← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٢- الصلاة: أليس في توجه المؤمن إلى الله بفكر خالص مستجمع راحة كبرى لنفسه؟ ولكن اللغة التي تعبر عن هذا الفكر ليست بدون تأثير عليها، فهي تثبتها، وتنيرها، وتعززها. ثم إن خشوع البدن الذي تتجسد فيه الفكرة إطار لهذه الفكرة، وهو في الوقت نفسه غذاء لها. وإذا لم نبلغ المكان الذي تتم فيه هذه "المناجاة الخاصة" إلا بعد أن نتخذ عدة استعدادات شبيهة بما يتخذه المرء قبل زيارة شخصية رفيعة -فإننا بذلك نؤكد تأكيدًا مضاعفًا شعورنا بالاحترام لهذا الاستقبال. والتركيب العضوي لهذه العناصر المختلفة هو نفس تعريف الصلاة، التي أمرنا الإسلام بأدائها عدة مرات في اليوم.

стр. 667

ومع ذلك فإن الجوانب كلها ليست متساوية النصيب في التكليف، ففي ظرف معين يمكن إغفال هذا الجانب، وفي ظرف آخر يمكن إغفال ذاك، وهكذا، ومن الممكن أن نغفلها جميعًا، ما خلا واحدًا على وجه التحديد، هو الأساس والمحور، وسائر العناصر بالنسبة إليه كالقشة بالقياس إلى البذرة، وكالصدقة بالنسبة إلى اللؤلؤة، أعني: عمل القلب. فالمحتضر الذي لا يستطيع أن يأتي أدنى حركة، ولا أن ينبس ببنت شفة -ملزم أن يؤدي صلاته أداء ذهنيًّا، بشرط وجود وعيه وذاكرته. وهكذا نجد أن العمل البدني الذي كان منذ لحظة "فيما يتعلق بالنجدة" في المرتبة الأولى -لا يؤدي هنا سوى دور ثانوي، ومع ذلك فهو يعتبر جزءًا متممًا للواجب١، في الظروف العادية.

стр. 668

٣- الصوم: هنا نقف أمام نوع من المشقة البدنية، التي تحدث خلال أداء الواجب، ولكنها قلما تكون جانبًا منه. فالألم بطبيعته لا يمكن أن يكون موضوع تكليف؛ لأن كل ألم -بمقتضى التعريف- انفعال، وليس عملًا. ولكن قد يقال لنا: إذا لم يكن ممكنًا أن يكون موضوعًا مباشرًا لتكليف، فقد يكونه بوساطة عمل معين، يصلح لإثارته، وإذن فمن الممكن أن يعبر عن الأمر بالصوم في هذه الكلمات: "أذق نفسك ألم الجوع والعطش بامتناعك عن الشراب والطعام، خلال ساعات محددة". ونجيب عن ذلك بأنه لو كان الأمر هكذا فلن تكون هنالك وسيلة

стр. 669

للطاعة، في وسع من لا يحس بهذا الحرمان المحدد، ما دام تطويل الصوم زيادة على ساعاته محرمًا، كتحريم قطعه قبل موعده. وإذا علمنا أن أولئك الذين يرعون القاعدة بإخلاص متساوون في الطاعة، بصرف النظر عن رد الفعل الخاص في أجسامهم، لنتج عن ذلك بداهة ألا يدخل الألم البدني هنا في الحساب، كجزء من الواجب، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة. والواقع أن الواجب شيء آخر، وقد كان من طريق الصدفة أن وجدت له علاقة بالألم. والجهد الذي نبحثه هنا ذو طابع أخلاقي أساسًا، إنه أولًا، وقبل كل شيء نوع من "التدريب" المفروض على "الإرادة الإنسانية"، حتى نحصل منها على قدر من الانتظام، والثبات، في خضوعها "للإرادة الإلهية". ولما كانت إرادتنا سيدة نفسها، من حيث تسيطر على بدنها، ولكنها نائبة الرئيس -إن صح التعبير- أمام الخالق, فإن مهمتها أن توفق بين هذين الأمرين بإتباع أحدهما للآخر، وخيرها يكمن في التزامها بدور الوسيط الذي يعرف قدر نفسه، وشرها في أن تقلب هذا النظام الأصلي، فتتردى إلى أسفل، وتكون مسترقة للشهوات. ولتيسير هذه المهمة كانت الشعيرة المقترحة غاية في السهولة، نظام غذائي يتبع، شهرًا في كل عام، وهو نظام ينظم الساعات، دون أن يمس كمية الغذاء أو كيفيته: فإذا طلع الفجر أمسك الصائم عن تعاطي أي شيء خلال النهار، وبعد مغرب الشمس يصبح كل شيء مباحًا. وهذا التنظيم نفسه ينطبق على العلاقات الجنسية. وهكذا تتلقى نائبة الرئيس "أي: الإرادة" بمناسبة عمل واحد أمرين متعارضين، في كل يوم مرتين: أحدهما بأن تكف، والآخر بأن تعمل، فإذا ما حرصت إرادتنا على القيام بتنفيذ هذين الأمرين في مجالها الخاص، ومن أن تعيد نفس التدريب خلال الشهر ... فيا له من ترويض لهذه الإرادة!

стр. 670

ذلك أنه كلما كثرت طاعة المرء أصبح طائعًا، كما أنه كلما تمرس بالقيادة يصبح قائدًا. ومع ذلك إن هذا التدريب لم يكن لكي نتوقف عند الموضوع المادي الذي يستخدم فيه، إنه يستهدف مجموع سلوكنا، فمن أقبل خلال صومه على كل آثم من القول أو الفعل -لم يستفد من الدرس، إذ يكون قد فرض على نفسه تضحيات لا جدوى منها، حين حرم نفسه من الأكل والشرب، على حين لم يحقق مقاصد الأمر السماوي، وفي هذا يقول رسول الله ﷺ فيما رواه أبو هريرة: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ١. إننا لم نستلهم المغزى الأخلاقي للصوم، على ما حددناه آنفًا، من المسلك العام للتعليم القرآني فحسب، وإنما هو مبسوط في نفس النص الذي يأمر بهذه الشعيرة، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢، والرسول ﷺ يقول: "الصوم نصف الصبر"٣ ويقول أيضًا: "الصوم جنة" ٤. وليس في هذه النصوص، ولا في غيرها٥، فيما أعلم، أية إشارة إلى

стр. 671

الألم البدني، باعتباره واجبًا، أو نتيجة من نتائج الواجب التي تستهدفها الشريعة. وليس يغض من صدق هذا القول أن من الممكن حدوث هذا الألم، بل إنه نتيجة طبيعية للحرمان، وكثيرًا ما نلاحظ لدى الصائمين، سواء في البداية، أو على مدى الصوم، شعورًا بالضيق، يضعف أو يقوى، وهو ناتج على الأقل عن تغيير النظام، ولكن أمرًا جديدًا يفرض نفسه في هذه الحالة. ذلك أن الواجب ليس أن نعتصم بالصبر، ونتشبث بالكرامة، فقط في مواجهة حدث مغم لا يمكن تفاديه١، من مثل ما تحدث عنه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ٢،

