← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 8667

الممتع الكبير في التصريف

ابن عصفور

Полный текст (542 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فاظ١ الميِّتُ يَفِيظُ فَيظًا وفَوظًا، فاستعملوا الفعل ممّا عينه ياء، ولم يستعملوه ممّا عينه واو. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنه قد ثَبَتَ إبدالهم الياء واوًا٢ شذوذًا، ولم يثبت من كلامهم ما عينه ياء ولامه واو٣. وأيضًا فإنَّ الحيوان من الحياة، ومعنى الحياة موجود في الحَيا المطر٤؛ ألا ترى أنه يُحيي الأرض والنبات، كما قال تعالى٥: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ؟ وهذا كثير في القرآن والشعر. وهم يقولون في تثنيته "حَيَيانِ"٦ [بالياء] ٧ لا غيرُ. فثَبَتَ بذلك٨ أنَّ الواو في حيوان بدل من ياء، وأنَّ ما ذهب إليه المازنيُّ فاسد. وأمَّا ما عينه واو ولامه ياء فكثير، نحو: شَوَيتُ وطَوَيتُ، وحكمُ اللام فيه حكمها في باب "رَمَيتُ"، في جميع الأحكام. وأمَّا العين فصحيحة ولا يجوز إعلالها. إِلَّا أن يؤدِّي تصريف إلى وقوع واو ساكنة قبل الياء فإنَّ الواو تُقلب ياء، وتُدغم الياء في الياء، نحو: شَوَيتُ٩ شَيًّا وطَوَيتُ طَيًّا. إلا١٠ أن يكون اسمًا على وزن "فَعْلَى" فإن الياء تقلب فيه واوًا. فمن ذلك العَوَّى١١ اسم النجم، هو في الأصل١٢ "عَوْيا"، فقُلبت الياء واوًا كما فُعل ذلك بالمعتلِّ اللام خاصَّة نحو: شَرْوَى -وقد تَقَدَّمَ السبب في ذلك- ثمَّ أُدغمت الواو في الواو. واشتقاقها من "عَوَيتُ يَدَه" أي: لَويتُها؛ لأنها [٥٤ب] كواكب ملتوية. فإن قيل: فهلَّا كانت العَوَّى: "فَعَّلًا" من "عَوَيتُ"، فلا يكون على ذلك ممّا قلبت فيه الياء١٣ واوًا. فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنه ليس من أبنية كلامهم ["فَعَّلٌ"] ١٤. فأمَّا

стр. 352

شَلَّمُ١ وبَذَّرُ٢ وبَقَّمٌ فأعجميَّات٣. وقد مدَّ بعضهم فقال: العَوَّاءُ. وهو قليل، ويحتمل ذلك ضربين من الوزن: أحدهما: أن يكون "فَعْلاء"، والأصل "عَوْياء" فقُلبت الياء واوًا وأُدغمت الواو في الواو. وإنَّما قلبوا الياء واوًا في "فَعْلاء" الممدودة، وليس قياسها ذلك؛ لأنَّ الأصل والأكثر فيه٤ القصر. وكأنهم لمَّا مدُّوه من قصر أبقَوُا الواو فيه المنقلبة٥ عن الياء، تنبيهًا على أنَّ المدَّ فيه عارض، كما صحَّ "عَوِرَ" لأنه في معنى: اعْوَرَّ. ويكون قلبهم الياء واوًا فيه شذوذًا، كما قالوا: عَوَى الكلبُ عَوَّةً، والأصل "عَوْيَة" فقلبت الياء واوًا. حكى ذلك ابن مِقسمٍ عن ثعلب٦. والآخر: أن يكون "فَعَّالًَا"، وكأنه في الأصل "عَوَّاي"، ثمَّ قلبت الياء همزة لتطرُّفها ووقوعها بعد ألف زائدة، فصار "عَوَّاء". وكأنه ذُهِب به٧ إلى معنى المنزل ولذلك ذُكِّرَ، وذُهِب بـ"عَوَّى" المقصورة إلى معنى المنزلة ولذلك أُنِّثت. وأمَّا "رَيّا" التي يُراد بها الرائحة، من قوله٨: [إِذا التَفَتَتْ نَحْوِي تَضَوَّعَ رِيحُها, ... نَسِيمَ الصَّبا] , جاءتْ بِرَيّا القَرَنفُلِ فصفة من معنى: رَوِيَتْ. وكان الأصل فيه "رائحة رَيَّا"٩ أي: ممتلئة طيبًا. ولو كانت اسمًا لكانت "رَوَّى"١٠؛ لأنَّ أصلها "رَوْيا"، فكنتَ١١ تُبدل الياء واوًا كما فعلتَ ذلك في "عَوَّى"١٢ ثمَّ تُدغم الواو في الواو. فلمَّا لم يقولوا ذلك علمنا أنها صفة أصلها "رَوْيا"، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء في الياء. فإن قيل١٣: فهلَّا ادُّعِيَ أنَّ "رَيَّا" اسم وأنها في الأصل "رَيْيا" فيكون ١٤ من باب ما عينه

стр. 353

ولامه ياء، ثمَّ قُلبت اللام واوًا فصار "رَيْوَى"، ثمَّ اجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنه لا يُحفظ من كلامهم تركيب١ "ري ي"،٢ ومن كلامهم تركيب "روي"٣ نحو: رَوِيتُ؛ ألا ترى أنَّ قوله٤ "ريّا المُخَلخَلِ" معناه: ممتلئةَ المخلخلِ؟ فهو من معنى "رَوِيَتْ"٥. والسبب، في أن اعتلَّت اللام في هذا الباب٦ وصحَّت العين٧، أنك لو أعللتَهما جميعًا لأدَّى ذلك إلى الإعلال بعد الإعلال والحذف؛ ألا ترى أنَّك لو قلبتَ الواو من "طَوَيتُ" ألفًا، والياء ألفٌ٨، لتوالى الإعلال. ثمَّ يلتقي الألفان وهما ساكنان، فيؤدِّي ذلك على الحذف. فلمَّا لم يمكن إعلالهما معًا أعللتَ إحداهما، وكانت الأَوْلى بالإعلال٩ اللام؛ لأنها طرف. وأيضًا فإنك لو أعللتَ العين وصحَّحتَ اللام لكنتَ تقول: شايَ يَشِيُّ وطايَ يَطِيُّ١٠ فتقلب الواو التي هي عين ياء وتُدغمها في الياء، وتدخل اللام الضَّمَّة؛ لأنها تجري مُجرى الصحيح، فكان يلزم في ذلك تغيير وتبديل كثير. فرُفِض لذلك. وقد شذَّ من ذلك شيء، فأُعِلَّت عينه وصُحِّحت لامه، وجاء ١١ ذلك في الاسم لقوَّته وتمكُّنه١٢. وذلك نحو: طاية١٣ وثاية١٤؛ لأنهما ١٥ من: طَوَيتُ وثَوَيتُ. وأمَّا ما عينه ولامه واوان١٦ فإنَّ العين منه تجري مَجرى [الحرف] ١٧ الصحيح أبدًا. وأمَّ

