← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثم يمضي المؤلف بعد ذلك يبحث، في مجتمعات مختلفة، الظروف التي تتولد عنها المسئولية العقابية من حيث الواقع -فيعرض أمامنا تطورًا تاريخيًّا ثانيًا لهذه الفكرة عن المسئولية التي تحولت من كونها فكرة موضوعية في البداية، إلى فكرة ذاتية أكثر فأكثر. ثم نجده يختم بحثه قائلًا -بعد أن صاغ عدة تحفظات فرضتها الأحداث الملحوظة-: عندما يحتفظ الجزاء بصفات القصاص، أي: عندما يكون قودًا منظمًا أو بصفات الدية "wergeld"١، أو بصفات كفارة دينية. في هذه الظروف كلها يكفي العمل المادي الخاطئ وحده في خلق مسئولية المتهم الذي يتحملها، حتى لو كان ناشئًا عن إهمال، أو كان ذا صبغة عرضية عن طريق الصدفة المحضة. ولا ريب أن مؤلفنا لكي ينتهي إلى هذه النتيجة العامة -كان عليه أن يدرس النظام العقابي خلال حقبة من التاريخ، وعلى جزء من سطح الأرض رحب الامتداد، يضم مجتمعات ذات تكوين متنوع إلى أقصى حد، ابتداء من القبائل الأسترالية، وقبائل شمالي إفريقية، حتى أوربا الحديثة، مارًّا بالصين، والهند البرهمية، وفارس، وبني إسرائيل، واليونان، والجرمانيين، والرومان، ومجموعة الشعوب المسيحية، حتى ليقول المؤلف: ولذلك وجدنا في نظام دراكون٢ الذي بقي في أثينا حتى الغزو الروماني -أن عقوبة القتل الخطأ "اللاإرادي" كان النفي المؤقت٣. أما في أقدم القوانين الرومانية "قانون الألواح الاثنى عشر" فإن الضحية،

стр. 247

الذي يبتر له عضو من أعضائه، على إثر جناية غير متعمدة، كان يستطيع أن يجري القصاص، إذا لم يقبل١الدية: وفي القانون الصيني كان القاتل بطريق السهو أو الصدفة يعاقب بالجلد مائة جلدة، وبالنفي٢. وفي التوراة عوقب القاتل غير العامد بنوع من النفي، ومن الممكن شرعًا لصاحب الدم أن يقتله لو أنه غادر منفاه قبل المدة المحددة٣. وفي القانون الكنسي كانت الكفارات القاسية تفرض خلال سنوات كثيرة للتكفير عن خطايا لا إرادية، ارتكبت بسبب الجهل٤. وفي إنجلترا، حتى أوائل القرن التاسع عشر لم يكن القاتل غير المتعمد يفلت من الإدانة -علاوة على مصادرة أمواله- إلا بفضل رحمة الأمير، ويبرز هذا الوضع الأخير أيضًا في القانون الفرنسي القديم٥. بيد أننا حين نستعرض دراسة على هذا القدر من الرحابة "لا تهتم بتحديد زمني، أو جغرافي، أو عنصري" -تبدو لنا ملاحظة تفرض نفسها علينا، فنتساءل: ما الفكرة التي سيطرت على هذا الاختيار للوثائق؟ ولماذا كان الاختيار لمجتمع دون آخر، ولعصر دون آخر, ولجزء من مقاطعة معينة دون آخر؟ وهل كان من عمل الصدفة أن نختار فارس، لا مصر وجزيرة العرب مثلًا؟ ولماذا اختيرت الهند البرهمية، دون غيرها؟ ويجيب المؤلف في مقدمته بأنه حدد حقل ملاحظاته، بحيث لا يشمل سوى مجتمعات أمكنه بالنسبة إليها أن يؤيد الأحداث بالوثائق المؤكدة.

стр. 248

ولكن، هل نحن أكثر اطمئنانًا لوثائقنا عن القواعد العرفية لقبائل إفريقية الشمالية منا عن النظم المكتوبة لمواطنيهم؟ وعن القبائل الأسترالية منا عن جيرانهم في جزر الهند الشرقية "أندونسيا"؟، وعن "الأفستا" أو "الفيدا"، أو قانون حمورابي منا عن القرآن؟، والحق أننا مندهشون مما حدث، من أن المؤلف على طول مسيرته من الصين إلى مراكش، ومنذ القرن السابع حتى الآن، قد سار في كل خطوة بمحاذاة مجتمعات إسلامية، دون أن يقف عندها، فكان كل همه أن يدور حولها ويتجاوزها. ومع ذلك، فإن دراسة هذه المجتمعات، التي لا تمثل عددًا يمكن تجاهله على سطح الكرة الأرضية، لا تحمل كثيرًا من الصعوبات أو التعقيدات، إنهم عدة مئات من ملايين الناس، لديهم توافق معين فيما يتعلق بقانونهم الأساسي، ويعيشوت تحت أعيننا، وقد عقدت أوروبا معهم علاقات اقتصادية وسياسية دائمة. وربما كان "فوكونيه fauconnet" شخصيًّا على جهل بما يأمر به الشرع الإسلامي في هذا الموضوع، على الرغم من أنه أشار إليه إشارة غير مباشرة١. وقليلًا ما يهمنا أن نعرف الدافع الذي حتم هذا الإغفال المقصود، لكنا نلاحظ فحسب أن النقص الخطير الذي نشأ عن هذا الإغفال يقدم إلينا النتيجتين اللتين أراد المؤلف تقديمهما في صورة قانون عام -على أنهما صادرتان عن استقراء غير كامل. والواقع -من ناحية- أن قصر الجزاء العقابي على الإنسان البالغ السوي ليس ذا أصل حديث مطلقًا في العالم الإسلامي، فهو قديم منذ أكثر من

стр. 249

ثلاثة عشر قرنًا، ولم يتحرك قيد أنملة منذ إقراره، فقد قال مؤسس الإسلام, ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" ١، أي: إن الأطفال ليسوا مطلقًا مسئولين حتى يبلغوا سن الزواج، وكذلك المجانين حتى يستردوا عقولهم، فمن باب أولى الحيوانات التي قال فيها رسول الله, ﷺ : "العجماء جُبارٌ" ٢. بل إن المدرسة الظاهرية لتمضي إلى ما هو أبعد من ذلك في تفسير هذه النصوص، فهي تتجه لا إلى تخليص هذه الكائنات من العقوبة المؤلمة فحسب، ولكن أيضًا إلى إعفاء مالك الحيوان من كل غرم على سبيل الجزاء، وكذلك من يحملون هم الأطفال، والمعتوهين٣. ومن ناحية أخرى، نجد أن تعميم صيغة فوكونيه الثانية -على الرغم من كل القيود التي أوردها- يبدو منهارًا أمام الشرع القرآني؛ لأن القرآن حين يأمر بالدية والكفارة في حالة القتل الخطأ -إنما يحمي القاتل الذي لا إرادة له من أية عقوبة بدنية. وبصرف النظر عن القانون الروماني، الذي يبدو أن تطوره قد تحقق في هذا الاتجاه، ألم يكن من الواجب على الأقل أن يستثني المؤلف ذلك النظام الإسلامي الذي استبعد بضربة واحدة، وبدون تردد أو تحرج، جميع الضلالات المذكورة حول المسئولية العقابية؟ إن صياغة هذا التحفظ حول نتيجتي فوكونيه، المعممتين -معناه في نفس الوقت أننا نعترف للشريعة الإسلامية بصفتها الثورية، التي لا تدع نفسها للتفسير الطبيعي بوساطة السوابق التاريخية، اللهم إلا إذا افترضنا بلا داع

