﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ١، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٢.
ولقد يحدث أخيرًا أن يكتفي المرء -وهو يؤدي واجباته الأساسية، ويطرح الذنوب الفاحشة- بهذا المستوى المتواضع للرجل الطيب، ومعنى ذلك أنه بدأ -دون شك- بتثبيت مثله الأعلى عند درجة متوسطة، هي أقصى ما يبلغه الجهد المعتدل، وهو خطأ يختلط به "الهدف" و"العمل".
إن اعتدال العمل لا ينبغي أن يتأتى، ولا يمكن أن ينال، إلا على أساس نية تستهدف أعلى قيمة وأسمى درجات الكمال. وأي حد يهبط عن هذا المستوى ستكون له بالضرورة انعكاساته على الإرادة: التوقف، والتناقص والكفاف.
والآيات القرآنية التي تأمرنا بأن نجاهد حق الجهاد في سبيل المثل الأعلى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ، ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ، دون التفات لإمكانياتنا -هذه الآيات ليس لها من معنى إنساني آخر. فهي حين تعين لنا هذا الهدف الأسمى، وحين تزكي مطامحنا الأخلاقية إلى غيرما حد -تحاول في الواقع أن تدفع جهودنا إلى أعلى درجة ممكنة في توترها. ولقد رأينا إلى أي حد يحث القرآن الناس أن ينشدوا الأفضل، وأن يسابقوا إلى المراتب الأولى. ورسول الله ﷺ يعطينا المفتاح، ويحركه بهذا الجهاد النبيل. فهو على حين يأمرنا في نطاق الأشياء المادية أن نقنع بما قسم الله لنا، ناظرين إلى من هم أدنى منا من إخواننا، يوصينا في النطاق الأخلاقي بعكس ذلك، يوصينا بحرارة أن نسمو دائمًا بأنظارنا إلى من هم أسمى منا، وأن نحاول
стр. 702
الاقتداء بهم، وفي ذلك يقول, ﷺ : "خصلتان، من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله، لا شاكرًا ولا صابرًا. من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه، كتبه الله شاكرًا صابرًا. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه, ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منها، لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا"١.
стр. 703
خاتمة:
عرفنا الآن حقيقة الجهد المطلوب، والمحمود في القرآن. إنه أولًا نشاط أخلاقي ومادي يسخر لخدمة الواجب، ويقاس إليه، فكل ما هو "متعسف" لا علاقة له به، ثم هو بعد ذلك نشاط "مبصر" واضح الرؤية من ناحيتين؛ لأن نظراته لا تتجه فقط إلى الطاقات المتاحة، كيما تستخدمها على بصيرة، ولكنها في الوقت نفسه تحتوي في نظرة واحدة مختلف العلاقات بين الفرد من جانب، "وربه، والناس أجمعين، ونفسه من جانب آخر" كيما تتوزع فيما بين هؤلاء جميعًا توزيعًا عادلًا، فتنهض بمختلف تكاليفهم.
وهو أخيرًا نشاط "نبيل" "متبصر في العواقب"، فهو لا يريد في الواقع أن يستنفد ويستهلك استهلاكًا وقتيًّا، فيصبح بلا ثمرة،، وبلا غد، بل هو على العكس يتوقع نوعًا من الدوام، والثبات تزداد معهما الغبطة ويتنامى السرور.
فإذا ما قصد الجهد إلى هذا المثل الأعلى الواجب، بعناصره الثلاثة: "القوة، والمكان، والزمان" فيجب أن يندفع في طريقه، بحيث يتجنب الإفراط في حال تألقه، ويتجنب التفريط في حال تقاصره.
стр. 704
وإن ذلك ليذكرنا -على الفور- بنظرية "الوسط العادل" التي خصص لها أرسطو مجموعة من الفصول في كتابه: "الأخلاق". ولعل من المفيد أن نسجل تقاربًا بين النظريتين، ولكنا نرى على وجه التحديد أن مسألة معرفة ما إذا كان يوجد، أو لا يوجد بينهما بنوة تاريخية -غير مطروحة؛ فالدنيا كلها تعرف أن القرآن لاحق لنظرية أرسطو، ولكن الدنيا كلها تعرف من ناحية أخرى أن من الخطأ البين تاريخيًّا القول بفرض حدوث استعارة، فإن الصلة بين الفكر الإسلامي، والفلسفة الهلينية لم تبدأ في الواقع إلا بعد قرنين من الإسلام.
وإنما الذي نقصده هو أن نحاول أن نرى فقط إلى أي حد بلغ تشابههما، وفيم يتمثل اختلافهما؟
إن فكرة "المقياس" فكرة قديمة، فالفيثاغوريون يرون أن العالم عدد وتناسق، ويعترف أفلاطون في المجال الأخلاقي بوجوب أن يكون تنفيذ كل الأشياء بمقياس، وطبقًا لمقتضيات العقل السليم.
