيث أستقبله، بل ينبغي أن نضيف ضرورة إبلاغه إلى علمي، أنا نفسي، سواء أكان ذلك بوساطة التربية، أو النشر، أو الصدفة، أم كان بطلبي إياه في سعيي وبحثي. وقد رأينا -في الواقع- كيف أن القرآن حرص على أن يثبت، على سبيل الحقيقة التاريخية -إن لم يكن على سبيل القانون الثابت- أن التعليم الإلهي الذي خُوطبت به الشعوب القديمة كان يصل دائمًا إلى المعنيين به، قبل أن يلزموا بمسئوليتهم. هذه الحقيقة نفسها يجب أن تنطبق على التعليم القرآني، وإنها لكذلك، فقد قرر القرآن: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٢.

стр. 190

وليس هذا هو كل شيء، فلنفترض أن القاعدة قد تقررت بالنسبة إلى الناس، وأني تلقيتها، ولكن ها أنذا، لدى ممارستي للعمل، يغيب عني هذا التعليم، يفلت مني كلية، لقد نسيته بكل بساطة. بل إنني قد أكون في حالة تسمح لي بتذكره، عندما أسأل عنه، ولكني لا أتذكر في الحال، بل أكاد لا أشعر بمجرد وجوده، وسواء كان هذا النسيان مجرد ذهول سطحي وعارض، أو نسيان عميق ودائم، مرضي أو عادي -فإن موقفي هو الاستعداد دائمًا أن أكف عن عملي المخالف، أو أوقف نشاطي الذي بدأته، بمجرد أن يذكرني أحد من الناس بالقانون. فكيف أكون مسئولًا عن عمل تم في مثل هذه الظروف؟ عندما يكون النسيان ظاهرة طبيعية، لا تصدر عن إرادتي، ولا ترجع إلى الخطأ من ناحيتي، فهل يكون من المقبول في منطق العدالة المطلقة، القائمة على واقع الأشياء، لا على التخمينات، أو اعتبارات المنفعة -أن أعد مسئولًا عن عمل كهذا، مع ملاحظة صفته القهرية؟ تعالى الله عن ظلم كهذا. ومن ثم نجد أن القرآن، حينما أنطق المؤمنين بهذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١, لم يلبث النبي ﷺ أن أضاف إليه هذا التعليق المطمئن: "قال -الله- قد فعلت" ٢.

стр. 191

ج- العنصر الجوهري في العمل: لقد تحدثنا حتى الآن عن العلاقة التي تربط الفرد المسئول بالقانون، وقد رأينا أن المسئولية لا يمكن أن تثبت أو تسوغ في نظر القرآن إلا بشرط أن

стр. 192

تذيع شريعة الواجب، ويعرفها كل ذي علاقة بها، وأن تكون حاضرة في عقله لحظة العمل. ولكنّا، فضلًا عن علاقتنا بالشريعة، لنا علاقة أخرى بالعمل، فالأولى "علاقة معرفة"، وهذه "علاقة إرادة". والضمير الكلي للفرد الأخلاقي يحتوي هذه العلاقة المزدوجة في آن، ومثله كمثل الفنان الذي يرسم لوحته، وهو ينظر إلى النموذج، سواء في مطابقته له، أو في استقلاله عن قواعده. وعليه، فإن المحكمة التي تهتم بأن تنسب أعمالًا إلى أشخاص لا تستطيع أن تصدر في هذا حكمًا عادلًا دون أن تلاحظ الطريقة التي تقع بها أعمالنا، وعلاقتها بشخصنا. فالعمل اللاإرادي يجب أن يستبعد -بادئ ذي بدء- من مجال المسئولية، من حيث كان ينقصه مطلقًا هذا العنصر التكويني للشخصية. أعني: الإرادة، فالذي يكبو في سيره -مثلًا- لا يمكن أن يعتبر مسئولًا، لا عن سقوطه، ولا عن نتائجه المكدرة أو المستطابة، بالنسبة إليه أو إلى الآخرين. والعمل اللاإرادي من الناحية الإنسانية هو "حادث"، وإن كانوا يطلقون عليه اصطلاحًا: "عمل" لأنه -حين نستخدم التعبير القرآني- لن يكون بعض ما تكتسبه أنفسنا١. فهل نقول إذن -على النقيض-: إنه يكفي أن يكون العمل مرادًا لنا ليحمل علينا.؟ ... نعم ... و ... لا ... نعم ... إذا كان يراد بالحمل "سببية" على نحو ما، ولا ... إذا كان الحمل مرادف "المسئولية الأخلاقية"؛ لأن هذه المسئولية ليست مجرد

стр. 193

نسبة العمل إلى الإنسان بصفة عامة، بل لا بد من وجود صفة مميزة، وهي أن هذا العمل يؤدي إلى استحقاق من الثواب أو العقاب. وعليه، فمن الضروري لكي نخلع على أي عمل هذه الصفة، أن يكون هذا العمل الإرادي متصورًا من ناحية صاحبه بنفس الطريقة التي تصوره بها المشرع. وكما أنه في المنطق لا يوجد تماثل أو تعارض إلا إذا أخذ الطرفان المتماثلان، أو القضيتان المتعارضتان في ظروف واحدة، فكذلك الحال في علم الأخلاق، لا يوجد طاعة أو عقوق إلا إذا كان هناك توافق كامل بين العمل باعتباره مأمورًا به أو محرمًا، وبين ذاته باعتباره قد حدث فعلًا. ولنأخذ على ذلك مثلًا، أنك تخرج لممارسة القنص في إحدى الغابات، أو الصيد في إحدى البحيرات، وتعتقد أنك قد صوبت سلاحك نحو صيد، على حين أنك فعلًا أطلقت النار على إنسان، وتريد أن تصطاد سمكة، فيكون ما أخرجته طفلًا غريقًا يفجؤك. فمع أن التماثل حادث في هذه الأعمال من "الناحية المادية" مع الأعمال التي تشكل موضوع القانون، نجد أنها غير متماثلة من "الناحية الكيفية"، فقد أردت عملًا مباحًا أو محايدًا، على حين أن القانون قد رسم عملًا ملزمًا أو محرمًا. لقد كان موضوع تنظيم القانون هو حياة الكائن الإنساني، ولكنك لم تقصد إلى إنقاذ حياة كائن إنساني أو إنهائها، فليس ما أزمعت تحقيقه هو العمل المستحق للثواب أو العقاب. وإذن فإن الاستحسان الأخلاقي، أو الاستهجان كلاهما حكم يقوم على الصفة المحددة التي تصورتها القاعدة. فأي انحراف بريء للإرادة يرى الأشياء بصورة مختلفة -لا يقع مطلقًا تحت طائلة القانون. وعندما يقول القرآن: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ١ -نتساءل: ماذا يقصد بهذه الأيمان؟

