← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نضللها ونجردها: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ١. ولكي نقول ذلك كله في كلمة واحدة: إن الجزاء الأخلاقي الثوابي يتمثل في الحسنة والسيئة، أي: في كسب القيمة أو خسارتها: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ ... ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين﴾ ٢.

стр. 282

٢- الجزاء القانوني: حين ننتقل من الناحية الأخلاقية إلى الناحية القانونية، يكون الجزاء الثوابي قد فقد نصف معناه، فهو لا يحتفظ من طابعه المزدوج، الثوابي والعقابي، سوى بالطابع الثاني. و"الجزاء sanction" هنا يعني أساسًا "العقوبة" بالمعنى الواسع للكلمة، الذي يضم الإجراءات التأديبية، والإجراءات العقابية بالمعنى الصحيح على السواء. والمجتمع الإسلامي، كسائر الأمم المتحضرة، لم يحرص على أن يمنح جوائز مادية لأولئك الذين يؤدون واجباتهم أداء كاملًا، فهؤلاء سوف يقنعون أولًا بنوع من الجزاء السلبي، الذي يتمثل في استظلالهم بحماية القانون، ليأمنوا على حياتهم، وأبدانهم، وأموالهم، وأعراضهم، من أي مساس بها. ثم هم بعد ذلك يقنعون بجزاء شامل من الرأي العام، الذي سوف يعاملهم بما يستحقون من الرعاية، والتقدير، والإطراء، وأخيرًا فهم سوف يتمتعون بتلك المقدرة الممتازة، التي تجلب وحدها الحياة الصحيحة، الشريفة، اللائقة بالإنسان، وتتيح له أن يؤدي دورًا ناشطًا في توجيه الشئون العامة، وفي توزيع العدل الاجتماعي، ذلك أن التشريع الإسلامي، يرى أن فساد الخلق

стр. 283

ليس هو السبب الوحيد الذي ترد به شهادة الرجل في المنازعات، بل إن مسلكًا طائشًا، أو زيًّا يخرج عن الاحتشام، أو انهماكًا في الملذات، حتى ما كان منها مباحًا -كل ذلك من شأنه أن يرد شهادة الرجل، ويجعله غير أهل لوظيفة القاضي، وبالأحرى غير أهل لوظيفة رئيس الدولة. ولو أننا تناولنا بالدراسة النظام العقابي في التشريع الإسلامي فلا مناص من أن نميز فيه مرتبتين مختلفتين: فهناك الجزاءات التي حددها الشرع بدقة وصرامة، وهي التي تسمى "بالحدود"، وهناك جزاءات أخرى، تسمى "التعزيرات"، وهي متروكة لتقدير القاضي. فالمرتبة الأولى، تتكفل بمجازاة عدد قليل من الجرائم١، هي "الحرابة" والسرقة، وشرب الخمر، والزنا، والقذف، أما الجرائم الأخرى فتتبع المرتبة الثانية. وليس أهم ما يميز الطائفة الأولى -أن العقوبة فيها محددة تحديدًا دقيقًا،

стр. 284

كيفًا وكمًّا. ولكنها فضلًا عن ذلك ذات صبغة مطلقة، وهي بهذا المعنى لا يتوقف تطبيقها، لا على حالة المذنب، "ذا سوابق أو لا، قابلًا للإصلاح أو غير قابل، يخيف الناس أو لا يخيفهم"، ولا على مشاعر الضحايا. صحيح أن لهؤلاء الحق في ألا يلاحقوا المجرم أمام القضاء، سواء بأن يعفوا عن عمله العدواني عفوًا تامًّا، أو بأن يصطلحوا متراضين معه، وحينئذ لا يكون للجزاء الشرعي مجال. ولكن متى صارت الجريمة عامة، أعني متى اتصلت بعلم السلطة المختصة -فإن أصحاب الحق يكونون بذلك قد تنازلوا عن حقهم، وبذلك يصبح الجزاء في هذه الحالة، البتة، من شأن الصالح العام، ويجب أن يطبق بلا هوادة أو رأفة. إن الصرامة في هذا الصدد لا تجعل مجالًا أمام أي تنازل أو حل وسط، ولا شك أننا نعرف قصة السرقة التي ارتكبتها امرأة تنتمي إلى طبقة الأشراف العربية، والتي أعلن النبي ﷺ بمناسبتها، وفي كلمات بلغت غاية القوة، مبدأ مساواة الجميع أمام القانون، فحين تشفع لديه في هذا لموضوع واحد من خيرة أصحابه، قام وخطب في الناس هذه الخطبة القصيرة: "أيها الناس، إنما أضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" ١. وهذه حالة أخرى تزيدنا علمًا، ذلك أن صفوان بن أمية، حين أجاب دعوة النبي التي أمر به المسلمين المضطهدين خارج المدينة أن يجيئوا ليستقروا في هذه العاصمة الإسلامية، وقيل له: إنه إن لم يهاجر هلك، غادر مكة، مسقط رأسه، وجاء ليستقر بجوار قائده الروحي، وما كاد يصل حتى رغب

стр. 285

في أن يستريح في المسجد هنيهة، فنام في المسجد، وتوسد رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله ﷺ فأمر به رسول الله ﷺ أن تقطع يده. فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة, فقال رسول الله, ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني به" ١. وهكذا نجد أن العفو عن هذا النوع من الأخطاء غير صحيح إلا إذا كان في المجال الخاص، فمتى علمت السلطة العامة بالجريمة يصبح تطبيق الجزاء "الحد" أمرًا جازمًا لا رجعة فيه. وقد ورد بذلك نص آخر عن النبي ﷺ هو قوله: "تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" ٢. فالسرقة -إذن- تحتم في الشريعة الإسلامية، قطع يد السارق، بنص القرآن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣. والحرابة عقوبتها، إما الموت، وإما تقطيع الأيدي والأرجل، وإما النفي: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٤. والعقوبة المنصوص عليها في القرآن للزاني، هي مائة جلدة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٥، ولكن يجب أن نضيف إلى هذه العقوبة، تبعًا للأحاديث: "تغريبًا عامًّا". وعلى أية حال، فإن عقوبة الموت يجب أن تستبعد من هذا المجال، إذا

