فماذا يريد كُثَيِّر بغَمْر الرداء؟ وماذا يريد بغَلْق رقاب المال؟ يريد أن يقول إن صاحبه كريم فعطاؤه يصونه، كما يصونه كما يصون الثوب صاحبه، وهو يصنع لك فرحًا به مبتسمًا؛ فتغلق رقاب المال في أيدي أصحاب الحاجة كما يغلق الرهن في يد المرتهن. وما من شك في أن هذا كله تكلف في التعبير والتصوير يجعلنا نذكر صور الحرب القديمة عند زهير أستاذ المدرسة.
وكثيِّر يصور لنا نمو مذهب الصنعة عنده من جانب آخر وهو جانب الموسيقى فقد كان يصعِّب على نفسه؛ إذ نراه يضيِّق الممرات التي يسلكها إلى شعره كما صنع في قصيدته.
خليليَّ هذا رسم عَزَّةَ فاعْقِلا ... قَلُوصَيْكما ثم ابكيا حيث حلَّت١
فقد التزم اللام المشددة في القصيدة كلها؛ وبذلك كان من أوائل من وضعوا أسس الطريقة التي طبقها أبو العلاء في لزومياته.
وإن الإنسان ليشعر في العصر الإسلامي كأن الشعراء جميعًا يصعبون على أنفسهم، ولعل من أهم الأسباب التي حفزتهم إلى ذلك ما قام بينهم من خصومات فنية استعرت نيرانها، وبخاصة في العراق حيث نشاهد معارك عنيفة بين الشعراء؛ لأن كل منهم يريد أن يشهد له أقرانه بالتفوق والسبق على نحو ما هو معروف في معارك النقائض التي أشرنا إليها، وهي نماذج تحمل غرضين: غرض التفوق الاجتماعي في الفخر والهجاء، وغرض التفوق الفني؛ ولذلك كان الشاعر يتقيد في رده على نموذج خصمه بما اقترحه من وزن وقافية حتى يثبت تفوقه عليه.
стр. 37
٨- الشعر التقليدي والغنائي:
هذه العناية البالغة بصناعة الشعر الإسلامي لا تقف عند "الشعر التقليدي" الذي فتحه شعراء العصر الجاهلي من أمثال زهير والنابغة والحطيئة، وتعهده شعراء العصر الإسلامي من أمثال جرير والفرزدق والأخطل، ونقصد شعر
стр. 38
المديح، وما نهج نهج نماذجه من الهجاء والرثاء والعتاب؛ بل إنها لتمتد إلى ضروب الشعر الأخرى، ونحن نريد أن نصطلح على تقسيم الشعر العربي إلى قسمين عامين: قسم كان يتخذ تقاليد خاصة في صناعته، وكانت له أهمية واسعة في العصور الوسطى، وهو هذا القسم الذي كان يتخذ حرفة للتكسب به والذي كان يجمع له الشعراء من أسباب الإجادة الفنية ما جعل الشعر العربي يتطور إلى مذاهبه الخاصة، وهو نماذج المديح وما يتصل بها؛ ولعل خير اسم يمكن أن نعطيه له هو اسم "الشعر التقليدي"؛ فقد كان يرتبط بتقاليد رسوم كثيرة.
وكان يقابل هذا النوع نوع آخر من الشعر استمر يغنّى من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث؛ ولعل خير اسم يمكن أن نطلقه عليه هو اسم "الشعر الغنائي"، وهنا قد يحدث هذا الاصطلاح اضطرابًا؛ فقد نقل بعض نقادنا المحدثين تقسيم الغربيين شعرهم إلى قصصي وتمثيلي وغنائي ووضع الشعر العربي جملة في حيز القسم الأخير، ونحن لا ننكر هذا الصنيع من حيث هو؛ فالشعر العربي كله نشأ في ظروف غنائية، وهو -في أكثره- يصور شخصية الشاعر وأهواءه وميوله، وهو أيضًا يمثل حياة الفرد تمثيلًا قويًّا؛ ولهذا كله لا بأس من أن نجعله في حيز الشعر الغنائي الغربي.
غير أنا نلاحظ أن هذا الشعر العربي الغنائي في نشأته وخصائصه أخذت تستقل منه فنون منذ أواخر العصر الجاهلي وتتطور تطورًا منفصلًا. لم تعد تقوم على أسس غنائية، كما كان الحال في أول نشأتها؛ فلم تعد تظهر فيها شخصية الفرد ظهورًا بينًا، ولم تعد تصور عواطفه وخواطره تصويرًا واضحًا، وهي كذلك لم تعد متصلة بالغناء؛ ولذلك كان يحسن بنا أن نميزها عن الشعر الغنائي العام، وأن نصطلح على تسميتها بالشعر التقليدي بينما نبقي اصطلاح "الشعر الغنائي" دالًّا على تلك المقطوعات القصيرة التي كانت تصاحب الغناء منذ العصر الإسلامي؛ بل العصر الجاهلي إلى العصر الحديث. وكانت هذه المقطوعات تشيع في الحجاز في أثناء العصر الإسلامي، وكانت تتخصص فيها طائفة من الشعراء على رأسها عمر بن أبي ربيعة والأحوص وأمثالهما؛ ممن كانوا يقدمون تلك المقطوعات.
стр. 39
للمغنين والمغنيات أمثال معبد ومالك وابن سُرَيْج وابن مُحرز وجميلة وسَلَّامة. وهي مقطوعات كانت تنظم في موضوع واحد لا تسبقه مقدمات ولا تلحقه خواتيم على نمط ما رأينا في مطولة زهير، وهي كذلك لا تكلف أصحابها كل هذا العناء الذي كان يعانيه زهير في حوله حين كان يصنع إحدى حولياته؛ إنما هي قطع غنائية يغني فيها الشعراء حُبَّهم وآمالهم وخواطرهم وعواطفهم الوجدانية، وقلما تجاوزت هذه القطع عشرة أبيات. وأعدَّ الغناء الذي صحبها لتحول واسع في أوزان الشعر العربي وموسيقاه في أثناء العصرين الإسلامي والعباسي، وسنعرض لذلك في الفصل التالي.
على أن هناك وزنًا من الأوزان التي كانت مخصصة للغناء في العصر الجاهلي قد تحول في هذا العصر الإسلامي إلى الفروع الجديدة من الشعر التقليدي ونقصد وزن الرَّجز الذي كان يقترن في العصر الجاهلي بالسَّقْي من الآبار والسير وراء الإبل، كما كان يقترن بالحروب، وكان يتكون من مقطوعات قصيرة؛ فلما جاء العصر الإسلامي تحول عن مجرى الشعر العربي الغنائي العام إلى تلك الفروع التقليدية وأخذ أصحابه يستخدمونه في المديح والأغراض الأخرى للشعر التقليدي؛ فاتسعت أبياته وامتدت على نمط ما نعرف في قصائد جرير والأخطل، وقد حاولوا أن يوفروا له كل ما يمكن من وسائل التجويد الفني، وأهم شعرائه في هذا العصر العجَّاج وابنه رؤبة ثم حفيده عقبة. ونحن نشعر هنا بأنا إزاء بيت كبيت زهير يأخذ فيه الشاعر عن أبيه صناعته، ثم يلقنها ابنه من بعده، وليس من شك في أن هذا البيت قد حقق لنفسه كثيرًا من الخصائص الفنية.
ومهما يكن فإن "مذهب الصنعة" استمر في العصر الإسلامي؛ ولكنه أخذ يتطور، وقد اتخذ الصُّنَّاع أمثلتهم في زهير ومدرسته، وخاصة صناع الشعر التقليدي وأضافوا تجديدًا في بعض الفنون كما أضافوا بعض التعقيد إلى حرفتهم على نمط ما رأينا عند كُثَيِّر بحيث نستطيع أن نعمِّم في هذا العصر كما عممنا في العصر الجاهلي فنزعم أن الشعراء جميعًا كانوا يتكلفون في صنع نماذجهم، إذا كانت تسير كثرتهم في الطريق الذي مَهَّدَه زهير وعَبَّده. ونحن نلتقي في هذا العصر
стр. 40
بكثير من تلاميذه فهم لا يقفون عند كثيِّر وأضرابه ممن تذكرهم الكتب القديمة كالأغاني وغيره؛ بل هم أوسع من ذلك دائرة؛ فإن مدرسة زهير لم تكن محدودة بحدود معينة ولم يكن لها جدران ونوافذ خاصة؛ بل كانت واسعة تشغل الجزيرة العربية كلها، وبذلك شرَّقَتْ وغرَّبت في سرعة شديدة، ولم تحددها آفاق وأمكنة معينة، ونهض بها كثير من الشعراء كلٌّ يحقق داخل إطاره الفني الخاص ما يمكنه من جوانب مهارة، ووجوه طرافة. وسنرى صناعة الشعر العربي تتطور تطورًا شديدًا في العصر العباسي وتحقق لنفسها من الرقي ما لم يكن يحلم به الشاعر الجاهلي أو الإسلامي؛ ولكن ذلك لا يجعلنا ننسى الحقيقة القائمة، وهي أن الشعر القديم نسيج محكم لصناعة مجهدة.
