طالَ هَمِّي, وبِتُّ كالمَحزُونِ ... واعتَرَتْنِي الهُمُومُ, بالماطِرُونِ
ووجْه استدلاله بكسر النون، على أنها أصل، هو أنها لو جُعلت زائدة لكانت الكلمة جمعًا في الأصل سُمِّيَ بِه؛ لأنَّ المفردات لا يوجد في آخرها واو ونون زائدين. والجمع إِذا سُمِّيَ به فله في التسمية طريقان: أحدهما أن تحكي فيه طريقته١ وقت أن كان جمعًا، فيكون في الرفع بالواو، وفي النصب والخفض بالياء. والطريقة الأخرى أن تجعل الإِعراب في النون، وتقلب الواو ياء على كل حال، فتقول٢: هذا زَيدِينٌ، ورأيت زَيدِينًا، ومررت بِزَيدِينٍ. فلمَّا لم يجئ "الماطِرُون" على وجه من هذين الوجهين قُضِي عليه بأنه مفرد، فوجب عليه جعل النون أصليَّة.
وهذا لا دليل له فيه؛ لأنَّ أبا سعيد وغيره من النحويّين حكوا في التسمية وجهين غير هذين [١٥أ] : أحدهما جعلُ الإِعراب في النون، وإِبقاء الواو على كل حال. فيقولون: هذا ياسِمُونٌ، ورأيت ياسِمُونًا، ومررت بياسِمُونٍ. فيكون الماطِرُونُ جمعًا سُمِّيَ٣ به، على هذا الوجه. والوجه الآخر: أن تكون النون مفتوحة في كلّ٤ حال، وقبلها الواو، فيقال: هذا ياسِمونَ البرِّ ورأيت ياسمونَ البرِّ، ومررت بياسمونَ البرِّ. وقد جاء ذلك في الماطِرون. وعليه قوله٥:
ولَها بالماطِرُونَ, إذا ... أكَلَ النَّملُ الَّذِي جَمَعا
وهذا ممَّا يدلّ على أنه جمعٌ، مَحكِيَّةٌ فيه حالة الرفع. إِذ لو كان مفردًا لأثَّر فيه العامل، إِذ لا موجب لبنائه. على أنَّ أبا سعيد السيرافيّ قال: أَظنُّها فارسيَّةً. فإِذا كانت فلا حُجَّة فيها.
والقول في الماجِشُون٦ كالقول في الماطِرون. وكذلك سِقلاطُون٧ وأَطرَبُون٨ وما كان نحوَ ذلك.
وأمَّا خَرَنباشٌ٩ من قول الشاعر١٠:
стр. 107
أَتَتْنا رِياحُ الغَورِ, مِن نَحوِ أَرضِها, ... بِرِيحِ خَرَنباشِ الصَّرائمِ والحَقلِ
فيمكن أن يكون في الأصل خَرَنْبَشًا، ثمّ أُشبِعتْ١ فتحته.
وإِذا كانتا مجتمعتين يكون:
على فَعْلَوِيل: ولم يجئ إِلَّا اسمًا٢، نحو: قَندَوِيل٣ وهَندَوِيل٤.
وعلى فَعْلَلِيل: ولم يجئ إِلَّا صفةً، نحو: عَرطَلِيل٥.
وعلى فَعْلَلُوت: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: عَنكَبُوت.
وعلى فَعْلَلُول: ويكون فيهما. فالاسم نحو: مَنجَنُون٦. والصفة نحو: حَنْدَقُوق٧.
وعلى فَعْلَلان: وهو قليل فيهما. فالاسم نحو: زَعفَران. والصفة نحو: شَعشَعان٨.
وعلى فُعْلُلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: عُقرُبان٩. والصفة نحو: عُرْدُمان١٠.
وعلى فِعْلِلان: ويكون فيهما. فالاسم نحو: حِندِمان١١. والصفة نحو: حِدرِجان١٢.
وعلى فَعْلَلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: بَرنَساء١٣.
وعلى فُعْلُلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: قُرفُصاء١٤.
وعلى فِعْلِلاءَ: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: طِرمِساء١٥.
стр. 108
وعلى فِعْلَلاءَ: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو: هِندَباء١.
وأمَّا شِفْصِلَّى٢ فإِن ثَبَتَ كان فيه دليل على إِثبات "فِعْلِلَّى" من كلامهم.
وعلى فُعَلِّيل: نحو: القُشَعْرِيرة والسُّمَهْجِيج٣. ولم يجئ غيرهما٤.
стр. 109
[المزيد فيه ثلاثة أحرف] :
وإِذا لحقتْه ثلاث زوائد كان:
على فُعَيلُلان: نحو: عُرَيقُصان١. ولم يجئ إِلَّا اسمًا.
وأمَّا هَزَنبَران٢ وعَفَزَّران٣ فإنهما تَثنية هَزنبَر كجَحَنفَل٤، وعَفَزَّرٍ كعَدَبَّس٥. ثم سُمِّيَ بهما. وهذا أَولى من إِثبات بناء على وزن "فَعَنْلَلان" أو "فَعَلَّلان"، ولم يثبت من كلامهم.
وعلى فَعَولُلان: وهو قليل، نحو: عَبَوثُران٦.
وعلى فَعْلالاءَ: [ولم يجئ إِلَّا اسمًا] ٧، وهو قليل، نحو٨: بَرْناساء٩.
وعلى فُعالِلاءَ: ولم يجئ أيضًا إِلَّا اسمًا، وهو قليل، نحو: جُخادِباء١٠.
وأمَّا مُفْيَئِنّ١١ فـ"مُفْعَلِلّ" والياء أصل في بنات الأربعة. ولا يكون "مُفْيَعِلًّا"؛ لأنه ليس من أبنية كلامهم.
стр. 110
وأمَّا السِّلِنْطِيط١ فزعم أبو سعيد أنه جاء في الشعر. والمتوهَّم أنه ليس من كلامهم، فإِذا كان كذلك فلا يَثبُتُ به "فِعِنْلِيل"٢.
وأمَّا عُقْرُبَّان٣ فيمكن أن يكون أصله عُقْرُبان خفيفًا كثُعْلُبان٤، ثمّ ضُعّفت الباء كما تُضعَّف أَواخر الأسماء؛ لأنها آخِر لأنَّ الألف والنون تَجريان مجرى تاء التأنيث. ولذلك إِنَّما يُصَغَّر من الاسم الذي يكونان فيه الصدرُ٥، كما أنه لا يُصغَّر من الاسم الذي فيه تاء التأنيث إِلَّا صدره. فإن قيل: إِنَّما تَفعل ذلك العربُ في الوقف. قيل: يكون هذا من إِجراء الوصل مُجرى الوقف.
стр. 111
[الخماسيّ المزيد] :
وأمَّا الخماسيُّ فلا تلحقه إِلَّا زيادة واحدة، فيصير على ستَّة أحرف ويكون:
على فَعْلَلِيل: ويكون١ فيهما. فالاسم نحو: خَندَرِيس٢. والصفة نحو: دَردَبِيس٣.
وعلى فَعْلَلُول: ولم يجئ إِلَّا اسمًا، نحو يَستَعُور٤.
وعلى فِعْلَلُول: ولم يجئ إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: قِرطَبُوس٥.
وعلى فَعَلَّلًى: ولم يجئ أيضًا إِلَّا صفةً، وهو قليل، نحو: قَبَعثَرًى٦.
وعلى فُعَلِّيل: ويكون فيهما. فالاسم نحو: خُزَعبِيل٧. والصفة نحو: قُذَعمِيل٨.
وأمَّا سَمَرْطُول٩ من قوله١٠: [١٥ب]
стр. 112
على سَمَرطُولٍ, نِيافٍ شَعشَعِ
فلا يثبت به "فَعَلُّولٌ"؛ لأنه لم يُسمع قطُّ في نثر. وإِنَّما سُمع في الشعر، وهم مما يحرّفون في الشعر١، إِذا اضطُرُّوا إلى ذلك. قال٢:
بِسَبْحَلِ الدَّفَّينِ, عَيسَجُورِ
وإِنَّما هو سِبَحْل بمنزلة قِمَطْر. فكذلك سَمَرْطُولٌ يمكن أن يكون مُحرَّفًا من سَمْرَطُول، كعَضْرَفُوط٣.
فأمَّا دُرْداقِس٤ فلا يَتحَقَّقُ كونها من كلام العرب. قال الأصمعيُّ: أَظنُّها رُوميَّةً٥. فلا يَنبغي أن يَثبُتَ بها "فُعْلالِلٌ". وكذلك خُزْرانِق٦ أصله فارسيٌّ٧ فلا حُجَّة فيه.
وأمَّا قَرَعْبَلانةٌ٨ فلم٩ تُسمَع إِلَّا من كتاب "العَين"، فلا ينبغي أن١٠ يُلتفت إليها.
стр. 113
باب ١: أبنية الأفعال
[الماضي الثلاثيّ] :
الأفعال تنقسم قسمين: ثلاثيّ ورباعيّ. وكلاهما ينقسم قسمين: مزيدٌ وغيرُ مزيدٍ.
فأمَّا الثلاثيّ غير المزيد فله ثلاثة أبنية٢:
فَعَلَ: كـ"ضَرَبَ".
وفَعِلَ: كـ"عَلِمَ".
وفَعُلَ: كـ"ظَرُفَ".
وأمَّا الثلاثيُّ المزيد فينقسم ثلاثة أقسام: قسم جاء على وزن الرباعيّ وهو ملحق به، وقسم جاء على وزن الرباعيّ وليس بملحق به٣، وقسم لم يجئ على وزنه.