стр. 286

ما التزمنا حرفية النص القرآني، الذي ذكرناه آنفًا، والذي لا يفرق بين المحصن وغير المحصن، أي: بين البكر والمتزوج، ولكن المأثور عن النبي ﷺ وصحابته قد أثبت هذا الفرق، وبمقتضاه يستحق الأشخاص المحصنون، الذين تثبت عليهم جريمة الزنا -عقوبة الموت كأشنع ما يكون. ولنذكر أن تعبير القرآني -مع ذلك- يبدو أنه يفتح الباب لهذا الإجراء، على أنه غاية التطور التشريعي في هذا الموضوع، والواقع أن الجزاء المنصوص في القرآن، بالنسبة إلى النسوة الزانيات، كان في البداية الحبس: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ١. وبدلًا من أن يفرض هذه السبيل جاء النص النبوي اللاحق، وهو قوله ﷺ مبينًا لها: "خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة" ٢. وأخيرًا نجد أن القاذف يستحق تقريبًا نفس العقوبة، ما دام قد افترى على الآخرين كذبًا، واستحل لحمهم، فله ثمانون جلدة، بدلًا من مائة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٣. أما فيما يتعلق بعقوبة تعاطي الخمر، فليس في القرآن، أو في كلام رسول الله ﷺ نص يذكرها، بيد أنه على عهد رسول الله ﷺ جرت العادة أن يجتمع نفر من المؤمنين حول ذلك الذي عاقر الخمر، فيسمونه ضرب العصا، والنعال ... إلخ. وبعد وفاة الرسول جمع الخليفة الأول كبار الصحابة، واستشارهم في الأمر، ليتذكروا العدد التقريبي الذي كان يُضربه السكارى،

стр. 287

فقدروه بأربعين "ضربة بزوج من النعال"، وفي عهد عمر ﵁ استشارهم مرة أخرى، وانتهى الأمر إلى ثمانين جلدة، "مستبدلًا بكل ضربة نعل ضربة سوط"، وقد كان بين أعضاء المشورة علي كرم الله وجهه، فعللها على النحو التالي: "إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفترين"١. أما عبد الرحمن بن عوف، فقد كان يرى في هذا العدد أقل حل يمكن أن يتصور، من حيث كان أدنى عقوبة عرفها القرآن، وفي الحديث: "أخف الحدود ثمانون" ٢. وبهذا الطريق المزدوج، العقلي والنقلي، بلغ صحابة النبي ﷺ نفس النتيجة، فأخذ قرارهم المشترك كقاعدة -قوة القانون. ونحن نعترف الآن، بأنه -فيما عدا الإجراءات الاستثنائية التي اتبعت ضد "الحرابة"- نجد أن الضمير المعاصر قد أجفل فعلًا من هذه الإجراءات البالغة القسوة، والتي يقصد الإسلام بها أن يعالج بعض الاضطراب في السلوك الإنساني، وبعض جرائم القانون العام. وفي هذا العصر الذي بلغت فيه رقة مشاعرنا درجة، نكره معها -أكثر فأكثر- أن نعرض المجرمين الشواذ للألم البدني -كيف نستطيع أن نتقبل هذه الآلام الرهيبة التي يراد أن يتعرض لها ضعاف الإرادة، عندما يزلون في حياتهم الخاصة أو العامة؟ كيف نتقبل ذلك دون أن نرتعد؟ وهكذا

стр. 288

ضربت مجتمعات إسلامية كثيرة -صفحًا عن تطبيق هذه الأشكال من العقوبات، منذ زمن طويل، بفعل صلاتها بالعالم الأوروبي. لكنها مسألة أن نعرف، ما إذا كان لهذه الانفعالات السريعة أسس متينة في العقل، أو في المصلحة الواقعية للأفراد، أو الجماعة؟ ومع ذلك ماذا يعني تحرجنا أمام عقوبة؟ ألا يعني هذا -في حالة النزاع بين الشرع المنتهك، وحق الفرد الذي خالفه- أننا نخص حق هذا الفرد بأهمية كبرى، وفي الوقت نفسه نعطي للشرع قيمة أقل من قيمة الفرد؟ ولماذا لا نتحرج، حين نكون محتلين بعدو، خارجي أو داخلي، من أن نوجه إليه أقسى الضربات، وأن نعد له ردعًا رهيبًا، بما في ذلك حرمانه من الحياة؟ ذلك لأن غريزة المحافظة على النفس، التي تحتل من أنفسنا مكانة متميزة -تكبت حينئذ مشاعرنا العادية، المنطوية على المودة، والأخوة الإنسانية، تكبتها وتدفعها إلى وراء. ثم إن رد فعلنا تجاه جزاء معين يقيس -بالضبط- الفعل الذي تمارسه علينا فكرة الواجب ذي الجزاء، وهكذا فإن الضمير العام الذي لا يتحرج قط من أن يضرب انحراف أعضائه بقسوة، لا يدل من ذلك الجانب على عدم إحساس بالألم الإنساني، بقدر ما يدل على إجلال عميق، واحترام ديني "بحرفية هذه الكلمة" للقانون المنهار. ذلك هو المقياس الذي يجب أن نقيس به المسافة التي تفصل المفهوم الأخلاقي المعاصر، عن مفهوم المجتمع الإسلامي الأول. فإلى أي مدى كان هذا المجتمع يشعر بعمق صفة القداسة في الإخلاص الزوجي!! وبأي استهجان كان يقوم في وجه خيانة الزوجين، أحدهما بالنسبة للآخر؟! وبأي احتقار كان ينظر إلى مهانة اللص، وخبال المخمور، ودناءة النمام؟ َ!