стр. 672

بل إن هنالك فرصة ممتازة يجب أن نهتبلها، كيما نتأمل تأملًا سليمًا في طبيعتنا، وعلاقتنا بالله، وبالناس. بأي خشوع -في الواقع- يتعين علينا أن ننظر إلى ضعفنا تحت ضغط الضرورات على أبداننا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ١. وأية عظمة، وأي إحسان، نحن مدينون بهما لله، الذي وهبنا هذا النور: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. وأخيرًا لنذكر بعض إخواننا الذين يتألمون في حياتهم العادية، دون أن تضطرهم إلى ذلك تكاليف أخلاقية أو ظروف طبيعية عامة. إن مساعدة البائسين، التي أوصى الله سبحانه بها -خاصة- في شهر الصوم، والتي تصبح تكليفًا صريحًا عقب الصوم -هذه المساعدة ليست سوى نتيجة منطقية، ومحصلة لهذه العبادة. وأيًّا ما كان أمر هذه المنافع ذات الطابع الأخلاقي، أو تلك المنافع الأخرى ذات الطابع العضوي "أو الفسيولوجي" فمن الواضح لأعيننا أن الألم البدني الناشئ عن الحرمان ليس من أهداف الشارع الإسلامي. ولئن كان ينجم أحيانًا من أداء واجب أخلاقي فإنه يفرض بدوره واجبات أخرى. بل إن الإمساك المتطاول، على رغم هذا الألم، هو عمل باطني من الناحية الإيجابية، تقاوم به الإرادة مطالب الجسد. والجانب المادي في الإمساك يتمثل في تحمل الآلام أكثر من العمل ضدها، فهو يقتصر على عمل سلبي مجرد، ولا يمكن إذن أن يسمى جهدًا صريحًا.

стр. 673

وهكذا نستطيع أن نحدد في كلمتين موقف القرآن بالنسبة إلى "مشكلة الألم البدني في الأخلاق"، "فليس حتمًا أن نبحث عن هذه التضحية، بحيلة متعسفة، ولا أن نهرب منها حين تفرض ضمن واجب من الواجبات". هاتان القضيتان تستخلصان بوضوح أكثر عندما نتأمل بنظرة فاحصة كيفية تطبيق هذا المبدأ القرآني فيما قدم النبي ﷺ من حلول، في مختلف المسائل الخاصة. وحسبنا أن ندرس في هذا الصدد قضيتين متنافيتين، طالما ناقشهما الأخلاقيون المسلمون، محاولين توضيح بعض جوانبهما:

стр. 674

الصبر والعطاء، والعزلة والاختلاط: ١- صبر وعطاء: هذه هي المشكلة الأولى: فأي الفضيلتين خير من الأخرى: الصبر في البأساء، أو العطاء في الرخاء؟ وربما طرحت هذه المشكلة طرحًا سيئًا إذا ما أريد بها هنا إقرار تدرج ذي طابع عملي، صالح لفرض واجب، أو حتى وصية. ذلك أنه لكي نمارس الفضيلة الأساسية المنافية لوضع معين -فإما أن يكون كافيًا أن نتخذ بطريقة مصطنعة موقف الوضع النقيض، وهو أمر يبدو محالًا غير معقول، وإما أن يلزمنا أن نستبدل بالوضع الراهن الوضع العكسي. ولكن لو افترضنا أن إصلاح وضعنا وإسعاد أنفسنا ماديًّا، أو إفساد هذا الوضع، وتدبير ثرواتنا -كلاهما يتوقف علينا، فهل من واجبنا الملح، كيما ننتقل من حالة إلى أخرى مناقضة لها -أن نغير وضعنا، أو أن نسير بهذه الطريقة أو تلك على حسب الظروف؟ إن الإجابة عن هذا السؤال موجودة أولًا بصورة مجملة في وصية حكيمة،

стр. 675

يدعو فيها رسول الله ﷺ كلًّا منا ألا يدع مجال عمله الذي اعتاده ما لم تنقلب أحوال هذا العمل ضده: "فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سبب الله لأحدكم رزقًا من وجه فلا يدعه حتى يتغير له، أو يتنكر له"١، فإذا ما نقلنا هذا القول من المجال الاجتماعي إلى المجال الأخلاقي -ألا نستطيع أن نؤكد أن الإنسان حين يكون بحيث يستطيع الوفاء بواجبه الحالي كاملًا، يجب عليه أن يلتزم به، وأن يثبت عليه ولا شيء يضطره إلى أن ينشئ جوًّا مصطنعًا ينهضه إلى واجب مضاد؟ ومع ذلك فلا حاجة بنا أن نلجأ إلى هذا التعليل القياسي، ما دمنا نجد نفس النصيحة في الميدان الأخلاقي، وذلك عندما أراد أهل ضاحية من ضواحي المدينة أن يبيعوا ديارهم ليستقروا بالمدينة قريبًا من المسجد: "فعن جابر بن عبد الله قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد". قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: " يا بني سلمة، دياركم، تكتب آثاركم، دياركم، تكتب آثاركم" ٢. ومن المسلم في بعض الحالات أن الواجب قد لا يتطلب تعديلًا، بل تغييرًا،

стр. 676

فإذا ما عدنا إلى نص مشكلتنا لقررنا أن الإنسان المعسر يجب عليه أن يبذل كل طاقته كيما يثري، فهل العكس صحيح؟ هل على إنسان موسر إذن أن يصبح معسرًا؟ كلا، فإن الموقف الإسلامي جد واضح في هذا الصدد. فقد كان النبي ﷺ يحث كل إنسان على أن يعمل في كسب معاشه بجهده، وهو القائل: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده" ١، وكان يحرم على الأصحاء أن يسألوا الآخرين إحسانهم، وهو القائل: "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه" ٢ و "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي" ٣. كما كان يحرم على الموسرين أن يعرضوا أنفسهم، أو يعرضوا ذويهم لتلك الحالة المحزنة، سواء بالإسراف، أو بالوصية بالثروة كاملة، وهو القائل لمن أراد أن ينخلع من ماله صدقة إلى الله ورسوله ﷺ رجاء التوبة: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" ٤، ولمن أراد أن يوصي بثلثي ماله أو بشطره: "لا، الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" ٥، وأيضًا: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، يقعد يستكف الناس". "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" ٦.