стр. 250

-في التاريخ العربي القديم، الذي لا ندري عنه شيئًا- تطورًا معينًا، كان الإسلام غايته: وهو ما يؤدي إلى تلك المناقضة القائلة بأن الصحراء العربية كانت متميزة بالطبيعة وأنها بدأت، وأنهت تقدمها الاجتماعي قبل الأوان، متقدمة في ذلك على بقية أجزاء الكرة الأرضية. ولقد قلنا دائمًا من وجهة نظر الشريعة الإسلامية: إن المسئولية العقابية تبقى شبيهة بالمسئولية الأخلاقية، وهو قول صحيح في كثير من الوجوه، ومع ذلك فهي تتميز عنها بسمات جوهرية. وأولها: أنه بالرغم من أن العمل الداخلي، والواقع الخارجي مختلطان في العقل بطريقة لا تنفصم، فيما يتعلق بأي حكم بالمسئولية، سواء أكانت أخلاقية أم عقابية، إلا أن العنصر المتحكم، أو مركز الثقل يغير مكانه تبعًا لوجهة النظر التي يؤخذ بها. فحركة الضمير هي التي تهمنا بصفة أساسية في مجال المسئولية الأخلاقية، وهي لازمة لها بصورة مطلقة. فالعمل البدني المحض لا يمكن مطلقًا أن ينشئ مسئولية أخلاقية، والعمل الإرادي لا يمكن أن ينشئها إلا متجاوبًا مع نيته. وبعكس ذلك نجد أن العقوبة تعترض مقدمًا واقعًا خارجيًّا، وتستهدفه دائمًا. ذلك أن أشد النوايا سوادًا، كأشدها نقاء، كلاهما عاجز عن أن يفرض حكمًا بالمسئولية القانونية حين يكون مفردًا، غير مصحوب بتعبيره المادي. وقد حدث في الحالات القصوى، أن العنصر المتفوق يمكن أن يصبح العنصر الوحيد، وهو أمر لا ريبة معه في الإطار الأخلاقي، وإذا ما اقتضى الأمر هنا إظهار الإرادة، فليس معنى ذلك أن القرار الذي اتخذ داخليًّا قرار قاصر في ذاته عن أن ينشئ الواقع الأخلاقي، ولكن، بما أن التنفيذ لا يحقق إلا امتداد القرار، والإبقاء عليه، وتعزيزه "كما يقيس من وجهة نظر

стр. 251

المشاهد درجة التصميم والفاعلية". فإن هذا التنفيذ يسبب بذلك مسئوليات جديدة، أو على وجه الدقة يدعم، ويفخم المسئولية المقررة من قبل١. فهل نجد ما يقابل ذلك في الإسلام؟ وهل يمكن الحدث الموضوعي الخالص أن يستتبع العقوبة؟ لا شك أن الحكم العقابي -كما رأينا من قبل- يحتاج دائمًا أن يستند إلى عمل الإرادة المضاد للقانون، كيما يسوغ صفته الجزائية. ولكن هل لنا أن نفحص الأمر بنظرة أكثر دقة؟ حنيئذ سنجد أن القاضي عندما يستند إلى العنصر الشخصي باعتباره شرطًا ضروريًّا للإدانة -فإنه لا يفعل في الواقع سوى أن يفترض سوء النية لدى المتهم، مستنبطًا إياه من بعض الأمارات الخارجية، ومتخذًا لنفسه دائمًا وجهة نظر موضوعية، ذلك أن القاضي، حتى لو كان رسولًا، لا يدعي مطلقًا أنه يدرك أسرار الضمير مباشرة، وهذا رسول الله ﷺ يقول: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" ٢ وأخيرًا، فإن نوعي المسئولية "العقابية والأخلاقية" يختلفان كذلك، بصورة أوضح في آثارهما، أكثر مما يختلفان في نقطة انطلاقهما. وإذا كان

стр. 252

الشر يكمن أساسًا في مبدأ الإرادة، فمن البدهي أن المذنب ينبغي أن تبرأ ساحته بمجرد تغييره لموقفه من القانون، ولسوف يكون بالفعل بريئًا في نظر الحكم الأعظم. ولقد أفاض القرآن وعودًا جميلة لأولئك الذين يرجعون عن ذنوبهم، فهل الأمر كذلك بالنسبة إلى الحدود التي تفرض في الحياة الدنيا؟ هل تكفي التوبة، والندم، والعدول عن الذنب لتخليص المذنب من العقوبة التي كان يجب أن يتعرض لها؟ لقد واجه القرآن بالنسبة إلى حالة واحدة هذا السؤال، وأجاب عنه بالإيجاب، وتلك هي حالة التمرد على العدالة بالقوة السافرة "الحرابة"، فتبعًا لخطورة الحالة -وقد ترك القرآن للقاضي أو المشرع أمر تقديرها- يستحق المحاربون حد الموت، أو تقطيع الأعضاء، أو النفي: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ ولكن يجب أن نلاحظ أن هذه هي الحالة الوحيدة في الشريعة الإسلامية، برغم النقاش الذي أثاره هذا النص بين الفقهاء٢، فيما يتعلق بتحديد الحقوق التي تسقط بهذا الإعفاء.

стр. 253

وقد لاحظ ابن حزم بحق أن الإمام الشافعي في مذهبه القديم الذي كان يعلمه في العراق -كان يعتقد أنه يستطيع تعميم هذه الحالة الخاصة، وأن يجعلها مبدأ عامًّا يقرر أن التوبة تجب الحدود، ولكنه حين جاء إلى مصر وأقام بها، وعرف من السنة قدرًا أفضل من ذي قبل تخلى عن هذه الفكرة، فعاد في مذهبه الجديد إلى النظرية العامة، التي تميز في هذا الصدد نوعين من المسئولية، تابعتين، كل على حدة، لنظامين إسلاميين مختلفين: أحدهما ينظم الحياة الدنيا، والآخر يخص الحكم العلوي في الآخرة. وبذلك تظل فاعلية التوبة في الإطار الديني، دون أن تتجاوزها بالضرورة إلى المجال الاجتماعي١.

стр. 254

والواقع أن السنة تقدم لنا حالات زنا، يتقدم المذنبون فيها ليقروا تلقائيًّا بجريمتهم، وليطلبوا بإلحاح تطبيق العقوبة عليهم، وعليه فإن النبي ﷺ مع علمه بعظمة هذه اللمحة منهم، وروعة القيمة في توبتهم -لم يتردد في أن يوقع عليهم الجزاء المنصوص عليه في الشرع، وكذلك الحال في كل اعتداء يرتكب ضد شخص الغير، أو ماله، أو عرضه، ثم يتوب المعتدي قبل أن يعاقب. فالموقف الداخلي الذي كان يعتمد عليه في تجريم الفعل لا قيمة له إذن حين يكون المطلوب إيقاف الآثار السيئة التي حدثت من قبل، إذ تتدخل هنا بالذات اعتبارات مختلفة، فوق الاعتبارات الشخصية extra - personnelles هي التي تفرض الجزاء، أما الندم، والتوبة، والإرادة الطيبة التي عادت مرة أخرى، فربما تكفي لتحسين حال المذنب، وتأكيد احترامه للقانون، ولكنها لا تكفي لتهدئة المشاعر الأليمة التي أثارها المذنب لدى الأشخاص الذين انتهك حقهم المقدس في الحياة، وفي الأمن. سوف تضمن لنا هذه المعاني -على الأكثر- أنه لن يعود إلى الجريمة، ولكنها لا تستطيع أن تضمن أنه لن يكون قدوة تحتذى من أولئك الذين يعملون على اتباعه، وإذن فإن هناك ضرورة مزدوجة، خارج الأمر الأخلاقي، أو مبدأ العدالة المجرد، هذه الضرورة تفرض نفسها على أنها محتومة، وهي تنظر إلى الماضي وإلى المستقبل معًا وتتطلب تطبيق العقوبة، حتى عندما يصبح جانب المبدأ الأخلاقي مستوفى راضيًا بطريقة أخرى. هذه الضرورة المزدوجة هي -من ناحية- اقتضاء شرعي من الأفراد ذوي الشأن في العمل، وهم الذين أهينت مشاعرهم نتيجة الشر الحادث، وهي من ناحية أخرى: حفاظًا على النظام العام، وصيانة للمجتمع ضد العدوى الأخلاقية، حين لا يعاقب الشر بمثله، وتوقيًا من تشجيع الشر، إذا ما بقي المذنب دون عقاب.