стр. 41
الفصل الثاني: الموسيقى والصنعة
الشعر العربي نشأ نشأة غنائية
...
الفصل الثاني: الموسيقى والصنعة
تغنَّ بالشِّعر إما كنت قائله ... إنَّ الغِنَاءَ لِهَذَا الشِّعْر مِضْمَار
حسان بن ثابت
١- الشعر العربي نشأ نشأة غنائية:
رأينا أن صناعة الشعر توفَّر لها في العصور القديمة من الخصائص والصفات والقيود والمصطلحات ما جعلنا نزعم أن الشعراء كانوا يتكلفون جميعًا في نماذجهم؛ فهم يصدرون في عملهم وحرفتهم عن جهد فني اصطلحنا على تسميته باسم "الصنعة" وقد رأينا آثار هذا الجهد في تصويرهم، وكان يرافقه جهد آخر في موسيقى شعرهم وما يوفرون لها من قيم صوتية كثيرة، وبخاصة في "الشعر الغنائي" فقد كان للغناء الذي صاحبه تأثير واسع في تغيير أوزان الشعر العربي وأوضاعها القديمة.
وأكبر الظن أننا لا نأتي بجديد حين نزعم أن شعرنا العربي نشأ نشأة غنائية كغيره من أنواع الشعر الأخرى؛ فمن المعروف أن الموسيقى كانت ترتبط بالشعر منذ نشأته، نرى ذلك عند اليونان القدماء، فهوميروس كان يغني شعره على أداة موسيقية خاصة، ونرى ذلك عند الغربيين المحدثين؛ فقد كانت توجد في العصور الوسطى جماعات تؤلف الشعر وتغنيه وهي المعروفة باسم تروبادور "Troubadours" وكان عندنا في مصر إلى عهد قريب جماعات "الأدباتية" وهي جماعات تؤلف الشعر وتنشده على بعض الآلات الموسيقية، ولا يزال "الشاعر" معروفًا في الريف، وهو يلقي أشعار أبي زيد الهلالي وعنترة وغيرهما، مضيفًا إلى إنشاده الضرب على أداته الموسيقية المعروفة باسم "الرَّبابة".
стр. 42
وهذه الظاهرة نفسها تقترن بالشعر العربي ونشأته الأولى في العصر الجاهلي؛ فإن من يبحث في تاريخه يجده مشبهًا من بعض الوجوه لتاريخ الشعر اليوناني من حيث الغناء وما يتصل به من ضروب الرقص والموسيقى؛ فنحن نعرف أن الشعر القصصي عند اليونان القدماء كان يصحب إنشاده بالضرب على بعض الأدوات الموسيقية البسيطة، وسرعان ما تعقَّد هذا الجانب الموسيقي عندهم مع ظهور الشعر الغنائي؛ إذ وجدت الجوقة مع الشاعر ووجد الرقص وتعقدت الموسيقى ضروبًا من التعقيد.
وهذا نفسه نجده ظواهره في الشعر الجاهلي القديم؛ فقد كان الشعراء يغنون أشعارهم، والأدلة على ذلك كثيرة؛ فالمهلهل أقدم شعراء العرب وأول من قصد القصائد، كان يغني شعره، ومما غنى فيه ورواه الرواة قصيدته١:
طَفْلَةٌ ما ابنةُ المحلَّل بيضا ... ءُ لعوبٌ لذيذةٌ في العناقِ
أما امرؤ القيس فقد ذكر إعجاب بعض النسوة بصوته؛ إذ يقول٢:
يَرِعْنَ إلى صوتي إذا ما سَمِعْنَه ... كما تَرْعَوِي عِيطٌ إلى صوت أَعْيَسَا
ويقول أبو النجم في وصف قينة٣:
تَغَنَّى فَإنَّ اليوم يومٌ من الصِّبَا ... ببعض الذي غَنَّى امرؤ القيس أو عمرو
ولعله يريد عمرو بن قميئة صاحب امرئ القيس. وروى صاحب الأغاني أن السُّلَيْكَ بن السُّلكة غنى بقوله٤:
يا صاحبيَّ ألا لا حَيَّ بالوادي ... سوى عبيدٍ وآمٍ بين أَذْواد
وكان علقمة بن عبدة الفحل يغني ملوك الغساسنة أشعاره٥ ويقول مُزرِّد
стр. 43
ابن ضرار يتوعد خصومه١:
فقد علموا في سالف الدهر أنني ... معَنٌّ إذا جَدَّ الْجِرَاءُ وَنَابلُ
زعيمٌ لمن قاذفتُه بأوابدٍ ... يُغنِّي بها الساري وتُحْدَى الرَّواحلُ
ويقول عنترة كما في بعض الروايات: "هل غادر الشعراء من مترنَّم"؛ فالشعراء ما يزالون يترنمون بأشعارهم، وكأنهم لم يتركوا -في رأي عنترة- موضعًا للترنم والغناء إلا وترنموا به وغنوا فيه. وأيضًا فنحن نعرف هذا الحداء الذي يذكره مزرد، والذي كان غناء شعبيًّا عامًّا يشدو به العرب في أسفارهم.
ومهما يكن فإن الشعر ارتبط بالغناء في العصر الجاهلي، ولعلهم من أجل ذلك كانوا يعبرون عن نظمه وإلقائه بالإنشاد؛ بل إنا لنراهم يعبرون عنه بالتغني. وقد بقيت من هذا بقية في نصوص العصر الإسلامي، يقول ذو الرمة٢:
أحِبُّ المكان القفر من أجل أنني ... به أَتَغَنَّي باسْمها غير مُعْجِمِ
وقال عمر بن الخطاب للنابغة الجعدي: "أسْمعنِي بعض ما عفا الله لك عنه من غنائك، يريد من شعرك"٣، وفي أخبار جرير أن بعض بني كليب قالوا له: هذا غسان السليطي يتغنى بنا أي يهجونا فقال جرير٤:
غضبتم علينا أم تَغَنَّيْتُم بنا ... أنِ اخضرَّ من بطن التلاع غَمِيرهُا
وليس من شك في أن هذه النصوص تشهد بأن الغناء والشعر كانا مرتبطين عند العرب في العصور القديمة. وهم يقصون عن ثعلب أن العرب كانت تعلِّم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"٥؛ فأساس الشعر عندهم كان تعلم الغناء وألحانه، وكما أن الموسِيقِيّ يبدأ ويستمر، كذلك كان الشاعر عندهم يبدأ
стр. 44
بألحان وترنيمات ثم يستمر. يقول حسان بن ثابت١:
تغنَّ بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار
ونحن لا نتقدم إلى أواخر العصر الجاهلي حتى نجد شاعرًا مشهورًا يكثر من غناء شعره، وهو الأعشى الشاعر المعروف، وقد سُمِّي بصنَّاجة العرب، وأكبر الظن أنه كان يوقع غناءه على الآلة الموسيقية المعروفة باسم الصنج٢.