فالملحق ما جاء:
على فَيْعَلَ: نحو: بَيطَرَ٤.
وعلى فَعْلَلَ: نحو: جَلبَبَ٥ وشَملَلَ٦.
стр. 114
وعلى فَوْعَلَ: نحو: حَوقَلَ١.
وعلى فَعْوَلَ: نحو: جَهوَرَ٢.
وعلى فَعْنَلَ: نحو: قَلنَسَ٣. وهو قليل.
وعلى يَفْعَلَ: نحو: يَرنأَ لِحيتَهُ٤.
وعلى فَعْلَى: نحو: قَلسَى٥.
وهذه الأمثلة مُلحقة بـ"فَعْلَلَ" من الرباعيّ، نحو: قَرْطَسَ٦. ويجيء:
على تَفَعْلَى: نحو: تَقلسَى٧ وتَجَعبَى٨.
وعلى٩ تَفَعْلَتَ: نحو: تَعَفرَتَ.
وعلى تَفَعْنَلَ: نحو: تَقَلنَسَ.
وعلى تَفَعْلَلَ: نحو: تَجَلبَبَ.
وعلى تَفَيْعَلَ: نحو: تَشَيطَنَ.
وعلى تَفَوْعَلَ: نحو: تَجَورَبَ.
وعلى تَفَعْوَلَ: نحو: تَرَهوَكَ١٠.
وعلى تَفاعَلَ: نحو: تَغافَلَ.
وعلى تَفَعَّلَ: نحو: تَكرَّمَ.
وعلى تَمَفْعَلَ: نحو: تَمَسكَنَ.
وهذه الأمثلة مُلحقة بـ"تَفَعْلَلَ" من الرباعيّ، نحو: تَدَحرَجَ.
стр. 115
وعلى١ افَعَنْلَلَ: نحو: اقعَنسَسَ٢.
وعلى٣ افعَنْلَى: نحو: اسلَنقَى٤.
وهذان المثالان مُلحقان ببناء "افعَنْلَلَ"٥ من الرباعيّ، نحو: احرَنجَمَ٦.
والذي يُعلَمُ به أنَّ هذه الأمثلة مُلحقةٌ، ببناء ما ذكرنا، مجيءُ مصادرها على حَسَبِ مصادر ما أُلحِقَتْ به. فتقول: جَلبَبةً وشَملَلةً وبَيطَرةً وجَهوَرةً وقَلنَسةً. وقَلساةً، كما تقول: قَرْطَسةً. وتقول: تَجَلبُبًا وتَشَيطُنًا٧ وتَجَورُبًا وتَرَهوُكًا٨ وتَمَسكُنًا وتَغافُلًا وتَكرُّمًا، كما تقول: تَدَحْرُجًا، وتقول: اسلِنقاءً واقعِنساسًا، كما تقول: احرِنجامًا.
وغير الملحق ما جاء:
على أَفْعَلَ: نحو: أَكرَمَ.
وعلى فاعَلَ: نحو: ضارَبَ.
وعلى فَعَّلَ: نحو: ضَرَّبَ.
فهذه الأمثلة على وزن "دَحْرَجَ"، وليست ملحقةً به، بدليل أنك لا تقول "ضارَبَةً" ولا "ضَرَّبَةً" ولا "أَكرَمَةً"، كما تقول: دَحرَجةً.
والذي لم يجئ على وزن الفعل٩ ما كان:
على انفَعَلَ: نحو: انطَلَقَ.
أو١٠ افتَعَلَ: نحو: اقتَدَرَ.
стр. 116
أو استَفْعَلَ: نحو: استَخرَجَ١.
أو افْعَلَّ: نحو: احمَرَّ.
أو افْعالَّ: نحو: احمارَّ.
أو افْعَوَّلَ: نحو: اعلَوَّطَ٢.
أو افعَوْعَلَ: نحو: اغدَودَنَ٣.
فهذه الأمثلة من مزيد الثلاثيّ، وليس لها نظير في الرباعيّ.
فأمَّا هَرَقْتُ وهَرَحْتُ فأصلهما: أَرَقْتُ وأَرَحْتُ، والهاء بدل من الهمزة. وأَصله: أرَقْتُ وأرَحْتُ٤. وكذلك أَهْرَقْتُ أصله: أَرَقْتُ، والهاء زائدة، وكذلك أَهْرحْتُ. وكذلك أَسطاعَ فأصله: أَطاعَ، والسين زائدة. فلا يثبتُ بشيء من ذلك وزن للفعل، على خلاف ما ذُكِر؛ لأنَّ هذه الأشياء شَذَّت ولم تطَّرد في بابها.
وأمَّا "افعَوْلَل" نحو: اعثَوْجَجَ البعيرُ٥، و"افوَنْعَلَ" نحو: احوَنصَلَ الطائرُ٦، و"افعَيَّلَ" نحو: اهبَيَّخَ الرَّجلُ٧، فلم يذكرها أحد إِلَّا صاحب "العَين"، فلا يُلتفت إِليها.
وأمَّا ما حكاه٨ بعض اللغويِّين، من قولهم: سَنْبَلَ الزَّرعُ وأَسْبَلَ٩, ودَنْقَعَ الرَّجلُ، إِذا افتقر فكأنه لَصِقَ بالدَّقعاء, [١٦أ] و١٠ ما حكاه أبو عُبيد١١ من قولهم: كَنْثَأَتْ لِحيتُهُ وكَثَّأَتْ١٢، فلا حجَّة في شيء من ذلك على إِثبات "فَنْعَلَ". بل تكون النون أصليَّة، وهي على١٣ وزن
стр. 117
"فَعْلَلَ" كـ"دَحْرَجَ". ويكون سَنْبَلَ من أَسْبَلَ كسَبِط من سِبَطْر. وكذلك دَنْقَعَ من الدَّقْعاء، وكَنْثأَ من كَثَّأَ.
وكذلك قولهم: طَشْيأ رأيُه ورَهْيأَ إذا خَلَّط، لا حُجَّة فيه على إِثبات "فَعْيَلَ". بل يحتمل أَمرين: أحدهما أن تكون الياء أصلًا في بنات الأربعة، كما كانت في يَستَعُور١ لئلّا يؤدِّي إلى إِثبات بناء لم يستقرَّ في كلامهم، وهو "فَعْيَلَ". والآخر أن يكون أصله: رَهْيا وطَشْيا، على وزن "فَعْلَى" كـ"قَلسَى"، ثمّ أُبدِلتِ٢ الهمزة من الألف.
وأمَّا اكوَهَدَّ الفَرخُ٣ واكوَأَلَّ الرَّجلُ٤ فوزنهما "افعَلَلَّ" نحو: اقشَعَرَّ، ٥ والواو أصل في بنات الأربعة، كما كانت أصلًا في وَرَنْتَل٦؛ لأنَّ "افوَعَلَّ" بناء لم يستقرَّ في كلامهم.
стр. 118
[المضارع الثلاثي] :
وأمَّا المضارعات فالمَقِيس منها أن يجيء مضارعُ "فَعُلَ" أبدًا على "يَفْعُلُ"١ بضمّ العين كالماضي، نحو: ظَرُفَ يَظرُفُ وشَرُفَ يَشرُفُ. ومضارعُ "فَعِلَ" على "يَفْعَلُ" بفتح العين، نحو: شَرِبَ يشرَبُ وحَذِرَ يحذَرُ.
و"فَعَلَ" لا يخلو أن يكون للمُغالَبة، أو لا يكون.
فإن كان للمغالبة فإِنَّ مضارعه أبدًا على "يَفْعُلُ" بضمّ العين٢، نحو: ضَارَبَنِي فضَرَبتُه أَضرُبُهُ، وكابَرَنِي فكَبَرتُه أَكبُرُهُ، وفاضَلَنِي ففَضَلتُه أَفضُلُهُ. هذا ما لم يكن معتلَّ العين أو اللام بالياء، أو معتلَّ الفاء بالواو. فإِن كان كذلك لزم المضارعُ "يَفْعِلُ" بكسر العين، نحو قولك: راماني فرَمَيتُهُ أَرمِيهِ، وسايَرَني فسِرتُه أَسِيرُهُ أي: غَلَبْتُه في السَّير، وواعَدَني فوَعَدتُه أَعِدُهُ. وزعم
стр. 119
الكسائيُّ أنه يجيء على "أَفْعَلُ" بفتح العين، إِذا كان عينه١ حرف حلق، نحو: فاخَرَني ففخَرتُهُ أَفخَرُهُ٢.
فإِن لم يكن للمغالبة فلا يخلو أن يكون مُعتلَّ الفاء بالواو، أو معتلّ العين أو اللّام بالياء أو بالواو٣، أو مُضعَّفًا، أو غير ذلك:
فإِن كان مُعتلَّ الفاء بالواو فإِنَّ مضارعه أبدًا على "يَفْعِلُ"٤ بكسر العين، نحو: وَعَدَ يَعِدُ ووَزَنَ يَزِنُ. وتُحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة في: يَعِد، ثمّ تُحمل في: أَعِدُ ونَعِدُ٥ وتَعِدُ، عليه لِما يُبيَّنُ٦ في التصريف، إِن شاء الله.
فإِن كان مُعتلَّ العين أو اللّام٧ بالواو كان المضارع أبدًا على "يَفْعُلُ" بضمّ العين، نحو: غَزا يَغزُو وقالَ يَقُولُ.
وإِن كان معتلَّ العين أو اللّام بالياء فإِنَّ المضارع منه أبدًا٨ على "يَفْعُلُ" بكسر العين، نحو: رَمَى يَرمِي وباعَ يَبِيعُ.