стр. 255

بيد أن البون بين الجانب الأخلاقي، والجانب القانوني -يصبح شاسعًا، بمجرد انتقالنا من المسئولية العقابية إلى المسئولية المدنية. ولا شك أن ذلك غير ناشئ عن أن الطابع الشخصي قد اختفى تمامًا، ولا عن أن النشاط الإرادي لم يعد شرطًا ضروريًّا في المسئولية، ليس هذا مطلقًا هو الموقف في الشريعة الإسلامية، ولا ينبغي أن يعترض علينا بمثال المغتصب الذي يستحل شيئًا لا يخصه ويستخدمه مخالفًا بذلك القانون، ثم يعتبر مسئولًا عن كل ما يحدث لهذا الشيء، حتى لو كان طارئًا، ووقع بمحض الصدفة. ذلك أن عمله الأولي -ما دام قد اتسم بسمة العدوان وسوء النية. فمن العادي جدًّا أن تكون جميع نتائجه الطبيعية داخلة فيه. ولكن إذا ما نحينا هذه الحالة جانبًا، فإن كل مسئولية مباشرة تتطلب من جهة صاحبها تدخلًا إراديًّا معينًا فيما يسبب من ضرر. ولا فرق حتى الآن بين شروط المسئولية الإصلاحية المدنية، وشروط المسئولية الجزائية العقابية، فالحادثة التي تقع بواسطتنا، ولكن مستقلة عن إرادتنا، وبموجب قوة قاهرة "في مثل ما قد يحدث من تصادم سفينتين بسبب الريح، أو سقوط لاعب حتمه انقطاع الحبل الذي كان يمسك به مع رفيقه" -مثل هذه الحادثة لا يمكن أن تنشئ ضدنا أي إجراء تأديبي أو تعويضي، وحدث من هذا النوع يصبح هدرًا١. وهكذا نجد أن الخلط الذي أشار إليه فوكونيه fauconnet في الشرائع الإغريقية والرومانية والعبرية ... إلخ, بين الحالة العارضة، وحالة الخطأ بحسن نية -هذا الخلط لا موضع له في الشريعة الإسلامية، بل الأمر، على ما ذكرنا آنفًا, هو أن العمل الإرادي، ليس من الضروري أن يكون مقصودًا.

стр. 256

وإذن، فعلى حين تفترض المسئولية العقابية النية المضادة للقانون، تمامًا كالمسئولية الأخلاقية، نجد أن المسئولية المدنية، سوف تكتفي بمجرد وجود الإرادة. وهنا يكمن أحد الفروق الرئيسية بين هذه المجالات المختلفة، فإذا كان الضرر الناتج عن الخطأ، أو الغفلة، أو عدم الحذق -لا يحتم أن يعزر صاحبه، فإنه يخضعه في مقابل ذلك لتكليف مالي لمصلحة الضحية. وقد وضع القرآن التشريع الأساسي للقتل الناشئ عن الخطأ، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ١. وقد مثلت السُّنة بهذا كل ضرر يرتكب عن غفلة، ضد نفس الغير، أو ماله. يقول ابن حزم: "ولا يختلف اثنان من الأمة في أن من رمى سهمًا يريد صيدًا، فأصاب إنسانًا، أو مالًا، فأتلفه، فإنه يضمن، ولو أنه صادف حمار وحشي يجري، فقتل إنسانًا، أو سقط الحمار إذ أصابه السهم، فقتل إنسانًا، فإنه لا يضمن شيئًا"٢. ومن هنا كانت المسئولية المدنية على الطبيب، أو كما يعبر حديث لرسول الله, ﷺ -مسئولية من يمارس الطب ولم يكن من قبل معروفًا أنه طبيب، فقال: "من تطبب، ولم يعلم منه قبل ذلك الطب فهو ضامن" ٣. ومن هنا أيضًا -تبعًا لأغلب المذاهب- كانت مسئولية مالك الماشية الذي يهمل في حبس قطيعه أو حفظه، حين ينتج عن هذا الإهمال أن تهرب.

стр. 257

الحيوانات، وتتلف حقول الجيران، وهي حالة معروفة كذلك في تاريخ ما قبل الإسلام، وأشار إليها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ١. أما مذهب الظاهرية، فيرى أن المسئولية التي تقع على عاتق الإنسان في حالة كهذه -هي ذات طابع أخلاقي- على وجه الخصوص، فهي تنحصر أولًا في تربية من لا عقل له، وترويضه، ثم في إجراءات للحماية، ذات فاعلية أكثر، بحيث تمنع عودة الأحداث المسببة للضرر٢. فهذه المدرسة تستبعد بصورة منهجية كل مسئولية قانونية غير مباشرة، سواء أكانت ناشئة عن فعل تلقائي، لكائنات غير مسئولة، "كالأطفال، والمجانين، والحيوانات"، ما دمنا لم نحرضهم على القيام به أم عن فعل الغير، حتى لو كنا رغبنا إليه أن يفعله، دون أن نكرهه عليه. ومهما تكن نتيجة هذا النقاش الثانوي، فإنه يكفي -لكي نكشف عن عنصر موضوعي في المسئولية المدنية، في الشريعة الإسلامية- أن نلاحظ أن

стр. 258

الإنسان البالغ السوي "الطبيب مثلًا" مسئول ماليًّا عن الضرر الذي يحدثه مباشرة بوساطة نشاطه الإرادي، بشرط أن يكون مقصودًا، على أنه لا يتحمل من أجل هذا، لا تعزيرًا إنسانيًّا، ولا عقابًا إلهيًّا. ولا شك أن المسئولية الأخلاقية ليست مستبعدة هنا تمامًا، فإن الإهمال هو فعلًا نقص في الانتباه، وينبغي أن يعتد خطأ، أو نصف خطأ. كيف نفسر من وجه آخر الكفارات التي أمر بها القرآن في حالة القتل اللاإرادي، أعني القتل الخطأ؟ ١.

стр. 259

إن المسلم الذي كان سببًا غير متعمد في هلاك أخ له -يجب أن يعتق أخًا آخر رقيقًا، فضلًا عن التعويض المستحق لأولياء الدم. فإذا كان أحد الناس قد مات موتًا طبيعيًّا، فإنه سوف يأتي بمن يعوضه حين يدخل شخصًا آخر في الحياة الأخلاقية. فإن عدم لزمه أن يصوم شهرين متتابعين، والله يقول في هذا: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١. بيد أن هذه الغلطة السلبية، في الانتباه لا تؤدي إلى التجريم الإيجابي، والعقابي للعمل الخارجي، الذي تكفي صفته الموضوعية الغالبة لفرض الجزاء المدني. وهذه حالة أخرى للخروج على المبادئ المقررة، وهو خروج ينهي التباين بين المسئولية المدنية، والأنواع الأخرى من المسئولية: فعلى حين تحتفظ هذه الأنواع دائمًا بصفتها الفردية الدقيقة، نلمح فجأة عنصرًا يظهر في تعويض الأضرار الناجمة عن الخطأ وهو عنصر جماعي شديد القوة، يعمل على امتصاص الجانب الفردي. فهذا المسكين الذي تسبب في موت آخر، أو بتر عضو من أعضائه، أو جرحه، دون أن يريد ذلك،

стр. 260

هذا المسكين لا يفلت فقط من كل أنواع القود، بل إن التعويضات التي تقتضيها منه الضحايا لا يتحمل هو منها سوى جزء جد ضئيل؛ لأن هذه التعويضات سوف توزع -في الواقع- على مجموعة كبيرة من الناس، البالغين الأسوياء١، الذين يرتبطون معه عادة برباط من التعاون الطبيعي، أو الاتفاقي، والذين يشترك معهم كواحد منهم. فإذا عدمت هذه المجموعة التي تؤمن له راحة حقيقية من هذا الثقل، وجب على الدولة أن تفي بدلًا منه بهذه التعويضات. ولقد نظن، من أول وهلة، أننا نشهد في هذا النوع من المسئولية مخالفات متكدسة، لكنا لو تأملناها من قريب للمحنا أن الجانب الجماعي لا يتدخل هنا إلا لكي يقلل إلى أدنى حد مساوئ موضوعية واقعية، ولو كان ذلك بتحديدها أو تخفيفها. إن الطبيعة المركبة للعمل الخاطئ غير المتعمد تضعه -كما رأينا- وسطًا بين حالتين متطرفتين, هما: العمل المقصود، والحادث الذي يقع بطريق الصدفة المحضة، فإذا كان يشبه كلًّا منهما من جانب، فإنه يختلف عنه من جانب آخر. وإذن، فهو لا يحمل على جانب واحد أو آخر، ولا يمكن أن يعامل بنفس الطريقة، ونتيجة لهذا لا يصح أن يظفر بلا مسئولية كاملة، ولا أن يكون موضوع مسئولية كلية. فواقع الأمر أن النية السيئة معدومة، ومن العدالة أن يعفى من العقوبة. ومع ذلك، فإن وجود خطأ معين يميزه كثيرًا عن الحادث الاتفاقي "الذي وقع عرضًا وبطريق الصدفة"، "حيث لا مجال في الواقع إلا لمؤاخذة الطبيعة"، وهو ما يؤكد ضرورة نوع من الإصلاح الإنساني. ولكن، ممن نقتضي هذا الإصلاح؟ أنفرضه كليًّا على الفرد؟

