← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فبدلًا من القول "بالتناقض" نجد أن بعض من يرى تسمية الأشياء بأسمائها يقول فقط: إنه "تعويق", أو "إخفاق" فهو تعويق للمثل الأعلى الذي ينزع إلى التدخل في الواقع، ولكنه يجد نفسه ممنوعًا منه، وهو إخفاق للضمائر الأخلاقية في انتظارها للقيمة. لسنا نريد أن نتلعب بالكلمات، وليطلقوا ما يشاءون على هذا العمل، الذي لم تعد به الوديعة وديعة، فإن ما يثبت أن الخطأ الأخلاقي لا يكمن في هذا التبديل البسيط هو أنه يكفي أن يغير صفته أحد العوامل الأخلاقية "كأن يتنازل المالك عن حقه للمستودَع" لكي يصبح غير مستحق للوم. فلننظر الآن. لا أقول: في واقعة رفض إنسان للتكليف الأخلاقي بالتزام كلمته بعد قبوله، ولكن في مبدأ شخص كهذا يسمح لنفسه في حال حاجته، أن يعطي وعدًا كاذبًا، ما الذي يحدث على وجه الدقة إذا ما حولنا هذا المبدأ إلى قانون شامل؟ لا شك أن الارتقاء -إلى هذا المستوى- بالعمل الذي يسمح الإنسان به لكل فرد أن يخدع الآخرين -سوف يعرض للضرر من لم يكن يريد له هذا الإنسان أن يخدع به. ومنذئذ يبدو التعارض، وقد انتقل إلى الصعيد التشريعي ذاته. ولكن هل يستتبع هذا التنازع في الواقع تناقضًا: إنه يريد، ولا يريد -أن يكون مخدوعًا؟ إننا نعتقد أن هذا التعارض الظاهر لم ينشأ إلا عن غموض في معنى اللفظ "يريد"، الذي يؤدي هنا دورًا مزدوجًا، عمليًّا ACTIF، وعاطفيًّا AFFECTIF. فالواقع أن "إرادتنا" بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهو أنها القدرة على اتخاذ قرار -تستطيع تمامًا -كما يفعل المولع بالمخاطرة - أن تقر نظامًا عامًّا، يكون امتداده قابلًا ليؤثر فيما نطلق عليه اصطلاحًا كلمة "إرادة"، وهي ليست سوى حساسيتنا أو قدرتنا على الرغبة.

стр. 72

وعلى هذا النحو فإن القاضي "يريد"، ويرى عقوبة المذنب عدلًا، بصفة شاملة، وإن كان "لا يحب" أن يكون هو نفسه معاقبًا عند الاقتضاء. وعود إلى مثال الوعد الكاذب لنتساءل: ألا يتضمن السماح للآخرين بأن يخدعوا الناس -أن يدعي الكذاب الداهية أن بوسعه أن يفسد أحابيلهم ويفلت من شراكهم، دون أن يحتاج إلى الخروج على مبدئه؟ ولكن سوف يقال لنا: ألسنا حين ألغينا الثقة في الكلمة المعطاة قد أتحنا لمبدأ الوعد الكاذب أن يدمر فكرة الوعد ذاتها، وهي التي تفترض إمكان الوثوق بالغير؟ إن من السهل أن نكشف عن الحيلة التي تسلك بها في الخفاء أفكار كثيرة في فكرة واحدة. وبرغم كل ذلك فإن فكرة الوعد ليست لأجل هذا متناقضة، لا في جوهرها، ولا في وجودها، ولا في إمكان أن تؤثر على بعض العقول، ما دام في الناس مخدوعون. وإنما يطرأ التناقض في اليقين بنهايتها، فنحن على ذلك بعيدون جدًّا عن آية ضرورة منطقية. إن ما هو ضروري منطقيًّا يتمثل لنا حقيقة تحليلة ساكنة STATIQUE، وذلك هو اتفاق الفكرة مع ذاتها، على حين أن الضرورة الأخلاقية هي بالأحرى ذات طابع تركيبي متحرك DYNAMIQUE، فهي تصف علاقة بين مجالين مختلفين، وذلك هو سعي الفكرة نحو كينونتها كما هي الحال. وليس معنى ذلك مطلقًا أن جوهرها يكفيها في ذاتها لكي توجد في الواقع في فكرة الموجود الكامل عند "ديكارت". إذ إن المفهوم الأخلاقي لا يمكن أن يندمج في الواقع، إلا بوساطة نشاط فاعل مريد وحر، ولكنها "أي: الضرورة الأخلاقية" متصورة بوساطة هذا الفاعل كقيمة جديرة أن تتحقق، وحافظة لإرادته على أن توجدها. وفي كلمة واحدة: فإنها الإلحاح على مثال أعلى عملي يطلب حقه في الوجود الفعلي.

стр. 73

بهذه الفكرة عن القيمة العملية نترك مجال الخصائص العامة المشتركة بين جميع القوانين، لننتقل إلى الخصائص النوعية للقانون الأخلاقي. لقد أدرك "كانت"، بفضل تعمقه الفكري الملحوظ -الاختلاف الكبير الذي يفصل أساسًا القاعدة الأخلاقية عن جميع القواعد الأخرى العملية، ويكمن هذا الاختلاف في الفكرة الأرسطية عن "الغاية" و"الوسيلة"، ويعني الاختلاف بين ما ينبغي أن نسعى إليه "لذاته"، أو "لشيء آخر". وإنها لفكرة خصبة، تلك التي عرف "كانت" كيف يستخدمها لحسن الحظ، والتي نتناولها بدورنا، حين نستخرجها من مذهب "كانت" الشكلي. والواقع أنه على حين أن فن الحياة بما اشتمل من قواعد الحذق والفطنة لا يتطلب نشاطنا بشكل جاد، إلا بناء على هدف محبب، فإن القانون الأخلاقي وحده هو الذي يفرض النشاط لذاته، أعني: بموجب القيمة الذاتية التي يتضمنها. فأمر الواجب هو وحده الذي يمكن أن يسمى "إلزامًا" بالمعنى الحقيقي. أما الأوامر الأخرى فهي ليست سوى نصائح مجردة، تدل على الوسائل لمن أراد أن يبلغ الغاية. ولسوف ندع جانبًا -مؤقتًا- مسألة معرفة ما إذا كان الإنسان قادرًا دائمًا على تصور واجبه في تجرد كهذا. لسنا نتكلم الآن من وجهة نظر الفاعل، ولسوف نناقش فيما بعد١ النظرية التي تجعل من هذا الإخلاص المثالي في نية الإنسان، واجبًا صارمًا. لكنا نؤيد فقط "كانت" فيما ذهب إليه، من أنه لما كان كل اعتبار للنتيجة غريبًا عن فكرة الواجب، فإن القانون الأخلاقي من حيث هو لا حاجة به مطلقًا لأية قيمة خارجة عنه، يسوغ بها أمره. وإنما ينبغي، بل ويكفيه لكي يؤكد سلطته، أن يقدم لنا العمل على أنه إلزامي، وحسن في ذاته، بقطع النظر عن أية نتيجة مستحسنة، أو مستهجنة.

стр. 74

فإذا ما أحللنا أحد هذه الاعتبارات محل الآخر انقلب نظام الأمور، ولم يعد عملنا ذا صلة بعمل الأخلاقيين. بيد أنه إذا كان حقًّا أن أي نشاط يمكن أن يكون عادلًا، ونافعًا، ومستحسنًا في آن، فليس محظورًا على المشرع أن يضاعف الأسباب المسوغة لنظامه، ولكنه لن يكون حينئذ قد اقتصر على دور الأخلاقي؛ وإنما هو يضيف إلى هذا الدور أشياء أخرى ليست مع ذلك متعارضة. وأي مربٍّ حاذق يجب أن يلجأ إلى هذه الطريقة ليضمن فاعلية تعليمه. ولسوف تزداد مبررات هذه الإضافة كلما اتصلت بتربية المبتدئين، فأما إذا ما حققت الحاسة الخلقية بعض التقدم فإنها تصبح بالتدريج أكثر نقاء؛ لتكتفي في النهاية بذاتها، وبهذا المنهج التدريجي يبدو لنا أن القرآن قد سار في تعليمه الأخلاقي١. ويجب أن نشير إلى أن هذه السمة المميزة للإلزام الأخلاقي من ناحية التشريع، تصاحبها جنبًا إلى جنب، سمة أخرى تتصل بناحية التطبيق. ذلك أن العمل الأخلاقي لا يتمثل أبدًا في واقع مادي: لاشعوري، أو لاإرادي، أو غير مقصود، فعلى حين تقنع الشريعة "بمادة" العمل وحرفيته الجافة، تتطلب الأخلاقية منه "روحه". بل إننا -دون أن نتخذ موقفًا في الجدل المشهور الذي ثار بين فقهاء المسلمين حول الضرورة المطلقة في أن يؤدي المرء واجبه لمجرد كونه واجبًا- نجد أن هنالك واقعًا في الإسلام لا يقبل الشك، هو أن قداسة الواجب تقتضي أن نتأملها -على الأقل- في لحظة العمل، ولا بد أن يتخذ الذهن في تلك اللحظة وضعًا، لا يكون قصوره للعمل خلاله من جانبه المادي وحده، بل تكون له التفاتة إلى طابعه الإلزامي بهذا المعنى دون غيره.