стр. 354

اللام فتجري مَجرى اللام في باب "غَزَوتُ"، في جميع ما ذُكر، مزيدًا كان الاسم أو الفِعل أو غيرَ مزيد. إِلَّا أنَّ الفِعل إذا كان على ثلاثة أحرف لم يُبنَ إِلَّا على "فَعِلَ"، بكسر العين، بخلاف باب "غَزَوتُ". والسبب في ذلك أنَّك لو بَنَيتَ الفِعل على "فَعَلَ" أو "فَعُلَ"، بضمِّ العين أو فتحها، لكنتَ تقول: "قَوَوتُ" و"قَوُوتُ"١، فتجمع بين واوين إذا رددتَ الفعل إلى نفسك. وكذلك المضارع كنت تقول فيه: "يَقْوُو"، فتجمع أيضًا بين واوين. فلمَّا تَعذَّرا عُدِل إلى "فَعِلَ"؛ لأنَّ الواو تنقلب ياء لتطرُّفها ووقوع الكسرة قبلها نحو: قَوِيَ، ويجيء المضارع على "يَفعَلَ" نحو: يَقْوَى، فيَخِفُّ اللفظ. فأمَّا الاسم فلا يلزم٢ "فَعِل" بكسر العين. بل قد تكون العين مفتوحة، فلا يلزم قلبُ اللام ياء نحو التَّوَى٣. وهو الهلاك، وهو مصدر: تَوِيَ يَتْوَى٤ كـ"قَوِيَ يَقْوَى". وهو من مضعَّف الواو، يدلُّك على ذلك قولهم: التَّوّ للمفرد، والمعنى واحد لأنَّ الهلاك أكثر ما يكون مع الوحدة والانفراد. هكذا قال أبو علي. وإنَّما لم يُستنكر مجيء الاسم على "فَعَلٍ"، وإن كان يلزم في التثنية [٥٥أ] اجتماع الواوين نحو "تَوَوَين"٥، كما يلزم ذلك في الفِعل إذًا رددتَه إلى نفسك -لأنَّ الفعل أثقل, فاستُخفَّ في الاسم لخِفَّته ما لم يُستخفَّ في الفعل لثِقَله. وأيضًا فإنَّ الفِعل يَتصرَّف فيلزم فيه الثقل في مضارعه, وإذا رددتَ الفعل إلى نفسك. ولا يلزم في الاسم إِلَّا في حال التثنية. وصحَّت العين في نحو "قَوِيَ" للعِلَّة التي تَقَدَّمت٦ في نحو: طَوَيتُ وشَوَيتُ. وأمَّا ما عينه ولامه ياءان فإنَّ العين منه تجري مَجرى حرف صحيح، للعِلَّة التي تَقَدَّمت أيضًا في باب: طَوَيتُ. وأمَّا الياء التي هي لام فتجري مَجرى الياء فيما عينه صحيحة نحو: "رَمَى"، في جميع الأحكام، سواء كان الاسم أو الفعل٧ مزيدًا أو غير مزيد. إِلَّا ما يَعرِض في هذا الباب من الإدغام, بسبب اجتماع المِثلَين، على ما يُبيَّن: وذلك أنَّ المِثلَين إذا اجتمعا في هذا النوع فلا يخلو من أن يكون الثاني ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا لم يجز الإدغام؛ لأنه لا يجوز الإدغام في ساكن، لما يُذكر٨ في باب الإدغام.

стр. 355

وذلك نحو: حَيِيتُ وأَحيَيتُ، وأشباه ذلك. وإن كان الثاني متحرِّكًا فلا يخلو من أن يكون ما قبله مفتوحًا أو غير مفتوح. فإن كان مفتوحًا قلبت الياء الثانية ألفًا، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وزال الإدغام لاختلاف الحرفين، نحو: أَحيا واستَحيا. فإن كان ما قبله غير مفتوح فلا تخلو الياء الثانية من أن تكون حركتها إعرابًا١ أو بناء. فإن كانت الحركة إعرابًا لم تُدغَم٢؛ لأنَّ الإعراب عارض، يزول في حال٣ الرفع والخفض فيَسكن الحرف، فلا يمكن الإدغام فيه، فيُحمل النصب في امتناع الإدغام على الرفع والخفض. وذلك [نحو] : لن٤ يُحْيِيَ ورأيتُ مُحْيِيًا. فلا تُدغِم كما لا تُدغِم في: هو يُحيِي، ولا في: هو مَحْيِيك. وإن٥ كانت الحركة بناء فلا يخلو من أن تكون متطرِّفة أو غير متطرِّفة. فإن كان متطرِّفة جاز الإظهار والإدغام٦ نحو: أُحْيِيَ وأُحِيَّ، وحَيِيَ وحَيَّ، وحُيِيَ وحُيَّ٧. ومن قال: "بِيعَ"، قال: "حِيَّ". وهو الأكثر لأنه أخفُّ. وقد قرأ بعض القراء "ويَحْيا مَن حَيِيَ عَن بَيِّنةٍ"٨. وبعضهم: ﴿ويَحْيا مَن حَيَّ﴾ ٩ بالإدغام. فمن أدغم فلأنَّ الحركة لازمة، ومن أظهر فلأنَّ هذه الياء من "حَيِيَ" هي الياء الساكنة في "يَحْيا" التي قُلبت ألفًا. وكذلك الياء في "أُحْيِيَ" هي الياء في "يُحْيا" التي قُلبت ألفًا. فلمَّا كانت هذه الياء في موضع قد تَسكن لم يُعتدَّ بحركتها. ومن قال: حَيَّ وعَيَّ، أجراهما مُجرى "ردَّ"١٠، فكما تقول: "رَدُّوا"، كذلك تقول: حَيُّوا.