وأكْثَرَ الشاعر الجاهلي من ذكر الغناء والقيان والأدوات الموسيقية المختلفة؛ مما يدل على ارتباط ذلك كله بشعره. يقول علقمة بن عبدة الفحل في ميميته:
قد أشهد الشربَ فيهم مِزْهَرٌ رَنَمٌ ... والقوم تَصْرَعُهُم صهباءُ خُرْطُومُ٣
ويقول الأعشى في معلقته:
ومستجيبٍ تَخال الصَّنْجَ يُسْمِعُهُ ... إذا تُرجِّع فيه القَيْنَةُ الفُضُلُ٤
ويقول طرفة في معلقته:
ندامايَ بيض كالنجوم وقينَةٌ ... تروح علينا بين بُرْد ومُجْسَد٥
رحيبٌ قطابُ الجيب منها، رفيقةٌ ... بِجَسِّ الندامى، بضَّةُ الْمُتَجَرِّدِ٦
إذا نحن قلنا اسمعينا انبرتْ لنا ... على رِسلها مطروفة لم تشدَّدِ٧
إذا رجَّعَتْ في صوتها خلتَ صوتها ... تجاوبَ أظآرٍ على ربع رَدِي٨
ونجد في ديوان الحماسة شاعرًا جاهليًّا يسمى سُلْمِيُّ بن ربيعة يذكر أن
стр. 45
الحياة ليست إلا الشرب والعزف وما يتبعهما من نساء بيض يتبخترن في الثياب الأنيقة المزركشة، يقول:
إن شِواءً ونشوةً ... وَخَبَبَ البازل الأمُون١
يجشمها المرء في الهوى ... مسافة الغائط البطين٢
والبيض يرفلن كالدُّمى ... ففي الرَّيْطِ والْمُذْهَبِ المصُون٣
والكُشْرُ والخفض آمنًا ... وشِرَع الْمِزْهَرُ الحنون٤
من لذة العيش، والفتى ... للدهر، وللدهر ذو فنون٥
стр. 46
٢- تعقد الغناء الجاهلي:
كان الشعر الجاهلي يرتبط بالغناء، وكان الشاعر يغني أشعاره، ويظهر أن الغناء القديم لم يقف عند هذه الظاهرة البسيطة؛ فقد أخذ يتعقد وأخذت تظهر فيه الجوقات، ولعل ما يثبت ذلك من بعض الوجوه ما يرويه الطبري والأغاني من أن هندًا بنت عُتْبة وجماعة من نساء قريش كنَّ يضربن على الدفوف في غزوة أحد، وكانت هند تغني في أثناء هذا العزف بمقطوعات، منها قولها١:
أن تُقبلوا نُعانقْ ... وَنفْرِش النَّمارقْ
أو تُدْبِرُوا نفارقْ ... فراقَ غيرِ وامقْ
стр. 47
الجوقات:
وليس من شك في أننا نرى هنا مظهرًا للجوقة من بعض الوجوه؛ فشاعرة تُغني شعرها وجوقة تضرب على غنائها بالدفوف. وكما كان يحدث ذلك في حربهم كان يحدث في سلمهم؛ في أعيادهم وأعراسهم وحفلاتهم المختلفة. رَوَى الطبري أن النبي ﷺ رجع إلى مكة ذات يوم؛ فسمع عزفًا بالدفوف والمزامير، فسأل عنه فعرف أنه عرس١، وذكر ابن رشيق أن القبيلة من العرب كانت ذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنَّأتها وصُنعت الأطعمة واجتمعت النساءُ يلعبن بالمزاهر٢.
القيان:
ودخل هذه الجوقات العربية عنصرٌ أجنبي في أواخر العصر الجاهلي، حين اتصل العرب بغيرهم من الأمم الأجنبية، نقصد القيان اللائي شاع ذكرهن في الشعر القديم، ونحن نجدهن في كل مكان، نجدهن في الحيرة، وقد اشتهرت هناك بنت عَفْزر٣، وكذلك خليدة وهريرة وهما قينتان لبشر بن عمرو بن مرثد، -وكانتا تغنيان النصب- قدم بهما إلى اليمامة لما طلبه النعمان٤، ولعلهما هما اللتان يعنيهما بشر بقوله٥:
وتبيت داجنةٌ تجاوب مثلها ... خَوْدًا منعمَّة، وتضربُ مُعْتبا
وهريرة هي صاحبة الأعشى التي ذكرها في مطولته٦. وعرفت هذه القيان في بلاط الغساسنة٧، كما عرفن في المدينة ومكة، أما المدينة فيذكر صاحب الأغاني من أهلها أمروا إحدى القيان أن تغني النابغة بشعر له فيه إقواء٨، وأما مكة فقد كان بها قينتان لعبد الله بن جدعان جلبهما من بلاد
стр. 48
الفرس، وكانتا تغنيان الناس١، وفي الأغاني: أنه لما نصح أبو سفيان لقريش أن يرجعوا في غزوة بدر قال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرى بدرًا فنقيم عليه ثلاثًا وننحر الجزر ونطعم الطعام ونُسقى الخمور وتَعزِفُ علينا القيان وتسمع بنا العرب٢. وفي السيرة النبوية أن النبي ﷺ أمر يوم فتح مكة بقتل شخص يسمى ابن خَطل كان مسلمًا ثم ارتدَّ وفر إلى مكة وكانت له قينتان تغنيانه بهجاء النبي، تسمَّى إحداهما فَرْتنى، وقد أمر النبي بقتلهما، ففرت إحداهما وقتلت الأخرى٣. وفي أخبار امرئ القيس أنه لما طرده أبوه: "كان يسير مع جماعة من شذاذ العرب؛ فإذا صادف غديرًا أو روضة أو موضع صيد قام فذبح لمن معه في كل يوم وخرج إلى الصيد فتصيد، ثم عاد فأكل وأكلوا معه، وشرب الخمر، وسقاهم، وغنته قيانه"٤.
الرقص
ليس من شك في أن هذه الموجة الواسعة من الجوقات والقينات هي التي مهدت لأن يتعقد الغناء على هذه الصورة التي يصفها إسحاق الموصلي إذا يقول: "وغناء العرب قديمًا على ثلاثة أوجه النصب والسناد والهزج؛ فأما النصب فغناء الركبان والفتيان وهو الذي يستعمل في المراثي، وكله يخرج من أصل الطويل في العروض؛ وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات؛ وأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه ويُمْشَى بالدف والمزمار فَيُطرب ويستخف الحليم ... هذا كان غناء العرب قديمًا حتى جاء الله بالإسلام وفتحت العراق وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم وتغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية وغنوا جميعًا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير"٥، ونرى من هذا النص أن الغناء تعقد عند العرب في العصر الجاهلي؛ لا برقية إلى هذه الفنون التي ذكرها إسحاق فقط، بل أيضًا لما كان يقترن به من هذا الرقص الذي كان يَصْحَبُ
стр. 49
الهزج ويُمْشَى عليه بالدف والمزمار، ألسنا نرى هنا الجوقة تامة؟ قد يظن أن الرقص يحتاج إلى حضارة ومدنية؛ ولكن تاريخه لا يشهد بذلك، فالرقص غريزة في الناس جميعًا، وقد وُجد عند جميع الشعوب، فهو لا يحتاج في نشأته إلى حضارة ومدنية، إنما هو حركات جسمية تحدث بصياح وضجيج وتصفيق بالأيدي وضرب بالأرجل.
ومن يرجع إلى مدلول الكلمات التي عبر العرب بها عن الغناء يجد بعضها يدل على ضروب من الحركات الجسمية كما يدل على ضروب من الشعر؛ فالهزج الذي يذكره إسحق الموصلي يطلق على نوع من الغناء كما يطلق على نوع من الحركة الجسمية السريعة١. ومثله الرَّمَل وكانوا يطلقونه على من يهز منكبيه ويسرع في حركته، كما كانوا يطلقونه على الشعر الذي يوصف باضطراب البناء والنقصان٢. وفي ذلك ما يدل على اقتران الغناء بالرقص من جهة، وما يدل على اقتران الرقص بالشعر من جهة أخرى.
стр. 50
٣- مظاهر الغناء والموسيقى في الشعر الجاهلي:
وُجِدَ الشعر العربي القديم في ظروف مقاربة للظروف التي وجد فيها الشعر الغنائي عند اليونان، فقد كان الشاعر يُغَنِّي شعره، وقد يوقِّع هذا الغناء على بعض الآلات الموسيقية، كما قد يُصْحَبُ غناؤه بجوقة ترقص وتعزف في أثنائه.
ونحن لا نزعم أن صورة الشعر الغنائي اليوناني المعقدة قد استوت جميعها للشعر العربي إنما نزعم أنه وجد في صورة مقاربة لها، كما تشهد تلك النصوص الكثيرة السابقة؛ فهو شعر غنائي وجد في ظروف مقاربة لها، كما تشهد تلك النصوص الكثيرة السابقة، فهو شعر غنائي وجد في ظروف غنائية، ولكن ينبغي ألا ننسى ما قررناه في الفصل السابق من أن هذا الشعر الغنائي استقلت عنه فروع منذ أواخر العصر الجاهلي سميناها بالشعر التقليدي.