стр. 677

لم يكن هذا فحسب، موقف رسول الله ﷺ بل لقد قال في كلمات صريحة: "لا بأس بالغنى لمن اتقى" ١، بل لقد قال أيضًا: "فنعم صاحب المسلم، ما أعطى منه المسكين، واليتيم، وابن السبيل" ٢. والحق أن القلة التي يصف بها القرآن والسُّنة متاع هذه الدنيا تدعونا إلى أن نزهد ولو قليلًا في هذه المتع الفانية. بيد أن هذه الزهادة التي يمكن أن تفهم عمومًا بمعنى روحي -لا ينبغي أن تفهم ماديًّا إلا في ظروف شديدة الندرة، كحالة إنسان خلي، منقطع، لا يتطلب نشاطه "ولو على سبيل الصدقة" أي تكليف، من قريب أو من بعيد. فمن الأفضل لهذا الرجل -بلا شك- أنه متى ما أشبع حاجاته الخاصة العاجلة ألا يسعى كثيرًا إلى مزيد من الكسب، بل عليه أن يسخر أعظم جهده لتهذيب قلبه وروحه. هذه الظروف هي على وجه التحديد ظروف المتصوفة المسلمين، الذين سبقهم على هذا الدرب عدد من صحابة رسول الله ﷺ وبخاصة أهل الصفة، لكنه كان واجبًا على كل المسلمين أن يكون لهم موقف روحي متحفظ حيال المتع الأرضية، وقدر من التجرد من هذا الحب الزائد، الذي يسخر "الروح" "للمادة"، والذي يجعل من مجرد "الوسيلة" "غاية" حقيقية. وليس وراء هذين المعنيين أي موقف متنسك مشروع في الإسلام.

стр. 678

ومن ثم لا يمكن أن ننصح إنسانًا موسرًا بأن يفتقر باختياره لكي يصير مسلمًا حقًّا، فليس في هذا زهد حقيقي، إذا ما حكمنا عليه بتحديد النبي ﷺ نفسه, الذي يقول: "الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يدك أوثق مما في يدي الله"١. وكذلك الأمر في حالة العكس، حالة رجل منقطع، يتمتع بالضروري قانعًا متعففًا، ويتمسك بصورة خاصة بالقيم العليا: فلا ينبغي لنا أيضًا أن نغريه بالتخلي عن مثله، من أجل أن يثرى ماديًّا. والحق أن ما ينبغي على المرء أن يفعله، غير ما تفرضه عليه الساعة التي يحياها، هو أن ينوي دائمًا -ولو أن نيته في حيز القوة- أن يغير موقفه متى ما غير الوضع وجهه، أي أن يكون دائمًا مستعدًّا للهجوم، وللدفاع، للعطاء، وللصبر. وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن نرى بين هاتين الفضيلتين علاقة مساواة في القيمة، متناسبة مع ظروفهما الخاصة، ولما كان لكل وضع مقتضياته الأخلاقية، فمن الواضح أن من يعرف كيف ينهض به يؤدي واجبه الكامل الذي لا بديل له، لا أقل ولا أكثر. وتلك فيما نعتقد نتيجة تنبع بالضرورة من الفكرة المميزة لهذه الأخلاق، أعني أنها لا ترغب إلينا أن نعمل ضد

стр. 679

طبيعة الأشياء، وإنما هي تريد أن نكيف أنفسنا معها، بالمعنى السامي لكلمة "تكيف" الذي يستلزم مركبًا من "الشجاعة"، و"نبل المظهر". وانطلاقًا من هذا المبدأ يمكن أن نثبت أن الموقفين يتساويان في القيمة، من الناحية العملية، حتى ولو لم نملك نصوصًا محددة في هذا الموضوع، فما بالنا وهذه النصوص موجودة. وإليك بعضها: "عن صهيب قال: قال رسول الله, ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له "١. وأكثر من هذا وضوحًا قوله ﵊ فيما رواه عنه أبو هريرة: "الطاعم الشاكل بمنزلة الصائم الصابر" ٢. وهكذا، فإن المشكلة التي تشغلنا الآن، مع أنها لا تحمل أي معنى ذي طابع عملي، أعني أنها لا تتطلب بعض التغيير في واجبنا -ينبغي أن تطرح على بساط البحث عن الخير، وتقديره في ذاته، مستقلًّا عن إمكاناتنا الخاصة. وإذن فإذا ما انتقلت إلى هذا المجال فإن الحل الذي وضعه لها الإسلام يتجه -فيما يبدو لنا- إلى منح الأولوية إلى فضيلة تعميم الخير الإيجابي المشترك، أعني الفضيلة التي تفترض درجة عالية من الرخاء، والرفاهية الطبيعية، لا تلك التي تقصر خيراتها على مالكها، والتي تستتبع الحرمان والألم.

стр. 680

وذلك -على الأقل- هو ما يدل عليه الحوار الذي وقع بين النبي ﷺ وبعض صحابته، وإليك النص الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا، والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله, ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون، وتكبرون، وتحمدون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة" قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله, ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" ١. ٢- عزلة واختلاط: والمشكلة الثانية هي مشكة التناقض بين حياة العزلة، والحياة الاجتماعية. وهنا نجد أيضًا نفس التفضيل، بالنسبة إلى الخير الإيجابي المشترك، بيد أن هذه القيمة الإيجابية موجودة هنا من ناحية أكبر قدر من الجهد، وأعظم قدر من التضحية. ولا مرية أنه لا يوجد في هذا الموضوع أي أمر قاطع مؤكد؛ لأن كل شيء يصدر عن الأشخاص والحالات، على ما بينه الغزالي٢. وليس أدنى من ذلك تأكيدًا أن العزب الذي يعتزل المجتمع، ظانًّا أنه

стр. 681

قادر بهذه الطريقة أن يحل بعض الصعوبات الأخلاقية -لا يفعل في الواقع سوى أن يهرب من هذه الصعوبات. فهو لكي يجعل من نفسه إنسانًا طاهرًا عفيفًا يخلق لنفسه عالمًا مصطنعًا، يستطيع أن يهرب فيه من الخطيئة، لا بوساطة قواه الذاتية، بل بقوة الأشياء. وإذن، فما كان له أن يحوز ما حاز غيره من بطولة واستحقاق، غيره الذي يواجه الحياة بشجاعة، على ما هي عليه، وبكل ما تتضمن من مسئولية، ومغامرة، وتضحية، والذي يبذل كل طاقته من أجل أن يتغلب على العقبات. وهكذا نجد النبي ﷺ وقد استلهم القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١, وقوله: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢ -فإذا به يستهل نداءه للشباب بأن يوصيهم بالزواج، بشرط واحد، هو أن يكونوا قادرين على النهوض بواجباته الزوجية، فإذا عدمت هذه المسئولية فإنه يوصي الشباب باللجوء إلى الصوم، كوسيلة للدفاع ضد الدوافع الغرزية٢: "يا معشر الشباب؛ من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ٣.