стр. 356

وعَيُّوا. قال١ عَيُّوا, بأمرِهِمُ, كَما ... عَيَّتْ, بِبَيضتِها, الحَمامَهْ ومن قال: حَيِيَ، أجراه مُجرى: رَضِيَ. فكما تقول: رَضُوا، تقول: حَيُوا. قال٢: وكُنَّا حَسِبناهُم فَوارِسَ كَهمَسٍ ... حَيُوا, بَعدَ ما ماتُوا مِنَ الدَّهرِ أَعصُرا فإن لم تكن متطرِّفة فلا يخلو أن يكون بعدها علامتا التثنية، أو علامتا الجمع، أو تاء التأنيث. فإن كان بعدها٣ علامتا التثنية أو علامتا الجمع لم يجز إِلَّا الإظهار. وذلك نحو٤: مُحْيِيانِ وحَيِيانِ٥ ومُحْيِيات. والسبب في ذلك أنَّ زيادتي الجمع إنَّما دخلت على الإفراد. فلمَّا كان المفرد لو لم يلحقه شيء لا يجوز فيه الإدغام؛ لأنَّ الحركة إعراب، حُملت التثنية والجمع عليه. فإن كان بعدها٦ تاء التأنيث فلا يخلو أن تلحق التاء لفظ المفرد أو بناء الجمع. فإن لحقت بناء الجمع، نحو٧: حَياء وأَحيِية وعَيِيّ وأَعيِية، جاز الإظهار٨ والإدغام نحو: أَحِيَّة وأَعِيَّة فمن أدغم فلأنَّ الحركة بناء، ولم تدخل على بناء قد امتنع فيه الإدغام قبل لحاقها. ومن أظهر فلأنَّ هذه الياء هي التي تَسكن في: يَعيا ويَحيا. والإدغام في أَعِيَّة أقوى منه في أَحِيَّة؛ لأنَّ الياء٩ في أَعيية تلزمها الحركة في الجمع والمفرد نحو: عَيِيّ. وأمَّا أَحيِية١٠ فالحركة تلزم في الجمع. وأمَّا في المفرد فلا تثبت الياء، بل تقول: حياء، فتنقلب الياء همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة.

стр. 357

فإن لحقت المفردَ فلا يخلو من أن تكون عِوضًا من محذوف أو غير عِوَض. فإن لم تكن عِوَضًا لم يجز إِلَّا الإظهار، نحو١: مُحْيِية ومُعْيِية. والعِلَّة في ذلك كالعِلَّة في: مُحْيِيات ومُحْيِيَينِ، من أنَّ العلامة دخلت على بناء لا يجوز فيه الإدغام، وهو: مُحْيٍ ومُعْيٍ. فإن كانت التاء عِوَضًا فإنه لا يجوز إِلَّا الإغام، نحو٢: تَحِيَّة مصدر "حَيَّا". الأصل [٥٥ب] "تَحْيِيْيًا"٣، فحُذفت ياء٤ "تَفعِيل"، وعُوِّضت التاء منها على حدِّ تَكرِمة فصار "تَحْيِية"٥ فصارت هذه التاء لأجل العِوَضيَّة كأنها جزء من الكلمة فلزمت، فصارت الحركة لازمة لذلك، فلزم الإدغام. وزعم المازنيُّ٦ أنه يجوز الإظهار، واستدلَّ على ذلك بجواز الإظهار في أَحْيِية٧، مع أنَّ الهاء من أَحْيِية لازمة لـ" أَفْعِلة"؛ لأنها لم تدخل على "أَحِيّ"٨، كما أنها في تَحِيَّة كذلك إذ لم تدخل على "تَحِيّ". وهذا الذي ذهب إليه ضعيف٩؛ لأنَّ الفرق بين تَحِيَّة١٠ وأَحْيِية بيِّنٌ. وذلك أنَّ التاء ١١ من تَحيَّة صارت عِوَضًا من حرف من نفس الكلمة١٢، فصارت كأنها حرف من نفس الكلمة لذلك. وأيضًا فإنَّ أَحْيِية جمع، والجمع فرع على الواحد، والفروع قد لا تُلحظ وقد تُلحظ. وأمَّا تَحِيَّة فمصدر، والمصدر أصل، فينبغي أن يُلحظ في نفسه. وإذا أَظهرتَ الياءين ولم تُدغِم، كان الإدغام جائزًا مع الإظهار أو لم يكن، فإنَّ إخفاء الحركة من الياء الأُولى١٣ أفصح من الإظهار١٤؛ لأنه وسيطة بين الإظهار١٥ والإدغام، فكان أعدل لذلك.