стр. 194

أما المفسرون فقد جاءوا في هذا الصدد بتعريفين مختلفين تمامًا، يقول ابن عباس في جمهرة من المفسرين: "هو ما يجري على اللسان في درج الكلام والاستعمال، لا والله، وبلى والله، من غير قصد لليمين"، ولكنّ مالكًا يرى أن التفسير الأفضل الذي تمسك به دائمًا هو الذي يحدد هذا النوع من الأيمان على أنه: "حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك، فهو اللغو"١. ولسنا نريد أن نختار أحد هذين التعريفين، فنحن نعتبرهما كليهما حالتين خاصتين، في نطاق القانون العام لعدم المسئولية، ولو أننا قابلناهما بالنص لوجدنا أن التعريف الأول يتفق بصورة أفضل مع آية سورة المائدة، حيث توضع الأيمان الخفيفة في مقابل الأيمان المؤكدة: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ ، على حين أنها في سورة البقرة تقابل الأيمان التي ينشئ الحنث فيها ضررًا متعمدًا: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ . وهكذا ينتج من مجموع النصين أن العمل "الإرادي"، الذي "انعقدت عليه النية" وحده هو الذي يستتبع مسئوليتنا. بيد أن هذه الصفة الثانية تستحق أن نركز عليها ونحددها أكثر. ذلك أن هناك ضربًا من الخطأ، لا ينصب على موضوع نشاطنا، بل على قيمته ومغزاه الأخلاقي، فقد يخطئ المرء، لا في العمل الذي يؤديه، بل في نظامه، أعني في علاقته بالقانون، فخطئي ليس ناشئًا عن الجهل؛ لأني مدرك لموقفي مدرك في الوقت نفسه للمبدأ الذي كان من الواجب أن يخضع له هذا الموقف، وكل ما في الأمر أني أرى الأشياء من زاوية تجعل سلوكي لا مؤاخذة عليه في نظري، فموقفي شبيه بموقف القاضي، الذي يسأل نفسه في مواجهة حالة

стр. 195

معينة عن المادة التي تنطبق عليها بشكل أفضل, أو ما التفسير الأحسن لتلك المادة؟ أو ما درجة امتدادها؟ وهل من الممكن أن تنطبق على الحالة المنظورة، ولكن القاضي -مع هذا كله- ينتهي مع شديد الأسف إلى تبني حكم خاطئ. ولنأخذ مثالًا آخر، يتعلق بالمقاتل، وهو مثال نأخذه من القرآن، فقد ألاحق عدوًّا شرسًا، فأضطره إلى السقوط والعجز، فيطلب السلام، ويضع السلاح، وأسأل نفسي إذا كان هذا فعلًا طلبًا مخلصًا، أو هو مجرد حيلة إستراتيجية، ثم إنني أحكم تبعًا لماضيه القريب، وصفته الحاقدة، وأفترض أنه لا يمكن أن يكون قد تغير فجأة، فأقرر قتله، وأقتله. فالعمل الذي تم على هذا النحو هو عمل إرادي ومقصود، ولكنه ليس مقصودًا بالمعنى الكامل، وهو مقصود بوصفه الطبيعي، لا بوصفه الأخلاقي، لقد كان لدي القصد إلى أن أقتل إنسانًا، ولكن لم يكن لدي القصد إلى مخالفة القانون؛ لأني بدأت بافتراض أنه خارج على القانون. والعمل الذي يتم بهذا اللون من النية يصفونه بعامة بأنه "عمد بشبهة"، أو "عمد بتأويل"، وهو في مقابل "العمد بغير شبهة"، من ناحية، و"الخطأ" من ناحية أخرى. وبعد هذا لتقسيم الثلاثي نأخذ العمل "العمد بشبهة" لنميز فيه نوعين من التفسير المسوغ، أحدهما "ذو التأويل القريب" وهو الذي يعذر، والآخر "ذو التأويل البعيد" وهو الذي يدين. هنا أيضًا، يجب أن ننتقد هذا المسلك المغالي في الموضوعية، والاهتمام بالصفة القانونية التي تملي تفرقة كهذه، فأصحاب هذا الاتجاه يريدون: أن يحكموا على الناس، لا تبعًا لحالة ضميرهم الفعلية، ولكن تبعًا للحالة التي يزعمون أننا نصادفها لدى الغالبية من الأفراد الأسوياء، ثم بنوع من الاستقراء الناقص، دون أن نفتش عما يحدث فعلًا لدى شخص أو آخر.

стр. 196

هذه الفكرة المجردة، التي تصبح فيها الذات وحدة حسابية، والتي تختفي فيها كل أصالة فردية -تتفق تمامًا مع حاجات الحياة الاجتماعية، بيد أن الأخلاقية ليست مطلقًا أمرًا استقرائيًّا، كما أن المسئولية الأخلاقية لا يمكن أن ترتبط إلا بشخص مادي، ولما كان واضحًا بدهيًّا أن المسئول على بعد يمكن أن يصدق، فإن التأويل البعيد ليس هو الباطل. ومن هنا كان على علم الأخلاق أن يدع هذه التفرقة لعالم الاجتماع، وأن يستبدلها بأخرى تناسبه، وبدلًا من أن تخضع الشرعية للتأويل القريب، يجدر بنا أن نميز المخلص من غير المخلص. ولقد يحدث -في الواقع- ألا تكون نيتي غير العدائية سوى نية موجهة، مصطنعة تجيء بعد فوات الأوان؛ لتسويغ نية أخرى أبعد غورًا، وتأصلًا في نفسي، وهذه النية الأخيرة لا يمكن تسويغها، وهي فعلًا غير سائغة في نظري، بشرط أن أقوم فقط بتحليلها لنفسي بنفسي، وأن تكون لدي الشجاعة لمواجهة الدوافع الحقيقية لعملي. في هذه الحالة، لا شك أن نيتي الثانية لا قيمة لها، وهي عاجزة من كل وجه عن أن تخلصني من المسئولية الأخلاقية، مع أنها قادرة على أن تبرأني قانونًا. ولقد نجد مثالًا على هذا القصد المشتبه في الحالة السابق ذكرها، وهي الخاصة بملاحقة العدو الجانح للسلم، الذي تحدث عنه القرآن والحديث: القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ١، والحديث في قوله ﷺ للصحابي:

стр. 197

"أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله" ١. ولكن حين تكون نيتي خاضعة تمامًا لوجهة نظري، وأكون مقتنعًا بأني لا أنتهك الشرع -"ما خلا الحالة التي ارتاب فيها في جهلي، ثم لا أبحث عن مخرج منه"- فإن أحدًا لا يستطيع أن يلومني على مثل هذا الموقف المتسم بالإخلاص، حتى لو كان منحرفًا؛ ذلك أن كل امرئ منا يُحكَم عليه تبعًا لما في نفسه مهما يكن الأمر، والله يقول: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ٢. أما فيما يتعلق بالتعارض المنهجي الذي جعلوه بين العمل الذي يتم "بحسن نية"، والآخر الذي يتم "بغير قصد"، فهذا التعارض صحيح إذا كان يراد بكلمة غير المقصود ما لا تتجه إليه الإرادة مطلقًا، كليًّا أو جزئيًّا. ولكن التعارض لن يكون ذا موضوع إذا كان المراد القول -على العكس- بأن "الخطأ" هو ما ليس مقصودًا أخلاقيًّا على وجه الكمال، ذلك أن العمل الذي يتم بحسن نية حينئذ لن يكون سوى حالة خاصة من العمل غير المقصود "الخطأ" بعامة. وهذه الخاصة التي لا تنشئ سوى فرق في الدرجة بينه وبين العمل اللاإرادي، المحض -ما كان لها أن تعدل شيئًا من صفته البريئة، ومن ثم- غير المسئولة.

стр. 198

وإذن، فإذا أردنا أن نصوغ الشرط الثالث للمسئولية الأخلاقية قلنا: إن العمل المنوط بالمسئولية هو العمل الذي يكون القصد إليه كاملًا، أعني: أنه العمل الذي تهدف فيه الإرادة، لا إلى الصفات الطبيعية لموضوعه فحسب، وإنما كذلك إلى صفاته الأخلاقية على نحو ما أدركها المشرع. ويجب أن يكون العمل متصورًا لدى فاعله على النحو الذي أجيز به، أو حرم، أو أمر به، ومن حيث هو كذلك. وأي اختلاف في الرأي، أو انحراف في القصد، في صفة أو أخرى، يخرج العمل من دائرة الملاحقة بنص الشرع؛ لأنه إذا كان العمل الذي تقرر حكمه في الشرع غير العمل الذي وقع -لم يكن لهذا الذي وقع أن يكون له إذن نفس الحكم، فهو في افتراضنا حدث حتمه خطأ لاإرادي. وعليه، فحين نؤكد أن خطأ من هذا القبيل لا يمكن أن يكون محسوبًا فلسنا نفعل سوى تفسير القول العام الذي جاء به القرآن نفسه، حين يعلن: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ١، وكذا قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاْ﴾ بتفسيره الذي ذكرناه آنفًا. وقد يقال: إذا كانت هذه هي الأهمية التي تخص بها النية أو القصد، وإذا كانت المسئولية الأخلاقية دائمًا ذات ارتباط بهذه النية أو القصدية، أفلا يستتبع ذلك أن تصبح "النية" في رأيك هي كل "الأخلاقية"، أو كما يعبر "كانت": "إن الشيء الوحيد في العالم الذي هو خير في ذاته هو الإرادة الطيبة"؟ هيهات أن يكون ذاك، لا لأن من التناقض أن نضع الخير المطلق في حالة

стр. 199

شخصية تناسب ضمير كل فرد١؛ لأن النسبية الوجودية لهذه الحالة لا تحول دون أن تكون لها قيمة أخلاقية مطلقة. ولكن ما يدفعنا إلى رفض هذه النظرية هو أنها أولًا تجرد السلوك من كل قيمة خاصة، ثم هي بعد ذلك -حين تغالي في تقدير النية في العمل- تقع في ذلك التناقض الذي يجعل كل شيء حسنًا ما دمت تصطحب في فعله نية أن يكون حسنًا، حتى ما كان من الأعمال غريبًا أو مستحيلًا. وأخيرًا، فإن هذه النظرية، حين تكون منطقية مع نفسها بكل دقة، تؤدي إلى إلغاء كل تقدم، وإزالة كل تفاوت في القيمة الأخلاقية. فإذا كانت النية الحسنة هي كل الأخلاقية فيجب أن نعامل على قدم المساواة -ضمائر وأعمالًا جد متباعدة على سلم القيم. ومن ذلك أن أكثر الناس جهلًا، وأكثرهم تعصبًا، حين يقع فريسة وهم عضال، فيعتقد أن يماثل إرادته بالشرع -هذا الرجل يحق له -استنادًا إلى هذا المنطق- أن يحظى بنفس التقدير الذي يستحقه في نظرنا أكثر الناس حكمه، وأعظمهم استنارة. بيد أن "كانت" لم يدخل في اعتباره كل هذه الصعوبات؛ لأنه -على وجه التحديد- يلتزم بسلم مجرد، تصبح فيه الفكرة العامة للواجب وحدة دون تنوع، وهو لا يريد أن يكلف نفسه عنت تصور الضمير في واقعه المتعدد، والمحسوس. أي: إن "كانت" لا يأخذ من العنصر الثلاثي للضمير الأخلاقي، وهو: "المعرفة"، و"الإرادة"، و"العمل" -سوى جانب واحد هو: الإرادة. ونحن متفقون تمامًا مع "كانت" فيما يقرره من أن أكثر الأعمال نفعًا، وكذلك أكثرها نزاهة، ليست له قيمة أخلاقية إذا لم تصحبه، بل إذا لم

стр. 200

تحدده إرادة الخضوع للقانون، وأن أسوأ الأعمال لا يستتبع مسئولية إذا لم يكن قد خالف القانون عن عمد. ولكن شتان بين هذا وبين أن نقول في حالة العكس: إن أكثر الأعمال ضلالًا مع النية الحسنة يسترد كل قيمته، ويصبح قدوة للسلوك الأخلاقي. فإذا كانت النية الطيبة تعذر صاحبها، فإن ذلك لا يستتبع أن تنزل منزلة مبدأ مطلق للقيمة الأخلاقية وعلى سبيل الإيجاز، ولكي نعطي لتفكيرنا شكلًا أكثر وضوحًا وتحديدًا، نقول: إن النية شرط ضروري للأخلاقية، وهي على ذلك شرط للمسئولية، ولكنها ليست بأي حال شرطًا كافيًا لهذه أو تلك. وهذه هي رؤيتنا لدور النية في الأخلاق الإسلامية، والنص المشهور الذي يجعل منها محكًّا للأخلاقية لا يتيح لها أن تستوعب وتمتص قيمة العمل كلها، بل يجعلها شرطًا لصحة هذا العمل.