وحين أراد أرسطو أن يقدم لنا هذه الفكرة في صورة أقل تجريدًا قال بوجوب التزام الوسط العادل أي: تجنب الإفراط والتفريط، أو الزيادة والنقص.
ثم نجد هذا المبدأ العملي نفسه في القرآن، لا بمناسبة جهد التقوى فحسب، كما رأينا آنفًا، بل كذلك بمناسبة "القناعة": ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ١، و"العفة": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ ٢، و"الكرم": ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٣, و"رقة الصوت، ولطف المسلك": ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ ٤.
стр. 705
وإلى هذا الحد فالتشابه واضح.
ولكن ها نحن أولاء أمام أول فرق، فلسنا نجد في كتاب الإسلام المقدس صيغة عامة توحد بين الفضيلة والعمل المتوازن كالذي نجده لدى أرسطو، حين قال، "فالفضيلة إذن هي نوع من التوسط، بما أن الهدف الذي تتوخاه هو نوع من التوازن بين طرفين، فالزيادة، والنقص يشيان بالرذيلة، على حين أن الوسط العادل يطبع الفضيلة"١.
أهذا التعريف كامل؟ أهو دقيق؟ أهو قائم على استقراء كامل؟
ثم نتساءل أولًا: هل تسلم كل المبادئ الأخلاقية بهذا الفرق الكمي، بالزيادة، والنقص والمساواة؟
إننا لن نقف أنفسنا عند مثال "الصدق"، الذي ذكروه أحيانًا على أنه استثناء من القاعدة؛ لأننا نميل إلى تعريف الرجل الصادق بأنه الذي يقول الحقيقة كاملة. وعلى ذلك فنقص الصدق يتمثل أحيانًا في أن نذهب وراء هذا المقياس، أو نقبع دونه. والإنسان الذي يضيف إلى الحقيقة بعض المبالغة، والآخر الذي يقتطع منها ما يخفيه -كلاهما في الخطأ سواء.
فالاعتراض القائم على مثال الصدق يمكن إذن أن يستبعد. ولكن كيف نثبت هذا التقسيم الثلاثي في عمل أخلاقي جواني لا يقبل القسمة؟
ولنأخذ مثلًا "الأمانة" من حيث هي اتفاق باطني للمرء مع نفسه على موقف معين، ففي هذا المجال فعلًا يبدو لنا مبدأ الطرف الثالث المستبعد مطبقًا بكل قوته؛ لأنه إما أن يكون صادقًا مع نفسه، أو لا يكون كذلك، تمامًا كما يقال: فلان يرى، أو لا يرى.
стр. 706
ومع ذلك, فلنضع أنفسنا في الظروف المناسبة لهذا التدرج. هل يجب أن نسلم بأن كل سلوك يستمسك بالوسط هو سلوك فاضل، وبالعكس، كل ما يتجاوز هذا المقياس يرتد بمجرد هذا التجاوز إلى الأعمال الموصومة بالرذيلة؟
إن الحب والبغض، والإثبات والنفي، والعمل الذي ينفع ويبني، والعمل الذي يضر ويهدم -كل هذه أنواع من التطرف، فهل لنا الحق في أن نقرر أن الفضيلة تتمثل هنا بخاصة في "اللامبالاة"، و"الشك"، و"التأمل البليد"؟
ومن ناحية أخرى، عندما تصرح لنا الفلسفة الأثينية بأن الحد الوسط في نظرها هو نقطة التعادل والتساوي، أفلا يخشى ألا تكون الفكرة التي كونتها لنفسها عن الفضيلة طبقًا لهذا المقياس -شيئًا سوى "العدالة الدقيقة"، التي إن لم تتجسد في شريعة القصاص، إذ ينكرها أرسطو فعلى الأقل في شريعة التناسب التي أحلها محلها؟
فماذا بقي منذئذ للإحسان، والإخلاص، والتضحية، تلك الفضائل التي لا تعد ولا تحسب؟
وهكذا يبدو لنا التعريف الأرسطي مخطئًا، تارة "بالزيادة"، حين يضم حالات لا تناسب الشيء المعرف، وتارة "بالنقص" حين لا يشتمل على كل المعرف. فهو كما قيل عند الفلاسفة المدرسيين: ليس جامعًا ولا مانعًا، وبحيث يمكن القول بأن الحكمة القرآنية وهي تتجنب الصيغة الجامعة في هذا الموضوع -قد عرفت كيف تتوقف حيث ينبغي لها أن تتوقف.
فلنتقدم أيضًا خطوة، ولننظر إلى الحالة التي تتفق فيها النظريتان على إيصائنا بالاعتدال، ففيم يتمثل هذا الاعتدال؟
هنالك أيضًا تحتوي إجابة كل من النظريتين على اختلافات طفيفة. إذ
стр. 707
يكتفي فيلسوفنا ببعض العموميات المجردة على هذا النحو، والتي يدع لكل منها في النهاية مطلق الاهتمام بتحديد المراد من هذا "الوسط الممتاز".