стр. 75

وبدون هذا يصبح أكثر الأعمال مطابقة لنص القانون جسدًا ميتًا، وأمرًا دنيويًّا ليست له قيمة أخلاقية١. وهكذا نجد أن ما يتميز به قانون الواجب كونه قانون حرية، وعقل، وقيمته ذاتية، ونشاطه ذو طابع روحي في جوهره. بيد أننا ينبغي أن نعود إلى خصائص القانون الأخلاقي العامة التي يشترك فيها مع سائر القوانين والشرائع، كيما نقدمه في شكله القرآني الخاص. ولقد رأينا كيف ينظر القرآن إلى هذا القانون على أنه ضروري وشامل، ويجب أن نضيف أنه لا يترتب على هذا كونه غير مشروط إطلاقًا، فماذا تكون هذه الشروط؟ لدينا منها أنواع ثلاثة: أحدها ينظر إلى الطبيعة الإنسانية بعامة، والآخر ينظر إلى واقع الحياة المادي، والثالث ينظر إلى تدرج الأعمال.

стр. 76

أ- إمكان العمل: ولعل من نافلة القول أن نؤكد فكرة الإمكان المادي للعمل كشرط لا معدى عنه في الإلزام الأخلاقي. فليس الضمير العام هو الذي يعترف وحده بتلك الحقيقة البدهية القائلة بأنه لا يطلب الطيران من النوق. ولكن ذلك هو بذاته ما ورد في كثير من النصوص القرآنية. مثل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ١. ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٢. وقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٣.

стр. 77

والظروف التي نزل فيها هذا النص الأخير تعيننا على تحديد معنى هذه الاستحالة، التي تبدو وكأنها غير متفقة مع الإلزام. ففي الآية السابقة عليه يقول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١. وقد اعتقد صحابة النبي ﷺ أنها تنطبق على كل ما يدور في الضمير: أفكارًا، أو عزائم، أو رغبات، أو هواجس، أو تخيلات ... إلخ, تمسكًا منهم بحرفية هذا النص العام. فعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله, ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ , اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب فقالوا: يا رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصوم، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية، ولا نطيقها، فقال رسول الله, ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ " ٢. وهنا نزل هذا النص التفسيري المذكور آنفًا ليقول لهم: "إن التكليف لا يتوجه إلى الإنسان إلا في حدود وسائله، وهكذا أدركوا أن أحوال النفس التي لا تخضع للإرادة ليست في الواقع، ولا يمكن أن تكون موضوعًا مباشرًا للتكليف، فضلًا عن الوساوس، والغرائز والشهوات، والميول الفطرية. ولذا، فإن جميع الأوامر ذات الاتصال بالحب أو البغض، وبالخوف أو الأمل -قد فسرت عقليًّا لدى الشراح على أنها قد جاءت لتحكم عملًا سابقًا نشأت عنه هذه الحالات، أو عملًا مصاحبًا أو لاحقًا، ولكنه لا يمكن أن

стр. 78

يكون من قبيل اللاإرادي. وهكذا نجد أن حب الله، وهو حالة عاطفية ولا إرادية في ذاتها، يمكن أن يكتسب بوساطة عمل إرادي، هو التأمل في رحمة الله التي لا تنتهي، وتذكر فضله الذي لا يفتأ يفيضه علينا؛ ذلك أن الناس جبلوا على حب من يسدي إليهم معروفًا، وبهذا المعنى غير المباشر أصبح حب الله أمرًا في قوله, ﷺ : "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة" ١. وكذلك يمكن أن يكون حب الأقربين أمرًا محتومًا بفضل طرق شبيهة بتلك نسبيًّا، أو بفضل تصرفات عملية أخرى أكثر تقبلًا، وهي ما نجد له مثالًا طيبًا في قول النبي, ﷺ : "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا، وتذهب الشحناء" ٢. وفي مقابل ذلك يبدو لنا الأمر: "لا تغضب" ٣، مشيرًا إلى آثار هذه العاطفة، أكثر من أن يكون مشيرًا إلى أسبابها، إنه يريد أن يقول إذن: "لا تخلوا بين أنفسكم وبين الانزلاق في نتائج الغضب الطائشة، وقاوموا الحركات التي تسير في اتجاه فاسد بتوجيهها وجهة أخرى"٤. بل إن العقيدة نفسها يمكن أن ينظر إليها على أنها إلزام منبثق عن أمر

стр. 79

واقع، ما دام الإنسان -أمام الوضوح الذي لا يقاوم- لا يملك إلا أن يذعن ويسلم. ولذا نجد القرآن حين يريد أن يوجز وصاياه المتعلقة بالإيمان ينتهي بها إلى وصية واحدة هي التفكر في عزلة، أو في صحبة شخص آخر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ١ أي: بعيدًا عن تأثير الجماهير. ومع ذلك فلقد شهد التاريخ الإسلامي جدالًا نشب بين الأشاعرة والمعتزلة حول هذه المسألة: هل الله سبحانه قادر على تكليف الناس بعمل المحال، فضلًا عن أن يكلفهم ما لا يطيقون؟ والغريب أنه على حين نجد المعتزلة -الذين يطلقون أساسًا العنان لعقولهم- يدافعون هنا عن حرفية النص، إذ بالأشاعرة -الذين يرفعون غالبًا لواء التشدد في الدين "دون أن يكونوا خير ممثليه كما يجب أن نعترف"- يدافعون عن القضية العكسية، مقررين أن من الممكن عقلًا وشرعًا لله سبحانه أن يكلفنا ما ليس في وسعنا، وأن يحقق ما لا يقبل التحقق، حتى لو كان محالًا. وعلة هذا الانقلاب في الموقف يسهل كشفها إذا ما وضعنا نقطة الخلاف في مكانها من مجموع كل مذهب. فالمعتزلة يرون أن هذا الموقف مرتبط بنظام عقلي خالص، يزعم التوصل بنور العقل وحده إلى ذات الموجود الأسمى، وإلى الشرائع الأخلاقية التي تحكم أفعاله، كما يتوصل أيضًا إلى الشرائع التي تفرض علينا. وفضلًا عن ذلك فإن الشرائع الإلهية ما إن تعرف حتى تستنبط منها

стр. 80

مجموعة من القواعد المحددة، التي لا يقدر الله سبحانه على نقضها. فالله سبحانه طيب، وحكيم، وعدل. وإذن فهم يقررون أما ما لا يتفق في ذاته مع هذه الصفات، بل ما نتصوره نحن من هذا القبيل، لا يقدر الله سبحانه على فعله، ولا يجوز أن يفعله. ومن هنا جاء، فيما جاء عنهم، القواعد الآتية: لا يجوز أن يخلق الله سبحانه شيئًا دون أن يقصد إلى غرض نافع بالنسبة إلى المخلوق، وهو ما يطلقون عليه: "رعاية الصلاح"، كما أنه يجب أن يحقق من بين الخيرين الممكنين أكثرهما نفعًا، وهو عندهم: "رعاية الأصلح". وليس لله سبحانه أن يتدخل في أعمالنا الإرادية، لا من أجل فرضها، ولا من أجل منعها، وفي مقابل ذلك يجب أن يزودنا بقدرة متكافئة لفعل النقيضين، ثم يتركنا نختار اختيارًا حرًّا فيما بينهما، فمن أطاع وجب على الله أن يثيبه، ومن عصا الله دون أن يتوب، وجب على الله أن يعاقبه، دون أن يغفر له، وإلا ارتكب ظلمًا. وسواء أكان الأمر يتعلق بطبيعة واجباتنا نحو الله، أم نحو أنفسنا. أم نحو الآخرين؛ فإن هذه الواجبات تصدر بالضرورة عن طبيعة الخير والشر. ولدينا عن هذه الطبيعة معرفة فطرية تقريبًا. وحتى لو أننا افترضنا أن الله سبحانه لم يكن قد أظهر إرادته في الكتب المنزلة، ولم يوح أوامره إلى الرسل، فمن المؤكد أننا كنا سنعرفها، ثم نكون ملزمين باتباعها، وليس للكتب ولا للرسل من مهمة سوى إثبات آرائنا العقلية وإيضاحها. فمن أجل مقاومة هذا الاغترار الشاطح، وهذه الثقة المتضخمة بالعقل الإنساني، هبَّ الأشاعرة يناهضون أفكار المعتزلة، فكرة فكرة، حتى