стр. 201

د- الحرية: عندما يكون المرء قد عرف الشريعة، وعمل بإرادة، وعلى بصيرة من الأمر فليس معنى ذلك أنه يكون قد جمع كل شروط المسئولية، فأنا أعرف جيدًا أن هذا العمل محرم علي، ولست أخطئ طبيعته المادية، أو طبيعته الأخلاقية، وحين يتحتم على إرادتي أن تتدخل فإنها تتناوله من نفس الجانب الذي صار به محرمًا. فهو إذن عمل شعوري منبعث عن نية مزدوجة. بيد أنه إذا لم تكن إرادتي وحدها هي التي تحدثه، وإذا لم يكن مجال اختياري الحر خاليًا, كصفحة بيضاء, وكان مشغولًا بقوى أخرى هي التي حددت اختياري في اتجاه معين دون أي اتجاه آخر، وإذا لم يكن لإرادتي -وهي تواجه هذا التداخل غير أن تتبع تيارًا سبق أن خط لها- فكيف أنسب إلى نفسي عملًا كهذا، لم تسهم فيه شخصيتي إلا في جانب معين؟

стр. 202

ألا يجب علينا -بالإضافة إلى ما قررناه من أهمية ملكات "المعرفة" و"الإرادة" أن نبحث أهمية "قدرتنا" وأن نقرر "أن فاعلية جهدنا"، أي: "حريتنا"، شرط "رابع" في المسئولية؟ إن مبدأ التناسب بين المسئولية والحرية تمتد جذوره بعمق في الضمير الإنساني، بحيث لا يمكن تجاهله دون أن يبدو في موقفنا شيء من الإجحاف فإلى أي حد إذن -إذا أخذنا الإنسان كما هو، يمكن أن نتحدث عن مسئولية مشروعة؟ إنا لنعلم أن مشكلة الحرية قد أثارت منذ الأزل نظريتين متعارضتين إلى أقصى حد، على الصعيد المجرد على الأقل: الحتمية، واللاحتمية. فإذا أصغينا إلى ما يقوله بعض المفكرين فلن يكون مجال مطلقًا لإرادة إنسانية حرة، بالمعنى الصحيح، ولقد كتب شوبنهور schopenhouer يقول: "هناك أناس طيبون، وآخرون خبثاء، وذلك مثلما يوجد حملان، ونمور. فالأولون يولدون بمشاعر إنسانية، والآخرون يولدون بمشاعر أنانية، وعلم الأخلاق يصف أخلاق الناس، مثلما يصف التاريخ الطبيعي خصائص الحيوانات". ويذهب سبينوزا spinoza إلى حد القول بأن الأعمال الإنسانية، شأن جميع ظواهر الكون، تنتج، وتستنبط بنفس الضرورة المنطقية التي يستنتج بها من جوهر المثلث أن زواياه الثلاث تساوي قائمتين. وهذا "كانت" بطل الحرية، الذي جعل منها المسلمة الأساسية للحاسة الأخلاقية، يعلمنا نوعًا من الحتمية الإنسانية، التي لا يحول طابعها المطلق والميتافيزيقي، من أن تتعلق بالصرامة العلمية، إذ يؤكد أننا لو كنا نعرف جميع الظروف والسوابق، فإن أعمال الإنسان يمكن التنبؤ بها بنفس الدقة.

стр. 203

التي يحدد بها كسوف الشمس. وقد كان عليه، لكي ينقذ الحرية، ومعها المسئولية -أن يخرجهما كلية من مجال التجربة، ومن عالم الظواهر، ليحبسهما في عالم مجهول، يراه غير قابل للمعرفة، وهو ما يتساوى عمليًّا مع إنكار واقعهما الراهن، حتى لا يبقى منه سوى تذكار دارس، وامل ملتبس. ولم يتردد هوم hume في أن يقول هذا بألفاظ مباشرة: "إن شعورنا بالحرية ليس إلا وهمًا". بيد أن مسئوليتنا عن كل عمل مقصود -على ما يعتقد أنصار الاختيار الحر- هي أمر قطعي، وفي رأيهم: أن الإرادة والحرية مترادفان١. وعلى أية حال، فإن هاتين الفكرتين تغطيان على وجه التحديد نفس المجال. ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، أن ننسب إلى الإنسان القدرة الكلية على تنفيذ قراراته بحرية، برغم جميع العقبات المادية، وضد قوانين الطبيعة الصارمة. إذ يجب أن نكون قد فقدنا كل تفكير متزن حين نؤكد أننا نستطيع دائمًا أن نفعل ما نريد. وذلك بالرغم من حقيقة ما يقال -في الظروف العادية للحياة العملية، ومع تنحية الأعمال التي تحظرها قوة قاهرة-: إن "الإرادة هي القدرة"، بيد أن المعنى الحقيقي للفظ، وهو الذي يريد المدافعون عن الاختيار الحر أن يثبتوه شرطًا متحققًا للمسئولية -ليس هو "حرية التنفيذ" "التي يدركون نسبيتها وارتباطها بألف ظرف خارجي"، بقدر ما هو "حرية التقرير"، التي يعلنون أنها لا تنفصم عن كل ضمير إنساني. ولا أحد يضارع مطلقًا "ديكارت"، الذي مد حدود نشاطنا الحر إلى أبعد مدى، لا في مجال العمل فحسب، بل في مجال المعرفة أيضًا. فإرادتنا هي التي تحكم أو تمتنع، هي التي تثبت أو تنكر. وتتجلى هذه الحرية أولًا

