من مسلمات؟ إنني أعلم الإمكان "أو الاستحالة العملية" لتحقيق مشروع معين، أو درجة احتمال ناجحة، ولكن من ذا الذي يخبرني: إن كان ما أشرع فيه خيرًا جديرًا بأن أسعى إليه؟
وإذا كانت أمامي ممكنات كثيرة فما الذي يجعلني أقرر تنفيذ أحدها، وربما كان أقلها صلاحية بطبيعته؟
إن من الواضح أن ما نؤثر به بعض الاتجاهات من تفضيل في نشاطنا، واستبعاد لبعضها -ينبع من مثل أعلى، لا من واقع.
وعليه، فإذا لم يكن هذا المثل الأعلى سوى ظهور لذاتنا التجريبية المتقلبة، وإذا لم يكن سوى عطاء لشعورنا الحقيقي أو الافتراضي، فإنه يصبح -هو أيضًا- عطاء عابرًا، وظاهرة مؤقتة. فبأي حق يزعم إذن أنه يحكم عملًا مستقلًّا، على حين أنه قد يكون موجودًا في اللحظة التي سيبدأ فيها العمل؟
وإنما هي إحدى اثنتين: إما أن إرادتنا تستطيع أن تكتفي بمثل أعلى يتلاءم مع العمل، أي: يولد ويموت معه، وتلك هي إرادة العجزة والمجانين.
وإما أن تمضي إرادتنا -على العكس- تلتمس في المثل الأعلى صفاته التي تفرضه عليها، سواء بالنسبة إلى المستقبل البعيد أو القريب، أعني: أنها تذهب لتطلب منه بعض الثبات، قبل أن تمنحه الحق في أن يحكمها.
بيد أننا حينئذ لن نكون في مجال الذات التجريبية، والتجربة المحضة إذ إن "المثل الأعلى الثابت" هو التعريف نفسه "للقانون الأخلاقي"، ولما لم يكن قانون معين ثمرة لتجربة مطلقًا، بل موضوعًا للبرهنة أو الإيمان، وكانت "التجربة" هي مرجع "الأخلاق" ... أليس هذا تناقضًا في المصطلحات؟!
стр. 142
خاتمة:
وضح لنا إذن وضوحًا كاملًا أن كلتا النظريتين لا تظهر من الحقيقة الأخلاقية سوى جانب واحد، وفضلًا عن ذلك يكمن نقصهما المشترك في تعصبهما، وترافضهما، أكثر مما يكمن في جانبهما الإيجابي.
وهكذا حدث للفلسفة العملية ما حدث لنظرية المعرفة، فالمثالية، والواقعية، والعقلية التجريبية، وجماعات أخرى فلسفية كثيرة، لم يكن تعارضها إلا لأن كلًّا منها يركز من جانبه على شرط ضروري للمعرفة الإنسانية، معتبرًا أنه هو الشرط الكافي، والسبب الكلي، على حين أنه ليس سوى عنصر واحد بين عناصر أخرى كثيرة.
والواقع أنه، لا المفهوم المنطقي، ولا القانون العلمي، ولا مجموع المفاهيم والقوانين المعروفة -بقادرة مطلقًا على أن تؤلف، وتستنفد الموضوع المحسوس، الذي هو نقطة التقائها، ولكنه يتجاوزها بلا حدود، هذا من ناحية.
بيد أنه من ناحية أخرى يظل كل موضوع واقعي أجنبيًّا تمامًا، وغير قابل للتمثل، ما لم يوضع في أشكال عقلنا وقوانينه.
وبعبارة أخرى: إذا كانت المبادئ الأولى، والقوانين العامة تعفينا
стр. 143
مطلقًا من أن نطابقها مع الواقع، وإذا كان هذا الواقع لا يحتوي شيئًا زائدًا، ولا يقدم لنا جانبًا جديدًا -فإن العالم سوف يبلغ مرحلة المتماثل المبهم، سوف يكون بلا حياة، بلا تاريخ، بلا أبعاد.
ولكن في مقابل ذلك، إذا لم يكن هنالك من حقيقة مكتسبة، ولا قانون ثابت، فإن العقل سوف يتوقف عن أن يكون عقلًا، سوف يفقد وحدته البنائية، سوف يئول إلى هباء، ولن تكون له أدنى سيطرة على الطبيعة.
وفي مقابل ذلك، من وجهة نظر عملية -لو كان يجب على العالم أن يستأنف دائمًا من البداية، فلن يكون التقدم ممكنًا، ولن يتم مطلقًا بناء صرح الحقيقة.
وإنما هو لقاء الفكرة بالموضوع، لقاء الشكل بالمادة، لقاء الفرض بالتجربة؛ لكي تنفجر شرارة المعرفة الحقة.
وذلكم هو شأن الأخلاقية ... فلا الصيغة المجردة لقاعدة عامة، ولا التحليل الدقيق للحالة الخاصة -معزولًا كلاهما عن الآخر- يكفي لهداية إرادتنا، وإنما هو كما قررنا منذ قليل -تركيب "المثل" الشامل، القادم من "أعلى" مع الواقع الراهن، الذي ليس سوى إيضاح وبيان، حتى يوجد الدليل الممتاز لضميرنا. فبين المثل الأعلى والواقع، بين المطلق والنسبي، يوجد الضمير الإنساني علامة توحيد، يجب أن يستمر في التقريب بين هذين الطرفين، بأن يؤكد رابطة ما بينهما في صورة العمل الذي يولد من اقترانهما السعيد، ويرتدي هذه الصفة المزدوجة التي يمثلها في وقت واحد: ثبات القانون الأزلي، وجدّة الإبداع الفني.
أليس هذا هو نفس إدراك "التكليف" الذي يستخلص من المفاهيم القرآنية؟ ولنستمع إلى القرآن وهو يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١،
стр. 144
ألا نرى فيه من أول وهلة الخط الفاصل الذي يميز هذه الصيغة من الأخريات؟؟
ليست هذه هي الصيغة: "افعلوا ما يبدو لكم حسنًا" تبعًا لإلهام اللحظة.
وليست هذه أيضًا صيغة الواجب الصارم على سبيل القهر، دون استثناء أو تعديل. ليست هذه أو تلك، ومع ذلك فهي تتفق معهما في امتدادها العميق.
بهذه الكلمات الجامعة البينة يلفت القرآن أنظارنا نحو السماء، وهو يثبتنا على أسس متينة من الواقع، وهكذا نجد طرفي السلسلة وقد اجتمعا: صعود نحو المثل الأعلى، وإنقاذ للفطرة؛ خضوع للقانون، وحرية للذات.
ولكن، هل ترون أن هذا ممكن؟! ألا يجوز أن يتنافر هذان الطرفان المتعارضان؟ أم لا لا يجوز لكل فرد، منذ اللحظة التي يصرح له فيها بتحديد واجبه بالنسبة إلى حالته الخاصة -أن يتجاوب مع نوازعه الطارئة، ويطرح بهذا سلطة الأمر؟
هذا ما لا يحدث أبدًا؛ لأن الضمير الذي يخاطبه القرآن ليس ذلك الضمير الفارغ؛ غير المهذب، المتروك دون مرشد غير حالته البدائية، على ما عليه إنسان الطبيعة لدى "روسو". وليس هو أيضًا ضمير ذات مختلقة، كالذات الخالصة moi transcendantal لدى "كانت".
إنه ضمير يجمع شرطين لم يجتمعا خارجه قط، فهو أولًا مستنير، بفضل تعليم إيجابي، حددت فيه الواجبات ورتبت بدرجة كافية. وهو فضلًا عن ذلك قائم في مواجهة واقع حي، ومراعى إلى أقصى حد.
وباختصار: ذلكم هو ضمير المؤمن، ومن خصائص ضمير كهذا أن يكون لديه، وهو حاضر في ذاته، ومهيأ للتناصح، شخصية مشرعه، فما كان له إذن أن يستسلم لاعتبارات يعلم أنها غير مشروعة في نظر واضع الشرع, بَلْه أن يخون نفسه.