стр. 81

وجدنا أن روح المراء قد أدت بهم أحيانًا إلى أن ارتكبوا تطرفًا مضادًّا. فالأشاعرة حين أرادوا أن يقارعوا البراهين بالبراهين، قصروا أولًا عن أن تكون لهم أرضية فلسفية ثابتة، وهي على كل حال أقل خطرًا، أعني هذا الموقف السلبي الذي يقوم على رفض الاحتكام إلى العقل في مثل هذه المشكلات، باعتبار أنه لا يصح قياس العقل المتناهي بالأشياء اللامتناهية. أما في الجانب الإيجابي فإنهم قد أخطئوا حلًّا ليس بأقل حكمة، وهو حل بناء وقرآني بحق، يوفق بين الصفات المتعارضة، دون أن يغفل واحدة منها، أو يغلو في الاعتماد عليها، والأخذ بها. فالقرآن يعلمنا من جانب حقيقةً هي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ ١، فهل من الممكن أن نفهم هذه العبارة على أنها تحكم واستبداد مطلق؟ على حين يؤكد القرآن لنا من جانب آخر. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ ٢ وما هو ذا نفس التقابل بين الصفات في صورة أخرى. فهو يقول في نص من نصوصه: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ٣، ولكنه يقول في نفس النص: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤. ويقول في آية أخرى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ ٥. وكذلك الحال حين يعلم أن الله قادر على أن يهلك الناس جميعًا، الطائعين مع المذنبين: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ

стр. 82

الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ١، أو حين يعلن أيضًا أن شيئًا في هذا الكون لا يستطيع أن يعارض ما فرض علينا من التكاليف الشاقة، ولا ما ابتلانا به من تصاريف مغمة: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ ٢. أليس واضحًا أن هذه الصورة الشرطية لم تتغير مطلقًا إلى مضارع الحال؟ ومن الممكن كذلك أن نؤكد أنها لن تتغير أبدًا من حيث إن الله سبحانه قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٣. وإذن، فبدلًا من أن يؤكد الأشاعرة القدرة الإلهية الكاملة، التي غاب عن المعتزلة تأكيدها، وبدلًا من أن يجعلوها في مقابل الحكمة التي حاول المعتزلة إبرازها -نجدهم بدافع الحمية، وقلة الحنكة النظرية- قد ألغوا تقريبًا الحكمة من أجل القدرة. بحيث لم يحتفظوا منها إلا بالاسم وحسب. فعندما نجد عملًا محكم التدبير، كامل التنظيم، بحيث يكون لكل جزء وظيفته داخل المجموع، أو عندما نرى أن واقعًا قد انتهى إلى نتائج طيبة، فإن العادة قد جرت على أن نفسر الأمور بعضها ببعض، وأن نحمل هذه العلاقة في المكان، أو في الزمان، وهذا التضامن البنائي، أو هذا التتابع التاريخي، على غاية مقصودة. قال الأشاعرة: هذا تشبيه!! فإن هذا التفسير الإنسان لا يصدق على الأمر الإلهي، حيث لا موضع لافتراض وجود غاية، بحسب مذهبهم، والله يفعل ما يريد، دون أن يقصد إلى أية غاية. ومن عباراتهم في ذلك: "إن الله لا يفعل شيئًا لأجل شيء، ولا بشيء، وإنما اقترن هذا بهذا لإرادته لكليهما، وهو يفعل أحدهما مع صاحبه، لا به، ولا لأجله؛ لأنه خالق كل شيء ومليكه"٤.

стр. 83

ونقول نحن: ليكن هذا، ولكن أليس الأشاعرة مضطرين -على الرغم من هذه الإرادية التي لا تتقيد بغاية، وليس لها ما يقابلها أو يوازيها- إلى أن يعترفوا بأن مجال الإرادة والوجود أكثر تقييدًا من مجال الإمكان، والقدرة المطلقة؟ لا شيء حينئذ سوف يحول دون أن يتفق ما يبدعه الله، أو ما يأمر به، مع مقتضيات العدالة والخير، ولو أنه لن يكون محدودًا بهما. أما فيما يتعلق بهذه الحالة التي تشغلنا فلسوف يرضينا لو استطاعوا أن يؤكدوا لنا أن الله سبحانه لا يكلف الناس إلا وسع قدراتهم، وهو تكليف، إن لم يكن بالشرع، فليكن على الأقل بالواقع، وتبعًا لعرف دائم لا يقبل التغير. لقد فهم أكثر الأشاعرة تعقلًا هذا المعنى١، ولكن الآخرين استهواهم المضي في المراء، فجذبهم إلى بعيد. لقد أجهدوا أنفسهم ليجدوا وسيلة بارعة لإثبات فكرة التكليف بالمحال في ذاته، لا من حيث هو حق القدرة الإلهية فحسب، ولكن باعتباره واقعًا قد حدث فعلًا. ثم نجدهم يدعون في جرأة نموذجية أن لديهم على ذلك أمثلة مادية في القرآن نفسه، وإليك لقطتهم الثمينة. لقد ساقوا مثلًا على ذلك حال بعض الكفار الذين أعلن القرآن أنهم سيموتون في الكفر، من مثل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٣. ولسوف يكون ذلك مهما بذل في سبيل هدايتهم من جهد: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ٤.

стр. 84

فهؤلاء الناس لم يكونوا أقل تكليفًا بالاعتقاد في الحقائق المنزلة، بما في ذلك كفرهم الدائم، وهم على ذلك يفعلون المستحيل: أولًا: لأن أمرًا مما علم الله عدم وقوعه، لا يمكن أن يوجد. وثانيًا: لأنه ربما كان من المتناقض أن يؤمنوا بهذا الوحي الخاص، الذي يقرر أنهم لن يؤمنوا أبدًا، وبذلك يكونون في حالتي إيمان، وعدم إيمان. ويقدم فخر الدين الرازي هذا الاستدلال المزدوج، ويضاعف من حوله الأقوال، كأنما هو العقبة الكئود التي لن يستطيع العقليون أن يفلتوا منها أبدًا١. بيد أنه حتى لو افترضنا أن المقدمات صادقة، فلسنا نرى في هذا الاستدلال المزدوج سوى ضروب من القياس الكاذب. وأول الاستدلالات، وهو ما يستمدونه من علم الله السابق -يقوم على نوع من الخلط بين "الممكن" و"الواقع"، بين "الجوهر" و"الوجود" فليس معنى كون الشيء لا يوجد، أو لن يوجد أبدًا -أن يكون مستحيلًا في ذاته. فالعلم لا يغير جوهر الأشياء، فضلًا عن واقعها، إنه يسجل هذا الواقع، ثم يحكيه، ويعبر عنه، ولو كان كل ما علم الله أنه لا يوجد -"مستحيلًا" لوجب القول -لنفس السبب- بأن كل ما علم الله أنه يوجد "ضروري". فماذا بقي في الكون إذن لتتحقق فيه الإرادة الإلهية؟ وأما الاستدلال الثاني: فهو يقوم كذلك على خلط منطقي بين نوعين من القضايا، أحدهما قائم بذاته، والآخر معلق بغيره؛ فالإيمان وعدم الإيمان قضيتان متناقضتان، مفترض أنهما قد استوفتا كل الصفات المطلوبة.