وإِن كان مضعَّفًا فلا يخلو أن يكون مُتعدِّيًا أو غيرَ مُتعدّ. فإِن كان غير مُتعدّ فإِنَّ مُضارعه أبدًا يجيء على "يَفْعِلُ" بكسر العين، نحو: فَرَّ يَفِرُّ وشَذَّ الشيءُ يَشِذُّ٩. وإِن كان متعدِّيًا فإِن مضارعه أبدًا يجيء١٠ على "يَفعُلُ" بضمّ العين، نحو: رَدَّهُ يَرُدُّهُ وشَدَّهُ يَشُدُّهُ.
فإِن كان غير ذلك فلا يخلو أن تكون لامه أو عينه حرف حلق، أَو لا يكون. فإِن كان
стр. 120
كذلك فإِنَّ مضارعه أبدًا على "يَفْعَلُ" بفتح العين، نحو: قَرَعَ يَقرَعُ وفَغرَ يَفغَرُ وزأَرَ يَزأَرُ. وإِن لم يكن كذلك فإِنَّ مضارعه أبدًا يحيء على: "يَفْعِلُ" و"يَفْعُلُ" بكسر العين وضمّها، نحو: ضَرَبَ يَضرِبُ وقَتَلَ يَقتُلُ وجَلَسَ يَجلِسُ وقَعَدَ يَقعُدُ١. وقد يجتمعان في الفعل٢ الواحد، نحو: عَكَفَ يَعكِفُ ويعَكُفُ. وهما جائزان، سُمِعا للكلمة٣ أو لم يُسمع إِلَّا أحدهما.
وأمَّا المزيد على ذلك فإِنك إِذا أردت المضارع فلا يخلو أن تكون في أَوَّله همزةُ وصلٍ، أو تاءٌ زائِدةٌ، أو لا يكون كذلك.
فإِن كان كذلك فإِنَّ المضارع منه بمنزلة الماضي. إِلَّا أنَّك تزيد حرف المضارعة مفتوحًا وتكسِرُ ما قبل الآخر، فيما أوّله همزةُ وصلٍ، وتزيد حرف المضارعة مفتوحًا لا غيرُ، فيما أوّله التاء، فتقول: انطَلَقَ يَنطَلِقُ واستَخرَجَ يَستَخرِجُ وتَغافَل يَتغافَلُ وتَشَجَّعَ يَتَشَجَّعُ.
وإِن كان غير ذلك فَعَلتَ فيه ما فعلتَ فيما في٤ أوَّلِه همزةُ وصلٍ. إِلَّا أنك تضمُّ حرف المضارعة، فتقول: سَلقَى يُسَلقِي وجَلبَبَ يُجَلبِبُ وأَكرَمَ يُكرِمُ وضَرَّبَ يُضَرِّبُ وضارَبَ يُضارِبُ.
وشَذَّ من "فَعِلَ" شيء، فجاء مضارعه على "يَفْعِلُ" بكسر العين، نحو: نَعِم يَنعِمُ وحَسِبَ يَحسِبُ ووَمِقَ يَمِقُ ووَرِثَ يَرِثُ ووَلِيَ يَلِي ووَرِعَ يَرِعُ ووَعِمَ يَعِمُ٥ ووَغِمَ يَغِمُ٦ ووَحِرَ يَحِرُ٧ ووَغِرَ صدرُه يَغِرُ٨ [١٦ب] ووَثِقَ يَثِقُ ووَفِقَ يَفِقُ ووَرِيَ الزَّندُ يَرِي ووَطِئ يَطَأُ ووَسِعَ يَسَعُ٩.
والدليلُ على أنَّ "يَطأُ ويَسَعُ" في الأصل إِنَّما هو "يَوْطِئُ ويَوْسِعُ"، ثمّ فُتِحت العين لكون اللّام
стр. 121
حرفَ حلق، حَذفُ الواو منهما. ولم يُعتَدَّ بالفتحة لكونها عارضةً. ولو كانت أَصليَّةً لم تُحذَفِ الواو، كما لم تُحذف من: يَوجَلُ ويَوحَلُ١.
وشَذَّ منه أيضًا٢ شيء، فجاء على "يَفْعُلُ" بضمّ العين، وهو: نَعِمَ يَنعُمُ وفَضِلَ يَفضُلُ وحَضِرَ يَحضُرُ، ومِتَّ تَمُوتُ في لغة من يَكسِرُ الميم، ودِمْتَ تَدُومُ.
وشَذَّ٣ أيضًا من "فَعَلَ" الذي فاؤه واو لفظة واحدة، فجاء مضارعها على "يَفْعُلُ" بضمّ العين. وهي: وَجَدَ يَجُدُ. وأصله "يَوْجُدُ"، فحُذِفت الواو لكون الضمّ هنا شاذًّا والأصل الكسر، فحُذفت الواو كما حُذفت٤ مع الكسرة. و [على] ٥ ذلك قوله٦:
لَو شِئتِ قَد نَقَعَ الفُؤادُ بِشَربةٍ ... تَدَعُ الصَّوادِيَ لا يَجُدْنَ غَلِيلا
وشَذَّ أيضًا شيء من "فَعَلَ" المعتلّ اللّام، فجاء مضارعه على "يَفْعَلُ" بفتح العين، وهو: قَلَى يَقلَى٧ وعَثَى يَعثَى٨ وجَبَى يَجبَى وأَبَى يأبَى٩.
وشَذَّ أيضًا من "فَعَلَ" الصحيح اللّام شيء، فجاء مضارعه على "يَفْعَلُ" بفتح العين، وهو: قَنَطَ يَقنَطُ ورَكَنَ يَركَنُ.
وشَذَّ أيضًا من "فَعَلَ" المضاعف المتعدّي شيء، فجاء مضارعه على "يَفْعِلُ" بكسر العين، وهو: هَرَّ الكأسَ يَهِرُّها١٠ وعَلَّه يَعِلُّه وحَبَّ الشيءَ يَحِبُّه١١.
стр. 122
[الرباعيّ] :
وأمَّا الرباعيُّ فغيرُ المزيد منه يجيء١:
على "فَعْلَلَ": نحو: قَرطَسَ.
والمزيد يجيء:
على "افعَنْلَلَ": نحو: احرَنجَمَ٢.
وعلى "افعَلَلَّ": نحو: اطمأنَّ.
وعلى "تَفَعْلَلَ": نحو: تَدَحرَجَ٣.
ومضارع "فَعْلَلَ": يُفَعْلِلُ، بضمِّ حرف المضارعة وكسر ما قبل الآخر. ومضارع "افعَنْلَلَ": يَفْعَنْلِلُ، بفتح حرف المضارعة وكسر ما قبل الآخر. وكذلك "افعَلَلَّ" مضارعه: يَفْعَلِلُّ، بفتح حرف المضارعة وكسر ما قبل الآخر. و"تَفَعْلَلَ"، مضارعه: يَتَفَعْلَلُ، بفتح حرف المضارعة وما قبل الآخر٤.
стр. 123
ذكر معاني أبنية الأفعال مجرَّدة من الزيادة وغيرَ مجرَّدة وتبيين المتعدّي منها وغير المتعدّي:
فَعَلَ وفَعِلَ: يجيئان مُتعدّيَينِ وغيرَ متعدِّيَينِ. فالمتعدّي منهما: ضَرَبَ وعَلِمَ. وغيرُ المتَعدِّي: قَعَدَ وأَشِرَ١.
فَعُلَ٢: ولا يتعدَّى البتَّةَ، نحو: ظَرُفَ وشَرُفَ.
فَعْلَلَ: ولا يكون إِلَّا متعدِّيًا، نحو: جَلبَبَهُ وشَملَلَهُ٣. إِلَّا أن يكون رباعيًّا، فإِنه يكون متعدِّيًا وغير متعدّ. فالمتعدّي نحو: دَحرَجتُه وصَعررَتُه٤. وغير المتعدّي نحو: قَرقَرَ٥.
فَيعَلَ وفَوعَلَ وفَعوَلَ وفَعلَى: تكون متعدّيةً وغيرَ متعدّية. فالمتعدّي منها: بَيطَرَ الدَّابَّةَ وصَومَعَ الثَّريدَ٦ ودَهوَرَ المَتاعَ٧ وقَلسَى الرَّجلَ٨. وغيرُ المتعدّي: بَيقَرَ٩ وحَوقَلَ١٠ وهَروَلَ وعَنظَى١١ وخَنظَى١٢ وخَنذَى١٣.
стр. 124
فَعْنَلَ: يكون متعدّيًا، نحو: قَلنَسَ.
يَفْعَلَ: ولا يكون إِلَّا متعدّيًا، نحو١: يَرنأَ لحيتَهُ٢.
تَفَعللَ وتَفَيعَلَ وتَفَعلَى وتفَعنَلَ وتَفَوعَلَ وتَمَفعَلَ وتَفَعوَلَ: أكثر ما تجيء غير متعدّية؛ لأنها مطاوِعةٌ للفعل الذي دخلت عليه التاء في الغالب. نحو: دَحرَجتُه فتَدَحرَجَ ومَدرَعتُهُ فَتَمَدرَعَ٣. وكذلك باقيها. فكان الغالب عليها لذلك عدمُ التعدّي، حتى تكون كـ"انفَعَلَ".
تَفَعلَتَ: ولا يكون متعدّيًا، نحو: تَعَفرَتَ.