على كل حال نَبَعَ الشعر العربي من منابع غنائية موسيقية، وقد بقيت فيه
стр. 51
مظاهر الغناء والموسيقى واضحة، لعل القافية أهم تلك المظاهر؛ فإنها واضحة الصلة بضربات المغنين وإيقاعات الراقصين. إنها بقية العزف القديم وإنها لتعيد للأذن تصفيق الأيدي وقرع الطبول ونقر الدفوف كما تعيد ذلك شاراتٌ أخرى للغناء نجدها في الشعر القديم منها هذا التصريع الذي نجده في مطالع القصائد، كقول امرئ القيس في مفتتح مطولته:
قفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بين الدَّخول فَحَوْمَلِ١
وعاد إلى التصريع مرة أخرى فقال:
أفاطمُ مهلًا بعض هذا التدللِ ... وإن كنتِ قد أزمعت صَرْمي فأجْمِلِي٢
ثم صرع ثالثة فقال:
ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلِ ... بصُبْح وما الإصباحُ منكَ بأَمْثَلِ
وكأني بهذا التصريع كان يأتي به الشاعر حين ينتهي من غناء قطعة من قصيدته أو إنشادها، وينتقل إلى أخرى، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتهم يفزعون إليه حين ينتقلون من موضوع إلى موضوع في النموذج الفني. واقرأ هذه القطعة من معلقة لبيد:
عَفَتِ الدِّيارُ محلُّها فمُقامُها ... بمنىً تأبدَ غَولُهَا فَرِجَامُهَا٣
فمدافعُ الرَّيَّان عُرِّيَ رسْمُهَا ... خَلقًا كما ضمن الوُحِيَّ سِلامها٤
وجَلا السيُولُ عن الطلول كأنها ... زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَها أقلامُها٥
دِمَنٌ تجرَّمَ بعد عهد أنيسها ... حِجَجٌ خَلَوْنَ حلالها وحرامُها٦
стр. 52
رُزِقَت مَرابيعَ النُجومِ وَصابَها ... وَدقُ الرَواعِدِ جَودُها فَرِهامُها١
مِن كُلِّ سارِيَةٍ وَغادٍ مُدجِنٍ ... وَعَشيَّةٍ مُتَجاوِبٍ إِرزامُها٢
فَعَلا فُروعُ الأَيهُقانِ وَأَطفَلَت ... بِالجَهلَتَينِ ظِبائُها وَنَعامُها٣
ونلاحظ أنه شاكل في أحوال كثيرة بين الكلمتين الأخيرتين في البيت كأنه يجعل له قافيتين "قافية داخلية" و "قافية خارجية". ولم يدفعه إلى ذلك إلا أنه يريد أن يرتفع بالصوت في مقطعين متقاربين، وهو لذلك يخرجه هذا الإخراج المنظم المقطع تقطيعًا صوتيًّا دقيقًا. وكثر هذا "التقطيع الصوتي" في الشعر القديم؛ فمن ذلك قول امرئ القيس يصف فرسه في معلقته:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا ... كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ
ويقول طرفة في مطولته:
بَطيء عَنِ الجُلَّى سَريعٍ إِلى الخَنا ... ذَليل بِإجماعِ الرِجالِ مُلَهَّدِ٤
وروى قدامة في "نقد الشعر" كثيرًا من مثل هذه الأبيات التي تنثر في الشعر القديم نثرًا٥، والتي لا شك في أن الغناء هو الذي دفع إلى صنعها حتى يوفروا للشعر قيمًا صوتية تساعد على تلحينه والترنم به.
على أن موسيقى الشعر الجاهلي تأثرت بالغناء من طريق آخر هو طريق الرُّقُم الموسيقية "MUSICAL NOTES" ما حدث فيها من تعديل وتجزئة. وهو جانب يمكن أن يعتبر مقدمة لما سنراه يحدث في أثناء العصر الإسلامي في أوزان الشعر ورُقُمه الموسيقية من انحرافات، وقد يكون من الغريب أن نرى أبا العلاء يذهب إلى أن جمهور أشعار الجاهلية يأتي من الطويل والبسيط، وما يليهما من الوافر والكامل ثم يقول: "أما الأوزان القصار فإنما عرفت في العصر الإسلامي
стр. 53
في أشعار المكيين والمدنيين من أمثال عمر بن أبي ربيعة، وكذلك عدي بن زيد في القدماء؛ لأنه كان من سكان المدر بالحيرة"١.
وقد ذهب أبو العلاء إلى التعميم أكثر مما ينبغي؛ فإن الأوزان القصار عرفت في العصر الجاهلي لا عند سكان المدر فقط بل عند سكان الوبر أيضًا، وبخاصة في أبواب الرثاء والغزل والحماسة والحداء، أما الرثاء فقد شاع عند العرب القدماء نوع يشبه "التعديد" الذي نعرفه في مصر؛ إذ روى صاحب الأغاني أحاديث كثيرة عن الخنساء ونُواحها على أخويها وأنها كانت تخرج إلى عكاظ تندبهما، وذكر أن هندًا بنت عتبة كانت تحتذي على مثالها وتنوح أباها٢ واقترن هذا النواح أو هذا "التعديد" بضرب من الشعر القصير، لعل خير ما يمثله قطعة أم السُّلَيك: وهي من مشطور المديد؛ إذ تقول٣:
طاف يبغي نجوةً ... من هلاك فهلكْ
ليت شعري ضَلَّةً ... أيّ شيء قَتَلَكْ
أمريضٌ لم تعد ... أم عدوّ خَتَلَكْ
وتستمر القطعة على هذا النمط القصير. وأما الغزل فلعله أقرب موضوعات الشعر الجاهلي إلى الغناء والرقص عليه، وخير ما يمثله قطعة المنخَّل اليشكري، وهي من مرفَّل الكامل إذ يقول٤:
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تَرْ ... فل في الدِّمَقْسِ وفي الحرير
وتمضي المقطوعة على هذه الشاكلة. وأما الحماسة؛ فقد عرفنا أنهم كانوا يغنون أشعارهم في الحرب ويوم الخصام، واقترن هذا الغناء بضرب من الأشعار القصيرة كقطعة الفِنْد الزِّمَّاني في حرب البسوس إن صح أنها له، وهي من الهزج، إذ يقول٥:
صفحنا عن بني ذُهْلٍ ... وقلنا القوم إخوانُ
стр. 54
عسى الأيامُ أن يرجعْـ ... ـنَ قومًا كالذي كانوا
وتستمر المقطوعة على هذا الطراز القصير.
وأما الحداء فيظهر أنه كان غناء شعبيًّا عامًّا للعرب في العصر الجاهلي يغنون به إبلهم في مسيرهم ورحيلهم، واقترن به وزن خاص معروف هو وزن الرجز، ونحن نلاحظ أن هذا الوزن لم يكن خاصًّا بالحداء؛ بل كان يستخدم أيضًا في السَّقْي من الآبار، كما كان يستخدم في الحماسة والحروب، وجعله ذلك الاستخدام الواسع ينفصل من بقية الأوزان القديمة بضروب كثيرة من التجزئة والتعديل في صورة "رقيمه الموسيقى" لعل أهمها المشطور والمنهوك، أما المشطور فهو الذي بني على شطر واحد، وأما المنهوك فهو الذي ذهب منه أربعة أجزاء، ومن أمثلته قول دريد بن الصمة يوم هوازن١:
يا ليتني فيها جذعْ ... أَخُبُّ فيها وأَضَعْ
ولعل هذا الجانب من التعديل في الرجز وما أصابه من كثرة "التحريف" حتى خرج كثير من أمثلته عن أن يُضْبَطَ ويعيَّن بوزن خاص هو الذي دفع الخليل إلى أن يرفضه فلا يعده من الشعر٢. وليس من شك في أنه شعر، وغاية ما في الأمر أنه كان يقترن بضروب كثيرة من الغناء في الحماسة والحروب والسقي من الآبار، كما كان يقترن بالْحُداء، فكثر الحذف فيه وكثرت التجزئة والاضطراب.
ومهما يكن فإن الشعر الجاهلي نشأ في ظروف غنائية، وتركت هذه الظروف آثارًا مختلفة فيه، بعضها نراه في قوافيه وتقطيعاته وبعضها نراه في تلك الأوزان القصار التي أثرتْ عن العصر الجاهلي، والتي ليس من شك في أنها ظهرت تحت تأثير الغناء.
стр. 55
٤- موجة الغناء بالحجاز في أثناء العصر الإسلامي:
إذا تركنا العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي وجدنا موجة واسعة من الغناء والرقص كان لها تأثير شديد في نمو الشعر الغنائي الخالص ونمو مقطوعاته. وهي حال تعتبر في الواقع امتدادًا لما كان عليه القوم في العصر القديم؛ فلما جاء الإسلام نمتْ هذه الحال وبخاصة في الحجاز إذا عرف في هذا العصر بكثرة الغناء والمغنين، وكان أكثرهم من الموالي: من الفرس والروم وغيرهما، واشتهر منهم طويس وسائب خاثر ثم تبعهما ابن سريج وابن مسجح وابن محرز بمكة، ومعبد ومالك بالمدينة، أما المغنيات فقد امتلأت بهن المدينة؛ إذ نجد جميلة وسلامة القسسِّ وعزة الْمَيلاء وحَبابة وبلبلة ولذة العيش وسعيدة والزرقاء وعُقَيْلَة وخُلَيْدة والشماسيَّة وغيرهن كثير١.
وكان المغنون من الأجانب يؤثرون في الغناء العربي بما يدخلونه من النغم الأجنبي الفارسي أو الرومي، كما حكى ذلك أبو الفرج عن ابن مسجح؛ إذ يقول عنه إنه "نقل غناء الفرس إلى غناء العرب ثم رحل إلى الشام وأخذ ألحان الروم والبَرْبَطِيَّة والأسطوخوسيَّة وانقلب إلى فارس فأخذ بها غناء كثيرًا وتعلم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم وألقى منها ما استقبحه من النبرات والنغم التي هي موجودة في نغم غناء الفرس والروم خارجة عن غناء العرب، وغنى ابن مسجح على هذ االمذهب"٢. وحكى أبو الفرج هذا الصنيع أيضًا عن ابن محرز فقد شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم وأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببضع وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب٣. وأدخل هؤلاء المغنون من الموالي في الغناء العربي آلات.