стр. 289

الحق أن تلكم الأمة لم تكن ينقصها العطف والرحمة الإنسانية، ولكنها كان يجب أن تسكت هذه الرقة المصطنعة، وتتجاوزها بروح النظام والطاعة، وصدق الله: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ١. أما فيما يتعلق باحترام شخص الإنسان، وحق الفرد في الأمن، فمن البدهي أنهما ما كانا لينشدهما إلا أولئك الذين يعرفون كيف يحافظون على كرامة الإنسان. وليس يقتصر أثر الزلل على أنه يفقد الفرد قيمته فحسب، بل إنه يجعله عرضة للتجريح، وهو لا يلوم إلا نفسه إذا أصابه هذا التجريح؛ لأنه هو نفسه الذي مزق أستاره الواقية. واستمعوا إلى هذا التأمل العميق لشاعر عربي: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار عز الأمانة أغلاها، وأرخصها ... ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري على أننا ينبغي أن نذكر أن هذه القسوة ضد اللصوص ليست سوى قسوة ظاهرة، وفي نطاق النظرية، أما من الناحية العملية، فكلما كانت العقوبة أشد تنكيلًا قل غالبًا تطبيقها، فعظم الجزاء يجعل مخالفته أدنى إغراء وأقل إغواء، فلا يجد النظام أمامه عقبات كبيرة يتعين عليه اجتيازها كيما يسيطر سيطرة كاملة. وما علينا لكي نقتنع بهذا إلا أن نرجع إلى السجلات القضائية في البلاد التي تعاقب على السرقة بالغرامة، والتعويض، أو الحبس، وفي بلد آخر كالعربية السعودية، حيث ما زال الجزاء القرآني معمولًا به، هنالك سوف نجد أعدادًا لا حصر لها من الرجال الذين لا يرجى صلاحهم، وهنا يكاد

стр. 290

الناس يكونون معصومين. ولربما قيل: إنه فرق في الطبيعة، ولقد زرت بنفسي الحجاز؛ في أوائل عام ١٩٣٦م فأذهلني أني حيثما وجهت وجدت تباينًا كاملًا بين بلادنا وهذا البلد، فإن السرقة لم تختفي من المدن فحسب، بل إنها لم تلحظ حتى في الجبل، والصحراء، بل لم يشك في حدوثها، أو يظن. حتى إن حقيبة ضائعة ملقاة على الطريق غير المأهولة، والتي لا يمكن أن تصبح مأهولة، يحتمل أن تبقى في مكانها إلى ما لا نهاية، دون أن يجرؤ امرؤ على لمسها، ولو بدافع الفضول. ومع ذلك فكل شيء هنالك كان يغري بها: الفقر المدقع بين سكان الجبال، وثراء السياح والحجاج، وندرة وسائل المواصلات، وعدم وجود الشرطة، تقريبًا، على مسافة بعيدة. ولكن كان حسب ابن سعود، في مستهل ارتقائه السلطة، بضعة أمثلة واعظة، وإن كانت عنيفة، حتى يقضي مرة واحدة، وفي كل مكان على كل محاولة للسرقة، والاختلاس في مملكته الواسعة، وكأنما كانت معجزة. ويبقى بعد ذلك أنه على الرغم من فداحة الجرم الذي اقترفه الزاني، فإن الطريقة التي قصدت السُّنة أن تعاقبه بها لا تفتأ تروعنا، وهي رجم كائن إنساني وكأنه كلب مسعور!! ومع ذلك، إن بضع ملاحظات هنا من شأنها أن تخفف هذه الصفة التي تصدمنا. ذلك أن القرآن من أول وهلة قد أحاط تشريع هتك العرض بعامة بعدة احتياطات تجعل إثبات الجريمة أمرًا في غاية العسر، إن لم يكن مستحيلًا من الناحية العملية، فالمبلغ الذي لا يعتمد في تبليغه على شهادة أربعة رجال عدول صادقين، يشهدون، لا على معاشرة امرأة لرجل أجنبي في حجرة واحدة فحسب، بل على وصف الواقع المحدد -هذا المبلغ ما لم يكن كذلك يعاقب هو نفسه بثمانين جلدة، بتهمة البلاغ الكاذب. ثم ترد منذئذ شهادته أمام القضاء، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ

стр. 291

الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١. كذلك لسنا نجد في السُّنة مثالًا واحدًا قامت فيه الإدانة بالزنا على الشهادة، بل إن الحكم صدر على أساس من الإقرار التلقائي للمذنب نفسه. وحتى هذا الإقرار التلقائي -وهو النقطة الثانية- لا يكفي في ذاته لكي يفرض إدانة، بل يجب التأكد من أن المعترف يدرك تمامًا ما يقول "أعني أن الأمر بالنسبة إليه لا يعني مطلقًا تعبيرًا مجازيًّا. زنا بالقلب، أو بالعين ... إلخ, أو فعلًا زوجيًّا محرمًا في لحظة معينة، كفترة الصوم مثلًا ... " ويجب أيضًا أن يصر على هذا الإقرار حتى النهاية، وألا يكذبه مطلقًا بإنكار لاحق، صريح أو ضمني. وهناك أيضًا نجد أن كثير من الفقهاء الذين جعلوا من حالة "ماعز" قاعدة عامة، لا يرتبون على هذا الإقرار أثرًا إلا بشرط أن يتكرر أربع مرات، في موضع الشهود الأربعة٢. وأيًّا ما كان أمر هذا التفصيل، فإن قاعدة في الإجراءات العامة تظل دون مراء مسلمًا بها، هي: أن براءة كل فرد هي الأساس الأول. والواقع أن التشريع الإسلامي يجعل من حياة الإنسان، وبدنه، وماله، وعرضه -أشياء مقدسة، أو حرمات، وهو ما قرره رسول الله ﷺ في قوله: "إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم -وفي رواية: وأبشاركم- بينكم حرام كحرمة يومكم هذا" ٣.