تَفاعَلَ: تكون متعدّية وغير متعدّية. فالمتعدّية٤ نحو: تَقاضَيتُه وتَنازَعْنا٥ الحديثَ، وتَجاوَزنا المكانَ. وغير المتعدّية: تَغافَل وتَعاقَلَ٦. وإِنما يجوز أن تقول "تفاعلته" وتُعدّيه إلى مفعول، إِذا لم يكن المفعول فاعلًا، نحو: تَقاضَيتُ الدَّينَ. ولها ثلاثة معانٍ:
أَحدهما أن تكون للاثنين فصاعدًا، نحو: تَشاتَما وتَقاتَلا.
والثاني الرَّومُ٧: كقولك: تَقارَبتُ من الشيء٨، وتَراءَيتُ لزيدٍ٩ أي: رُمتُ القُربَ، ورُمتُ أن يَراني.
والثالث الإِيهام: وهو أن يُرِيَكَ أنه في حال ليس فيها. كقولك: تَغافَلتُ وتَعامَيتُ وتَناعَستُ وتَجاهَلتُ، أي أَظهرتُ ذلك، وإِنْ لم أكن١٠ في الحقيقة موصوفًا بذلك. قال١١:
إِذا تَخازَرتُ وما بي مِن خَزَرْ
стр. 125
أي: أظهرتُ ذلك. [١٧أ] وقوله "وما بي من خزر" يدلُّ على ما قلناه من الإِيهام.
تَفَعَّلَ: تكون متعدّيةً وغير مُتعدّية. فالمتعدّية نحو: تَلَقَّفتُه، قال تعالى١: "تَلَقَّفُ ما يأفِكُونَ"، وتَخَبَّطَهُ الشَّيطانُ، قال تعالى٢: ﴿كالّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ ٣. وغير المتعدّية نحو: تَحَوَّبَ٤ وتأثَّمَ٥. ولها ثمانية معانٍ٦:
أحدها أن تكون مطاوِعة لـ"فَعَّلَ"، كقولك: كَسَّرتُه فتَكسَّرَ وقَطَّعتُه فتَقَطَّعَ. والمطاوَعة٧: أن تُريدَ من الشيء أَمرًا ما فتَبلُغَه.
والثاني الحِرص على الإِضافة: فإِذا أراد الرجل أن يُدخِل نفسه في الشجعان والحلماء٨ قيل: تَشَجَّعَ وتَحَلَّمَ. قال حاتم الطائيّ٩:
تَحلَّمْ عَنِ الأَدنَينَ, واستَبقِ وُدَّهُم ... ولَن تَستَطِيعَ الوُدَّ، حَتّى تَحَلَّما
ومنه: تَقَيَّسَ١٠ وتَنَزَّرَ١١ وتَعَرَّبَ١٢.
والثالث أخذُ جزءٍ بعد جزء: نحو: تَنَقَّصتُه وتَجَرَّعتُه وتَحَسَّيتُه أي: أخذتُ منه الشيء بعد الشيء.
والرابع الخَتْلُ: كقولك: تَغَفَّلَه أي: أراد أن يَختِلَه عن أمرٍ يَعُوقُه١٣ عنه. وتَمَلَّقَه نحو ذلك؛ لأنه إِنما يديره عن شيء.
والخامس التوقُّعُ: كقولك: تَخَوَّفَهُ؛ لأنَّ مع التخوّف١٤ توقُّعَ الخوف. وأمَّا "خافه" فلا تَوقُّع معه١٥.
стр. 126
والسادس الطلب كـ"استَفعَلَ": نحو: تَنَجَّزَ حَوائجَه واستَنجَزَها.
والسابع التكثير: كقولك: تَعطَّينا١.
والثامن التَّرك: كقولك: تَحوَّبَ وتأثَّمَ أي: تَركَ الإِثَم والحُوبَ.
افعَنْلَلَ وافعَنْلَى: أمَّا "افعنللَ" فلا يكون أبدًا متعدّيًا، نحو: اقعَنسَسَ٢ واحرَنجَمَ٣.
وأمَّا "افعَنلَيتُ"٤ فزعم أبو الفتح أنه يكون متعدّيًا وغير متعدّ٥. فغيرُ المتعدّي نحو: احرَنبَى الديكُ٦. والمتعدّي نحو: اغرَندَى٧ واسرَندَى٨. قال الراجز٩:
قَد جَعَلَ النُّعاسُ يَغرَندِينِي ... أَدفَعُهُ عَنِّي, ويَسرَندِينِي
وزعم سيبويه أنه لا يتعدَّى. والصحيحُ ما ذهب إِليه سيبويه، إِذ لم يُسمَع متعدّيًا إِلَّا في هذا الرجز، وغالبُ الظنّ فيه أنه مصنوع. قال [أبو بكر] ١٠ الزُّبيديُّ: أَحسِبُ البيتينِ مَصنُوعَينِ.
أَفْعَلَ: يكون متعدّيًا وغيرَ متعدّ. فالمتعدّي كـ"أَكرَمَ"، وغيرُ المُتعدّي كـ"أَخطأَ"١١. ولها أحدَ عشَرَ معنى١٢: الجَعْلُ، والهُجومُ، والضِّياءُ، ونَفيُ الغَريرة، والتَّسميةُ، والدُّعاءُ، والتعريضُ، وبمعنى "صارَ صاحِبَ كذا"، والاستحقاقُ، والوجودُ، والوصولُ.
فالجَعلُ على ثلاثة أوجه: أحدها أن تجعله يَفعلُ، كقولك: أَخرَجتُه وأَدخَلتُه، أي: جعلتُه خارجًا وداخلًا١٣. والثاني أن تجعله على صفةٍ، كقولك: أَطردتُهُ: جَعلتُه طَريدًا. وثالث أن تجعله صاحب شيء، نحو أَقبَرتُه: جعلتُ له قَبرًا
стр. 127
والهجومُ: كقولك: أَطلَعتُ عليهم، أي: هَجمتُ عليهم. وأمَّا١ طَلَعتُ عليهم٢ فـ"بَدَوتُ".
والضِّياءُ: كقولك: أَشرَقتِ الشَّمسِ: أضاءتْ. فأمَّا شَرَقَتْ فـ"طَلَعتْ".
ونَفيُ الغَريزةِ: كقولك: أَسرَعَ وأَبطأَ. كأنك قلت: عَجِلَ واحتَبَسَ. فأمَّا عَجُلَ٣ وبَطُؤَ فكأنه غريزةٌ٤.
والتَّسميةُ: كقولك: أَكفَرتُه وأَخطأتُه أي: سَمَّيتُه كافرًا ومُخطئًا.
والدُّعاءُ: كقولك: أَسقَيتُه: دَعوتُ له بالسُّقيا٥. قال ذو الرُّمّة٦:
وأُسقِيهِ, حَتَّى كادَ مِمَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُنِي أَحجارُهُ, ومَلاعِبُهْ
أي: أدعو له بالسُّقياه.
والتَّعريضُ: كقولك: أَقتَلتُه أي: عَرَّضتُه للقتل.
وبمعنى صارَ صاحبَ كذا: كقولك: أَجدَبَ المكانُ أي: صار ذا جَدْبٍ.
والاستحقاقُ: كقولك: أقطَعَ النَّخلُ وأَحصَدَ الزَّرعُ، أي: استحقّا أَن يُفعَل بهما ذلك. ومن ذلك: أَحمَدتُه: وجَدتُه مُستحقًّا للحمد، وأَلامَ الرَّجلُ: استحقَّ أن يُلام.
والوجودُ: كقولك: أبصَرَهُ: دَلَّهُ على وُجود المُبْصَر.
والوصولُ: كقولك: أَغفَلتُه أي: وَصَلَتْ غَفلتي إِليه٧.
فاعَلَ: وتكونُ متعدّيةً٨، نحو: ضارَبتُ وشاتَمتُ. وقد تكون غيرَ متعدّية٩، نحو: سافَرَ. وأكثر ما تجيء من اثنين، نحو: ضارَبتُ١٠ وقاتَلتُ. وقد تكون١١ من واحد، نحو: سافَرَ
стр. 128
وعاقَبتُ١ اللّصَّ وطارَقَ النَّعلَ٢.
فَعَّلَ: ويكونُ متعدّيًا وغيرَ متعدّ. فالمتعدّي نحو: كَسَّرتُه وقَطَّعتُه. وغيرُ المتعدّي نحو: سَبَّحَ وهَلَّلَ. ولها ثمانيةُ معانٍ٣:
أحدها أن تكون [١٧ب] للنَّقل، فتُصَيِّرَ الفاعل مفعولًا، كقولك: فَرِحَ وفَرَّحتُه وغَرِمَ وغَرَّمتُه وفَزِعَ وفَزَّعتُه.
والثاني التكثيرُ: كقولك: فَتَّحتُه وكَسَّرتُه وقَطَّعتُه وحَرَّكتُه.
والثالث الجَعلُ على صفةٍ: كقولك: فَطَّرتُه فأَفطَرَ.
والرابع التَّسميةُ: كقولك: خطَّأتُه وفَسَّقتُه، أي: سَمَّيتُه مُخطئًا [وفاسِقًا] ٤.
والخامس الدعاءُ للشيء أو عليه: كقولك: سَقَّيتُه: قلتُ له: سَقاكَ اللهُ. وجَدَّعتُه وعَقَّرتُه أي: دَعوتُ عليه بالجَدْع والعَقْر.
والسادس القيامُ على الشيء: كقولك: مَرَّضتُه أي: قمتُ عليه.
والسابع الإِزالةُ: كقولك: قَذَّيتُ عَينَه، أي: أزلت عنها القَذَى.
والثامن أن يُراد بها رميتُه بذلك: كقولك: شَجَّعتُهُ وجَبَّنتُه، أي: رَميتُه بالشجاعة والجُبنِ.