стр. 145
وإليك مثالًا على هذا، فالله سبحانه يقول لي "ما معناه": افعل هذا إلا المحرم، ولا تفعل هذا، إلا إذا كنت مكرهًا بضرورة، ثم إنه يحصنني ضد الدوافع الخفية التي يمكن أن تحملني على مخالفة الأمر، تحت ستار ضرورة زائفة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
فهل أستطيع في هذه الظروف أن أبرئ نفسي، وأنا أعتبر مخالفة بسيطة كأنها محرم؟ أم حين أرى التخويف الهين من باب الإكراه، على حين أعلم يقينًا أن هذا ليس ما أراده الله سبحانه بهذه الكلمات؟
ولا ريب أن الله لم يجبني دائمًا بصراحة في الحالات المشتبهة، وهو لا يوحي إلينا أيضًا، فأمامنا جميعًا نفس الحل، إيجابًا وسلبًا، ولدي دائمًا فرص لأرتكب خطأ في التفسير، أو في التحديد.
وهذه الاحتمالية نتيجة طبيعية لظرفي الإنساني، وللحرية التي أتاحها لي في هذا الظرف نفسه.
والأمر الجوهري بالنسبة لي، كمؤمن، هو أن أبذل جهدي في حال الالتباس، وأن أميز، وأتبع، بأمانة وإخلاص، ما يمكن أن يكون من أمر الله، تبعًا لمجموع تعاليمه. ولو كان الحل الذي اجتهدت فيه واخترته منحرفًا، فلن أكون آثمًا، متى ما بذلت جهدي الضروري، الذي يصدر عني، لإضاءة طريقي، والله يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ٢.
فأما أن كل فرد، في الحالات المشتبهة، ملزم بأن يرجع إلى ضميره،
стр. 146
ويلتزم بإجابته بطريقة معينة، فذلك هو ما قاله لنا الرسول ﷺ مستوحيًا القرآن١، في كلمات معروفة، منها: "الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" ٢.
"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" ٣. وحين يسأل النبي عن معنى الخير والشر يجيب: "استفت قلبك، واستفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" ٤.
ولكن، قد يثور اعتراض، إذا ما نظم الشرع -فيما عدا هذه الحالات المشتبهة النادرة نسبيًّا- كل شيء، وهو اعتراض يقول بأن الضمير الفردي لا يقوم بأي دور في تقرير الواجب.
ونجيب على هذا: بأن الاعتراض سوف يكون محقًّا، إذا كانت القاعدة قادرة دائمًا على تعيين جميع الأفراد الذين تحكمهم -أولًا-، وعلى التنبؤ بعد ذلك لكل فرد بجميع الحالات التي يتعين عليه حلها، ثم تقدم له أخيرًا في كل حالة، صورة محسوسة لحكمها الإجماعي، متفقًا مع القواعد الأخرى.
وبعبارة أخرى، سوف يكون الاعتراض محقًّا لو لم توجد سوى طريقة واحدة لإدراك القاعدة، وطريقة واحدة لتطبيقها، والتوفيق بينها وبين القواعد الأخرى. ولكن الواقع لا يتفق مطلقًا مع هذه النظرة من نواحيها الثلاثة.
стр. 147
ولو افترضنا أن النقطة الأولى قد حلّت فلسوف نعرف ببساطة أن أكثر القواعد التي قد نصوغها تحديدًا، تشتمل بالضرورة على بعض الجوانب غير المحددة، ومن ثم فبين غير المحدد والمحدد يوجد كل التأثير الممكن، لا بالنسبة إلى الاختيار الحر لضمير نفسي فحسب، وإنما أيضًا بالنسبة إلى التقدير الذكي للضمير الأخلاقي. ذلك أن الخصائص المميزة للعمل الفرد لا يمكن تجاهلها كلها، كما لا يمكن تقديرها كلها، وهي كذلك تحمل في أغلب الأحيان هذه الصفة المزدوجة, سواء أكان ذلك على التوالي, بحسب الحالات, أم في الآن نفسه بحسب الرأي الذي نأخذ به. وإذن فلا بد من جهد فردي، وبصيرة خاصة لتقديرها بقيمتها الحقيقية، وليختار منها ما يفرض منطقه أكثر.
هذا اللجوء إلى الجهد الفردي لتحديد واجب الفرد في علاقته بالواقع الموضوعي، هو واجب شامل يقع على عاتق الإنسان صاحب الدنيا، وصاحب الدين، وذلك بصرف النظر عن إيجاد امتياز مقصور على المتخصصين القادرين على التشريع.
فهناك ضرورة تواجه كل فرد متى ما أريد الانتقال من المفهوم الأخلاقي إلى العمل الأخلاقي. وكما أن القاضي يجب عليه أن يمحص كل حالة؛ ليتحقق جيدًا من أنها فعلًا الحالة المنصوص عليها في صيغة هذا القانون، أو ذاك الحكم فإن كلًّا منّا ملزم بأن يفتي لنفسه، إذا ما كان الوجه الذي يزمع تحقيقه موافقًا فعلًا لشرائط القاعدة١. ولنأخذ على ذلك مثلًا، القاعدة الأخلاقية التي تأمرنا بأن نرعى حاجات اليتامى، فهذه القاعدة لا تشير بالنسبة إلى كل ظرف -إلى وزنه، ودرجته، ونوعه، وصفته الكافية، والمناسبة.
وكذلك نجد أن القاعدة التعبدية التي تأمر المؤمن بأن يتوجه إلى وجهة
стр. 148
معينة في أثناء صلاته، لم تعن بأن ترسم له في كل موقع سهمًا يعدل من اتجاهه تبعًا له. والقاعدة القانونية التي تطلب إلى القاضي ألا يقبل من الشهود سوى الأشخاص العدول، ذوي المروءة، فهي لا تلقنه عدالة رجل معين أو نزاهته.
هذا البعد عن التحديد الصارم، وهذا الصمت الملازم لكل قاعدة وهذه المسافة الممتدة بين المفهوم والواقع، ذلك كله أبلغ دعوة موجهة إلى ضميرنا؛ ليستمر العمل التشريعي الذي بدأته القاعدة، وعلينا أن نتابع هذا العمل إلى أن يزول كل غموض، وبحيث يستطيع كل فرد أن يقول لنفسه: واجبي هنا فعلًا، وفي هذا العمل الفرد، لا غير. فهناك إذن، حيث تنتهي المهمة المحددة للقاعدة، وينتهي معها إكراه سلطتها -يبدأ نشاط الفرد في ممارسة حريته. ونستطيع أن نمضي إلى أبعد من ذلك، حين نواجه القاعدة من جهة تحديدها، إذ ينبغي أن نعلم أن قاعدة ما -لم توضع مطلقًا لتقييد حريتنا، بل لتنميتها بطريقة معينة. وفائدة القاعدة المقررة أنها أولًا توفر ترددنا، وتقلل بذلك من فرص أخطائنا، بدلًا من أن يترك تفكيرنا موزعًا في كل الاتجاهات الممكنة، بحثًا عن أحكام صائبة. ثم إنها حين تحصر مجال ناشطنا لا تعني إلا تقوية هذا النشاط وزيادة فاعليته، شأن تيار الماء، يحفر له مجراه، وتدعم ضفتاه. فما سوف تفقده حريتنا في الامتداد، سوف تكسبه في العمق، في بحثها عن أفضل الطرق لأداء الواجب.
ومن ناحية أخرى لا يمكن القول: أن هناك واجبًا واحدًا فحسب. فهناك فوق تركب ظروف الحياة، وتغيرها الدائم -كثرة الأوامر الأخلاقية وتداخلها، ومن تقابل هاتين المجموعتين ينفتح أمام حريتنا أرحب المجالات امتدادًا، ولكي نقتنع بذلك نسمح لأنفسنا باستعارة مثال من قواعد اللعب.
فمن المعلوم في لعبة الشطرنج مثلًا أن سير كل قطعة أمر بسيط، وهو يتبع قاعدة محددة على وجه الدقة. ومع ذلك هل يمكن القول بأن دقة القاعدة
стр. 149
تجمد حرية اللاعب؟ ... الواقع المعلوم -على العكس- هو أن كل لاعب شطرنج يمكنه أن يمارس تفريع عملياته إلى ما لا نهاية له، حتى إن ترتيب اللعب في دورين لم يحدث أن تماثل مطلقًا. بيد أن أكثر الملاحظات أهمية في هذه المقارنة هي أن أصالة كل لاعب لا تكمن في طريقة تطبيقه للقاعدة وطريقة تحريكه لكل قطعة، بقدر ما تكمن في طريقته التي يوجه بها الضربات، وينسق بين الحركات، ويجمع القوى المختلفة. هنا تتجلى عبقرية اللاعب، في حدسه الذي يكشف به من خلال هذا التيه -أقصر الطرق وآمنها لبلوغ النتيجة.
