← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 8667

الممتع الكبير في التصريف

ابن عصفور

Полный текст (542 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أراد: الآنَ١. وحكى أبو زيد أنه سمع مَن يقول: حَسبُكَ تَلانَ، يريد: حسبُكَ الآنَ. [فزادَ التاء] ٢. ومع الحين، في أحد القولين، في نحو قوله٣: العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ... والمُسبِغُونَ نَدًى إِذا ما أَنعَمُوا جميع هذا يُحكم على التاء فيه بالزيادة، ولا يُحتاج في ذلك إلى دليل، لوضوح كونها زائدةً فيه. وأمَّا القسم الذي يُحكم عليه بالأصالة، ولا يكون زائدًا إِلَّا بدليل، فما عدا ذلك. وإنما قضينا على التاء بالأصالة، فيما عدا ذلك، لكثرة تَبيُّن أصالة التاء فيما يُعرف له اشتقاق أو تصريف٤، نحو: تَوءَم –فإنَّ تاءه أصليَّة؛ لأنك تقول في الجمع: تُؤامٌ. وتُؤامٌ: "فُعالٌ" فتاؤه أصل – وأمثالِ ذلك. ويقلُّ وجودُها زائدةً فيما عُرف له اشتقاق أو تصريف. فلمّا كان كذلك حُمل ما جُهل أصله على الكثير، فقُضي على تائه بالأصالة. فممّا جاءت فيه التاء زائدة أوَّلًا: تألَبٌ وتُرتَبٌ٥ وتُدْرأٌ٦ وتِجفافٌ٧ وتَعضُوض٨ وتِمثالٌ وتِبيانٌ وتِلقاءٌ وتِضرابٌ٩ وتِهواءٌ١٠ من الليل وتِمساحٌ للكذَّاب وتِمْرادٌ لبيت الحمام ورَجل تِقوالةٌ. فالدليل١١، على زيادتها في تَأْلَب اسم الحِمار، أنه١٢ مأخوذٌ من [قولك] ١٣: أَلَبَ الحِمارُ أُتُنَه يألِبُها، إذا طردها. وكذلك١٤ تُرتَبٌ: "تُفْعَلٌ" مِن الشيء الرَّاتب. وتُدرأٌ١٥ من:

стр. 177

دَرأتُ، أي: دَفَعتُ. وأيضًا فإِنه لا يمكن جعل التاء في تُرتبٍ وتُدرأ أصلًا؛ لأنه ليس في كلامهم "فُعْلَلٌ". وكذلك تَتْفُلٌ١ تاؤه زائدة؛ لأنها لو كانت أصليَّة لكان وزن الكلمة "فَعْلُلًا". وذلك بناء غير موجود في كلامهم. ومن قال: تُتْفُلٌ، بضمِّ التاء فهي عنده أيضًا زائدة، لثبوت زيادتها في لغة مَن فَتَحَ التاء. وكذلك٢ تِجفاف وتَعضُوض وتِبيان وتِلقاء وتِمساح وتِقوالة وناقة تِضراب، هي٣ مشتقَّة من: الجُفُوف والعَضِّ والبَيان واللّقاء والمَسحِ والضِّراب والقَول. وتِمرادٌ٤؛ لأنه من ماردٍ أي: طويل. ومنه: قَصرٌ ماردٌ. وتِهواءٌ من الليل من قولهم: مَرَّ هَوِيٌّ٥ من الليل. وكذلك التاء في تِنبال زائدة؛ لأنَّ التِّنبال هو القصير، والنَّبَلُ هم القِصار، فيكون التِّنبال٦ منه. وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل اللغة٧. وزيدت آخِرًا٨ في سَنبَتة، بدليل قولهم: مَرَّتْ عليه٩ سَنبةٌ من الدهر، بمعنى سَنبتة أي: قِطعة –فيحذفون التاء- وفي رَغَبُوت ورَهَبُوت وطاغُوت١٠ ورَحَمُوت ومَلَكُوت وجَبَرُوت؛ لأنها بمعنى الرغبة والرهبة والرحمة والمُلك والتجبُّر والطُّغيان. [وقد] ١١ قالوا: رَغَبُوتَى ورَهَبُوتَى ورَحَمُوتَى١٢، والتاء فيها أيضًا١٣ زائدة.

стр. 178

فأمَّا الثَّلَبُوت١ من قول لبيد٢: بأحِزَّةٍ الثَّلَبُوتِ, يَربأ فَوقَها ... قَفْرَ المَراقِبِ, خَوفُها آرامُها فالتاء فيه أصل. وأجاز ابن جنِّي أن تكون التاء زائدة، حملًا على جَبَرُوت وأَخواته. قال: وليس ذلك بالقويِّ٣. والصحيح أنه لا يَسوغ جعلُ التاء فيه زائدةً، لقِلَّة ما زيدت فيه التاء, ممّا هو على وزنه، إذ لا يُحفظ منه إِلَّا سِتَّةُ الألفاظ المذكورة٤. وكذلك هي في عَنكَبُوت زائدة. واستدلَّ على ذلك سيبويه٥، بقولهم في جمعه: عَناكِب. ووجه الدليل من ذلك أنهم كَسَّرُوا عنكبوتًا من غير استكراه. أعني: من غير أن يُكلَّفوا ذلك٦. ولو كانت التاء أصليَّة لكان من بنات الخمسة. وهم لا يكسّرون بنات الخمسة إِلَّا بعد استكراه. فدلَّ ذلك على أنه ليس من بنات الخمسة، وأنَّ تاءه زائدة. وأيضًا فإنهم يقولون في معناه٧. العَنكباء. وذلك قاطع [٢٧أ] بزيادة التاء. وفي٨ عِفرِيت وغِزوِيت٩. أمَّا غِزوِيت فالدليل على زيادة تائه أنك لا تخلو من أن تجعل التاء والواو أصليَّتين. أو تجعل التاء أصليَّة والواو زائدة١٠ أو العكس. فجعلهما أصليَّتين١١ يؤدِّي إلى كون الواو أصلًا١٢، في بنات الأربعة [من غير المضعَّفات] ١٣. وذلك فاسد. وجعل الواوِ زائدةً١٤ والتاءِ أصليَّة يؤدِّي إلى بناء غير موجود. وهو "فِعوِيل". فلم يبق إِلَّا أن تكون تاؤه زائدة وواوه أصليَّة. وأمَّا عِفريت فتاؤه زائدة، بدليل قولهم في معناه: عِفرِيةٌ.

стр. 179

وزيدت أيضًا في أوَّل الكلمة وآخِرها في١ تَرنَمُوتٍ، ووزنه "تَفْعَلُوتٌ". وهو: صوتُ ترنُّمِ القوسِ عند الإِنباض. قال الراجز٢: تَجاوَبَ القَوسِ بِتَرنَمُوتِها أي: بِتَرنُّمِها.

стр. 180

باب الألف: الألف لا تكون أبدًا أصلًا١. بل تكون زائدة، أو منقلبةًً عن ياء أو واو –فمثال الزائدة ألف ضارِبٍ لأنه من الضَّرْب. ومثال المنقلبة عن الياء ألف "رَمَى" لأنه من الرَّمْي. ومثال المنقلبة عن الواو ألف "غَزا" لأنه من الغَزْو – إِلَّا فيما لا يدخله التصريف، نحو الحروف، والأسماء المتوغلة في البناء، فإنه ينبغي أن يُقضى على الألف فيه بأنها أصليَّة. إذ لا دليل على جعلها زائدة، ولا يُعلم لها أصلٌ في الياء ولا في الواو، فيُقضى على الألف بأنها منقلبة عن ذلك الأصل. وممّا يُبيِّن ذلك وجودُ "ما" و"لا" وأمثالهما في كلامهم. وقد تَقدَّم تَبيِينُ ذلك٢. والألف لا تخلو٣ أن يكون معها حرفان أو أزيد. فإِن كان معها حرفان قَضيتَ٤ عليها بأنها منقلبة من أصل، إذ لا بدَّ من الفاء والعين واللَّام، ونحو: رَمَى وغَزا. وإن كان معها أزيدُ فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف مقطوعٌ بأصالتها، فصاعدًا، أو حرفانِ مقطوع بأصالتهما وما عداهما مقطوعٌ بزيادته، أو محتَمِلٌ أن يكون أصلًا وأن يكون زائدًا. فإن كان معها حرفان مقطوعٌ بأصالتهما، وما عداهما مقطوعٌ بزيادته، كانت الألف منقلبة عن أصل، إذ لا بدَّ من ثلاثة أحرف أصول، كما تقدَّم. وذلك نحو: أَرطًى٥، في لغة من يقول: أَدِيمٌ مَرْطِيٌّ؛ ألَا ترى أنَّ قوله مَرْطِيٌّ يقضي بزيادة الهمزة؟ وإذا ثَبَتَتْ زيادتها ثَبَتَ كون الألف منقلبةً عن أصل.