انفَعَلَ: ولا يكون متعدّيًا أبدًا. وإِنما يجيء في كلام العرب للمُطاوَعة٥. وقد تقدَّم تفسيرُ المطاوعة٦. والمطاوعة فيها تكون بوجهين٧: إِمَّا بأن٨ تُريد من الشيء أََمرًا ما، فتبلُغَه بأن يَفعل ما تُريده، إن كان ممّا يَصِحُّ منه الفعل، وإِمَّا بأن يصير إِلى مثلِ حال الفاعل الذي يَصِحُّ منه الفعلُ، وإِن كان لا يصحُّ الفعل منه.
فأمَّا ما يُطاوِعُ، بأن٩ يَفعل فِعلًا تُريده منه، فنحو قولك: أَطلَقتُه فانطَلَقَ وصَرَفتُه فانصرفَ؛ ألَا ترى أنه هو الذي فعلَ الانطلاقَ والانصراف بنفسه، عند إرادتك إِياهما منه، أو بَعثِك إِيّاه عليهما؟
стр. 129
وأمَّا ما تبلغ منه مُرادك، بأن١ يصير إلى مثل حال الفاعل الذي يصحّ منه الفعل، فنحو قولك: قَطَعتُ الحبلَ فانقطَعَ وكَسرتُ الحُبَّ٢ فانكسرَ؛ ألَا ترى أنَّ الحبلَ والحُبَّ لا يَصِحُّ منهما الفعل؛ لأنه لا قُدرة لهما. فإِنما٣ أردتَ ذلك منهما، فبلغتَه بما أحدثته أنت فيهما، لا أنهما٤ تَوَلَّيا الفعل؛ لأنَّ الفعل لا يَصحُّ من مثلهما. ومن ذلك قوله٥:
[لا خُطْوتِي تَتَعاطَى غَيرَ مَوضِعِها] ... ولا يَدِي, في حَمِيتِ السَّمنِ٦ تَندَخِلُ
هو مطاوع "أدخَلتُه". وهو من باب: انقطَعَ الحبلُ؛ لأنَّ اليد لا تكون فاعلة، إِنما هي آلة يُفعل بها.
قال المبرّد٧: وقد يكونُ "انفَعَلَ" لغير مطاوعة، فيكون فِعلًا للفاعل على الحقيقة، نحو: انطلَقَ عبد الله وليس على فعلتُه.
واعلم أنَّ "انفَعَلَ" إنّما أصله من الثلاثيّ، ثمّ تلحقُه الزّيادتان من أوّله، نحو: قَطَعتُه فانقطعَ وسَرَحتُه فانسَرحَ٨. ولا يكاد يكون "فَعَلَ" منه٩ إِلَّا متعدّيًا، حتّى تُمكِنَ المطاوعةُ والانفعال؛ ألا ترى أنَّ "قَطَعتُه" و"كَسَرتُه"١٠ متعدّيان. قال أبو عليّ: وقد جاء "فَعَلَ" منه غيرَ متعَدّ، قال الشاعر١١:
وكَم مَنزِلٍ لَولايَ طِحتَ كَما هَوَى ... بأجرامِهِ, مِن قُلَّةِ النِّيقِ, مُنهَوِي
وإِنّما هو مطاوع "هَوَى" إِذا سقط، وهو١٢ غيرُ متعدّ كما ترى. وجاء في هذه القصيدة "مُنغوِي"١٣. قال أبو علي: إِنّما بَنى من "غَوَى" و"هَوَى" مُنْفَعِلًا، لضرورة الشعر.
ويجوز عندي أن يكونَ "مُنغَوٍ" و"مُنهَوٍ" مطاوعين لـ"أَغوَيتُه" و"أَهوَيتُه"، فيكونَ مثل: أَدخَلتُه
стр. 130
فاندَخَلَ وأَطلَقتُه فانطَلَقَ. ولا يكونان على هذا شاذَّينِ.
افتَعَلَ: تكون متعدّيةً وغيرَ متعدِّية. فالمتعدِّيةُ نحو: اكتَسبَ واقتَلَعَ. وغيرُ المتعدِّية نحو: افتَقَرَ واستَقَى١. ولها ستَّةُ معانٍ٢:
أحدها المطاوعةُ، فتكون إِذْ ذاك بمعنى "انفعلَ". وذلك قليلٌ فيها، نحو: شَوَيتُه فاشتَوَى وغَمَمتُه فاغتمَّ٣. والأفصحُ: انشَوَى وانغَمَّ. وحكمها أيضًا ألَّا تُبنى إِلَّا ممّا كان ["فَعَلَ" منه] ٤ مُتعدّيًا. وقد يجيء من غير المتعدّي، وذلك قليل فيها، قال الراجز٥:
حَتّى إِذا اشتالَ سُهَيلٌ, في السَّحَرْ ... كَشُعلةِ القابِسِ, تَرمِي بالشَّرَرْ
فهذا من: شال يَشُولُ، وهو غيرُ متعدٍّ، بدلالة قول الراجز٦:
يَشُولُ بالمِحجَنِ كالمَحرُوقِ
ولو كان مُتعدِّيًا لقال: يَشُولُ المِحجَنَ.
والثاني أن يكون بمعنى "تَفاعَلَ": كقولك: اجتَوَرُوا واعتَوَنُوا أي: تجاوروا وتعاونوا.
والثالث أن يكون بمعنى الاتّخاذ: كقولك: اشتَوَى القومُ: أي: اتَّخذُوا شِواءً. فأمَّا شَوَيتُ فكقولك: أَنضَجتُ. وكذلك: اختَبَزُوا واطَّبَخُوا واذَّبَحُوا، أي: اتَّخذُوا خُبزًا وطَبيخًا وذَبيحةً.
فأمَّا ذَبَحَ فكقولك: قَتَل.
والرابع التَّصَرُّفُ والاجتهادُ: كقولك: اكتَسَبَ، أي: تَصَرَّفَ واجتَهَدَ. فأمَّا كَسَبَ فأصابَ٧ مالًا.
والخامس [١٨أ] أن تكون بمعنى "تَفَعَّلَ": كقولك: ادَّخَلَ ادَّلَج، تريد: تَدخَّلَ وتَدَلَّجَ٨.
والسادس الخَطفةُ: كقولك: انتَزَعَ واستَلَبَ: أخذه بسُرعة. فأمَّا نَزَعَ فهو تحويلك إِيَّاه.
стр. 131
وكذلك: قَلَعَ واقتَلَعَ١، وجَذَب واجتَذَبَ.
استَفْعَلَ: تكون٢ متعدّيةً وغيرَ متعدّية. فالمتعدّية نحو: استَحسَنتُ الشيءَ. وغيرُ المتعدّية نحو: استَقدَمَ واستأخَرَ. وتكون مَبنيّةً من [فِعْلٍِ] ٣ متعدّ وغيرِ متعدّ. فالمبنيَّةُ من متعدّ نحو: استَعصَمَ واستَعلَمَ هما مبنيَّان من: عَصَمَ وعَلِمَ. والمبنيَّةُ من غير المتعدّي نحو: استَحسَنَ واستَقبَحَ، هما مبنيَّان من: حَسُنَ وقَبُحَ. ولها خمسة معان:
أحدها الإِصابةُ: كقولك: استَجَدتُه، أي: أصَبتُه جَيِّدًا. واستكرَمتُه واستَعظَمتُهُ: أَصبتُه كريمًا وعظيمًا.
والثاني الطلبُ: كقولك: استَعطَيتُ العَطيَّةَ، واستَعتَبتُه أي: طلبتُ له العُتبَى، واستَفهمتُهُ أي: طلبتُ منه أن يُفهِمَني.
والثالث التحوُّلُ من حال إِلى حال: نحو: استَنوَقَ الجَمَلُ واستَتيَستِ الشَّاةُ.
والرابع بمعنى٤ "تَفَعَّلَ": كقولك٥: تَعَظَّمَ واستَعظَمَ وتَكبَّرَ واستكبَرَ.
والخامس بمعنى٦ "فَعَلَ": كقولك: مَرَّ واستَمَرَّ وقَرَّ واستَقَرَّ.
افعالَّ: ولا يكون متعدِّيًا. وأكثرُ ما صِيغَ للألوان٧، نحو قولك: اشهابَّ واسوادَّ وابياضَّ وادهامَّ. وقد قالوا: املاسَّ واضرابَّ، وليسا من اللون٨.
افعَلَّ: هو مقصورٌ من "افعالَّ" لطول الكلمة، ومعناها كمعناها، بدليل أنه ليس شيء من "افعَلَّ" إِلَّا يُقال فيه "افعالَّ". إِلَّا أنه قد تَقِلُّ إِحدى اللغتين في شيء، وتكثر الأُخرى؛ ألا ترى أنَّ طَرْحَ الألف من: احمَرَّ واصفَرَّ وابيَضَّ واسوَدَّ، أكثرُ، وإِثباتَها في اشهابَّ وادهامَّ [واكهابَّ] ،٩
стр. 132
أكثر؟ وقد قالوا: ارقَدَّ١ في العَدْوِ وارعَوَى واقتَوَى٢ –وكلُّه "افعَلَّ"- ولم يُسمع منهم في شيء من ذلك٣ "افعالَّ". إِلَّا أنه يجوز بالقياس. وهو أيضًا لا يتعدَّى, كما لا يتعدَّى أصلُه الذي قُصِرَ منه.
افعَوَّلَ: يكون متعدِّيًا وغيرَ متعدٍّ. فالمتعدِّي نحو: اعلَوَّطَ المُهرَ٤. وغيرُ المتعدّي نحو: اخرَوَّطَ السَّفَرُ٥ واجلَوَّذَ٦.