مثل هذا يحدث في النظام الأخلاقي: فإن من بين المهام التي يتعين علي أداؤها ما يفرض نفسه علي كل يوم، ومنها ما هو دوري، أو ظرفي, ومنها أخيرًا ما لن تسنح فرصته سوى مرة واحدة في الحياة. وكل من جسمي، وعقلي، وأسرتي، ووطني، وسائر أعبائي، يطلب نشاطًا محددًا بوساطة قاعدة. ومع ذلك، فحين أستيقظ في الصباح أستطيع بطرق شتى أن أقر جدول أعمالي، وأسطر القائمة التي سوف أتبعها في تنفيذها، ويمكنني في فترة معينة من الزمن أداء عدد من الأعمال الحسنة، فأضيف من الكمال لبعضها مالا أضيفه للأخرى، وأقدم عملًا وأؤخر غيره -بقدر الإمكان، وأكتفي بأشكال عادية من الإحسان، أو أبلغ الجهد في خلق شكل جديد، ذي قيمة أكبر. بل لقد يبلغ الأمر إلى حد أن مجرد إشارة أو لفتة واحدة يجب أن تعتبر تركيبًا ينطوي على كثير أو قليل من الحذق في التوليف بين مجموعة من الواجبات.
وهكذا يستطيع كل فرد أن يؤلف بكل حرية صفحة أصيلة من حياته الأخلاقية، وإن كان يحترم القواعد العامة لهذا الفن الإنساني. وكيف نطالب بقدر أكبر من الحرية، تستهدف تفجير هذه الأطر، دون أن ننحدر إلى الفساد أو إلى الجنون؟ إن ذلك هو ما يجب أن تجنبنا إياه كل حكمة
стр. 150
تشريعية، جديرة باسمها، حين ترسم لنا الخطوط العريضة لسلوكنا. أما ما لا يجب أن تفعله، مخافة أن تنتهك حقنا الطبيعي، وتردنا إلى الخضوع الذليل والآلي -فهو أن تقحم نفسها في تفصيل أعمالنا، التي نأتيها بفطرتنا، كل على هواه.
فالجانب الذي يخصنا من تشريع تكاليفنا هو -منذئذ- محدد تمامًا.
نحن لا نوجد قواعد الشريعة، وإنما نتناولها جاهزة، صراحة، أو ضمنًا، من يدي مشرعنا. أما تحديد واجباتنا المادية فنحن نقوم به ابتداء من هذه المثل العليا، بقدر وسعنا. ذلكم هو الوضع المعقول والميسر الذي يتخذه، كما نرى، التكليف الأخلاقي في القرآن. فهو يضع الإنسان في مكانه الصحيح، وفي الظروف التي تناسبه على وجه التحديد، ما بين الفطرة والعقل المحض.
وحين كان برجسون يعتقد أنه كشف نوعين للأخلاق, أحدهما: ذو طابع إلزامي، والآخر: ذو طابع إبداعي، فإنه لم يزد على أن أحدث فصلًا مصطنعًا بين عنصرين لا ينفصمان لحقيقة واحدة في كلتا الحالين.
إن الأخلاقية الحقة ليست خضوعًا محضًا، ولا ابتكارًا مطلقًا، هي هذا وذاك في وقت واحد. والموقف ليس موقف عبد مسترق، ولا موقف سيد مطلق، بل هو موقف مواطن يشارك بقدر معين في السلطة التشريعية بالاختيار، والمبادرة التي يملكها. فمن ذا الذي يستطيع أن يضيف إلى ذلك، أو يقتطع منه شيئًا دون أن يخطئ بالزيادة أو بالنقص؟
إننا حتى الآن قد أرسينا بين المشرع والإنسان العامل نوعًا من التعاقد، يقدم كل منهما بموجبه جزءًا من تحديد الواجب الحسي، واشتراك الفرد في السلطة التشريعية يتمثل إذن على أنه نوع من التعاون، أساسه تقسيم العمل،
стр. 151
وهو تعاون يتكامل فيه الجانبان دون أن يتداخلا، وبحيث يبقى الشريكان مستقلين، أحدهما عن الآخر، فلا يلتقيان إلا في منتصف الطريق.
وهناك في الواقع ما هو أكثر وأفضل، فحين نلتحم بالقانون المقدس يتمثله ضميرنا، ويحميه، ويجعله نفسه، حتى كأنما كان يسهم في خلق الحقائق الأزلية، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، إننا بتركيبنا لمختلف القواعد المقررة، وضبطها على موقفنا -لا نفعل ذلك في غيبة المولى، بل تحت سلطانه، ورعايته، ورقابته. فنحن نستلهمه دائمًا، كما لو كان يواصل في أعماقنا دوره كمشرع، حتى في أدق التفاصيل. وبذلك نستطيع القول بأنه ليس بين العامل وواضع الشرع "مشاركة" فقط، بل اتحاد، أو قل: هو "اندماج" بين إرادتين.
فأية فلسفة من الفسلفات الأرضية، استطاعت أن تحدث هذه المصالحة الوثيقة بين مطالب متعارضة على وجه الإطلاق؟
إنه لن يفي بهذه المهمة -في رأينا- سوى الأخلاق الدينية، وهو ما نهضت به بحق الأخلاق القرآنية، على وجه الكمال.
стр. 152
الفصل الثاني: المسئولية
مدخل
...
الفصل الثاني: المسئولية
يرتبط بفكرة الإلزام، ناتجان يستلزم أحدهما الآخر بدوره، ويؤيده، ويدعمه، هما: فكرة المسئولية، وفكرة الجزاء. والواقع أن هذه الأفكار الثلاثة يأخذ بعضها بحجز بعض، ولا تقبل الانفصام، فإذا ما وجدت الأولى تتابعت الأخريان على إثرها؛ وإذا اختفت، ذهبتا على الفور في أعقابها.
فالإلزام بلا مسئولية يعني القول بوجود إلزام بلا فرد ملزم، وليس بأقل استحالة من ذلك أن نفترض كائنًا ملزمًا ومسئولًا، بدون أن تجد هذه الصفات ترجمتها وتحققها في "جزاء" مناسب، فإن معنى ذلك تعرية الكلمات من معانيها.
والمسئولية المتولدة عن الإلزام، هي نفسها نوع خاص من الإلزام. وإذا عمدنا إلى الجانب الاشتقاقي وجدنا أن عبارة "كونه مسئولًا etre responsable" تعني: "كون الفرد مكلفًا بأن يقوم ببعض الأشياء، وبأن يقدم عنها حسابًا إلى زيد من الناس".
ولا ريب أننا نتكلم عن المسئولية بالمعنى الحقيقي، الذي قد يتفاوت في قوته، وقد يحدث أن يستخدم هذا الاصطلاح بتوسيع دلالته أو إضعافها.
стр. 153
ليدل على مجرد تبني العمل. ولو لم يوجد إلزام، ولا إمكانية سؤال أو إجابة فمنذ كان الخالق وحده في هذا العالم، "إلهًا متفردًا"، يتصرف فيه متحكمًا، فإنه بهذا الاعتبار هو الصانع المسئول عن أعماله، بأكمل معاني الكلمة، .
فلنقتصر إذن على مفهوم المسئولية الإنسانية، التي إن لم تفترض سلفًا فكرة إلزام صارم، فعلى الأقل: الفكرة المعادلة لمثل أعلى، اصطلح عليه مقدمًا، بحيث يرى الإنسان أنه مسئول عنه أمام نفسه.
وفي الدراسة التالية، سوف نبحث أولًا الصفات العامة التي تنبع من تحليل هذه الفكرة، ثم شروطها من الوجهة المزدوجة: الأخلاقية، والدينية، وأخيرًا جانبها الاجتماعي.
стр. 154
١- تحليل الفكرة العامة للمسئولية:
ينتج عن التحديد الاشتقاقي الذي رأيناه -أن هذه الفكرة تشتمل على علاقة مزدوجة من ناحية الفرد المسئول: علاقته بأعماله، وعلاقته بمن يحكمون على هذه الأعمال.