إنه يدلنا فقط على وسائل التحديد، فيقول: "يجب أن نظهر أعمالنا ومشاعرنا في اللحظة المناسبة، بناء على أسباب مقنعة، وحيث يوجد من يستحقها، ولغايات لائقة، وفي ظروف موافقة"١.
عظيم جدًّا، ولكن ما هذا "المناسب، المقنع، اللائق"؟ إن الذي يدل عليه بكل تأكيد هو "العقل السليم". وهكذا يبقى معيار الفضيلة عصيًّا على إدراك جمهور الناس، فهو يكمن تمامًا في ذهن الحكيم.
ولنأخذ مثال الكرم، حيث يقول أرسطو: "إن الشاق في الأمر هو أن أعرف: لمن يجب أن أعطي؟ وكم؟ ومتى؟ ولماذا؟ وبأية طريقة؟ ولذلك فإن الاستعمال الطيب للمال نادر. ويجب على من يهدف إلى الاعتدال أن يبدأ بالابتعاد عما يبعده عنه, وأن يكتفي بأقل قدر من الشرور"٢.. وهذه هي غاية التحديد.
أما القرآن، الذي تكمله تعاليم الرسول ﷺ فإنه يقدم على عكس ذلك لكل فضيلة مقياسًا حسيًّا، تسهل معرفته بدرجة كافية، وتنعدم بفضله تقريبًا فرص الخطأ، والالتباس.
وحسبنا لكي نقتنع بذلك أن نأخذ مجموعة الأسئلة الأرسطية التي سبق أن ذكرناها، فنطرحها على الشريعة القرآنية، ولسوف نجد فيها إجابة محددة عن كل نقطة استفهام.
стр. 708
بل وأكثر من ذلك، فإن هذه الشريعة -بعد أن وضعت لكل فضيلة مقياسها النوعي- قد دبرت إحكام مجموع الفضائل بالقاعدة العامة التي تأمرنا بالتوفيق بين واجباتنا، بعضها وبعض.
وأخيرًا، فإن الاعتدال الذي يمدحه الإسلام، فيما يتعلق بدرجة الجهد، لا يتمثل في "الوسط الحسابي"، ولا في "نقطة الذروة" وهما القولان اللذان يتردد بينهما الفكر الأرسطي، وإنما يتمثل الاعتدال في نبل يقترب بقدر الإمكان من الكمال، مقرونًا بالسرور، وبالأمل، وهو ما يعبر عنه رسول الله ﷺ في توجيهاته إلى الرفق، ونحو ما هو عدل في ذاته: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا, وقاربوا، وأبشروا" ١.
стр. 709
خاتمة عامة:
إن تعليم الناس واجباتهم الحسية مهمة عظيمة، قام بها القرآن كاملة على خير وجه.
بيد أن هذه المهمة، رغم كونها الهدف الرئيسي من تعليمه، لم تكن فيه الموضوع الوحيد، فلقد اضطلع القرآن إلى جانب هذه المهمة العملية بمهمة أخرى، ذات طابع نظري. لقد قدم لنا كل العناصر الضرورية، كيما تتكون لدينا فكرة دقيقة عن الطريقة التي ينبغي أن نتصور بها معنى الأخلاق, من أين تأتي القاعدة الأخلاقية؟ وبأي الشروط تفرض نفسها؟
وما النتائج التي تترتب على موقفنا منها؟ وما المبدأ الذي يجب أن يلهم سلوكنا؟ وبأية وسيلة تنال الفضيلة؟
والإلزام، والمسئولية، والجزاء، والنية، والجهد، تلكم هي العمد الرئيسية لكل نظرية أخلاقية، راعية بمراميها. ولقد خصصنا أساس هذا البحث في القرآن لدراسة هذه الأجزاء التكوينية للنظرية الأخلاقية.
فلنلق الآن نظرة سريعة تضم في رؤية شاملة مجموع النتائج التي انتهت إليها أبحاثنا، ولسوف نرى بعض السمات المميزة لهذه الأخلاق تتجلى لأعيننا، وهي السمات التي سنحاول أن نبرزها في الأسطر التالية.
стр. 710
أولًا: بأي معنى، وإلى أي مدى يمكن أن توصف الأخلاق القرآنية بأنها دينية؟
لا شك أن هذا المعنى لا يرجع فقط إلى أن القواعد التي تقررها هذه الأخلاق موضوعها الوحيد والجوهري -هو تنظيم العلاقات بين الإنسان، وبين الله ﵎؛ إذ كان من اليسير التأكد أن وجهًا من وجوه النشاط الإنساني لم يفلت من تقنين تلك الأخلاق١، ومن هذا الجانب لم تعرف الإنسانية أخلاقًا أخرى أكمل من الأخلاق القرآنية.