افعَوعَلَ: يكون٧ متعدِّيًا وغيرَ متعدٍّ. فالمُتعدِّي نحو: احلَولَيتُ الشيءَ. قال الشاعر٨:
فلَمَّا أَتَى عامانِ, بَعدَ انفِصالِهِ ... عَنِ الضَّرعِ واحلَولَى دِماثًا يَروُدُها
ورَوى ابنُ مِقْسَم٩ عن ثعلب١٠:
لَو كُنتَ تُعطِي، حِينَ تُسألُ, سامَحَتْ ... لَكَ النَّفسُ, واحلَولاكَ كُلُّ خَلِيلِ
وكذلك: اعرَورَيتُ الفَرَسَ١١. وغير المتعدِّي نحو: اغدَودَنَ١٢ النَّبتُ. ومعناه على كلِّ حالٍ المبالغةُ، نحو: خَشُنَ واخشَوشَنَ وأَعشَبَ واعشَوشَبَ.
افعَلَلَّ: لا يكون متعدِّيًا أبدًا، نحو: اطمأنَّ واقشَعَرَّ١٣.
стр. 133
حروف الزيادة
مدخل
...
حُرُوفُ الزِّيادَة:
وأمَّا حروفُ١ الزيادة فعشَرةٌ، ويجمعها قولك: أَمانٌ وتَسهيلٌ.
فإِن قيل: ولم سُمِّيَتْ حروفَ الزيادة، وهي قد تكون أصولًا؟ فالجواب أنَّ المراد بذلك أنها الحروف التي لا تكون الزيادةُ إِلَّا منها؛ ألا ترى أنه متى وُجِد حرفٌ في كلمة زائدًا٢ لا بدَّ أن يكون أحدَ هذه الحروف.
فإِن قيلَ: فهلّا زِدتُم في حروف الزيادة كافَ الخطاب، التي في "تِلك" و"ذاك"٣ ونحوهما، والشينَ اللاحقة للكاف التي هي ضمير المؤنث في الوقف، نحو: أعطَيتُكِشْ وأكرمتُكِشْ. فالجواب أنه لا يُتكلَّمُ في هذا الموضع، من حروف الزيادة، إِلَّا فيما جعلتْه العرب كالجزء من الكلمة، نحو همزة أحمر وتاء تَنضُب وأشباه ذلك؛ ألا ترى أنهما من كمال الاسم، كالدال من "زيد"؟ لأنَّ هذا الضرب هو الذي يُحتاج إِلى إِقامة الدليل على زيادته، لمشاكلته الأصلَ في كونه من كمال البناء. فأمَّا ما لم تجعله كالجزء ممّا زِيد معه فزيادته بيّنة، لا يُحتاج إِلى إِقامة دليل عليها.
فإِن قيل: فإِنَّ الكاف قد تُزاد على أنها من نفس الكلمة، فيقال: هِندِيّ وهِندِكيّ، في معنى واحد. وهو المنسوب٤ إلى الهند. قال الشاعر٥:
ومَقُرونةٍ, دُهْمٍ وكُمتٍ, كأنَّها ... طَماطِمُ, يُوفُونَ الوِفارَ, هَنادِكُ
أي: منسوبون إلى الهند. فالجواب أن هِندِيًّا وهِندِكيًّا٦ من باب سَبِط وسِبَطْر –أعني ممّا
стр. 134
تقارب فيه اللفظُ، والأصلُ مختلفٌ– لأنه لم يثبت١ زيادة [١٨ب] الكاف في موضعٍ غيرِ هذا، فيُحملَ هذا عليه.
فإِن قيل: فإِذا كان الأمرُ على ما ذكرتَ فلمَ أَوردوا في حروف الزيادة اللّامَ الزائدةَ، في مثل "ذلك", والتاءَ الزائدةَ للتأنيث، في مثل قائمة، وهما ليسا كالجزء مما زيدا فيه؟ ألا ترى أنَّ "قائمًا"٢ اسمٌ كامل دون التاء, وكذلك "ذلك" اسمٌ كاملٌ دون اللّام؛ لأنك تقول: "ذاك"؟ فالجواب عن ذلك شيئان:
أحدُهما: أنَّ التاء الزائدة قد تكون، في موضع، من نفس الكلمة٣ نحو: عِفرِيت، وكذلك اللّام في نحو٤: عَبْدلٍ٥ وزَيدلٍ٦. فإِن قيل: فإِنَّ اللام في عَبدلٍ ليست من كمال الاسم؛ لأنك تقول: عَبْدٌ، وكذلك زَيدلٌ لأنك تقول: زَيدٌ. فالجواب أنَّ الذي يقول عبدلًا وزيدلًا ليس "عبد" و"زيد" عنده باسمين كاملين، بل هما بعضُ اسم، بدليل جعلهما حرفي إعراب كالدال من "زيد"٧. فلمَّا كانا من نفس الحرف في بعض المواضيع ذُكرا مع حروف الزيادة.
والآخَرُ: أنَّ تاء التأنيث في مثل قائمة واللّام في مثل "ذلك" بمنزلة ما هو من نفس الحرف. أمَّا تاء التأنيث فلأنها قد صارت حرف إِعراب. وأيضًا فإِنك لو أسقطتها لاختلَّت دلالة الاسم؛ لأنه كان يُعطي التأنيث، فإِذا سَقطت منه لم يبقَ ما يدلُّ على التأنيث، وصار مدلول الاسم شيئًا آخَر. وقد تلزم في بعض المواضع نحو: رَفاهِيَة٨ وكَراهِيَة وطَواعِيَة، لا يجوز حذفها في شيء من ذلك. وأمَّا اللّام فإِنها إِذا زيدت في اسم المشار صار اسم الإِشارة يقع على البعيد، فإِذا أسقطتها منه اختلَّت٩ دلالته التي كانت له مع اللّام، وصار يعطي القريب، نحو "ذا".
فإِن قيل: فلمَ أوردوا فيها الهاء، وهي لا تُزاد إِلَّا لبيانِ الحركة، فلم تتنزَّل منزلة الجزء مما زيدت فيه؟ فالجواب أنَّ المبرّد١٠ قد أخرجها لذلك من حروف الزيادة. وسنُبيّن كونها من
стр. 135
حروف الزيادة في فصل الهاء١ إِن شاء الله [تعالى] ٢.
فتَبَيَّنَ أنَّ حروف الزيادة٣، التي يجب أن تُورَدَ هنا، إِنما هي العشَرةُ المتقدّمةُ الذّكر. وما عدا ذلك من الحروف لا يزاد٤ إِلَّا في التضعيف. فإِنَّ كلَّ حرف يُضعَّفُ فإِنَّ أحدَ المُضعَّفينِ زائدٌ، ما لم تَقُم الدَّلالةُ على أصالتهما٥. وذلك بأن يؤدِّي جعل أحدهما زائدًا إلى بقاء الكلمة على أقلِّ من ثلاثة أحرف، نحو: ردّ، إذ لا بدَّ من فاء وعين ولام٦. وسنُفرِد لذلك٧ بابًا، عقِبَ الفراغ من حروف الزيادة، وسنُبيِّن٨ فيه أيُّ الحرفين هو الزائد؟ فإِنَّ في ذلك خلافًا.
ولا يُزاد حرف من هذه الحروف إِلَّا:
للإِلحاق: نحو واو: كَوثَر.
أو لمعنى: نحو حروف المُضارَعة٩.
أو للإِمكان١٠: نحو همزة الوصل –فإِنها زيدت ليُتوصَّلَ بها إِلى النطق بالساكن- ونحو الهاء المزيدة، فيما كان من الأفعال على حرف واحد، في الوقف، نحو: فِهْ، وعِهْ. فإِنه لا يمكن النُّطق بحرف واحد، إذ لا أقلَّ من حرفٍ يُبتدأ به، وحرفٍ يوُقَفُ عليه.
أو لبيان الحركة: في نحو ﴿سُلطانِيَهْ﴾ ١١.
أو للمَدّ١٢: نحو: كِتاب وعَجُوز١٣ وقَضِيب. وإِنّما زيدت هذه الحروف، ليزول معها قَلَقُ اللسان بالحَركات المجتمعة، أو ليزولَ معها اجتماع الأمثال في نحو: شَدِيد. وممّا١٤ يدلّ على أنهم قد يزيدون الحرف، للفصل بين المثلين، قولُهم في جمع قَردَدٍ: "قَرادِيد" في فصيح
стр. 136
الكلام. ولا تفعل [العربُ] ذلك فيما ليس في آخره مِثلانِ، إِلَّا في الضرورة، نحو قوله١:
[تَنفِي يداها الحَصَى، في كُلِّ هاجِرةٍ] ... نَفْيَ الدّراهِمِ تَنقادُ الصَّيارِيفِ
أو للعِوَض: نحو تاء التأنيث في: زنادقة. فإِنها عِوَضٌ من ياء زَناديق٢.
أو لتكثير الكلمة: نحو أَلف: قبَعْثرًى٣، ونون "كَنَهْبُل"٤؛ لأنه لا يمكن فيهما الإِلحاق، إذ ليس لهما من الأصول نظير يلحقان به. وإِذا٥ أمكن أن تجعل الزيادة لفائدة كان أولى من حملها على التكثير, إِذ لا فائدة في ذلك. فلذلك جعلنا الحرف الزائد في كلمة لها نظير، قد قابل الحرفَ الزائدَ منها حرفٌ أصليٌّ من ذلك النظير للإِلحاق [١٩أ] ، إِلَّا أن يمنع من ذلك مانع.