стр. 358

والإخفاء فيما حركة الياء الأُولى منه كسرةٌ أحسنُ١ من الإخفاء فيما٢ حركتها منه فتحة. فالإخفاء في مُحيِيَينِ أحسن من الإخفاء في مُحيَيَينِ؛ لأنَّ الكسرة في الياء أثقل من الفتحة، فتكون الداعية إلى التخفيف مع الكسرة أشدَّ. وقد شذَّ أُليفاظ٣ في هذا الفصل، فاعتلَّت فيها العين. منها: آية وراية وثاية وغاية وطاية. وكان حقُّها أن يعتلَّ منها اللام ويصحَّ العين٤. والذي سَهَّل ذلك كونُ هذه الأُلفاظ٥ أسماءً، فلا تتصرَّف فيلزمَ فيها من الإعلال والتغيير ما يلزم في الفعل. وفي "آية" ثلاثة أقوال للنحويِّينَ٦: فمذهب الخليل٧ ما ذكرناه، من اعتلال العين وصحَّة اللام شذوذًا. ومذهب الفرَّاء أنَّ وزنها "فَعْلة"، وأنَّ الأصل "أيَّة"، فاستثقلوا اجتماع ياءين، فأبدلوا من الساكنة ألفًا تخفيفًا. قال: وإذا كانوا يفعلون ذلك بالياء الساكنة وحدها، في نحو: عَيبٌ وعابٌ وذَيمٌ وذامٌ٨, فالأحرى أن يفعلوا ذلك إذا انضاف إليها ياء أُخرى. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّ فيه إعلال العين، مع أنَّ العين٩ معتلَّة كما في مذهب الخليل، مع أنَّ إبدال الياء الساكنة ألفًا ليس بمستمرٍّ. وأمَّا العاب والعَيب والذام والذَّيم١٠ فهما ممّا جاء على "فَعْلٍ" تارة، وعلى "فَعَلٍ" أُخرى. ومذهب الكسائيِّ أنَّ وزنها "فاعِلة" والأصل "آيِيَة"، فحُذفَتِ استثقالًَا لاجتماع الياءين، إذ حذفوها وحدها في "بالَة"١١ وقد تَقَدَّمَ. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّ فيه أيضًا ما في

стр. 359

مذهب الخليل من إعلال العين؛ لأنَّ الحذف إعلال، مع أنَّ حذف الياء التي هي عين ليس بمطَّرد، مع أنَّه ادَّعى أصلًا لم يُلفظ به، ولا مانع يمنع لو كان ذلك١. فتَبيَّن أنَّ الأَولى ما ذَهَب إليه الخليل. وهذه المذاهب إنَّما تجري في آية؛ لأنها من ذوات الياء بدليل قوله٢: قِفْ, بالدِّيارِ, وُقوفَ زائرْ ... وتَأَيَّ, إِنَّكَ غَيرُ صاغِرْ فمعنى تأيَّ: انظُرْ آياتِها. فلو كانت عينها واوًا لقال "وتَأوَّ" كما تقول: تَلوَّ وتَسَوَّ٣. وكذلك غاية في أحد القولين؛ لأنَّ أبا زيد حكى: غَيَّيتُ الغايةَ وأَغيَيتُها. فهذه دلالة قاطعة على أنها من الياء٤. فعلى هذا تجري فيها٥ المذاهب الثلاثة التي في آية. وشذَّ من ذلك الفعل٦ "استَحَى"، وكان القياس "استَحْيا"، لكن شذُّوا فيه، فأجرَوه مُجرى: استَبانَ، فنقلوا حركة الياء التي هي عين إلى الساكن قبلها، وقلبوا الياء ألفًا، فصار: استَحَى. فأمَّا المازنيُّ فيزعم أنَّ الألف حُذفت تخفيفًَا٧، كما حذفت من عُلَبِط٨ وهُدَبِد٩. وأمَّا الخليل فيزعم أنه لما اعتلَّت العين سُكِّنت، وسُكِّنت اللام أيضًا كذلك بعدها بالإعلال، فالتقى ساكنان فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. فإن قيل: فلأيِّ شيء لم يردُّوا المحذوف في المضارع، فيقولون١٠: "يَستَحِيُّ"، ويرفعون الياء التي هي لام، ويُدغمون فيها العين؟ فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنهم لو فعلوه١١ لرفعوا ما لا يرتفع مثله في كلامهم؛ لأنَّ الأفعال المضارعة إذا كان آخرها معتلًّا لم يدخلها الرفع في شيء من الكلام١٢. [فأمَّا قول الشاعر١٣:

стр. 360

وكأنَّها، بَينَ النِّساءِ، سَبِيكةٌ, ... تَمشِي١, بِسُدَّةِ بَيتِها, فتُعِيُّ فبيت شاذٌّ وقد طُعن على قائله] . وردَّ المازنِيُّ٢، مذهب الخليل، بقول العرب في التثنية: استَحَيا. قال: فلو كان الحذف لالتقاء الساكنين لوجب الردُّ هنا؛ لأنَّ اللام قد تحرَّكت لأجل ألف التثنية، فكانوا يقولون: "استَحايا". فلمَّا لم يقولوا ذلك دلَّ على أنَّ الحذف تخفيفٌ٣. ولقائل [٥٦أ] أن يقول٤: لَمَّا حُذف عين "استَحَى"٥ أَشبَهَ "افتَعَلَ"، فصُرِّفَ كتصريف ما أشبهه. ومذهب المازنِيِّ أقوى. وجميع ما يجري على "استَحَى" مثلُه في اعتلال عينه، من اسم فاعل واسم مفعول ومضارع، [نحو] ٦: استَحَى يَستَحِي فهو مُستَحٍ ومُستَحًى منه. قال٧ الشاعر: وإِنِّي لأستَحيِي, وفي الحَقِّ مُستَحًى, ... إِذا جاءَ باغِي العُرفِ, أن أَتَنكَّرا ولم يستعملوا الفعل٨ معتلَّ العين إِلَّا بالزيادة، فلا يقال "حايَ" ولا "يَحَيُّ". فأمَّا٩ قول الشاعر: وكأَنَّها, بَينَ النِّساءِ, سَبِيكةٌ ... تَمشِي, بِسُدَّةِ بَيتِها, فتَعَيّ١٠ فبيتٌ شاذٌّ، وقد طُعن على قائله. وأمَّا١١ اللام فتجري في اعتلالها مَجرى لام "رَمَى"، فلا تصحُّ إِلَّا أن تضعِّفها. فإنك إذ ذاك

