مطيع بن إياس:
ربما كان مطيع بن إياس الكناني هو الذي بدأ السطر الأول في صفحة هذا الغزل المادي المكشوف بالكوفة، وهو مثل بشار من مخضرمي الدولتين: الأموية والعباسية "وكان ظريفًا خليعًا حلو العشرة مليح النادرة ماجنًا متَّهمًا في دينه بالزندقة، ومولده ومنشؤه الكوفة، وكان أبوه من أهل فلسطين الذين أمد بهم عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف في وقت قتاله ابن الزبير وابن الأشعث؛ فأقام بالكوفة وتزوج بها؛ فولد له مطيع١" ونظن ظنًّا أن أمه فارسية؛ إذ نرى فيه نزعة شديدة إلى المجون والاستهتار الخلقي منذ مطالع حياته، وهو في ذلك يختلف عن بشار، فقد استهل حياته جادًّا يختلف إلى المتكلمين، أما مطيع فلم يعرف الجِدَّ يومًا. وهو يختلف عنه أيضًا في أنه من أوائل من تغزلوا بالغلمان، إذ كان لا يتحرج من أي مأثم:
وليس يُعْتِمُ إلا ... سكرانَ مع سكرانِ
يسقيه كلُّ غلامٍ ... كأنه غُصْنُ بانِ
من خندريسٍ عُقارٍ ... كحمرة الأرْجُوانِ٢
وكان ينفق أيامه في الاجتماع بعصبته من الْمُجّانِ الزنادقة في الكوفة والبصرة من أمثال والبة بن الحباب ويحيى بن زياد الحارثي وعمارة بن حمزة والحمادين الثلاثة: حماد عجرد وحماد الراوية وحماد بن الزِّبْرِقَان وبشار بن برد وأبان اللاحقي٣، ويقال إن حكما الوادي غَنَّى الوليد بن يزيد في خلالته قوله:
إكليلها ألوان ... ووجهها فتَّانُ
إذا مشت تثنَّت ... كأنها ثعبان.
فأعجب إعجابًا شديدًا بالأغنية وسأله عن قائلها؛ فلما عرف أنه مطيع
стр. 72
أمر أن يُحْمَلَ له على البريد١، وظل ينادمه حتى توفِّي، فاتجه بشعره إلى الولاة. ويقال إنه رحل إلى السند يستميح واليها هشام بن عمرو٢، وله شعر في وصف حيوانها٣. ولما دعا لنفسه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر في الأيام الأخيرة من دولة بني أمية نادمه ولم يفارقه حتى قضى عليه الأمويون٤، ولعل ذلك ما جعل الخليفة المنصور يعطف عليه، ويقربه منه؛ غير أنه نقل إليه أنه يُغْوي ابنه جعفرًا ويفسده، فحبسه، ثم أخلى سبيله، وأقامه المهدي على صدقات البصرة٥، ولا نراه يقتله في الزنادقة الذين قتلهم، وظل يعيش في خلافة الرشيد؛ إذ توفي سنة ١٧٠ للهجرة.
وترجمته في الأغاني تصوِّر فُجْره، وكيف كان لا يفيق من مجون إلا إلى مجون، فهو غارق في اللذات وفي حب الجواري والإماء اللائي يراهن في دور النخاسة وخاصة دار "بربر"؛ غير آبه بشيء من التقاليد الاجتماعية التي تواضع عليه الناس في حياتهم المألوفة، ولا يترك جارية لصديق مثل حماد عجرد ويحيى بن زياد إلا ويفسدها عليه ودائمًا يجثو بين أيدي الجواري، يقدم إليهن حبه، وكان منهن من يتدللن؛ فلا يزال يستأنف معهن السعي والإلحاح حتى يقبلن عليه. وممن كان يكثر فيهن من الشعر مكنونة وريم وجوهر جارية بربر، ومن غزله في أولاهن، وكانت تُدلُّ عليه، فلا يكفّ عن تعلقه بها والتعرض لها٦:
يا رَبِّ إنك تعلم ... أني بمكنون مُغْرَمْ
وأنني في هواها ... ألقى الهوان وأعظم
إن الملولَ إذا ما ... ملَّ الوصال تجرَّم٧
أولا فمالِيَ أجفَى ... من غير ذنبٍ وأحْرَم
وكانت ريم جارية لبعض النخاسين ببغداد، وله فيها غزل كثير يصف فيه
стр. 73
ما كانت تملؤه به من سرور وغبطة حين كان يشرب على غنائها مع رفاقه، كما يصف ولعه بها وهُيامه من مثل قوله١:
أمسى مطيعٌ كَلِفَا ... صَبًّا حزينًا دَنِفَا٢
يا ريمُ فاشْفِي كبدا ... حَرَّى وقلبا شُغِفَا٣
ونَوِّلِينِي قُبْلَةً ... واحدةً ثُمَّ كَفَى
وفي أخباره أنه كان يكثر من الاختلاف إلى "بربر" وجواريها، وكانت دارها مألفًا له ولأمثاله من شعراء الكوفة الماجنين، وكان يهوى من جواريها جوهر، ومما غُنِّي له فيها قوله٤:
وخافي الله يا بربر ... لقد أفسدت ذا العسكر
إذا ما أقبلت جوهر ... يفوح المسك والعنبر
وجوهرُ درَّة الغوا ... ص من يملكها يحبر٥
لها ثغر حكى الدُّرَّ ... وعينا رشأ أحور٦
وبيعت جوهر وفارقت الكوفة فبكاها بكاء مرًّا.
والقطع الثلاث الأولي من وزن المجتث، وكأنه هو الذي أخذه عن الوليد بن يزيد وأشاعه بين شعراء العصر. وتشيع عنده الأوزان المجزوءة والخفيفة، وهو يتقدم بشارًا خطوة في هذا الاتجاه نحو تعميم الألحان اليسيرة والانفصال عن إطار الشعر القديم الذي يعني بضخامة الوزن وجزالة اللفظ؛ فألفاظه سهلة لينة تقترب من لغة الحديث العادي في كثير من صورها. وهو لا يقف بها عند مثل هذا القول الرقيق؛ إذ يعبر بها عن عبثه ومجونه. وتبعه شعراء الكوفة في هذا كله على نحو ما نجد عند والبة بن الحباب وخرِّيجه أبي نواس.
стр. 74
العباس بن الأحنف:
وكان يقابل هذا النوع من الشعر الغنائي المادي الصريح نوع آخر عَفٌّ مَثَّله العباس بن الأحنف، وهو عربي الأصل من بني حنيفة، ويشبه في العصر العباسي عمر بن أبي ربيعة في العصر الإسلامي؛ إذ خصص نفسه بغناء حبه منصرفًا عن قصائد المديح وما إليه، يقول عنه صاحب الأغاني: "كان شاعرًا غَزِلًا ظريفًا، لم يكن يتجاوز الغزل إلى مديح ولا هجاء، ولا يتصرف في شيء من هذه المعاني، وكان قصده الغزل وشغله النسيب١". ويقول الجاحظ: "لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلامًا وخاطرًا ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه؛ لأنه لا يهجو ولا يتكسب ولا يتصرف، ولا نعلم شاعرًا لزم فنًّا واحدًا لزومه فأحسن فيه وأكثر٢".
وكأني بالجاحظ نسي عمر بن أبي ربيعة وأضرابه من شعراء العصر الإسلامي!. وكان العباس شخصية ظريفة حقًّا في العصر العباسي إذ قصر نفسه على الغزل؛ ولكن دون تبذل أو تصريح بعهر وفحش، وترجم له صاحب الأغاني ترجمة واسعة روى له فيها كثيرًا من مقطوعاته الجيدة كقوله٣:
لا جزى الله دمع عيني خيرًا ... وجزى الله كل خيرٍ لساني
نمَّ دمعي فليس يكتم شيئًا ... ورأيت اللسان ذا كتمان
كنتُ مثلَ الكتاب أخفاه طَيٌّ ... فاستدلوا عليه بالعنوانِ
وقوله٤:
قالت ظلوم سمية الظلم ... ما لي رأيتك ناحل الجسم
يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت العليم بموضع السَّهم
وقوله٥:
ألا تعجبون كما أعجب ... حبيب يسيئ ولا يعتب
وأبغي رضاه على سخطه ... فيأبى عليَّ ويستصعب
стр. 75
فيا ليت حَظِّي إذا ما أسأ ... ت أنك ترضى ولا تغضب
وقوله١:
إن قال لم يفعل وإن سِيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب
صبٌّ بعصياني ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب
إليك أشكو رب ما حل بي ... من صد هذا المذنب المغضب
ويقول أيضًا٢:
نام من أهدى لي الأرقا ... مستريحًا زادني قلقَا
لو يبيت الناس كلهم ... بسهادي بيض الحدقا
كان لي قلب أعيش به ... فاصطَلَى بالحب فاحترقا
أنا لم أرزق مودتكم ... إنما للعبد ما رُزِقَا
وكل هذه المقطوعات من الأصوات والأدوار التي كانت تغنى في العصر العباسي.
ومهما يكن فقد شاع هذا الشعر الغنائي بضربيه من الغزل المادي والعفيف، واستبق الشعراء فيه كل يحاول أن يأتي بالنادر الطريف. روى صاحب الأغاني"أنه اجتمع مسلم بن الوليد وأبو نواس وأبو الشِّيص ودعبل في مجلس، فقالوا: لينشد كل واحد منكم أجود ما قاله من الشعر؛ فأنشدهم أبو الشيص قوله:
وقف الهوى بي حيث أنتِ فليس لي ... متأخرٌ عنه ولا متقدَّمُ
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبًّا لذكرك فليلمني اللوّمُ
أشبهتِ أعدائي فصرت أحبُّهم ... إذا كان حظي منك حظي منهمُ
وأهنتني فأهنتُ نفسي صاغرًا ... ما مَنْ يهون عليك ممن يُكْرَمُ
فقال أبو نواس: أحسنت والله وجوَّدت. وفي رواية أخرى أنه قال: إني أرى نمطًا خُسْروانيًّا مذهبًا٣" وما هذا النمط إلا ذلك الشعر الغنائي الذي أخذ الشعراء يستبقون في صناعته. وروى ابن رشيق: أن أبا العتاهية وأبا نواس والحسين بن الضحاك اجتمعوا يومًا فقال أبو نواس لينشد كل واحد قصيدة لنفسه في
стр. 76
مراده من غير مدح ولا هجاء، فأنشد أبو العتاهية:
يا إخوتي إن الهوى قاتلي ... فيسِّروا الأكفان من عاجل
ولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شُغُلٍ شاغلِ
عيني على عُتْبَة مُنْهَلَّةٌ ... بدمعها المنسكبِ السائلِ
فسلَّم له أبو نواس والحسين بن الضحاك وقالا له: أما مع سهولة هذه الألفاظ وملاحظة هذا القصد وحسن هذه الإشارات فلا ننشد شيئًا١"
وعلى هذ النحو كان الشعراء يتنافسون في صناعة هذا النوع من الغزل الغنائي الذي نما تحت تأثير الغناء، واتسع نموه حتى اتخذه بعض الشعراء كالعباس بن الأحنف مذهبًا يقصرون عليه أنفسهم طوال حياتهم ولا ينصرفون إلى غيره من أنواع الشعر الرسمي التقليدي من مدح ونحوه؛ بل هم يعيشون في شعر الحياة الاجتماعية والنوادي الأدبية، وقد رقَّقوا أفكارهم، وهذَّبوا أساليبهم وأوزانهم، وحاولوا أن يبلغوا في ذلك كل مبلغ.