стр. 56
جديدة للطرب لعل أهمها العود وقد يسمى البَرْبَط. ويروي أبو الفرج أن أعرابيًّا رآه في إحدى رحلاته إلى الشام؛ فعجب منه عجبًا شديدًا إذ قال: "رأيت ضاربًا خرج فجاء بخشبة عيناها في صدرها، فيها خيوط أربعة؛ فاستخرج من خلالها عودًا فوضعه خلف أذنه ثم عرك آذاناها وحركها بخشبة في يده، فنطقت وربِّ الكعبة، وإذا هي أحسن قينة رأيتها قط، وغنَّى حتى استخفني من مجلسي فوثبت فجلست بين يديه وقلت بأبي أنت وأمي ما هذه الدابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقت إلا قريبًا؟ فقال: هذا البربط، فقلت: بأبي أنت وأمي فما هذا الخيط الأسفل؟ قال: الزِّير، قلت: فالذي يليه، قال: المثنى، قلت: فالثالث؟ قال: المثلث، قلت: فالأعلى؟ قال: البَمَّ، قلت: آمنت بالله أولًا وبك ثانيًا وبالبرط ثالثًا وبالبَمّ رابعًا"١. ودخلت آلات موسيقية أخرى منها الطنبور وهو فارسي، وكذلك الناي، ومنها القانون وهو يوناني، إلى غير ذلك من آلات نقلها المغنون عن الفرس واليونان، وقد عرض لها المسعودي في كتابه مروج الذهب بالتفصيل٢.
وعُرف الغناء في العصر الإسلامي على ضروبه المختلفة؛ فعُرف الغناء العادي كما عرف الغناء المصحوب بجوقة تضرب على الآلات الموسيقية بينما يغني المغنون، روى أبو الفرج: "أن الناس اجتمعوا عند جميلة فضربت ستارًا وأجلست الجواري كلهن فضربْنَ وضربت، فضربن على خمسين وترًا فتزلزلت الدار، ثم غنت على عودها وهن يضربن على ضربها"٣، وروى أبو الفرج أيضًا: أنها جعلت على رءوس جواريها شعورًا مُسدلة كالعناقيد إلى أعجازهن، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة، ووضعت فوق الشعور التيجان وزينتهن بأنواع الحلي، ووجهت إلى عبد الله بن جعفر تستزيره؛ فلما جاء قامت على رأسه وقامت الجواري صفين ... ثم دعت لكل جارية بعود، وأمرتهن بالجلوس على كراسي
стр. 57
صغار قد أُعدَّت لهن فضربن وغنت عليهن.... وغنى جواريها على غنائها"١ وليس ذلك كل ما أثر عن جميلة في هذا العصر؛ فنحن نرى عندها الغناء المصحوب بالرقص. روى أبو الفرج أنها: "جلست يومًا ولبست برنسًا طويلًا وألبست من كان عندها برانس دون ذلك ... ثم قامت ورقصت وضربت بالعود، وعلى رأسها البرنس الطويل وعلى عاتقها بردة يمانية، وعلى القوم أمثالها، وقام ابن سُرَيْج يرقص ومعبد والغَريض وابن عائشة ومالك، وفي يد كل منهم عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها؛ فغنت وغنى القوم على غنائها، ثم دعت بثياب مصبَّغة، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا، ثم ضربت بالعود، وتمشَّت وتمشى القوم خلفها، وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد"٢.
стр. 58
٥- تأثير الغناء الإسلامي في موسيقى الشعر الغنائي:
هذه الموجة العنيفة من الغناء والرقص في الحجاز في أثناء العصر الإسلامي هي التي أعدت لما نراه من تطور يحدث في موسيقى الشعر الغنائي؛ فقد قلَّ النظم على الأوزان الطويلة التي عُرفت في العصر الجاهلي من مثل البسيط والطويل والكامل، وحلَّت محلها أوزان أخرى كثر النظم فيها من مثل الوافر والمديد والسريع والخفيف والرمل والمتقارب والهزج، وقد يأتي الشعر على الأوزان الطويلة؛ ولكن بعد أن تحوَّر وتجزَّأ كهذا الغناء المجزأ الذي كان يصحبها والذي أشار إليه إسحاق في نصه السابق.
ونحن نحس إزاء هذا التطور أن المغنين كانوا يلقون كثيرًا من العناء في إحكام أصواتهم ونغماتهم حتى يشاكلوا بينها وبين الأشعار التي يغنونها، وحتى لا يخرجوا بهذه الأشعار التي يلحنونها عن إيقاعاتها الموسيقية الخاصة، وأقبل الشعراء يحاولون التخفيف عنهم باقتراح أوزان لم تكن شائعة في الشعر القديم، أو كانت شائعة ولكنهم رأوا أن يعدلوا فيها حتى تتلائم وهذا الغناء الذي كانت
стр. 59
تدخل فيه نغمات أجنبية كثيرة، كما ذكر أبو الفرج "على نحو ما مر بنا" عن ابن مسجح وابن محرز.
ولعل أهم شاعر قام بجهد وافر في هذا الجانب هو عمر بن أبي ربيعة؛ فقد عرف كيف يُلين الأوزان لهذا الغناء الجديد، ولعله من أجل ذلك كان أقرب شعراء الحجاز إلى ذوق المغنين؛ فقد كانوا يعجبون به وبأشعاره، وروى أبو الفرج كثيرًا من أصواتهم في مقطوعاته، فمن ذلك صوت ابن سُرَيْج وهو من مجزوء الخفيف١.
قل لهندٍ وَتِرْبِهَا ... قبل شَحْطِ النَّوَى غَدَا
إن تجودي فطالما ... بِتُّ ليلي مُسَهَّدَا
ومن ذلك أيضًا صوته وهو من مجزوء الوافر٢:
أليستْ بالتي قالت ... لمولاة لها ظُهُرا
أشيري بالسَّلام له ... إذا هو نحونا خَطَرَا
ومن ذلك أيضًا صوت ابن محرز وهو من مجزوء الرَّمَل٣:
أصبح القلب مهيضًا ... راجع الحبَّ الغَرِيضا
وأجدَّ الشوقَ وَهْنًا ... أن رأى برقًا وميضا
وعلى هذه الشاكلة أخذ الشعراء الحجازيون من أمثال ابن أبي ربيعة ينظمون على هذه الأوزان القصيرة التي تتفق وألحان الغناء الجديد.
ولعل من الطريف أن نجد في هذا العصر شاعرًا كأعشى همدان يلزم النَّصْبِيَّ المغني يؤلف له قطعًا من الشعر ليغنيها٤. وكان المغنون كثيرًا ما يضطرون الشعراء إلى أن يؤلفوا لهم قطعًا من الأوزان القصيرة، كما صنع ابن عائشة بعروة أبن أذينة؛ إذ طلب إليه أن يصنع له قطعة من الهزج فصنع٥:
стр. 60
سُلَيْمَى أزمعت بينًا ... فأين تقولها أينا١
وقد قالت لأترابٍ ... لها زُهرٍ تلاقينا
تعاليْنَ فقد طاب ... لنا العيش تعالينا
وكان بعض الشعراء يتعلمون صناعة الغناء حتى يستطيعوا أن يؤلفوا أشعارًا تتفق وألحان المغنين وأصواتهم، وممن عُرف بذلك ابن أذينة فقد كان يصوغ الألحان والغناء على شعره، وحكى له صاحب العقد الفريد صوتين مما يغنِّي فيه الحجازيون٢. ولعل ذلك هو السبب في أن موسيقى شعره تمتاز بأنها مصفاة تصفية شديدة كما نرى في قطعته المشهورة٣:
إن التي زعمت فؤادك ملَّهَا ... خُلقتْ هواك كما خُلقْتَ هَوَىً لَهَا
وكما أن الشعراء وجدوا الحاجة ماسة إلى تعلم الغناء، كذلك وجد المغنون نفس الحاجة إزاء تعلم الشعر فاصطنعته جماعة؛ منهم أبو سعيد مولى فائد وكان مغنيًا٤ وشاعرًا، وكذلك سَلَّامَة القَسِّ، وكانت مغنية وشاعرة، ومن شعرها الذي غنت فيه قولها ترثي يزيد بن عبد الملك مولاها وتندبه وهو من مجزوء الرَّمَل٥:
قد لعمري بتُّ ليلي ... كأخي الداء الوجيع
ونَجِيُّ الهم مني ... باتَ أَدْنَى من ضجيعي
стр. 61
٦- انتقال الغناء من الحجاز إلى الشام:
ووجود سلامة في بلاط يزيد يجعلنا نفكر في هذه الحال الجديدة، وهي انتقال الغناء من الحجاز إلى الشام في أواخر العصر الإسلامي؛ فنحن نجد في بلاط يزيد غير سلامة، حباية وابن سريج ومعبدًا ومالكًا وابن عائشة والبَيْذَق
стр. 62
والأنصاري وابن أبي لهب، كما يوجد في بلاط ابنة الوليد معبد وعَطَرَّد ومالك وابن عائشة ودحمان الأشقر وعمر الوادي وحكم الوادي ويونس الكاتب والهذلي والأبجر وأشعب بن جابر وأبو كامل الغزيل ويحيى قَيْل١، ونجد بجانب هؤلاء كثيرًا من المغنيات.