стр. 204

في الشك المنهجي، أي: في القدرة التي نملكها على الرفض الإرادي لجميع أحكامنا المسبقة، وجميع معارفنا السابقة، الناتجة من حواسنا، أو من استخلاص قياسنا، سواء أكان هذا الشك لكي نصدر على إثره -حكمًا بصدقها أو كذبها النهائي، أم لكي نعلق حكمنا عليها تعليقًا محضًا مجردًا١. لكن هذا النشاط يبدو بشكل موضوعي في أحكامنا العادية، وهذه الأحكام لا يرفضها إدراكنا، بل قد تسبق هذا الإدراك وتتجاوزه، وكما يحدث في جميع الحالات التي نرتكب فيها خطأ نظريًّا، لا يكون هذا الخطأ سوى حكم إرادي، أصدرناه على الأشياء التي نعتقد أننا ندركها، على حين أننا لا ندركها في الواقع٢. وحتى عندما نلجأ إلى البداهة فإننا نفعل ذلك بحرية أيضًا؛ لأننا كنا نستطيع أن نقاومها، ولا نقرها، "بشرط وحيد هو أن نرى من الخير أن نؤكد بهذا حقيقة اختيارنا الكامل"٣. ولنقف عند المشكلة الأخلاقية. أنحن في سعينا إلى الخير، والشر مصدر أحكامنا، أنحن علتها؟ أم أنها الثمرة المحتومة لطبيعتنا الثابتة، أو النتيجة الضرورية لحالات ضميرنا السابقة: الأفكار أو العواطف؟ أولع الحتميون بأن يقدموا لنا الطابع الفطري في إطار صارم إلى أقصى حد، لا يحتوي أية ليونة، أو مرونة، فالميول الطيبة أو الخبيثة التي نجتلبها معنا عند الولادة -هي فطرتنا، فكيف نكون مسئولين عن فطرة ليست صنعتنا، وهي على كل حال ليست صنعتنا الشعورية٤؟ بيد أنهم لم يبرهنوا أولًا على هذا الطابع الثابت والمقرر لغرائزنا، ويبدو

стр. 205

أن علم النفس المقارن يثبت على العكس أن الغرائز الإنسانية أقل صرامة، وأكثر قابلية للتغيير والتربية، يؤثر بعضها في بعض أكثر من غريزة الحيوان بسبب عددها الكبير، وتعقدها البالغ. وإذا كان إنسان قد باشر -منذ الأول- سلطانه على الصفات الطبيعية للحيوانات غير المستأنسة، التي أصبحت بالترويض طيعة مستأنسة، بعد أن كانت متوحشة متمردة، فكيف لا يكون لدينا سلطان مباشر أو غير مباشر على طباعنا الخاصة، كيما نغيرها إلى خير أو شر؟ ألا تنطوي أعماق هذا الحكم المتشائم على مقدمة متسرعة، ودليل بليد؟ فقد اعتقد العقلاء، في كل زمان -على عكس ذلك- في فاعلية الجهد الذي نستطيع أن نمارسه على ذواتنا، ويبدو أيضًا أن التجربة تؤكد إمكان التحويل، المتفاوت في درجة عمقه. ويبدو كذلك أن القرآن يعترف من جانبه بهذه القدرة المزدوجة، التي أوتيها الإنسان، على أن يطهر كيانه الجواني ويحسنه، أو يعميه ويفسده، يقول الحق سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ١. ولنكن أقل طموحًا، ولنقرر -في الحقيقة- أن بعض عناصر طبعنا الأخلاقي تعصى على كل تطور أو تقدم، بيد أن هذا الجزء، ما كان له بداهة، أن يكون موضوع التكليف، أو المسئولية. فقد يكون المرء -بطبيعته- حزينًا أو فرحًا، متشائمًا أو متفائلًا، بليدًا أو حساسًا، دون أن يكون -لهذا- لاأخلاقيًّا. والإنسان ليس مسئولًا عن شذوذه النفساني، أكثر من مسئولية العليل عن عيوبه الجسمية.

стр. 206

وأخيرًا، وفي نطاق الفرض القائل بأن جزءًا من طبيعتنا يظل -مطلقًا- عصيًّا على كل تعديل -يجب أن نفرق بين المطالب التي توحي بها ميولنا الفطرية، والتي لا نملك شيئًا لمقاومتها، وبين علاقات هذه المطالب بإرادتنا. ولسنا هنا نزعم أن الإرادة نظام منعزل، يعمل مستقلًّا عن بقية كياننا، فمع أنها تجد في ذاتها القوة الكافية، أو كما يقال في الفلسفة المدرسية "العلة الفاعلة" لأفعالها, فإنها بحاجة إلى أن تبحث خارجها عن دوافعها، وعلتها الغائية، التي لن تجد منبعها إلا في الجانب الأدنى، أو في الجانب الأعلى: الغريزة، أو العقل. ولكل عمل شعوري وإرادي دائمًا علة، وتتحدد ماهية هذه العلة تبعًا لما إذا كان الإنسان يسعى إلى الخير الحقيقي، أو المنفعة، أو المتعة، فيقول: لأن ذلك أفضل، أو أنفع، أو لأنه يمتعني أكثر. فالمستبد الذي يتخذ على وجه التعسف قراراته، دون أن يتردد أو يستشير، ثم يقول: "أريد لأني أريد" -هذا المستبد يخضع في الواقع لنوع من السبب الخفي، لا يعدو أن يكون الحاجة إلى أن يظهر استقلاله. وعندما يتردد المرء في لحظة معينة بين أمرين يريد أن يعزم على أحدهما، دون أن يجد مطلقًا أدنى سبب يفرضه، بل ولا أقل سمة من سمات التفضيل، ثم هو يعزم أخيرًا على أحدهما، لمجرد إلحاح ضرورة حسم الموقف، ولأنه كان لابد أن ينتهي منه -فذلك لأنه افترض فيما وقع عليه اختياره أسبابًا تتساوى على الأقل مع أسباب ما عدل عنه. إن مشكلة تحديد الإرادة بوساطة دوافع أو علل أية كانت -قد أثارت في الفلسفة الإسلامية ثلاث تيارات مختلفة، هي التي نجدها لدى الأخلاقيين الأوربيين، وهي التي تستنفد كل الحلول الممكنة. ففي المقام الأول توجد نظرية جمهور أهل السنة، ومعهم قليل من المعتزلة، ويرى هؤلاء المفكرون أنه لكي يمكن اختيار أحد النقيضين اختيارًا نهائيًّا،