стр. 361

تُصحِّح الأُولى منهما، وتُعِلّ الثانية منهما؛ لأنَّ نسبتها إذ ذاك من الثانية نسبة العين من اللام في "شَوَى" وأمثاله. فلو١ بَنَيتَ من الرمي مثل "احمرَّ" لقلت: "ارْمَيَا". والأصل "ارْمَيَيَ"، فصحَّتِ اللام الأُولى وقلبت الثانية ألفًا. وتقول في المضارع: "يَرْمَيِي"، فتصحّ اللام الأولى كما تصحّ العين في: يُحْيِي. وتقول في مثل٢ "احمارَّ" من الحُوَّة: احْواوَى الفرسُ واحْواوَتِ الشَّاةُ. تَرجِعُ الواوَ إلى أصلها؛ لأنه لا مانع من ذلك. واحتُملت الواوان لوقوعهما منفصلتين. فإن بنيتَ مثل "احمَرَرْتُ" قلت: "احْوَوَيْتُ". واحتُملت الواوان، وإن كانتا متصلتين؛ لأنهما في تقدير الانفصال؛ لأنَّ كلَّ "افعَلَّ" مقصورةٌ من "افعالَّ". وتقول في اسم الفاعل من "احواوَى": مُحْواوٍ، ومن "احوَوَى": مُحْوَوٍ. ومصدر "احواوى": احْوِيواءٌ، من غير إدغام؛ لأنَّ الياء مدّة منقلبة عن ألف "احواوَى". هكذا حكى أهل اللغة عن العرب. وزعم المبرّد٣ أنك تقول: احْوِيّاءٌ، من قِبَل أنَّ المصدر اسم. فبناؤه على حالة واحدة، فلا تكون الألف عارضة. والسماعُ يبطل ما قال. ومصدر "احووَى": احْوِواءٌ. ومن قال في مصدر "اقتَتلَ": قِتّالًا، قال في مصدر "احووَى": حِوَّاءٌ. هذا قول أبي الحسن٤. وغيره يقول: "حِيَّاءٌ"، فيقلب الواو الساكنة ياء لانكسار ما قبلها، ثمَّ تُقلب الثانية ياء، وتُدغم الياء في الياء. والصحيح قول أبي الحسن؛ لأنَّ الواو بالإدغام قد زال عنها المدُّ، فصارت [بمنزلة الحروف] الصحيحة. ولذلك وقع "لُيّ" في القافية مع "ظَبْي". وأَدْلٍ كان كذلك [لو] لم تقوَ الكسرة على قلبها. ويقوِّي ذلك قولهم: قُرونٌ لُيٌّ. فلم يقلبوا من الضَّمَّة كسرة، لَمَّا أمنوا قلب الياء واوًا للإدغام كما قلبوها [في أدْلٍ] . فإن قلتَ: إنَّ القلب في حِيَّاء محمول على قول من قال: لِيٌّ، بكسر اللام. فالجواب أنَّ ذلك بعيد؛ ألا ترى أنك لا تجد كلمة من الواو المدغمة قَلَبتْها الكسرةُ إلى الياء، لزوال المدّ عنها بالإدغام؟ ٥

стр. 362

[الرباعيُّ المعتلُّ] : فإن كان أصول المعتلِّ على أزيد من ثلاثة فإنَّ نهاية ما يوجد عليه أربعة أحرف، بشرط أن يكون مصعَّفًا. أعني: تكون لامه الأولى من جنس فائه، ولامه الثانية من جنس عينه، كما جاءت١ لام "رَددتُ" من جنس عينه. فهو في الأربعة نظير "رَدَدتُ" في الثلاثة٢. وذلك نحو: قَوقَيتُ٣ وضَوضَيتُ٤ في بنات الواو، وحاحَيتُ وعاعَيتُ وهاهَيتُ٥ في بنات الياء. والأصل "ضَوضَوتُ" و"قَوقَوتُ" -فأبدلوا الواو الأخيرة ياء، لوقوعها طرفًا رابعة، للعِلَّة التي ذكرنا في "أغزَيتُ"٦- وحَيحَيتُ وعَيعَيتُ وهَيهَيتُ، فأبدلوا من الياء ألفًا، كراهية اجتماع الأمثال. فإن قيل: وما الذي يدلُّ٧ على أنَّ قَوقَيتُ: "فَعْلَلتُ"؟ ولعلَّها "فَعْلَيْتُ" أو "فَوْعَلتُ". وكذلك أيضًا حاحيتُ، ما الذي يدلُّ على أنه "فَعْلَلتُ"؟ ولعلَّه "فاعَلتُ". فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على أنَّ قَوقَيتُ: "فَعْلَلتُ" أنه لو كان "فَوْعَلتُ" لكان من باب دَدَن٨، ولو كان "فَعْلَيتُ" لكان من باب سَلِسَ وقَلِقَ. وهما بابان٩ قليلان، "وقَوقَيتُ" وأمثاله كثير. فدلَّ ذلك على أنَّه ليس بـ"فَوْعَلتُ"، ولا بـ"فَعْلَيتُ". وأمَّا حاحَيتُ وأمثاله فالذي يدلُّ١٠ على أنها "فَعْلَلتُ" لا "فاعَلتُ" المصدرُ؛ ألا تراهم قالوا: الحِيحاءُ والعِيعاءُ، فيجيء بمنزلة السِّرهاف؟ ١١ ولو كان "فاعَلَ" لكان مصدره "فِعالًا" نحو: قاتلَ قِتالًا.