ومن الممكن أيضًا أن نقرر أن الشعائر الدينية المحضة لا تشغل في هذه الأخلاق سوى أقل مكان. والحق أنه يجب أن نفرق هنا بين موقفين مختلفين: الامتداد والعمق، أو الظاهر والباطن. فإذا كان النشاط الذي يمارسه المسلم في كلا الميدانين: الحيوي والاجتماعي، يشغل بعامة -من حيث مظاهره الخارجية- مجالًا أرحب من المجال الذي يشغله بالعبادة, فإن حياته الباطنة تتميز -على العكس- بعمق التدين: فهو يحب الله فوق كل شيء، وهو يخضع كل شيء لإرادته، وهو يستوحي في كل موقف أمر الله ورضاه.
وليس ينبغي أن نعتقد أيضًا أن الأخلاق القرآنية أخلاق دينية، بمعنى أن رقابتها توجد فقط في السماء، وأن جزاءها فيما وراء الموت، إذ إنها تخول هذه الصلاحيات في نفس الوقت لقوتين مؤثرتين أيضًا هما: الضمير الأخلاقي، والسلطة الشرعية، وليس ذلك فحسب، بل إنها تكلف كل فرد في الأمة أن يحول بكل الوسائل المشروعة دون انتصار الرذيلة والظلم.
وهي أيضًا ليست دينية، بمعنى أنها لا تجد دافعًا إليها إلا في الخوف
стр. 711
والرجاء، ولا تجد تسويغها إلا في إرادة عليا تملي على وجه الاستعلاء أوامرها، مستقلة عن كل ما يقتضيه العقل، والشعور الإنساني، وهي إرادة يجب على الإنسان أن يطيعها، دون مناقشة، أو فهم.
إنها ليست دينية بهذا المعنى؛ لأن القرآن لم يزل يدعو إلى هذه المفاهيم الإنسانية على وجه التحديد؛ لتسويغ أوامره، ومن هذه الوجهة نستطيع أن نقول: إنه قد زود تعليمه الأخلاقي بنظام تربوي غاية في الكمال، بحيث يصلح لجميع مراتب الأخلاقية.
فالمبتدئ، والطيب، والحكيم، والقديس، كل هؤلاء يحدون فيه ما يشبع حاجتهم إلى الاقتناع سواء على المستوى العقلي أو العاطفي، الصوفي أو الإنساني، لدرجة أن أكثر أوامره حتمية في الظاهر، وهو الذي نتلقاه دون أن يتضمن سببًا محددًا لتسويغ وضعه -هذا الأمر إنما يقوم في الحقيقة على المفهوم العام للحكمة الإلهية، وعلى مفهوم غير محدد للخير يرمي إليه.
ولا ريب أن العنصر الديني يعود في جزء منه، في اعتبار المشرع -إلى هذه العلاقة الثلاثية: سواء باعتباره جانبًا من الحياة الإنسانية يحتاج إلى قاعدة منظمة، أو باعتباره ضمانة كبرى للنجاح في تطبيق القانون، أو باعتباره تسويغًا لهذا التحديد أو ذاك، مما قد يبدو لنا غير ذي أهمية في ذاته، أو قد لا تكفي أنوارنا وبصائرنا للكشف عنه أو تفسيره من الناحية العقلية.
بيد أنه في جميع الحالات "لا يتراكب العنصران: الديني والأخلاقي"، ولا يستطيع أحدهما أن يعرف الآخر.
ألا يمكن أن نحصل على هذا التراكب من ناحية واحدة على الأقل، حين
стр. 712
ننظر إلى الأخلاق القرآنية من حيث مصدرها التشريعي؟ فهل ينشأ النفوذ الذي يمارسه الواجب على كياننا، من "سلطة دينية محضة" في نظر القرآن؟
إننا نتردد في تأكيد ذلك بشكل قاطع، دون تحفظ، أو تقييد:
أولًا: لأن شريعة الضمير -طبقًا للقرآن نفسه- سابقة في الوجود على شريعة الدين الإيجابية، فلقد نفخ الشعور بالخير وبالشر، وبالعدل وبالظلم، في كل نفس إنسانية منذ كان الخلق.
أولسنا نشهد في الواقع ظهور الحس الإخلاقي عند الأطفال ابتداء من عمر التمييز، واستمراره خلال جميع الأعمار، حتى لدى الملاحدة؟
ثم ألسنا نشهد بين المذنبين أنفسهم من يعترفون بذنوبهم، ويأسون عليها دون أن يملكوا الشجاعة للتخلص منها، أليس هؤلاء هم الجمهور الغفير؟
وثانيًا: لأن الشريعة الإيجابية لم تأت لنسخ الشريعة الطبيعية، ولكي تعزل السلطة الخاصة التي ثبتت هذه دعائمها. فهي لم تبطل الشريعة القديمة، وإنما صدقتها، ومدت في عمرها، وحددتها. أما فيما يتعلق بالضمير، فهي لا تكتفي بأن تستلزمه فحسب، بل إنها بعد أن تغذيه، وتنوره، تعتمد عليه من جديد لدعم سلطانها الخاص.