стр. 207

وتحقيقه، يجب مطلقًا أن تتوفر فيه بعض الشروط الخاصة، وأن تكون له علة تقتضيه اقتضاء تامًّا، يجعل من المستحيل أن يختار النقيض، وإذا عدم هذا ظل الجانب المختار في حالة الإمكان، دون أن يبلغ مطلقًا درجة الفعل١. وتأتي بعد ذلك نظرية الخوارزمي والزمخشري، وقد اكتفيا ببعض الأسباب المرجحة، بدلًا من اشتراط ضرورة علة موجبة٢. ثم تأتي أخيرًا نظرية أكثرية المعتزلة، وهم يرون أن الاختيار الإرادي لا يتطلب وجود شيء سوى ذاته، وفي رأيهم أن الفاعل المختار لا يمكن تحديده أو تميزه عن الموجب بالذات إلا بقدرته المزدوجة على الفعل أو الترك، بحسب إرادته وحدها، وبنفس الإمكان، دون أن يخضع أو يستمال ببعض الأمور الخارجة عن اندفاعه الخاص. ومن المألوف في هذا الصدد مثال الإنسان الذي يواجه عدوه، فيأخذ في الهرب، ويجد نفسه في مفترق طرق، فيختار أي الطريقين المفتوحين أمامه، ولقد تردد الرازي وبعض الأشاعرة بين النظريتين المتطرفتين٣.

стр. 208

ولقد سبق أن قررنا أننا لا نميل إلى الفكرة الشائعة لدى المعتزلة، فهذا النوع من الاختيار المتعسف يجب في كل حال أن يستبعد في موضوعنا؛ لا لأنه أدنى درجات الحرية فحسب، على ما قال ديكارت، ولكن لأننا نرى أن الإرادة اللامبالية هي إرادة ناقصة، فهي ليست سوى نصف إرادة، والنصف الآخر آلية وصدفة. فأنا عندما أقف في الصباح أمام أزياء كثيرة، كلها لائق، ومناسب للموسم -أجدني في لحظة اختيار محير، ولكني تحت ضغط ساعة الرحيل أعزم على اختيار واحد، أيًّا كان, إن إرادتي لم تتصور هذا الزي إلا مع غض النظر عن خصائصه، ناظرة إليه على أنه نموذج لفكرة عامة لم تحرم منها النماذج الأخرى. إن كل ما أحرص عليه هو أن آخذ زينتي باحتشام قبل الخروج، وهذا الجانب من عملي هو بكل تأكيد إرادي، وله علته. ولكني من الناحية التفصيلية عندما أقول: "سواء على هذا أو ذاك" أرفع يدي تلقائيًّا، ولا يكون موضوع الاختيار هو ما أضعه أمامي. ويختلف الأمر عن ذلك في مجال الأخلاق، ففي هذا المجال تكون الإرادة دائمًا مانعة. فهي سلبية وإيجابية في آن واحد. إذ إنني حين أرغب في هذا لا أرغب في ذاك، وهو ما يقطع أساسًا بافتراض باعث، أيًّا كان: "منفعة" أو "واجب". والأمر كذلك في كل اختيار إرادي بالمعنى الصحيح. ولقد فطرت النفس على ألا تتم أي اختيار دون أن تجد فيه تناسبًا معينًا بين الإجراء الذي تتخذه، والهدف الذي تبلغه، "فالإرادة" بحسب تعريفها، "هي السعي وراء الغاية". إن اعتبار الاستقلال خاصة مميزة للإرادة الإنسانية ليس إذن تخصيصًا لها بالقدرة على أن تمارس ذاتها دون دافع، أو غاية، وعلى أن تقطع صلاتها بجميع قوى الطبيعة الأخرى؛ بل إن هذا الاستقلال لا يصح أن يتخذ ذريعة لقطع منابع هذه القوى، أو إسكات الأصوات التي تحفز الإرادة، وإنما يعنينا فقط أن نثبت أن الصلة بين إرادتنا الخاصة ومزاجنا أو الطريقة التي تعودناها

стр. 209

في التفكير أو الشعور -لا تنبثق مطلقًا من ضرورة حقيقية، مهما يكن ما نقصد بكلمة "ضروري". فأنا لست أميل إلى هذا الفريق. أو ذاك بفعل الضرورة المنطقية، على طريقة سبينوزا "علاقة اتحاد أو التحام" مع دام الحل العكسي لا يستلزم تناقضًا. ولست أفعل ذلك أيضًا خضوعًا لضرورة تجريبية "علاقة سببية أو تسلسل أو علاقة تضامن وثيق لا ينفصم". فليس حقًّا، على الرغم مما يقوله سقراط وأفلاطون، أن العلم بالخير الحقيقي يحتم إرادة فعل الخير؛ لأن من الممكن فعل الشر، بسبب الضعف، مثلما يمكن تمامًا فعله بسبب الجهل. وليس حقًّا كذلك، مهما يقل ليبنز: إن الخير الذي أدركه بذاتي يمنعني مطلقًا من أن أفضل خيرًا أتخيله فحسب، فقد أفعل ما أكره، وأحرم نفسي مما أحب، وذلك مثلما أقبل مشروبًا مرًّا على أمل بعيد في صحة أفضل. ويصف لنا ستيوات ميل s. mill، على أساس من العنصر المشترك بين رأيي أفلاطون وليبنز، يصف لنا حدث الإرادة، كسائر أحداث الضمير الراهنة، على أنها محتومة بوساطة الحالات السابقة، وعلى طريقة كرة البليارد، التي تتحرك عندما تتلقى صدمة الكرة الأخرى، في الاتجاه الذي تدفعها إليه. فذاتنا قد تشهد هذا المنظر بطريقة سلبية، أو بالأحرى: هذه الذات لا توجد من وجود خاص، إذ ليس في هذا العالم سوى مجموعة من الظواهر يسود بينها قانون الأقوى. ولكن إذا لم يكن حدث الإرادة سوى نتيجة طبيعية للأحداث السابقة، فيجب أن يكون ممكنًا تحسبه والتنبؤ به، لا أقول: بالنسبة إلى المشاهد