فأما من ناحية العمل، فإن مصطلح "المسئولية"، بعكس ما كان يعتقد، لا يدل ابتداء على علاقة واقع، بل على علاقة حق يقره، ويجب أن يسبقه في أحكامنا الخاصة. والمسئولية قبل كل شيء استعداد فطري، إنها هذه المقدرة على أن يلزم المرء نفسه أولًا، والقدرة على أن يفي بعد ذلك بالتزامه بوساطة جهوده الخاصة. فإذا أخذت المسئولية بهذا المعنى الرحب، والأَوْلى -فلن تكون سوى سمة من السمات المميزة التي يأخذها الإنسان من جوهره ذاته.
ولو أننا تتبعنا الأشياء في مجراها العادي "بما في ذلك الإنسان الفيزيقي
стр. 155
والنفسي" لوجدناها في الواقع تؤدي دورها الذي عينه لها قانون الطبيعة، بطريقة قدرية، وعلى نسق واحد. فليس هنالك أدنى تدخل ممكن لمبادرتها الخاصة، لا من أجل صيانة النظام الثابت، ولا من أجل تغييره، أو تعديله في أي صورة ما كان، وإذن فلا مسئولية مطلقًا.
أما في النظام الأخلاقي فالأمر بالعكس، حيث يواجه الفاعل إمكانات متعددة، يستطيع أن يختار من بينها واحدة، توافق هواه، سواء احترم القاعدة، أو اخترمها.
"فالإمكان" و"الضرورة" هما الصفتان اللتان تكونان مجالي المسئولية وعدم المسئولية، كل على حدة، والجانب الأول هو الذي رصد له الإنسان استعداده.
هذا التباين الذي يضع الكائن العاقل ضد الكائنات غير المزودة بالعقل، من حيث مقدرتها الأخلاقية -يبدو لنا أن القرآن قد أبرزه في هذه الجملة الإلهية القصيرة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهولًا﴾ ١ "لأنه قد انتهكها"٢.
стр. 156
بيد أن هذا ليس سوى وجه كامن، يعبر عن استعداد بعيد الأصول، لتحمل المسئولية بالفعل، فهذه لن تبدأ إلا عندما تتحقق بعض الشروط: "كالسن، والصحة مثلًا"، كيما تخلع مغزاها الأخلاقي على تعهداتنا والتزاماتنا. كذلك لا يكفي أن تجتمع هذه الشروط العامة لنصبح فعلًا مسئولين، بل يجب أيضًا أن تنضاف إليها ظروف مادية، تدعونا إلى أن ندخل نشاطنا في نسيج الأحداث.
والحق أن هذه الظروف لا تتخلف أبدًا، فلكل منّا بالضرورة بعض العلاقات، وهو يشغل مكانًا معينًا، ويمارس بعض الوظائف في جهاز المجتمع؛ فالأب مسئول عن رفاهية أولاده المادية والأخلاقية، والمربي مسئول عن الثقافة الأخلاقية والعقلية للشباب، والعامل عن تنفيذ عمله وكماله، والقاضي عن توزيع العدالة، والشرطي عن الأمن العام، والجندي عن حفظ الوطن. كذلك نحن -فرادى- مسئولون عن طهارة قلوبنا، واستقامة أفكارنا، كما أننا مسئولون عن حماية صحتنا وحياتنا. حتى إننا نستطيع أن نجد في كل لحظة من لحظات الحياة الإنسانية بعض المسئوليات، وهي ليست افتراضية فحسب، بل حاضرة وواقعية، متى ما تحققت لها الشروط العامة. ثم إن اختلاف المواقف لا يتدخل إلا من أجل تخصيص وتحديد موضوع هذه المسئولية.
على أننا لا ينبغي أن نخلط هنا معنيين متميزين تمامًا للمسئولية، فعلى قدر ما تكف الاعتبارات الخاصة عن التدخل "وهي من نوع ما سنراه بعد" نبقى في مرحلة المسئولية الطبيعية، التي هي مجرد طلب لموقف، وكونك مسئولًا لا يعني هنا سوى كونك جديرًا بأن تكون هذا المسئول فحسب. فالإنسان مسئول طبيعيًّا من قبل أن يجعل نفسه مسئولًا، ومن قبل أن يعتبر مسئولًا أخلاقيًّا.
стр. 157
والآن، إذا كان حقًّا أن مسئوليتنا لصيقة بنا دائمًا، بوجه أو بآخر، فإن ذلك لا يترتب عليه أن نكون دائمًا على وفاق معها، وحتى بعد أن نحمل التزاماتنا صراحة فإن لدينا الخيار أن نبقى مخلصين لها، أو نخل بحقها، تبعًا لما إذا كنا سوف نوجه جهدنا في نفس الاتجاه، أو ندع أنفسنا لتأثير عوامل مضادة.
ومن هنا كانت مرحلة جديدة من المسئولية، فبمجرد أن نتخذ قرارنا لمصلحة جانب أو آخر لم تعد المسئولية التي نتحملها بهذا العمل موجهة نحو المستقبل، بل هي مرتدة نحو الماضي، فنحن منذئذ مسئولون، لا باعتبارنا قادرين على العمل، بل باعتبارنا فاعلي فعل تام، أي: إن المسئولية تصبح تحملًا لناتج الفعل.
وهكذا نصل إلى حدود العنصر الثاني للفكرة. فعندما ينهي المرء مهمته لا بد أن يقدم تقاريره. إن اللحظة الأولى من لحظات المسئولية تلهمنا الإحساس بقوتنا، فهذه "قدرة" و"استطاعة" أما في اللحظة الثانية فإننا نتخذ -على العكس- موقف خفض الجناح والخضوع، فهذا "واجب".
وإنا لنقرر أن كون المرء مسئولًا يدعوه إلى أن يقدم حسابًا ببعض الأشياء إلى بعض الناس، فلمن يقدم؟ ... وماذا يقدم؟
وما دمنا قد اتفقنا على أن المسئولية تفترض الإلزام سلفًا، فإن ذلك ينتج عنه، من ناحية، أن الحساب يجب أن يكون موضوعه الطريقة التي تم بها أداء عملي إلزامي، أو إهماله, ومن ناحية أخرى: أن القاضي الذي سوف يمثل المرء أمامه ليس سوى السلطة التي يصدر عنها التكليف. وعليه، فنحن نعرف من هذه السلطة ثلاثة أنواع: فمن الممكن أن يخضع المرء لتكليف يلزم به نفسه، أو يتلقاه عن أناس آخرين، أو عن سلطة أعلى فعلًا. وفي الحالة
стр. 158
الأولى تأتينا المسئولية من داخلنا، فالمرء يجعل من نفسه مسئولًا عن عمل لم يكلفه به أحد. أما في الحالتين الأخريين فنحن نتلقى المسئولية من خارجنا.
ولكن سواء أكان المرء مسئولًا أمام نفسه، أم أمام الإنسان، أم أمام الله سبحانه فإن حكم المسئولية يصدر دائمًا بوساطة نفس السلطة التي أصدرت الأمر أولًا.
ومن هنا نجد ثلاثة أنواع من المسئولية: المسئولية الدينية، والمسئولية الاجتماعية، والمسئولية الأخلاقية المحضة.
وإن القرآن ليذكر هذه الثلاثة مجتمعة في هذا النظام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
ونستطيع أن نقول، بمعنى معين: إن كل مسئولية هي مسئولية أخلاقية، متى ارتضيناها؛ فالمسئولية التي يحملنا إياها غيرنا تصبح بمجرد قبولنا لها مطلبًا صادرًا عن شخصنا. وإذن فليس من المستغرب أن نرى القرآن يقدم لنا المسئولية الدينية ذاتها في صورة مسئولية أخلاقية محضة، حين يقول بمناسبة بعض التعاليم المتعلقة بالصوم المفروض، وقد تحايل بعض الناس على التخلص منه سرًّا: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢. وفي كثير من الأحيان لا يكتفي الكتاب، حين يستحث المؤمنين إلى الطاعة، بأن يذكرهم بالأمر الإلهي، بل يذكرهم، في الوقت نفسه، بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم بأن يطيعوا هذا الأمر: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ ٣، ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ٤.
فعلى حين نستطيع أن نتصور بالنسبة إلى غير المؤمن مسئولية تفرض عليه
стр. 159
من خارج ذاته دون أن تكون لديه مسئولية أخرى صادرة عن ضميره الخاص، نجد المؤمن -على العكس- لا يمكن أن توجد إحدى المسئوليتين لديه دون الأخرى؛ لأن العمل الأول للإيمان يستلزم معرفة الله، الجدير بالطاعة والذي هو في الوقت نفسه محبوب ومعبود.