والواقع أن الشريعة الإيجابية، لا تستطيع أكثر مما تستطيع الشريعة الطبيعية أن تكون إكراهًا يفرض نفسه علينا، دون مراعاة لقبولنا وموافقتنا، فإن الأمر الإلهي لا يمكن أن يصبح بالنسبة إلينا تكليفًا أخلاقيًّا إلا برضانا. ولا يعتبر الإنسان أنه قد أطاع واجبه الديني إذا كان يؤديه دون إيمان بطابعه التكليفي، كأساس في نظام الأشياء الثابتة.
"فالواجب الأول هو الإيمان بالواجب"، ويجب أن أتلقى من ذاتي الباطنة الأمر بطاعة هذا الأمر الأعلى.
стр. 713
ولذلك نجد القرآن يذكر المؤمنين بالتزامهم العام، بموجب عقد الإيمان -قبل أن يطلب منهم طاعتهم المخلصة. وهكذا لا تكون الصفة الإلهية للأمر القرآني سوى لحظة وسيطة، بين شعورين إنسانيين يستحثهما دائمًا.
فمن الوجهة التحليلية نجد أن "العنصرالديني" و"العنصر الأخلاقي" مفهومان مستقلان، لا رابطة بينهما ضرورية، وهما إجابة عن نوعين من المثل الأعلى مختلفين: أحدهما يتعلق "بالكينونة" والآخر "بالمصير"، ففي المجال الأول يكون المثل الأعلى هو الكائن الكامل، الحق، الجميل في ذاته، وهو موضوع المعرفة، والتأمل، والحب. وفي المجال الثاني يكون المثل الأعلى هو العمل الكامل، الذي نسميه: الفضيلة، موضوع الطموح، والإبداع.
وإنما نقرب بين هذين المفهومين نتيجة اتفاق منطقي، وحكم تركيبي -كما يقول كانت- حين نجعل من الله الخالق سيدًا مشرعًا، وحين نتخذ من توجيهه أمرًا أخلاقيًّا. ولكي نبلغ هذه النتيجة يجب أن نمر ضرورة بمجموعة ثالثة من الأفكار الوسيطة. فنحن لا نميز فقط لدى الخالق صفات أخلاقية بوجه خاص: كالعدالة، والحكمة، والكرم، ولكننا أيضًا نتخذ من شرعه "شرعًا لنا"، ونجعل أمره "أمرنا" وبدون ذلك يظل المفهومان بالنسبة إلينا منفصلين لا يمكن وصلهما.
وثالثًا وأخيرًا: فإن المتأمل في الأخلاق القرآنية لا يجد فقط أن هنالك واجبات أسرية واجتماعية كثيرة قد تركت دون تحديد من الناحية الكمية، وعهد بها إلى تقدير الضمير المشترك، بل إن كل تكليف قرآني يجعل شرط تطبيقه مجموعة من الاعتبارات، تحترم الوسع الإنساني، وتحسب حساب الواقع المادي، والتوافق بين الواجبات. ومن هنا فهو يخول كل ضمير فردي جزءًا من النشاط التشريعي، وهو جزء ضروري لصوغ واجبه المادي في كل لحظة.
стр. 714
وعندما يعلن القرآن أن قيده لطيف، وحمله خفيف، فإن هذا اللطف يأتي بلا شك في جانب كبير منه نتيجة هذا التدخل الثلاثي للضمير الإنساني، في الاعتراف بالواجب، وتنظيمه.
ومن هنا نرى أن هذا التدخل لم يقتصر على أن أحاط بالعامل الديني، حين استبقه وأصحبه، وألحقه بعناصر إنسانية، ولكنه حوله إلى عامل أخلاقي بالمعنى الصحيح.
وهكذا لا نستطيع أن نخلع على هذه الأخلاق نعتًا دينيًّا فحسب، سواء من حيث التشريع، أو الجزاء، أو التسويغ، أو المادة التي هي موضوع تعليمها، إذ كان الجانب الديني لا يخالطها دائمًا إلا باعتباره عنصرًا واحدًا، في تركيب كبير جدًّا.
ومع ذلك, فهناك نقطة لا يظهر عليها الطابع الديني ويغلب فحسب، بل إنه يحتل كل مجال الضمير، وبهذا يجعل من الممكن، بل من الضروري أن يطلق على هذه النظرية لقب: الأخلاق الدينية. هذه النقطة هي "النية" أو جانب القصد، وفيها ينفرد المعنى الديني حقًّا، دون منازع.