стр. 77
٩- تأثير الغناء العباسي في موسيقى الشعر الغنائي:
كان تأثير الغناء في موسيقى هذا الشعر الغنائي أوسع من تأثيره في معانيه؛ إذ كان المغنون يحرِّفون في الغناء القديم، ويدخلون فيه ألحانًا فارسية ورومية١، ولعل ذلك التحريف هو سبب الصراع، الذي نجده في كتاب الأغاني دائمًا بين أنصار الغناء القديم كإسحاق الموصلي، وأنصار الغناء الجديد كإبراهيم بن المهدي، وكان يذهب مذهبه مخارق وشارية وَريِّق، وكذلك علوية وغيرهم كثير٢.
واضطر هذا التحريف الشعراءَ، أن يجددوا مع المغنين في أوزانهم؛ إذ
стр. 78
العرب يمتاز غناؤها -كما يقول الجاحظ- بأنها "تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة؛ فتضع موزونًا على موزون، والعجم تمطِّط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن، فتضع موزونًا على غير موزون"١، ومن ثم نستطيع أن نفهم الصلة بين العروض العربي والغناء العربي، فإن الأول فيما يظهر ألِّفَ على أساس رُقُمِ الغناء التي عرفت في العصر العباسي، ومما يؤيد ذلك ما يقوله أخوان الصفا من أن قوانين الموسيقى مماثلة لقوانين العروض٢، وما قاله إسحاق سابقًا من أن النَّصْبَ يخرج كله من أصل الطويل في العروض، ونفس الخليل صاحب هذا العروض ألف في الأصوات كتابين٣، ويقول ابن خلكان: إن معرفته بالإيقاع هي التي أحدثت له علم العروض٤، ولعلنا من أجل ذلك كنا نجد كثيرًا من ألفاظه الاصطلاحية التي وضعها في العروض شائعة في الغناء من مثل السِّناد والنصب والثقيل والخفيف والهزج والرمل، وكتب أبو العلاء فصلًا عن الألحان في الغناء، فعرف بالثقيل الأول والثقيل الثاني وخفيف الثقيل والرمل وخفيف الرمل والهزج على نحو ما يعرِّف العروضيون بأوزانهم؛ إذ ضبط الثقيل الأول بثلاث نقرات متساويات الأوزان، وقاسه على مثال مفعولن؛ بينما قاس الثقيل الثاني بمفعولان، أما خفيفه فقياسه مفعولان بالسكون، والرمل قاسه على مثال "لان مفعو" أو كما يقول العروضيون فاعلاتن، أما الهزج فقاسه على مثال قال لي، أو كما يقول العروضيون فاعلن٥. وهذا الفصل يوضح العلاقة التي كانت موجودة بين الغناء والعروض العربي، ونجد صاحب الأغاني يقول في أول كتابه: "إنه سيذكر اللحن وعروضه، فإن معرفة أعاريض الشعر توصل إلى معرفة تجزئته وقسمة ألحانه".
ومهما يكن فقد كانت هناك علاقة واضحة في العصر العباسي بين الغناء وأوزان الشعر، ولعل أهم ما يلاحظ بصدد ذلك أن الشعراء نَحَّوا الأوزان الطويلة.
стр. 79
المعقدة، وخصصوها بالشعر التقليدي: شعر المديح ونحوه، وكانت هذه الأوزان توجد في العصر الإسلامي مع الغناء، أما في هذا العصر فإنها تكاد تختفي إلا أن تجزَّأ أو يدخلها فنون من التحريفات والزحافات.
ومن يدرس العروض الذي اكتشفه الخليل يحس مدى الصعوبات التي أحدثتها هذه الزحافات في دراسة الشعر العربي، وأكبر الظن أن الخليل عمد إليه عمدًا ليستطيع الشعراء أن يجدوا منها منفذًا إلى الملاءمة بين الأوزان القديمة ونغم الغناء الجديد. وإن كثيرًا من هذه الزحافات ليُحيل الوزن عن صورته القديمة، وغاية ما في الأمر أننا ألفنا أن نقول إن البحر حدث فيه زحاف ونحوه، وإنه لا يزال على حاله، ولم يخرج عن محيطه. ويستطيع الباحث أن يرجع إلى الرمل مثلًا، ووزنه فاعلاتن؛ فيدرك أنه حينما يلمُّ به الزحاف في الجزء الأول ويصبح فعلاتن، يتغير عن صورته الأولى ويصير سريعًا لسرعة حركاته. ومن المعروف أن الحركات القصيرة تجعل البحر سريعًا، بخلاف الطويلة فتجعله بطيئًا. وتلائم الأولى الموضوعات العتيقة؛ بينما تلائم الأخرى الهدوء والحزن وما إليها.
وهذا التغيير الذي ألم بالرمل بسبب الزحاف نراه يلم أيضًا بسببه في الأوزان والبحور الأخرى، وهو جانب نرى أصوله في الشعر القديم؛ إلا أن العباسيين أكثروا منه كثرة مفرطة، فما يزالون يحرفون في الأوزان، حتى لينتهي بهم هذا التحريف إلى استحداث أوزان جديدة، ويقول أبو العلاء: إنهم استحدثوا في هذا العصر المقتضب والمضارع اللذين سجلهما الخليل وليس لهما أصل في الشعر القديم١، وهي ملاحظة جيدة، وسبق أن رأينا المجتث عند الوليد بن يزيد، وقد أكثر منه العباسيون؛ إذ نجده كثيرًا عند بشار ومطيع وأبي نواس وأبي العتاهية وأضرابهم، وأما المقتضب فهو عباسي، واستعمله الشعراء في ندرة، ومن أمثلته قول أبي نواس٢:
стр. 80
حامل الهوى تعب ... يستخفه الطَّرَب
إن بكى يحقُّ له ... ليس ما به لَعِبُ
تضحكين لاهية ... والمحب ينتحب
كلما انقضى سبب ... منك جائني سبب
تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب
وأما المضارع فقد ذكر أبو العلاء أن منه عروض أبي العتاهية١:
أيا عُتْبَ ما يضرُّ ... كِ أَنْ تُطْلِقِي صِفادي
ومن أمثلته قول سعيد بن وهب٢:
لقد قلت حين قُرّ ... بت العيسُ يا نَوَارُ
قفوا فاربعوا قليلًا ... فلم يربعوا وساروا
وهناك وزن آخر استحدثه العباسيون وهو الخبب أو المتدارك، ومن أمثلته قول أبي العتاهية٣:
هَمُّ القاضي بيتٌ يُطْرِب ... قال القاضي لما طُولِب
ما في الدنيا إلا مذنب ... هذا عذر القاضي واقلب
ويظهر أن أبا العتاهية كان مشغوفًا بهذه الأوزان القصيرة؛ فقد عرف بأن له أشعارًا لا تدخل في العروض٤، ولكن الرواة فيما يظهر أهملوها٥. ويقول ابن قتيبة في ترجمته: "وكان لسرعته وسهولة الشعر عليه ربما قال شعرًا موزونًا يخرج به عن أعاريض الشعر وأوزان العرب، وقعد يومًا عند قَصَّار فسمع صوت مِدَقَّةٍ فحكى ذلك في ألفاظ شعره وهو عدة أبيات منها:
стр. 81
للمنون دائرات يدرن صرفها ... هن ينتقيننا واحدًا فواحدا
وقال أيضًا:
عُتْبُ ما للخيال ... خبريني ومالي
لا آراه أتاني ... زائرًا مذ ليالي
لو رآني صديق ... رقَّ لي أو رثى لي
أو يراني عدوي ... لانَ من سوء حالي"١
والمسألة لم تكن سهولة شعر وسرعته كما يقول ابن قتيبة، بل كانت هذا الغناء العباسي وما يستلزمه من أوزان وأنغام جديدة.
ومهما يكن فإن الغناء نوَّع أوزان الشعر في العصر العباسي تنويعًا واسعًا؛ فبينما كان يقضي على بعض الأوزان الطويلة المعقدة -أو يكاد- كان يشيع الأوزان الأخرى التي تتلاءم معه من مثل المتقارب والرمل والهزج والخفيف؛ فإن أَلَمَّ بالأوزان الطويلة أخذ ينوع فيها بما يحدثه من مشطوراتها ومجزوءاتها، أو من اختلاف في ضروبها وأعاريضها. وقد فتح الخليل -كما قدمنا- أبواب الزحافات في العروض ليعدل الشعراء في إيقاعات الأوزان القديمة ونغماتها، وكأن هذه الزحافات خروق في الرُّقُم الموسيقية وضعها الخليل لينفذ منها الشعراء إلى التعديل في الأوزان التي كان يتطلبها الغناء العباسي.
ونستطيع الآن أن نفهم لماذا أدخل الخليل دراسة الزحاف في العروض، ولماذا ترك دوائر مفتوحة، وجاء فيها بأوزان مهملة؛ فقد كان يشعر بحاجة الغناء إلى التجديد في أوزان الشعر، ولو أنه عاش إلى عهد أبي العتاهية لنبه على ما استحدث من أوزان هو وغيره من الشعراء.