ولكن في اتجاه آخر, يمكن القول بأنه في سبيل تحقيق أخلاق كأخلاق القرآن يجب أن تنتهي كل مسئولية إلى نوع من المسئولية الدينية أو على الأقل تتبعها. هذه الأخلاق ترى في الواقع، أنه لا الالتزامات الفردية، ولا المؤسسات الاجتماعية، بقادرة على أن تكون مصادر للتكليف، والمسئولية، إلا بواسطة نوع من تفويض السلطة الإلهية. ولنأخذ أولًا المسئولية التي توجدها مبادرتنا الفردية، فلا ريب أن الإسلام يحلها مكانًا فسيحًا، ويدمجها في مجالات كثيرة بالمسئولية التي أقرتها قواعد الشرع المنزل. ومثال ذلك أن المحسن الذي يوقع بإمضائه طوعًا، وبمحض اختياره -لا يمكن شرعًا أن يسحب توقيعه, والشخص الثالث الذي يضمن دينًا على سبيل المروءة يصبح مدينًا بدوره, والتقي الذي يعزم على أداء نافلة, وهو يشهد الله على إقراره-يصبح منذئذ أمام تكليف ملزم, وفي كلمة واحدة، أيما امرئ يعطي كلمة لإنسان بعمل مشروع، حتى لو كان لقاء، يصبح بموجب كلمته مسئولًا مسئولية صارمة، وذلك هو قول الحق سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ ١. ويقول رسول الله, ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" ٢. وهو درس يجد أصله في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ ٣.
стр. 160
ومن البيّن في الأمثلة السابقة أن الإنسان هو الذي يجعل نفسه مسئولًا بتدخل إرادي، لو لم يكن لبقي حرًّا، أن يفعل أو لا يفعل، والمسئولية التي يتحملها حينئذ، أمام الله -كما رأينا- ليست بأقل من المسئولية التي تقع على كاهله، أن يقوم بالواجبات الجوهرية.
ومع ذلك، فمن المستحيل أن نقرر مبدأ "الإلزام الذاتي" هذا -دون قيد أو تحفظ، فلكي تكون وعودنا ورغباتنا صحيحة، قادرة على أن تحدد مسئوليتنا يجب على الأقل أن يكون موضوع تحقيقها نوعًا من الخير الذي سبق إقراره شرعًا. ولذلك يقول الرسول على سبيل الشرط فيما روته عائشة, ﵂: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" ١.
وكذلك الحال بالنسبة إلى مسئوليتنا عن تكاليفنا التي نتحملها تجاه الآخرين، مستقلة عن إرادتنا الفردية. ومثال ذلك أنه لا أحد ينازع حق الوالدين المقدس في احترام أولادهم وخضوعهم لهم، والله يقول: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ٢.
بيد أن هذا الحق -على ما جاء في القرآن- لا يخولهما سوى سلطة محدودة ومشروطة، ذلك أن هذه السلطة لا تتوقف فقط عندما يطلبان منّا أن نخون الإيمان، أو نرتكب ظلمًا أيًّا كان: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ ٣.
стр. 161
بل إن الوضع ينقلب عندما يرتكبان ظلمًا، وحينئذ يجب على الأولاد دعوتهما إلى الواجب، وبوسعهم أيضًا أن يوقفوهما أمام القضاء. ألا ما أعظم ما يشعر به المسلم نحو أبويه من احترام، وما أعمق ما يكنه لهما من حب، لا سيما١ إذا كانوا على دين واحد، ولكن حبه للحق، واحترامه للعدالة يجب أن يرجح عنده. وعلى حين يحرم قانون نابليون على الابن أن يشهد ضد أبيه وأمه في قضية مدنية أو جنائية٢، نجد أن القرآن يقول بعكس ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٣. وعلينا كذلك أن نطيع ولاة أمورنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٤، ولكن بشرط أن يكون ما يصدرون من الأمر مشروعًا، فإذا كانت هذه المشروعية موضع نزاع وجب أن نحتكم في خلافنا إلى كتاب الله، وسُنة رسوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٥, اللهم إلا إذا كان الأمر مخالفة واضحة للقاعدة، فإنه لا يستحق منّا إلا الرفض الصريح المجرد. يقول رسول الله ﷺ فيما رواه عبد الله بن مسعود, ﵁: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما
стр. 162
أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ١.
ومن الواجب علينا أخيرًا الوفاء بالعقود والالتزامات تجاه إخواننا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِْ﴾ ٢. ويقول الرسول: "المسلمون عند شروطهم" ٣، بيد أنه: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" ٤، "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا" ٥.
فمن حيث المبدأ، ليس يوجد، ولا يمكن أن يوجد، في الأخلاق الإسلامية، تصادم بين واجب المواطن الصالح، وواجب المسلم الصالح، فكلا الأمرين يتبع نفس القانون، الذي يأتي من مصدر تشريعي واحد، بيد أنه من المحتمل أن نواجه بعض المطالب الجامحة من الرؤساء، والتي قد تخلق هذا التصادم، ومع ذلك فالقاعدة جد بسيطة، لخصها رسول الله ﷺ في كلمة صارت مثلًا: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ٦.
стр. 163
ولنفترض الآن أن هذه الأوامر على تنوعها متوافقة، وأن الواجب الذي نفرضه نحن، أو تفرضه سلطة إنسانية، مطابق للقاعدة القرآنية -حينئذ سوف تتعلق حالتنا بالمجالات الثلاثة للمسئولية, أي: أننا سنكون مسئولين أخلاقيًّا، واجتماعيًّا، ودينيًّا، فهل معنى ذلك أن هذه الدرجات الثلاثة في الحكم تندمج معًا أو تتوافق تمامًا؟ كلا، فكل نوع من المسئولية سوف يحتفظ دائمًا بصفاته وشروطه الخاصة، ولن يكون تمايزها فقط من حيث إن المسئولية الأخلاقية تمارس على الفور، وبطريقة ثابتة، على حين أن المسئولية الاجتماعية لا تقوم بوظيفتها إلا خلال آجال تتفاوت طولًا وقصرًا، والمسئولية الدينية لا تظهر واضحة إلا يوم الدين، كذلك لن يكون هذا التمايز فقط من حيث إن الجزاء الأخلاقي يتم بخاصة داخلنا، والجزاء الاجتماعي يلمس مباشرة أجسامنا، وأموالنا، وحقوقنا المدنية، وهو لا يؤثر في شخصنا إلا بواسطة هذه الأحداث الخارجية، على حين أن الجزاء الإلهي يلمس النفس، والجسم معًا، بعقوبة رهيبة أو بجزاء حسن في حياة خالدة. ليس هذا كله فحسب، ولكن ما هو أكثر من ذلك أن الشروط التي تستقر فيها -من ناحية- مسئوليتنا الأخلاقية والدينية، ومن ناحية أخرى مسئوليتنا الاجتماعية، ليس لها نفس الامتداد في التشريع الإسلامي.
ونبدأ ببحث شروط المسئولية الأخلاقية والدينية التي استفاضت بها نصوص القرآن، بيد أننا ينبغي أن نؤكد أولًا على طابع الشمول في مبدأ المسئولية، الذي بسطه الكتاب على جميع المخلوقات العاقلة، دون تفرقة بين عقل إنساني، وعقل فوق - إنساني، بل دون أدنى تفرقة بين عامة الناس، والصالحين منهم، ولنستمع إلى قول الله ﵎: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ١، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ
стр. 164
الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١، ولا ريب أن المقصود في هذه النصوص هو المسئولية أمام الله، في يوم الفصل الأخير.
ولكن لننظر في الآيات الآتية المكان الذي خص به القرآن المسئولية الأخلاقية، وكيف أنه حتى في هذه اللحظة الحاسمة، يقدم محكمة الضمير، كيما يعد الحكم الأعلى، ويسوغه، يقول الله سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٢، ويقول: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ ٣, ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت﴾ ٤. هذه الشمولية من ناحية الفرد تتضاعف من ناحية أخرى، ناحية الموضوع، ففي تلك اللحظة، سوف تحضر جميع الأعمال التي حدثت، في الحياة الدنيا، في أذهان أصحابها: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا، وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٥.
بل إن الحساب لن يطلب عن جميع الأعمال الظاهرة والخفية، فحسب، ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٦، وإنما سوف يقدم حساب عن مجموع استخدامنا لملكاتنا وقدراتنا، وكل مال طبيعي، موروث أو مكتسب: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
стр. 165
أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ١. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ٢، والنبي ﷺ يعطينا فكرة عن هذه المسألة فيقول: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتي يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن عمله فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ " ٣.