стр. 363

فإن قيل: وقد١ يجيء "الفِيعال"٢ مصدرًا لـ"فاعَلَ"، قالوا: "قاتَله قِيتالًا". فالجواب أنَّ ذلك قليل، فلا ينبغي أن يحمل عليه الحِيحاء والعِيعاء. والذي يدلُّ٣ أيضًا على أنَّ حاحَيتُ وعاعَيتْ: "فَعلَلتُ" قولُهم: الحاحاةُ والعاعاةُ، بمنزلة الدَّحرَجة والقَلقَلة والزَّلزَلة. ولو كانتا "فاعَلتُ" لما جاز ذلك؛ ألا ترى أنَّه لا يقال: قاتَلَ قاتَلةً، ولا ضارَبَ ضارَبةً؟ وأيضًا فإنَّ جعل الألف زائدة يؤدِّي إلى دخولهما في الباب القليل -أعني باب: دَدَن- وهو كون الفاء والعين٤ من جنس واحد. فإن قيل: وما الذي يدلُّ على أنَّ الألف منقلبة عن٥ الياء فيهما؟ فالجواب٦ أنَّ الذي يدلُّ على ذلك أنه لم يجئ قطُّ على أصله. فلو كان من ذوات الواو لجاء على أصله، كـ"قَوقَيتُ". فإن قيل: ولأيِّ شيء لم تُبدَل من الواو ألف، في مثل قَوقَيتُ؟ فالجواب أنهم فرَّقوا بذلك بين ذوات الياء وذوات الواو، وكان إبدال الألف من الياء أَوْلى، لقرب الألف من الياء، ولما في إظهار الياء٧ من اجتماع الأمثال. وممّا يدلُّ على أنهم يُبدلون كراهية اجتماع الأمثال: دَهدَيتُ٨، وأصله٩ "دَهْدَهتُ"، فأُبدِلَتِ الهاء ياء. وزعم المازنِيُّ١٠ أنَّ الألف منقلبة عن واو. وحجَّتُه أنَّ الألف لَمَّا لم يُنطق لها بأصل، لا من ياء ولا من واو، حَمَلَها على ما نُطق له بأصل. وهو: قَوقَيتُ. والأو َّل أَقيس وأحسن؛ لأنَّ فيه مُحسِّنًا لقلب الياء ألفًا. وليس في مذهب المازنِيِّ ما يُحسِّن القلب. وجاء من ذلك في الأسماء ١١: غَوغاء، فيمن صرف فقال: غَوغاءٌ أو مَن ألحق التاء فقال: غَوغاءةٌ. والأصل "غَوغاوٌ" و"غَوغاوةٌ". فقُلبت الواو همزة ١٢ لتطرُّفها بعد ألف زائدة.

стр. 364

فإن قيل: ولعلَّ الهمزة منقلبة عن حرف عِلَّة مُلحَق بالأصل. فالجواب أنَّ حمل الكلمة على ذلك يؤدِّي إلى كون الكلمة من باب: سَلِسَ وقَلِقَ. وذلك قليل جِدًّا. فحُملت على الباب الأوسع. وأيضًا فإنَّ العرب لم تُلحِق من بنات الثلاثة ببنات الأربعة شيئًا على وزن "فَعْلاء"، لم يوجد من كلامها مثل حمراء [٥٦ب] منوَّنًا١. فإن٢ قيل: ولعلَّ الواو زائدة، ووزن الكلمة "فَوعالٌ" نحو: تَوراب٣. فالجواب أنَّ هذا البناء قليل، فلا ينبغي أن يُحمل عليه. وأيضًا فإنَّه يؤدِّي إلى الدخول في باب: دَدَن، وهو أقلُّ من باب: سَلِسَ. فأمَّا٤ من منع الصرف فالهمزة عنده زائدة، والكلمة من باب: سَلِسَ. وكذلك٥ الصِّيصِيةُ والدَّوداةُ والشَّوشاةُ. فأمَّا الصِّيصِية٦ فمن مضعَّف الياء. وأمَّا الدَّوداة٧ والشَّوشاة٨ فمن مضعَّف الواو. ولا ينبغي أن يُدَّعى في صِيصية٩ أنها في الأصل "صِوْصِيةٌ"، فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها، لأنَّه خروج عن الظاهر بغير دليل. وأيضًا فإنها لو كانت من ذوات الواو لقالوا في الجمع "صَواصٍ"، لتحرُّك الواو وزوال الكسرة. فلمَّا قالوا: صَياصٍ، علمنا أنها من ذوات الياء. قال تعالى١٠: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ . ولا تُجعل الياء الثانية زائدة ويكون وزن الكلمة "فِعْلِية" نحو عِفرِية١١؛ لأنَّ في ذلك دخولًا١٢ في باب: قَلِقَ. وهو قليل. وكذلك الدَّوداة والشَّوشاة١٣ لو جُعلت الواو فيهما زائدة١٤ لكانا١٥ من باب: دَدَن.

стр. 365

وهو١ قليل. ولو كانت الألف زائدة لكانا٢ من باب: سَلِسَ. وهو قليلٌ أيضًا. فأمَّا الفَيفاء٣ فالألف والهمزة زائدتان؛ لأنهم [قد] ٤ يحذفونهما، فيقولون٥: الفَيْفُ. وكذلك القِيقاء٦ والزِّيزاء٧ بمنزلة عِلباء٨ ولا يكونان من باب المضعَّف؛ لأنهما ليسا بمصدرين، و"فِعلال"٩ لا يوجد إِلَّا في المصادر. وحكم اللام المعتلَّة، في جميع الأحوال، حكمها في مزيد الثلاثيِّ. وحكم العين حكمها في الثلاثيِّ. ولم تجئ الواو أصلًا في بنات الأربعة غيرَ المضعَّف إِلَّا في وَرَنْتَلٍ١٠ -وهو شاذٌّ- وفي أسماء قليلة١١ قد نبَّهنا عليها في الأبنية. وكذلك الياء لم تجئ أصلًا فيما زادت أصوله على ثلاثة أحرفٍ إِلَّا في يَسْتَعُورٍ١٢، وفي ألفاظ قليلة نبَّهنا١٣ أيضًا عليها في الأبنية. وقد تَقَدَّمَ الكلام فيها١٤.

стр. 366

أحكام حروف العلة والزوائد باب الياء ... باب ١: أحْكام حُروف العِلَّة وَالزَّوائِد وهي ثلاثة الياء والواو والألف باب الياء: أمَّا الياء منها فلا تخلو من أن تكون ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت ساكنة فلا يخلو٢ من أن تقع بعد ساكن أو متحرِّك. فإن وقعت بعد ساكن فإن كان الساكن حرف عِلَّة [حذف، فتقول] ٣ في مُصطفى: "مُصطَفَينَ" في النصب والخفض. إِلَّا أن تكون الياء علامة تثنية فإنَّك تحرِّك الساكن [الذي قبلها] ٤ وتقلبه ياء إن كان ألفًا، فتقول: "مُصطَفَيَينِ" في النصب والخفض، أو تكون الألف ألف الجمع [الذي لا نظير له في الآحاد] ٥، فإنَّك [تبدل الياء همزة] ٦، وتحرَّك بالكسر لالتقاء الساكنين، نحو: صَحائف. وقد تَقَدَّمَ ذكر السبب في ذلك في باب البدل. فإن كان حرفًا صحيحًا كسرته وثَبَتَتِ الياء، نحو قولك في التذكّر: [قَدِيْ] ٧، والإِنكار: أزَيدُنِيهْ٨؟ وإن وقعت بد متحرِّك فلا يخلو من أن تكون بعد حرف مفتوح، أو حرف مكسور، أو حرف مضموم. فإن كانت بعد حرف مفتوح نحو: بَيطَرَ، لم تعتلَّ. إِلَّا أن ينضاف إليها ثلاث