وقد٦ تقدَّم ما يُعلم به أنَّ الحرف مُلحَق في الأفعال، عند ذكر الأفعال. وأمَّا في الأسماء فإِذا كان المزيد منها في مقابله حرف أصليّ، من بناء آخر على وَفق٧ البناء الذي فيه الحرف الزائد، قضيت عليه بأنه للإِلحاق، إِلَّا أن يكون ذلك الحرف ألفًا غيرَ آخِر، أو ياء أو واوًا حركةُ ما قبلَهما من جنسهما، نحو: قَضِيب وعَجُوز، أو ميمًا أو همزة في أوّل كلمة.
أمَّا الألف فإِنها لم يُلحَق بها حشوَ الكلمة؛ لأنها لو جعلت للإِلحاق لم تكن إِلَّا منقلبة، كما أنَّ ألف الأصل لا تكون إِلَّا منقلبة. فإِذا قدَّرتها منقلبة لم يخلُ من أن يكون الحرف الذي انقلبتْ عنه ساكنًا أو متحرّكًا. فلا يُتصوَّر أن يكون ساكنًا، إِذا لا موجب لإِعلاله. ولا يُتصوَّر أن يكون متحركًا؛ لأنه يؤدّي إِلى تغيّر الملحق عن بناء ما أُلحق به، وذلك لا يجوز. ولذلك احتملوا ثقل اجتماع المثلين في قَردْدَ ولم يدغموا، لئلّا يتغيَّر عن بناء ما أُلحق به، وهو جَعْفَر، فلا يحصل الغرض الذي قُصد به، من تصيير الملحق على وفق الملحق به في الحركات والسَّكنات وعدد الحروف. وأمَّا إِذا كانت طرفًا فيُتصور الإِلحاق بها؛ لأنها إِذ ذاك تُقدَّر منقلبة عن حرف متحرّك. ولا يكون ذلك تغييرًا لبناء الملحق عن أن يكون على مثال ما أُلحق به؛ لأنَّ حركة الآخر ليست من البناء.
وأمَّا الياء المكسورُ ما قبلها والواو المضمومُ ما قبلها فأُجرِيا في منع الإِلحاق بهما مُجرَى
стр. 137
الألف، لشبههما بها في الاعتلال والمدّ.
وأمَّا الهمزة والميم أوّلًا فلم يُلحق بهما؛ لأنَّ العرب قد عزمت على زيادتهما أوّلًا، إذا كان بعدهما ثلاثة أحرف أصول، إِلَّا فيما شذّ، على ما يُبيَّنُ في موضعه١. فلمّا عزموا على ألَّا يكونا أصلين لم يستعملوهما في ذينك الموضعين للإِلحاق؛ لأنَّ في ذلك تقريبًا لهما من الأصول، وتنزيلًا لهما منزلتها، فيكون ذلك نقضًا لِما اعتزموه من زيادتهما. وممّا يُبيِّنُ لك أنهما ليسا للإَلحاق وجودُ "أشدّ" و"مَفَرّ" في كلامهم، والأصل "أَشْدَد" و"مَفْرَر". فلو كانا للإِلحاق لم يُدغما كما لم يُدغم مثل قَرْدَد٢.
فإِن قال قائل٣: ولأيّ شيء خَصُّوا هذه الأحرف العشرة بالزيادة، من بين حروف المعجم؟ فالجواب أنَّ أُمَّهاتِ هذه الزوائد، والذي٤ هو زائد منها بحقّ الأصالة، الواو والياء٥ والألف، لكثرة دورها في الكلام واستعمالها؛ ألا ترى أنه لا تخلو كلمة منها أو من بعضها. أعني الحركاتِ: الضَّمَّة والكسرةَ والفتحةَ؛ لأنَّ الضَّمَّة بعضُ الواو، والكسرةَ بعضُ الياء، والفتحةَ بعضُ الألف؟ ولمّا كانت أُمَّهاتِ الزوائد لذلك كانت أكثر الحروف زيادةً، على ما يُبيَّن بعدُ٦، إِن شاء الله.
وأمَّا الهمزة والتاء والميم٧ والنون فزِيدَت لشبَهِها بحروف العِلَّة:
أمَّا الهمزة فشبَهُها بحروف العِلَّة من جهة كثرة تغييرها، بالتسهيل والحَذف والبَدل.
وأمَّا التَّاء فأشبهت الواو من جهة تقارب مخرجيهما. ولذلك أُبدِلَت منها في مثل: تُراث وتُكأة؛ لأنهما من: وَرِثتُ وتَوكّأتُ.
وأمَّا الميم فمضارِعةٌ للواو أيضًا. من جهة تقاربهما في المخرج، ومضارعةٌ لحروف العِلَّة كلِّها، من جهة الغُنَّةِ التي فيها، الشبيهةِ باللِّين الذي في حروف العِلَّة؛ لأنَّ الغُنَّة فضلُ صوت في الحرف كما أنَّ اللِّين كذلك.
وأمَّا النُّون فأشبَهتْ أيضًا حروفَ العِلَّة، من جهة الغُنَّة التي فيها.
стр. 138
ولمّا كانت هذه الحروف قريبة الشبه من حروف العِلَّة كانت تليها في كثرة الزيادة، على ما يُبيَّنُ بعدُ، إِن شاء الله تعالى.
وأمَّا السين واللّام والهاء فإِنها زِيدت لشَبَهها بالحروف المشبَّهة بحروف العِلَّة١:
أمَّا اللّام فمُشْبِهةٌ للنُّونِ، من حيثُ تَستطيلُ في مخرجها حتّى تلحقَ بمخرج النون، على ما يُبيَّنُ في الإِدغام.
وأمَّا السين٢ فإِنها تُشبه التاء، لهمسها [١٩ب] وتقارب مخرجيهما.
وأمَّا الهاء فمُشْبِهةٌ للهمزة، من جهة تقارب مخرجيهما؛ لأنهما من حروف الحلق.
ولمّا كانت هذه الحروف لم تُشْبِه حروف العِلَّة، بل أَشبهت المُشبَّه بها، لم تجئ مزيدةً إِلَّا في ألفاظ محفوظة، وأماكنَ مخصوصة لا تتعدّاها. فهي أقلُّ الحروف زيادة لذلك.
стр. 139
ذكر الأماكن التي تزاد فيها هذه الحروف:
باب اللّام:
أمَّا اللّام١ فإِنها تُزاد في: "ذلِك" و"تِلك"، بفتح التاء وكسرها، و"تالِك" و"أُولالِك" و"هُنالِك". والدليل على زيادتها في هذه الأشياء قولُهم في معناها: ذاك وتِيك وأُولاك٢ وهُناك.
وتُزاد أيضًا في عَبْدلٍ وفي زَيدلٍ وفي فَحْجَلٍ٣. فالدليل على زيادتها في زيدل أنَّ معناه "زيد"، وكذلك أيضًا عبدل٤ دليلُ زيادةِ لامِه كونُه في معنى "عَبْد".
وزعم أبو الحسن٥ أنَّ معنى عبدل: عبد الله. فعلى هذا تحتمل هذه اللّام أن تكون زائدة على "عبد" من "عبد الله". ويحتمل أن تكون هذه اللّام من "الله" فيكون عَبْدَلٌ على هذا اسمًا مركَّبًا من "عبد" و"الله"، كما فعلوا ذلك في عبد الدار وعبد قيس، فقالوا: عَبْدَرِيٌّ وعَبْقَسِيٌّ. فلا تكون اللّام على هذا زائدةً، بل هي بعض اسم. إِذ لو جعلناها زائدة لوجب أن تكون الراء من عَبْدَرِيّ والقاف من عَبْقَسِيّ زائدتين، والراء والقاف ليسا من حروف الزيادة. وأمَّا فَحْجَلٌ فالدليل على زيادة لامه أنه في معنى الأَفحَج.
стр. 140
وحكى١ عليُّ بن سليمان، عن أبي العباس المبرّد، أنه كان يقول: العَثْوَلُ٢: الطويل اللحية. وهو مأخوذ من قولهم: ضِبْعانٌ أَعثَى، وضَبُعٌ [عَثواءٌ] ، إِذ كانا كثيرَيِ [الشَّعر] وكذلك يقال للرجل والمرأة. فاللّام من عَثْوَلٍ زائدة [كما] أَنها في فحجل كذلك.
فأمَّا فَيشَلةٌ٣ وهَيقَلٌ٤ وطَيسَلٌ٥ فيمكن أن تجعل اللّام فيها٦ زائدةً؛ لأنه يقال "فَيْشةٌ" في معنى فَيشَلة، و"هَيقٌ" في معنى هَيقَل٧، و"طَيسٌ" في معنى طَيسَل. ويمكن أيضًا أن تجعل اللّام أصليَّةً والياء زائدة؛ لأنَّ زيادة الياء أوسعُ من زيادة اللّام، فتكون هذه الألفاظ متقاربة وأُصولُها مختلفة، نحو: ضَيَّاط٨ وضَيطار٩، وسَبِط وسِبَطْر؛ ألا ترى أنَّ الراء لا تزاد، وأنَّ ضَيَّاطًا وضَيطارًا، وسَبِطًا١٠ وسِبَطْرًا، متقاربةٌ وأصولُها مختلفة؟
ولا يُحمل زيدل إِلَّا على زيادة اللّام؛ لأنَّ استعمال زيد أكثر من استعمال زيدل. فدلَّ ذلك على أنَّ زيدًا هو الأصل، وأن اللّام زائدة.
وكذلك فَحْجَلٌ وعَبْدَلٌ اللّام فيهما زائدة، ولا يجعلأنَّ من ذوات الأربعة، ويجعلُ عبد وأفحج من ذوات الثلاثة، فيكونَ من باب: ضَيَّاط وضَيطار؛ لأنَّ عبدًا وأفحج هما الأصلان، لكثرة استعمالهما وقلّة عبدل وفحجل.