إن الهدف الذي ينبغي لنشاط المؤمن الطائع أن يتوخاه وهو يؤدي واجبه لا يكمن في طيبات هذه الدنيا، ولا في السرور والمجد في الأخرى، ولا في إشباع شعوره الخير، بل ولا في إكمال وجوده الباطن.
إنه الله، الله الذي يجب أن يكون نصب أعيننا، وأية غاية أخرى تدفع الإنسان للعمل هي في ذاتها انتفاء للقيمة وعدم.
ولا مرية في أننا يجب أن نخاف، وأن نرجو، وبوسعنا أن ننشد رفاهتنا المادية والأخلاقية لذاتها، أو لأن هذا هو واجبنا، أو حقنا، ولكن لا لأنه
стр. 715
أجر طاعتنا. فإن ذلك لو حدث يكون على الأقل مخالفة للأخلاقية كما علمناها القرآن، إن لم يكن انتهاكًا، ونقضًا للشريعة.
وإذا كانت السمة المميزة لنظرية أخلاقية تنبع من المبدأ الذي تطرحه على الإرادة، كهدف لنشاطها، فإننا نرى الآن في آية أسرة يجب أن ننظم الأخلاق القرآنية. ففي نظر هذه الأخلاق ليست اللذة، ولا المنفعة، ولا السعادة، ولا الكمال -ليست هذه كلها بقادرة في ذاتها على أن تنشئ هذا المبدأ، وكل ذلك يجب أن يكون خاضعًا لسلطان "الواجب"، بأقدس معاني الكلمة، وأكثرها واقعية، وأسماها درجة.
ولكن، قد جرى العرف على تسمية القوانين الأخلاقية بحسب العنصر الغالب في مضمونها: فرديًّا، أو اجتماعيًّا، صوفيًّا أو إنسانيًّا، شريعة عدل، أو شريعة رحمة، وهكذا ... وليس شيء من هذه الصفات ذات الجانب الواحد، بمناسب هنا، فيما يبدو لنا.
إن هذه شريعة توصي "بالعدل" و"الرحمة" معًا، وتتواثق فيها العناصر "الفردية"، و"الاجتماعية" و"الإنسانية" و"الإلهية" على نحو متين. بيد أننا لو بحثنا في مجال هذا النظام عن فكرة مركزية، عن الفضيلة الأم التي تتكاثف فيها كل الوصايا، فسوف نجدها في مفهوم "التقوى"، وإذن، فما التقوى، إن لم تكن الاحترام البالغ العمق للشرع؟
هكذا نصل إلى فكرة الواجب، مطروحة هذه المرة على الصعيد العاطفي، كمحرك للإرادة. وعلى هذا الصعيد يبدو لنا "الاحترام" في المركز، بين شعورين متطرفين، يركبهما، ويلطفهما: "الحب"، و"الخوف". ولما كان "الاحترام" ناتجًا بصورة ما عن تزاوجهما فإنه يؤدي دورًا مزدوجًا، حين يستخدم كمحرك، ولجام في آن، ويطلق عليه في جانبه الأخير بخاصة:
стр. 716
"الحياء" وبهذا الشعور على وجه الدقة حدد رسول الله ﷺ روح هذه الأخلاق.
وأيًّا ما كانت وجهة البحث فإن المرء يرى أن هذه الأخلاق وهي تستهدف المثل الأعلى -تعمد إلى تجميع كل القوى، وكل أشكال الحياة الأخلاقية، ثم تردها ثانية إلى نقطة توازنها. ونخص بالذكر الطريقة التي استطاعت بها أن توفق بين "حرية" الفرد و"تنظيم" إرادته، لقد حققت هذا التوفيق بفضل طابعها المتوسط بين المرونة والصرامة، والذي بفضله تتكيف تبعًا لأكثر ظروف الحياة اختلافًا، دون أن تتراخى مع ذلك أمام إغراء شهواتنا، وتقلب إحساسنا.
والواقع أن هذه الشريعة تميز تمييزًا واضحًا بين الاتجاهات شديدة العمق للنفس الإنسانية، وحاجاتها العابرة، المشروعة أو غير المشروعة؛ كما أنها تفرق بين ما ينبغي أن يترك دون مساس؛ لأنه فريضة ظرف شامل لا يتغير، وبين ما يترك لحكم كل منا؛ لأنه يتغير بتغير الملابسات والظروف، وبين ما ينبغي إصلاحه، أو إسقاطه، باعتباره إضافة زائفة، صدرت عن طبيعة غريبة شريرة.
ولذلك أثبت القرآن مراعاة لهذه الأحوال المبدأ الثلاثي المتمثل في: "الفرض"، و"المباح"، و"المحرم".
فذلكم هو العامل الأول الذي جعل من هذا المقياس الدقيق للحكمة القرآنية رابطة بين الحرية والتنظيم.
وإليك عوامل أخرى.