стр. 261

أليس معنى هذا أننا نوقع عقوبة مقصودة على خطأ غير مقصود، وبذلك توسع المسافة بين المسئولية الاجتماعية والمبدأ الأخلاقي؟ لقد كانت مشاركة الجماعة جد ملائمة حتى تهدأ ثورة الضمير. وليس هذا في الواقع نوعًا من بعثرة مسئولية وحيدة، فإن المجتمع لا يمكن أن يوصف حقًّا بأنه متعاون، على أساس عمل تم بدون علمه، بل أن نسبته إلى الفرد أمر عسير، وهو "أي: المجتمع" على أية حال لم يشارك فيه بوصفه مجتمعًا. ولكن نصف المسئولية الذي يقع على كاهل الفرد، يتولد عنه بالنسبة إليه موقف تعيس لا يستحقه. ولما كان المجتمع مسئولًا عن الرفاهية النسبية لأعضائه، فما كان له أن يدع هؤلاء الأعضاء عرضة لبؤس غير متوقع، وهم الذين لم يكونوا صناعًا مريدين لبؤسهم الخاص. ولهذا يخصص باب من نفقات الدولة الإسلامية لأداء ديون الأفراد، حيث جعل هؤلاء المدينون من مصارف الزكاة، فقال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِين﴾ ١. وإذن فالتضامن الذي نراه هنا هو نوع من التعاون الخير، الذي يجب أن يتم في مواجهة الصعوبات، على سبيل التبادل بين الناس في المجتمع الواحد. ثم إن توزيع التعويضات أو الغرامات المذكورة لا يحدث بصورة ميكانيكية، على أساس التساوي العددي بين أنصباء المسهمين، بل يجب على العكس من ذلك أن نأخذ في اعتبارنا إمكانات كل فرد، لنفرض عليه نتيجة لذلك نصيبًا من شأنه ألا يرهقه٢

стр. 262

خاتمة: حين ندني مختلف العناصر التي استخلصناها أثناء هذا التحليل، بعضها من بعض، يصبح من السهل كثيرًا أن نعيد بناء الفكرة القرآنية عن المسئولية. لقد تولى القرآن بصفة جوهرية وجهة النظر الأخلاقية، وراح يقر في هذا الصدد الشروط التي تتفق تمامًا مع المقتضيات المشروعة لأعظم الضمائر استنارة، واهتمامًا بالعدالة. دون أن ينتظر النضج البطيئ، المتردد، عبر الأفكار القديمة والحديثة لكي ينتهي إلى هذا الوضع الواضح القويم. فالمسئولية ترتبط ارتباطًا وظيفيًّا بالشخصية؛ ولذلك لا يطيقها غير الإنسان البالغ العاقل، الواعي بتكاليفها، وبحيث يتمثلها أمام ناظره في لحظة العمل. فإذا ما تحددت صفات الشخص تعين، بعد ذلك، أن يكون مسئولًا عن الأفعال التي يأتيها بإرادته الحرة. وإذن فالإرادة والحرية هما من الناحية العملية مترادفان، وليس لأية قوة في الطبيعة، باطنة أو ظاهرة، سلطة كافية لكي تحرك أو توقف النشاط الجواني لإرادتنا. وقد تستطيع الطبيعة أن تحرمنا بعض الظروف المادية اللازمة لتنفيذ قراراتنا، وقد تستطيع أن تخلع عنا بعض الصفات الدمثة الرقيقة، التي تجعل قراراتنا الخيرة أكثر يسرًا ومودة، ولكنها لا تستطيع أن تمس فينا القدرة

стр. 263

على هذه الحمية الجريئة التي نقدر على إتيانها رغم كل شيء، مضحين بمسراتنا، وكذلك عندما يخضع المرء لإكراه خارجي، أو لضرورة حيوية، فإنه يفعل ذلك بحرية، وهو يوازن بين الأدلة والبواعث المتناقضة، ثم يختار ما يبدو له أكثر تناسبًا، وعلى أساس من هذا الاختيار يكون حسابه، أحسن أو أساء. وأخيرًا، فإن المبدأ القرآني للمسئولية هو مبدأ فردي، يستبعد كل مسئولية موروثة، أو جماعية بالمعنى الحقيقي للكلمة. هذه المبادئ التي تتبعناها على وجه الدقة، والتي استخرجنا منها أدق النتائج في الميدان الأخلاقي، والديني, قد ورد عليها -ولا ريب- استثناءات، في الميدان الفقهي، ومع ذلك لم نغفل كثيرًا من مسائلها الجوهرية. ويبقى العمل الإرادي للفرد الإنساني المزود بالعقل، الموضوع الدائم والوحيد للمسئولية، وتبقى أيضًا نية فعل الشر شرطًا ضروريًّا للعقاب. وعندما حدثت للمرة الوحيدة "في المسئولية المدنية" مخالفة لهذه القاعدة الأخيرة، كيما ترضى مطالب أخرى ليست بأقل شرعية -لم نقعد عن إلحاقها بمخالفة أخرى من شأنها تخفيف آثار الأولى. بحيث إن الشارع الإسلامي -بعيدًا عن المجال الأخلاقي المحض، ومع تغليب المصالح العاجلة- لم يتجاهل المبادئ الأساسية للتجريم الحقيقي.

стр. 264

الفصل الثالث: الجزاء مدخل ... الفصل الثالث: الجزاء تتمثل العلاقة بين الإنسان والقانون لأعيننا في شكل حركة إقبال وإدبار، مكونة من ثلاثة أزمنة، ولقد كنا مع فكرة الإلزام ما نزال في نقطة البداية، ولكنا مع فكرة الجزاء، نجد أن دائرة هذه العلاقة الجدلية سوف تقفل، فهي الوحدة الأخيرة في ثالوث، وهي أشبه بالكلمة الأخيرة في حوار. فالقانون يبدأ بأن يوجه دعوته إلى إرادتنا الطيبة: فهو "يلزمنا" بأن نستجيب لتلك الدعوة، وبعد ذلك وبمجرد ما نجيب بكلمة "نعم" أو "لا" -نتحمل بذلك "مسئوليتنا"، وأخيرًا وعلى إثر هذه الاستجابة يُقوِّم القانون موقفنا حياله، فهو يجازيه. فالجزاء إذن هو رد فعل القانون على موقف الأشخاص الخاضعين لهذا القانون، وقد رأينا أن القانون الأخلاقي مطلب لا يقاوم لأنفسنا، وفرض صارم لضميرنا الجماعي، وهو في الوقت نفسه أمر مقدس لضمير الفرد في أكمل صوره وأقدسها، فمن هنا كان هذا الشكل المثلث للمسئولية، التي فرغنا من بحثها. ومن هنا أيضًا كان للجزاء ثلاثة ميادين، سوف ندرسها في هذا الفصل: الجزاء الأخلاقي، والجزاء القانوني، والجزاء الإلهي.