فأمَّا فَيشةٌ وفَيْشلةٌ وهَيقٌ وهَيقَلٌ وطَيسٌ وطَيسَلٌ، فكلّ واحد من هذه الألفاظ قد كَثُرَ استعماله. فلذلك ساغ تقديرُ كلّ واحد منهما أصلًا بنفسه.
وزعم محمّد بن حَبيب أنَّ اللّام من عَنْسَلٍ١١ زائدة؛ لأنه في معنى عَنْس. والصحيح ما
стр. 141
ذهب إِليه سيبويه١، من أنَّ لامه أَصليَّةٌ، وأنه مشتقّ من العَسَلأنَّ –وهو عدو الذئب- والنون زائدة؛ لأنَّ زيادة النون أَسهلُ من زيادة اللّام، واشتقاقُهُ واضح لا تكلُّفَ فيه.
وأمَّا ازلَغَبَّ٢ الفَرخُ أي: زَغَّبَ٣. فلامه أصليَّة؛ لأنَّ "ازلغبَّ" في معنى "زَغَّبَ"٣ كثيرُ الاستعمال، فينبغي أن يُجعل أصلًا بنفسه٤، ولا تُجعل اللّام زائدة، لقلّة زيادة اللّام. وبالجملة فإِنَّ "ازلغَبَّ" فِعْلٌ، ولا تُحفَظ٥ زائدة في فعل.
فهذه جملة٦ الألفاظ التي زيدت اللّام فيها.
стр. 142
باب الهاء:
أمَّا الهاء فتُزاد لِبيان الحركة، في نحو: فِهْ، وارمِهْ١، وزعم أبو العبَّاس٢ أنها لا تُزاد في غير ذلك. ولذلك لم يجعلها من الحروف الزوائد كما تقدَّم٣. والصحيح أنها تُزاد في غير ذلك، إِلَّا أنَّ ذلك قليلٌ جدًّا. فالذي زِيدت فيه من غير ذلك: أُمَّهَةٌ٤ وهِجْرَعٌ وهِركَولةٌ وهِبْلَعٌ٥ وأَهْراقَ وأَهْراحَ الماشِيةَ.
أمَّا أُمَّهة ففيها خلاف، فمنهم من جعل الهاء فيه٦ زائدةًَ، ومنهم من جعلها أصليَّةً. فالذي [٢٠أ] يجعلها٧ زائدة يستدلُّ على ذلك بأنها في معنى الأُمّ. قال٨:
أُمَّهَتي خِندِفُ والياسُ أَبِي
أي: أُمّي. إِلَّا أنَّ الفرق بين أُمَّهة وأُمّ أنَّ "أُمَّهة" إِنما تقع في الغالب على مَن يَعقل، وقد تُستعمل فيما لا يَعقل. وذلك قليل جدًّا، نحو قوله٩:
قَوَّالُ مَعرُوفٍ, وفَعَّالُهُ ... عَقَّارُ مَثنَى, أُمَّهاتِ الرِّباعِ
стр. 143
و"أُمّ" يقع في الغالب على ما لا يَعقل، وقد يقع على العاقل، نحو قوله١:
لَقَد وَلَدَ الأُخَيطِلَ أُمُّ سَوءٍ ... على بابِ اسْتِها صُلُبٌ وشامُ
وممّا يدلّ أيضًا، على زيادة الهاء٢ في "أُمَّهَة"، قولهُم: أُمٌّ بَيِّنةُ الأُمومة، بغير هاء. ولو كانت أصليَّةً لثَبَتَتْ في المصدر.
والذي يجعلها أصليَّةً يستدلّ على ذلك بما حكاه صاحب "العَين"٣، من قولهم: تأمَّهْتُ أُمًّا. فتأمَّهتُ: "تَفَعَّلْتُ" بمنزلة "تَنبَّهتُ"، مع أنَّ زيادة الهاء قليلة جدًّا، فمهما أمكن جعلها أصليَّة كان ذلك أولى فيها.
والصحيح أنها زائدةٌ؛ لأنَّ الأُمُومة حكاها أئمّة اللغة. وأمَّا "تأمَّهتُ" فانفرد بها صاحب العين. وكثيرًا٤ ما يأتي في كتاب "العَين" ما لا يَنبغي أن يُؤخذ به، لكثرة اضطرابه وخلله.
وأمَّا هِجْرَعٌ وهِبْلَعٌ وهِرْكَولةٌ فزعم أبو الحسن أنَّ الهاء فيها زائدة، واستدلّ على زيادتها بالاشتقاق. فأمَّا هِجْرَعٌ فهو الطويل، فكأنه مأخوذٌ من الجَرَع. وهو المكان السهل المنقاد. وأمَّا الهِبْلَعُ فالأَكُول، ففيه معنى البَلع. وأمَّا الهِرْكَولةُ فهي التي تَركُلُ في مِشيتها. فالهاء فيها٥ زائدة. وبعض العرب يقول هِرَّكْلةٌ وهُرَكِلةٌ. وينبغي أن تجعل الهاء فيها أصليَّة٦.
والصحيح أنَّ الهاء في هِبْلَع زائدةٌ، لوضوح اشتقاقه من البلع. وأمَّا هِجْرَع فوجه الجمع بينه وبين الجَرَع ليس له ذلك الوضوح الذي لهِبْلَع. فينبغي أن تجعل الهاء أصليَّة، وألَّا تُجعل من لفظ الجَرَع. على أنَّ أحمد بن يحيى قد حكى: هذا أَهْجَرُ من هذا، أي: أَطوَلُ منه٧. فيحتمل أن يكون من لفظ هِجْرَع، وحُذِفت لامه٨. ويكون في قولهم "أَهجَرُ من كذا" دلالةٌ على أصالة الهاء.
وأمَّا الهِرْكَولة فقد حكى أبو عُبيدة أنها الضَّخمةُ الأوراكِ. فعلى هذا تكون الهاء أصليَّةً، إِذ لا اشتقاق يقضي بزيادة الهاء؛ لأنه على هذا ليس مأخوذًا من "رَكَلَ". فإِذا ثَبَتَ أنَّ الهاء في هِركَولة
стр. 144
أصليَّة، عند من يجعله واقعًا على الضخمة١ الأوراك، فكذلك ينبغي أن يُجعل٢، إِذا وقع على المرأة التي تركل في مِشيتها، وألَّا يُجعل ذلك مشتقًّا من "رَكَلَ"، بل اسم للمرأة التي تركل في مِشيتها، إِذ قد٣ ثَبَتَتْ أصالتها في موضع.
وكذلك هُلَقِمٌ من قول الراجز٤:
هُلَقِمٌ يأكُلُ أَطرافَ النُّجُدْ
ينبغي أن تكون الهاء فيه زائدة؛ لأنه من اللَّقم. إِلَّا أنه لا ينبغي أن يُجعل مستدرَكًا على سيبويه؛ لأنه لا يُحفظ في نثر. وأمَّا هِبْلَعٌ فينبغي أن يُجعل من الفوائت.
وأمَّا أهْراقَ، وأهْراحَ الماشيةَ، فإِنَّ الهاء فيهما٥ زائدة؛ لأنهما في معنى: أَراقَ وأَراحَ.
فإِن قيل: إِنَّما ينبغي أن يُجعل هذا من البدل؛ لأنَّ قياس٦ قول سيبويه٧ في أَسْطاعَ: "إِنَّ السين عِوَضٌ من ذَهاب حركة العين" أن يكون الأمر في "أَهْراقَ" و"أَهْراحَ" كذلك. فالجواب أنه ينبغي أن يُجعل٨ ذلك في باب البدل من وجه، وفي باب الزيادة من وجه. وسنُبيِّنُ٩ ذلك في فصل١٠ السين، إِن شاء الله تعالى.
стр. 145
باب السين:
وأمَّا السين فتُزاد١ في "استَفْعَلَ" وما تَصَرَّف منه٢، من مضارع واسم فاعل واسم٣ مفعول ومصدر. وتزاد٤ أيضًا في الوقف؛ لتبيين كسرة الكاف من المؤنَّث، في لغة بعض العرب، نحو: مَرَرْتُ بِكِسْ، وأَكرَمْتُكِس٥. وزيادتها في هذين المكانين بيِّنةٌ، لا يُحتاج إلى إِقامة دليل عليها. أمَّا في الوقف فلكونها لم تجعل كالجزء ممّا دخلت عليه، فبانت لذلك زيادتها. وأمَّا في "استَفعَلَ" فلكونه أبدًا مبنيًّا من فعل ثلاثيّ، فبانت لذلك زيادتها [٢٠ب] ، لوضوح ردّها إِلى الثلاثيّ غير المزيد.
وأمَّا٦ "استَخَذَ فلانٌ" من قول العرب: استَخَذَ فلأنَّ أرضًا، ففي ذلك قولان:
أَحدهما: أنه يجوز أن يكون في الأصل "اتَّخَذَ" وزنه "افتَعَلَ" من قوله تعالى٧: "لَتَخِذْتَ٨ عَلَيهِ أَجرًا"، ثمّ أَبدلوا السين من التاء الأولى التي هي فاء [الكلمة] ٩، كما أَبدلوا التاء من السين في سِتّ؛ لأنَّ أصلها "سِدْسُ" بدليل قولهم: أسداس. فلمّا أبدلوا التاء من السين، فقالوا "سِدْتٌ"، أدغموا الدال في التاء. وإِنَّما جاز ذلك؛ لأنَّ السين والتاء مهموسان، فجاز إِبدال كلّ واحد منهما من الآخر، بسبب ذلك.