وكان لهذا أثره في الشعر الشامي؛ فقد شاع الغناء والرقص والطرب وبخاصة في قصور الخلفاء، وأثَّر ذلك في الشعر وخاصة في عصر يزيد بن عبد الملك الذي قال عنه أبو حمزة الخارجي في خطبته إنه: "يشرب الخمر ويلبس الحلة قوِّمت بألف دينار ... حبابة عن يمينه وسلَّامة عن يساره تغنيانه؛ حتى إذا أخذ الشراب منه كل مأخذ قدَّ ثوبه ثم التفت إلى إحداهما فقال ألا أطير"٢.
وروى صاحب الأغاني أن معبدًا غناه صوتًا فاستخفه الطرب حتى وثب، وقال لجواريه: افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويَدُرْنَ معه وهو يقول من الرَّجز:
يا دار دوريني ... ياقَرْقَرُ امسكيني
آليت منذُ حين ... حقًّا لتصرميني
ولا تواصليني ... بالله فارحميني
لم تذكري يميني! ٣
وليس من شك في أن هذا "شعر إيقاعي" قيل في أثناء هذا الدوران والرقص. وصنيع الوليد بن يزيد في هذا الباب أوسع من صنيع أبيه، يقول عنه صاحب الأغاني: "وله أصوات صنعها مشهورة وقد كان يضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشى بالدفّ على مذهب أهل الحجاز"٤. وهو إلى ذلك كان شاعرًا يحسن الشعر، وأكثر من نظمه على الأوزان القصيرة التي أشاعها الغناء.
стр. 63
في هذه العصور؛ بل لقد كان أول من اقترح -فيما نعلم- وزن المجتث إذا غَنَّى في قوله١:
إني سمعت بليلٍ ... وَرَا المصلَّى برنَّه
إذا بنات هشامٍ ... يندبنَ وَالِدَهُنَّه
يندبن قَرْمًا جليلًا ... قد كان يعضُدهنَّه
ونرى من ذلك أن موجة الغناء والرقص في العصر الإسلامي أهَّلت لشيوع الأوزان القصيرة والبحور المجزوءة في شعر الحجازيين وشاركهم أهل الشام في هذا الصنيع.
стр. 64
٧- انتقال الغناء إلى العراق في العصر العباسي:
إذا تركنا العصر الإسلامي إلى العصر العباسي وجدنا الغناء وما يستتبعه من رقص وموسيقى يتحول من الشام إلى العراق مع الملك العربي والدولة العربية. وأعدَّت لهذا الانتقال أسباب مختلفة يرجع بعضها إلى اتصال أهل العراق بالبلاط الأموي؛ فقد كانوا يذهبون هناك ثم يعودون متأثرين بهذا الذوق الجديد، ويرجع بعضها الآخر إلى أسباب فارسية؛ فإن من المعروف أن الفرس مشغوفون بالملاهي والطرب١، ولكنهم لم يدخلوا في الحياة الإسلامية دخولًا واضحًا إلا في العصر العباسي.
ونفس الكوفة والبصرة كانت المعيشة فيهما في أثناء العصر الإسلامي أقرب إلى البداوة، أما في العصر العباسي فتصبح الحياة فيهما حضرية مبالغة في الحضارة، وتنشأ بجانبهما بغداد ينشئها المنصور على طراز كأنه اشتُقَّ من الفرس؛ فالحياة فيها فارسية أو تكاد: الناس يحتفلون بالنيروز وأعياد الفرس، ويلبسون ملابسهم ويتعودون عاداتهم في مآكلهم ومشاربهم، والخلفاء يعيشون معيشة كسروية،
стр. 65
يعيشون محجوبين عن العالم يخاطبون الناس من وراء حجاب، وقد أقبلوا على الغناء كما كان يقبل عليه ملوك الفرس١، وكما كان يقبل عليه يزيد وابنه الوليد من خلفاء بني أمية. والمهدي هو أول خليفة عباسي يحتفل بهذا الجانب؛ إذ كان يحب القيان وسماع الغناء٢، ثم يأتي هارون الرشيد فيبالغ في ذلك ويجعل المغنين مراتب وطبقات على نحو ما وضعهم أردشير بن بابك٣.
وليس معنى ذلك أن العراق لم يكن به غناء في العصر الإسلامي؛ فقد كان به حُنَين الحيريّ٤، ولكنه لم يخلف هناك مدرسة كالتي نجدها في مكة أو المدينة إنما يحدث الغناء في العراق حدوثًا أو يكاد في العصر العباسي على نحو ما نرى في كتاب الأغاني؛ إذ تتصل سلسلة المغنين ورُقُمهم الموسيقية بالحجاز مباشرة، وقد كثر المغنون والمغنيات في هذا العصر كثرة مفرطة، نجد من أشهرهم في زمن الرشيد إبراهيم الموصلي، وإسماعيل بن جامع، وفليح بن أبي العوراء، وهؤلاء الثلاثة هم الذين أمرهم الرشيد أن يختاروا له الأصوات المائة التي أدار أبو الفرج كتابه الأغاني عليها، وقد طلب إليهم أن يختاروا من هذه المائة عشرة ثم من تلك العشرة ثلاثة على نحو ما يفصله أبو الفرج في أول كتابه، واشتهر بجانب هؤلاء جماعة منهم زَلْزل، وكان له شهرة في الضرب على الوتر ولم يكن يغني؛ وإنما كان يضرب على ابن جامع وإبراهيم الموصلي أيضًا، ومنهم عَلَوَّية، وكان يقول فيه الواثق غناء علوية مثل نقر الطست يبقى ساعة في السمع بعد سكوته٥، ومنهم إسحاق الموصلي وهو الذي هذب صناعة الغناء٦. وكان يستطيع الضرب على العود المشوّش الأوتار فيوهم السامع أنه يضرب على عود صحيح٧، وعَرف في مجلس المأمون خطأ في وتر بين ثمانين وترًا وعشرون جارية يغنين٨. واشتهر
стр. 66
من المغنيات جماعة منهن فريدة وبذل وذات الخال ومتيَّم وعريب ودنانير وغيرهن كثير.
ومن يقرأ في كتاب الأغاني يخيل إليه أنه لم يكن في العصر العباسي إلا الغناء والمغنون والمغنيات، ولعل مما يدل على قيمة الغناء أن الجارية إذا كانت مغنية قُوِّمت تقويمًا ممتازًا؛ فهم يذكرون أن جارية عُرضت بثلاثمائة دينار؛ فلما علمها إبراهيم بن المهدي الغناء عُرض في ثمنها ثلاثة آلاف دينار١، وقد بيعت عريب المغنية بخمسة آلاف دينار٢، وعلم دحمان جارية اشتراها بمائتي دينار فباعها بعشرة آلاف دينار٣، واشترى الرشيد من إبراهيم الموصلي جارية بستة وثلاثين ألف دينار٤، وكان في داره ثمانون جارية يعلمهن فن الغناء٥.
وأغدق الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة العطايا على هؤلاء المغنين وأسرفوا في ذلك إسرافًا شديدًا، ويكفي أن نذكر ما يقال من أن إبراهيم صار إليه أربعة وعشرون ألف ألف درهم سوى أرزاقه الجارية وهي عشرة آلاف درهم في كل شهر.
ولعل مما يدل على مبلغ ما وصلت إليه هذه الصناعة من قيمة في هذه العصور أننا نجد طائفة من الخلفاء تترك فيها أصواتًا ممن مثل الواثق والمنتصر والمعتز وابن المعتز، وقد فتح أبو الفرج في كتابه فصلًا يدرس فيه ما تركه أولًا الخلفاء من صنعة في الغناء٧، وصنيع إبراهيم بن المهدي -وكان من كبار المغنين- في هذا الباب معروف، واشتهرت أخته عُلَيَّة بالغناء أيضًا، وتركت فيه أصواتًا كثيرة٨.