стр. 265

١- الجزاء الأخلاقي: كثيرًا ما يتساءل المرء عما إذا كان هناك "جزاء أخلاقي"، أو عن

стр. 266

إمكان وجود مثل هذا الجزاء، أليس هذان اللفظان متنافرين تمامًا؟ أليس إنكارًا لطبيعة القانون الأخلاقي المنزهة على الإطلاق -أن نقترح للنشاط الإنساني غاية أخرى، غير أداء الواجب لذاته؟ في رأينا، أن الاعتراض يقوم على نوع من الخلط المؤسف بين علم الأخلاق والنزعة الأخلاقية، بين مقتضى العدالة في ذاتها، والأهداف التي تنشدها الإرادة؛ وهما أمران متمايزان تمامًا، دون أن يتوازيا بالضرورة. ولسنا نرى في الواقع أية إحالة في أن يكون لقانون معين جزاء صارم دون أن يدعونا أن نتخذ من جزاءاته حافزًا لجهدنا، والقانون الفيزيولوجي "العضوي" يقدم لنا مثالًا على هذه الحقيقة: أليس جزاء الظروف الصحية التي أعيش فيها -موجودًا آليًّا في الصحة والمرض اللذين تسببهما، حتى عندما لا أفكر قط في هذه النتائج؟ فلماذا يكون الأمر على خلاف ذلك في القانون الأخلاقي؟ سوف تقول لي: إنه يُحرِّم عليك أن توجه نظرك إلى شيء آخر غير أمره المهيب -ليكن!! ولكن ذلك لا يمنع أنه يستطيع، بل ويجب، أن يحفظني من النتائج المختلفة، المنوعة التطبيق, حسب ما إذا كنت ألتزمه على تقوى، أو أرفض الخضوع له في نزق وطيش. نعم، إن جزاء ضروريًّا، ومحددًا ينبغي أن يطبق في فكرة القانون ذاتها، وإذا كان القانون الأخلاقي لا يتضمن تنفيذه أو انتهاكه أية نتيجة لصالح الفرد الذي يفرض عليه أو ضده، فإن هذا القانون لا يكون باطل الأثر فحسب، بل متعسفًا وغير معقول؛ بل إنه لن يكون ملزمًا، أي: لن يكون هو ذاته. فكل ما في الأمر هو أن نعرف فِيمَ يتمثل هذا الجزاء، الذي نصفه بأنه أخلاقي؟ ويجب بداهة أن نستبعد كل فكرة للثواب أو العقاب تؤثر في حواسنا الخارجية، إذ إن مثل هذه الجزاءات، فضلًا عن أنها لا يمكن أن

стр. 267

تسمَّى "أخلاقية", فإنها كذلك ليست ضرورية، اللهم إلا إذا رجعنا بالفكر إلى عالم آخر، يصبح فيه السعادة والشقاء -كل على حدة- على توافق تام مع الخير والشر. ولكن ما دمنا بعيدين عن مجال الدين، فإن فكرة عالم كهذا غريبة عن الأخلاق الطبيعية، على وجه الإطلاق، وهي الأخلاق التي لا تتجاوز حدودها مجال الضمير الحالي، وعليه فكم من رذائل في هذه الدنيا توّجت بالنجاح!! وكم من فضائل رازحة تحت ضروب البؤس!! ولدينا من ذلك في كل يوم مزيد. هل يجب أن نستبعد أيضًا، كما قد قيل -فكرة اللذة والألم، الباطنية المحضة؟ وهل ندم الضمير ورضاه من المشاعر الغريبة أيضًا عن الحياة الأخلاقية؟ أليس لهما أي حق في الوجود بقوة القانون؟ لقد قيل لنا: إن هذه المشاعر ليست -احتمالًا- سوى بقايا مصفاة لفكرة موضوعية عن المسئولية، وإذا لم يكن الندم خوفًا مبهمًا من العقاب، فإنه التوقع أو الرجاء١. وإليك البرهان المقنع الذي روَّجوا له ضد هذه الاحتمالات، من أجل نفيها نهائيًّا من الميدان الأخلاقي، فإن هذه الحالات لا تتنوع بصورة ملحوظة من إنسان لآخر فحسب، بل إنها قد تختفي اختفاءً كاملًا في بعض حالات الفسق، فهي ليست إذن نتائج ضرورية للخضوع للواجب، أو لمخالفته، ومن ثَمَّ استنتجوا استحالة الجزاء الأخلاقي بالمعنى الصحيح. ولكن، هل نحن متفقون على معنى الكلمات؟ إذا كان المراد بعبارة "القانون الأخلاقي" -هو الواجب في ذاته، القانون الموضوعي الذي يفرض على جميع الناس، مستقلًّا عن حالات ضميرهم، فمن الحق أن قانونًا

стр. 268

كهذا يمكن أن يوجد، دون أن يؤدي في جميع الأنفس إلى هذه الحالات من الشعور بالراحة أو الألم، من الفرح أو الندم. غير أن إلغاء هذه الحالات الخاصة لا يؤدي إلى القضاء على جميع الحالات الداخلية التي يثيرها أداء الواجب أو انتهاكه. ولسوف نرى قريبًا أن كل سلوك، حسنًا كان أو سيئًا، ينشئ حالة داخلية تتناسب معه، وتكون عامة وضرورية. فأما إذا كان المقصود بكلمة "قانون"، قاعدة يعرفها ويحس بها الإنسان، قانونًا يتصل بمعارفنا ومشاعرنا، فمن الواضح أنه بعد أن يباشر عمله لا يمكن لفكرة الواجب أن تظهر مرة أخرى على مسرح الضمير، دون أن تحدث فيه أصداء، تختلف في درجة عمقها، تعبر عن الرضا في حالة النجاح، وعن الألم في حالة الفشل. وإذا حدث على سبيل الافتراض أن الإنسان الذي فسدت أخلاقه لم يستشعر شيئًا من هذا، وإذا كان قد فقد معنى الخير والشر تمامًا، فماذا يمكن أن يقال سوى أن القانون لا يوجد بالنسبة إليه؟ وهكذا يمضي اللفظان معًا دائمًا؛ لأنهما لا ينفصمان إيجابًا وسلبًا. هل معنى ذلك أننا نقف إلى جوار النظرية العامة، التي ترى في ندم الضمير ورضاه عقوبة أو مكافأة كافية للقانون الأخلاقي؟ هيهات، فإذا كان كل ما ننتظره من القانون كجزاء على موقفنا نحوه -هو أن يمتعنا أو يؤلمنا فيا له من مشروع صبياني!! إن المتعة والألم اللذين نحس بهما بعد أن نفعل خيرًا أو شرًّا، هما مع ذلك رد فعل لضميرنا على ذاته، أكثر من أن يكونا رد فعل للقانون علينا، فهما تعبيران طبيعيان عن هذا اللقاء، بين شعورين متلاقيين في ذوقنا الخاص، أو متضادين، أي: إننا تبعًا لتوافق شعورنا بالواقع أو تضاربه مع شعورنا بالمثل الأعلى -إما أن نتمتع بحالة من السلام والدعة, ناشئة عن هذا التوازن الداخلي, أي: عن اتفاقنا مع ذواتنا، لا سيما ونحن على وعي بهذه القوة التي منحت لنا كيما ندمج

стр. 269

أفكارنا في الأحداث؛ وإما أن نتألم لهذا التناقض، وذلك الضعف في قوانا -تألمنا من تمزق في كياننا. هذا التفسير النفسي الخالص لانفعالاتنا الأخلاقية يسير في انسجام مع النصوص، فالواقع أن النبي ﷺ لم ينظر إلى حالات النفس هذه على أنها ثواب يقتضيه سلوكنا، وإنما رأى فيها -عوضًا عن ذلك- ترجمة وتحديدًا للإيمان "الأخلاقي"، فقد روى أحمد في مسنده أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ساءتك سيئتك، وسرتك حسنتك, فأنت مؤمن" ١. وفي حديث آخر -أن درجة شدة هذا اللوم الباطن تعكس صدق إيماننا، وتقيس درجته قياسًا دقيقًا، فنحن نشعر فعلًا بجسامة ذنبنا وخطورته على نحو متفاوت، تبعًا لدرجة شعورنا الحي بالتكليف، وهو قول رسول الله, ﷺ : "المؤمن يرى ذنبه فوقه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره" ٢. ولكن، إذا كان الندم لا ينشئ جزءًا ثوابيًّا، ألا يمكن أن يعد بمنزلة جزاء إصلاحي؟ لا يحظى هذا الرأي بأكثر مما حظي به سابقه، فإن ما يعيد تثبيت القانون المنتهك ليس شعورًا معينًا، ولكن موقف جديد للإرادة: هو "التوبة". والندم ليس هو التوبة، بل هو تمهيد لها وإعداد فحسب، فعندما تخضع النفس للشر، يحدث فيها نوع من الصدع، وهي تجد -دون ريب- في حرارة الندم المؤلمة وسيلتها لتلتئم، وتقف من جديد مستجمعة، وتحمل