وأكبر الظن أن عروض الخليل لم تضبط كل ما عُرف في عصورها من أوزان في الشعر العباسي؛ بل إنا لنراها تقصِّر في ضبط بعض أوزان الشعر القديم؛ فهنالك قصائد أثرتْ عن العصر الجاهلي وهي خارجة عنها، يقول أبو العلاء: "وقصيدة عبيد: أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِه مَلْحُوبُ، وزنها مختلف، وليست موافقة
стр. 82
لمذهب الخليل في العروض، وكذلك قصيدة عدِيّ بن زيد العبادي:
قد حان أن تصحو لو تقصر ... وقد أتى لما عهدت عُصُرْ١
ومن ذلك قصيدة المرقش:
هل بالديار أن تجيب صَمَم ... لو أن حيا ناطقًا كلَّم
فإنها غير مستقيمة الوزن كما يلاحظ صاحب الصناعتين٢. ومن ذلك نونية سُلْميّ بن ربيعة السابقة:
إن شِواءً ونشوة ... وخَبَبَ البازل الأمون
فقد لاحظ التبريزي أنها خارجة عن العروض التي وضعها الخليل٣. وهناك قطع صغيرة منتشرة في كتب الأدب من الصعب أن تضبط على أوزان الخليل؛ ولكن مهما يكن فإن جهده في هذا الباب كان ممتازًا.
وصنيع الغناء في أوزان الشعر العباسي يجعلنا نفكر فيما يمكن أن يكون قد صنعه في القوافي؛ إذ استحدث العباسيون المزدوج والمسمَّط٤، أما المزدوج فلعل أول من استخدمه بشار بن برد٥، وأخذ الشعراء يستخدمونه من حوله وبعده في الشعر التعليمي، كما نرى في قصيدة بشر بن المعتمر التي رواها الجاحظ له في كتابه الحيوان٦، ولا نراه يشيع في الشعر الغنائي، وهو يتألف من شطرين على قافية ثم من شطرين آخرين وهكذا. وأما المسمَّط فيصاغ في أدوار متخالفة القوافي؛ غير أن كل دور يختم بشطر يتحد مع الدور الأول في قافيته. على أننا نجد في ديوان ابن المعتز منظومة على طراز الموشحات الأندلسية تمضي على هذا النحت:
أيا الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غُرَّتِهِ
وبشرب الراح من راحته
стр. 83
كلما استيقظ من سكرته
جذب الزق إليه واتكى ... وسقاني أربعًا في أربع
تستمر المنظومة على هذا النمط؛ غير أن هذه الموشحة منتحلة على ابن المعتز وهي لابن زهر الشاعر الأندلسي المشهور١، والشائع أن الموشحات فن أندلسي خالص٢.
ومما ينسب إلى هذا العصر ضرب يسمى المواليا، وهو شعر ينظم من بحر البسيط بعبارة عامية ملحونة وتقفَّى شطوره أربعة أربعة، ويقولون إن مولاة للبرامكة هي التي بدأت هذا الضرب٣. وهو الذي يعرف عندنا الآن بالموّال. على أن هذه القصة يحوطها شيء من الغموض. ومهما يكن فإن الغناء العباسي لم يؤثر تأثيرًا واسعًا في القوافي، على نحو ما أثر في الأوزان؛ إذ يترك ذلك للأندلس، والغناء هناك وما نشأ معه من موشحات وأزجال.
стр. 84
تأثير الغناء في موسيقى الشعر التقليدي
...
١٠- تأثير الغناء العباسي في موسيقى الشعر التقليدي:
وتأثير الغناء العباسي لم يقف عند موسيقى الشعر الغنائي؛ بل تعداها إلى موسيقى الشعر التقليدي؛ فقد كان أكثر الشعراء العباسيين ينظم من النوعين جميعًا، فأحدث ذلك صلة واضحة بينهما، وأخذ كل منهما يتأثر بما يصيب الآخر في مناهجه وطرق صناعته، ولذلك كنا نجد في الشعر الغنائي كثيرًا من الأوزان الطويلة الشائعة في الشعر التقليدي، كما نجد في الشعر التقليدي كثيرًا من الأوزان القصيرة المجزوءة أو المولدة الشائعة في الشعر الغنائي، على نمط ما نجد في شعر مسلم بن الوليد زعيم الشعر التقليدي؛ فقد رُوي له في ديوانه قصيدتان من وزن مولَّد إحداهما١:
стр. 85
يا أيها المعمود ... قد شفك الصُّدودُ
والأخرى١:
نبا به الوساد ... وامتنع الرقاد
وصنع سَلْم الخاسر أرجوزة على جزء واحد مدح بها موسى الهادي، ومما يقوله فيها:
موسى المطر ... غيثٌ بكر
عدل السير ... باقي الأثر
وهي تمضي على هذا النمط، ويقول ابن رشيق إنه أول من ابتدع ذلك في الرجز٢.
وليس هذا كل ما صنع الغناء بالشعر التقليدي؛ فقد أثر فيه من جانب آخر هو جانب "الموسيقى الداخلية" وما يستتبعه ضبطها من عناية بفنون البديع الصوتية. ولعل أهم شاعر تقليدي نجده في هذا الجانب هو البحتري؛ فقد كان يعنى بالموسيقى الداخلية عناية شديدة، حتى ليروع النقاد روعة بالغة. وحقًّا إنه ملأ آذان عصره بألحان عذبة جميلة، وعبَّر المدى عن ذلك عبارات مختلفة؛ إذ يقول في كتابه "الموازنة بين الطائيين" عن شعره: "إنه صحيح السبك، حسن الديباج، ليس فيه سفساف ولا رديء ولا مطروح"٣ ويقول عنه أيضًا: "إنه يؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق"٤. ولكن ماذا يريد الآمدي بهذه الأوصاف؟ إنه لا يذكر إلا إشارات وتلميحات، وقد شكا عبد القاهر من مثل هذه العبارات وشيوعها في النقد؛ إذ يقول: "إنك لا ترى نوعًا من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام الأولين الذين علَّموا الناس وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريح أغلب من التلويح، والأمر في علم الفصاحة بالضد من هذا، فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه وجدت جله أوكله رمزًا ووحيًا وكناية وتعريضًا وإيماءً إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلا من غلغل الفكر، وأدق النظر، ومن يرجع من طبعه إلى ألمعية يقوى
стр. 86
معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفي، حتى كأن بَسْلًا حرامًا أن تتجلى معانيهم سافرة الوجه لا نقاب لها، وبادية الصفحة لا حجاب دونها"١. وحقًّا أن كتب النقد والفصاحة عندنا مملوءة بكثير من هذه العبارات التي نجدها عند الآمدي، واليت تذهب إلى الرمز والتلويح والإشارة من طرف خفي، ويظهر أن هذا عيب يعم في النقد جميعه العربي والغربي؛ فنحن نجد "رتشاردز" يعقد فصلًا في كتابه "أصول النقد الأدبي" يبحث فيه لغة النقد، ويشكو من إبهامها وغموضها نفس هذه الشكوى التي نجدها عند عبد القاهر٢.
وإذن فينبغي أن نحترس من عبارات الآمدي وأمثالها، وإن كانت تلفتنا إلى أن جمال الشعر عند البحتري لا يستقر في وعاء فلسفي أو ثقافي؛ إنما يستقر في المادة والجسم وما به من سبك وخفة ورشاقة، ولكن هل نستطيع أن نقيس هذا الجانب الصوتي الداخلي ونحلله؟ وإذا استطعنا فبأي شيء نقيسه؟ هل يمكن أن نقيسه بالعروض؟ يقول النقاد: إن العروض إنما يقيس "الموسيقى الخارجية" للشعر، أما هذه "الموسيقى الداخلية" فإنه يفشل في قياسها لأنها "قيم صوتية خفية" لا يمكنه ضبطها، وأشار إلى ذلك "لامبورن" في كتابه "أسس النقد"؛ إذ يقول: "توجد موسيقى داخلية في الشعر وهو أوسع من الوزن والنظم المجردين"٣. ويقول "سبنجارن" في كتابه: "النقد الخالق": "إن البيتين من الشعر المرسل قد يتطابقان في الوزن ولكن من لا يشعر باختلاف بينهما كاختلاف شعر بوب من نثر دي كوينسي؟ "٤. وحقًّا أنه لا يوجد بيتان في الشعر من صوت متكافئ واحد قد يتفقان في رقيمهما الموسيقي؛ ولكنهما يختلفان بعد ذلك في قيمهما الصوتية الداخلية، فلكل بيت صوته الخاص الذي لا يتحد مع صوت بيت آخر والذي يفضي بنا دائمًا إلى هذا الجمال الموسيقي الغريب.
стр. 87
العروض لا يستطيع أن يقيس هذه القيم الصوتية الداخلية في موسيقى الشعر، وإذن يحسن أن نبحث عن مقياس آخر، ولعل من أهم هذه المقاييس التي تقيس هذا الجانب ما اكتشفه عبد القاهر في دلائل الإعجاز من "قواعد النظم" وقواعد هذه "الموسيقى الداخلية" وقد اتخذ من البحتري وشعره دليله على هذه القواعد التي وضعها؛ إذ يقول: أعمد إلى قول البحتري:
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا١
هو المرء أبدت له الحادثا ... ت عزمًا وشيكًا ورأيًا صليبا
تنقَّل في خلق سؤدد ... سماحًا مرجَّى وبأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخًا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا
فإذا رأيتها قد راقتك، وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازًا في نفسك؛ فعد فانظر في السبب، واستقص في النظر، فإنك تعلم ضرورة أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرف ونكر وحذف وأضمر، وأعاد وكرر، وتوخى على الجملة وجهًا من الوجوه التي يقتضيها علم النحو؛ فأصاب في ذلك كله، ثم لطف موضع صوابه، وأتى مأتى يوجب الفضيلة"٢.
ويبدئ عبد القاهر ويعيد في هذا المقياس الذي اتخذه من النحو، ولكن فاته أن علم النحو لا يكشف "الموسيقى الخارجية" موسيقى العروض؛ فأولى به ألا يكشف "الموسيقى الداخلية" موسيقى النظم وهي لا ترتبط به ولا بقواعده، ولم ينفع عبد القاهر ما اعتمد عليه من فلسفة وتفكير دقيق في فهم العبارات والأساليب اللغوية؛ وبذلك فشل علم النحو عنده في تحليل هذا الجانب؛ لأنه الجزء الموسيقي الذي لا يتكرر، والذي كان من أجل ذلك لا يمكن ضبطه في نحو ولا عروض، وقارنْ بين قصيدتين من وزن واحد عند البحتري وأبي تمام بل قارن بين بيتين من قصيدة واحدة عند البحتري فستجد فروقًا وخلافات كثيرة.