стр. 181

وإن كان ما عداهما محتملًا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن يكون ميمًا أو همزة في أوَّل الكلمة، أو نونًا ثالثة ساكنة فيما هو على خمسة أحرف، أو غيرَ ذلك من الزوائد. فإن كان ميمًا أو همزة [أولًا] ١، أو نونًا ثالثة ساكنة، قَضيتَ على الألف بأنها منقلبةٌ من أصل، وعلى الميم أو الهمزة أو النون بالزيادة. وذلك نحو: أَفعًى ومُوسًى، ونحو عَقَنقًى إن ورد في كلامهم، إِلَّا أن يقوم دليل على أصالتها٢ وزيادة الألف، وذلك قليل لا يحفظ منه إِلَّا أَرطًى، في لغة من قال: أدِيمٌ٣ مأروطٌ. فإن قيل: فلأيِّ شيء قضَيتم بزيادة الميم والهمزة والنون، وقضيم على الألف أنها منقلبة عن أصل؟ فالجواب أنَّ الذي حَمل على ذلك أشياءُ. منها أنَّ ما عُرِف له اشتقاق، من ذلك, وُجد الأمر فيه على ما ذكرنا من زيادة الميم والهمزة والنون، نحو: أَعمَى وأَعشَى ومَلهًى ومَغزًى٤. ومنها أنَّ الميم والهمزة٥ والنون قد سبقت، فقُضِي عليها بالزيادة لسَبقها إلى موضع الزيادة. فلمّا قُضي عليها بالزيادة وَجب القضاء على الألف بانقلابها عن أصل. ومنها أنَّ الميم والهمزة والنون قد ساوت الألفَ، في كثرة الزيادة، وفَضَلَتْها بقوَّة الاختصاص؛ ألا ترى أنَّ الميم والهمزة قد كثرت زيادتهما أوَّلًا٦، كما كثرت زيادة الألف، واختصَّتا٧ بالزيادة أوَّلًا، وليست الألف كذلك، وأنَّ النون كثرت زيادتها، ثالثةً ساكنة، فيما هو على خمسة أحرف، وبعد الألف الزائدة قبل آخر الكلمة٨، بالشرطين المتقدِّمين في فصل٩ النون، واختصَّت بالزيادة في هذين الموضعين، وليست الألف كذلك؟ وإن كان غيرَ ذلك من الزوائد قَضيتَ على الألف بالزيادة, وعلى ما عداها بالأصالة، إِلَّا ما

стр. 182

شذَّ١، نحو: عُزَّى٢، إِلَّا أن يقوم دليل على أنَّ الألف منقلبة عن [٢٧ ب] أصل. وذلك نحو: قَطَوطًى٣ وشَجَوجًى٤ وذَلَولًى٥. الألف في جميع ذلك أصل٦. وذلك أنَّ الألف لو جُعلت زائدة لم تخلُ الواو من أن تكون أصلًا أو زائدة. فلو جعلتها زائدة لكان وزنها٧ "فَعَولًى". وذلك٨ بناء غير موجود. ولو جعلتَ الواو أصليَّة لم تخل من أن٩ تجعل المُضعَّفين أصلين، أو أحدَهما أصلًا والآخَرَ زائدًا. فلو جعلتهما أصلين لم يجز؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى جعل الواو أصلًا، في بنات الأربعة، وذلك لا يجوز إِلَّا في باب: ضَوضَيتُ١٠ وقَوقَيتُ١١، على ما يُبيَّنُ بعدُ، إن شاء الله. ولو جعلتَ أحدَهما أصلًا والآخَرَ زائدًا لكان وزنها "فَعَلعًى". وذلك بناء غير موجود في كلامهم. فثَبَتَ أنَّ الألف بدلٌ من أصل. وإذا ثَبَتَ ذلك احتملت هذه الأسماء أن تكون الواو فيها زائدة. من غير لفظ اللَّام، وأن تكون من لفظ اللَّام. فإن كانت من غير لفظ اللَّام كان وزن هذه الأسماء "فَعَوعَلًا" نحو: عَثَوثَلٍ١٢ وغَدَودَنٍ١٣ وإن كانت من لفظ اللَّام كان وزنها "فَعَلْعَلًا" نحو: صَمَحْمَحٍ١٤ ودَمَكْمَكٍ١٥. وحملها على أن تكون من باب صَمَحْمَحٍ أولى؛ لأنه أوسع من باب عَثَوثَل. وهو الظاهر من كلام سيبويه، أعني أنها تحتمل ضربين١٦ من الوزن، وباب صمحمح أولى بها.

стр. 183

وأمَّا مَن زعم أنَّ قَطَوطًى وذَلَولًى١ لا يكون وزنهما إِلَّا "فَعَوعَل"٢، واستدلَّ على ذلك بأنَّ اقطَوطَى واذلَولَى وزنُهما "افعَوعَلَ"، وزعم أنَّ سيبويه لو حفظ٣ "اقطَوطَى" لم يُجِزْ في قَطَوطًى إِلَّا أن يكون "فَعَوعَلًا"، فلا يُلتفَتُ إليه، إذ ليس قَطَوطًى باسم جارٍ على "اقطَوطَى"، فيلزمَ أن تكون الواو الزائدة فيه من غير لفظ اللَّام، كما هي في اقطَوطَى. بل لا يلزم، من كونهم قد اشتقُّوا "اقطَوطَى"، من لفظ قَطَوطًى، أكثرُ من أن تكون أصولُهما واحدةً. وذلك موجود فيهما؛ لأنَّ قَطَوطًى إذا كان وزنُه "فَعَلعَلًا" كانت إحدى العينين وإحدى اللَّامين زائدتين، فتكون حروفه الأصول: القاف والطاء والواو. وكذلك "اقطوطَى" الواو وإحدى الطائين زائدتان، وحروفه الأصول: القاف والطاء والواو التي انقلبت ألفًا. والدليل على أنَّ حروفه الأصول ما ذكرنا قولهم: قَطَوانٌ، في معناه. وإنْ كان مع الألف ثلاثةُ أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدًا قُضي على الألف أنها زائدة، إِلَّا في مضاعف بنات الأربعة فإنَّ الألف يُقضى عليها بالأصالة؛ لأنَّ الألف لا تكون أصلًا في بنات الأربعة٤ كما ذكرنا، إِلَّا منقلبة عن ياء أو واو، والياء والواو لا يكونان أصلين في بنات الخمسة إِلَّا فيما شَذَّ ممَّا يُبيَّنُ٥ في بابه، ولا في بنات الأربعة إِلَّا في المضاعف نحو: قَوقَى٦ وضَوضَى٧. فإن قيل: وما الديل على أنَّ الألف ليس زائدة٨ في: ضَوضَى وقَوقَى؟ فالجواب٩ أنَّ جَعل الألف زائدة يؤدِّي إلى الدخول في باب: سَلِسَ وقَلِقَ. وذلك قليل. وأيضًا فإنهم قد قالوا:

стр. 184

ضَوضاءٌ وغَوغاءٌ١ كقَلقال وصَلصال. ولا نحفظ٢ في بنات الثلاثة اسمًا على "فَعْلاء" نحو "سَلقاءٍ" و"ضَرباءٍ"٣ منوّنًا. فدلَّ مجيء ضَوضاءٍ وغَوغاءٍ على أنَّ "ضَوضَى"٤ و"قَوقَى" من بنات الأربعة كـ"صَلصَلَ"٥، و"قَلقَلَ"٦.

стр. 185

باب الياء: الياء١ أيضًا لا تخلو من أن يكون معها حرفان أو أزيدَ. فإن كان معها حرفان كانت أصلًا، إذ لا أقلَّ من ثلاثة أحرف، نحو: ظَبْيٍ ورَمْيٍ. وإن كان معها أزيدُ من حرفين فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها، فصاعدًا، أو حرفان مقطوع بأصالتهما وما عداهما مقطوع بزيادته، أو محتملٌ أن يكون أصلًَا وأن يكون زائدًا. فإن كان معها حرفان مقطوع بأصالتهما وما عداهما مقطوع بزيادته فالياء أصل، إذ لا أقلَّ من ثلاثة أحرف أصول٢، نحو: ياسِرٍ ويافِعٍ، من اليُسرِ ومن يَفَعة. وإن كان ما عداهما محتملًا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن تكون الميم أوّلًا أو الهمزة، أو غير ذلك من الحروف الزوائد. فإن كان الميم أو الهمزة [أوّلًا] ٣ قَضيتَ على الياء بالأصالة، وعلى الميم والهمزة بالزيادة، كما فعلت بهما إذا اجتمعا مع الألف. والسبب في ذلك ما قدَّمناه في فصل٤ الألف. وذلك نحو: أَيدَع٥ ومِيراث. ولا يُحكم على [٢٨أ] الهمزة ولا على الميم بالأصالة، ويُحكم ٦ على الياء بالزيادة، إِلَّا أن يقوم دليل على ذلك نحو: أَيصَرٍ٧. وقد تَقدَّم الدليل على أصالة همزته في فصل٨ الهمزة. وإن٩ كان غير ذلك من الزوائد قضيتَ على الياء بالزيادة، وعلى ما عداها بالأصالة، نحو:

стр. 186

يَرْمَعٍ١، إِلَّا أن يقوم دليل على خلاف ذلك، نحو: ضَهْيأ ويأجَج٢. وإن كان معها ثلاثة أحرف فصاعدًا مقطوعًا بأصالتها قُضي عليها بالزيادة؛ لأنَّ الياء لا تكون أصلًا في بنات الخمسة، ولا في بنات الأربعة، إِلَّا أن يشِذَّ من ذلك شيء فلا يقاس عليه، أو في مضاعف بنات الأربعة، نحو حَيحَى٣. والدليل، على أنَّ الياء في "حَيحَى" أصليَّة، أنك لو جعلتها زائدة لكان "حَيحَى" من باب دَدَنٍ. وذلك قليل جدًّا. فجعلنا الياء أصليَّة، إذ قد قام الدليل على أنَّ الواو والياء٤ يكونان أصلين٥ في مضاعفات بنات الأربعة، نحو: ضَوضَيتُ وقَوقَى٦. والذي شَذَّ من غير المضاعف، فجاءت الياء فيه أصليَّة، نحو٧: يَستَعُور٨. وذلك أنَّ السين والتاء٩ أصلان، إذ ليست السين في موضع زيادتها، ولم يقم دليل على زيادة التاء. فلو جعلنا١٠ الياء زائدة لأدَّى ذلك إلى شيئين: أحدهما أن يكون وزن الكلمة "يَفْعَلُول"١١. وذلك بناء غير موجود. والآخَر لحَاق بنات الأربعة الزيادةُ من أوَّلها، في غير الأسماء الجارية على الأفعال. وذلك غير موجود في كلامهم١٢. فلمَّا كان جعلها زائدة يؤدِّي إلى ما ذُكِرَ جعلناها أصلًا. فإن قيل: فإنَّ في جعلها أصلًا أيضًا خروجًا عما استقرَّ في الياء، من كونها لا تكون أصلًَا في بنات الأربعة فصاعدًا إِلَّا في باب: ضَوضَيتُ١٣. فالجواب أنه لمَّا كان جعلُها زائدةً يؤدِّي إلى الخروج عما استقرَّ، من أن الزيادة لا تلحق بنات ألاربعة فصاعدًا من أوَّلها، وجعلُها أصليَّةً يؤدِّي [أيضًا] ١٤ إلى الخروج عمَّا استقرَّ للياء، من أنها لا تكون أصلًا في بنات الأربعة١٥ إِلَّا في