стр. 682

وهناك أحاديث أخرى تعبر تعبيرًا أدق عن هذا التدرج، فقد جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من شره" ١. وخذ كذلك نصًّا آخر متدرجًا، فعن أبي هريرة ﵁ قال: مر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بشعب فيه عيينه من ماء عذبة، فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" ٢. ولا ريب أن هناك حالات يفرض فيها على العاقل الابتعاد عن الناس, سواء أكان ذلك لأسباب عامة، أم كان لدواع شخصية، وذلك ما يحدث -مثلًا- في فترات الاضطراب الاجتماعي. والواقع أنه عندما يسيطر الغموض والبلبلة سيطرة شاملة على العقول، فإن الصلة بالبيئة تدفع كل فرد، إلى أن ينتحي جانبًا، دون أن يملك لذلك دفعًا، وهذا الاتجاه المحتوم إلى تمزيق الأمة ينتهي غالبًا إلى الحرب الأهلية وهو ما أوصانا رسول الله ﷺ أن نتجنب مغامراته، وأن نلوذ منه بالفرار في أي مكان، فقال فيما روي عن أبي هريرة: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذًا فليعذ به" ٣.

стр. 683

وتلك أيضًا حالة تناسب شخصًا ذا طبع شديد الحساسية، أو تبلغ به الصرامة إلى الحد الذي لا يستطيع معه أن يعيش على وئام مع إخوانه، وفي مثل هذه الحالة يصبح أفضل ملجأ نلوذ به -بداهة- أن نتبع تلك الوصية الذهبية الإسلامية، من قول رسول الله, ﷺ : "ليسعك بيتك، وأمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك" ١. ولكن، هل يمكن أن نقارن الرجل الذي ينطوي على الصمت، ويلتزم الجمود، ليتجنب الصدمات المحزنة، بآخر يضحي براحته، وانفعالاته راضيًا مختارًا، من أجل السلام العام، ومن أجل سعادة الأمة؟ إن النبي ﷺ هو الذي يقول لنا: "المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم"٢. ولقد فهم المجربون الثقات هذا الحديث، وإليك بعضًا من أقوالهم: قال الجنيد: "مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة". وقال ذو النون المصري: "ليس من احتجب عن الخلق بالخلوة كمن احتجب عنهم بالله". وقال أبو علي الدقاق: "البس مع الناس ما يلبسون، وتناول مما يأكلون، وانفرد عنهم بالسر"٣. ولهذا عرفوا "العارف" بأنه: "كائن بائن" أي: إنه كائن مع الخلق بشواغله العادية، بائن عنهم بالسر وبفكره المتعلق بالله.

стр. 684

والشكل الوحيد للعزلة التي يمكن، بل ويجب، أن يعتبر نافعًا، ومرغوبًا فيه بالنسبة إلى كل الناس؛ لأنه يخلق القيم الإيجابية الأساسية هو الابتعاد الجزئي عن الضجيج الدنيوي، بقدر ما يلزم للاستجماع والتأمل الخصب. ولا أحد يماري في فضل هذا النوع من الانطواء، فهو الوسيلة الوحيدة, القادرة على إضاءة أفكارنا، وإعلاء مشاعرنا، وشحذ عزائمنا، ودعم صلاتنا بالقيمة المطلقة. بيد أنه ليس بلازم أن يتم هذا الاعتزال خارج المدينة، وعلى حساب واجباتنا الأسرية والاجتماعية، فبدلًا من أن يعتبر انقطاعًا، ينبغي أن يكون بالأحرى اهتمامًا باسترداد أنفسنا خلال ساعات فراغنا، وبخاصة أثناء الليل، وهو ما يقصد إليه القرآن من قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ ١. وفضلًا عن ذلك فنحن نعلم أن هذا النموذج من العزلة الجزئية، والمتقطعة كان من شأن رسول الله ﷺ قبل أن يختار مبعوثًا إلى العالمين، ومنذ ذلك الحين، لم يزل الرسول يفزع إلى هذه العزلة من وقت لآخر، وبخاصة خلال العشر الأواخر من رمضان، وإن كان ذلك في بيته، أو بجوار البيت، في مسجده. ولقد اقتدى كثير من صحابته -رضوان الله عليهم- به في هذا الاعتكاف، وما زال بعض المسلمين الصالحين يقتدون به فيه، حتى يوم الناس هذا.

стр. 685

٣- جهد وترفق: أتاح لنا بحث المشكلتين السابقتين أن نطالع أفق التشريع القرآني، فالجهد المادي لا يزيد عن الجهد الأخلاقي، إذ ليس له في نظر الإسلام سوى قيمة تتناسب مع الخير الذي يستهدفه الشرع. وليس هنالك نص يدعونا إلى التماس

стр. 686

المشقات حين لا يقتضيها الموقف، أو الواجب. فأما حين يكون العكس، وهو أن يشتمل عبء الحياة العادية على ثقله، فليس هناك ما يجيز لنا أن نتملص منه. فهما أمران مرفوضان على سواء: "التعصب" الأعمى، و"التنسك" الغبي الضيق الأفق. فلنتناول الحالة التي يقتضي فيها تحقيق الخير الأخلاقي "بالمعنى الواسع للكلمة" تدخل طاقتنا. فعلينا إذن أن نسأل أنفسنا عن أهمية هذا الاقتضاء، هل هو يتطلب طاقتنا بكمالها، أم أنه يعين لها حدًّا تقف عنده, فإذا تجاوزته أصبح جهد الواجب الأساسي -واجب كمال، "على ما بيناه في دراستنا لدرجات الجهد الإبداعي"، وليس ذلك فحسب، ولكن الاقتضاء الآمر يخلي مكانه لنوع من الإجازة، حتى يبلغ حد التحريم؟ إننا إذا حكمنا على هذه المسألة ببعض النصوص فإن الجهاد يجب أن يستهدف المثل الأعلى، متناسيًا نفسه، وهكذا نقرأ في الآيات الأخيرة من سورة الحج الأوامر الآتية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ١, وفي سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٢.