стр. 292

وإذن فلسنا نستطيع أن نخرج من هذا اليقين الأولي إلا بيقين عكسي، أي: إنه يجب أن نستنفد كل الفروض المعقولة لمصلحة المتهم، وألا ندينه هكذا اعتباطًا، على حين يمكن أن تثبت براءته بسبب صحيح١. وإليك الملاحظة الثالثة والأخيرة، التي تمس أساس المشكلة ذاته، فنحن إذا أكدنا أن التشريع الإسلامي لا يسعى إلى كشف الجرائم الخاصة، وأنه لا يلزم أحدًا، ولا يدعوه أن يعترف بها -لم يكن هذا القول كافيًا، فالحقيقة هي أن المصدرين الرئيسين للتشريع الإسلامي لا يكتفيان هنا بمجرد الامتناع، وإنما يتخذان موقفًا واضحًا وصريحًا. فالقرآن يحرم علينا صراحة أن نستطلع أسرار إخواننا، فقال : ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ ٢، وهكذا يقطع نصف الطريق على الواشين. وليس يخضع للقضاء سوى الرذيلة التي تتفشى، وتعرض نفسها، وتتحدى، أما حالة الإنسان الذي يستتر، وترتعد فرائصه حين يخضع لأهوائه، وهو الواقع الذي لا ينكشف لنا، لا بذاته، ولا بوساطة صاحبه فإنه سوف يكون من اختصاص محكمة أخرى غير محكمة البشر، والطريقة التي سوف يحاكم بها تتجاوز معرفتنا الراهنة، والرسول ﷺ يقول: "ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" ٣، وحتى لو أنني فاجأت أحدًا من

стр. 293

الناس -دون قصد مني- وكان يحاول أن يسرقني، أو يرتكب خطأ أخلاقيًّا شخصيًّا، بل لو قبضت عليه متلبسًا بجرمه، فلست ملزمًا بأن أقدمه للعدالة، وقد كان من توجيه رسول الله ﷺ فيما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أسلم، يقال له: هزال: "يا هزال، لو سترته بردائك لكان خيرًا لك" ١ -أي: إننا في تقديمنا إياه إلى العدالة يجب أن نكون -في غالب الأمر- على بصيرة بأمره، ومراعاة لجميع الظروف التي أقدم فيها على فعلته، فعلى حين أن من الأفضل لخير الناس جميعًا أن يسلم محترف الجريمة الشرير إلى السلطة الشرعية، نجد أن المسكين الذي ربما أخطأ صدفة، وبتأثير الضعف -قد يستحق أن يشمله عفونا٢. ومن ناحية أخرى كان رسول الله ﷺ يستهجن ذلك الميل الخطير لدى بعض الناس، الذين يقعون في الحرام خفية، ثم إذا بهم يثرثرون بما فعلوا، وينشرون قصة مغامرتهم هذه، فرحين غير مبالين، يقول الرسول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم

стр. 294

يصبح وقد ستره الله فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" ١. ما الفائدة التي يجنيها امرؤ في الواقع من أن يجعل الآخرين شهودًا على سقوطه؟ ولماذا يضم إلى فساده ومجونه وقاحة الاستعلان به، بدلًا من أن يستره حياء، كما يستر عورته؟ وأي جنون أن يجلب امرؤ على نفسه احتقار الناس، فضلًا عن احتقار الله له، واحتقار ضميره ذاته؟ وأي جنون أن يضيف في النهاية إلى شقائه الأخلاقي شرًّا ماديًّا على جانب من القساوة كبير؟ ومع ذلك فهناك من يفعلون ذلك قصدًا، وهم على بصيرة من الأمر، هناك من يجيئون يطلبون عقابهم، كيما يشبعوا حاجة ظاهرة إلى التوبة، ويتحملون في ثبات أشد الآلام فظاعة، دون أن يجدوا في ذلك شقاء، بل إنهم يستشعرون فيه سعادة عميقة وشافية، ويرونه وسيلة إلى أن يتخلصوا نهائيًّا من دنسهم الأخلاقي. إننا نتخذ تجاه هؤلاء -على العكس- موقفًا فيه الكثير من التعاطف معهم، ونستشعر إعجابًا عميقًا بلمحتهم البطولية. بل إن الرسول ﷺ على الرغم من أنه تباطأ -ابتداء- في تقبل اعتراف ماعز، لم يكتف -انتهاء- بالنزول على إلحاحه، ولكنه أكبر شجاعته، وعرف لرجوعه إلى الله قيمته العليا، فقال, ﷺ : "لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لوسعتها" ٢، وأثنى كذلك على ما قاسته المرأة

стр. 295

الجهينية فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله؟ " ١. وإذن فليس لنا أن نلوم الشرع، بل إنه الفرد، في نهاية الأمر، الذي ربما يعد قاسيًا، أو متهاونًا في حق نفسه. فإذا ما نحينا جانبًا تلك الجرائم والجنايات التي أتينا على ذكرها فإن ما تبقى من مخالفات للقانون الأخلاقي، أو القانون الاجتماعي يستوجب عقوبة تأديبية متنوعة، ولكن الشريعة الإسلامية لم تقدم لهذه العقوبات التأديبية جدولًا يختلف باختلافها، ولم تحرص على تقديمه. ولا ريب أن عقوبتي الموت والقطع -من حيث الشعور العام- مستبعدتان من الجزاء التأديبي، فالأولى خاصة بالقتلة، والزناة، والثانية خاصة بالسرقة وقطاع الطرق، بيد أنه فيما خلا هذا التحديد السلبي ليس هناك أي تحديد إيجابي للإجراء الذي يتخذ بالنسبة إلى كل حالة نوعية ولا بالنسبة إلى كل حالة خاصة. فعلى حين أنه بالنسبة إلى الجزاء المحدد "أو إقامة الحدود" تكون مهمة العدالة محددة تحديدًا دقيقًا، بإثبات الوقائع، التي متى اتضحت تستدعي بصورة ما -عقوباتها تلقائيًّا، فإن اهتمام المحكمة هنا يتجه بعد ذلك إلى مرحلة ثانية ليست بأقل أهمية: هي اختيار العقوبة التي ينبغي تطبيقها، وفي هذا الاختيار سوف يتحرك ذكاء القاضي وفطنته -في الظاهر- حركة بالغة الحرية، ولكن هذه الحرية في الواقع ليست سوى مرادف للمسئولية الثقيلة. إذ لما كان هنالك اعتبارات مختلفة تجب مراعاتها، وكان على عنصر النسبية أن يتدخل فإن القاضي سوي يؤدي هنا دور الطبيب المعالج تمامًا، فكما أن الطبيب يجب أن يرعى مزاج المريض، والخصائص النفسية الكيمائية