стр. 187

باب: ضَوضَيتُ، كان الذي يؤدِّي إلى الأصالة١ أولى. وأيضًا فإنَّ الياء قد تكون أصلًا في مضاعف بنات الأربعة، ولا تلحق بناتِ الأربعة فصاعدًا الزيادةُ من أوَّلها، في موضع من المواضع. وأيضًا فجعلها أصلًا يؤدِّي إلى بناء موجود –وهو "فَعْلَلُول"٢ نحو: عَضرَفُوط٣- وجعلها زائدة يؤدِّي إلى بناء غير موجود. وهو "يَفْعَلُول". وزعم أبو الحسن أيضًا أنَّ الياء في شِيراز٤ أصل، وهي بدلٌ من واوٍ، بدليل قولهم في الجمع: شَوارِيز. فإن قيل: وما الذي حمله على جعلها أصليَّةً؟ فالجواب أنَّ الذي حمله على ذلك أنه إن جعل الواو، التي الياءُ٥ بدلٌ منها، أصلًا أدَّى ذلك على بناء موجود. وهو "فِعْلال" نحو: سِرداحٍ٦. وإن جعلها زائدة أدَّى ذلك إلى بناء غير موجود. وهو "فِوْعال". فحملَها على ما يؤدِّي إلى بناء موجود. فإن قيل: وفي جعلها أصليَّة خروج أيضًا عن المعهود فيها. فالجواب أنه لمَّا كان الوجهان كلاهما يُفضيان إلى الخروج عن المعهود كان ما يُفضي إلى الأصالة أولى؛ لأنه مهما قُدِر على أن يُجعل الحرف أصلًا لم يُجعل زائدًا. وأيضًا فإنه لم يثبتْ٧ زيادة الواو في أوَّل أحوالها ساكنة بعد كسرة. فلذلك كان الأولى عنده أن تكون أصليَّة.

стр. 188

باب الواو: الواو١ أيضًا لا يخلو أن يكون معها حرفان أو أَزيدُ. فإن كان معها حرفان كانت أصلًا، إذ لا بدَّ من ثلاثة أحرف. وإن كان معها أزيدُ فلا يخلو أن يكون معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها، فصاعدًا –أي٢: أزيدَ- أو حرفان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوعٌ بزيادته أو محتمل للأصالة والزيادة. فإن كان معها حرفان مقطوعٌ بأصالتهما، وما عداهما مقطوعٌ بزيادته، كانت الواو أصلًا، إذ لا بدَّ من ثلاثة أحرف، نحو: واقِدٍ وواعِدٍ. وإن كان ما عداهما محتملًا للأصالة والزيادة فلا يخلو أن يكون٣ الميم أو الهمزة أوَّلًا، أو غير ذلك من حروف الزيادة٤. فإن كان الميم أو الهمزة [أوّلًا] ٥ قَضيتَ عليها بالزيادة وعلى الواو بالأصالة، لِما ذكرناه في فصل٦ الألف، وإن لم يُعلم الاشتقاق نحو: الأَوتَكَى. وهو ضرب من التمر. إِلَّا أن يقوم دليل على أصالة الهمزة، من اشتقاق أو تصريف أو غير ذلك كأَولَقٍ، فتَجعل الواو إذ ذاك [٢٨ ب] زائدة. وإن كان غير ذلك من حروف الزيادة قَضيتَ على الواو بالزيادة، وعلى ذلك الغير٧ بالأصالة. إِلَّا أن يقوم دليل على أصالة الواو، نحو: غِزْوِيتٍ٨. فإنَّ واوه أصليَّة وتاءَه زائدة،

стр. 189

لِما ذُكر في فصل١ التاء. وإن كان معها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها فصاعدًا قَضيتَ على الواو بالزيادة؛ لأنَّ الواو لا تكون أصلًا في بنات الخمسة، ولا في بنات الأربعة٢ إِلَّا في المضعَّف٣، نحو: قَوقَيتُ وضَوضَيتُ، فإنَّ الواو فيه أصل. وقد تَقَدَّم الدليل على ذلك، بقول٤ العرب: ضَوضاءٌ وغَوغاءٌ، في فصل٥ الألف. ولا تُجعل أصليَّةً، فيما عدا باب ضَوضَيتُ، إِلَّا أن يقوم على ذلك دليل، فيكون شاذًّا نحو وَرَنتَلٍ٦. فإنَّ الواو فيه أصليَّة ووزن الكلمة "فَعَنْلَلٌ"٧، ولا تُجعل زائدةً؛ لأنَّ الواو لا تُزادُ أوَّلًا أصلًا. فإن قيل: وفي جعلها أيضًا أصلًا خروجٌ عمَّا استقرَّ لها، من أنها لا تكون أصلًا إِلَّا في باب: ضَوضَيتُ. فالجواب أنه قد تَقَدَّمَ أنه متى كان في الكلمة وجهان شاذَّانِ، أحدهما يؤدِّي إلى أصالة الحرف، والآخر يؤدِّي إلى زيادته، كانت الأصالة أَولَى. وأيضًا فإن الواو قد جاءت أصلًا في ضرب٨ من بنات الأربعة –وهو المضاعف- ولم تُزَد أوَّلًا٩ في موضع من المواضع. وأيضًا فإنَّ جعلها زائدةً يؤدِّي إلى بناء غير موجود –وهو "وَفَنْعَلٌ"١٠- وجعلها أصليَّةً يؤدِّي إلى بناء موجود. وهو "فَعَنْلَلٌ" نحو: جَحَنفَل١١. فإن قال قائل: إنكم استدللتم على أن "ضَوضَيتُ" وبابه من بنات الأربعة، بقولهم ضَوضاءٌ وغَوغاءٌ؛ لأنه لم يوجد مثل "فَعْلاءٍ" في كلامهم، ولا دليل في ذلك لاحتمال أن تكون الواو زائدة، ويكون وزن الكلمة "فَوعالًا" كتورابٍ١٢. فالجواب أنه لو كان "فَوعالًا" لكان من باب "دَدَنٍ" -أعني مما فاؤه وعينه من جنس واحد- وذلك قليل جدًّا، وباب ضَوضاء وغَوغاء وضَوضَيتُ وغَوغَيتُ كثير، ولا يُتصوَّرُ حملُ ما جاء كثيرًا على بابٍ لم يجئ منه إِلَّا اليسير.

стр. 190

وأيضًا فإنَّ "فَوعالًا" كتَوراب قليلٌ جدًّا١. وإذا كانت الواو أصلًا كان وزن الكلمة "فَعْلالًا" كصَلصالٍ وقَلقالٍ. وذلك بناء موجود في المضعَّف كثيرًا٢. فحمله على ذلك أولى٣.

стр. 191

باب: ما يزاد من الحروف في التضعيف اعلم أنَّ التضعيف لا يخلو أن يكون من باب إدغام المتقارِبَينِ١، أو من باب إدغام المِثلَينِ٢. فإن كان من باب إدغام المتقاربين فلا يلزم أن يكون أحد الحرفين زائدًا. بل قد يمكن أن يكون زائدًا، وأن يكون أصلًا. وإذا كان الإدغام من جنس إدغام المِثلين كان أحد المثلين زائدًا، إِلَّا أن يقوم دليل على أصالتهما٣، على ما يُبيَّنُ. فإن قيل: فِيمَ يَمتاز٤ إدغام المتقاربَينِ من إدغام المِثلَينِ؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: إذا وُجِد حرف مضعَّف فينبغي أن يُجعل من إدغام المِثلَينِ، ولا تجعله من إدغام المتقاربينِ إِلَّا أن يقوم على ذلك دليل؛ لأنه لا يجوز أن يُدغَم الحرف في مُقارِبه من٥ كلمة واحدة، لئلَّا يلتبس بأنه من إدغام المِثلَينِ؛ ألا ترى أنك لا تقول في أَنمُلَة٦: "أَمُّلة"؛ لأنَّ ذلك مُلبِس٧، فلا يُدرَى: هل هو في الأصل أَنمُلَة أو "أمْمُلَة"؟ فإن كان في الكلمة بعد الإدغام ما يدلُّ على أنه من إدغام المتقاربَينِ جاز الإدغام. وذلك نحو قولك: امَّحَي الكتابُ، أصله "انْمَحَى" بدليل أنه لا يمكن أن يكون من باب٨ إدغام المِثلَين. إذ لو كان كذلك لكان "افَّعَلَ", و"افَّعَلَ" ليس من أبنية كلامهم. فلمَّا لم يمكن حمله على أنَّ٩ الإدغام فيه من قَبيل إدغام المِثلَينِ تبيَّن أنه في الأصل "انمَحَى"؛ لأنَّ في كلامهم "انفَعَلَ".

стр. 192

فأمَّا "هَمَّرِش"١ فينبغي أن يُحمل٢ على أنَّ إدغامه من قَبيل إدغام المِثلَينِ، ويكون وزن الكلمة "فَعَّلِلًَا"٣، فتكون ملحقة بجَحَمرِشٍ٤، لمِا ذكرناه من أنَّ الأصل في كلِّ إدغام، يكون في كلمة واحدة، أن يُحمل على أنه من قَبيل إدغام المِثلَينِ، إِلَّا أن يمنع من ذلك مانع. فإذا صَغَّرتَ هَمَّرِشًا على هذا القول أو كسَّرتَه قلتَ: هُمَيرِشٌ وهَمارِشُ. فتحذف إحدى الميمين لأنها زائدة. وأمَّا أبو الحسن فزعم٥ أنَّ هَمَّرِشًا حُروفُه كلُّها أُصول، وأنَّ الأصل "هَنْمَرِشٌ" بمنزلة [٢٩ أ] جَحْمَرِش، ثمَّ أُدغمت النون في الميم. وجاز الإدغام عنده لعَدمِ اللَّبس. وذلك أنَّ هذه البِنية –أعني "فَعْلَلِلًا"- لم تُوجد في موضع من المواضع قد لحقتها زوائد٦ للإلحاق. فيُعلَمُ بذلك أنَّ هَمَّرشًا في الأصل "هَنْمَرِشٌ". إذ لو لم يُحمل على ذلك، وجُعل من إدغام المِثلَين، لكان أحد المِثلَين زائدًا، فيكون ذلك كَسرًا لما ثَبَتَ في هذه البِنية واستقرَّ، من أنها لا تلحقها الزوائد للإلحاق. فتقول على هذا في تصغيرِ هَمَّرِش٧ وتكسيره: هُنَيْمِرٌ وهَنامِرُ. فتردُّ النون إلى أصلها، لمَّا زال الإدغام، وتَحذف الآخِر لأنَّ حروف الكلمة كلَّها أصول. وهذا الذي ذهب إليه فاسد٨؛ لأنه مبنيٌّ على أنَّ هذه البِنية لم تلحقها زيادة للإلحاق في موضع. وقد وُجِد هذا الذي أَنكر، قالوا: جِرْوٌ نَخْوَرِشٌ أي: إذا كَبِرَخَرَشَ٩؛ ألا ترى أنَّ الواو زائدة١٠، وأنَّ الاسم ملحق بجَحمَرِش؟ فإذا تقرَّر أنَّ هذه البِنية قد لحقتها الزوائد للإلحاق وجب القضاء على إدغام هَمَّرِشٍ، بأنه١١ من قَبيل إدغام المِثلَينِ.