стр. 687

لكن آيات أخرى كثيرة في القرآن، وأحاديث كثيرة في السنة، تحتفل فيما يبدو بإمكاناتنا الإنسانية، وقد خطا القرآن الكريم الخطوة الأولى، في هذا السبيل، بالآية الكريمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١، وهي التي نزلت على ما أخبرتنا السنة؛ لتلطيف الحدة الظاهرة في آية آل عمران: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ . والواقع أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يضع حدًّا للعمل، لا بالنسبة إلى ما الله حقيق به، بمقتضى صفاته، بل بالنسبة إلى ما يمكن أن يبلغه الناس، فهو يعفيهم إذن من كل ما يتجاوز مقدرتهم، ولكنه يبدو في الوقت نفسه وهو يلزمهم بأن يسخروا كل قواهم في سبيل هذا المثل الأعلى. فهل تأمر الأخلاق القرآنية إذن بأن نستهلك حياتنا، وأن نضحي بها عن طريق الإرهاق؟ إن هنالك أمرين آخرين يجلوان هذا الغموض، واقرأ في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ ٣, "حقيقة ومجازًا". ولو أننا نزلنا إلى بعض الأحكام الخاصة فسنرى اهتمامًا واضحًا بأن يكون تطبيقها أكثر اتفاقًا مع الإنسانية والعقل. فليس توقع الموت ضنكًا، أو

стр. 688

إكراهًا، هو وحده الذي يجعل مخالفة الشرع جائزة، بل لقد رأينا١ المرض، والشيخوخة، والضرورات التي تفرضها العمليات العسكرية، ومتاعب السفر، كل ذلك من الأسباب التي يمكن أن تفرض نوعًا من التقليل، أو التأجيل، أو التعديل في بناء العبادة الدينية. وهنا مناسبة أن نبين معنى وهدف الاهتمام القرآني بتعديل الواجب تبعًا للموقف الذي يؤدى فيه. ونلاحظ أولًا فيما يتعلق بالحالات التي يتعرض فيها الواجب لتعديل مفروض -أنها استثناء، وليست القاعدة. وهي استثنائية من ناحيتين: استثنائية بين الواجبات؛ لأنها تتصل أساسًا بالواجبات الدينية، ولا علاقة لها بتكاليفنا الإنسانية، فليس لواجب الأمانة ألف شكل، ولا لواجب الوفاء بالالتزام، ولو لواجب احترام حياة البريء من الناس، أو احترام ملكيتهم، وشرفهم ... إلخ. وهي استثنائية في تطبيقها؛ لأنها لا تعفي سوى الضعفاء والمعوقين. ثم نذكر بعد ذلك أنه -حتى في هذا المجال المقيد بالواجب الديني- لا علاقة لهذه الحالات بالإيمان القلبي، وهي لا تؤثر إلا في جانب مادي معين من الواجب، مع محافظتها تمامًا على العنصر الجوهري.

стр. 689

إن أخطر المشقات لا تعفي المؤمنين من أداء صلاتهم، ولا تسمح بأي نسيء لتاريخ الحج، فالتعديل حتى في هذا النطاق، ليس إبطالًا ولا إسقاطًا. وليس يغض من صدق هذا القول أن القرآن والسنة فيما خلا هذه التعديلات المحددة التي أقرتها النصوص والتي لا يحق لنا تعميمها -قد أقرا منهجًا عامًّا هو أن "الضرورة قانون" في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ١، وهما يتصوران هذه الضرورة في جانبها الرحب، والإنساني، كيما نوفر جهدًا قاسيًا وضارًّا، في حياتنا العادية، ولا سيما الدينية. وهنالك نصوص كثيرة تلح على هذا الطابع الرحيم في الشرع القرآني. أيجب أن نرى في ذلك تشجيعًا ما على الاعتدال في الجهد؟ إن من المفيد جدًّا أن نتأمل النغمة التي يعبر بها القرآن عن موضوع الرخص، فلقد عالجها بأقصى درجات الحذر والمخافتة، حتى لا نكاد نسمعها. والواقع أنه لا يذهب إلى حد أن يقول: "اعملوا تبعًا لما يقتضيه الموقف"، ولا يقول أيضًا: "يجوز لكم أو يباح أن تعملوا هكذا". بل إننا لو تأملناه من قريب لرأينا أن الضرورة لم تلغ التكليف، وإنما هي ترفع أثر المخالفة فحسب، فمتى وقعت هذه المخالفة عفا الله عنها: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.

стр. 690

ولكن ما هو جدير بالملاحظة أنه في الحالة التي يسمح بدرجة دنيا من الجهد يستنهض في الحال شجاعتنا؛ لنقاوم إغراء الضعف والفتور، وهو ينصحنا أن نتحمل الآلام التي تنشأ عن هذه المقاومة، وأن نتمسك في شجاعة بالحل الأمثل: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ١، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢. هذا التوجيه إلى نبل الجهد هو في الواقع لازمة لا يفتأ القرآن يعود إليها في كل مناسبة: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٣, ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٤. فهو بصفة عامة يحثنا على أن نختار من بين درجتي الخير الأخلاقي, أكرمهما، وأشرفهما، فالكرم أحرى من العدالة المدنية الدقيقة، والعفو أولى من القصاص، والله يقول: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٥، ويقول: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٦، ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٧. فالقرآن لا يدعونا إذن إلى بذل أقل الجهد، وهو لا يرضى لنا أن نرتدَّ أمام المشقات الأولى "بل إن شعاره دائمًا هو: جاهدوا، اصبروا، صابروا، افعلوا الخير". ومع ذلك, إن القرآن لا يمضي إلى حد الإفراط في هذا التوجيه، فهو يضع حدين أمام جهدنا الخادم المتحمس: أحدهما مادي، والآخر أخلاقي،

стр. 691

فالجسم الذي يتألم من مرض لا يجب عليه أن يؤدي نفس الجهد الذي يؤديه الرجل الصحيح, هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، ليس بواجب في بعض الحالات التي يتعرض لها المرء أن يكب على بعض الشعائر على حساب شعائر أخرى، ومن الآيات ذات الدلالة في هذا قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ١. فجهدنا يجب أن يتوزع توزعًا عادلًا على مجموع واجباتنا. ولما كان بدننا خادمًا لأنفسنا، فما كان له أن يرهق أو يستهلك في خدمة مثل أعلى محدود النطاق، لدرجة تسلمنا إلى العجز في مجالات الحياة الأخرى، ولقد علمتنا السنة من قول رسول الله, ﷺ : "قم ونم، وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا, وإن لزورك عليك حقًّا, وإن لزوجك عليك حقًّا" ٢، وفي حديث آخر يقول سلمان الفارسي لأبي الدرداء: "إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، وأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه" , فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال ﷺ : "صدق سلمان" ٣. وكذلك كان رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة، ينصح -تبعًا للحالة- بالإعراض، أو يلوم، أو يذم الإفراط في العبادة، كقيام الليل الطويل، وكصوم الدهر. ومن ذلك أنه رأى في أحد أسفاره زحامًا من الناس حول رجل يظلونه من الشمس, فسأل النبي, ﷺ : "ما هذا؟ " فقالوا: صائم.