стр. 85

ولكن إيمان الفرد، بأنه لن يؤمن أبدًا -حدث واقعي بالنسبة لمن لا يؤمن، ما دام أنه يحسه في نفسه، ويعرفه بالتجربة المباشرة، والشخصية. وحين أخفقت كل محاولات الأشاعرة في هذا المجال القرآني، وجهوا بحوثهم إلى مجال أكثر رحابة، وأعظم اعتمادًا على العقل الخالص، وها هم أولاء يريدون أن يبرهنوا لنا على أن التكليف بالمحال هو من جانب معين قاعدة عامة، أكثر من أن يكون قاعدة خاصة في الشرع الإلهي. ويقف خصومهم المعتزلة ليدافعوا عن الحرية الإنسانية مقدمين إياها على العمل، حين يكون لكل امرئ أن يجرب قدرته المزدوجة على أن يعمل، أو يمتنع عن العمل. ويعترض الأشاعرة على هذا بأن القدرة كانت قبل العمل احتمالًا، والقدرة الفعلية مصاحبة للعمل١، من حيث إنه لا يمكن أن تمارس هذه القدرة تأثيرها على الضدين إلا تباعًا، فإذا ما شغلت بأحدهما بقي الآخر محالًا، ما دام الأول في طريق التحقق، فالذي يخالف الأمر، ويستخدم نشاطه في مناقضته هو حينئذ غير قادر على الطاعة، في حين يمارس المعصية، وهو مع ذلك مكلف في اللحظة ذاتها بأن يؤدي واجبه، وبهذا يكون عدد الحالات الاستثنائية الشاذة -أعني: التي يكون موضوع التكليف فيما أمرًا لا يقبل التحقق- مساويًا على الأقل لعدد الحالات السوية. ولكن من ذا الذي لا يرى في هذا الكلام سفسطة خالصة؟ الواقع أن أحدًا لا يمكن أن يفكر في تفسير الأمر الموجه إلى عاصٍ،

стр. 86

باعتباره تكليفًا له بأن يطيع، في الوقت الذي يعصي. فقد وضح إذن أن الهدف هو إلزامه بأن يكف عن المقاومة، وأن يتيح لنشاطه بديلًا أخلاقيًّا. فإذا ما أصروا على أن يخلعوا صفة "المحال" على عمل كهذا فلن تكون هذه سوى مشكلة زائفة، وإذا لم يكن الخصمان قد اتفقا على تحديد المراد من الكلمة، فإنهما متفقان بهذا على الوقائع ذاتها، وعلى المبدأ الذي ندافع عنه اتفاقًا كاملًا.

стр. 87

ب- اليسر العملي: ها نحن أولاء قد أقصينا من مجال التكليف كل ما لا يمكن أن يخضع خضوعًا مباشرًا، أو غير مباشر، لقدرتنا. ومع ذلك، فهذا الإقصاء لا يمكن أن يكون وقفًا على الأخلاق الإسلامية، بل يجب أن نعتبره السمة المشتركة بين جميع المذاهب الأخلاقية العادلة والمعقولة، ولا سيما الأخلاق الموحاة كلها، من حيث كان بدهيًّا أن عكس هذه الأخلاق غير متوافق مع العدالة والحكمة الإلهية. ومضمون النصوص السالف ذكرها يؤكد هذه الملاحظة، إذ هو يقدم لنا في الواقع هذا الشرط في صورة مؤكدة، شديدة العموم، حتى ليحق لنا أن نفسرها على أنها تعبير عن قانون التزمت به الذات الإلهية نفسها، وهو صادق بالنسبة إلى جميع الناس، في جميع الأزمان. وإليك الآن نصوصًا أخرى لا تقتصر على نفي كل ما هو مستحيل على سبيل الإطلاق -من الأخلاق الإسلامية، وإنما هي تنفي عنها كذلك كل تكليف لا تقر العادة إمكان تحمله، كما تنفي كل مشقة يمكن أن تستنفد قوى الإنسان، حتى لو كانت في حدود طاقتها. يقول الله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ

стр. 88

الْعُسْرَ﴾ ١، ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٣، ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٤. ففي هذه الكلمات نسمع نغمة جديدة تمامًا، إذ إنه على حين أن الشرط الأول، وهو الإمكان، كان يساق على أنه حقيقة أبدية، مستقلة عن المكان وعن الزمان -لا نصادف هنا سوى أقوال مقيدة، تقدم لنا هذا الطابع الثاني: اليسر، على أنه واقعي تاريخي، متصل بالأمة التي يتوجه إليها الخطاب، أعني: أمة الإسلام. فإذا لم يكن المراد ضرورة أن هذا الطابع إسلامي النوع، فلا أقل من أن يوحي إلينا عدم القصد إلى ذكر قول عام في هذا الصدد، فكرة أن هذا الجانب ليس مشتركًا بين جميع الشرائع المنزلة. هذه الفكرة التي يمكن أن نستنتجها هنا من مجرد المقابلة الأسلوبية، جاءت إلينا واضحة تمام الوضوح في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ٥، فقد كان هنالك إذن "إصر" مفروض في شريعة سابقة، ففي أي دين كان؟ وما هو هذا الإصر؟ فأما عن النقطة الثانية، فقد ذكر المفسرون أمثلة كثيرة، لا مجال هنا لتحقيق قيمتها التاريخية. وأما عن النقطة الأولى، فإن العبارات التي استخدمها بعضهم يفهم منها أن ذلك كان في جميع الأديان السابقة، التي باينتها شريعة محمد ﷺ بما يشبه

стр. 89

المزية الخفية. غير أننا إذ ما تمسكنا بإشارات القرآن نعتقد أن بوسعنا أن نجيب عن هذين السؤالين إجابة قاطعة محددة. ففي الحوار الذي أورده القرآن بين الله ، وبين موسى، عقب الرجفة التي أخذت السبعين المختارين من قومه في جبل سيناء، نقف أمام آية، لو وضعناها بإزاء الآية التي ذكرناها آنفًا لمنحتها قيمة بيانية، حيث قد استعملت نفس ألفاظها. يقول الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ١، فبنو إسرائيل والديانة اليهودية يمكن إذن أن يصبحا عبرة لنا، عبرة توضح النص المذكور. ولكن ما أهمية هذا التوضيح؟ أيجب أن نأخذ النصين على أن كلًّا منهما محدد للآخر؟ أم يجب على العكس أن نمضي صعدًا في التاريخ، وأن نمد فيه العبرة إلى الأديان السابقة، ثم نختم حديثنا بامتياز الشريعة المحمدية في هذه النقطة؟ إننا لا نوافق على الافتراض الأخير؛ لأسباب: أولها: أن من العسير أن نصف دينًا كدين إبراهيم بهذا الوصف، وهو الذي طالما انتسب إليه الإسلام، وخصه القرآن بنفس السمة الرحيمة: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٢. وثانيها: أن المصاعب التي ذاقها بنو إسرائيل على ما حكى القرآن "كالسبت، وتحريم بعض الطيبات" -لا تبرز أصلًا في ديانته، وإنما هي إجراءات اتخذت فيما بعد عقابًا لهم على سوء عملهم، وهو ما يعبر عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ٤. وقد فصلت هذه الطيبات المحرمة، التي وردت إشارة هنا -في

стр. 90

موضع آخر من السورة السادسة "الأنعام"، ثم ختم التفصيل بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ ١. فالإسلام لم يفعل إذن سوى أن رد الأمور إلى نصابها، ووضعها موضعها. ومع ذلك فتلك هي الرسالة التي كلف عيسى ﵇ أن يؤدي جانبًا منها على ما حدث القرآن: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ٢. وثالثها: أننا لا نستطيع أن نفهم بسهولة: كيف تريد رحمة الله أن تثبت منذ البداية نظامًا يضغط ضغطًا شديدًا على الإنسان، ذلك المخلوق الضعيف، حتى لتجعله يئن تحت ثقل نيره، على ما تدل عليه كلمة "إصر"؟ أمن الممكن أن نتحدث، إلى حد ما، وتبعًا للمعتقدات، عن مشقة نسبية في بعض الفرائض الواجب أداؤها، أو أن نتحدث عن قدر معين من المشقة يتفاوت في مبلغ امتداده، أمام حرية المبادأة، أو حرية الاختيار؟ أيًّا ما كان الأمر فلا ينبغي أن تتوسع كثيرًا في هذا الموضوع، الذي قد يحتاج إلى دراسة مقارنة أكثر تفصيلًا. ولنعد إلى نقطة بدايتنا، لنرى بما نسوق من أمثلة -بعض مظاهر اليسر العملي الذي خص به القرآن أوامره. والمظهر الأول يكمن في أن القرآن لا يفرض علينا الغلو في تطبيق بعض الأعمال التعبدية، كقيام الليل في الصلاة، وإنما هو ينصحنا بعدم التزام هذا الغلو، ويفصح عن بعض مساوئه. فمن المعلوم أن النبي ﷺ كان في بداية رسالته مأمورًا أن يقوم شطرًا كبيرًا من الليل في الصلاة، وترتيل القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ

стр. 91

إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ١، وقد سار على هدي النبي ﷺ بعض صحابته، حيث اعتادوا أن يفعلوا ما يفعل. وها نحن أولاء نقرأ في نهاية السورة ذاتها درسًا موجهًا إلى هذه الطائفة من القائمين بالليل، يلفت أنظارهم إلى أنهم لن يستطيعوا أن يداوموا على هذه الشعيرة في ظروف معينة؛ كالمرض، والسفر، والجهاد. ثم يأمرهم أن يكون قيامهم بالليل بقدر ما تسمح أحوالهم: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٢. وقد ظهرت هذه الروح -التي ترى الإفراط في التحنث- لدى بعض الصحابة في المدينة -فلم تواجه بأقل مما سبق، باعتبارها انحرافًا مناقضًا لروح الشريعة. وينتج من مجموع النصوص القرآنية والنبوية المتعلقة بهذا الموضوع أن الإسلام يعلق أهمية كبيرة على بعض الأوامر التي لا ينبغي أن يغفل عنها امرؤ تقي، وربما كان إغفالها هو النتيجة الطبيعية لهذا الإفراط. فقد رأينا أن الإنسان ليس عليه فقط أن يتحفظ من إطالة عبادة، ربما تعوقه في أداء الواجبات الأخرى "كالتجارة، والجهاد"، ولكن العمل العبادي نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى نوع من الآلية، التي لا يحس المرء معها إحساسًا واضحًا بما يفعل، أو بما يقول: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٣. ولقد يحدث -كما يلاحظ النبي, ﷺ أن ينشأ عن طول القيام والسهر اضطراب في نظام الدماغ، يحدث أخطاء فاحشة في الصلاة، فقد يريد المرء أن يسأل الله المغفرة، فيتفوه بألفاظ من التجديف، أو قد يلعن نفسه، وفي

стр. 92

ذلك يقول رسول الله, ﷺ : "إن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" ١. فلكيلا يبلغ الأمر هذا المبلغ رغب الإسلام في نوع من الاسترخاء البدني، أو الشبع المادي، وهو ما يمنح المرء راحة خلال هذه المهمة التعبدية. واسمع في ذلك قوله, ﷺ : "ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل-أو فتر- قعد" ٢. فالقيام بأي نشاط تعبدي ينبغي إذن أن يستغرق الزمن الذي يحتفظ فيه القلب بنشاطه وسروره فحسب؛ إذ من الواجب علينا ألا نحول عبادة الله إلى عمل بغيض إلى قلوبنا: "ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة الله" ٣. وملاحظة أخيرة، ولكنها ليست أقل الملاحظات صدقًا، تلك هي أن الذي يخطئ بالإسراف في عمل معين، ينتهي غالبًا إلى أن يخطئ بالتقتير في نفس العمل، بل وقد يعرض عنه إعراضًا نهائيًّا، ومثل هذا الإنسان، في منطق رسول الله ﷺ كمثل فارس منهمك في مضماره, فهو لا يلبث أن يرهق فرسه حتى يقتلها، دون أن يبلغ هدفه: "إن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى" ٤. وليس الأمر في هذه الأمثلة كلها أمر إزالة عقبة ماثلة، وإنما هو التهيؤ لمواجهة عقبات محتملة، وإن كانت تقريبًا مؤكدة. والحل لا يتدخل لتغيير.

стр. 93

بعض الأشياء في بنية العقل، وإنما هو يتدخل في مدة الفعل؛ ليفرض عليه في اللحظة المناسبة قرارًا منسجمًا مع الإرادة. ولنتناول الآن جانبًا ثانيًا: وتعنينا هنا قضية واجب ثابت في الظروف العادية، أو في ظروف خاصة مناسبة. ولكن ها هي ذي الظروف تتغير، فتجعلنا في موقف يصبح فيه أداء الواجب بمعناه الكامل الذي حدد ابتداء -عسرًا حقيقيًّا- فهل يجب علينا، برغم كل شيء أن نؤديه كما هو؟ وهل يمكن أن تنام عين الله عما نلاقي من مشقة، فلا تهتم بالموقف الجديد؟ كلا ... بلا ريب، ففي هذا الظرف بالذات يظهر بكل وضوح الطابع الرحيم للشريعة القرآنية، فإن الحل سوف يتمثل -في الواقع- في تعديل للواجب تبعًا لظروف الحياة الجديدة، أي: إن العمل سوف يتعرض لنوع من التصرف، أقل أو أكثر عمقًا، وسوف يكون ذلك بحسب مقتضيات الظرف، سواء أكان تغييرًا، أم تخفيفًا، أم تأجيلًا، أم حتى إلغاء. وهذه الاعتبارات ذاتها سوف تنطبق على العمل سواء أكان تغير الموقف نهائيًّا، وإلى الأبد، أم كان نسبيًّا يخض هذه الحالة أو تلك، هذه الطائفة من الناس أو من الأشياء. ولنأخذ على ذلك مثلًا خفف فيه الواجب بصورة نهائية. ونتساءل: ما النسبة العددية التي يجب بمقتضاها على أي شعب مسلم محتل أن يواجه عدوه بمقاومة مسلحة؟ النسبة واحد إلى عشرة، بموجب قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١، وذلك هو الحل.

стр. 94

الأول الذي قدمه القرآن إلى الجيش الإسلامي الأول، حين لم يكن به سوى بضع عشرات من الرجال. لكن الغريب أن هذا الشعب، حين يصبح مع الزمن أكثر وأعز نفرًا، وبحيث لن يعود أبدًا إلى الموقف الأول، هذا الشعب الفتيّ الممتلئ حماسًا، يبدو أنه لم تعد لديه نفس الصفات المتدفقة التي كانت لديه من قبل، وهو أمر يمكن تفسيره بأنه نوع من الاسترخاء الطبيعي، الناشئ عن كثرة الجماهير التي تتساعد فيما بينها، والتي يبدو حضورها وكأنما يعفي كل فرد من جزء من جهده. فكيف يمكن في مثل هذه الظروف النفسية، أن نكلف الأمة بأن تقف الموقف البطولي الذي سجله الأولون؟ على أن لدى المجاهد المسلم تفوقًا روحيًّا بفضل الإيمان الذي يحركه، وهو أمر سوف يمنحه دائمًا ميزة على خصمه، وما كان له أن ينزل بمستواه حتى يكون عِدْلَه، ومن هنا يأتي الحل الثاني والأخير الذي تصبح النسبة بموجبه: واحدًا ضد اثنين، وهو قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١. في هذا المثال نجد التشريع لا يتدخل لحل الحالة الصعبة إلا في أعقابها. على أنه في أغلب الأحيان يتدخل في نفس الوقت، فقد نجد أنفسنا في حالة عادية، يملك التشريع فيها ناصية الموقف، ومع ذلك تلمح القاعدة حالة استثنائية فتجد لها مخرجًا. وهذا المخرج يكون تارة: إعفاء كاملًا، كما يُعفى العاجزون من فريضة الجهاد، والله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ٢.

стр. 95

وكما يجوز للمستضعفين في الأرض، ممن ينبغي عليهم أن يبحثوا عن ملجأ آمن يمارسون فيه حرية العقيدة والعبادة -يجوز لهم أن يبقوا حيث هم، ما داموا لا يملكون وسيلة الهجرة، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ١. والمسافر الذي لا يجد ما يتقوت به مما أحل الله، يمكنه بل يجب عليه بنفس القدر، أن يطعم أي شيء، ولا يترك نفسه يهلك جوعًا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وتارة يكون المخرج إعفاء جزئيًّا، ومن ذلك: قصر الصلاة أثناء السفر، فيما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣. ومنه: أن الصلاة أثناء المعركة يمكن أداؤها خلال المشي، أو ركوب الفرس، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ٤. وتارة ثالثة: يكون المخرج مجرد إرجاء، فالمرضى والمسافرون ليسوا ملزمين بالصوم في وقته المحدد، وبوسعهم قضاءه في مقبل الأيام: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٥. ورابعة: يكون المخرج استبدال عمل يسير بآخر عسير، فالمسافر الذي لا يجد ماء ليتطهر، والمريض الذي لا يطيق استعماله -يجب أن يكتفي كل منهما