стр. 193

فإذا١ كان الإدغام من جِنس إدغام المتقاربين فالذي ينبغي أن يُحكم به على الحرفين المتقاربين الأصالةُ، إِلَّا أن يقوم دليل من الأدلة المتقدِّمة على الزيادة. وإذا كان الإدغام من جنس إدغام المِثلَين فلا يخلو من أن يكون اللفظ من ذوات الثلاثة، أو من ذوات الأربعة، أو من ذوات الخمسة. فإن كان من ذوات الثلاثة قُضي على المِثلَين بالأصالة، إذ لا بدَّ من الفاء والعين واللام، نحو: رَدَّ وفَرَّ. وإن كان من ذوات الأربعة فإنه لا يخلو أن يكون المضعَّف بين الفاء واللام نحو: ضَرَّبَ، أو في الطرف بعد العين نحو: قَرْدَدٍ٢ أو غير ذلك. فإن كان المضاعف على ما ذكرنا٣ كان أحد المِثلَين زائدًا. وذلك أنَّ كلَّ ما له اشتقاق من ذلك يوجد أحدُ المِثلَين منه زائدًا٤، نحو "ضَرَّبَ"، فإنه من الضَّرْبِ، و"قُعْدُدٍ"٥ فإنه من القُعود. فحُمِل ما ليس له اشتقاق، نحو: سُلَّمٍ وقِنَّبٍ، على أنَّ أحد المِثلَينِ منه زائد. وإن لم يكن المضعَّف على ما ذُكر كان كلُّ واحد منهما أصلًا. وذلك نحو: صَلصَلٍ٦ وفَرفَخٍ٧ وقُربُقٍ٨ ودَيدَبُونٍ٩ وشَعَلَّعٍ١٠ والذي أوجب ذلك أنه لم يثبت زيادة أحد المِثلَين في مثل١١ ما ذُكر، باشتقاق أو تصريف في موضع من المواضع, فيُحملَ ما ليس فيه اشتقاق على الزيادة. بل الواجب أن يُعتقد في المِثلَين الأصالة، إذ الزيادة لا تُعتقد١٢ إِلَّا بدليل. وأيضًا فإنك لو جعلت أحد المِثلَينِ في جميع ذلك زائدًا لكان١٣ وزن فَرفَخ: "فَعفَلًا"،

стр. 194

ووزن قُربُق: "فُعلُفًا"، ووزن دَيدَبُون: "فَيفَعولًا"، ووزن شَعَلَّع: فَعَلَّعًا"، وهي أبنية لم تثبت في كلامهم. وإذا جعلت المِثلَينِ أصلين كان وزن فَرفَخ١: "فَعْلَلًا"٢، ووزن "قُربُق": "فُعْلُلًا"، ووزن دَيدَبون: "فَيْعَلُولًا"٣، ووزن شَعَلَّع: "فَعَلَّلًا"، وهي أبنية موجودة في كلامهم. وما يؤدِّي إلى مثال موجود أولى. وأمَّا صَلصلٌ وبابه فلو جعلتَ كلَّ واحد من المِثلَين زائدًا لأدَّى ذلك إلى بقاء الكلمة على أقلَّ من ثلاثة أحرف. ولو جعلت إحدى الصادين أو اللامين من صَلصَلٍ زائدة، لا مجموعهما، لم يجز ذلك لأنه إن جُعل إحدى الصادين٤ زائدة لم يخل من أن تكون الأُولى أو الثانية: فإن كانت الزائدة الأُولى كان وزن الكلمة "عَفْعَلًًا"٥، وذلك بناء غير موجود. وأيضًا فإنَّ الكلمة تكون إذ ذاك من باب: سَلِسَ وقَلِقَ –أعني ممَّا لامه وفاؤه من جنس واحد- وذلك قليل. وإن كانت الثانية كان وزن الكلمة "فَعْفَلًا"٦، وذلك بناء غير موجود. وأيضًا فإن الكلمة إذ ذاك تكون من باب ما ضوعفت فيه الفاء، نحو: مَرْمَرِيس؛ لأنَّ وزنه "فَعْفَعِيل". وذلك قليل جدًّا، لا يُحفظ منه إِلَّا مَرمَرِيس٧، ومَرمَرِيت بمعناه. وإن جعلتَ اللام زائدة لم تخل٨ من أن تكون الأُولى، أو الثانية. فإن كانت الأُولى كان وزن الكلمة "فَلْعَلًا"٩، وذلك بناء غير موجود. وأيضًا فإنَّ الكلمة تكون إذ ذاك من باب دَدَن. أعني ممَّا فاؤه وعينه من جنس واحد، وإن كانت الثانية كان وزن الكلمة "فَعْلَعًا"١٠ وذلك بناء غير موجود. وأيضًا فإنه يكون من باب: سَلِس وقَلِق؛ لأنَّ فاء الكلمة إذ ذاك ولامها الصاد، وقد تَقَدَّم [٢٩ ب] أنه بناء قليل. فلمَّا ثَبَتَ أنَّك كيفما فعلتَ في جعلِ أحد الحرفين زائدًا يؤدِّي إلى بناء معدوم، ودخولٍ في

стр. 195

باب قليل، وكان باب صَلصَلٍ كثيرًا، جُعِلَتْ حروفُه كلُّها أصولًا، وجُعِلَ صِنفًا برأسه، ولم يَدخل في باب من الأبواب المذكورة. وإن كان من ذوات الخمسة فلا يخلو من أن يكون المضعَّف منه حرفًا واحدًا أو أَزْيدَ. فإن كان المضعَّف منه حرفًا واحدًا فلا يخلو أن يفصل بينهما أصل أو لا يَفصل. فإن فَصلَ بينهما أصلٌ كان كلُّ واحد من المِثلَينِ أصلًا نحو: دَردَبِيس١ وشَفشَلِيق٢؛ ألا ترى أنَّ الراء والفاء قد فصلتا٣ بين المِثلَين، وليستا٤ من حروف الزيادة؟ وإنما جُعل المثلان أصلين في مثل هذا؛ لأنه لم يَثبت زيادة أحد المثلين في مثل ذلك، في موضع من المواضع باشتقاق ولا تصريف، فحُملَ ما ليس له٥ اشتقاق ولا تصريف على ذلك, وأيضًا فإنك لو جَعلتَ أحد المثلين زائدًا لكان وزن شَفشَلِيق::فَعْفَلِيل"، وذلك بناء غير موجود. وإن لم يَفصِل بينهما أصلٌ بل زائد، أو لم يقع بينهما فاصل، كان أحد المثلين زائدًا. وذلك نحو: شُمَّخْرٍ٦ وخَنفَقِيقٍ٧، إحدى القافين وإحدى الميمين زائدتان٨. وذلك أنَّ كلَّ ما عُلِم له من ذلك اشتقاقٌ أو تصريف وُجد٩ أحد المضعَّفَين منه زائدًا؛ ألا ترى أنَّ "اشمَخَرَّ" يدلُّ على أنَّ إحدى الميمين من شُمَّخْر زائدة؟ فحُمِل ما ليس له اشتقاقٌ على ذلك. وإن كان المضعَّفُ أزيدَ كان كلُّ واحد من المِثلين زائدًا، نحو: صَمَحْمَحٍ١٠ ودَمَكمَكٍ١١، إحدى الميمين وإحدى الحاءين أو الكافين زائدتان١٢، بدليل أنَّ ما له اشتقاق أو تصريف من ذلك وُجِد١٣ كلُّ واحد من المِثلَين فيه زائدًا، فحمل ما ليس له اشتقاق على ذلك، نحو: مَرمَرِيس. فإنه١٤ من المَراسة١٥، فإحدى الميمين وإحدى الراءين زائدتان.

стр. 196

فإن قيل: فأيُّ الحرفين هو الزائد؟ فالجواب أنَّ في ذلك خلافًا١: فمذهب الخليل٢ أنَّ الزائد الأوَّل، فاللام الأُولى من سُلَّمٍ هي الزائد، وكذلك الزاي الأولى من بَلِزّ٣. وحُجَّتُهُ أنَّ الأَوَّلَ قد وقع موقعًا تكثر٤ فيه أُمَّهات الزوائد. وهي الياء والألف والواو؛ ألا ترى أنَّ حروف العلَّة الثلاثة قد تَقع ثانيةً زائدةً نحو: حَومَلٍ٥ وصَيْقَلٍ وكاهِلٍ؟ فإذا قضينا بزيادة اللام الأولى من سُلَّمٍ كانت واقعةً موقعَ هذه الزوائد وساكنةً مثلها. وكذلك أيضًا قَد تقع هذه الحروف ثالثةً نحو: كِتاب وعَجُوز وقَضِيب. فإذا جعلنا الزاي الأولى من بِلِزّ زائدة كانت واقعةً موقع هذه الزوائد وساكنةً مثلها. ومذهبُ يُونُس٦ أنَّ الثاني هو الزائد. واستدلَّ على ذلك أيضًا بأنه إذا كان الأمر على ما ذُكر وقعت الزيادة موقعًا تكثر فيه أُمَّهات الزوائد؛ ألا ترى أنَّ الياء والواو قد تَقَعان زائدتين متحرِّكتين ثالثتين، نحو: جَهوَرٍ٧ وعِثْيَرٍ؟ ٨ فإذا جعلنا اللام الثانية من سُلَّمٍ هي الزائدة كانت واقعةً موقع الياء من عِثيَرٍ والواو من جَهوَرٍ ومتحرِّكةً مثلهما. وكذلك أيضًا تكثرُ زيادتُهما٩ رابعتَينِ مُتحرِّكتين نحو: كَنَهوَرٍ١٠ وعِفْرِيَةٍ١١. فإذا جعلنا الزاي الثانية١٢ من بِلِزٍّ١٣ زائدة كانت واقعةً موقع الواو من كَنَهوَرٍ، والياء من عِفْرِيَةٍ، ومُتحرِّكةً مثلهما. قال سيبويه: وكلا القولين صحيحٌ ومذهبٌ١٤. وهذا القدر الذي احتجَّ به الخليل ويونس لا حُجَّةَ لهما فيه؛ لأنه ليس فيه أكثرُ من التأنيس بالإتيان بالنظير، وليس فيه دليل قاطع١٥.