стр. 88
ومهما يكن فإن تحليل الموسيقى الداخلية في الشعر لا يكشفه النحو ولا العروض، ولعل خيرًا من ذلك أن نرجع إلى ما لاحظه "لامبورون" في كتابه: "أسس النقد" من أن هذه الموسيقى يشخصها جانبان مهمان، هما اختيار الكلمات وترتيبها من جهة، ثم المشاكلة بين أصوات هذه الكلمات والمعاني التي تدل عليها من جهة أخرى، حتى تحدث هذه الصناعة الغريبة١. أما الجانب الأول وهو اختيار الكلمات وترتيبها؛ فقد اهتم به العباسيون اهتمامًا شديدًا وجعلوه محور الفصاحة والبلاغة كما نرى ذلك في كتابات الجاحظ؛ إذ يكثر من توصية الأدباء بتصفية أساليبهم واختيار ألفاظهم، وما يزال يرشدهم إلى مواقع الكلمات واستعمالها وما يحسن منها وما يستهجن٢. ولعل من طريف صنيعه أنه وضع فاصلًا بين صناعة العباسيين ومن سبقهم من الأعراب، وأقام هذا الفاصل على الملاءمة الدقيقة بين الكلمات والحروف؛ إذ يقول: "ومن ألفاظ العرب ألفاظ تنافَرُ وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض استكراه٣". فالشعر القديم كما يلاحظ الجاحظ لا يبلغ من تنقيح ألفاظه وتصفيتها مبلغ الشعر العباسي الذي كان يعيش فيه والذي ألهمه هذا الحكم؛ ويحمد الجاحظ لحذَّاق الشعراء تخيرهم ألفاظهم وملاءمتهم بين كلماتهم حتى؛ لكأنها سُبكت سبكًا واحدًا٤. وكان الناس من حول الجاحظ يعجبون مثله بهذا الجانب، يقول بعض الأدباء العباسيين: "أنذركم حُسْنَ الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظًا حسنًا، وأعاره البليغ مخرجًا سهلًا، ومنحه المتكلم دلًا متعشقًا، صار في قلبك أحلى، ولصدرك أملى، والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة، وتحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها بقدر ما زينت وحسب ما زخرفت"٥، ولعل هذا ما جعل الجاحظ يقول من بعض الوجوه أن البلاغة في الألفاظ لا في المعاني٦؛ فقد بلغ الشعراء والأدباء من تصفية ألفاظهم.
стр. 89
وإحكام تحبيرها ما جعل الناقد العباسي يحس أن المعاني إذا سُبكت سبكًا جيدًا تتحول عن مقادير صورها، وتُرْبى على حقائق أقدارها.
والبحتري هو أبرع شاعر عباسي صور هذا الجانب وما بلغ الشعراء من إحسانه وتحبيره؛ فقد عرف بمهارة واسعة فيه، ويقول الباقلاني: "إنه كان يتتبع الألفاظ وينقدها نقدًا شديدا"١ ولا يزال يتتبعها وينقدها حتى يؤلف منها ألفاظًا عذبة جميلة يحس ابن الأثير إزاءها "كأنها نساء حسان عليهن غلائل مصبغات وقد تحلين بأصناف الحلي"٢ فألفاظه عليها رشاقة وأناقة، ولها صوت جميل كوسوسة الحليّ، بل قد يكون لها خشخشة الحصى؛ ولكنه حصى هذا النوع الذي يقول فيه بعض الشعراء.
يروع حَصاة حاليةَ العذارى ... فتلمس جانب العقد النَّظيم
وأما الجانب الثاني وهو "المشاكلة بين اللفظ والمعنى"، فقد كان الأدباء والنقاد وعلي رأسهم الجاحظ يتواصون به كثيرًا٣، وكان البحتري يستوفيه استيفاء غريبًا، حتى ليرتفع في بعض مقطوعاته إلى هذا الأفق الذي عرف به بعض الشعراء الغربيين من أمثال تنيسون وفرجيل. ويجد الباحث في كتاب: "أسس النقد" للامبورون بحثًا واسعًا في هذا الجانب إذ حلله تحليلًا دقيقًا؛ غير أنه تحليل خاص بموسيقى الشعر الانجليزي، وما تعتمد عليه من مقاطع وضغوط وحركات طويلة وقصيرة، ومن العسير أن نطبق ذلك على شعر البحتري، فإن الشعر العربي لا يعتمد كالشعر الانجليزي على المقاطع والضغوط والنبرات والحركات الطويلة والقصيرة، ومع ذلك نستطيع أن نلاحظ في وضوح أن البحتري كان يشاكل بين ألفاظه ومعانيه مشاكلة دقيقة، واقرأ له رثاءه للمتوكل إذ يقول:
مَحَلٌّ عَلَى القاطولِ أخلق داثرُهُ ... وعادت صروف الدهر جيشًا تُغاورُه٤
стр. 90
كَأَنَّ الصَبا توفي نُذوراً إِذا اِنبَرَت ... تُراوِحُهُ أَذيالَها وَتُباكِرُه١
وَرُبَّ زَمانٍ ناعِمٍ ثَمَّ عَهدُهُ ... تَرِقُّ حَواشيهِ وَيونَقُ خَصرُه
تَغَيَّرَ حُسنُ الجَعفَرِيِّ وَأُنسُهُ ... وَقُوِّضَ بادي الجَعفَرِيِّ وَحاضِرُه٣
تَحَمَّلَ عَنهُ ساكِنوهُ فُجاءَةً ... فَعادَت سَواءً ضورُهُ وَمَقابِرُه٤
فإنك تحس بالقوة والعنف في هذا الرثاء؛ إذ اختار البحتري ألفاظه من ذوات الحروف الضخمة أو من هذا النوع الذي كانوا يسمونه بالجزل؛ لأنه غاضب ثائر، وكأنه ينحت الألفاظ نحتًا ليعبر عن هذا الغضب وتلك الثورة التي أعلنها فيما بعد من القصيدة؛ إذ دعا إلى الانتقاض على من قتلوا المتوكل، وكان الخليفة الجديد هو الذي دبر هذه المؤامرة، وليس من شك في أن البحتري كتب هذه القطعة بمفتاح موسيقى محكم، فقد عبر بهذه الألفاظ الضخمة عن عاطفة الحزن الثائرة، حتى لكأن الألفاظ لها قعقعة السلاح ودوي الموقع التعسة الحزينة؛ ووفق في ربط القوافي بالهاء الساكنة، فجعل الصوت بعد انطلاقه على الكلمات والمقاطع ينخفض فجأة عند القافية، وكأنه لم تعد فيه بقية، ثم يعلو وينطلق في الاندفاع على البيت الثاني، وما يلبث أن ينخفض فجأة كرة أخرى، وهكذا لا يزال الصوت بين ارتفاع وانخفاض كأن الشاعر نائح، فهو يرتفع بالصوت، وما يلبث أن ينخفض به لشدة التأثر والتعب. وبذلك مثل البحتري زفرات الحزن تمثيلًا جيدًا، وندب المتوكل الخليفة المقتول على عرشه ندبًا خالدًا. واقرأ هذه الأبيات التي يقولها في وصف بركة.
تنصبُّ فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مُجريها
كأنما الفضَّة البيضاء سائلةً ... من السبائك تجري في مجاريها
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكًا ... مثل الجواشن مصقولًا حواشيها٥
стр. 91
فحاجب الشمس أحيانًا يضاحكها ... ورَيِّق الغيث أحيانًا يباكيه١
إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلًا حَسِبْتَ سماء رُكِّبَتْ فيها
فإنك تشعر أنه أودع هذه القطعة كل ما يمكن من حلية الصوت وزينته فالألفاظ تعبر بأنفسها عن معانيها، إذا عرف كيف يختارها وكيف يلائم بينها؛ حتى جعلنا نحسُّ هذه الحال منشدة اقتضائها لقوافيها. وهذا الجانب من جوانب إحكام القافية وقف عنده النقاد العباسيون كثيرًا، وألحوا على الشعراء أن تصير القوافي إلى قرارها بحيث تتصل بشكلها، وتأخذ حظها من الأماكن المقسومة لها٢، حتى ليقول شبيب بن شيبة إن حظَّ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة أرفع من حظ سائر البيت٣.
وقد أقبل الشعراء يرصدون قوافيهم، ويرشحون لها على صور وهيئات مختلفة، ولعل في هذا ما يلفتنا إلى أن الترشيح والإرصاد وغيرهما من ألوان البديع الصوتية التي ترتبط بقوافي الشعر إنما نشأت تابعة لهذه العناية التي كَلِفَ بها الشعراء، إذا كانوا يلائمون ملاءمة شديدة بين الألفاظ والغناء، ولا يزالون بشعرهم حتى يحيلوه أنغامًا وأرقامًا موسيقية.
وأيًّا كان البحتري كان يعرف كيف يلائم بين ألفاظه، وكيف يرشح لقوافيه، وكيف يهيئ لها مكانها، ويَصُفُّ الآذن للقائها، إذا كان شاعرًا ممتازًا في فن الصوت وإن استمر يستمده من القيثارة العتيقة، فيثارة الرعاة القدماء التي حكمها أصحاب الشعر الغنائي -كما رأينا- في كثير من صورها وجوانبها؛ ولكنه عرف كيف يستخرج من هذه القيثارة المحطمة أصواتًا جديدة معجبة، شأن الموسيقيين الممتازين. وكان يعرف في نفسه هذه الخاصة وكان تيَّاهًا بها مُدِلًا، حتى قالوا إنه كان إذا أنشد يتشادق ويتزاور في حركته مرة جانبًا ومرة القهقرى، ويهز رأسه مرة ومنكبه أخرى، ويشير بكمه، ويقف عند كل بيت، ويقول: أحسنت والله، ثم يقبل على المستمعين فيقول: ما لكم لا تقولون
стр. 92
لي أحسنت، هذا والله ما لا يحسن أحد يقول مثله، وربما صنع ذلك أمام الخلفاء فضج المتوكل من صنيعه ذات يوم وأقبل على الصَّيمريّ فقال: أما تستمع ما يقول يا صيمري وكان ينشده قصيدته:
عن أي ثغرٍ تبتسمْ ... وبأيّ طرف تحتكمْ
فقال: بلى يا سيدي مُرنِي فيه بما أحببت، فقال: بحياتي اهجُه على هذا الروي الذي أنشدنيه١.