стр. 270

منذئذ أمانتها، مع مزيد من الطاقة والحماس. ومن المؤسف أننا لا نستغل دائمًا هذه الإمكانية المتاحة لنا. فليس من النادر، بل كثيرًا ما يحدث، أن تهبط هذه الهزة العابرة فجأة إلى درجة الصفر، وأن تخبو النار التي اشتعلت في بعض اللحظات بسرعة، فتصبح دون أثر في الإرادة، ودون غد في السلوك. وإذن فليست التوبة ثمرة ضرورية للندم، وهو لا يستتبعها كنتيجة مبدئية. إن الندم أثر طبيعي للصراع، ولكنه ليس جزاء، أما التوبة فهي على عكس ذلك تمامًا: إنها ليست أثر طبيعيًّا، بل هي جزاء، وجزاء أخلاقي بالمعنى الحقيقي، يفترض تدخل الجهد، إنها واجب جديد يفرضه الشرع علينا، على إثر تقصير في الواجب الأولي: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ ٢، وهي واجب ملح، وعاجل، حتى إنه لا يصادف إرجاء إلا عرضه لخطر زوال فائدته. وأول الأخطار يتمثل في أن استمرار الإرادة في موقفها الخاطئ ينشئ في كل لحظة خطأ جديدًا، والله يقول في صفة المتقين: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ ٣، ورغبة الإنسان في أن يغتنم في حاضره كل الشهوات المتاحة، وأن يؤجل محو كل ذنوبه إلى أن يتوب توبة صادقة مع النزع الأخير -ليست سوى وهم باطل، فإن القرآن يؤكد: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ ٤. وبين التوبة العاجلة، والتشبث بالموقف المذنب هنالك الحل البليد، الذي

стр. 271

يتمثل في أن يأسف الإنسان على الماضي، ثم يؤخر إصلاحه إلى حين، وهنا مكمن الخطر؛ لأن القرآن ينص على أن مغفرة الذنب ليست إلا لمن يتوبون من فورهم، أو بعد قليل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ١ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ٢. والحق أن النبي ﷺ قد فسر هذا النص بحيث يوافق أجل التوبة فسحة الحياة، فقال: "إن الله ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر" ٣. ولكن إذا كان أجل الحياة مجهولًا لنا، وهو غالبًا ما يحين، على حين غرة، فمن الحكمة أن نستبق الساعة، أعني: أن نكون دائمًا على أهبة السفر، وأن نحسب باستمرار حسابه، وفي ذلك يقول الإمام الغزالي: "فمهما وقع العبد في ذنب، فصار الذنب نقدًا، والتوبة نسيئة، كان هذا من علامات الخذلان"٤. ونحن نقول: إن التوبة جزاء إصلاحي، ولكن، كيف نتصور أن موقفًا لاحقًا يمكن أن يصلح موقفًا في الماضي؟ إن كل شيء يتوقف على التحديد الذي نعطيه للكلمات، فإذا كانت الكلمة "يتوب" تعني: يأسف على الشر الذي اقترفه، ويعزم ألا يعود إليه -فإن ذلك لا يكفي بداهة لرفع آثار العمل المقترف، وعليه، فإن التوبة بهذا المعنى لا تؤدي وظيفتها الإصلاحية، في الأخلاق الإسلامية، ففي هذه الأخلاق يقصد "بالتوبة" في الواقع موقف للإرادة أكثر تعقيدًا، موقف.

стр. 272

ينظر إلى الماضي، والحاضر، والمستقبل، ويتجلى في الأفعال، لا في اتخاذ خط سلوك جديد فحسب، ولكن أيضًا في إعادة تجديد البناء الذي تهدم, بصورة منهجية. وتعبير القرآن تعبير بناء جدًّا في هذا الصدد، فهو يضيف دائمًا إلى كلمة "تاب" كلمات أخرى مثل: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أو ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ١ أو قوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ ٢؛ فهو مجموع من الشروط التي جعلها ضرورية لكسب الغفران الموعود. وأول دليل على التوبة النصوح، هو الواجب الآنيّ المعجل، الذي بدونه تصبح فكرة التوبة متناقضة. هذا الواجب ينحصر في العدول السريع عن الذنب، أعني: إيقاف الشر الذي كان المذنب يوشك أن يجترحه. ثم تأتي من بعد ذلك عمليتان إيجابيتان تكملان هذا الدليل، هما: إصلاح الماضي، وتنظيم مستقبل أفضل. وفكرة "الإصلاح" هي وحدها التي تبقى غامضة، لا يستطاع تحديدها كمفهوم له معنى وحيد، وهي تبدو لنا -في الواقع- تغير من طبيعتها تبعًا لنوع الخطأ الواجب إصلاحه. فإذا كان الخطأ في واجب أهمل، وما زال الأمر به قائمًا، فإن الإصلاح ينبغي أن يتمثل في قضاء حقيقي، ذي طابع أخلاقي، فكلمة "أصلح" هنا تعني "تدارك" فالعمل الناقص يجب أن يعاد، ويؤدى بطريقة مناسبة، آجلًا أو عاجلًا، والله يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت﴾ ٣، ويقول: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٤، ولكن حين تكون الحالة شرًّا إيجابيًّا حدث فعلًا، فكيف نصلح ما لا يقبل الإصلاح؟ هنا يظهر معنى آخر للكلمة، فإن "أصلح" لن تعني "أعاد"، بل "عَوَّضَ"

стр. 273

وإذا كان مستحيلًا أن نبطل الخطأ في ذاته، فمن الممكن على الأقل أن نمحو آثاره، بأداء أفعال ذات طبيعة مناقضة، وها هو القرآن يعلمنا أن: ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ١، وأن أولئك الذين ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٢. ومع ذلك، إن السُّنة قد ميزت هنا نوعين من الخطأ الواجب إزالته: الأخطاء التي تنتهك واجبًا شخصيًّا، ويطلق عليه: حق الله، وذلك كأن يعكف المرء على شهواته، عصيانًا لخالقه, والأخطاء التي تضر بحق الغير، ويطلق عليه: حق العباد، وفي الحقيقة: إن حق الله يوجد في جميع واجباتنا، إما في حالة خالصة، وإما مختلطًا بحق آخر إنساني. وعلى ذلك فإن جميع أشكال التوبة، على ما علمنا رسول الله ﷺ وهي المشار إليها حتى الآن، ليست قادرة على محو كبائرنا، إلا من حيث هي انتهاك لتلك الشريعة المقدسة، فإذا استتبعت الجريمة -فضلًا عن ذلك- أضرارًا تلحق بإخواننا، فلن يتم إصلاحها إلا بإدخال عنصر جديد. لقد أسفنا على ما اقترفنا من شر، ودعونا الله أن يغفره لنا، وعزمنا ألا نعود إليه، واستفرغنا طاقتنا في مقابلة الفعل السيئ بأعمال طيبة، كل هذا جميل، ومأمور به، وحبيب إلى الله، ولكنه يظل عاجزًا عن أن ينشئ توبة كاملة، إذ يجب أن نحصل على إبراء صريح ومحدود من أولئك الذين أسأنا إليهم، فضلًا عن الندم، والاهتداء. والرسول ﷺ يقول: "من كانت له مظلمة لأحد، من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته،

стр. 274

وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" ١. فابتداء من الكذاب حتى القاتل، كل إنسان مذنب في حق الغير يجب أن يعترف، ويستسلم لضحاياه، ويخضع لأحكامهم، فإذا لم يستبرئهم في هذه الدنيا وجب أن ينتظر مقاصة ثقيلة، يقتضونها منه في الآخرة، كما أخبرنا رسول الله، وهي مقاصة ذات طابع أخلاقي، تتمثل في أن ينقل إلى حسابهم جزء من حسنات ظالمهم، فإذا انتهت حسناته قبل أن يستوفوا ما لهم، وهو "الإفلاس" كما عبر الرسول، فإن عملية عكسية تبدأ: يؤخذ من سيئاتهم فيوضع على كاهله. وذلكم أيضًا هو قول رسول الله ﷺ فيما رواه أبو هريرة: "أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار" ٢. ولكي ندرك الأهمية الخاصة التي نعت بها الإسلام الإخلال بواجباتنا الاجتماعية، حسبنا أن نقرأ الحديث الذي يقسم الذنوب ثلاثة أقسام؛ فعن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "الدواوين ثلاثة: ديوان يغفر، وديوان لا يغفر، وديوان لا يترك، فالديوان الذي يغفر ذنوب العباد بينهم وبين الله، والديوان الذي لا يغفر الشرك، والديوان الذي لا يترك مظالم العباد" ٣.