فإذا ثبت مبدأ كل قاعدة، وجوهرها على هذا النحو، وجب أن يظلا ثابتين إلى الأبد، ومقدسين على وجه الشمول. بيد أنه لما لم تكن صيغة بعض
стр. 717
هذه المبادئ أو الجواهر قد حددت تحديدًا ماديًّا، ولما كان تعريفها، وشكل تطبيقها قد تركا صراحة للذوق السليم، فإن القضية تصبح قضية الحكم، والتذوق الشخصي.
بل إن بعض واجباتنا التي نالت تحديدًا عدديًّا معينًا -لم تنله إلا من بعيد، وفي خطوط عريضة، وبهذا وضعت بين حدين متباعدين، كيما تتجنب الطرفين المتناقضين فحسب، حين نمارس نشاطنا, أي: تتجنب السقوط أسفل مما تتطلب الفضيلة، أو التبعثر دون جدوى، ومن غير حدود. وبين هذين الطرفين تدعى الحرية الفردية إلى أن تمارس ذاتها في البحث عن درجات، تتزايد رفعة، ولكنها دائمًا متوافقة مع المقتضيات المختلفة للحياة الأخلاقية.
هذه الطريقة التي يقدم القرآن لنا بها قاعدة الواجب ليست ميزتها فقط أن تخفف إصر التكليف، وأن تحمي قيمة الشخصية الإنسانية، بدلًا من أن تحولها إلى مجرد آلة. وليست ميزتها فقط أنها قد أتاحت إشباعًا عادلًا ومعقولًا لاتجاهين متعارضين في الإرادة الفردية: أعني حاجتنا المزدوجة إلى المطابقة، والمبادرة -ولكنها ذات أهمية عظمى في المستوى الاجتماعي، فبفضلها استطاع القرآن -كما قلنا- أن يبدع إطارًا متجانسًا بقدر يكفي لتكوين هذا الوسط الأخلاقي، المشترك بين جميع أعضاء الجماعة، ولكنه أيضًا متنوع بقدر يكفي لتدخل في نطاقه درجات كثيرة للقيمة.
وأهم العوامل في هذا النجاح يتمثل في أن جميع القواعد أو أغلبها، تشتمل على أمرين: "أداء واجب"، و"تحقيق خير"، أو بالأحرى: أداء "واجب جوهري"، و"واجب كمال".
ويبدو القرآن في النقطة الأولى متشددًا، لا يقبل أية مساومة، ولكنه في الثانية تتحول صرامة الأمر إلى حث وتشجيع.
وهكذا يجب أن تتضمن أنظمتنا الاجتماعية كلها جانبًا ثابتًا، محافظًا،
стр. 718
يصان عن هوى الناس، وصروف الظروف، وجانبًا ديناميكيًّا، متطورًا، متحررًا. وبذلك تتحقق أحلامنا في "الاستقرار" و"التغيير" وحاجاتنا إلى "النظام"، و"التقدم".
ونضيف إلى ذلك أن القرآن يواكب الطريق الذي يبدأ من الواجب المشترك، حتى الواجب الكامل المنوط بمبادرة كل فرد وشجاعته، فيطبع كل مرحلة من الطريق بدرجتها من الثواب. وهو حين يغمر بكرمه مختلف تطبيقات الفضيلة المتدرجة -فإنه يدعو هؤلاء وأولئك من أوليائه أن يرتقوا دائمًا، دائمًا أسمى الدرجات.
في هذه الظروف نستطيع أن نختم البحث قائلين:
لو افترضنا أن الإنسانية سوف تبقى أبدًا، وأنها سوف تغير ظروف حياتها إلى ما لا نهاية، فإننا نؤمل أن تجد في القرآن أنى توجهت -قاعدة لتنظيم نشاطها أخلاقيًّا ووسيلة لدفع جهدها، ورحمة للضعفاء، ومثلًا أعلى للأقوياء.
وأدنى ما يمكن أن نقوله في الأخلاق القرآنية: إنها تكفي نفسها بنفسها على وجه الإطلاق، فهي:
"أخلاق متكاملة".
стр. 719
تنبيه:
حاولنا خلال هذه الدراسة أن نتوخى الوضوح والدقة، والموضوعية. ولا شك أننا كنا نود أن نضم الجمال إلى الوضوح، والجاذبية إلى الأحكام وكان من المناسب بعد أن زرعنا ثمرات الفكر أن نعنى بأزهار الأسلوب، بيد أنه لما كان هذا الترف غريبًا بعض الشيء عن طريقتنا التي اعتدناها في الكتابة باللغة الفرنسية، فقد كنا نخشى إن بحثنا عن البريق أن نهدد المحكم المتين، فلا يكون إلا التكلف المضحك. فنحن مقتنعون إذن بتقديم أفكارنا، ومصطلحاتنا كيفما جاءت إلى العقل، عارية، بسيطة صادقة.