стр. 296

للدواء، والظروف الزمانية والمكانية للعلاج. قبل أن يصف الدواء الأكثر فاعلية والأقل إزعاجًا، في كل حالة تعرض عليه؛ فكذلك الأمر هنا، تتأثر العقوبة تبعًا لثقل الواجب المختان، وطبيعة المجرم، والظروف التي خالف فيها القاعدة، ومشاعر أصحاب الحق "حين تتصل الجريمة بأضرار ترتكب في حق الغير"، إن العقوبة حينئذ يجب أن تتنوع بدقة، ابتداء، من مجرد التأنيب على انفراد، أو التعنيف أمام العامة، على تفاوت في قساوته، حتى السجن، زمنًا يطول أو يقصر؛ والجلد، عددًا يقل أو يكثر، ولكنه لا يصح بعامة أن يبلغ عدد الجلد المنصوص عليه في الحدود "وهذه النقطة موضع خلاف". هذه الطرق في العقوبة لا تقتصر على كونها قابلة لمختلف الأشكال المخففة على تفاوت تبعًا للحالة المعروضة، بل إن التعنيف ذاته يمكن أن يهبط إلى درجة نصيحة خيرة، أو تعليم خالص منزه، ليس هذا فحسب، بل إن من حق القاضي، وربما من واجبه -أن يغضي بكل بساطة عن بعض الأخطاء القليلة حين تقع من إنسان ذي خلق، وقد ورد في ذلك أثر منسوب إلى النبي ﷺ ولكنه لا يرقى إلى مرتبة الصحة العالية، قال: "أقيلوا ذوي الهيئات" -أو ذوي الصلاح- "عثراتهم، إلا الحدود " ١.

стр. 297

نظام التوجيه القرآني ومكان الجزاء الإلهي مدخل ... ٣- نظام التوجيه القرآني، ومكان الجزاء الإلهي: لقد تناولنا حتى الآن التشريع القرآني في الجزاء الأخلاقي، والجزاء الشرعي، وعلى الرغم من اختلاف طبيعتها، وتعارض مجالات تأثيرهما، ومناهجهما، وأهدافهما، حيث يؤثر أحدهما مباشرة على النفس الإنسانية،

стр. 298

ويستهدف المطلق، على حين لا يبلغ الآخر مباشرة سوى الحواس الظاهرة، ولا يرى أمامه سوى النظام الاجتماعي. على الرغم من هذا كله، فإن بين نوعي الجزاء اللذين درسناهما آنفًا حظًّا مشتركًا، هو أنها ينتميان إلى مجال الواقع، وأنهما يمارسان في هذه الدنيا. وعلينا أن ندرس الآن طبيعة الجزاء الإلهي، وامتداده، ثم نحدد مكانته في نظام التربية الأخلاقية القرآنية. إن في العالم غير الإسلامي فكرة ذائعة تقول بأن محمدًا ﷺ لم يلق عنتًا في هداية الشعب العربي؛ لأن الحرارة المحرقة، وظروف الحياة القاسية كانا لديه وسيلتين مؤثرتين لاجتذاب قومه، ودعوتهم إلى حياة أفضل، لقد قال لهم: افعلوا ما آمركم به، ولسوف يعطيكم الله أنهارًا وجنات، تأكلون فيها وتشربون ما تشاءون. ولم يكن من شأن الأدب الشعبي وحده أن يدور حول هذه الفكرة: "جنة محمد". ولكن مؤرخين وفلاسفة كثيرين١ قد رددوا نفس المقالة، ولم يتخلصوا من تأثير هذه الأفكار الجارية، المقتبسة عن أفكار سابقة، هي في أغلب الأحيان منقولة سماعًا. إن أولئك الذين ألفوا دراسة التاريخ العربي الإسلامي يدهشون من هذه الطريقة في تصور الأمور، ويستطيعون، على الأقل أن يقولوا: أنها تستند إلى معطيات مبتورة، فالصورة التي يقدمونها إليهم، وهم يصفون الشعب العربي في هذا الضوء المادي المسرف -تبتعد فعلًا عن الواقع نهارًا جهارًا،

стр. 299

حتى إنها تتجاهل السمة الجوهرية لهذا الشعب، الذي عرف في كل زمان بزهده وقناعته المفرطة، كما عرف بروحه الأبية والشعرية المتحمسة، وإن ما تقدمه هذه الصورة من المثالية الإسلامية، ورؤاها المنزهة -لجد قليل. أما نحن، فلسنا نريد أن نتوقف عند اعتبارات عامة على هذا النحو، معتقدين أن الفصل في هذه المسألة يقتضي في أبسط حالاته وأعدلها، أن نرجع بها إلى النص ذاته. والواقع أننا حين نقرأ القرآن ندرك جيدًا الطريقة التي يفرض بها تكليفه الأخلاقي، ونقتنع بأن القول الذي يصدر عنه هذا التكليف هو أشد تركيبًا من أن ينتهي إلى هذه الصورة الفجة، التي يريد بعض الناس أن يعطيناها. بيد أننا لو قمنا قبل ذلك بمقارنة مع بعض نصوص الكتاب المقدس الذي استطاع التراث المسيحي أن يستبقيه لنا، فإن ذلك سوف يكون مفيدًا، إذ يعين على استخراج المفهوم القرآني في هذا الموضوع، بما يتميز به من تركيب وغناء.