стр. 692

فقال: "ليس من البر الصيام في السفر" ١. "يعني في مثل هذا السفر الشاق". وعن ابن عباس ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام، حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء، فرفعه إلى يديه ليريه الناس، فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان، فكان ابن عباس يقول: "قد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر"٢. ولهذا أيضًا موقف مماثل، ولكن في مجال آخر، "فقد حدث أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى شيخًا يتهادى بين ابنيه "يتوكأ عليهما" قال: "ما بال هذا؟ " قالوا: نذر أن يمشي٣، قال: "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب" ٤. ومع ذلك، فإن هذه السنة نفسها تروي لنا أن النبي ﷺ كان من عادته أن يبذل جهدًا كبيرًا مماثلًا لما نصح الآخرين بالإعراض عنه، فهو لم ينم ليلة كاملة مطلقًا، وأحيانًا كان يقوم في صلاته، في ناشئة الليل، حتى تتورم قدماه. ولقد كان يقضي الليل كله في العشر الأواخر من رمضان بخاصة، قائمًا يصلي، وكان يأمر أصحابه أن يفعلوا مثل ما يفعل، فعن أبي سعيد الخدري, ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: "من كان اعتكف معي

стр. 693

فليعتكف العشر الأواخر" ١. وكثيرًا ما كان يواصل الصوم، ليلًا ونهارًا، خلال أيام كثيرة متوالية، فيقال له في ذلك "إذ كان يفعل ما ينهاهم عن فعله" فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ " ٢، أو يقول كما في حديث آخر: "لا تواصلوا "، قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" ٣. وهنا ندرك الصفة النسبية للجهد المحمود، فليست القوة المادية، وحدها هي التي لا يتساوى نصيب الناس فيها، بل إن الطاقة الأخلاقية كذلك فما يعد إفراطًا وتعصبًا بالنسبة إلى بعض الناس، ليس كذلك بالضرورة بالنسبة إلى آخرين. وإذا دعم الحب، والخوف، والأمل النفس فإن سائر الآلام والمشقات التي يتعرض لها المرء لا يحس بها، أو تكون على الأقل محتملة، وهي في كل حال أقل إضرارًا. إنها تجلب السرور إلى القلب، والسعادة إلى النفس المخلصة، ولذلك أبدى جمهور من المسلمين الأوائل هذه الروح في التضحية الكريمة، ولم ينكر أحد مآثرهم. وإن القرآن ليشير إلى العمل المستبسل الذي أبداه "صهيب" في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ٤، وذلك أنه حين كان المشركون يقتفون آثار النبي ﷺ وصحابته الذين أرادوا الهجرة معه -أقبل صهيب مهاجرًا نحو رسول الله ﷺ فاتبعه نفر من قريش من المشركين، فنزل عن راحلته، ونثر ما في كنانته، وأخذ قوسه، ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم.

стр. 694

قالوا: دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه، ففعل. ومن الواضح أن الواجب لم يكن ليقتضي هذا الذي فعل، ولكنها التضحية التي سجلها القرآن في محكم آياته، وهي تضحية مدحها رسول الله ﷺ حين قدم عليه صهيب بالمدينة وقال: "أبا يحيى، ربح البيع، ربح البيع" ١. ولعلنا نعرف قصة الأخوين الجريحين في غزوة أحد، يحكي أحدهما القصة فيقول: شهدت مع رسول الله ﷺ أنا وأخ لي "أحدًا"، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو قلت لأخي، أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله, ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحًا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. ولمحة أخرى ذات مغزى، فيما روي عن جندع بن ضمرة أنه كان شيخًا كبيرًا، فلما أمروا بالهجرة، وشدد عليهم فيها، مع علمهم بأن الدين لا حرج فيه، ولا تكليف بما لا يطاق -قال لبنيه: إني أجد حيلة، فلا أعذر، احملوني على سرير، فحملوه، فمات بالتنعيم، وهو يصفق يمينه على شماله، ويقول: هذا لك، وهذا لرسولك٢. وإذن، فلم تكن وصية النبي ﷺ للضعفاء أن يوفروا جهدهم إلا رحمة بهم، فهو يريد أن يتفادوا بعثرة القوة، والجهد الضائع الضار. وهو يقصد

стр. 695

إلى أن يتدارك لديهم ردود فعل الإفراط: كالنفرة والتراخي، وتصدع العمل وهجره، وعدم التوازن أو إهمال الواجبات الأخرى التي ليست بأقل أهمية. وهو يستهدف أن يتحاشى التكلف، والأساليب المتجاوزة للحد، التي يبغضها، أولًا وقبل كل شيء، ولقد أمره ربه أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين﴾ ١. بيد أن هذه الرحمة التي يبديها تجاه الناس لا تنفي لديه، أو لدى من يريدون ويستطيعون الاقتداء به التزامًا واضحًا نحو أنفسهم أن يبذلوا أشجع الجهد، ولكنه في الوقت نفسه أعقله وأوفقه. وجملة القول أننا هنا أمام تركيب تلتقي فيه الشدة واللطف، أما وهذا هو الفقه القرآني في هذه المسألة، فلسنا نجد أصدق من أن نقدم بين يدي هذا الفقه شاهدًا من النص ذاته، وهو يجمع هاتين الفكرتين في آية واحدة: يقول ﵎: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢. وكذلك ترد على لسان النبي ﷺ تعبيرات مماثلة، والواقع أنه كان يقرر دائمًا أن أهم سمات النظام الإسلامي أن يضم صفتين معًا في وقت واحد: إنه "متين"، وإنه "يسر"، وذلك قوله, ﷺ : "إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق" ٣، "ولن يشاد الدين أحدًا إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا" ٤.

стр. 696

أمن الممكن أن نختط منهجًا قادرًا على أن يحدد مضمون هذا المفهوم المركب عن "الجهد النبيل المعتدل"؟ إذا كنا نقصد بالتعريف صيغة رياضية صحيحة بصورة شاملة، فيجب أن نطرح هذا التعريف جانبًا، سواء نظرنا إلى الشيء المعرف من الخارج أو من الداخل. فلنتناوله أولًا من الخارج. ولا شك أن بوسعنا القول بعامة، بأن جدلية العنصرين اللذين تتكون منهما الفكرة المراد تعريفها يجب أن تؤدي بهما إلى وضع وسط، بين "الخمود" و"الجموح". بيد أن هذا الوضع الوسط لا يمكن تخيله في صورة نقطة هندسية، تبتعد عن الطرفين بمسافة متساوية، ذلك أن الاختلاف البالغ في الظروف الفردية، والذي ينتج عن آلاف الأوضاع التي لا نملك السيطرة عليها -يوجب على العكس أن نتمثل المقياس العام في منطقة مركزية، تتردد هي الأخرى بين قطبين، يميلان تارة إلى جانب، وأخرى إلى جانب آخر، فيحتويان بهذه الصورة على درجات لا تنتهي. ولكي تحدد هذه المنطقة المركزية لن يكون لدى الناظر سوى أن يركن إلى الذوق العام وتقديراته التقريبية المبتسرة، تبعًا للتجارب اليومية. والواقع أننا نعلم متى تفتر الطاقة وتقترب من الخمود، ومتى تصير مفرطة محمومة، فنضع الجهد المعقول بين هذين في درجات مختلفة. ومن هنا نفهم أن القرآن قد التزم باستخدام هذا المقياس العام، وهو يوجه عظاته إلى الناس، ولهذا كان البرد، والحر، والعرق، والتعب، والعطش، والجوع، وما شاكل ذلك من المصاعب التي لا تمنعنا من ممارسة أعمالنا، هذه