стр. 96

بعملية رمزية، عبارة عن لمس حجر نظيف أو رمل نظيف، ثم يمسح بيده على وجهه ويديه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ١. وجدير بالذكر أن النص في أغلب هذه الأمثلة يبرز جانب اليسر العملي الذي تنطوي عليه، والذي يؤكد رحمة الشرع الإلهي، ففيها إذن الصفة الضرورية للدلالة على أن الأمر ليس أمر بعض العوارض الطارئة، أو حدث ناشيء عن صدفة، وإنما هو مبدأ جوهري يعتبر تطبيقه هدف محاولة دائمة. ولننظر وجهًا آخر للعلاقة بين الواجب والموقف، ولقد وجدنا في الجوانب التي درسناها حتى الآن أن العقبة التي يتنازل أمامها التكليف بعض تنازل كانت عقبة طبيعية، ليست من صنع الإنسان؛ إذ كيف نجعل في الواقع من قبيل الضرورة حالة ميكانيكية ركبها الإنسان بنفسه، ومن ثم فهو قادر على أن يفكها؟ ومع ذلك فهناك حالات يصبح فيها هذا الموقف المصطنع مع طول الزمن أشبه بطبيعة ثانية، متمردة، لا يمكن تذليلها، فهل يجب حينئذ أن نتقهقر أمام هذه الصعوبة، ونعاملها كواقع ليس في طاقة الإنسان أن يتجنبه، بحيث ينبغي أن يقف أمامه موقفًا سلبيًّا في انتظار ما يئول إليه؟ إن الحل الأصيل الذي جاءت به الشريعة الإسلامية مختلف عن ذلك تمامًا، فهو يقوم على التصدي لهذا الموقف، وتناوله بطريقة خاصة، حتى يتاح للإنسان أن يرتقي مرة أخرى، في المنحدر الذي هبط منه، شيئًا فشيئًا، وبحيث يتسنى له -حين يبلغ مستوى معينًا- أن يتقبل النظام الأخلاقي، الذي ظل حتى ذلك الحين معلقًا. ولدينا في هذا المقام مثال واضح الدلالة، يقدمه لنا موقف القرآن في

стр. 97

مواجهة إحدى العادات السيئة، التي تنوقلت على مدى الزمن، من جيل إلى جيل، وغرست جذورها عميقة في الجهاز العصبي، بل وفي كيان أولئك الذين مردوا عليها وأدمنوها. نريد أن نتحدث عن ذلكم الخبال، وتلكم الآفة الإنسانية التي هي الخمر. والآيات -التي نجد فيه إشارات إلى حالة السكر، وإلى الأشربة المتخمرة المسكرة- بلغت أربعًا، كانت رابعتها وأخيرتها هي التي نصت على التحريم الصريح لهذه الأشربة. أما الثلاثة الأولى فلم تكن سوى مراحل تدريجية لتهيئة الاستعداد النفسي لدى المؤمنين، حتى يتقبلوا هذا التحريم. وقد تمت الخطوة الأولى في هذه الطريق في كلمة نزلت بمكة، كلمة واحدة مست المسألة مسًّا رفيقًا، فمن بين الخيرات التي استودعها الله سبحانه في الطبيعة، يذكر القرآن: ﴿ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ ويضيف إليها: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ٢. فهو لم يقصد إلا إلى الموازنة بين "السُّكر"، والثمرات الأخرى التي يصفها بأنها "حسنة"، دون أن يصف هذا السكر نفسه. وبذلك صار لدى المؤمنين دافع إلى الإحساس ببعض التحرج والوسوسة تجاه هذا النوع من الشراب. ولكن ها هم أولاء بعد قليل من وصولهم إلى المدينة يفاجئون مرة أخرى بنص ثان، من شأنه أن يقوي تحرجهم ووسوستهم، وهو يعقد مقارنة موجزة بين منافع الخمر والميسر ومضارهما, ويختم القرآن تلك المقارنة بهذه العبارات: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٣.

стр. 98

فإذا كان حقًّا ألا شيء في هذه الدنيا بخير مطلق، أو شر محض، وأن ما يسمى خيرًا أو شرًّا ليس في جملته إلا ما يحتوي على نسبة أكبر من هذا أو ذاك, فإن النتيجة التي نخلص إليها لا بد أن تكون الإدانة الحقيقية. بيد أن الذي حدث هو أن التحريم لم يكن واضحًا بدرجة كافية لجميع العقول؛ ولذلك ظل عدد من المسلمين يشربون، ولعلهم كانوا هم الغالبية، على حين بدأ آخرون منذ ذلك الوقت الامتناع عن الشرب، ومن ثم كان لازمًا بعض الأوامر الأكثر صراحة؛ كيما تصل جميع العقول إلى الاقتناع الكامل، ومع ذلك فإن هذا كله لم يكن بلا تأثير على جانب اللاشعور في المجتمع، حتى إن بعض ذوي العقول الراجحة كانوا يتوقعون نزول حكم نهائي يؤيد وجهة نظرهم، وقد حدث فعلًا أن نزل حكم، ولكنه لم يكن الحكم النهائي، وإنما سوف نجده يمثل مرحلة وسيطة. في هذه المرحلة الثالثة لم يقل القرآن: "لا تشربوا"، بل قال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ١. وهنا نلاحظ التقدم الذي حققته هذه الخطوة، إذا ما ذكرنا أن الصلاة تعتبر الفريضة الأولى في الإسلام، لا لأنها الفريضة الدينية الأولى، التي يجب أداؤها في أوقاتها، ولكن لأنها كذلك المناط الخارجي والعلامة المميزة للمؤمن -هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يجب أن تقام خمس مرات في اليوم والليلة؛ أربع منها ما بين الظهر إلى الليل، وينتج عن ذلك أن الذي يشرب أثناء هذه الفترات يكاد يخل بالفريضة، بل بأكثر الفرائض قداسة. وهكذا كان هذا التحريم الجزئي غير المباشر منهجًا علميًّا لتوسيع فترات انقطاع التأثير الكحولي، وفي نفس الوقت تقليل رواج الأشربة، وتجريدها

стр. 99

من سوقها بالتدريج، دون إحداث أزمة اقتصادية بالتحريم الشامل والمفاجئ. وحين تم هذا، وتخلصت التجارة من تأثيرها لم تبق سوى خطوة واحدة، وهي الخطوة التي أنجزتها الآية الرابعة، والأمر الأخير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. هذا المسلك اليسير المتدرج يدعونا إلى أن نتذكر الطريقة التي يستخدمها الأطباء المهرة لعلاج مرض مزمن، بل أن نتذكر -بصفة عامة- المنهج الذي تلجأ إليه الأمهات لفطام أولادهن الرضع، ذلك أن هذه الوسائل التي خلت من العنف والمفاجأة تدعو الجهاز الهضمي إلى أن يغير نظامه شيئًا فشيئًا، ابتداء من أخف الأطعمة حتى أعسرها، مارًّا بجميع الدرجات الوسيطة، ألا ما أعظم رحمة الله التي ترفقت بالعباد، على نحو لم يبلغه فن العلاج، ولا حنان الأمهات!! هذا الجانب التدريجي الذي درسناه لا يقتصر وجوده على بضعة أمثلة فحسب، بل هو ينطبق أيضًا، وبطريقة جدّ واضحة، على الأخلاق القرآنية في مجموعها، كما ينطبق على النظام الإسلامي بعامة. ومن المعلوم أن القرآن الذي يقوم في هذا النظام بالدور الرئيسي -لم يجئ إلى الناس كتابًا، جملة واحدة، على نحو ما نراه اليوم، فلقد ظهر بعكس ذلك نجومًا تتفاوت في كمها, خلال نيف وعشرين عامًا, تنقسم إلى مرحلتين متساويتين تقريبًا: المرحلة المكية، والمرحلة المدنية. ومن اليسير ملاحظة أن الآيات التي نزلت في المرحلة الأولى كان موضوعها الأساسي دعم الإيمان، وتثبيت المبادئ والقواعد العامة للسلوك، وأن ما سوى تعاليم

стр. 100

الصلاة والمعاش، وهو تطبيق هذه القواعد العملية على حلول المشكلات الخاصة، الأخلاقية والشرعية -كان كله تقريبًا مقصورًا على المرحلة الثانية. ومن هذه الوجهة نستطيع أن نقول: إن المرحلة المكية كانت في مجموعها نوعًا من الإعداد، ولكن التطبيقات المقدرة والمحددة لهذه المبادئ العامة قد توزعت بصورة متفاوتة على عشر سنوات. كذلك نستطيع القول بأن كل أمر جديد كان ينشئ في مجال التكليف تقدمًا بالنسبة إلى الحالة السابقة، ونقطة انطلاق بالنسبة إلى الحالة اللاحقة. وإنه ليكفي أن نلاحظ هذه المجموعة من الأوامر، المنفصل بعضها عن بعض، بمراحل تتفاوت طولًا وقصرًا؛ لكي نتفق على أن فيها منهجًا تربويًّا، بلغ الذروة في قيمته، وذلك بغض النظر عن أسباب النزول التي تفسر وتسوغ إقرار كل واجب جديد. وحسبنا أن نتخيل ما كان يمكن أن يحدث لو أن هذه الكثرة من الواجبات المتصلة بجميع مجالات الحياة -قد فرضت مرة واحدة، وبصورة شاملة!! أما وهي قد وزعت على هذا النحو فإن النفوس جميعًا قد تقبلتها بارتياح كامل، حتى كأنها كانت تزداد قوة واستعدادًا كلما كانت تمارس واجبًا منها. لم يفهم الكفار على عهد النبي هذه الحكمة التشريعية السامية؛ ولذلك اعترضوا فقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ١، وترد الآية نفسها على اعتراضهم: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ٢، ثم نقرأ في آية أخرى تفسيرًا ثانيًا: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ ٣.