стр. 197

وزعم الفارسيُّ١ أنَّ الصحيح ما ذهب إليه يُونُس، من زيادة الثاني من المِثلَين، واستدلَّ على ذلك بوجود "اسحَنكَكَ"٢ و"اقعَنسَسَ"٣ وأشباههما في كلامهم. وذلك أنَّ النون في "افعَنْلَلَ" من الرباعيّ لم توجد قطُّ إِلَّا بين أصلين، نحو: احرَنجمَ٤. فينبغي أن يكون ما أُلحق به من الثلاثيِّ٥ بين أصلين؛ لئلَّا يُخالف الملحَقُ ما أُلحِقَ به. ولا يمكن جعل٦ النون في "اسحَنكَكَ"٧ و"اقعَنسَسَ" وأشباههما بين أصلين، إِلَّا بأن يكون الأوَّلُ من المثلين هو الأصل، والثاني هو الزائد. وإذا ثَبَتَ في هذا الموضع أنَّ الزائد من المثلين هو الثاني حُملت سائر المواضع عليه. وهذا الذي استدلَّ به لا حجَّة فيه؛ لأنه [٣٠ أ] لا يَلزمُ أن يوافق الملحَقُ ما أُلحِقَ به في أكثرَ من موافقته له في الحركات والسَّكنات وعددِ الحروف؛ ألا ترى أنَّ النُّونَ في "افعَنلَلَ" من الرباعيِّ بعدها حرفانِ أصلانِ، وليس بعدها فيما أُلحِقَ به من الثلاثيِّ إِلَّا حرفان، أحدُهما أصليٌّ والآخر زائد؟ فكما خالف الملحَقُ الملحَقَ به في هذا القَدْر، فكذلك يجوز أن يُخالفه في كون النون في الملحق به واقعة بين أصلين، وفي الملحق واقعة بين أصل وزائد٨. والصحيح عندي ما ذهبَ إليه الخليلُ، من أنَّ الزائد منهما هو الأوَّلُ، بدليلين: أحدهما: أنهم لمّا صَغَّروا صَمحمَحًا قالوا: صُمَيمَحٌ٩، فحذفوا الحاء الأُولى: ولو كانت الأُولى هي الأصليَّة والثانية هي الزائدة لوجب حذف الثانية؛ لأنه لا يُحذف في التصغير الأصلُ ويبقى الزائد. فإن قال قائل: فلعلَّ الذي مَنعَ من حذف الحاء الأخيرة، وإن كانت هي الزائدة، ما ذكره الزَّجَّاج من أنكَ لو فَعلتَ ذلك لقلت "صُميحِمٌ"، ويكون تقديره من الفعل "فُعَيلِعٌ"، وذلك بناء غير موجود. فالجواب أنَّ هذا القدر ليس بمُسوِّغٍ حذفَ الأصليِّ، وتركَ الزائد؛ لأنَّ البناء الذي يُؤدِّي إليه التَّصغيرُ عارضٌ لا يُعتدُّ به، بدليل أنك تقول في تصغير افتِقار: فُتَيقِيرٌ١٠، فتحذف

стр. 198

همزة الوصل، وتصير كأنك صغَّرت "فَتقارًا", و"فَتْعال" ليس من أبنية كلامهم. فكذلك كان ينبغي أن يقال "صُمَيحِمٌ"، وإن أدَّى إلى بناء غير موجود. والآخرُ: أنَّ العين إذا تَضعَّفتْ، وفَصلَ بينهما حرف، فإنَّ ذلك الفاصل أبدًا لا يكون إِلَّا زائدًا نحو: عَثَوثَلٍ١ وعَقَنقَلٍ٢؛ ألا ترى أنَّ الواو والنون الفاصلتين بين العينين زائدتان؟ فإذا ثَبَتَ ذلك تبيَّن أنَّ الزائد من الحاءين في صَمحمَحٍ هي الأُولى؛ لأنها فاصلة بين العينين. فلا يُتصوَّرُ أن تكون أصلًا، لئلا يكون في ذلك كسرٌ لِما استقرَّ في كلامهم، من أنه لا يجوز الفصل بين العينين إِلَّا بحرف زائد. وإذا ثَبَتَ أنَّ الزائد من المِثلين، في هذين الموضعين، هو الأوَّل حُمِلتْ سائر المواضع عليهما٣. وإذ قد فرغنا من تبيين الحروف الزوائد، والأدلَّة الموصلة إلى معرفة الزائد من الأصليِّ، فينبغي أن أضع٤ عَقِبَ ذلك بابًا أُبيِّنُ فيه كيفيَّة وِزان الأسماء والأفعال، والخلافَ الذي بين النحويِّين في ذلك.

стр. 199

باب التمثيل: اعلم أنَّك إذا أردتَ أن تُبيِّنَ وزن الكلمة من الفِعل١ عمدت إلى الكلمة، فجعلت في مقابلة الأُصول منها الفاء والعين واللام؛ فتجعل الفاء في مقابلة الأصل الأوَّل، والعينَ في مقابلة الثاني، واللامَ في مقابلة الثالث. فإن فَنِيَتِ الفاء والعين واللام ولم تفنَ الأصول كرَّرتَ اللام في الوزن، على حَسَبِ ما بقي لك من الأُصول٢، حتَّى تَفنَى. وأمَّا الزوائد٣ فلا يخلو أن تكون مكرَّرة من لفظ الأصل، أو لا تكون. فإن لم تكن مكرَّرة من لفظ الأصل أبقيتَها في المثال على لفظها، ولم تجعل في مقابلتها شيئًا. وإن كانت مكرَّرة من لفظ الأصل وزنتَها بالحرف الذي تَزِن به الأصلَ الذي تكرَّرتْ منه. فعلى هذا إذا قيل لك: ما وزنُ زَيد من الفِعل؟ قلتَ: "فَعْلٌ"؛ لأنَّ حروفه كلَّها أُصول، وهي ثلاثة. فتجعل في مقابلتها الفاء والعين واللام. فإن قيل لك: ما وزن جَعفَر من الفِعل؟ قلتَ: "فَعْلَلٌ"؛ لأنَّ حروفه كلَّها أُصولٌ أيضاً٤. فجعلتَ في مقابلتها الفاء والعين واللام، فبقي حرفٌ من الأُصول، فكرَّرت اللام كما تَقَدَّم.

стр. 200

فإن قيل لك: ما وزن أحمَد؟ قلتَ: "أَفْعَلُ"؛ لأنَّ أحمد همزته زائدة، فأبقيتَها في الوزن بلفظها، وسائر حروفه كلّها أصول، فجعلتَ في مقابلتها الفاء والعين واللام. فإن قيل لك: ما وزن عَقَنقَل؟ ١ قلتَ: "فَعَنْعَلٌ"؛ لأنَّ حرفين من حروفه زائدان –وهما النون وإِحدى القافين- وسائر حروفه أصليَّة٢، فجعلتَ٣ في مقابلة الأصول الفاء والعين واللام. وبقَّيتَ النون في المثال بلفظها لأنها زائدة٤، وجَعلتَ في مقابلة القاف الزائدة العينَ، ولم تزنها بلفظها؛ لأنها تكرَّرت من لفظ العين [٣٠ ب] ، فكرَّرتَها٥ في المثال من لفظ العين, حتَّى يوافق المثالُ الممثَّلَ. فإن قيل: وما الفائدة في وزن الكلمة بالفِعل؟ فالجواب أنَّ المراد بذلك الإعلام بمعرفة الزائد من الأصليِّ، على طريق الاختصار؛ ألا ترى أنك إذا وزنت أحمد بـ"أَفْعَل" أغنى ذلك عن قولك٦: الهمزة من "أحمد" زائدة، وسائر حروفه أُصول. وكان أخصرَ منه. فإن قيل: فلمَ كَنَوا عن الأُصول بالفاء والعين واللام:؟ فالجواب أنَّ الذي حَملهم على ذلك أنَّ حروف الـ"فعل" أُصول، فجعلوها لذلك في مقابلة الأُصول. فإن قيل: فهلَّا كنَوا عن الأُصول بغير ذلك من الألفاظ التي حروفها أصول، كـ"ضرب" مثلًا؛ ألا ترى أنَّ الضاد والراء والباء أُصول؟ فالجواب أنهم لمَّا أرادوا أن يَكنوا عن الأُصول كنَوا بما مِن عادة العرب أن تَكنِيَ به، وهو "الفعل"؛ ألا ترى أنَّ القائل يقول لك: هل ضربتَ زيدًا؟ فتقول: فَعَلتُ. وتكني بقولك "فعلتُ" عن الضرب. وزعم أهل الكوفة أنَّ نهاية الأُصول ثلاثة، فجعلوا الراء من "جعفر" زائدة، والجيم واللام من "سفرجل" زائدتين، وجعلوا وزن جعفر من الفِعل "فَعْلَلًا"، ووزن سفرجل: "فَعَلَّلًا"٧ كما فعلناه نحن، وأمَّا الكسائيُّ منهم فجعل الزيادة من جعفر وأشباهه ما قبلَ الآخِر. وكان الذي حملهم على ذلك أن رأَوُا المثال يلزم ذلك فيه؛ ألا ترى أنَّ إحدى اللَّامين من "فَعْلَل" زائدة؟ وكذلك "فَعَلَّل" اللَّامان من هذه الثلاثة زائدتان. هكذا قياس كل مضعَّف. أعني أن يُحكم على أحد٨ المِثلَين أو الأمثال بالأصالة، وعلى ما عداه بالزيادة. فلمَّا رأى ذلك لازمًا