стр. 367

ياءات فإنه يجوز حذفها استثقالًا. وذلك نحو أُمَيَّة إذا نَسبتَ إليه فإنَّ من العرب من يقول: "أُمَوِيّ"، فيحذف ياء أُميَّة الزائدة، فيكون كأنه قد نسب إلى "أُمًى" كهُدًى، فيقول: أُمَوِيّ كهُدَوِيّ. وإن كانت بعد حرف مكسور فهي على حالها أيضًا، نحو: قَضِيب. وإن كانت بعد حرف مضموم قلبت واوًا، نحو: "بَيطَر" إذا بنيته للمفعول فإنك تقول: بُوْطِرَ. وإن كانت متحرِّكة فلا يخلوم من أن تكون أوَّلًا، أو بعد حرف. فإن كانت أوَّلًا لم تُغيَّر عن حالها التي تكون عليها في الأصل نحو: يَركَبُ. إِلَّا في "يَفعَلُ" مضارع "فَعِل" المكسور العين الذي فاؤه واو، فإنه يجوز كسرها، وذلك نحو: يِيْجَلُ، في بعض اللغات. وإن كانت بعد حرف فلا يخلو من أن تكون طرفًا، أو غير طرف. فإن كانت طرفًا فلا يخلو من أن يكون ما قبلها ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ما قبلها ساكنًا فإنه لا يكون إِلَّا الألف الزائدة، أو الياء الأُولى من ياءيِ النسب أو ما جرى مجراهما، نحو: قُرَشِيّ وكُرسِيّ. ولا يُحفظ غير ذلك. وتقلب بعد الألف همزة. وذلك نحو: دِرْحاء أصله "دِرحايٌ"، بدليل قولهم في معناه: دِرحاية. لكنها قُلبت همزة لما ذكر في باب البدل. وتصحّ١ بعد الياء. وإن كان ما قبلها متحرِّكًا فإنه لا يخلو أن تكون الحركة فتحة أو ضمَّة أو كسرة٢ فإن كانت كسرة لم تُغيَّر نحو: عِفرِيَة؛ لأنَّ٣ تاء التأنيث لا يُعتدُّ بها. وإن كانت ضمَّة [قُلبت] الضَّمَّة كسرة و [ثَبَتَت] الياء. نحو: تَقَلْسٍ٤ [مصدر] : تَقلسَى. أصله "تَقَلسُيٌ" فقلبت الضَّمَّة كسرة. وإن كانت فتحة قلبت ألفًا، نحو: عَلقًى٥ وقَلسَى٦. والأصل "عَلقَيٌ" و"قَلَسيَ"٧، بدليل قولك: علقيانِ وقلسيتُ، لكن لَمَّا تحرَّكت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفًا. ما لم يمنع من ذلك الألفُ التي هي علامة الاثنين أو ضميرهما، نحو: قَلسَيا وعَلقَيان، فإنها تثبت ولا تقلب، لئلَّا يؤدِّي ذلك إلى اجتماع ساكنين -الألف المبدلة من الياء والألف التي بعدها- فيلزمَ الحذف

стр. 368

فتقولَ: "قلسَى" فيلتبس بفعل الواحد، و"عَلقانِ" فيلتبس بتثنية غير المقصور. [٥٧أ] إِذ قد يُتوهَّم أنه تثنية "عَلْق" مثلًا. وإن كانت غير طرف فلا يخلو من أن تكون بين ساكنين، أو بين متحرِّكتين، أو بين متحرِّك وساكن١. فإن كانت بين ساكنينِ لم تُغيَّر نحو: قِشْيَبّ وكَرايِيس، أو متحرِّكين٢ نحو: قَيُّوم, ثبتت ولم تُغَيَّر بأكثر من إدغامها فيما بعدها، كما فُعل في قيُّوم. أصله "قَيْوُوم" فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وإن كانت بين متحرِّك وساكن ثَبَتَتْ ولم تُغيَّر، نحو: حِذْيَم٣ وحِيَفْس٤، ما لم يكن الساكن ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، وتكونَ الياء ساكنة في المفرد، فإنها تقلب همزة نحو: صَحائف جمع صَحِيفة، أو تكونَ بعد الألف وقد تقدَّمها ياء أُخرى أو واو، بشرط القرب من الطرف نحو بَيِّن، وقِيَّم اسم رجل على وزن "فِعْيَل" نحو: حِذْيَم، تقول في تكسيرهما: بَيائنُ وقَوائمُ. وقد تَقَدَّمَ ذكر السبب في ذلك في باب البدل٥. ما لم يؤدِّ ذلك إلى وقوع الهمزة بين ألفين. فإن أدَّى إلى ذلك أُبدلت من الهمزة ياء، هربًا من اجتماع ألفين مع ما يقاربهما. وهو الهمزة. فكأنه قد اجتمع في الكلمة ثلاث ألفات. وإنَّما أُبدلت منها الياء؛ لأنها أخفُّ من الواو. وذلك نحو: مَطِيَّة ومَطايا. أصله٦ "مَطائِوُ" ثمَّ قُلبت لتطرُّفها وانكسار ما قبلها فصار "مَطائِيُ"، ثمَّ قُلبت الكسرة فتحة تخفيفًا فصار "مَطاءَيُ"، ثمَّ قُلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها فصار "مطاءَى"، ثمَّ أُبدلت الهمزة ياء لِما قدَّمنا. وكذلك تفعل بالهمزة المبدلة من الألف، إذا أدَّى ذلك فيها إلى وقوع الهمزة بين ألفين، نحو: صَلاءة وصَلايا٧، كما لم تكن الواو من المفرد واوًا ملفوظًا بها، فإنَّ الهمزة إذ ذاك تبدل واوًا، لتكون الواو ظاهرة في الجمع كما كانت في المفرد. نحو: عِلاوة وعَلاوَى٨، وإِداوة وأَداوَى٩.