стр. 300

طرق التوجيه الكتابية: ولنرجع أولًا إلى العهد القديم، ولننظر نوع العقوبات والمكافآت التي أقرت فيه جزاء على الوصايا الإلهية١، ولننح جانبًا بعض الفقرات النادرة جدًّا، والتي نجد فيها إشارة إلى الخير الأخلاقي لذاته، ثم ننظر إلى الكيفية التي كان بها تعليل الأوامر:

стр. 301

فحين توجه الله سبحانه إلى الأسرة الإنسانية الأولى بشأن الفاكهة المحرمة، قال: "وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه، ولا تمساه، لئلا تموتا"١، وحين خاطب ولدها الأكبر قابيل قاتل أخيه هابيل قال: "فالآن ملعون أنت من الأرض ... متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها"٢. وعندما فسدت الأرض بعد ذلك بحين من الدهر فعوقبت بالطوفان بارك الله نوحًا وبنيه فقال: "أثمروا واكثروا، واملئوا الأرض"٣. وهل قوبل إذعان إبراهيم للإرادة الإلهية بغير الخيرات الأرضية على سبيل الثواب؟ "بذاتي أقسمت، يقول الرب: إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرًا كنجوم السماء، وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه"٤، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الأفكار، مألوفة لدى ذرية إبراهيم فهي تعد جوهر صيغة السلام والمباركة، فإن إسحاق يبارك يعقوب بهذه الكلمات: "فليعطك الله من ندى السماء، ومن دسم الأرض وكثرة حنطة وخمر. ليستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل"٥. ويقول الرب أيضًا لإسرائيل "يعقوب" "اثمر واكثر، أمة

стр. 302

وجماعة أمم تكون منك، وملوك سيخرجون من صلبك، والأرض التي أعطيت إبراهيم وإسحاق لك أعطيها، ولنسلك من بعدك أعطي الأرض"١. ونصل أخيرًا إلى موسى، الذي لن يفعل سوى تنمية نفس الهدف ليعظ أبناء إسرائيل وهو ينقل إليهم هذه الدعوة الإلهية: "وتعبدون الرب إلهكم، فيبارك خبزك وماءك، وأزيل المرض من بينكم، لا تكون مسقطة ولا عاقر في أرضك، وأكمل عدد أيامك، أرسل هيبتي أمامك، وأزعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم ... "٢. ثم يقول بعد ذلك، في مرحلة أخرى: "إذا سلكتم في فرائضي، وحفظتم وصاياي، وعملتم بها، أعطي مطركم في حينه، وتعطي الأرض غلتها، وتعطي أشجار الحقل أثمارها، ويلحق دراسكم بالقطاف، ويلحق القطاف بالزرع، فتأكلون خبزكم للشبع، وتسكنون في أرضكم آمنين، وأجعل سلامًا في الأرض فتنامون، وليس من يزعجكم، وأبيد الوحوش الرديئة من الأرض، ولا يعبر سيف في أرضكم، وتطردون أعداءكم فيسقطون أمامكم بالسيف ... لكن إن لم تسمعوا لي، ولم تعملوا كل هذه الوصايا ... فإني أعمل هذه بكم، أسلط عليكم رعبًا, وسِلًّا، وحمى ... وتزرعون باطلًا زرعكم، فيأكله أعداؤكم، وأجعل وجهي ضدكم فتنهزمون أمام أعدائكم"٣. ويقول في موضع آخر كذلك: "ومن أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام، وتحفظون، وتعملونها يحفظ لك الرب إلهك العهد والإحسان، اللذين أقسم لآبائك، ويحبك، ويباركك، ويكثرك ... لا يكون عقيم ولا عاقر فيك،

стр. 303

ولا في بهائمك، ويرد الرب عنك كل مرض ... وتأكل كل الشعوب الذين الرب إلهك يدفع إليك"١. ولنا أن نتساءل -أمام غزارة هذا الأمر ذي الفكرة الوحيدة- عما إذا كان موسى وهو يصرخ بترتيله: "ترشد برأفتك الشعب الذي فديته ... تهديه بقوتك إلى مسكن قدسك"٢ -قد قصد أصلًا بهذا "المسكن" شيئًا آخر غير الأرض الموعودة وراء نهر الأردن، بلد الكنعانيين ... إلخ. ومع ذلك فهذا هو التفسير الذي تقدمه لنا الفقرة الأخرى: "سكناه تطلبون، وإلى هناك تأتون، وتقدمون إلى هناك محترقاتكم، وذبائحكم، وعشوركم"٣. وهكذا لا نصادف منذ آدم حتى موسى، إلى آخر عهده، أية إشارة في أي مكان, إلى حياة بعد الموت، كأنما لم يكن لعقيدة الحياة الأخرى مكان في أديانهم٤. ولكن لنقلب الصفحات، ولنصل بطفرة واحدة إلى "العهد الجديد"، ولسوف نستمع هنا إلى نغمة جديدة كل الجدة، هنا يحس المرء بشعور جلي

стр. 304

بأنه قد انتقل من طرف إلى أقصى طرف مقابل له، إن صلاتنا بالعالم الراهن بكل ما فيها من غنى وعظمة سوف تتقطع، فهي بالنسبة إلينا قيود ينبغي أن نتحرر منها، نظراتنا لا تعود مثبتة على الأرض، بل إنها دائمًا موجهة إلى السماء، لقد كان من قول يسوع المسيح لأحد المؤمنين الجدد: "إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع أملاكك, وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني"١، وقال لتلاميذه: "فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون، وما تشربون، ولا تقلقوا، فإن هذه كلها تطلبها أمم العالم. وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه، بل اطلبوا ملكوت الله، وهذه كلها تزاد لكم ... بيعوا ما لكم وأعطوا صدقة، اعملوا لكم أكياسًا لا تفنى، وكنزًا لا ينفد في السموات ... لأنه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضًا"٢. هذه التعاليم ذاتها سوف يقدمها كذلك تلاميذ المسيح، كتب القديس بولس في رسالته إلى تيموثاوس: "أوص الأغنياء في الدهر الحاضر ألا يستكبروا، ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى، بل على الله الحي، الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتع ... مدخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي يمسكوا بالحياة الأبدية"٣، "لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التي في العالم ... وهذا هو الوعد الذي وعدنا هو به، الحياة الأبدية"٤. وهكذا نجد أن الأمل الإنجيلي مكانه دائمًا هو الآخرة، في حياة ما بعد

стр. 305

الموت، اللهم فيما عدا موضعًا واحدًا١، وعد فيه المسيح بمكافأة مزدوجة: في الحياة المقبلة، وفي هذه الحياة "وهي إضافة نجدها في إنجيل مرقص، الإصحاح العاشر الجملة ٣٠، ولكنها غير موجودة في إنجيل متى، الإصحاح التاسع عشر ٢٩".