ولو أردنا أن نصوغ قولة تلخص هذه الصفة الشمولية في جانبيها، فلن نجد خيرًا من تلك الكلمة المعروفة التي شبه فيها رسول الله ﷺ كل فرد من بعض وجوهه بالحارس، أو المدير المسئول عن خير العاملين معه: "كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته" ٤ فكل فرد في مجاله مسئول عن حسن سير الأمور، العامة والخاصة، التي وكّلت إليه.
بيد أنه إذا كانت المسئولية الأخلاقية شاملة، فهي مع ذلك، ليست خالية من الشروط، فما تكون إذن شروطها؟ يقدم القرآن هذه الشروط بتفاصيلها، وهي التي سوف نخصص لها الفقرة التالية:
стр. 166
شروط المسئولية الأخلاقية والدينية
الطابع الشخصي للمسئولية
...
٢- شروط المسئولية الأخلاقية والدينية:
أ- الطابع الشخصي للمسئولية:
أول ما يجب ذكره هو أن المسئولية الأخلاقية والدينية شخصية محضة,
ولسوف يكون من باب الإطالة أن نذكر جميع النصوص القرآنية التي تقر
стр. 167
هذا المبدأ الأساسي، ولذا نجتزئ بعضها، وهي التي تنص على هذه الحقيقة في ألفاظ تامة الوضوح، قوله تعالى في آيات: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ ١, ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ٢, ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣, ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ ٤، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ ٥، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ٦، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٧.
وينتج من هذا كله، بوضوح، أن الثواب والعقاب لا يمكن أن يتأتى فيهما أي تحويل، أو امتداد، أو اشتراك، أو التباس، حتى بين الآباء والأبناء, وإذا كان آباؤنا وأجدادنا مسئولين مثلًا عن الأمثلة التي لقنوها لنا، والعادات التي أخذناها عنهم. وإذا كنا مسئولين عن الطريقة التي استعملنا بها هذه التركة، فلا يجب مطلقًا أن نتحمل معهم وزر ما عملوا: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٨.
وهكذا محيت بجرة قلم صعوبة الخطيئة الأصلية. فالقرآن لم يرفض فقط أن تنسحب خطيئة الإنسان الأول على كل الناس، ولكن هذه الخطيئة -في القرآن- لا ترتدي هذه الصفة الدنيوية، التي تخصها بها الديانة المسيحية. فإن آدم لم ينقد للخطيئة لخبث في طبيعته، أو سوء في إرادته وليس يكفي أيضًا أن يقال: إنه انقاد لإغراء قوي، بل يجب أن نضيف -تبعًا
стр. 168
للقرآن- أن هذا الإغراء لم يكن في جوهره ذا طابع مادي، فإن جدّنا الأول قد خدعته كلمات عدو أقسم له تأكيدًا لكلامه. وزعم أنه ينصحه، فاعتقد بسذاجته أن حين يأكل الفاكهة المحرمة فربما يصبح نقيًّا كنقاء الملائكة، خالدًا كخلود الإله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ١، ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ ٢، ويا لها من غلطة نبيلة!! فمن ذا يطيق ألا يبالي بمثل هذا إذا كان ملتزمًا بأوامر الضمير؟ ولكنه الوهم الكاذب الذي زينه لعينيه ذلك الناصح المنافق. وعلى الرغم من أنه كان منذ البداية محصنًا ضد المكائد المحتملة من عدوه، فقد نسي الإنسان الأول، وجاءت اللحظة التي لم يجد لنفسه فيها إرادة صامدة: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ٣.
ومع ذلك فهذا النسيان لا يعتبر بالنسبة إليه عذرًا مقبولًا، كما أن النية الطيبة لا تشفع له كذلك؛ لأن النسيان لم يكن للأمر في ذاته، بل للهدف منه، وأيًّا ما كانت الدوافع النبيلة وراء المخالفة، فإنها لا يمكن أن تعرينا من التزام مطلق واضح المعالم والحدود. وفي هذا النوع من الأمر الحتمي تظهر بوضوح متانة الصرامة "الكانتية" التي لا تسمح بأي استثناء يرد على القاعدة الأخلاقية.
فخطيئة آدم كانت إذن أثرًا من آثار ضعف عارض، وجهد قاصر في مراعاة الواجب. ومن هنا لم تفسد فطرة الإنسان الأول، بحيث تستلزم تدخل "مخلص" غيره نفسه، إذ كان يكفيه أن يعترف بخطيئته، ويظهر ندمه، لا ليغسل دنسه، وتعود إليه سريرته النقية، كما كانت فحسب، ولكن
стр. 169
ليربي هذا التائب الجديد، ويرفع إلى درجة المصطفين الأخيار، ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ١.
والفطرة الإنسانية ليست على خلاف ذلك، بصفة عامة، حتى إن القرآن يصفها فيقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ٢.
وإن القرآن ليصور لنا أخذ البريء بالمذنب، لا على أنه مضاد للشريعة فحسب، بل هو كذلك غير متوافق مع الفكرة الأساسية للعدالة الإنسانية: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ ٣. ومع ذلك فإن في الكتاب حالتين يبدو أنهما قد خرجتا على مبدأ المسئولية الفردية، فقد قيل -من جانب- عن بعض المذنبين: إنهم ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِم﴾ ٤.
وقيل من جانب آخر: إن ذريات المؤمنين سوف يعاملون كما يعامل أجدادهم، بشرط أن يكونوا مؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء﴾ ٥. وإذن فلن يكون الثواب والعقاب تبعًا للجهد الفردي فحسب، بل قد ينشأ كذلك من عمل الآخرين. ولا شك أن هذين المثالين جديران في نظرنا بالدراسة، حتى نرى إلى أي مدى يمكن أن يضعفا أو يدعما المبدأ العام.
стр. 170
وأول ما نبدأ به أن نزيح فكرة معينة، هي أنه ليست المسألة هنا مسألة تحويل كلي يحرم به الفرد الرئيسي في المسئولية من ثمرة جهوده، أو يبرأ من نتائج عمله السيئ، هيهات أن يحدث هذا.
والنصوص التي عالجت هاتين الحالتين لم تكف عن تأكيد هذا الواقع.
إن ثواب صاحب العمل وعقابه لا يمكن أن ينقص بهذا: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢. فالمسئوليات الفردية تبقى إذن كاملة، وتلك نقطة مفروغ منها. وكل ما في الأمر أن تذييلًا للثواب والعقاب يأتي -فيما يبدو- من خارج فضلًا عما ينتج من العمل الفردي.
ولكن برغم تحديد المسألة على هذا النحو، فلا يزال هناك نوع من التعارض، مع النصوص الكثيرة التي تنكر -فيما رأينا- إنكارًا مطلقًا، أن ينسب للإنسان ما ليس من عمله.
فما وجه الحقيقة في هذه المسألة؟
وقبل ذلك، ما هذا الثقل الإضافي الذي ينضاف إلى حساب الظالمين؟
ولئن كان النص المذكور آنفًا لم يذكر الظروف التي تتم فيها هذه الإضافة، فإن نصًّا آخر يخصصه ببعض المتكبرين الذين أداروا ظهورهم للهدي الإلهي، وسعوا في إضلال الآخرين. وهؤلاء الأشخاص -فيما يحدث القرآن- سوف يتحملون المسئولية الكاملة عن أعمالهم الخاصة، ويشاركون في مسئولية هؤلاء الذين أضلوهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ
стр. 171
أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ ١. فما معنى هذا، إن لم يكن أنهم مسئولون عن الجرائم التي دعوا إليها، مسئوليتهم عما ارتكبوا؟
ونكرر كذلك أن ضحاياهم لن يعفوا مطلقًا من خطيئتهم، التي هي استسلامهم للضلال. وقد أنذرنا القرآن في مواضع كثيرة بأن عبء الأتباع لن يصير أقل ثقلًا، وهو يعبر عن هذه الحقيقة في شكل مناقشة تنشب يوم القيامة بين طائفتي المذنبين، وهي مناقشة يبقى مبدؤها وحلها دائمًا ثابتًا لا يتغير: فالضعفاء الذين يريدون أن يتبرءوا من خطاياهم يلقونها على هؤلاء الذين أوقعوهم في الضلال، على حين أن هؤلاء يبتعدون عنها ويتنصلون منها، وتنتهي المناقشة دائمًا بإدانة الطرفين٢. ولكن بما أن الرعاة -فضلًا عن مسلكهم الشخصي- قد أسهموا بقدر معين في معصية القطيع، فإنهم يجدون أنفسهم ذوي مسئولية إضافية، ناشئة عن علاقة السببية التي يتحملونها بالنسبة إلى جرائم أخرى غير جرائمهم. فهم مسئولون من وجهين؛ لأنهم كذلك مذنبون من وجهين، والمجرم الذي يقترف كثيرًا من الفواحش لا يمكن بداهة أن يعامل بنفس الطريقة التي يعامل بها من لم يرتكب سوى واحدة، والله يقول: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَْ﴾ ٣.