ونحن نجد الغناء في هذا العصر في كل مكان، نجده في قصور الخلفاء ودور الأمراء، كما نجده في الشوارع وعلى الجسور، ونجده في البَرِّ، كما نجده
стр. 67
في النَّهر. وأحسن المغنون صناعتهم إحسانًا بالغًا؛ حتى ليذكر الرواة أن مغنيًا هو مخارق غنَّى ذات يوم في متنزه، وقد سنحت ظباء فجاءت إعجابًا بغنائه، وتوسط دجلة يومًا وغنى فلم يبقَ أحد إلا بكى، وكان غناؤه يسر من جماله كل قلب١، ولعل ذلك يفسر انفعال الناس إزاء هذا الفن الذي أحكمه أصحابه؛ فهم يروون أن بعض من كانوا يحضرون المغنين كانوا ينطحون العمد من حسن ما يستمعون٢؛ بل لقد كانوا يرمون بأنفسهم في الفرات من شدة الطرب لا يدرون٣، وقد يمزقون أثوابهم ويعلقون نعالهم في آذانهم، لا يعرفون ما يصنعون٤.
ووُجدت في هذا العصر ضروب الغناء المختلفة التي سبق أن شاهدناها في العصر الإسلامي؛ فكان هناك الغناء العادي كما كان هناك الغناء المصحوب بجوقة والآخر الذي كان يُصْحَب بالرقص. روى صاحب الأغاني أنه اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصومًا بين يدي الرشيد فضرب زلزل وزمر برصوما وغنى إبراهيم٥، كما روي أن أحمد بن صدقة "دخل على المأمون في يوم الشعانين٦، وبين يديه عشرون وصيفة روميات مزنَّرات قد تزين بالديباج الرومي وعلقن في أعناقهن صلبان الذهب وفي أيديهن الخوص والزيتون فقال له المأمون: ويلك يا أحمد! قد قلت في هؤلاء أبياتًا، فغنني بها. فغناه ولم يزل يشرب وترقص الوصائف بين يديه أنواع الرقص"٧.
وكانت آلات الموسيقى في أغلب الأحيان أربعًا، كأن تكون العود والطنبور والمزمار والْجَنْك. ونما الرقص نموًّا عظيمًا حتى لنرى المسعودي يفرد له فصلًا في مروج الذهب، وفيه نراه يقيسه بمقاييس الغناء من خفيف ورمل وهزج ونحو ذلك٨. ومهما يكن فقد ارتقى الغناء في العصر العباسي، وكثرت ملاهيه وتعددت نواديه، ومن النوادي المشهورة في هذا العصر نادى ابن رامين،
стр. 68
وممن كان يختلف إليه ابن المقفع ومعن بن زائدة ومحمد بن الأشعث وروح بن حاتم الباهلي١، وكذلك نادي القراطيسي "كان مألفًا للشعراء؛ فكان أبو نواس وأبو العتاهية ومسلم وطبقتهم يقصدون منزله ويجتمعون عنده فيقصفون ويدعو لهم القيان وغيرهم من الغلمان"٢، وهنا نلاحظ أن الغناء اتصل مرة أخرى بالشعر العربي في العراق اتصالًّا وثيقًا. وسادت حياة الشعراء في هذا العصر على تآخي الفنين وتآلفهما؛ إذ كان يعيش أكثرهم معيشة فنية خالصة قوامها الخمر والغناء والمجنون.
стр. 69
٨- نمو مقطوعات الشعر الغنائي:
رأينا الغناء يزدهر في العصر العباسي، وقد اشتهر فيه كثيرون من أمثال إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ومخارق وعَلَّوية، وأخذ يشاطر فيه أبناء الخلفاء من مثل إبراهيم بن المهدي وأخته عُلَيَّة. وكان المغنون المحترفون من جهة وأصحاب بيوت النخاسة من جهة ثانية يعنون جميعًا بتخريج جوارٍ مثقفات بهذا الفن الجديد الذي أقبلت عليه جميع الطبقات، وكان لذلك تأثير بعيد في الشعر والشعراء؛ فقد كان هؤلاء المغنون والمغنيات يغنون في الشعر الحديث: شعر بشار ومطيع بن إياس وأضرابهما، فينشرونه في العراق كما تنشره الجواري في البلاد العربية اللائي ينزلن بها. واندفع الشعراء ينظمون تلك المقطوعات، مثيرين فيها خواطر الحب وما يتصل به من لهو ومجون وعبث وخمر. واستمدوا فيها حقًّا من معاني القدماء؛ ولكنهم نوعوها وولدوا فيها توليدًا واسعًا. وكان من أهم بواعثهم على ذلك أنهم كانوا يقعون في حب كثيرات من الجواري؛ فكن يدفعنهم إلى النظم فيهن، وكن يُعِدْنه على أسماعهم بنغماتهن وأصواتهن الحلوة، فاسحاتٍ لهم في العبث والعشق والصبوة.
وعلى هذه الشاكلة لم يعد شاعر العصر العباسي يتغزل في المرأة الحرة كما كان الشأن غالبًا عند شعراء العصر الأموي؛ فقد خرجت تلك المرأة من سوق الغزل
стр. 70
وحلَّ محلها الجواري والإماء، وكان ذلك سببًا في أن يخرج الشعراء عن دائرة العفة والطهر، أو قل عن دائرة الوقار والإجلال للمرأة إلى دائرة الإبحاية المسرفة والصراحة المكشوفة التي لا تعرف حياء ولا ما يشبه الحياء. وبذلك أصبحنا نفتقد في هذا العصر الشاعر العفيف؛ إلا ما كان من العباس بن الأحنف، وهو يعد شذوذًا على ذوق العصر وذوق إمائه وشعرائه.
ولعلنا لا ندعو الحق إذا قلنا أن بشارًا في البصرة ومطيع بن إياس في الكوفة هما اللذان دفعا الشعراء في هذ الاتجاه الإباحي المفرط في إباحيته، وعبثًا حَمل الوعاظ ورجال الدين في البصرة على بشار؛ فقد انتهى قليلًا واضطر إلى مغادرة بلده ثم عاد إليها مع الثورة العباسية، فأمعن في هذا الشعر الإباحي، حتى اضطر المهدي أن ينهاه عنه، وديوانه يزخر بأمثلته، كما تزخر به ترجمته في الأغاني من مثل قوله١:
لا خير في العيش إن دُمْنا كذا أبدًا ... لا نلتقي وسبيل الْمُلْتَقَى نَهَجُ٢
قالوا حرامٌ تلاقينا فقلت لهم ... ما في التلاقي ولا في قُبْلَةٍ حَرَجُ
وقوله٣:
فبتنا معًا لا يخلُصُ الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجبٌ وستُور
وله وراء ذلك مقطوعات وقصائد لا نستطيع أن نسوقها لما فيها من فحش داعر وفجر فاجر٤، وكأنه كان من أهم من أتاحوا للغريزة النوعية أن تفصح عن نزواتها، وربما جاءه ذلك من فقده لبصره؛ فلم يكن يحس الحب إلا إحساسًا ماديًّا، عبر عنه تعبيرًا صريحًا في قوله٥:
أتتني الشمس زائرةً ... ولم تك تبرح الفلكا
تقول وقد خلوتُ بها ... تحدَّث واكفني يدكا
стр. 71
مطيع بن إياس:
ربما كان مطيع بن إياس الكناني هو الذي بدأ السطر الأول في صفحة هذا الغزل المادي المكشوف بالكوفة، وهو مثل بشار من مخضرمي الدولتين: الأموية والعباسية "وكان ظريفًا خليعًا حلو العشرة مليح النادرة ماجنًا متَّهمًا في دينه بالزندقة، ومولده ومنشؤه الكوفة، وكان أبوه من أهل فلسطين الذين أمد بهم عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف في وقت قتاله ابن الزبير وابن الأشعث؛ فأقام بالكوفة وتزوج بها؛ فولد له مطيع١" ونظن ظنًّا أن أمه فارسية؛ إذ نرى فيه نزعة شديدة إلى المجون والاستهتار الخلقي منذ مطالع حياته، وهو في ذلك يختلف عن بشار، فقد استهل حياته جادًّا يختلف إلى المتكلمين، أما مطيع فلم يعرف الجِدَّ يومًا. وهو يختلف عنه أيضًا في أنه من أوائل من تغزلوا بالغلمان، إذ كان لا يتحرج من أي مأثم:
وليس يُعْتِمُ إلا ... سكرانَ مع سكرانِ
يسقيه كلُّ غلامٍ ... كأنه غُصْنُ بانِ
من خندريسٍ عُقارٍ ... كحمرة الأرْجُوانِ٢
وكان ينفق أيامه في الاجتماع بعصبته من الْمُجّانِ الزنادقة في الكوفة والبصرة من أمثال والبة بن الحباب ويحيى بن زياد الحارثي وعمارة بن حمزة والحمادين الثلاثة: حماد عجرد وحماد الراوية وحماد بن الزِّبْرِقَان وبشار بن برد وأبان اللاحقي٣، ويقال إن حكما الوادي غَنَّى الوليد بن يزيد في خلالته قوله:
إكليلها ألوان ... ووجهها فتَّانُ
إذا مشت تثنَّت ... كأنها ثعبان.