стр. 210

اليقظ، بل بالنسبة إلى الشخص ذاته، بنفس اليقين الذي نتنبأ به بظاهرة طبيعية. غير أن هذا التنبؤ لا يكذبه لدينا فقط واقع تقديرنا للقرار الواجب اتخاذه، وهو ما يبدو عديم الجدوى إذا ظهر أمامنا اتجاه متوقع الحدوث، بل إن القرآن يعلن إلينا أن هذا التنبؤ مستحيل على الفكر الإنساني: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ١. ولا ريب أن من الممكن أن نخاطر بفرض حول احتمال حدوث حدث ما، وأن نصوغ حكمًا بالاحتمال على أساس سلوكنا السابق، غير أن هذا الحكم سوف يكون حظ إثباته بوساطة الأحداث بقدر ما تستهوينا عاداتنا، ولا يكون قط بقدر ما نلجأ إلى الاستخدام المتنوع لحريتنا. هذا الإدراك الميكانيكي للحالات النفسية، تعارضه معارضة قوية نظرية الحرية عند برجسون. فأفعال الضمير -كما يقول برجسون- لا توجد متفاصلة، ولا تبقى برانية، بعضها بالنسبة إلى بعض. فمتى ما بلغت عمقًا معينًا تتداخل، وتمتزج، وكل منها يعكس النفس بأكملها. فمن المستحيل إذن أن نطبق عليها مبدأ السببية، الذي يفترض وجود حدين متميزين، هما السبب والنتيجة. ومن ناحية أخرى: هذه الأفعال الجوانية لا تظل مماثلة لذواتها، فمجرد بقائها وحده يعني أنها تتغير، وتتطور كأي كائن حي، ولا ترجع بعد إلى وضعها الأول. وعلى هذا النحو فإن نفس السبب، إن وجد سبب، لا يمكن أن يظهر مرات عديدة، وإذا كان يعطي نتيجته مرة واحدة، فلن يعيدها بعد ذلك أبدًا. بيد أن لنا ملاحظة، هي أن هذه النظرية لم تستطع تخليص إراداتنا من

стр. 211

ربقة السببية الميكانيكية إلا بشرط إخضاعها لسببية ديناميكية. والحق أنها تقر التفسيرين معًا، وترسم لكل منهما مجاله الخاص، محتفظة للأول بنصيب الأسد. ويقول برجسون: إننا طالما بقينا على اتصال بالعالم الخارجي، وطالما التزمنا أوامر المجتمع، فإن حالات ضميرنا تظل متقاربة على سطح ذاتنا، ولا تندمج في كتلة الذات. ومن هنا كان إمكان أن تتداعى هذه الحالات، بحيث يدعو حضور إحداها الأخرى. ولذلك، فنحن نؤدي في أغلب الأوقات أعمالنا في حالة من الوعي الآلي، وهي الأعمال التي تنطبق عليها النظرية الميكانيكية. فأما إذا حدث أن انتزعنا أنفسنا من العالم الخارجي لكي نصبح وقد استرددنا ذاتنا، وأن عدنا من المكان إلى الزمان، ومن اللغة إلى الفكر المحض، ومن المشاعر المتلقاة إلى اقتناعنا الشخصي -إذا حدث هذا -وهو أمر نادر جدًّا- فإننا نعود للارتباط في الوقت نفسه بذاتنا الأساسية، ولسوف تكون أعمالنا الحرة هي تلك التي تصدر عن هذه الذات، والتي تلخصها، "وتنتزع منها كما تنتزع ثمرة ناضجة". فمن الممكن إذن أن نتساءل: أليست الحرية، في تعريفها على هذا النحو، هي في جوهرها حتمية الطبع؟ أما برجسون فلا يخفي هذا، وهو يقول: "عبثًا ما ندعيه: إننا نخضع حينئذ لتأثيرطبعنا، فطبعنا هو أيضًا ذاتنا"١. وإذا كان الأمر كذلك.

стр. 212

فإن مشكلة الحرية لا يبدو أنها تتقدم كثيرًا، فإن العبد إذا ما غير سيده لم يخرج عن كونه عبدًا. لقد كانت نظريات تداعي المعاني تقدم لنا تفاعل أفكارنا بشكل ما -على أنه مباراة لكرة القدم، تشتجر فيها قوى متضادة، موجودة في داخلنا على هيئة ذات معزولة، لا ينتصر منها إلا أقواها. أما ديناميكية برجسون -فعلى الرغم من التنازلات الكبيرة، التي منحتها لخصومها- فهي تعتقد أنها تكشف عن عدد من الحالات، ينبثق قرارنا فيها عن قوة واحدة، بالغة العمق، وهي تنمو وتزدهر، بلا توقف، كأنها نار مستمرة. ولكن مهما يكن ما نذهب إليه بشأن هذه القوة: واحدة أو متعددة، عميقة أو سطحية، فإن الميكانيكية والديناميكية تتفقان في الرجوع إلى طبيعة يستحيل علينا أن نغير اتجاهها، أو أن نوقف حركتها، ومهما تكلمت الديناميكية عن "الحرية" وعن "الاحتمال" فإنها تقرر أيضًا "الضرورة" و"الحتمية" أو إذا كان هناك احتمال فإنه احتمال تقول به "ذات لاشعورية"، تختار من بين إمكانات منطقية كثيرة -طريقة نموها، اختيارًا أعمى، وعلى غير هدى. وهكذا يلتقي من طريق أخرى "برجسون" مع "كانت"، فكلاهما يقرر عجز ذاتنا التجريبية والشعورية عن أن تفعل شيئًا سوى تلقي عملها جاهزًا من ذات أخرى، أطلق عليها أحدهما: الذات الأساسية، وأطق عليها الآخر: الذات الماهية المعقولة moi noumenal وكل ما يفرق بينهما في هذا المجال أن برجسون يضع هذه القدرة في واقع محسوس، وقد كان بحكم إخلاصه لنزعته البيولوجية يدافع عن تلقائية "الدفعة الحيوية" في نموها الطبيعي، الذي تتحدى به جميع التدبيرات المحسوبة. غير أن هذه ليست أيضًا الحرية بالمعنى الذي يشغلنا، فهي بدلًا من أن