وفي مقابل ذلك، كلما عدمت علاقة السببية أو التوسط بين مسئولين كثيرين وجدنا المسئولية تنكمش، وتتفرد، بالمعنى الدقيق للكلمة، وهو قوله
стр. 172
تعالى: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ ١، وقوله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٣.
وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك أثر من التعارض، حتى ولا الاستثناء، الذي يرد على القاعدة العامة. ولسوف تقدم لنا دراسة هذه الحالة الأولى -بالعكس- بعض التحديد للطريقة التي يتصور بها الإسلام المسئولية الفردية. إنها فكرة واسعة جدًّا، أكثر اتساعًا من جميع النصوص التي تثيرها, فالإنسان ليس مسئولًا فقط عن الأعمال التي يدعو إليها في صورة تدخل إيجابي ومباشر لدى الآخرين، حين يصدر إليهم أوامر، أو نصائح، أو إيحاءات، وليست المسئولية فقط هي مسئولية القدوة التي تأتي من أعلى لتنتشر بين الجماهير، بفضل مهابة صاحبها وحدها، بل إن كل مبادرة، حسنة أو سيئة، من أية جهة كانت، سيكون لها أهمية لا تتوقف حدودها عند واقعها، أو نتائجها المباشرة، ما دامت صالحة لأن يقتدي بها الآخرون.
ولقد أعلن رسول الله ﷺ أن مسئولية صاحب العمل المبتدع سوف تتضاعف بقدر ما يحتذي الناس مثاله خلال القرون المقبلة، إلى يوم القيامة، قال: "من سن في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَن في الإسلام سُنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ٤.
стр. 173
وكذلك قال فيما رواه عبد الله بن مسعود: "ليس من نفس تقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها" ١. وذكر رسول الله ﷺ قوله تعالى مؤكدًا هذا المعنى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٢.
بل إن الأمر ليذهب إلى أبعد من هذا!! فلن نسأل عما قدمت أيدينا فحسب، بل سوف نسأل أيضًا بصورة ما عن تصرفات الآخرين، فنحن مسئولون عن انحراف مسلك أقراننا، حين نتركهم يسيئون دون أن نتدخل بجميع الوسائل المشروعة التي نطبقها, لنمنعهم من الإساءة. وشبيه بهذا أن العمل الاجتماعي السلبي، أو عدم المبالاة -تجرم بنفس درجة العمل الإيجابي فالامتناع هو المشاركة السلبية في الجريمة. وإن القرآن ليحدثنا أن شعبًا قديمًا قد تعرض للعنة على ألسنة الأنبياء، وكان كل ذنبه -حتى يستحق هذه اللعنة- أن المجتمع لم ينكر على بعض أعضائه فعلهم للشر. فقال ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ٣.
وبهذا نرى أن المسئولية الفردية، على هذه الدرجة من الامتداد، تتاخم، بل وتكاد تندمج في المسئولية الجماعية، ولكنها ليست هي على وجه التحديد؛ لأن الجماعة هنا ليست سوى جملة من الضمائر الفردية المعنية، تعلم
стр. 174
القاعدة الأخلاقية، وتدرك في الوقت نفسه الأعمال التي انتهكت بها هذه القاعدة، فهي تترك المذنبين من أعضائها مطمئنين، أي: إنها لا تبالي حتى بأن تتخذ حيالهم موقف اللوم الصريح. وبعكس ذلك هؤلاء الذين يقومون بأقل جهد، سواء بتذكير المذنب بواجبه، أو بمقاطعته، فأولئك سوف ينجون: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ ٢.
وليس هذا هو كل شيء، فليست الأعمال الواعية التي نثيرها في المجتمع بسلوكنا فحسب، ولكن نتائجها الطبيعية البعيدة سوف تدخل فيها، وتضخم معناها. إن السعادة أو الشقاء الذين يمكن أن يصيبا الإنسانية من عمل يتم عن غير قصد، بل وقد لا يراه صاحبه مفصلًا، ولا يقدره قدره -سوف يضمان إلى الرصيد الإيجابي أو السلبي لصاحبهما، حتى لو لم يحدثا إلا بعد موته، والرسول ﷺ يقول: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ٣.
وهنا نصل إلى الحالة الثانية، التي تظل عصية على كل هذه التفسيرات، ذلك أننا قد نفهم -إذا لزم الأمر- أن أولادنا، لما كانوا أعمالنا، فإن نشاطهم يستمر ويكمل نشاطنا، ومن ثم كانوا مضافين إلى حسابنا، ولكن كيف نسوغ القضية العكسية؟ لسوف يكون خطأ زمنيًّا أن ننسب هنا علاقة سببية تشركهم في أعمال تمت قبل ميلادهم، وهي تشرع مساواتهم مع أسلافهم أمام العدالة العلوية. ومع ذلك فلسنا ندري كيف نوفق بين النص الذي يبدو أنه يعلن هذه المساواة، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ
стр. 175
مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١، وبين النصوص الأخرى، وبخاصة قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ ٣، وهي تقرر العكس تمامًا. واقرأ الحديث المشهور عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ٤.
لقد قال المفسرون، كيما يتخلصوا من هذا التعارض، إن آية الطور الأولى لا تتعلق مطلقًا بمجازاة، ولكنه محض فضل يسبغه الله عليهم، غير الجزاء المستحق لهم، وعليهم فهم يضيفون أن فضلًا من هذا القبيل لا يصح أن يخضع لقاعدة. وكل ما تريده الأخلاق هو ألا يحرم شخص من حقوقه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٥, ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ٦، فإذا ما قدمت العدالة المطلقة لكل إنسان حقه فلا شيء يحول دون أن ينعم الله على من يشاء بأكثر مما يستحق.
ولقد نستطيع أن نعترض أولًا بأن مجرد رفع المقصر إلى درجة يستحقها المتقدم ربما يخلق لدى هذا الأخير نوعًا من المساس بكرامته، إن صح التعبير، قد يتحرك في نفسه غضب مشروع، حين يرى نفسه متساويًا مع آخر أدنى منه أخلاقيًّا.
стр. 176
والحق أن الاعتراض من هذا الجانب العاطفي ليس دقيقًا؛ لأنه ليس عسيرًا أن نجيب عليه بأن مسألة المنافسة لا موضع لها في جنة الله. وقلوب السعداء منزوع منها كل حقد، أو تحاسد فيما بينها: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ ١، وبأنه، حتى في هذه الحياة، يجب استبعاد كل أثرة بين السلف والخلف، وبخاصة من ناحية الأولين؛ فإن الآباء يشهدون دائمًا أنهم لا يجدون سوى الرضا الكامل، حين يرون أولادهم يتمتعون بمثل ما ذاقوا من سعادة، إن لم يكن بأكثر منه.
ولكن، لنفترض أن العالم كله قد حصل على هذا الرضا، أفترضى العدالة في ذاتها بهذا؟ ولماذا الإحسان إلى بعض الناس، وعدم الإحسان إلى الآخرين بنفس القدر؟ ألم يكن للكرم أيضًا حق في عدم المحاباة؟
لقد كان هدف جميع محاولات المفسرين أن يسوغوا الحكم الإلهي الذي يسوي "في الواقع" بين طرفين غير متساويين "في الحق" بحسب طبيعتهما الخاصة، وبدا لنا أكثر مشروعية -قبل أن نحاول تقديم تسويغ- أن نسأل أنفسنا أولًا عما إذا كانت مساواة من هذا القبيل مستفادة من النص المذكور.