فأعجب إعجابًا شديدًا بالأغنية وسأله عن قائلها؛ فلما عرف أنه مطيع
стр. 72
أمر أن يُحْمَلَ له على البريد١، وظل ينادمه حتى توفِّي، فاتجه بشعره إلى الولاة. ويقال إنه رحل إلى السند يستميح واليها هشام بن عمرو٢، وله شعر في وصف حيوانها٣. ولما دعا لنفسه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر في الأيام الأخيرة من دولة بني أمية نادمه ولم يفارقه حتى قضى عليه الأمويون٤، ولعل ذلك ما جعل الخليفة المنصور يعطف عليه، ويقربه منه؛ غير أنه نقل إليه أنه يُغْوي ابنه جعفرًا ويفسده، فحبسه، ثم أخلى سبيله، وأقامه المهدي على صدقات البصرة٥، ولا نراه يقتله في الزنادقة الذين قتلهم، وظل يعيش في خلافة الرشيد؛ إذ توفي سنة ١٧٠ للهجرة.
وترجمته في الأغاني تصوِّر فُجْره، وكيف كان لا يفيق من مجون إلا إلى مجون، فهو غارق في اللذات وفي حب الجواري والإماء اللائي يراهن في دور النخاسة وخاصة دار "بربر"؛ غير آبه بشيء من التقاليد الاجتماعية التي تواضع عليه الناس في حياتهم المألوفة، ولا يترك جارية لصديق مثل حماد عجرد ويحيى بن زياد إلا ويفسدها عليه ودائمًا يجثو بين أيدي الجواري، يقدم إليهن حبه، وكان منهن من يتدللن؛ فلا يزال يستأنف معهن السعي والإلحاح حتى يقبلن عليه. وممن كان يكثر فيهن من الشعر مكنونة وريم وجوهر جارية بربر، ومن غزله في أولاهن، وكانت تُدلُّ عليه، فلا يكفّ عن تعلقه بها والتعرض لها٦:
يا رَبِّ إنك تعلم ... أني بمكنون مُغْرَمْ
وأنني في هواها ... ألقى الهوان وأعظم
إن الملولَ إذا ما ... ملَّ الوصال تجرَّم٧
أولا فمالِيَ أجفَى ... من غير ذنبٍ وأحْرَم
وكانت ريم جارية لبعض النخاسين ببغداد، وله فيها غزل كثير يصف فيه
стр. 73
ما كانت تملؤه به من سرور وغبطة حين كان يشرب على غنائها مع رفاقه، كما يصف ولعه بها وهُيامه من مثل قوله١:
أمسى مطيعٌ كَلِفَا ... صَبًّا حزينًا دَنِفَا٢
يا ريمُ فاشْفِي كبدا ... حَرَّى وقلبا شُغِفَا٣
ونَوِّلِينِي قُبْلَةً ... واحدةً ثُمَّ كَفَى
وفي أخباره أنه كان يكثر من الاختلاف إلى "بربر" وجواريها، وكانت دارها مألفًا له ولأمثاله من شعراء الكوفة الماجنين، وكان يهوى من جواريها جوهر، ومما غُنِّي له فيها قوله٤:
وخافي الله يا بربر ... لقد أفسدت ذا العسكر
إذا ما أقبلت جوهر ... يفوح المسك والعنبر
وجوهرُ درَّة الغوا ... ص من يملكها يحبر٥
لها ثغر حكى الدُّرَّ ... وعينا رشأ أحور٦
وبيعت جوهر وفارقت الكوفة فبكاها بكاء مرًّا.
والقطع الثلاث الأولي من وزن المجتث، وكأنه هو الذي أخذه عن الوليد بن يزيد وأشاعه بين شعراء العصر. وتشيع عنده الأوزان المجزوءة والخفيفة، وهو يتقدم بشارًا خطوة في هذا الاتجاه نحو تعميم الألحان اليسيرة والانفصال عن إطار الشعر القديم الذي يعني بضخامة الوزن وجزالة اللفظ؛ فألفاظه سهلة لينة تقترب من لغة الحديث العادي في كثير من صورها. وهو لا يقف بها عند مثل هذا القول الرقيق؛ إذ يعبر بها عن عبثه ومجونه. وتبعه شعراء الكوفة في هذا كله على نحو ما نجد عند والبة بن الحباب وخرِّيجه أبي نواس.
стр. 74
العباس بن الأحنف:
وكان يقابل هذا النوع من الشعر الغنائي المادي الصريح نوع آخر عَفٌّ مَثَّله العباس بن الأحنف، وهو عربي الأصل من بني حنيفة، ويشبه في العصر العباسي عمر بن أبي ربيعة في العصر الإسلامي؛ إذ خصص نفسه بغناء حبه منصرفًا عن قصائد المديح وما إليه، يقول عنه صاحب الأغاني: "كان شاعرًا غَزِلًا ظريفًا، لم يكن يتجاوز الغزل إلى مديح ولا هجاء، ولا يتصرف في شيء من هذه المعاني، وكان قصده الغزل وشغله النسيب١". ويقول الجاحظ: "لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلامًا وخاطرًا ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه؛ لأنه لا يهجو ولا يتكسب ولا يتصرف، ولا نعلم شاعرًا لزم فنًّا واحدًا لزومه فأحسن فيه وأكثر٢".
وكأني بالجاحظ نسي عمر بن أبي ربيعة وأضرابه من شعراء العصر الإسلامي!. وكان العباس شخصية ظريفة حقًّا في العصر العباسي إذ قصر نفسه على الغزل؛ ولكن دون تبذل أو تصريح بعهر وفحش، وترجم له صاحب الأغاني ترجمة واسعة روى له فيها كثيرًا من مقطوعاته الجيدة كقوله٣:
لا جزى الله دمع عيني خيرًا ... وجزى الله كل خيرٍ لساني
نمَّ دمعي فليس يكتم شيئًا ... ورأيت اللسان ذا كتمان
كنتُ مثلَ الكتاب أخفاه طَيٌّ ... فاستدلوا عليه بالعنوانِ
وقوله٤:
قالت ظلوم سمية الظلم ... ما لي رأيتك ناحل الجسم
يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت العليم بموضع السَّهم
وقوله٥:
ألا تعجبون كما أعجب ... حبيب يسيئ ولا يعتب
وأبغي رضاه على سخطه ... فيأبى عليَّ ويستصعب
стр. 75
فيا ليت حَظِّي إذا ما أسأ ... ت أنك ترضى ولا تغضب
وقوله١:
إن قال لم يفعل وإن سِيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب
صبٌّ بعصياني ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب
إليك أشكو رب ما حل بي ... من صد هذا المذنب المغضب
ويقول أيضًا٢:
نام من أهدى لي الأرقا ... مستريحًا زادني قلقَا
لو يبيت الناس كلهم ... بسهادي بيض الحدقا
كان لي قلب أعيش به ... فاصطَلَى بالحب فاحترقا
أنا لم أرزق مودتكم ... إنما للعبد ما رُزِقَا
وكل هذه المقطوعات من الأصوات والأدوار التي كانت تغنى في العصر العباسي.
ومهما يكن فقد شاع هذا الشعر الغنائي بضربيه من الغزل المادي والعفيف، واستبق الشعراء فيه كل يحاول أن يأتي بالنادر الطريف. روى صاحب الأغاني"أنه اجتمع مسلم بن الوليد وأبو نواس وأبو الشِّيص ودعبل في مجلس، فقالوا: لينشد كل واحد منكم أجود ما قاله من الشعر؛ فأنشدهم أبو الشيص قوله:
وقف الهوى بي حيث أنتِ فليس لي ... متأخرٌ عنه ولا متقدَّمُ
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبًّا لذكرك فليلمني اللوّمُ
أشبهتِ أعدائي فصرت أحبُّهم ... إذا كان حظي منك حظي منهمُ
وأهنتني فأهنتُ نفسي صاغرًا ... ما مَنْ يهون عليك ممن يُكْرَمُ
فقال أبو نواس: أحسنت والله وجوَّدت. وفي رواية أخرى أنه قال: إني أرى نمطًا خُسْروانيًّا مذهبًا٣" وما هذا النمط إلا ذلك الشعر الغنائي الذي أخذ الشعراء يستبقون في صناعته. وروى ابن رشيق: أن أبا العتاهية وأبا نواس والحسين بن الضحاك اجتمعوا يومًا فقال أبو نواس لينشد كل واحد قصيدة لنفسه في