стр. 697

كلها لا ينبغي في نظر القرآن أن تعفينا من بذل كل قوانا لأداء واجبنا الأخلاقي. وكما نبذل أحيانًا جهدًا إضافيًّا لكي نوفر حاجات الأفراد الذين نعزهم، ونتكفل بهم، فكذلك ينبغي أن نتحمل أكثر، من أجل واجب أكثر ضرورة، ونتقبل أعظم التضحيات في سبيله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ٢. وبالرغم من قلة التحديد الظاهرة في هذا التعريف الخارجي إلا أن له ميزة مزدوجة، هي أنه يتطابق مع المنهج القرآني، ويلبي في الوقت نفسه المطالب الأساسية للأخلاقية. ونلاحظ فيما يتعلق بالقرآن أنه في جميع المواضع التي يتحدث فيها عن الدواعي المعفية من هذه الشعيرة أو تلك -لا يستخدم سوى ألفاظ شائعة في عموم الجنس، مثل "المرضى" "المسافرين" ... إلخ. فهو حين اكتفى بالمعنى القريب الذي يفهم عمومًا من الصعوبة في موقف كهذا -لم يقل مطلقًا أي درجات المرض، ولا أية مسافة أو مدة في السفر. ولذلك فقد اختلفت آراء الفقهاء إلى أقصى حد عندما حاولوا تحديد أدنى مسافة يقطعها المسافر ليسمى مسافرًا، فبعضهم جعلها مئات الفراسخ، وآخرون عشراتها، وغيرهم بعضًا منها. بيد أن عدم التحديد بهذه الصورة كان ضروريًّا في نفس الوقت لإنقاذ

стр. 698

حرية الضمير الأخلاقي، ولولاه لما بقي للفرد أثر من حرية الاختيار. وبهذه الطريقة التي استخدمها القرآن في التعبير بوضوح ومرونة -استطاع أن ينشئ إطارًا متوافقًا لبناء هذا الوسط الأخلاقي المشترك بين جميع أعضاء الجماعة، ولكنه إطار غني بالألوان يمكن أن نجد في داخله درجات كثيرة من القيمة الأخلاقية. وفي هذا الإطار يدعى كل فرد إلى ممارسة نشاطه، بأن يضع نفسه على درجة مناسبة العلو، في سلم القيم، تبعًا لطاقته المادية، ومطامحه الأخلاقية. وبهذا يتضح معنى ذلك الحديث الصحيح الذي يقرر أن صحابة النبي ﷺ كانوا يسافرون "مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم"١. والقرآن لا يعتمد فقط على الضمير الإنساني حين يغفل تحديد الشروط لهذه الرخصة أو تلك، بل إنه يرجع إليه صراحة في تحديد بعض واجباتنا الأسرية، والاجتماعية، التي يتركها غير محددة من الناحية الكمية، مكتفيًا بالقول بوجوب أدائها في صورة إنسانية وهو يجمل هذه الصورة الإنسانية في كلمة "المعروف": ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٣، ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٤، بل إن القرآن الكريم غالبًا ما يضع أفكار الخير والشر تحت اسم "المعروف، والمنكر".

стр. 699

بيد أن المقياس الحقيقي للفكرة المركبة التي تشغلنا هنا لا يمكن تحقيقه إلا من الداخل، حيث يجب أن يترك لتقدير كل منا بنفسه، وليس معنى ذلك أن يحدد كل منا مقياسه مرة واحدة، بل يجب أن يتنوع هذا المقياس ليقابل في كل تجربة بين قيمة طاقتنا المتاحة، وأهمية أعبائنا، دون أن نغفل جانب التوافق في مجموع تكاليفنا. ولقد يحدث -دون شك- أن تقود المرء رغبة خفية في التملص من الواجب، فيفيد من هذه المرونة في القاعدة العامة، ليطبقها على حالات مقاربة، من نفس الطبيعة في الظاهر، وفي هذه الحالة ننقذ المظاهر دون أن تكون الأخلاق قد نالت حقها بمثل هذا التصرف. ومن الواضح أنه لا يمكن التحدث عن الأخلاق إلا بقدر ما يكون المرء صادقًا مع نفسه، وهذا هو التحفظ الذي ما زال القرآن ينفثه في آذاننا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢. وهو يثبت من حيث المبدأ بطلان أي عذر لا يستمد منبعه من الصدق: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٣. ولقد يحدث أيضًا أن يتخلى المرء عن الجهد قبل أن يصطدم فعلًا بإحدى العقبات، لا بسوء نية، ولكن بنوع من التراخي والإهمال. فهو يتخيل ابتداء أن عقبات سوف تصادفه، فيقول في نفسه: لن أفعل هذا، فقد

стр. 700

أمرض، ولن أفعل هذا، فقد يعيبه الناس علي، ولن أعطي الفقراء، فقد أصبح الغداة فقيرًا. وليست هذه في أكثر الأحيان سوى أوهام محضة، أو بلغة القرآن، هي أفكار شيطانية، والله يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ ١. كلا ... فيجب ألا نتقهقر إلا أمام استحالة واضحة لأعيننا، أو على الأقل عرفناها بالتجربة معرفة كافية. يجب أن نبدأ دائمًا بإرادة الطاعة، وأن نشرع في العمل، حتى لو بدت المهمة لنا أكثر مشقة: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ٢ "لأنفسهم". ولقد نصل إلى سد لا نتوهم اجتيازه فييسر الله الخروج منه بفضله، وتجربة الأنفس الكبيرة خير دليل على ذلك، وحسبنا أن نذكر هنا مثال إبراهيم وولده إسماعيل: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ، أو مثال أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين﴾ ٤. وتلك هي حال من يخضعون لإرادة الله ﵎:

стр. 701

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ١، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٢. ولقد يحدث أخيرًا أن يكتفي المرء -وهو يؤدي واجباته الأساسية، ويطرح الذنوب الفاحشة- بهذا المستوى المتواضع للرجل الطيب، ومعنى ذلك أنه بدأ -دون شك- بتثبيت مثله الأعلى عند درجة متوسطة، هي أقصى ما يبلغه الجهد المعتدل، وهو خطأ يختلط به "الهدف" و"العمل". إن اعتدال العمل لا ينبغي أن يتأتى، ولا يمكن أن ينال، إلا على أساس نية تستهدف أعلى قيمة وأسمى درجات الكمال. وأي حد يهبط عن هذا المستوى ستكون له بالضرورة انعكاساته على الإرادة: التوقف، والتناقص والكفاف. والآيات القرآنية التي تأمرنا بأن نجاهد حق الجهاد في سبيل المثل الأعلى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ، ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ، دون التفات لإمكانياتنا -هذه الآيات ليس لها من معنى إنساني آخر. فهي حين تعين لنا هذا الهدف الأسمى، وحين تزكي مطامحنا الأخلاقية إلى غيرما حد -تحاول في الواقع أن تدفع جهودنا إلى أعلى درجة ممكنة في توترها. ولقد رأينا إلى أي حد يحث القرآن الناس أن ينشدوا الأفضل، وأن يسابقوا إلى المراتب الأولى. ورسول الله ﷺ يعطينا المفتاح، ويحركه بهذا الجهاد النبيل. فهو على حين يأمرنا في نطاق الأشياء المادية أن نقنع بما قسم الله لنا، ناظرين إلى من هم أدنى منا من إخواننا، يوصينا في النطاق الأخلاقي بعكس ذلك، يوصينا بحرارة أن نسمو دائمًا بأنظارنا إلى من هم أسمى منا، وأن نحاول

стр. 702

الاقتداء بهم، وفي ذلك يقول, ﷺ : "خصلتان، من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله، لا شاكرًا ولا صابرًا. من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه، كتبه الله شاكرًا صابرًا. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه, ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منها، لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا"١.

стр. 703

خاتمة: عرفنا الآن حقيقة الجهد المطلوب، والمحمود في القرآن. إنه أولًا نشاط أخلاقي ومادي يسخر لخدمة الواجب، ويقاس إليه، فكل ما هو "متعسف" لا علاقة له به، ثم هو بعد ذلك نشاط "مبصر" واضح الرؤية من ناحيتين؛ لأن نظراته لا تتجه فقط إلى الطاقات المتاحة، كيما تستخدمها على بصيرة، ولكنها في الوقت نفسه تحتوي في نظرة واحدة مختلف العلاقات بين الفرد من جانب، "وربه، والناس أجمعين، ونفسه من جانب آخر" كيما تتوزع فيما بين هؤلاء جميعًا توزيعًا عادلًا، فتنهض بمختلف تكاليفهم. وهو أخيرًا نشاط "نبيل" "متبصر في العواقب"، فهو لا يريد في الواقع أن يستنفد ويستهلك استهلاكًا وقتيًّا، فيصبح بلا ثمرة،، وبلا غد، بل هو على العكس يتوقع نوعًا من الدوام، والثبات تزداد معهما الغبطة ويتنامى السرور. فإذا ما قصد الجهد إلى هذا المثل الأعلى الواجب، بعناصره الثلاثة: "القوة، والمكان، والزمان" فيجب أن يندفع في طريقه، بحيث يتجنب الإفراط في حال تألقه، ويتجنب التفريط في حال تقاصره.

стр. 704

وإن ذلك ليذكرنا -على الفور- بنظرية "الوسط العادل" التي خصص لها أرسطو مجموعة من الفصول في كتابه: "الأخلاق". ولعل من المفيد أن نسجل تقاربًا بين النظريتين، ولكنا نرى على وجه التحديد أن مسألة معرفة ما إذا كان يوجد، أو لا يوجد بينهما بنوة تاريخية -غير مطروحة؛ فالدنيا كلها تعرف أن القرآن لاحق لنظرية أرسطو، ولكن الدنيا كلها تعرف من ناحية أخرى أن من الخطأ البين تاريخيًّا القول بفرض حدوث استعارة، فإن الصلة بين الفكر الإسلامي، والفلسفة الهلينية لم تبدأ في الواقع إلا بعد قرنين من الإسلام. وإنما الذي نقصده هو أن نحاول أن نرى فقط إلى أي حد بلغ تشابههما، وفيم يتمثل اختلافهما؟ إن فكرة "المقياس" فكرة قديمة، فالفيثاغوريون يرون أن العالم عدد وتناسق، ويعترف أفلاطون في المجال الأخلاقي بوجوب أن يكون تنفيذ كل الأشياء بمقياس، وطبقًا لمقتضيات العقل السليم. وحين أراد أرسطو أن يقدم لنا هذه الفكرة في صورة أقل تجريدًا قال بوجوب التزام الوسط العادل أي: تجنب الإفراط والتفريط، أو الزيادة والنقص. ثم نجد هذا المبدأ العملي نفسه في القرآن، لا بمناسبة جهد التقوى فحسب، كما رأينا آنفًا، بل كذلك بمناسبة "القناعة": ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ١، و"العفة": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ ٢، و"الكرم": ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ٣, و"رقة الصوت، ولطف المسلك": ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ ٤.

стр. 705

وإلى هذا الحد فالتشابه واضح. ولكن ها نحن أولاء أمام أول فرق، فلسنا نجد في كتاب الإسلام المقدس صيغة عامة توحد بين الفضيلة والعمل المتوازن كالذي نجده لدى أرسطو، حين قال، "فالفضيلة إذن هي نوع من التوسط، بما أن الهدف الذي تتوخاه هو نوع من التوازن بين طرفين، فالزيادة، والنقص يشيان بالرذيلة، على حين أن الوسط العادل يطبع الفضيلة"١. أهذا التعريف كامل؟ أهو دقيق؟ أهو قائم على استقراء كامل؟ ثم نتساءل أولًا: هل تسلم كل المبادئ الأخلاقية بهذا الفرق الكمي، بالزيادة، والنقص والمساواة؟ إننا لن نقف أنفسنا عند مثال "الصدق"، الذي ذكروه أحيانًا على أنه استثناء من القاعدة؛ لأننا نميل إلى تعريف الرجل الصادق بأنه الذي يقول الحقيقة كاملة. وعلى ذلك فنقص الصدق يتمثل أحيانًا في أن نذهب وراء هذا المقياس، أو نقبع دونه. والإنسان الذي يضيف إلى الحقيقة بعض المبالغة، والآخر الذي يقتطع منها ما يخفيه -كلاهما في الخطأ سواء. فالاعتراض القائم على مثال الصدق يمكن إذن أن يستبعد. ولكن كيف نثبت هذا التقسيم الثلاثي في عمل أخلاقي جواني لا يقبل القسمة؟ ولنأخذ مثلًا "الأمانة" من حيث هي اتفاق باطني للمرء مع نفسه على موقف معين، ففي هذا المجال فعلًا يبدو لنا مبدأ الطرف الثالث المستبعد مطبقًا بكل قوته؛ لأنه إما أن يكون صادقًا مع نفسه، أو لا يكون كذلك، تمامًا كما يقال: فلان يرى، أو لا يرى.
следующие страницы →