ومهما يكن فإن البتحري استطاع أن يحول موسيقاه إلى ألحان وأرقام موسيقية خالصة واقرأ له هذه القطعة:
لي حَبيبٌ قَد لَجَّ في الهَجرِ جِدَّا ... وَأَعادَ الصُدودَ مِنهُ وَأَبدى
ذو فُنونٍ يُريكَ في كُلِّ يَومٍ ... خُلُقًا مِن جَفائِهِ مُستَجَدّا
يَتَأَبّى مَنعًا وَيُنعِمُ إِسعا ... فًا وَيَدنو وَصلاً وَيَبعُدُ صَدّا
أَغتَدي راضِيًا وَقَد بِتُّ غَضبا ... نَ وَأُمسي مَولَىً وَأُصبِحُ عَبدا
وَبِنَفسي أَفدي عَلى كُلِّ حّالٍ ... شادِنًا لَو يُمَسُّ بِالحُسنِ أَعدى٢
مَرَّ بي خالِيًا فَأَطمَعَ في الوَصـ ... ـلِ وَعَرَّضتُ بِالسَلامِ فَردّا
وَثَنى خَدَّهُ إِلَيَّ عَلى خَو ... فٍ فَقَبَّلتُ جُلَّنارًا وَوَردا٣
سَيِّدي أَنتَ ما تَعَرَّضتُ ظُلمًا ... فَأُجازى بِهِ وَما خُنتُ عَهدا
رِقَّ لي مِن مَدامِعٍ لَيسَ تَرقا ... وَإِرثِ لي مِن جَوانِحٍ لَيسَ تَهدى
أَتُراني مُستَبدِلاً بِكَ ما عِشـ ... ـتُ بَديلاً وَواجِدًا مِنكَ نِدّا
حاشَ لِلَّهِ أَنتَ أَفتَنُ أَلحا ... ظًا وَأَحسَنُ شَكلاً وَأَحسَنُ قَدّا
فقد كان صاحب الصناعتين يعجب بها إعجابًا شديدًا٤، وحقًّا إن البحتري استوفى فيها كل ما يمكن من وسائل التفوق في فن الصوت، فأنت تراه يبدأ
стр. 93
فيوفق بين الشطرين في المطلع، ويجعلهما مصرعين هذا التصريع الذي كان يعجب به أصحاب البيان، ولا يكتفي بذلك بل نره يلائم بين الحروف في الشطرين؛ فقد تكررت الجيم في الشطر الأول كما تكررت الدال في الشطر الثاني فأحدث ذلك توافقًا صوتيًّا بين الكلمات، وما تلبث أن تراه في البيت الثالث يوفق بين الألفاظ توفيقًا دقيقًا؛ إذ جاء بكلمة "يتأبى" كأنها مشدودة إلى كلمة "ينعم" بواسطة هذا الرباط المحكم "منعًا". وهنا نحسن ما يصنعه التوافق الصوتي بين الحروف والكلمات من صلة في العبارات، ولا يزال البحتري يطلب هذا "التوافق الصوتي" حتى يأتي في الشطر الثاني بكلمتين ثم أخريين على نسقهما وحركاتهما، واستطاع أن يصل إلى ذلك بهذا "الطباق الصوتي" بين "يدنو ويبعد وصلًا وصدًا" وإن هذا ليلفتنا إلى الطباق العباسي يمكن أن نعتبر بعض جوانبه أيضًا لونًا صوتيًّا يأتي به الشاعر من أجل الموسيقى، ومثل الطباق في ذلك هذا التقسيم الذي نراه في البيت والذي كان يُعْرَف به البحتري. والحق أن صاحبنا كان يعرف سر مهنته معرفة دقيقة، وانظر إليه في البيت الرابع كيف حقق لنفسه موسيقاه بما أحدث فيه من الوصل والقرابة بين كلماته؛ فكل كلمة تقبل على أختها، تقبل "أمسى" على "أصبح"، و"مولى" على "عبدًا"، كأن الكلمات من أسرة واحدة، وليست هذه الأسرة إلا أسرة "الطباق الصوتي" وما تستبعه من تقسيم. وانظر في البيت الخامس إلى الكلمتين: بنفسي أفدي، ألا تحس أنهما متشابكتان كأنهما عقدتا الخناصر. وانظر في البيت السابع إلى الجلنار والورد تَرَ البحتري يلائم بين ألفاظه ويشاكل بين كلماته حتى يستوعب هذا اللون الذي كان يعجب به أصحاب البديع والذي سُمي بعدُ مراعاة النظير.
وانظر إلى قوافي الأبيات كيف أُحْكم قرارها؛ فقد تتابعت منسقة تنسيقًا جيدًا وها هي "أبدا، صدا، عبدا، أعدى، فردا، وردا، عهدا، تهدا، ندا، قدا" فإنك تراها متحدة في عدد حروفها وحركاتها وسكناتها، وسَمَّى أصحاب البديع ذلك بعدُ بالتطريز، وهو وشي غريب، واستمع إلى هذا البيت:
رِقَّ لي من مدامع ليس تَرْقَا ... وارث لي من جوانج ليس تهدا
стр. 94
فقد أقام الكلمات في الشطرين على صفين متقابلين وكأن كل كلمة في الشطر الأول تطلب قرينها في الشطر الثاني، وحاول ذلك ثانية في البيت الأخير:
حاشَ لله أنت أفتن ألحا ... ظًا وأحلى شكلًا وأحسن قَدَّا
ولكنه لم يبلغ من ذلك ما بلغه في البيت السابق، وهو وجه من وجوه التوافق الصوتي ويسميه أصحاب البديع باسم المماثلة. ومن يقرأ في شعر البحتري يجد أمثلة كثيرة للجوانب الموسيقية الأخرى التي ضبطها أصحاب البديع، من مثل التصدير والترصيع وغير ذلك مما يتصل بالصوت وتنظيمه تنظيمًا موسيقيًّا خاصًّا.
ونحن لا نتصفح ديوان البحتري حتى نحس إحساسًا عميقًا بأن موسيقى الشعر العربي أصيبت بترف صوتي شديد؛ إذ استطاعت أن تنهض بقم فنية لم يكن يحلم بها الشعراء القدماء، شعراء البادية، والحق أن البحتري استطاع أن يستخرج من القيثارة القديمة للشعر كل ما يمكن من مهارة فنية للصوت والموسيقى، واقرأ له قصيدته السينية التي يصف فيها إيوان كسرى؛ فإنك ستُرَاعُ حين تراه لا يكتفي بالتوافق الصوتي بين بعض الكلمات أو بعض الحروف في بعض الأبيات؛ بل هو يعمم هذا التوافق في القصيدة كلها، واستمع إليه يستهلها بقوله:
صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي ... وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ١
وتماسكتُ حين زعزعني الدَّهـ ... ـرُ التماسًا منه لتعسي ونَكْسِي٢
بُلَغٌ من صبابة العيش عندي ... طَفَّفَتَها الأيامُ تطفيفَ بخسِ٣
وبعيدًا ما بَيْنَ واردِ رَفْهٍ ... عَلَلٍ شُرْبُهُ وواردِ خِمْسِ٤
стр. 95
وقديمًا عهدتُني ذا هنَاتٍ ... آبياتٍ على الدنيَّاتِ شُمْسِ١
ولقد رابني نُبُوٌّ ابن عَمِّي ... بَعْدَ لينٍ من جانبيه وأُنْسِ٢
وإذا ما جُفِيتُ كنتُ حريًّا ... أن أرى غير مصبح حيث أمسي
حضرتْ رحلى الهموم فوجَّهْـ ... ـتُ إلى أبيضِ المدائن عَنْسِي٣
أَتَسلّى عن الحظوظ وآسَى ... لمحلّ من آل ساسان دَرْسِ٤
ذكَّرتنيهم الخطوبُ التوالي ... ولقد تُذكر الخطوب وتُنْسي
وهم خافضون في ظلّ عالٍ ... مشرفٍ يحسر العيون ويخسي٥
حِلَلٌ لم تكن كأطلال سُعْدَى ... في قفارٍ من البَسابس مُلْسِ٦
ومساعٍ لولا المحاباة منِّي ... لم تطقها مسعاةُ عَنْسٍ وعَبْسِ٧
فإنك لا شك وعيت ما في هذا الصوت من جمال وزينة، وإذا أخذت تحقق مرجع هذا الجمال ومرد هذه الزينة وجدتهما جميعًا يعودان إلى توافقات موسيقية. وركز البحتري هذه التوافقات في القافية؛ إذ اختار لنفسه قافية ثلاثية في القصيدة كلها حتى يطرزها بهذا التنميق والوشي البالغ. والإنسان لا يتابع البحتري في هذه القصيدة حتى يشعر في وضوح بأنه يسمع الصوت من جهة ويبصره من جهة أخرى؛ فهو مجسم في شكل رائع. وقد وصل صاحبنا إلى هذا التجسيم لا عن طريق القافية وحدها؛ بل عن طريق
стр. 96
التوفيق في الملاءمة بينها أو بعبارة أدق بين الحرف الأخير منها وهو السين، وبين الكلمات الأخرى في أبيات القصيدة كلها؛ فكثير منها تكثر فيه السين، وأعد النظر في الأبيات السابقة وخاصة الأول منها والثاني والتاسع والثاني عشر والثالث عشر فإنك تراه يعرف كيف يأتي بكلمات من ذوات السين كي يلائم بينها وبين القافية؛ حتى ليشعر الإنسان كأن الكلمات تريد أن تتجاذب فبينهما صلة شديدة من الموسيقى. ولم يكتفِ البحتري بالإكثار من حرف السين في القصيدة، بل جنح إلى فكرة ربما كانت أكثر تعقيدًا من سابقتها، وهي فكرة الإكثار من حركات الكسر في الكلمات، وبذلك أوجد مجانسة واسعة بينها وبين القافية، كأن يقول في الأبيات السابقة.