стр. 275

وقبل أن نترك مفهوم التوبة يبقى علينا أن نضيف ملاحظتين نجدهما في القرآن، أولاهما، أن الكفار الذين يدخلون في الدين الحق معفون من كل إجراء إصلاحي للماضي، كأنما كان لهذا التحول إلى الإيمان فضل تطهيرهم من جميع الذنوب التي سلفت، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١. وثانيتهما: أن تأثير التوبة النصوح، التي تحدث بشروطها المطلوبة، ما كان لينهار بسبب العودة المحتملة إلى الذنب، "وهو أمر ممكن، حتى مع العزم الشديد الآن"، فهي حالة عارضة، وعلينا أن نكرر جهودنا للإصلاح، دون أن نيأس أبدًا، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٢، ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٣، ويقول: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٤. والأحاديث أكثر صراحة في هذا الباب. ولنقرأ هذا الحوار الذي ورد به الحديث القدسي: "قال الشيطان: وعزتك يا رب، لا أزال أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الله: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" ٥. ولكن، في أي صورة ما تمثلت التوبة، بالمعنى المركب الذي صورناها به، فإنها لا تنشئ سوى جزاء إصلاحي، يتطلبه منا الشرع، أفلا يوجد

стр. 276

أيضًا جزاء أخلاقي ثوابي، يمارسه فينا تلقائيًّا، على إثر الموقف الذي نتخذه منه؟ بلى؛ وهو سابق على الجزاء التكليفي الذي لا يفرضه علينا إلا لكي يوقف أثر هذا الجزاء العاجل، فإما ألا يكون للتكليف الأخلاقي معنى، أو يكون لممارسة الفضيلة، وهجر الرذيلة بعض الأثر الواقعي، الشعوري أو اللاشعوري, لصالحنا، أو ضد صالحنا؛ وبغير ذلك يصبح خضوعنا للشرع عملًا بلا جدوى، أمرًا من سيد مستبد، يدفعنا إلى أن نعمل من أجل الاستمتاع فقط بأنه يدفعنا إلى العمل. ولو كان الأثر المؤجل لطريقتنا في الحياة ينتهي إلى أن يمس حساسيتنا، برفق أو بقسوة، دون أن يغير ملكاتنا العليا تغييرًا عميقًا، فإن ذلك يكون أشبه بحال صاحب العمل، الذي يشغل ألف عامل، ثم لا يدفع إلا لأقلهم ذكاء!! كلا فإن هذا الأمر الداخلي الذي لا يقاوم، والذي يريد أن يسخر كل شيء فينا لطاعته: جسدًا، وروحًا، وملكات بالإدراك والتسليم، وقدرة على القيادة والتنفيذ، والذي يريد أن ينظم كل شيء، وأن يهدي كل شيء بطريقة معينة، دون أخرى -هذا الأمر إذا لم يكن مجرد نزوة- فيجب أن يستهدف أكبر خير في وجودنا بأكمله، وأن يكون شرطًا فيه. وإنا لنتساءل: هل خلق الإنسان من أجل القانون أو أن القانون هو الذي خلق من أجل الإنسان؟ وقد يجاب عن ذلك تارة بالرأي الأول، وتارة بالرأي الثاني، وفي رأينا أن كلا الرأيين يعبر عن جانب من الحقيقة، ونحن نصادف، هذه القولة، أو تلك في القرآن، فالله سبحانه يعلن من ناحية، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. ويؤكد من ناحية أخرى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ

стр. 277

وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ ١, ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ٢, ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ٣, ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ ٤. فلنقرب ما بين هذين القولين، بحقيقتهما النسبية، ولسوف نحصل على الحقيقة المطلقة، فالإنسان وجد من أجل تنفيذ الشرع "الذي هو عبادة الله" ولما كان الشرع قد وجد من أجل الإنسان، إذن فالإنسان قد وجد من أجل نفسه، والشرع غاية، ولكنه ليس الغاية الأخيرة، إنه ليس سوى حد وسط بين الإنسان، كما هو، ناشئًا يتطلع إلى الحياة الأخلاقية، ومصارعًا من أجل كماله، وبين الإنسان كما ينبغي أن يكون، في قبضة الفضيلة الكاملة. أي: إنه حد وسط بين الإنسان العادي والقديس، بين الجندي والبطل. والشرع أشبه بقنطرة بين شاطئين، نحن نقطة بدايته، ونقطة نهايته، أو هو أشبه بسلم درجاته مستقرة على الأرض، ولكن يعد من يريدون تسلقه أن يرفعهم إلى السماء. ولنقتبس من القرآن صورته الديناميكية، فهذا أفضل من تلك الصور الساكنة والميكانيكية، فالقرآن في رمزين مشهورين يشبه الحق والباطل بشجرتين، فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ ٥ -هذا التشبيه ينطبق على الصدق والكذب العمليين، كما ينطبق عليهما نظريين،

стр. 278

فالفضيلة المؤثرة خصبة نافعة، تنمي قيمتنا وترفعنا من عالٍ إلى أعلى، والرذيلة قبيحة وبلا غد، تجعلنا سطحيين، مبتذلين، بل إنها تنزعنا من الإنسانية. هل نريد بعض أمثلة، مما ساقه القرآن، وأثبت به أن ممارسة الخير والشر في مختلف صورهما تحدث أثرها في النفس الإنسانية؟ ها هي ذي عينة: محاسن الفضيلة: ١- الصلاة: وهي بالنسبة إلى أولئك الذين يؤدونها بروحها ذات وظيفتين أخلاقيتين: فهي لا تقتصر على كونها: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ، ولكن ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ١، فهي تجعلنا روحيًّا على اتصال بالمنبع الشامل لجميع الكمالات. ٢- الصدقة: ولها أيضًا أثر مزدوج الفائدة: فهي "تطهر" النفس، حين تصرفها عن حرصها الزائد على الكسب، وهي "تزكي" نضارتها؛ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٢. ٣- والصوم، وللصوم كذلك دور تجنيبي: فهو يحفظنا من الشر، ويدفع عنا شرة الجوارح، ويجعلنا أقدر على أن نحترم القانون، وهو وسيلة إلى بلوغ "التقوى" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ٣. ٤- الممارسة والحكمة: إن الأداء الدائم للأفعال الفاضلة يجعل الإنسان حكيمًا، شجاعًا في خصومته، كريمًا في رخائه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ

стр. 279

هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ ١. قبح الرذيلة: ١- السكر: يقدم لنا القرآن الخمر، والميسر بقبح مزدوج، أعني أنهما يزرعان البغضاء والعداوة بين الناس، ويمنعان من ذكر الله، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ ٢، وهكذا أثبت الإسلام أن الخمر "أم الخبائث"٣ و"مفتاح الشرور"٤، والواقع أنه إذا ذهب العقل فأية سيطرة تكون لنا على أنفسنا؟ ٢- الكذب: وإذا كان هناك فضائل ورذائل خصبة في الخير، وفي الشر الأخلاقي، بحيث تولد الفضائل الأخرى، والرذائل الأخرى بدورها، فيجب أن نحسب في هذا العدد: الصدق والكذب، وقد قال رسول الله, ﷺ : "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" ٥، والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ ٦. والقرآن يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو لا يكتفي بأن يخبرنا أن الكذب هو رأس الفساد, بل يقدمه لنا على أنه صفة النفس الكافرة، من حيث كان متنافرًا مع الإيمان "الأخلاقي". يقول رسول الله ﷺ من