стр. 201

في المثال قضى على الممثَّل بمثل١ ما يلزم في المثال. وذلك فاسدٌ٢ من وجهين: أحدهما: أنه لا يُحكم بزيادة حرف إِلَّا بدليل، من الأدلَّة المتقدِّمة الذكر٣: أعني الاشتقاق والتصريف وأخواتهما٤. ولا شيء من ذلك موجود في جعفر ولا سفرجل. فالقضاء بالزيادة فيهما تَحكُّمٌ محض. والآخر: أنَّ قياس المثال أن يبقى الزائد فيه بلفظه، إذا لم يكن من لفظ الأصل. فكان ينبغي أن يُجعل وزن جعفر من الفعل على هذا: "فَعْلَر"٥ عند من يجعل الآخِرَ زائدًا، و٦ "فَعْفَل" عند من يجعل الزائد ما قبل الآخِر، وأن يُجعل وزن سَفَرجَل: "فَعَلْجَل" [أو "فَعَرْجَل"] ٧. ومن أهل الكوفة من ذهب إلى ما ذكرناه من أنَّ الأُصول ثلاثة، إِلَّا أنه وَزَن ما عدا الأصول بلفظه، فجعل٨ وزن جعفر: "فَعْلَر"٩، وسفرجل: "فَعَلْجَل". ومنهم من قَضى بزيادة ما عدا الثلاثة إِلَّا أنه لا يَزِنُ. فإن قيل له: ما وزن جعفر وفَرَزدَق؟ ١٠ قال: لا أدري. وكلُّ١١ ذلك باطلٌ، لِما ذكرناه من أنه لا ينبغي أن يُقضى على حرف بزيادة، إِلَّا بدليل. فالصحيح في النظر، والجاري في تمثيل الكلمة بالفِعل، ما ذهب إليه أهل البصرة. نجز القسم الأول١٢.

стр. 202

ذكر القسم الثاني من التصريف: الإبدال: حُرُوفُ الإبْدَال: فمن ذلك حروف البدل لغير١ إدغام، وهي الحروف التي يجمعها قولك: "أُجُدٌ طُوِيَتْ مَنهلا"٢. فهذه الحروف تُبدَل من غير إدغام، على ما يُبيَّنُ٣ بعدُ، إن شاء الله. فإن كان البدل لأجل إدغام لم يكن مختصًّا بهذه الحروف. بل جائزٌ في كلِّ حرف يُدغم في مُقاربه أن يُبدل حرفًا من جنس مُقاربه الذي يُدغم فيه، على ما يُبيَّنُ٤ في الإدغام، إن شاء الله.

стр. 203

إبدال الهمزة: [باب إبدال الهمزة من الألف] : فأمَّا الهمزة فأُبدِلت من خمسة أحرفٍ. وهي الألف، والياء، والواو، والهاء، والعين. فأُبدلت١ من الألف على غير قياس، إذا كان بعدها ساكنٌ، فِرارًا من اجتماع الساكنين، نحو ما حُكي عن أيوبَ السِّختيانيِّ٢، من أنَّه قرأ: "ولا الضَّأََلِّينَ"٣ –فهَمز الألف وحرَّكها بالفتح؛ لأنَّ الفتح أخفُّ الحركات- ونحو ما حَكى أبو زيد في كتاب الهمزِ٤ من قولهم: شَأَبَّةٌ ودَأَبَّةٌ. وأنشدتِ الكافَّةُ٥: يا عَجَبَا, لَقَد رأَيتُ عَجَبا ... حِمارَ قَبَّانٍ, يَسُوقُ أَرنَبا خاطمها زأَمَّها، أن تَذهَبا أراد "زامَّها" فأبدل. وحكى٦ المبرّد عن المازنيِّ, عن أبي زيد، قال: سمعتُ عمَرو بن عُبيد يقرأ: "فيَومَئذٍ لا يُسأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ ولا جأَنٌّ"٧، فظننتُ أنه قد لحن، حتَّى سمعتُ العربَ تقول: دأَبَّةٌ وشَأَبَّةٌ. [٣١ أ] .

стр. 204

ومن ذلك قولُ الشاعر١: وبَعدَ انتِهاضِ الشَّيبِ, مِن كُلِّ جانِبٍ ... علَى لِمَّتِي, حَتَّى اشْعأَلَّ بَهِيمُها يريد "اشعالَّ" من قوله تعالى: ﴿واشتَعلَ الرأسُ شَيبًا﴾ ٢. وقال دُكين٣: راكِدةٌ مِخلاتُهُ, ومَحلَبُهْ ... وجُلُّهُ, حَتَّى أبيأَضَّ مَلبَبُهْ يريد: ابياضَّ. وقال كُثيّر٤: ولِلأرضِ: أمَّا سُودُها فتَجَلَّلَتْ ... بَياضًا, وأمَّا بِيضُها فادهأَمَّتِ يريد: فادهامَّت. وقد كاد يتسع هذا عندهم٥. إِلَّا أنه مع ذلك لم يكثر كثرة تُوجب القياس. قال أبو العبَّاس٦: قلتُ لأبي عُثمانَ: أَتَقيسُ هذا النحوَ؟ قال: "لا، ولا أَقبلُه". بل ينقاس ذلك عندي، في ضرورة الشعر. ومن هذا القَبيل جَعَلَ ابنُ جنِّي٧ قولَ الراجز٨. من أيِّ يَومَيِّ مِنَ المَوتِ أَفِرْ ... أيَومَ لم يُقدَرَ أم يَومَ قُدِرْ؟ وذلك٩ أنَّ الأصل "أيومَ لم يُقدَرْ أَم يَومَ"، فأُبدلت الهمزة ألفًا، وإن كان قبلها ساكن، على حدِّ قولهم في المَرْأة: "المَراة"، وفي مُتْأر: "مُتار"١٠. قال: إِذا اجتَمَعُوا علَيَّ, وأَشقَذُونِي ... فصِرتُ كأنَّنِي فَرَأٌ, مُتارُ١١ وذلك بأن أَلقَوا حركة الهمزة على الساكن، ولم يحذفوا الهمزة، بل جاءت ساكنة بعد الفتحة،

стр. 205

فأبدلت ألفًا كما فُعل ذلك بـ"كاس"، فصار "يُقدَرَامْ", فاجتمعت الألف مع الميم الساكنة، فأبدلت همزة مفتوحة فرارًا من اجتماع الساكنين. وقد تَقَدَّمَ في "الضرائر"١ أنه ممّا حُذف٢ منه النون الخفيفة، نحو قول الآخر٣: اضرِبَ عَنكَ الهُمُومَ, طارِقَها ... ضَرْبَكَ بالسَّوطِ قَونَسَ الفَرَسِ وأُبدلت أيضًا من الألف، وإنْ لم يكن بعدها ساكن. وذلك قليل جدًّا لا يُقاس لقلَّته في الكلام ولا في الضرورة. فقد رُوِيَ أنَّ العجَّاج يَهمِزُ "العالَم" والخاتَم"٤. قال: يا دارَ سَلمَى, يا اسلَمِي, ثُمَّ اسلَمِي ثمَّ قال٥: فَخِندِفٌ٦ هامةُ هذا العأْلَمِ وحُكِي عن بعضهم: تأْبَلتُ القِدرَ، إذا جعلتَ فيها التَّابَلَ٧. وتكون الهمزة ساكنةً. إِلَّا أن تكون الألفُ في النِّيَّة متحرِّكةً فإنَّ الهمزة إذ ذاك تكون متحرِّكةَ بالحركة التي للألف في الأصل. فمن ذلك ما حكاه بعضهم مِن قولهم: قَوقأَتِ الدَّجاجةُ، وحَلَّأْتُ٨ السَّويقَ، ورثَأَتِ المرأةُ زَوجَها، ولَبَّأَ الرَّجلُ بالحجِّ. ومنه قول ابن كَثْوة٩: ولَّى نَعامُ بَنِي صَفوانَ, زَوزَأَةً ... لَمَّا رأَى أَسَدًا, في الغابِ, قَد وثَبَا ومنه ما أَنشده الفرَّاء، من قول الآخر١٠:

стр. 206

يا دارَ مَيٍّ, بِدَكادِيكِ البُرَقْ ... صَبرًا, فقَد هَيَّجتِ شَوقَ المُشتَئِقْ وحَكى أيضًا من كلامهم: رَجُلٌ مَئِلٌ١، من المال. والأصل في ذلك: قَوقَى وحَلَّى ورَثَى ولَبَّى والزَّوزاة والمُشتاق ورَجلٌ مالٌ٢. وأُبدلت من الألف باطِّراد في الوقف، نحو قولك في الوقف٣ على حُبلَى ومُوسَى ورأيتُ رجلًا: حُبلأْ، ومُوسأْ، ورأيتُ رَجُلأْ. وقد تَقَدَّم ذلك في باب الوقف٤. وأُبدلت أيضًا باطِّراد من الألف الزائدة، إذا وقعت بعد ألف الجمع، في نحو "رسائل" في جمع رسالة, هروبًا من التقاء الساكنين: ألف الجمع وألف"رسالة", فقُلبت همزةً لأنَّ الألف لا تقبل الحركة، والهمزةُ قريبةُ المخرج٥ من الألف لأنها معًا من حُروف الحلق. وحُرِّكت الهمزة بالكسر، على أَصل التقاء الساكنين. ولا يجوز في هذا وأمثاله إِلَّا البدل. ومن هذا القبيل، عندي٦، إبدالُها من الياء والواو، إذا وقعتا طرفًا بعد ألف زائدة، نحو: كِساءٍ ورِداءٍ. وذلك أنَّ الأصل "كِساوٌ" و"رِدايٌ"، فتحرَّكتِ الواو والياء٧ وقبلهما فتحة، وليس بينهما وبينها حاجز إِلَّا الألف، وهي حاجز غير حصين لسكونها وزيادتها، والياء والواو في محلِّ التغيير –أعني طَرَفًا- فقُلبتا٨ ألفًا. فاجتمع ساكنان: الألف المبدلة من الياء أو الواو٩ مع الألف الزائدة. فقُلبت همزة. ولم تُرَدَّ إلى أصلها من الواو والياء١٠ لئلّا يُرجع إلى ما فُرَّ منه. فإن كان بعد الياء أو الواو تاء التأنيث، أو زيادة التثنية، فلا يخلو أن تكون الكلمة قد بُنيت على التاء أو الزيادتين أو لا تُبنى. فإن بُنيت عليها بقيت الياء والواو على أصلهما ولم يُغيَّرا، نحو: رِماية وشَقاوة وعَقَلتُه بثِنايَينِ١١. وإن لم تُبن عليها وجُعلت كأنها١٢ ليست في الكلمة قُلبت، نحو: عَظاءة١٣ وصَلاءة١٤ وكِساءانِ ورداءانِ.