وقديمًا عهدتني ذا هنَاتٍ ... آبياتٍ على الدنيَّات شُمْسِ
وواضح ما في هذا البيت من تقطيعات صوتية داخلية؛ ولكن الذي يهمنا الآن وما نلفت إليه هو أنه عمد إلى الكسرة فعممها في كثير من الكلمات؛ بحيث لا يصل الإنسان إلى القافية إلا ويحس بأن الكلمات تتجاذب تجاذبًا شديدًا، ولعل ذلك هو السبب في أنه أكثر في تلك القصيدة من صنع قوافي داخلية قبل القافية الخارجية على نمط ما نرى في قوله:
وتماسكتُ حين زعزعني الدهـ ... ـر التماسًا منه لتَعْسِي ونَكْسِي
وأكثرَ من هذه القوافي الداخلية في القصيدة لتتم له تقطيعات صوتية يستطيع بها أن يرتفع هذا الارتفاع الفني الذي جعل القدماء يقولون إن شعر البحتري به صناعة خفية، وليست هذه الصناعة الخفية إلا ما نصفه الآن من هذه المهارة الفائقة في استخدام فن الصوت في الشعر ومعرفة قيمه والاحتكام إليها في صناعته. ويتصل بهذه القوافي الداخلية ما نراه في "سينيته" من تقطيعات في الكلمات كأن يقول:
وإذا ما جُفِيتُ كنت حريًّا ... أن أُرَى غَيْرَ مُصْبحٍ حيث أمسى
فإنك تراه يوازن بين الكلمتين "غير مصبح" و"حيث أمسى" موازنة دقيقة فهو
стр. 97
يخرجهما متجاذبتين ولكن لا بواسطة السينات ولا بواسطة الكسرات وإنما بواسطة التجانس الصوتي فيها؛ فقد سبقت الأولى بغير والثانية بحيث، وهما متوافقتان في عدد الحروف والحركات والسكنات، ونفس الكلمتين مصبح وأمسى بينهما اتفاق في الموسيقى إذ هما يبدآن بضمة ثم سكون فكسر. ومن هذا النمط قوله:
وهُمُ خافضون في ظلّ عالٍ ... مُشْرِفٍ يُحْسِرُ العيون ويُخْسِي
فإنك تراه هنا يلائم ملاءمة أوضح من حيث التوافق الصوتي إذا عبَّر قبل يخسي بكلمة يحسر، وكأنه أراد أن يتقدمها برائد بديع من جنسها. والحق أن البحتري فكر طويلًا في الحركات والسكنات والحروف والكلمات في أثناء صناعته لتلك القصيدة. ولعل ذلك هو الذي جعله يصل إلى ملاءمة أخرى بين القافية وكلمات البيت؛ ولكن لا من حيث السينات أو الكسرات أو التقطيعات الصوتية؛ وإنما من حيث عدد الحروف، إذ يلاحظ من يتتبعه في هذه القصيدة أنه عني بالكلمات الثلاثية في صناعتها عناية وفرت كثيرًا من القيم الصوتية، كأنه يقول:
وبعيدٌ من بين واردِ رَفْهٍ ... علل شبه ووارد خمس
فإنك تحس في هذا البيت جمال الكسرات، وتحس شيئًا آخر وهو نوع من التوافق الصوتي بين آخر الشطر الأول وبين القافية، إذا اتحد معها في عدد الحروف والحركات والسكنات، وهو حقًّا لم يتحد في الحرف الأخير معها، فإن ذلك يخصصه الشعراء بمطالع قصائدهم إذ يصرِّعونها على نحو ما نرى في القصيدة نفسها؛ فالشطر الأول كأنه مسجوع مع الشطر الثاني، وما في هذا البيت الذي نحن بصدده ليس تصريعًا، ومع ذلك فهو ضرب دقيق من التوافق الصوتي، عممه البحتري في كثير من أبيات القصيدة على نحو ما نرى في الأبيات الثالث والسادس والثالث عشر من القطعة السابقة. ومن ينكر أن كلمة علل تلاءمت مع أخواتها في البيت بواسطة هذه الثلاثية المشتركة بينها وبين القافية؟ أرأيت إلى
стр. 98
أي حد استطاع البحتري أن يوفر كثيرًا من القيم الصوتية في القصيدة بطريقة قد تكون معقدة ولكنها في غاية الدقة؟ إذ أمكنه بملاءمات بين القافية وعدد حروفها ورويها وحركة رويّها وبين كلمات البيت أن ينهض بموسيقى بديعة. وهذه الملاءمة يوزعها البحتري على قصائده الأخرى في ديوانه؛ ولكنه لا يركزها في قصيدة كما ركزها في تلك القصيدة السينية فقد جمع لها كل ما يستطيعه من مهارة في استخدام فن الصوت وما وقف عليه من أسرار.
وما من شك في أن ذلك كله نشأ عند البحتري متأثرًا بموسيقى الشعر الغنائي إذ كانت هذه الموسيقى تعتمد عليها في أصواتها وأرقامها؛ وكانت هي وما ترتبط به من غناء تعين عليه، وتدعو إلى العناية به والتجديد فيه.
стр. 99
الفصل الثالث: الصنعة والتصنيع
الشعر في القرنين الثاني والثالث وعلاقاته الجديدة
...
الفصل الثالث: الصنع والتصنيع
لِلَهِ ما راحَ في جَوانِحِهِ ... مِن لُؤلُؤٍ لا يُنامُ عَن طَلَبِه
يَخرُجنَ مِن فيهِ لِلنَديِّ كَما ... يَخرُجُ ضَوءُ السِراجِ مِن لَهَبِه
بشار
١- الشعر في القرنين الثاني والثالث وعلاقاته الجديدة:
لا نكاد نمضي في القرن الثاني للهجرة حتى يقوم على صناعة الشعر أمشاجٌ من العرب والموالي الذين كانوا يعيشون في المراكز العقلية الكبرى وخاصة البصرة والكوفة؛ فكان طبيعيًّا أن تتطور صورته وأن تختلف عن صور الشعر القديم الذي كان يستمد من علاقات البادية وصلاتها الحسية والمعنوية، لسبب بسيط، وهو أن من ينظمونه يحيون في المدن، وتؤثِّر فيهم علاقات وصلات جديدة، بعضها سياسي، وبعضها حضري واجتماعي، وبعضها عقلي وثقافي، ونحن نسوق طائفة من هذه العلاقات والصلات الجديدة.
الدعوة العباسية:
أخذت هذه الدعوة في الظهور منذ أوصى أبو هاشم بن محمد بن الحنفية بالإمامة من بعده إلى محمد بن على بن عبد الله بن العباس؛ فتحولت إليه الفرقة المعروفة في تاريخ الشيعة باسم الكيسانية التي كانت تدين بإمامة ابن الحنفية، كما تحولت إليه فرقة أبي هاشم نفسه المسماة بالهاشمية، وأخذ على رأس المائة يدير من موطنه في الحميمة دعوة سرية للقضاء على بني أمية، وأرسل دعاته
стр. 100
في الآفاق وخاصة في الكوفة وخراسان، وما زال يوالي الدعوة، حتى توفِّي، فخلفه وصيُّه وابنه إبراهيم، ولما طلبه الأمويون وأيقن بالهلاك أوصى لأخيه أبي العباس السفاح، وبعد مغامرات ومخاطرات جَمَّة استطاعت الجيوش الخراسانية بقيادة قحطبة وابنه الحسن القضاء على الدولة الأموية، واتخذ السفاح الهاشمية بالقرب من الكوفة حاضرة له. ولم تطل مدته فخلفه أبو جعفر المنصور، ويُعَدُّ المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، وقد ثار عليه عمه عبد الله؛ فقضى على ثورته أبو مسلم الخراساني ولم يلبث هو أن قضى على أبي مسلم إذ استدرجه إلى "المدائن" وقتله. وفي هذه الأثناء كان العلويون يرون العباسيين اغتصبوا دولتهم؛ إذ كانوا يظنون أن الخراسانيين يعملون من أجلهم وأن العباسيين صرفوهم عنهم بخبثهم ومكرهم، فثاروا أولًا في الحجاز بقيادة محمد بن عبد الله بن الحسن ثم ثاروا في البصرة بقيادة أخيه إبراهيم، واستطاع المنصور أن يقضي على الثورتين، جميعًا، ولما تم له الظفر بأعدائه فكر في أن يبتعد عن الكوفة مستقر الشيعة والعلويين؛ فاختار قرية صغيرة على الضفة اليسرى من دجلة تسمى "بغداد" لتكون حاضرة دولته وأقام فيها قصورًا لنفسه وحاشيته، كما أقام فيها دواوين دولته، واجتذب إليها التجار والعلماء. وبنى لجيشه معسكرًا على الضفة اليمنى، وأطلق عليها اسم دار السلام؛ ولكن اسمها القديم هو الذي ذاع وشاع.
وعلي هذا النحو استقر العباسيون في بغداد، ولم تقم للشيعة قائمة بعد المنصور. وكذلك الشأن في الخوارج فإن حروب الأمويين طحنتهم، ولم نعد نسمع بثوراتهم في العراق إلا مشاغبات ضئيلة، سرعان ما تخمد، وانتقلوا بنشاطهم إلى بلاد المغرب حيث لا تزال لهم بقايا هناك إلى اليوم. وقد يكون السبب في ذلك أن العرب خوارجَ وغير خوارج في هذا العصر دحرتهم الجيوش الخراسانية فعادت فلولهم إلى الصحراء، ولم تعد الدولة العباسية تشهد في العراق معارضة سياسية على نحو ما كان الأمر في عصر بني أمية. وليس معنى ذلك أن الشيعة عدموا من يتشيع لهم من الشعراء. فقد كان هناك من يتشيعون لهم، غير أن كثيرين من شيعتهم لم يجدوا بأسًا في أن ينضووا تحت لواء العباسيين، فقد رجع الحق بهم إلى أهله
стр. 101
وورثته الشرعيين، وخير من يمثل ذلك السيد الحميري؛ فقد كان من غلاة الشيعة، وكان يجهر بتأييد العباسيين، ومدح السفاح حين دخل الكوفة فقال١:
دونكموها يا بني هاشم ... فجددوا من عهدها الدَّارِسا
دونكموها فالبسوا تاجها ... لا تعدموا منكم له لابِسَا
وظلَّ يحطب في حبل الخلفاء العباسيين، وظلوا يقربونه ويُجزلون له في العطاء وهو لا ينسى عليًّا وفضائله مؤمنًا برجعة إمامه محمد بن الحنفية، ومن مستحسن شعره في آل الرسول صلوات الله عليه٢:
أتى حسنًا والحسينَ الرسولُ ... وقد برزا ضحوة يلعبانِ
وضمهما ثم فدَّاهما ... وكان لديه بذاك المكان
وطأطأ تحتهما عاتِقَيْه ... فنعم المطيَّةُ والراكبان
ونلتقي في القرن الثاني بكثير من هؤلاء المتشيعين الذين يسرفون في مديح العباسيين مثل منصور النَّمري، وكان يكثر من رثاء العلويين وبكائهم، ومن جيد ما قاله فيهم٣:
آلُ الرسول ومن يحبُّهم ... يتطامنون مخافة القَتْل
أَمِنَ النصارى واليهود وهم ... من أُمَّة التوحيد في أزلِ٤
ولعل أهم شاعر أعلن عقيدته الشيعية وعاش يناضل في سبيلها هو دعبل الخزاعي، وكان يتأسى بالنمري في بكاء آل البيت ورثائهم، وامتاز بأنه كان يضيف إلى ذلك هجاء لاذعًا في العباسيين، وكأنه نظر إلى بيتي النمري السابقين حين قال٥:
أرى أمية معذورين إن قَتَلوا ... ولا أرى لبني العباس من عُذرِ
قَتْلٌ وَأَسْرٌ وتحريقٌ ومنهبةٌ ... فعلَ الغزاة بأرض الروم والْخَزَرِ
стр. 102
وهو صاحب القصيدة التائية المشهورة١:
مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ ... ومنزل وحْيٍ مقفر العَرَصَاتِ
ويقول ابن المعتز: إنها أشهر من الشمس.