стр. 306

نظام التوجيه القرآني: نحن الآن في موقف نستطيع أن نواجه من خلاله بطريقة أفضل -دراسة التبليغ القرآني، وأن نثبت علاقته بتبشير الكتاب المقدس، ولسوف نرى أن النظرية اليهودية، ونقيضتها المسيحية تتصالحان في تركيب متوافق، ليس هذا فحسب، بل سوف نرى فضلًا عن ذلك أن عناصر جديدة تندمج في هذا التركيب؛ لتزيده غنى ورحابة. لقد قمنا بنوع من الإحصاء العام١، فأدهشتنا ندرة التعاليم القرآنية التي اقتصرت في تعليل حكمتها على سلطة الأمر وحده، فهذه الصيغة الكانتية التي تقيم الإلزام على أساس "شكله المحض"، المجرد عن مادته: "افعل

стр. 307

هذا؛ لأنه هكذا فرض" -ليست مألوفة كثيرًا في كتاب الإسلام المقدس. ومع ذلك نجدها في عشر آيات، كلها بعد الهجرة "= ١٠ ب"١. بيد أن عدم وجود علة مصرح بها لا ينفي بالضرورة وجود مضمون لها. والحق أن الإيمان يقتضي خضوعًا غير مشروط للأوامر الإلهية، مهما بدا ذلك غاية في القسوة والتحكم، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢، ويقول: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ٣. ومع ذلك فباسم هذا الإيمان نفسه، نستطيع أن نستشف سببًا مختفيًّا تحت هذا المظهر، ونسلم ببعض الآثار الطيبة، وإن كانت قليلة التحديد: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُم ... ﴾ ٤. والأمر الإلهي غير المسبب لا يأخذ في أعيننا نغمة تحكمية أو ديكتاتورية، بل يتمثل لنا بصفات من العلم والحكمة، جد مقنعة، حتى تبلغ الرضا الكلي لضميرنا٥. فإذا نحينا هذا النوع من الأوامر المطلقة جانبًا فسوف نرى أن الوصايا القرآنية تقوم على أسس مختلفة، ولكنها يمكن أن ترتد إلى ثلاث مجموعات

стр. 308

كبيرة هي: المسوغات الباطنة, واعتبارات الظروف المحيطة وموقف الإنسان، واعتبارات النتائج المترتبة على العمل. فلنبحث على التوالي هذه الطوائف الثلاث، ولنحاول أن نرى فيم تتمثل، وما المكان الذي تحتله كل منها في المجموع؟ أ- المسوغات الباطنة: وأقصد بعبارة "المسوغات الباطنة" -الرجوع في دعم التكليف عقليًّا إلى قيمة أخلاقية مرتبطة بهذا التكليف، وهي قيمة "إيجابية" حين تدل على أمر، والعمل به، و"سلبية" حين تتصل بنهي أو عصيان. وهي قيمة موضوعية، كالحق والباطل، والعدل والظلم في ذاته، أو قيمة ذاتية كبصر القلوب وعماها، وطهارتها ودنسها. ولدينا ثلاثة نماذج ممكنة لهذا الارتباط بين القيمة والموضوع، ولن يكون من العسير أن نتعرف في العمل على الجانب الذي يرجع إلى كل منها، في الأسانيد التي سوف نجمعها تحت هذا العنوان، فإما أن يأخذ الموضوع هذه القيمة من طبيعته الخاصة، وأما أن يستقيها من حالة سابقة هو أثر لها، أو حالة لاحقة هو سبب فيها. وبعبارة أخرى، نحن نقدر الموضوع، ونخصه بثمن معين، سواء أكان ذلك بسبب ما يحتوي من قيم تتصل بمعناه الخاص، أم بسبب القيم التي يعكسها حين نتذكر أصله، أم بسبب القيم التي يأتي بها ويحققها. والواقع أننا نستطيع -بفضل ما نقوم به من تحليل في العمق، وفي الامتداد، لكلا الجانبين- أن نحكم على قيمة فعل، أو قاعدة، أو موقف،

стр. 309

أو نظرية، فتارة ننظر إلى الشيء في حالته الراهنة، وفي معناه المحدد، وتارة ننظر إليه مترقين في مجرى نشوئه وتكونه، وتارة هابطين إلى آثاره القريبة أو البعيدة، ولما كان المرد هنا في جميع الحالات هو التوصل إلى حكم أخلاقي، فيجب -من ناحية- أن تكون للقيمة الملتمسة نفس الصفة، ومن ناحية أخرى أن تبدو رابطتها بالموضوع في صورة علاقة طبيعية، وأوشك أن أقول: تحليلية، لا أن تكون علاقة اصطلاحية، يقدمها التشريع. والنصوص التي سوف نرجع إليها الآن مختارة بطريقة تجيب عن هذا الشرط المزدوج، فهي تكون القسط الأوفى والأكثر تجردًا وتنزهًا عن الغرض، في المنهج التبليغي للقرآن، ففيها إلحاح على النزعة الأخلاقية، بوسائل أخلاقية، ومن أجل غايات أخلاقية، بل إن هذه النصوص لا تشير إلى ما نجده في مواضع أخرى من أن الباطل والشر يمران، وينتهيان إلى عدم، وأن الحق والخير يبقيان، ويحملان ثمرات خالدة، لا تفنى، وذلك كما ورد في قوله تعالى على سبيل الرمز: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال﴾ ١، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ ٢. فقد جذب الانتباه هنا أساسًا، إلى الصفات الذاتية بخاصة، من حيث هي. ولولا أننا قد أجرينا اختيارًا دقيقًا، لكان في وسعنا تطويل قائمة أسانيدنا،