إننا حين نرجع إلى النص العربي نلاحظ أن كلمة "ألحق" يمكن أن تفسر بمعنى "شبه" أو بمعنى "أتبع وضم"، فإذا لم يكن في السياق شيء يحتم أحد هذين المعنيين، فإن هناك مع ذلك عدة اعتبارات لغوية وأخرى ذات طابع عقلي، تدفعنا إلى أن نختار المعنى الأخير.
ومن المقرر، كقاعدة عامة، فيما يتعلق بتفسير الألفاظ الملتبسة، أنه يجب أن نحملها بقدر الإمكان على المعنى الحقيقي، وهو أقل التباسًا. فإذا كان حقًّا أن أحد المعنيين مادي محسوس، والآخر مجرد، ذو طابع أخلاقي، وهو لا يكون غالبًا إلا بوساطة القياس، فإن المعنى الأولي بأن نأخذ به.
стр. 177
في حالتنا سوف يكون هو "الضم"، وهو في الوقت نفسه، أكثر تأكدًا بما أن التفسيرين يتفقان في مضمونه، على حين أن معنى التشبيه لا يحتمل سوى شيء واحد.
بيد أن لدينا من وراء هذه الاعتبارات العامة -نصوصًا تعالج حالات شبيهة، ولم يحدث أن تعرضت لذكر المعاملة على قدم المساواة، وإنما ذكرت مجرد الاشتراك المعبر عنه بلفظة "مع"، وقد ورد هذا في القرآن: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ١، كما ورد في كثير من حديث رسول الله ﷺ الذي يقرر أن المتحابين في الله سوف يجتمعان في الجنة: "أنت مع من أحببت" و "المرء مع من أحب" ٢. فنحن نرى إذن أن المثال الذي نتناوله بالبحث ليس سوى حالة خاصة لهذا المفهوم العام، الذي هو الحب في الله، فهؤلاء الأولاد الذين لا يكتفون ببنوتهم الطبيعية، حتى يضيفوا إليها بنوة روحية، لماذا لا يستطيعون أن يعملوا على تحقيق مثلهم الأعلى باجتماعهم في الله، كيما يحرزوا حق الاجتماع في نفس المنزلة مع من اتخذوهم قدوة، حين اتبعوهم في الواقع بصورة تتفاوت في درجة كمالها؟ أليس فصلهم عنهم إنكارًا لقيمة هذا الحب؟ وعليه، فإن هذا الاتحاد في جنة الله لا ينفي مطلقًا التدرج في الجزاء. ولا يستتبع بالضرورة اختلاطًا في القيم؛ فنحن ندرك جيدًا أن أعضاء جمعية واحدة متدرجون في مناصبهم، مختلفون في وظائفهم، متفاوتون في استحقاقهم، شأن القطار الذي يقل مجموعة مختلفة من طوائف المسافرين.
فإذا فسرنا الآية على هذا النحو، وقابلناها كما ينبغي بمجموع النصوص الأخرى، فإنها لا تحتوي أدنى تضارب مع المبدأ العام، مبدأ المسئولية التي تظل فردية، على وجه الخصوص.
стр. 178
وهنالك اعتراض أخير، قد يثار ضد هذا المبدأ، وهو ما يمكن أن يستقى من فكرة "الشفاعة" بمعنى "التوسط عند الله يوم القيامة، سواء من ناحية الملائكة، أو الأنبياء، من أجل الصالحين، أو من ناحية المؤمنين من أجل إخوانهم". وهي فكرة نجد أصلها في كثير من الأحاديث التي عرفت بأنها صحيحة.
فما دور هذا التدخل، وما أهميته؟ إذا حكمنا عليه قياسًا على ما يحدث أمامنا في هذه الدنيا فسوف نقول بأن مصير المشفوع له يمكن أن يتعرض لتغيير جذري أو لتعديل، تحت إلحاح الشفيع، أو ضغطه. وأن هذا المصير سوف يكون شيئًا آخر غير ما يستحق، وغير ما كان قد قدر بدون هذا التدخل. وإذن فهو فضل غير مستحق، أو جزاء يأتي من خارج. وفكرة الشفاعة بهذه الصورة تتضمن أخطاء فادحة، إنها من صميم الوثنية العربية التي كانت مهمة الإسلام الأولى أن يجاهدها، والتي وقف القرآن ضدها من أوله إلى آخره. واقرأ معي هذه الآيات الكريمة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١، ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٢، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ٣، ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ٤، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٥، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ ٦، ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٧، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ٨، ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٩، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ١٠، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ ١١. ومجموع هذه النصوص يستخلص منه
стр. 179
تعريف يحدد مفهوم الشفاعة، الذي يختلف كثيرًا عن المفهوم الذي ذكرنا آنفًا. فللشفاعة في هذه النصوص ثلاثة شروط:
١- أن الشفيع لا يقترح التدخل، ولا يسمح لنفسه بأن يتدخل من تلقاء نفسه، وإنما الله هو الذي بيده الأمر، فهو الذي يأذن له بالكلام.
٢- أن الشفيع لا يتدخل إلا من أجل من يرتضي الله سبحانه قبوله.
٣- أن الشفيع لا يتصرف على أساس جاهه عند الحاكم الأعلى، بل إنه يدافع عن المشفوع له متوسلًا ببعض فضائله، وهو توسل ينبغي أن يطابق الواقع، فها نحن أولاء نرى أن دور الشفيع لا يعدو أن يكون دور شاهد نفي، أو مِدْرَه موثوق به، مهمته إكمال جهاز العدالة المعقد، وعمل الشفيع في هذه المهمة الجليلة أن يعلن الصفات والحسنات الصالحة التي تعوض سيئات المؤمنين، وأن يبرر العفو عنهم، أو استحقاقهم للمثوبة.
وهكذا نرى أن الشفاعة بهذا المعنى، تسبغ شرفًا مزدوجًا على المدافع والمدافع عنه. ولكن هيهات أن تكون القضية دائمًا رابحة؛ ذلك أن أحاديث الشفاعة نفسها تذكر لنا حالات أخطأ فيها الشفيع في صحة الوقائع المروية، وحينئذ ينسحب الدفاع، ويتنازل عن مسعاه بمجرد علمه بالحقيقة.
وهذا هو ما قاله الرسول ﷺ عن نفسه من أنه في ذلك اليوم سوف يطلب تبرئة بعض الناس الذين يعرفهم كأصحابه؛ خلال حياته في الدنيا، فيقال له: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"، فيقول: "سحقًا سحقًا" ١.
وهكذا نجد أن الحكم يصدر دائمًا تبعًا لفضائل المحكوم عليه، لا على أساس التوسلات. ومهما بذلنا من جهود مضاعفة، ودعوات ورجوات من
стр. 180
أجل من نحبهم، أو نعطف عليهم، فلا يعدو ذلك أن يكون لفتة جميلة، وهو واجب علينا، ولكن ليس هذا هو الذي سينقذهم. فإذا ما بلغت جهودنا غايتها، واستجيبت دعواتنا، فذلك لأنهم يستحقون رضا الله، تبعًا لشرائعه، ولم تكن دعواتنا سوى فرصة تتجلى فيها الإرادة المقدسة، التي كانت حتى ذلك الحين محتجبة.
ولسنا نجد في أي مكان في القرآن الكريم ثوابًا مستعارًا، أو زينة مزيفة، أو عنوانًا على فراغ جواني، فليس ثوابًا إلا من كان ثمرة ناضجة لموقفنا المتعاطف تجاه شرع الله.
ومع ذلك فلا ننس أن هذا الموقف قائم على الكيف، أكثر منه على الكم، فالله يقول: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ ١، ولما كانت هذه القيمة الكيفية متعلقة بألف شرط، فإن العمل الجواني بخاصة هو الذي يصل إلى أعلى درجاتها، ولذلك قال الرسول: "التقوى ههنا"، وهو يشير بإصبعه إلى قلبه٢، ومن أجل هذا لا نملك القول مسبقًا بأن عملًا معينًا ستكون له هذه الميزة التي تجبُّ خطأ معينًا، إذ لما كنا لا نتصرف في نظام الموازين والمقاييس الذي سيزن الله سبحانه به القلوب، فنحن عاجزون عن أن نحكم على الناس بنفس الطريقة التي سوف يحكم الله بها عليهم، عجزنا عن أن نحكم على أنفسنا بأنفسنا، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٣.
بيد أن جهلنا بالتفاصيل لا يمتد إلى المبدأ الذي يجعل من السلوك الفردي الأساسي الوحيد للتقدير الأخلاقي وما يتبعه من أنواع الجزاء: فالله سبحانه يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٤.