стр. 101

ولقد أدركت عائشة ﵂ هذا المعنى، فيما رواه البخاري, قالت: "حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام.. ولو نزل أول شيء: "لا تشربوا الخمر" -لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا"١. وأكد عمر الثاني -بن عبد العزيز- بدوره أهمية هذا المنهج في المجال السياسي، ففيما يحكى عنه أن ابنه عبد الملك قال له: "ما لك لا تنفذ الأمور، فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق؟ ". فقال له عمر: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة"٢.

стр. 102

جـ- تحديد الواجبات وتدرجها: وهكذا نجد أن الإلزام الأخلاقي قد جاء في القرآن مشروطًا بأمرين: أولهما: أن النشاط الذي يستهدفه يجب أن يكون يسيرًا على الطبيعة الإنسانية بعامة، أي: "خاضعًا لإرادة الإنسان". وثانيهما: أن يكون هذا النشاط ميسرًا في واقع الحياة المحسوسة، أي: "يمكن ممارسته، وغير استبدادي". وليس هذا هو كل شيء؛ إذ إنه لا يكفي، حتى ونحن في نطاق الخير الأخلاقي، أن يوصف نشاط بأنه ممكن وعملي، ليدخل في عداد الواجبات، فسوف نصادف هنا سلمًا من القيم الإيجابية والسلبية، رتبت بعلم، وتنوعت في وفرة.

стр. 103

ولو أننا -بادئ ذي بدء- نحينا جانبًا الواجبات الأولية المحددة التي لا يؤدي تطبيقها إلى أدنى لبس، مثل: "لا تكذب - أد الأمانة - كن في حاجة الآخرين ... " لبقي أمام الفضيلة المبدعة والبناءة ميدان نشاط متراحب، يضم عددًا لا ينتهي من الدرجات، كلها ممكنة وعملية، فهل يجب استيعابها؟ أم أنه يكفي الاجتزاء ببعضها؟ وبعبارة أخرى، هل الخير والواجب فكرتان متطابقتان؟ وهل لا يوجد فوق السلوك الملزم بشكل صارم درجات يتزايد استحقاقها للثواب، ويصح تجاوزها دون ارتكاب موقف غير أخلاقي؟ إن رجوعنا إلى الضمائر الفردية سوف يصطدم بأن كل الناس ليس لديهم نفس القدر من التشدد، ولا نفس الطاقة الأخلاقية، ويترتب على ذلك أن التنوع في الإجابات يرينا كثيرًا من الاتجاهات المتعارضة؛ فعلى حين أن الأنفس ذات العزيمة القوية١ تجعل واجباتها في أعلى درجات الكمال الممكن، وبذلك يتطابق لديها المفهومان "أي: مفهوم الواجب والخير" يتجه الكافة بعكس ذلك إلى ما هو أقل وأدنى؛ ليحددوا الواجب على أنه الحد الأدنى من النزعة الإنسانية وحسن المعاشرة. وعلى الرغم مما يدعيه "كانت" فإننا نتردد في وضعه بين الفلاسفة الذين يؤيدون ارتباط فكرة الإلزام بفكرة الخير؛ بالمعنى الواسع الذي نقصد إليه من هذه الكلمة؛ لأنه لكي يضع فكرة الواجب فوق كل شيء، بدأ بأن استبعد من مجالها علاقات الإنسان بالكائن الأعلى "L' ETRE SUPERIEUR"؛ وبالكائنات الدنيا "LES ETRES INFERIEURS" قاصرًا إياها على الفرد والمجتمع

стр. 104

الإنساني؛ ثم إنه ميّز في هذا المجال المقيد طائفتين من الواجبات يطلق على بعضها؛ كاملة أو جوهرية، وعلى الأخرى؛ ناقصة أو عارضة١. وأخيرًا: نجد أن الواجبات التي أدخلها في هذه الطائفة الأخيرة هي على وجه التحديد ما كان موضوعها تحقيق الكمال للفرد نفسه، وسعادة الغير. أما الواجبات التي يصفها بأنها صارمة STRICTS -فلم تكن في جوهرها سوى واجبات منصبة على التحريم، لا تحط من كرامة الإنسان، ولا تستخدمه مجرد وسيلة. والكمال الوحيد الذي أعلن أنه ملزم على وجه الإطلاق، وهو في الوقت نفسه مستحيل في هذه الحياة هو: النية الأخلاقية التي تنطوي على تأدية الواجب، بدافع الواجب وحده. بيد أننا يمكن أن نسأل أولئك الذين يمدون "الواجب" إلى جميع مجالات الخير، ويريدون في الوقت نفسه أن يعينوا لكل مجال أعلى درجات الكمال الممكن على أنها إلزامية وملحة -نسألهم عما إذا كانوا يرون أن هذه الكمالات جميعًا "واجب" على كل شخص، أو أنهم يتركون لكل أن يختار مجال كماله؟ ومن الواضح أن الافتراض الأول يقتضي شيئًا هو فوق القدرة الإنسانية، أما الثاني فإنه يستحوذ على الإنسان ببعض القيم، ويفرغه لها تمامًا على حساب القيم الأخرى، فهل هذا يشبع الحاجة الأخلاقية؟ إن الكائن الإنساني تركيب من العلاقات: فالعنصر الحيوي، والشخصي، والأسري، والاجتماعي، والإنساني، والإلهي -كل ذلك نظام من العناصر

стр. 105

المترابطة المتواثقة، وكله قابل للتطور والتقدم، وليس من الممكن أن نغفل أي واحد منها دون أن نخلخل هذا التناسب العجيب الذي أبدع فيه الإنسان، أو نشوهه، أو نبتره. والحاسة الخلقية تتطلب ازدهار هذا المجموع ككل، وهو ما لا يمكن إلا بشرط أن نربي -على التوازي- جميع الجوانب إلى مستوى معين، أي: إنه يجب أن تمارس النفس الإنسانية جميع القيم، قبل أن تتخصص في واحدة من بينها، وذلكم هو المفهوم الإسلامي للواجب: "إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا" وفي رواية: "ولزَوْرِك, فأعط كل ذي حقٍّ حقه" ١. فعن هذه المنافسة في القيم ينتج بالضرورة أن الواجب فرع من فروع الحياة لا ينبغي له أن يشغل سوى امتداد معين من الخير الممكن والميسور في هذا الفرع نفسه، تاركًا المجال للفروع الأخرى كي تشبع احتياجاتها؛ وتحرز نصيبها الشرعي من نشاطنا. وهنالك مقياس تستطيع الضمائر الطاهرة أن تلمح به الحد الأعلى؛ الذي يتحول عنده معنى كل فضيلة إلى نقيضها؛ حين تلحق الضرر بفضيلة أخرى. بيد أن هذا الحد الأعلى؛ الذي يختلف تبعًا لاستعداد كل فرد, وتبعًا للظروف التي يمر بها -لا يحدد ميدان الخير الأخلاقي إلا على نحو جزئي وسلبي؛ إذ لما كان الميدان رحبًا عرف كل فرد فيه درجات مختلفة من الفضل والاستحقاق؛ بحيث يستتبع النقص في درجة أو في أخرى؛ تارة تأنيبًا قاسيًا؛ وأخرى عتبًا رقيقًا، أو عتابًا شديدًا؛ وثالثة لا يثير أدنى رد فعل في الضمير.