стр. 310

ولذلك ألزمنا أنفسنا -أولًا- ألا نختار من القرآن سوى ما يتصل بالتعليم القرآني، بالمعنى الدقيق للكلمة، أعني: مستقلًّا عن التعاليم السابقة عليه، والمذكورة فيه١, ثم إننا لم نقف إلا عند النصوص التي لا تحمل في نظرنا أدنى لبس أو غموض٢. وأخيرًا، عندما يكون المسوغ الباطن غير مانع للاعتبارات الأخرى، فإننا لم نقبل سوى النصوص التي يحتل فيها العنصر الباطن المكان الأول. وغالبًا ما نجد أن المبادئ المسوغة التي ذكر القرآن أنه يعتمد عليها -مستعملة في صورة تفسير، وأحيانًا تكون هي موضوع الأمر، حتى إننا لو دعونا الأشياء بأسمائها لقلنا: إنها تستعمل كعلة، وكأمر معلول. والآن بعد هذا التوضيح لننظر أولًا كيف أن القرآن، وهو يوجه نظريته العامة، يحرص هنا على أن يرينا ما تكون هذه النظرية، وما لا تكون في ذاتها، وأن ينفي عنها النقائص التي تعيب كل نظرية باطلة أو ذات غرض، وأن يثبت لها الصفات الخاصة القادرة على إقناع العقول المغرمة بالحقيقة. إنه يعلن أنه ليس بقضية تكسب، ولا هو بنظام يبتغي مؤسسه أن

стр. 311

ينال عليه أجرًا، ففي الأنعام ٩٠: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ١. ويعلن أنه ليس أيضًا نظامًا يفرض نفسه بالإكراه، ولكنه رسالة للبلاغ، وتعليم يعرض على أساس الموافقة الحرة: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ، ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ٢. ثم إنه ليس بقول شاعر, أو كاهن, أو حالم: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ , ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ, أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ٣. وهو ليس الجنون: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ

стр. 312

إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِين﴾ ١. وليس إلهامًا شيطانيًّا: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين﴾ ٢. ولا اختراعًا كذبًا: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ٣. ولا تعبيرًا عن الهوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٤. إنه النور الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ٥. النور الذي يريكم وجة الخير: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ ٦.

стр. 313

ويضعكم على أقوم صراط: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ١. إنه خيرحديث: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث﴾ ٢. وهو الفقه الثابت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ٣. ذو الوزن الثقيل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلً﴾ . والحكم الفاصل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْل﴾ ٤. الموافق للفطرة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ ، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٥. وهو الوجه الصحيحة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيل﴾ ٦.

стр. 314

إنه يواصل أداء رسالة ملة الخير، ويؤكدها: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ١. وهو العدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ ٢. وهو الحق: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ٣. والوضوح البين: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ ٤. والعلم: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ ٥. وهو الحكمة٦، وهو العروة الوثقى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ٧.

стр. 315

وهو شفاء القلوب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ١. وزكاة الأنفس ﴿وَيُزَكِّيهِم﴾ ٢ وهو يمنح الحياة، بالمعنى العلوي للكلمة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٣. فها هي ذه "= ٢٠٩ أو٨٠ ب" وموضوعها هو السمات المميزة للنظرية العامة. فإذا انتقلنا الآن من المجموع إلى التفصيل، ومن النظرية العامة إلى الأحكام، فلسوف نجد أيضًا الفضائل الرئيسية العملية، سواء أكانت مأمورًا بها لذاتها "وهو الغالب دون تعليق آخر" أم أنها أقرت كغاية تستهدفها الأفعال الخاصة، أم كانت منبعًا للقيم المسوقة إلى النفس الإنسانية. أما الأوامر الإيجابية التي تعبر عن هذه الظروف فإننا نجدها على الأقل في الآيات الآتية، التي تأمر، أو تدعو إلى: - الاهتمام بأن يتعلم المرء واجباته، وتعليم الآخرين واجباتهم: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا

стр. 316

قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ١. - الجهد الأخلاقي: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ٢. - اتباع القدوة الحسنة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٣. - الأفعال المتعادلة "التي تلتزم بالوسط العادل": ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ٤. - الاستقامة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ٥. - التنافس في فعل الخير، والأفضل، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ ٦.

стр. 317

- الأعمال الحسنى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ١. - الأقوال الحسنى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢. - الصدق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين﴾ ٣. - العفة والاحتشام: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ٤. - استعمال الطيبات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ ٥. - الشجاعة، والجلد، والثبات: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ ٦. - لين الجانب والتواضع: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ٧. - الفطنة والتبصر في الأحكام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ٨.

стр. 318

- الإحسان العام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ١. - الإحسان إلى الوالدين بخاصة: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٢. - ومع تشريفهما، وطاعتهما، والرقة لهما، وخفض الجناح: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ٣. - المعاملة الحسنة للزوجات: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٤. - التعامل الإنساني معهن، والتشاور المتبادل، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ ٥. - المساعدة في حاجة أسرنا، بقدر مواردنا: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ٦. - تعويض الزوجات في حالة الطلاق: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين﴾ ٧.

стр. 319

- المعونة الواجبة لذوي القربى، والجيران الأقربين، والأبعدين، ولأبناء السبيل، وللمحروم من الإرث بصفة عامة، وهي معونة تقتطع سلفًا -وكما ينبغي- من الأشياء المفضلة لدينا، ومن طيبات كسبنا: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ ، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم﴾ ١. - مؤازرة الفقراء، واليتامى في حالة المجاعة: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة﴾ ٢. - تحرير الأرقاء: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَة﴾ ٣. - الأمانة وطهارة الذيل: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ ٤. - السخاء: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ ٥. - العدل: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٦، وهو صورة الميزان الرأسي "الذي لا يميل من جانب أو آخر" ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ ٧.

стр. 320

- الأداء الصادق لكل شهادة حين تطلب: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ ١، حتى لو كان الصدق على حساب أقربائنا أو أنفسنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٢. - أداء الأمانة لصاحبها: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ٣. - الوفاء بالوعود المقطوعة، بالكلمة المعطاة، باليمين المقدمة: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ ٤. - القرى والإيثار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٥. - التسامح والكرم مع الجاهلين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ ٦.
следующие страницы →