стр. 207

وقد يُفعل ذلك بالياء والواو، وإن كانتا بعد ألف غير زائدة، نحو قولهم في آية وثاية١ وطاية٢ في النسب: [٣١ ب] آئيّ وثائيّ وطائيّ، تشبيهًا للألف غير الزائدة بالألف الزائدة. ومن هذا القبيل أيضًا، عندي٣، إبدالُهم الهمزةَ من الياء والواو، إذا وقعتا عينينِ في اسم الفاعل بعد ألف زائدة، بشرط أن يكون الفعل الذي أُخذ منه اسم الفاعل قد اعتلَّت عينه، نحو: قائم وبائع. الأصل فيهما "قاوِمٌ" و"بايِعٌ"، فتحرَّكت الواو [والياء] ٤ وقبلهما فتحة، وليس بينها وبينهما حاجز إِلَّا الألف الزائدة -وهي كما تَقَدَّم حاجزٌ غيرُ حصينٍ- وقد كانت الياء والواو قد اعتلَّتا في الفعل في "قامَ" و"باعَ"، فاعتلَّتا٥ في اسم الفاعل حملًا على الفعل، فقُلبتا٦ ألفًا فاجتمع ساكنان، فأُبدل من الثانية همزة، وحُرِّكت ٧ هروبًا من التقاء الساكنين. وكانت حركتها الكسر على أصل التقاء الساكنين. وزعم٨ المبرّد أن ألف "فاعِل" أُدخلت قبل الألف المنقلبة، في "قالَ" و"باعَ" وأمثالهما، فالتقى ألفان –وهما لا يكونان إِلَّا ساكنين- فلزم الحذفُ لالتقاء الساكنين أو التحريكُ. فلو حذفتَ لالتبس٩ الكلام وذهب البناء، وصار الاسم على لفظ الفعل. فتحرَّكت العين لأنَّ أصلها الحركة، والألف إذا تحرَّكت صارت همزة. فإن صحَّ حرف العِلَّة في الفعل صحَّ في اسم الفاعل، نحو: عاوِر١٠، المأخوذ من "عَوِرَ"١١، على ما يُحكم في باب القلب١٢. فالهمزة في هذا الفصل والذي قبله، وإن كانت مبدلة من الياء والواو، من جنس ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف؛ لأنهما لا تُبدل منهما همزةٌ إِلَّا بعد قَلبهما ألفًا كما تَقَدَّم، ولا يجوز اللفظ بالأصل في "قائم" وبائع" وبابهما، لا تقول "قاوِمٌ" ولا "بايِعٌ"١٣.

стр. 208

ومن قبيل ما أُبدلت الهمزة فيه من الألف باطِّراد إبدالُهم الهمزة من ألف التأنيث، في نحو: صَحراء وحَمراءَ وأشباههما. الهمزة في جميع هذا مبدلةٌ من ألف التأنيث. فإن قال قائل: وما الدليل على ذلك؟ فالجواب أن تقول١: الدليل على ذلك أنَّ الهمزة لا تخلو من أن تكون للتأنيث بنفسها، أو بدلًا من ألف التأنيث. فباطلٌ أن تكون بنفسها للتأنيث لأمرين: أحدهما: أنَّ الألف قد استقرَّت للتأنيث في "حُبلَى" وأشباهه، والهمزة لم تَستقرَّ له، إذ قد يمكن أن تجعل بدلًا من ألف. وإذا أمكن حمل الشيء على ما استقرَّ وثَبَتَ كان أَولَى من أن يُدَّعى أنه خلاف الثابت والمستقرِّ٢. والآخر: أنهم قالوا في جمع صحراءَ: صَحارِيٌّ، وفي بطحاءَ: بَطاحِيٌّ. قال الوليد بن يزيد٣: لَقَد أَغدُو, على أَشقَـ ... ـرَ, يَغتالُ الصَّحارِيَّا وقال غيره٤: إِذا جاشَتْ حَوالِبُهُ تَرامَتْ ... ومَدَّتْهُ البَطاحِيُّ, الرِّغابُ ولو لم تكن هذه الهمزةُ مُبدلةً من ألف التأنيث لوجب، في لغة من يُحقِّقُ، أن يُقال: "بَطاحِيءُ" و"صَحارِيءُ"، كما قالوا: قُرَّاءٌ٥ وقَرارِيءُ. لكن لمَّا كانت مبدلة، لأجل الألف التي قبلها، وجب رجوعها إلى أصلها لزوال مُوجب القلب في الجمع٦، وهو الألف التي قبلها، فصار "صحارِيْ ا"، فوقعت الياء الساكنة قبل الألف التي للتأنيث، فقلبت الألف ياء لوقوع الياء والكسرة قبلها، ثمَّ أُدغمت الياء في الياء. فإن قال قائل: إِنَّما يدلُّ قولهم "صحاريّ" على أنَّ الهمزة مبدلةٌ من غيرها، إذ لو لم٧ تكن بدلًا لقالوا "صَحارِيءُ"٨. فأمَّا أنها مبدلة من الألف فليس على ذلك دليلٌ. إذ لعلَّها بدلٌ من ياء أو واو. فالجواب أنه إذا ثَبَتَ أنها بدلٌ فينبغي أن تجعل بدلًا من ألفٍ؛ لأنَّ الألف قد ثَبَتَتْ

стр. 209

للتأنيث، كما١ ذكرنا في "حُبلَى" وأمثاله، ولم تثبتِ الياء ولا الواو للتأنيث، في موضع من المواضع. فهذا٢ جميع ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف، مَقيسًا ذلك فيه، وغيرَ مَقيس٣.

стр. 210

باب إبدال الهمزة من الواو: ١ الواو٢ لا يخلو من أن تكون ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت متحرِّكة فلا يخلو من أن تكون أوَّلًا أو غير أوَّل. فإن كانت أوَّلًا فلا يخلو أن تكون وحدها، أو ينضاف إليها واو أُخرى. فإن انضاف إليها أُخرى أُبدلت الأُولى٣ همزةً، هروبًا من ثقل الواوين. وذلك نحو قولهم في جمع واصِل: أَواصِلُ٤. أصله "ووَاصِلُ" فقلبت الواو همزة. وكذلك أُوَلٌ أصله "وُوَلٌ"؛ لأنه "فُعَلٌ"٥ من لفظ أَوَّلَ، وأَوَّل فاؤه وعينه واو. فقُلبت الواو الأُولى همزة. ولا يجوز في هذا وأمثاله إِلَّا الهمز. فإن كانت وحدها فلا يخلو٦ من أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة. فإن كانت مكسورة أو مضمومة جاز أن تُبدِل منها همزةً، فتقول في "وُعِدَ": أُعِدَ، وفي "وُقِّتَتْ": أُقِّتَتْ، وفي "وِسادة": إِسادة، وفي "وِعاء": إِعاء. وقد [٣٢ أ] قُرئ: "ثُمَّ استَخرَجَها مِن إِعاءِ أَخِيهِ"٧. وكذلك تَفعل بكلِّ واوٍ تقع أوَّلًا مكسورةً أو مضمومة. وإنَّما فعلتَ ذلك، لثقل الضَّمَّة والكسرة في الواو. وذلك أنَّ الضَّمَّة بمنزلة الواو، والكسرة بمنزلة الياء. فإذا كانت الواو مضمومة فكأنه قد اجتمع واوان. وإذا كانت مكسورة فكأنه قد

стр. 211

اجتمع لك ياء وواو. فكما أنَّ اجتماع الواوين، والياء والواو١، مستثقل فكذلك اجتماع الواو والضمَّة، والواو والكسرة. وزعم المازنيُّ٢ أنه لا يجوز همز الواو المكسورة بقياس، بل يُتَّبع في ذلك السماع. وهذا الذي ذهب إليه فاسد، قياسًا وسماعًا: أمَّا القِياس فلِما ذكرنا من أنَّ الواو المكسورة بمنزلة الياء والواو، فكما يكرهون اجتماع الياء والواو، حتَّى يَقلِبونَ الواو إلى الياء، تَقَدَّمتْ أو تأخَّرتْ، فيقولون: "طَوَيتُ طَيًّا" والأصل "طَوْيًا"، ويقولون: "سَيِّدٌ" والأصلُ "سَيْوِدٌ". فكذلك ينبغي أن يكون النُّطقُ بالواو المكسورة مستثقلًا٣. فإن قال قائل: هلَّا قِستم "وشاحًا" وأخواتِه على وَيح ووَيس وأمثالهما. فكما أنَّ الواو والياء إذا اجتمعتا في أوَّلِ الكلمة لم يوجب ذلك قلب الواو همزة، فكذلك الواو مكسورة. فالجواب أنَّ الواو المكسورة إنَّما تُشبه الواو الساكنة إذا جاءت بعدها ياء نحو طَيّ. وذلك أنَّ الحركة في النيَّة بعد الحرف. وسيقام الدليل على ذلك في موضعه. فالكسرة إذًا من وِشاح في النيِّة بعد الواو، وهي بمنزلة الياء، وتبقى الواو ساكنة. فكما أنه إذا كانت الواو قبل الياء، وكانت ساكنة، يجب إعلالها. نحو طَيّ، فكذلك يجب إعلال ما أشبهها، نحو: وِشاح. فإن قيل: فهلَّا أُعلَّت بقلبها ياء, كما فُعل بها في طَيّ. فالجواب أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنَّ المقصود بالإعلال التخفيف، والكسرة في الياء ثقيلة، فأُعلَّت بإبدال الهمزة منها٤. وأمَّا السماع فلأنهم ٥ قد قالوا: إسادةٌ وإشاح وإعاء وإفادة. وكثُرَ ذلك كثرةً، توجب القياس في كل واو مكسورة وقعت أوَّلًا. وإنْ كانت مفتوحةً لم تُهمز إِلَّا حيثُ سُمِعَ؛ لأنَّ الفتحة بمنزلة الألف. فكما لا تُستثقَل٦ الألف والواو,٧ في نحو: عاوَدَ٨، وأمثاله فكذلك لا تُستثقل الواو المفتوحة. والذي سُمِع من