ويبقى أن نقول: إنه لو توسم فينا بعض الناس صفات أخرى مما حاولنا أن نستودعه في هذا الكتاب، فسيكون هذا جزاء عظيمًا على ما بذلنا من جهد.
стр. 720
الأخلاق العملية
مدخل
...
الأخلاق العملية:
حاولنا في كل ما سبق أن نحدد المفهوم القرآني للحاسة الأخلاقية. فما مصدر الواجب؟ وما أهميته؟ وما هدفه؟ وما مصيره؟
لقد استطعنا أن نجد لكل علامات الاستفهام هذه إجابة في النص محددة بدرجة كافية لإثبات تعريفها. فإذا نظرنا إلى النظرية الأخلاقية للقرآن في مجموعها لأمكن وصفها بأنها "تركيب لتراكيب"، فهي لا تلبي فقط كل المطالب الشرعية، والأخلاقية، والاجتماعية، والدينية، ولكن نجدها، في كل خطوة، وقد تغلغل فيها بعمق روح التوفيق بين شتى النزعات, فهي متحررة ونظامية، عقلية وصوفية، لينة وصلبة، واقعية ومثالية، محافظة وتقدمية -كل ذلك في آن.
ولا ينبغي أن نرى في هذه الوحدة بين المختلفات مجرد رصف للمتناقضات، و"إضافة للمضافات"؛ لأنها في هذا التركيب لا تقوم فقط على تقدير الجرعة المناسبة، والتدرج، والتوازن، والانسجام. وهي ليست فقط كمالًا في الجهد المعقول يخدم النزعة الأخلاقية في مختلف علاقاتها، بل إن هنالك ما هو أكثر، وأفضل: إنها بناء عضوي حقيقي تتعاون فيه كل العناصر، وتتساند كل الوظائف، ولقد استطعنا أن نشهد كيف يمتزج المثالي بالواقع العملي الصلد١، وصرامة الإطار تسير مع المرونة في المضمون جنبًا إلى
стр. 721
جنب، فيشتركان معًا في حفظ النظام، وفي تحقيق التقدم١. ورأينا كيف يكتمل العقل بالإيمان٢، وكيف يعتمد الإيمان على العقل٣. وكيف يراقب الفرد حسن سير الحياة الأخلاقية العامة٤، وإن كان مكلفًا بمسئوليته الخاصة. وكيف يشعر المجتمع من ناحية أخرى بسموه، وبحقه المقدس بالنسبة إلى أعضائه٥ "دون أن يقتضي منهم مع ذلك تضحيات لا جدوى منها أو مغالية"٦، ثم يشعر في الوقت نفسه بالواجب الملح الذي يقع على كاهله، أن يضمن للمحرومين قدرًا مناسبًا من الرفاهة٧، وأن يجنبهم كل عبء لا يطيقونه٨.
هذه الجدلية كلها، هذا المد والجزر يتردد حول المبدأ الوحيد، الذي يقع في قلب النظام، والذي يمكن أن يتلخص في فكرة "التقوى", وهي مفهوم مركب بدوره؛ لأنه يضم أعمق الاحترام للمثل الأعلى، والبحث عن أفضل الظروف التي تفرضها الطبيعة بقدر الإمكان.
وفائدة دراسة كهذه هي أنها تشعرنا بكل عمق بما نحن مندوبون إلى أدائه، ثم هي ترينا كيف يستند هذا الأداء إلى أساس متين.
لكن هذا كله لا يشبع إلا حاجة عقلية، ولا يعد سوى جانب ثانوي من المشكلة الأخلاقية، فمن الممكن "أن يكون المرء فاضلًا دون أن يستطيع تعريف الفضيلة" فحاجتنا إذن إلى أن نرى الفضيلة أعظم من حاجتنا إلى تعريفها.
стр. 722
"ماذا يجب أن أعمل"؟ ذلكم هو أعم الأسئلة وأشدها إلحاحًا، إنه الغذاء اليومي للنفس الإنسانية. ولسوف يكون عملنا هذا ناقصًا بادي النقص لو أنه بعد أن كشف في القرآن عن الأساس النظري، وعن المبادئ العامة للأخلاق، أعرض عن مشاهدة الآثار العظيمة الرائعة للأخلاق التطبيقية، التي قدمها لنا هذا القرآن.
فهذا إذن بيان هذه الأخلاق العملية.
ولسوف نرى فيها كيف أن نشاطنا في كل ميادين الحياة١، يجد فيها طريقه مرسومًا.
وربما كان من المناسب أن نضيف إلى النص بعض الملاحظات المفسرة، أو المقارنة، ولكنا كيلا نضخم كتابنا، الذي تضخم فعلًا، سوف نكتفي بعرض مجرد وبسيط لهذه المقتبسات النصية، إلا في حالة الضرورة، مع العناية بتصنيفها منهجيًّا، تبعًا للمجالات المختلفة التي سبق أن أشرنا إليها.