стр. 106

أليس معنى هذا أن الفرد قد عرف ضمنًا أن فكرة الخير يجب أن تتضمن قيمتين مختلفتين: حدًّا أدنى إلزاميًّا، وإضافة أكثر إغراء بالثواب؟ إن الضمائر لا تخطئ في هذا؛ ولكنها تخطئ عندما تريد أحيانًا أن تأخذ الجانب الإلزامي على أنه أدنى الدرجات الممكنة، وهو مقياس لا يجد فيه الناس ما يبلغ رضاهم بصفة عامة. أما أهل الصلاح من الناس فهو أكثر إلحاحًا؛ إنه يقدر لنفسه بطريقة مبهمة -قدرًا وسطًا من الخير لا يستطيع أن يقيسه قياسًا دقيقًا، فكيف نبلغ في الواقع تحديد هذا القدر المتوسط بالنسبة إلى كل واجب من واجباتنا؟ ليس هناك أي مقياس عقلي، وموضوعي يستطيع أن يقدمه العقل الإنساني. فهل نركن إلى الضمير الفردي؟ ليس هناك اتفاق في هذا الصدد، فهل نحاول وضع حد اتفاقي؟ إن هذا يعني اللجوء إلى التحكم والاعتساف. وهكذا نجدنا بحاجة ماسة إلى هذه التحديدات. إن شمولية القانون "L' UNIVERSALITE DE LA LOI" تتطلب قدرًا من التجانس في الأساس، وبغير ذلك ربما لا تبقى لنا أية قاعدة؛ ثم لا يصبح القانون أكثر من كلمة تردد، فارغة من مضمونها. لقد حاولنا أحيانًا أن نحدد تحديدًا عقليًّا واجبنا الدقيق نحو أندادنا، ولكنا لم نستطع أن نقدم سوى جانبه السلبي: ألا نلحق بهم ظلمًا، ومعنى ذلك أن يكون للناس حق في عدالتنا، لا في إحساسنا، وتلكم هي الأنانية شامخة في القانون!!

стр. 107

ثم ... كيف نقدر الحد الأدنى الضروري من واجباتنا نحو الله، ونحو أنفسنا؟ عن هذه النقاط جميعها تقدم الأخلاق الإسلامية إشارات ثمينة. ففيما عدا الواجب المطلق الذي لا يتضمن تقييدًا، ولا تحديدًا، أعني: "الإيمان" -نجد أن هذه الأخلاق تعين في كل عمل يقبل التحديد درجتين من الخير، وتعطي لكل منهما علامات مميزة، ومحددة بدرجة كافية: الحد الأدنى، الذي لا يهبط العمل دونه، إلا إذا أخل بالواجب؛ ثم ما يعلو فوق ذلك دون تجاوز للحد الأقصى؛ وبعبارة أخرى: الخير الإلزامي، والخير المرغوب فيه. ومعنى ذلك بالنسبة إلى ما سبق أن ما وصف بأنه ضرورة صارمة يمثل مشاركة جوهرية في كل قيمة١. وفضلًا عن ذلك، إن القرآن يفتح الطريق في كل مجال إلى مشاركة أكبر، وهو يحث كل إنسان على ألا يقنع بهذه المرحلة المشتركة، وأن يرتفع دائمًا إلى درجات أكثر جدارة, في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢؛ وقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ ٤، فهو يضع فضيلة "الإسماح - CONDESCENDANCE" فوق "الحق الثابت"، ويلح بخاصة على فضيلة "الإحسان"، واسمع في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ٥. وإمهال المدين عندما يكون عاجزًا عن الوفاء -واجب، ولكن إعفاءه

стр. 108

نهائيًّا من دينه بادرة جديرة بالثناء. ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ١. والدفاع عن النفس ضد الظلم حق، ولكن التحمل والمغفرة أجمل. ﴿لَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١. وأداء الفرائض خير، ولكن ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٣. في مقابل هذه الدرجات للقيمة الإيجابية، والتي سبق أن ذكرناها في المفهوم الأخلاقي للخير، في القرآن -من اليسير أن نتعرف درجات القيمة السلبية التي وضعها القرآن على النقيض. بيد أن سلم القيم، مع هاتين القائمتين المتوازيتين لما يُستنفد، حتى في سطوره البارزة؛ ذلك أنه سلم ثلاثي، يتقارب فيه هذان الطرفان المتضادان بوساطة حد وسط يربطهما، دون أن ينقطع استمرارهما؛ فبين "القيمة"، و"نقيض القيمة" يقحم القرآن "اللاقيمة"؛ إذ يوجد بين "المفروض" و"المحرم" مكان لـ"المباح". ثم إنه يميز في "المفروض" -أولًا- الواجب الرئيسي، ثم يجيء دور التكاليف الأخرى، ثم أخيرًا الأعمال التي يتصاعد ثوابها. كما أنه يرتب في "المحرم" الكبائر، ثم تأتي السيئات الأخرى، من الفواحش أو اللَّمَم. وكذلك نراه يميز بين درجتين في الأعمال المباحة، ونعني بهما: المسموح به، والمتغاضى عنه. فمن الحق إذن أن نتساءل عما إذا كان أدق العقول وأكثرها إدراكًا للتنوع -يمكنه أن يجد أشياء أخرى يضيفها إلى هذا البناء المتدرج للقيم؟!

стр. 109

ولقد حاولنا عبثًا أن نعثر على أية ثغرة تسوغ ما ذهب إليه "جوتييه" من إطلاق تعبير "العقل المولع بالفصل" -على العقل الإسلامي الذي أقر هذا التدرج، وهو بحسب ما اعترف به هذا المفكر سمة إسلامية خالصة١، إذ يقول: "إن وضع الشيء بإزاء نقيضه هو الصيغة التي تتلخص فيها جميع الأشياء في العالم العربي، وبخاصة المسلم، بما في ذلك الدين، والتاريخ ... إلخ" ٢. تلك على أية حال ملاحظة عابرة؛ ولنعد إلى عرضنا، إلى النقطة التي تركنا الحديث عندها، لنقول كلمة عن المغزى الحق لهذا التدريج، فيما يتعلق بالمعفو عنه، والمباح القرآني، فلا ريب أن المباح بالمعنى الصحيح إنما يتناول الأعمال التي لا دخل فيها للأخلاق٣. أما فيما يتعلق بالمعفو عنه فيجب أولًا أن نبعد الفكرة التي تجعل منه رخصة ببعض ما يمس الأخلاق، رخصة ببعض الميول والأهواء لدى كل فرد. إن ذلك سوف يكون إنكارًا مسبقًا للأخلاق ذاتها، التي هي بحسب التعريف "قاعدة السلوك"، فماذا يكون -على الحقيقة- الالتزام بقاعدة، إن لم يكن التمسك الصارم بها، وعدم الخضوع للمغريات التي تصد عنها؟! ولكن ... ها هو ذا وضع المسألة: فإذا ما وجد نوع من المشقة، ووقف القرآن أمامها صلبًا لا يتزعزع، ثم وجدناه يحثنا على أن ننتصر عليها بأي ثمن -فذلك هو ما يستتبع على وجه التحديد مقاومتنا لميولنا، إذ يجب أن نختار بين طاعة الله، وبين الخضوع للرغبات الجامحة، ومن ثم قال الله

стр. 110

سبحانه ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١، وقال: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ ٢, وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ٣. فلم يكن المعفو عنه في القرآن -إذن- لكي ننحرف أمام أهوائنا، وإنما هي بكل بساطة وصدق مسألة مراعاة للواقع المحسوس الذي يجري فيه نشاطنا، دون أن نذهب في هذه الطريق إلى أحد إلغاء جهدنا، وإعفاء أنفسنا من واجبها. فقد رأينا -عمومًا- أن القاعدة لا تخضع للموقف بذاتها، وإنما هي تخضع له في خصائصها المكانية - الزمانية - كالكمية، والمدة، والشكل، والتاريخ ... إلخ. فإذا أردنا ألا يكون القانون الأخلاقي حرفًا ميتًا فيجب -في الواقع- أن نجعله في إطار صارم من الزمان، والمكان، والظروف الخارجية المحضة، يجب أن يجد القانون مجال تطبيقه بشكل أو بآخر. ومن الطبيعي والعدل أن تتطلب فاعلية هذا التطبيق مرونة مناسبة، للتكيف مع الواقع المستقل عن إرادتنا؛ وعندما يخضع التكليف للضرورة عند هذا الحد، فيقف أمام عقبة في هذا الواقع لا تقهر، "مثلًا: حالة الإنسان العاجز عن أداء واجبه العسكري، أو المحروم الجائع الذي لا يستطيع أن يمتنع عن الأطعمة النجسة" -هنا تصبح المسألة أساسًا هي تفادي الهلكة، في فضيلة واحدة على حساب فضائل أخرى تعدلها، أو تفوقها أهمية. وهكذا نجد أن لطف الشريعة لم يكن الهدف منه تقليل الجهد، بل إرساءه على أساس عقلي، أي: "عَقْلَنَته" إن صح التعبير. ولسوف نرى فيما بعد٤، بأية طريقة حقق القرآن تركيب هاتين الفكرتين، فلنكتف الآن باستخلاص موقف القرآن أمام المشكلات المتعلقة بمفهوم الإلزام في ذاته.
следующие страницы →