وكان هؤلاء الشعراء المتشيعون يعدون شذوذًا في تلك الحقب التي استقر فيها الأمر لبني العباس. ولعلهم من أجل ذلك كانوا يداجونهم ويمدحونهم حتى دعبل فإنه كان يكثر من مديح المأمون. وكان الشعراء عامة من حوله ومن قبله وبعده يُضفون عليهم مدائحهم، ووقف كثيرون منهم يدافعون عن حقهم في الخلافة أمام العلويين، وأنهم ورثتها الشرعيون بحكم مانزل به الوحي الكريم في مثل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وما جاء في فريضة الميراث من تقديم العم على أبناء البنات، ولعل أحدًا لم يبلغ من ذلك ما بلغه مروان بن أبي حفصة في مثل قوله للمهدي:
يا ابنَ الذي وَرِثَ النبيَّ محمدًا ... دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحي بين بني البنات وبينكم ... قَطع الخصام فلات حين خصام
فارضوا بما قسم الإله لكم به ... ودعوا وراثة كلِّ أَصْيَد حَام٢
أنَّى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثةُ الأعمامِ
فالعباسيون لا العلويون هم أصحاب الحق في ولاية المسلمين، وهو حق إلهي نص عليه القرآن الكريم. وكم من شاعر صور هذا الحق مضيفًا على العباسيين سيرة تقية عادلة؛ فهم ظل الله في أرضه يحكمون الناس بتفويضه وإرادته.
الشعوبية
خسر العرب بسقوط الدولة الأموية سيادتهم المطلقة التي كانت لهم في هذه الدولة؛ إذ كان السلطان عربيًّا خالصًا، ولم يعد لهم ولا لجزيرتهم أي شأن مهم في السياسية، فقد غلب الفرس على الدولة وأصبحوا هم السادة وأصحاب النفوذ في
стр. 103
البلاط العباسي، ومن المحقق أن الثور العباسية لم تكن ثورة على العروبة من حيث هي عروبة؛ وإنما كانت ثورة على الأسرة العربية الحاكمة التي لم تكن تعترف بمبدأ المساواة بين جميع المسلمين عربًا وغير عرب في الحقوق، خارجةً بذلك على نظرية الإسلام التي تنص على هدم العصبية القبلية والجنسية في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ و ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقول رسوله الكريم ﷺ في خطبة حجة الوداع: "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" وقوله: "المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ". وكان عليٌّ وسابقوه من الخلفاء الراشدين يأخذون بهذه النظرية المثالية، فلما انتهت مقاليد الحكم إلى بني أمية أخذ كثير من العرب يشعرون بالتفوق على الأعاجم الذين غلبوهم. وتملكهم الإحساس بالسيادة، فنظروا إلى غيرهم من الأمم نظرة السيد إلى المسود، وتبلور هذا الإحساس في الدولة وحكامها فلم يسووا بين الموالي المسلمين والعرب في الخراج وأرهقوهم بالضرائب، سوى ما كان من عمر بن عبد العزيز؛ إلا أن قصر عهده لم يتح الفرصة كاملة ليقف الموالي مع العرب على قدم المساواة، وسرعان ما أُسْدلت على سياسته الرشيدة ستور النسيان.
وأخذت هذه المشكلة المساواة بين الموالي المسلمين والعرب تتبلور في سرعة، ومن غير شك كانت أهم سبب في اعتناقهم للتشيع، فإن عليًّا حين اتخذ الكوفة حاضرة لخلافته كان يسوِّى بينهم وبين العرب في الحقوق، فلما قُتل وأخذ الأمويون يقسون عليهم في المعاملة كانوا يذكرون أيامه ويبكون عهده ويتمنون أن لو رُدَّ الحكم إلى أحد أبنائه، لعله يعيد الأمر إلى نصابه، حتى إذا نظم العباسيون الدعوة لهم في خراسان انضموا إليها أفرادًا وجماعات، وكونوا هذا الجيش الضخم الذي قضى قضاءً مبرمًا على الدولة الأموية وجيوشها العربية. ومعنى ذلك أن الثورة العباسية الأعجمية لم تكن ثورة على العروبة من حيث هي، وإنما كانت ثورة من أجل تطبيق نظرية الإسلام في المساواة بين العرب والموالي؛ غير أن الظروف أدت إلى أن يكون الفرس في جانب العرب وفي جانب
стр. 104
وأن تعلو كفة الفرس وأن يشعروا شعورًا قويًّا بقوميتهم؛ إذ أصبح النفوذ في أغلبه لهم، واستطاعت أسرة من أسرهم، وهي أسرة البرامكة أن تحتفظ بالوزارة أعوامًا طويلة من القرن الثاني، وكان لها أثر عظيم في حياة الجماعة، إذا عملت على إشاعة التقاليد الفارسية في الحكم، وشجعت على نقل آداب قومهم إلى العربية. وخلفهم بنو سهل في عهد المأمون، وهم فرس أيضًا، ويمضي العصر العباسي إلى خلافة المعتصم فارسيًّا، حتى يُخرج هذا الخليفة أمر الجيش من أيدي الفرس؛ فجلب له جنودًا من الترك ويبني لهم سامرَّا "سُرَّ مَنْ رَأَى". على أن العنصر العربي ظل ممثلًا بقوة، في الخلفاء العباسيين وفي الدين الإسلامي واللغة العربية وفي بعض الأفراد من الوزراء والولاة والقواد أمثال يزيد بن حاتم المهلبي ومعن بن زائدة ويزيد بن مزيد وحُمَيد الطوسي وأبو دُلَف العجلي؛ ولكن مما لا شك فيه أن الأعاجم كانوا متفوقين طوال العصر العباسي الأول، فوقفوا من العرب نفس الموقف الذي كانوا يقفونه منهم في عصر بني أمية.
وهنا نجد مشكلة المساواة بين الموالي والعرب تثار في نطاق واسع تحت اسم الشعوبية، وكان واضحًا أن الموالي يسبقون العرب في العلم، إذ كان منهم أكثر العلماء لا في العصر العباسي وحده، بل منذ العصر الأموي، وطبعًا كانوا يسقونهم في الزراعة والحرف المختلفة، وهم اليوم يسبقونهم في السياسة، وأخذت الدولة تفيد فائدة واسعة من النظم الساسانية القديمة، كما أخذت تنظم ترجمة الثقافات الأجنبية. وأصبحت كثرة الأدباء كتّابًا وشعراء من الموالي وخاصة الفرس؛ إذ كان ابن المقفع أكبر كتّاب عصره فارسيًّا، وكذلك كان بشار بن برد زعيم المجددين في الشعر. كذلك هَيَّأ لفتح هذا الباب الكبير: باب الشعوبية، وواضح من اسمها أنها تبحث في فضائل الشعوب وأيها يتقدم غيره من الأمم، وقد تحولوا بها من المساواة التي كانوا يريدونها بينهم وبين العرب إلى إثبات أنهم فوقهم وأفضل منهم، وانبرى لذلك جماعة من علمائهم جعلوا همهم الحط من شأن العرب في جاهليتهم بما كانوا فيه من البداوة والفظاظة ولبعدهم عن أسباب المدنية والحضارة، ووضعوا كثيرًا من الكتب في
стр. 105
مثالبهم، يذكرون فيها مثالب القبائل قبيلة قبيلة، واشتهر بالكتابة في هذه المثالب أبو عبيدة وعَلَّان الشعوبي والهيثم بن عديّ، وتعرضوا لفضائلهم ينقضونها على نحو ما نقض سهل بن هارون فضيلة الكرم في رسالته التي رواها الجاحظ في فاتحة بخلائه، ووضعوا عليهم كثيرًا من القصص وأنطقوهم أشعارًا لم ينظموها، وتعرضوا لأدواتهم وأسلحتهم في القتال ولما كانوا يأخذون به أنفسهم في الخطابة من الاعتماد على العصيّ والقسيّ. وَرَدّ عليهم الجاحظ في البيان والتبيين١ وابن قتيبة٢ وغيرهما ردًّا مفحمًا. وكانت هذه الدعوة من غير شك سيئة لأنها تدعو إلى تفريق الجماعة الإسلامية وتثير الأحقاد والضغائن بين شعوبها؛ غير أن ثورة الفرس -فيما يظهر- كانت جامحة، وكان يمدها من اعتلوا منهم المناصب الكبرى في الدولة وخاصة البرامكة، فانقلبت تلك الدعوة إلى ما يشبه ثورة على العرب، وأُغْرِي شعراؤهم بإعلانها؛ فإذا بنا نجد بشارًا الذي كان يفخر في عصر بني أمية بمواليه القيسيين في مثل قوله:
أمنتُ مضرة الفحشاء أني ... أرى قَيْسًا تضرُّ ولا تُضَارُ
كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القِطَارُ٤
وقوله٥:
إنني من بني عُقَيل بن كعب ... موضَع السيف من طُلَى الأعناق٦
يتغيَّر على العرب وكأنما يشعر أن الحياة واتته وأنها استقامت على هواه؛ فيتبرأ من ولائهم ويرده عليهم، فولاؤه لربه يقول٧:
أصبحت مَوْلَى ذي الجلال وبعضهم ... مولى العُرَيب فخذ بفضلك فافْخَرِ
стр. 106
مولاك أكرم من تميم كلها ... أهل الفعال١ ومن قريش الْمَشْعَرِ
فارجع إلى مولاك غير مدافع ... سبحان مولاك الأجلِّ الأكبر
ويفخر بقومه فخرًا عنيفًا، ويحاول الغض من العرب بكل ما وسعه، ومما يصور عنف ذلك عنده قصيدته٢:
هل من رسول مخبر ... عني جميع العرب
بأنني ذو حسب ... عالي على ذي حسب
جدي الذي أسمو به ... كسرى، وساسان أبي
وقيصر خالي إذا ... عددت يومًا نسبي
ومضى يتحدث عن أجداده من الفرس وأخواله من الروم وأنهم كانوا ملوكًا متوجين يتحلون بالجواهر ويلبسون الفراء الثمينة، وذكروا ما كانوا يضربونه حولهم من الحجابة، وكيف كان الوصفاء يسعون بين أيديهم بصحاف الذهب وأوانيه. وافتخر بأن الدولة العباسية قامت على حرابهم، وعدَّد كثيرًا من مظاهر الخشونة عند العرب، وهي شعوبية جامحة دفعته دفعًا إلى أن يهجو العرب بقصيدة أخرى أكثر مرارة٣. ويُرْوَى أنه دخل على المهدي وقد عرف ثورته على العرب وشعوبيته فقال له: فيمن تعتد يا بشار؟ فرد عليه: أما اللسان والزي فعربيان وأما الأصل فعجمي كما قلت في شعري يا أمير المؤمنين:
ونبئت قومًا بهم جِنَّةٌ ... يقولون من ذا وكنت العَلَم
ألا أيها السائلي جاهدًا ... ليعرفني أنا أنف الكرم
نمتْ في الكرام بنو عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم
وسأله المهدي: فمن أي العجم أصلك؟ فقال: من أكثرها في الفرسان، وأشدها على الأقران، أهل طخارستان٤. ولا يغضب المهدي ولا يثور على
стр. 107
نحو ما غضب وثار هشام بن عبد الملك في العصر الأموي حين افتخر إسماعيل بن يسار النسائي في بعض مديحه له بآبائه الفرس١. ولم يكن إسماعيل يقصد إلى شعوبية ثائرة على العرب على نحو ما كان يقصد بشار. ومعنى ذلك أن تحولًا واضحًا حدث في الحياة، حتى أصبح الخلفاء يغضبون على هذه الشعوبية، وما يُطْوَى فيها من عصبية جنسية، وكان من أهم الأسباب في هذا الإغضاء أن العجم هم الذين دفعوهم إلى منصة الحكم.