стр. 213

تدعم مسئوليتنا الأخلاقية، لا تفعل -على العكس- سوى أن تقوضها فإذا كانت إرادتنا تنبثق من طبعنا، وكان طبعنا مفروضًا علينا قدرًا مقدورًا، فإننا نظل في حلقة مقفلة: لا أحد يقدر أن يكون سوى ذاته. إن الحرية التي تقوم كشرط لمسئوليتنا يجب أن نبحث عنها في مجال آخر غير الطبيعة الواقعية أو المحتملة "الكائنة"، أو التي في طريقها إلى التكوين. يجب أن تكون هذه الحرية ذات طابع يسيطر على الطبيعة ولا يخضع لسيطرتها، أو تكون -كما قال سبينوزا "طبيعة فاعلة" لا "طبيعة منفعلة"١. والواقع أننا عندما نجيب بالإيجاب على هذا السؤال: "هل ما نزال "أحرارًا" في قراراتنا، مع وجود أمزجتنا، وعاداتنا، وأفكارنا، وعواطفنا الراهنة؟ " -فإننا نعلن بذلك أننا شيء مختلف، أكثر من مجموع هذه المعطيات، وأننا ما زلنا نملك فوق كل هذه الأنشطة الخاصة نشاطًا آخر أسمى، هو نشاط ذات محسوسة وكلية، قادرة على أن تنظم نفسها بألف طريقة مختلفة. ونزيد الأمر تأكيدًا فنقول: إن إعلان هذا النشاط ليس مع ذلك إدعاء لقدرة خيالية ووهمية، وليس الأمر مطلقًا أمر نقض كامل لعالم جواني، ثم إعادة صنعه على حالة أخرى لم يكن عليها. وليس الأمر بالنسبة إلينا أن لدينا قدرة مطلقة على اختلاس عنصر، أو مجموعة عناصر من كياننا، أو منع حركتها، أو عزل إرادتنا عن هذا المجموع، لكي نمارسها في فراغ، بلا دافع، وبلا غاية. وليس المراد هو مواجهة الطبيعة، من حيث ما فيها من عنصر جوهري، وحتمي، بل مواجهتها من حيث ما فيها من عنصر مرن قابل للتشكيل. ومما نعترف بضرورته إطلاقًا أن كل نشاط إرادي يفترض وجود دافع

стр. 214

يحركه، وأن كل حركة تستهدف غاية تبلغها. بيد أن هذا الدافع، وهذه الغاية ليسا وحيدين في الطبيعة، ولا سيما عند اتخاذ قرار فيه قدر من التدبر وإعمال العقل. إن ضلال الحتمية "ميكانيكية وديناميكية" لا يكمن في أنها تستدعي صورة توازن في الدوافع، أو صورة دفعة من المزاج، فأي إنسان يرقب أحواله بانتباه يفطن إلى هذا التناوب في الأهداف التي تتبدى له مع الأسباب التي تؤيدها، بصورة تتفاوت في درجة اختلاطها كما يحس في نفسه نوعًا من التردد الذي لا يتوقف إلا بعد اتخاذ القرار. ولكن خطأ كل نظرية طبيعية يكمن في أنها تغفل "حدثًا وسيطًا" يعتبر هو اللحظة الحاسمة في تخلق القرار"، وذلك حين تصور لنا الإرادة على أنها نتيجة مباشرة لهذه الحالات الخاصة، أو على أنها ازدهار تلقائي لجذورها العميقة. فالمرء لا يحمل على اتخاذ القرار بنفس الطريقة التي تجعله يرفع يده "ليهرش" في المكان الذي يحتاج فيه إلى "الهرش"، حتى لو كان نائمًا. إن الإرادة ليست نتيجة مباشرة لتكون الأفكار إلا في حالة وحيدة، هي على وجه التحديد حين لا توجد "مسئولية" ولا "حرية"، وتلك هي حالة الاضطراب العقلي، التي ما تكاد تظهر فيها فكرة وحيدة، تسبق غيرها، حتى تقتحم الطريق على الملكات الأخرى، وهو ما يكفي لتحريك نشاطها الضروري لتحقيق هذه الفكرة، بطريقة الفعل المنعكس، دون أن تترك لها وقتًا تكبح فيه جماحها. أما في الحالات العادية السوية التي تزعم النظريات الحتمية أنها تقوم عليها -فإن هناك دائمًا مسافة بين فعل الطبيعة، ورد فعلنا الإرادي عليه، وتبدو هذه الفترة ضرورية -أولًا- لأن الموجود ليس فكرة وحيدة، بل فكرتان متضادتان، تعرضان لاختيارنا، وتطلبان حقهما في أن تتحولا إلى واقع.

стр. 215

ولقد يحدث تارة أن تكون الأهمية التي نعلقها على عرضهما متساوية تقريبًا بما أننا نجد بعد التدقيق أن النقص في جانب تعوضه الزيادة في الجانب الآخر، وهكذا يتضح توازنهما على مسرح الضمير، وغالبًا ما تتجدد عودتنا إلى نفس نقطة التفكير ومعاودة النفس. وعلى هذا النحو نظل مترددين للحظة في اختيارنا بين مشروع جميل جدًّا، قليل التكاليف، ولكنه هش، ومشروع آخر أقل جمالًا، وفادح التكاليف، ولكنه متين. وهذا الموقف المتحير القلق يصيبنا، عندما يطلب منا أن نختار بين عمل أكثر فائدة ولياقة، وآخر أكثر فضلًا، وأعظم ثوابًا. ولقد يحدث تارة أخرى أن يبدو أحد الحلين في صورة أفضل، وأعظم تقبلًا بالنسبة لما ألفنا من عادات، واستعدادات، ويبدو الحل الآخر مردودًا بنفس الوسائل، ولكنه ليس بأقل منه في نظر العقل، وهو بذلك يعتبر عائقًا بالنسبة إلى الأول، يحول بينه وبين أن يتحول تلقائيًّا إلى حيز الفعل. بيد أن المسافة التي تفصل حدث الإرادة عن أحداث الضمير الأخرى، تتميز باختلاف طبيعتها بخاصة، فبين هذه الأحداث وحدث الإرادة تنافر أساسي، وانقطاع للاستمرار، فالمرء لا ينتقل من هذه الحالات إلى هذا الفعل، على سواء. فمن فكرة معينة تولد طبيعيًّا نتيجة، ومن اتجاه رغبة، ومن عاطفة حالة للنفس مناسبة، ومن خليط هذه كلها، أو من اندماجها يولد حدث مركب، ليس هو الإرادة بعد، وإن أقرب الحالات إلى الإرادة هي الرغبة، ولكن، "من الرغبة إلى الإرادة توجد كل المسافة التي تفصل الدعوة عن الاستجابة". إن الإرادة ليس معناها أن نصوغ "طلبًا" بل أن نصدر "مرسومًا"، إنها لا تعني أن نمد يد سائل، بل هي التقدم بخطوة فاتح، والإرادة ليست "امتدادًا" لسلسلة في سلسلة معطاة، بل هي "بدء" سلسلة أخرى ينبغي
следующие страницы →