стр. 212

ذلك: أَجَمَ في "وَجَمَ"، و١ امرأة أَناةٌ وأصله "وناةٌ" من الوُنِيِّ وهو الفُتور، وأَحَدٌ في "وَحَدٍ"، وأسماءُ في "وَسماءَ". فإن وقعت غير أوَّل فلا يخلو من أن تكون مكسورة أو مفتوحة أو مضمومة. فإن كانت مضمومة جاز إبدالها همزة، بشرط أن تكون الضَّمَّة لازمة، وألَّا يمكن تخفيفها بالإسكان. قالوا٢ في جمع نارٍ: "أَنْؤُرٌ"، ودارٍ: "أَدْؤُرٌ"، وثَوبٍ: "أَثْؤُبٌ". قال٣. لِكُلِّ حالٍ، قَد لَبِستُ أَثؤُبا وإنَّما قُلبت همزة لِما ذكرنا من استثقال الضَّمَّة في الواو، مع أنه لا يمكن تخفيفها بالإسكان، لئلَّا يؤدِّي ذلك إلى التقاء الساكنين. ولو أمكن ذلك لم تُبدل همزةً، نحو قولهم: سُوُر٤، في جمع سِوار. فإن كانت الضَّمَّة غيرَ لازمة لم تُبدل الواو همزة، لا تقول: هذا "غَزْءٌ" تريد: هذا غَزْوٌ، ولا تقول: "لَؤُ استَطَعنا" تريد: لوُ استَطَعنا؛ لأنَّ الضَّمَّة في غزو إعراب، وفي واو "لو" لالتقاء الساكنين, وحركة الإعراب وحركة التقاء الساكنين عارضتان٥، فلا يُعتدُّ بهما. وزعم ابن جنِّي أنه لا يجوز قلب الواو المضمومة همزة إذا كانت زائدة، وإن اجتمع الشرطان؛ فلا يقال: "التَرَهْؤُكُ" في مصدر تَرَهوَكَ. والسبب في ذلك عنده أنها إذا كانت أصليَّة فإنَّ تصريف الكلمة، أو اشتقاقها، يدلُّ على أنَّ الهمزة مبدلة من واو، ولا يُتصوَّر ذلك فيها إذا كانت زائدة. فلو أُبدلت لأدَّى ذلك إلى الإلباس، في بعض المواضع، فلم يُدرَ: أزِيدَتِ ابتداءً، أم زِيدَتِ الواو أوَّلًا ثمَّ أُبدلت الهمزة منها؟ فلمَّا كان إبدال الزائدة يؤدِّي إلى الإلباس، في بعض المواضع، رُفض إبدالها. وممّا يقوِّي هذا المذهب أنها لا تُحفظ من واو زائدة مبدلةً٦. وإن كانت مفتوحةً لم يجز قلبُها أصلًا؛ لأنَّ قلبها في أوَّل الكلمة –كما ذكرنا- لا يُقاس.

стр. 213

[٣٢ ب] فإذا كانت لا تُهمز في أوَّل الكلمة إِلَّا حيث سُمِعَ، مع أنَّ أوَّلَ الكلمة طرف، فالتغيير إليه أسرع من التغيير إلى الحشو، فالأحرى ألَّا تنقلب١ حشوًا. فلا تقول في عاوَدَ: "عاءَدَ"، ولا في ضَوارِب: "ضآرِب". ولا يُحفظ من كلامهم شيء من ذلك. فإن كانت مكسورةً، أو واقعة موقعَ حرف مكسور، فلا يخلو أن تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد أو لا تقع. فإن٢ لم تقع بعدها لم تُهمز. وهي في مثل قائم بدل من ألف لا من واو. فإن وقعت بعدها فلا يخلو أن يكون قبل الألف ياء أو واو أو لا يكون. فإن كان٣ قبلها واو أو ياء لزم قلب الواو همزة، إن كانت تلي الطرف. فتقول في جمع أوَّل: أَوائلُ، وفي جمع سَيِّد: سَيائدُ. والأصل "أَواوِل" و"سَياوِد"، فقُلبت الواو همزة لاستثقال الواوين والألف، أو الياء والواو والألف، وبناء الجمع الذي لا نظير له في الآحاد. هذا مذهب جمهور النحويين، إِلَّا أبا الحسن الأخفش، فإنه كان لا يهمز من ذلك إِلَّا ما كانت الألف منه بين واوين، ويجعل ذلك نظيرًا للواوين إذا اجتمعا في أوَّل الكلمة. فكما أنك تهمز الأُولى منهما للعِلَّة التي تقدَّم ذكرها. فكذلك تهمز الواو الآخرة في أوائل وأمثاله. ولا يرى مثل ذلك، إذا اجتمعت ياءان أو واو وياء. ويقول: لأنه إذا التقى الياءان أو الياء والواو أوَّلًا، نحو بَيْن اسم موضع، ووَيل ويَوم، لم يلزم الهمز. فكذلك لا يُهمز عنده مثل: سَيائق٤ وسَيائد٥. ما لم تَصِحَّ الواو في المفرد، في موضع ينبغي أن تعتلَّ٦ فيه، أو تكونُ الواو في نيَّة ألَّا تَلِيَ الطرف، فإنها تصحُّ إذ ذاك ولا يجوز أن تُبدل منها الهمزة. فتقول٧ في جمع ضَيْوَنٍ٨: ضَياوِنُ. ولا تقلب الواو همزةً لصحَّة الواو في ضَيْوَن، إذ قد٩ كان ينبغي أن يكون ضَيَّنًا وتقول١٠ في جمع عُوَّارٍ١١، إذا قَصرته للضرورة: عَواوِرُ؛ لأنَّ الأصل فيه "عَواوِير"، فلا تكون

стр. 214

الواو تلي الطرف في التقدير. قال١: وكَحَّلَ العَينَينِ, بالعَواوِرِ٢. فلم تُهمز لأنَّ الأصل "العواوير". وإن كانت الواو لا تَلي الطرف لم تهمز أصلًا نحو: عواوير في جمع عُوَّار، وطَواوِيس في جمع طاووس؛ لأنها قد قَويت ببُعدها عن محلِّ التغيير. وهو الطَّرفُ. إِلَّا أن تكون في نيَّة أن تَلِيَ الطَّرف، فإنه يلزمُ همزُها. وذلك نحو: أوائيل٣ في جمع أوَّل، إذا اضطُررت إلى زيادة هذه الياء قبل الآخِر في الشعر؛ لأنَّ هذه الياء زِيدت للضَّرورة فلم يُعتدَّ بها. فإن لم يكن قبل الألف واو، ولا ياء، فلا يخلو من أن تكون الواو في المفرد زائدة للمدِّ أو لا تكون. فإن كانت زائدة للمدِّ قُلبتْ همزة، نحو: حَلُوبة٤ وحَلائب. وسبب ذلك أنها اجتمعت ساكنةً مع ألف الجمع، ولا أصل لها في الحركة فتُحَرَّكَ، فأُبدلت همزةً؛ لأنَّ الهمزة تَقبلُ الحركة. وإن لم تكن زائدةً للمدِّ لم تُقلب همزةً أصلًا، إِلَّا حيث سُمع شاذًّا. والذي سُمع من ذلك: أَقائيمُ٥ في جمع أَقوام. وأصله "أَقاويم"، فأُبدل من الواو المكسورة همزة، وإن كانت غير أوَّل، تشبيهًا لها بالواو المكسورة إذا وقعت أوَّلًا. وأمَّا مَصائبُ في جمع مُصِيبة فكان القياس فيها "مَصاوِب"، على ما يُبيَّن في باب القلب٦. فإمَّا أن يكونوا همزوا الواو المكسورة غير أوَّلٍ شذوذًا، فتكون مثل أقائيم في جمع أقوام –وهو مذهب الزَّجَّاج- وإمَّا أن يكونوا غَلِطوا فشبَّهوا ياء مُصيبة، وإن كانت عينًا، بالياء الزائدة في نحو صحيفة، فقالوا: مَصائب، كما قالوا: صَحائف. وهو مذهب سيبويه٧. والأوَّلُ أَقيسُ عندي؛ لأنَّه قد ثَبَت له نظيرٌ. وهو أَقائيم٨. فإن٩ لم تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، أو وقعت بعدها في غير الأماكن.

стр. 215

المذكورة، لم تُهمز أصلًا، بلا خلاف في شيء من ذلك. إِلَّا أن تقع بعد ألف زائدة، في اسم مفرد يوافق الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، في الحركات وعدد الحروف، وقد تقدَّم الألفَ ياءٌ أو واو، فإنَّ في ذلك خلافًا. فمذهب سيبويه إجراء ذلك مُجرى الجمع لقربه منه، فتُبدل الواو همزة. ومذهب الزَّجَّاج أنه لا يجوز إبدالها لأنَّ الاسم مفرد، وإنَّما ثَبَتَ إبدالها في المجموع. فتقول في "فُواعِل" من القوَّة، على مذهب سيبويه:" قُواءٍ". وعلى مذهب الزَّجَّاج: "قُواوٍ". وهذا النوع لم يَرِد به سماع، لكنَّ القياس يقتضي ما ذهب إليه سيبويه. أعني من١ أنه إذا قوي الشبه بين شيئين حُكِم لكلِّ واحد منهما بحكم الآخر. فأمَّا قائم وأمثاله فمن قَبيل ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف، وقد تقدَّم ذلك في فصل٢ إبدال الهمزة من الألف. فإن كانت الواو ساكنةً لم تُهمز إِلَّا في ضرورة، بشرط أن يكونَ ما قبلها حرفًا مضمومًا، فتُقدَّر الضَّمَّة على الواو، فتُهمز كما تُهمز الواو المضمومة. فتقول [٣٣ أ] في الشعر في٣ مثل مُوعِد: مُؤعِدٌ. قال٤: أَحَبُّ المُؤقِدِينَ إليَّ مُؤسَى ... [وجَعْدةُ, إِذ أضاءهُما الوَقُودُ]
следующие страницы →