стр. 280

حديث عن أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" ١. فهو ﷺ يمد هذا التنافر إلى جميع الكبائر والمحرمات الرئيسية، وعلى الأقل في لحظة ارتكابها، ففي هذه اللحظة يؤكد الرسول أن الإيمان يخرج من أعماق القلب، فلا يبقى منه لدى المجرم أو الفاسق سوى فكرة غائمة، كأنها ظل يحوم فوق رأسه: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان، وكان على رأسه كالظلة، فإذا نزع عاد إليه الإيمان" ٢. ولكن لا داعي للإكثار من نصوص السُّنة، فإنها تمضي بنا بعيدًا، ولنعد إلى نص القرآن. ٣- السلوك، والقدرات العقلية: ليس يكفي أن يقال: إن الخير "يطهر" القلب، ويقوي الإرادة الطيبة ويدعمها، وإن الشر "يفسد" النفس، ويدنسها، ذلك أن أثرهما يذهب إلى ما هو أبعد، بما لهما من انعكاسات وأصداء، حتى في الذكاء. إن اضطراب الهوى يصدئ مرآة الفكر، ويشوه إدراكها للحقيقة: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣، على حين أن التوازن الناشئ عن الصلاح يجعل الإنسان قادرًا على تمييز الحق والباطل، والخير والشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ٤. ٤- النفس بأكملها: وهكذا تتلقى كل قوة من قوانا نصيبها من الجزاء الأخلاقي، فنفسنا بأكملها إذن هي التي نعمل على أن ننقذها، ونكملها، أو

стр. 281

نضللها ونجردها: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ١. ولكي نقول ذلك كله في كلمة واحدة: إن الجزاء الأخلاقي الثوابي يتمثل في الحسنة والسيئة، أي: في كسب القيمة أو خسارتها: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ ... ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين﴾ ٢.

стр. 282

٢- الجزاء القانوني: حين ننتقل من الناحية الأخلاقية إلى الناحية القانونية، يكون الجزاء الثوابي قد فقد نصف معناه، فهو لا يحتفظ من طابعه المزدوج، الثوابي والعقابي، سوى بالطابع الثاني. و"الجزاء sanction" هنا يعني أساسًا "العقوبة" بالمعنى الواسع للكلمة، الذي يضم الإجراءات التأديبية، والإجراءات العقابية بالمعنى الصحيح على السواء. والمجتمع الإسلامي، كسائر الأمم المتحضرة، لم يحرص على أن يمنح جوائز مادية لأولئك الذين يؤدون واجباتهم أداء كاملًا، فهؤلاء سوف يقنعون أولًا بنوع من الجزاء السلبي، الذي يتمثل في استظلالهم بحماية القانون، ليأمنوا على حياتهم، وأبدانهم، وأموالهم، وأعراضهم، من أي مساس بها. ثم هم بعد ذلك يقنعون بجزاء شامل من الرأي العام، الذي سوف يعاملهم بما يستحقون من الرعاية، والتقدير، والإطراء، وأخيرًا فهم سوف يتمتعون بتلك المقدرة الممتازة، التي تجلب وحدها الحياة الصحيحة، الشريفة، اللائقة بالإنسان، وتتيح له أن يؤدي دورًا ناشطًا في توجيه الشئون العامة، وفي توزيع العدل الاجتماعي، ذلك أن التشريع الإسلامي، يرى أن فساد الخلق

стр. 283

ليس هو السبب الوحيد الذي ترد به شهادة الرجل في المنازعات، بل إن مسلكًا طائشًا، أو زيًّا يخرج عن الاحتشام، أو انهماكًا في الملذات، حتى ما كان منها مباحًا -كل ذلك من شأنه أن يرد شهادة الرجل، ويجعله غير أهل لوظيفة القاضي، وبالأحرى غير أهل لوظيفة رئيس الدولة. ولو أننا تناولنا بالدراسة النظام العقابي في التشريع الإسلامي فلا مناص من أن نميز فيه مرتبتين مختلفتين: فهناك الجزاءات التي حددها الشرع بدقة وصرامة، وهي التي تسمى "بالحدود"، وهناك جزاءات أخرى، تسمى "التعزيرات"، وهي متروكة لتقدير القاضي. فالمرتبة الأولى، تتكفل بمجازاة عدد قليل من الجرائم١، هي "الحرابة" والسرقة، وشرب الخمر، والزنا، والقذف، أما الجرائم الأخرى فتتبع المرتبة الثانية. وليس أهم ما يميز الطائفة الأولى -أن العقوبة فيها محددة تحديدًا دقيقًا،

стр. 284

كيفًا وكمًّا. ولكنها فضلًا عن ذلك ذات صبغة مطلقة، وهي بهذا المعنى لا يتوقف تطبيقها، لا على حالة المذنب، "ذا سوابق أو لا، قابلًا للإصلاح أو غير قابل، يخيف الناس أو لا يخيفهم"، ولا على مشاعر الضحايا. صحيح أن لهؤلاء الحق في ألا يلاحقوا المجرم أمام القضاء، سواء بأن يعفوا عن عمله العدواني عفوًا تامًّا، أو بأن يصطلحوا متراضين معه، وحينئذ لا يكون للجزاء الشرعي مجال. ولكن متى صارت الجريمة عامة، أعني متى اتصلت بعلم السلطة المختصة -فإن أصحاب الحق يكونون بذلك قد تنازلوا عن حقهم، وبذلك يصبح الجزاء في هذه الحالة، البتة، من شأن الصالح العام، ويجب أن يطبق بلا هوادة أو رأفة. إن الصرامة في هذا الصدد لا تجعل مجالًا أمام أي تنازل أو حل وسط، ولا شك أننا نعرف قصة السرقة التي ارتكبتها امرأة تنتمي إلى طبقة الأشراف العربية، والتي أعلن النبي ﷺ بمناسبتها، وفي كلمات بلغت غاية القوة، مبدأ مساواة الجميع أمام القانون، فحين تشفع لديه في هذا لموضوع واحد من خيرة أصحابه، قام وخطب في الناس هذه الخطبة القصيرة: "أيها الناس، إنما أضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" ١. وهذه حالة أخرى تزيدنا علمًا، ذلك أن صفوان بن أمية، حين أجاب دعوة النبي التي أمر به المسلمين المضطهدين خارج المدينة أن يجيئوا ليستقروا في هذه العاصمة الإسلامية، وقيل له: إنه إن لم يهاجر هلك، غادر مكة، مسقط رأسه، وجاء ليستقر بجوار قائده الروحي، وما كاد يصل حتى رغب

стр. 285

في أن يستريح في المسجد هنيهة، فنام في المسجد، وتوسد رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله ﷺ فأمر به رسول الله ﷺ أن تقطع يده. فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة, فقال رسول الله, ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني به" ١. وهكذا نجد أن العفو عن هذا النوع من الأخطاء غير صحيح إلا إذا كان في المجال الخاص، فمتى علمت السلطة العامة بالجريمة يصبح تطبيق الجزاء "الحد" أمرًا جازمًا لا رجعة فيه. وقد ورد بذلك نص آخر عن النبي ﷺ هو قوله: "تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" ٢. فالسرقة -إذن- تحتم في الشريعة الإسلامية، قطع يد السارق، بنص القرآن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣. والحرابة عقوبتها، إما الموت، وإما تقطيع الأيدي والأرجل، وإما النفي: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٤. والعقوبة المنصوص عليها في القرآن للزاني، هي مائة جلدة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٥، ولكن يجب أن نضيف إلى هذه العقوبة، تبعًا للأحاديث: "تغريبًا عامًّا". وعلى أية حال، فإن عقوبة الموت يجب أن تستبعد من هذا المجال، إذا
следующие страницы →