وإذا تركنا بشارًا إلى الجيل التالي المعاصر للبرامكة في زمان الرشيد وجدنا هذه الشعوبية تشتد، إذ ازداد تأثر الشعراء بالحضارة الفارسية المادية، ودفعهم ذلك إلى التمرد على التقاليد العربية والإسلامية، فخرجوا على عادات العرب الاجتماعية ونُظم الإسلام وقوانينه، ولعل أبا نواس خير من يمثل هذا الجيل، وأغلب الظن أن ثورته لم تكن ثورة جنسية؛ بل كانت ثورة حضارية من نوع خاص، ثورة الحضارة الفارسية وكل ما اتصل بها من خمر ومجون على العرب وحياتهم الإسلامية، وهو يثور في ضجيج وعجيج وصياح وهجوم حتى على الشعر وتقاليده، على نحو ما نرى في قوله٢:
قل لمن يبكي على رَسْم دَرَس ... واقفًا ما ضرَّ لو كان جلسْ
تصف الرَّبع ومن كان به ... مثل سَلْمَى ولُبَيْنَى وخَنَسْ
اترك الربع وسلمى جانبًا ... واصطبح كَرْخِيَّة٣ مثل القَبَسْ
وقوله٤:
عاج الشقي على رسم يسائله ... وعجت أسأل عن خمارة البلد٥
يبكي على طلل الماضين من أسد ... لا دَرَّ دَرُّك قل لي من بنو أسد؟
ومن تميم ومن قيس ولَفُّهما؟ ... ليس الأعاريب عند الله من أحد
стр. 108
ولم تقف الشعوبية عند ذلك فقد كان الشعراء من العجم يتعصبون للوزراء منهم حين يَلون الحكم، وكان هؤلاء يغدقون عليهم في العطاء، كما كانوا يغدقون على الشعراء من العرب حين يمدحونهم، وقلما وجد في عصر الرشيد شاعر لم يمدح البرامكة، وتنبه زعماء العرب للفكرة؛ فكانوا يجزلون للشعراء في عطاياهم، ومدائح مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة مشهورة، وكذلك مدائح على بن جبلة في أبي دُلَف العجلي وحميد الطوسي. وقد جذبوا بنوالهم كثيرين من شعراء الفرس، ومدائح مسلم بن الوليد في يزيد بن مَزْيد تدور على كل لسان. وقلْ ذلك نفسه في الخلفاء، فقد كان بأيديهم خزائن الدولة، فملئوا منها حجور الشعراء، وكان ذلك باعثًا في تجويد الشعراء لمدائحهم ومراثيهم حتى أتوا فيها بالعجب العجاب.
اللهو والمجون
لعل مجتمعًا عربيًّا لم يعرف اللهو والمجون كما عرفها المجتمع العباسي في القرنين الثاني والثالث، فقد غرق الناس في الكوفة والبصرة وبغداد إلى آذانهم في الحضارة الفارسية المادية وما يُطْوَى فيها من غناء وخمر. وحقًّا بدأت طلائع ذلك في أواخر العصر الأموي حين ظهر الوليد بن يزيد وحين أخذت الكوفة تسرف على نفسها في اللهو وما يتبعه؛ لكن ذلك لا يقاس في شيء إلى ما كان في العصر العباسي الذي شعر فيه الفرس بحريتهم، حتى لتأخذ شكل ثورة عاصفة على جميع التقاليد العربية. ومضى أبناء هذه الثورة يعبُّون من كئوس اللهو والخمر حتى الثمالة، وانتشرت دورهما في كل مكان، ولم تكن تزخر بالخمر والغناء وحدهما، بل كانت تزخر أيضًا بالقيان والغلمان.
وساعد في اتساع هذه الموجة شيئان: ظهور مذاهب شاكّة بلبلت الأفكار وعلى رأسها مذاهب الزنادقة والدهريين، ثم انتشار دور القيان، التي كانت تعرضهن
للبيع، وكانت تثقفهن وتؤدبهن وتعلمهن الغناء، ومر بنا في الفصل السابق تفصيل الحديث عن هذه الحركة وأثرها في الشعر ومعانيه وأوزانه. وهي لم تقف
стр. 109
عند ذلك فإن أصحاب هذه الدور كانوا يتخذونهم لتسلية روادها وابتزاز أموالهم؛ فكانت مألفًا للشعراء يختلفون إليها، وكانوا ينظمون فيهن أشعارهم، وهن يغنينهم فيها؛ بينما هم يشربون ويقصفون، ومن غير شك كنَّ من أهم الأسباب في إذاعة الشعر العباسي الحديث عند مطيع بن إياس وبشار وأبي نواس وأضرابهم، إذ كنَّ يحملنه معهم حين يُبَعْنَ، فيدخلنَ به في دار الخلافة ودور الأشراف، كما ينقلنه إلى الأمصار الإسلامية اللائي يرحلن إليها.
ويصور كتاب الأغاني هذ الجانب العابث من الحياة العباسية، جانب القيان وغنائهم والأغاني التي تغنوا بها وأخبارهن مع الشعراء الذين كانوا يختلفون إلى دورهن وما نشأ بينهم وبين هؤلاء القيان أو الجواري من حب، صوروه تصويرًا طريفًا في أشعار كنَّ يتغنين بها، وذاعت في كل مكان. وقلما يلمع شاعر إلا وله جارية أو جوارٍ يُذعن شعره، فلمطيع بن إياس جواريه، ولبشار جواريه الأخرى، واشتهر غير شاعر بجارية وقف عليها شعره، اشتهر أبو نواس بجنان، واشتهر أبو العتاهية بعُتْبَة والعباس بن الأحنف بفوز ومحمود الوراق بِسَكن وسعيد بن حميد بفضل. وكان مسلم بن الوليد يلقب بصريع الغواني.
وطبيعي أن تكون حياة هؤلاء القيان والجواري حياة ماجنة، ليس فيها طهر إلا شذوذًا، وصور الجاحظ العلة في ذلك، فقال: "كيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة؛ وإنما تكتسب الأهواء وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي إنما تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها فيما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث ... وبين الخلعاء والمجان ومن لا يسمع منه كلمة جِدّ، ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ولا صيانة ولا مروءة، وتَروي الحاذقة منهم أربعة آلاف صوت "أغنية" فصاعدًا، يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، وعدد ما يدخل في ذلك من الشعر، إذا ضُرب بعضه ببعض، عشرة آلاف بيت، ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة، ولا ترهيب من عقاب ولا ترغيب في ثواب، وإنما بنيت كلها على ذِكْر العشق والصبوة والشوق والغُلمة، ثم
стр. 110
لا تنفك من الدراسة لصنعتها منكبَّة عليها تأخذ من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش١.." وهؤلاء الجواري كن يختلفن ما بين عَوَّادة وزامرة وصناجة ورقاصة وطنبورية ودفاقة. وكانت كثيرات منهن يحسنَّ الشعر كما يحسن الغناء. يقول أبو الفرج في دنانير جارية البرامكة: "كانت من أحسن الناس وجهًا وأظرفهم وأكملهم وأحسنهم أدبًا وأكثرهم رواية للغناء والشعر٢" ويقول في متيَّم: "كانت صفرء مولدة من مولدات البصرة، وبها نشأت وتأدبت وغنت، وأخذت عن إسحاق الموصلي وعن أبيه من قبله، وكانت من أحسن الناس وجهًا وغناء وأدبًا، وكانت تقول الشعر ليس مما يستجاد؛ ولكنه يستحسن من مثلها٣" ويقول في عَربب: "كانت مغنية محسنة وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخطّ والمذهب في الكلام ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة وجودة الضرب واتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار والرواية للشعر والأدب٤". وكن يستخدمن معرفتهن بالشعر في اجتذاب الرجال إليهن بوسائل مختلفة؛ إذ كن يكتبن أبياتًا مثيرة على عصائبهن ومشادّ الطُّرَرِ والذوائب وعلى المناديل والوسائد والأسرة أو يكتبنها بالحناء على الأقدام٥، ويروي بعض العباسيين أنه رأى عريب وعليها قميص موشح بالذهب مكتوب في وشاحة:
وإني لأهواه مسيئًا ومحسنًا ... وأقضي على قلبي له بالذي يقضي
فحتى متى روح الرضا لا ينالني ... وحتى متى أيام سخطك لا تمضي٦
وترجم ابن المعتز في آخر طبقاته لطائفة منهن كن يحسن الشعر٧، لعل أهمهن فضل عاشقة سعيد بن حُمَيد، وشعرها في الأغاني يصور عشقها له ومراحله٨.
وقد بعثت هؤلاء الجواري في الكوفة والبصرة وبغداد لهوًا واسعًا على نحو