стр. 369

وقد يُبدلون الهمزة واوًا، وإن لم تكن ظاهرة في المفرد، إذا كانت اللام واوًا في الأصل، نحو: مَطِيَّة ومَطاوَى وشَهِيَّة وشَهاوَى. على أنه قد يجوز أن تكون شهاوَى جمع شَهْوَى، استُغني به عن جمع شَهِيَّة، لكونهما في معنًى واحدٍ. قال١: فَهْيَ شَهاوَى, وهْوَ شَهْوانِيُّ

стр. 370

باب الواو ١: أمَّا الواو فلا يخلو أيضًا من أن تكون ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت ساكنة فلا يكون ما قبلها أبدًا إِلَّا متحرِّكًا -ولا يكون٢ ساكنًا إِلَّا أن يكون الساكن ألفًا، فإنك تحذفها فتقول في مُصطَفى: مُصطَفَونَ. ما لم تكن الألف للجمع الذي لا نظير له في الآحاد فإنها تقلب همزة، نحو: عَجائز- ولا تخلو الحركة من أن تكون فتحة أو ضمَّة أو كسرة. فإن كانت فتحة ثَبَتَتِ الواو ولم تُغيَّر، نحو: حَوقَلَ، إلا٣ أن تُدغَم في ياء، فإنها تُقلب ياء نحو: قولك: "هؤلاء مُصطفىَّ". وإن كانت ضمَّة ثَبَتَتْ أيضًا ولم تُغيَّر، نحو: "طُومار"٤، إِلَّا أن تُدغم في ياء مبدلة من واو، أو غير مبدلة، فإنها تُقلب ياء نحو بِيَّاع "فُوْعال" من البيع. وإن كان قبلها ضمَّة٥ قُلبت ياءً، والضَّمَّةُ التي قبلها كسرة، نحو: مَرْمِيّ وعُصِيّ. وقد تَقَدَّمَ ذكر ذلك٦. وإن كانت كسرة فإنها تقلب ياء نحو: بَهالِيلَ، ما لم تكن الواو ضمير جماعة أو علامة جمع، فإنك تبدل الكسرة ضمَّة كي تصحَّ الواو، فلا يتغيَّر الضمير ولا العلامة، نحو قولك: هؤلاء قاضُونَ وهؤلاء يقضُونَ. الأصل "قاضِيُونَ" و"يَقضِيُونَ". فاستُثقلت الضَّمَّة في الياء فحُذفت، فالتقى ساكنان -الواو والياء- فحذفت الياء، وبقيت الواو ساكنة بعد كسرة، فحوِّلت الكسرة ضمَّة لتصحَّ الواو، و [ما] لم تكن مدغمة فيما بعدها، فإنها إذا كانت كذلك ثَبَتَت ولا تُغيَّر لتشبُّثها بالحكرة نحو: اعلِوَّاط، مصدر اعلَوَّطَ؛ ألا ترى أنَّ الواو التي بعد الكسرة زائدة ساكنة، ولم تنقلب ياء؟

стр. 371

وقد جاء من ذلك شيء مقلوبًا. إِلَّا أنه يُحفظ ولا يقاس عليه، نحو: ديوان. أصله "دِوَّان" بدليل قولهم في الجمع: دَواوِينُ١. والواو الأُولى من "دِوَّان" ساكنة زائدة؛ لأنَّه قد تَقَدَّمَ الدليل على أنَّ الأوَّل من المضعَّفين زائد. وإن كانت متحرِّكة فلا يخلو من أن تكون طرفًا أو غير طرف. فإن كانت طرفًا فلا تخلو أن يكون ما قبلها ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا ثَبَتَت ولم تُغيَّر نحو: حِنْطأْو٢. وإن كان متحر ِّكًا فلا يخلوأن تكون الحركة فتحة أو كسرة أو ضمَّة. فإن كانت فتحة ثَبَتَت نحو الواو المبدلة من ألف حُبْلَى، إذا وقفت فقلت: حُبْلَوْ٣ وإن كانت كسرة قُلبت ياء نحو: قُلَيْسِيَة، في تصغير قَلَنْسُوة على أحد الوجهين، وتاء٤ التأنيث هنا غيرُ مُعتدٍّ بها. وإن كانت ضمَّة قُلبت الواو ياء والضَّمَّة كسرة، نحو قولك: يا قَمَحْدِي، في ترخيم قَمَحدُوَة على لغة من لا ينوي ردَّ المحذوف. إِلَّا أن تكون الكلمة مبنيَّة على تاء التأنيث، فإنَّ الواو لا تُغيَّر نحو: قَلَنسُوة -ولو لم تُبْنَ الكلمة على التاء هنا، ولم يُعتدَّ بها، لقيل: قَلنْسِيَة- أو تكونَ الواو [٥٧ب] علامة جماعة أو ضميرها، فإنها تثبت ولا تُغيَّر، محافظة على الواو؛ لأنها لمعنى، نحو قولك: زيدُونَ ويَضرِبُونَ. وإن كانت الواو غير طرف فلا يخلو من أن تكون بين ساكنين٥، أو بين متحرِّك وساكن٦. فإن كانت بين ساكنين ثَبَتَت ولم تُغيَّر، نحو: عِثْوَلّ٧. إِلَّا أن يُدغم فيها ياء فإنها تُقلب ياء٨ نحو: بِيَّاع على وزن "فِعْوال" من البيع. وإن كانت بين ساكن ومتحرِّك ثَبَتَت أيضًا. ولم تُغيَّر، نحو: جَهْوَر. إِلَّا أن تكونَ مضمومة نحو: تَجَهْوُر، فإنه يجوز همزها في أحد الوجهين٩، أو تُدغمَ فيها الياء فإنه يلزم قلبها ياء نحو: "فَعْوَل" من البيع، تقول فيه: بَيَّع، والأصل "بَيْوَع"، أو تقعَ بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، وقد كانت ساكنة في المفرد للمدِّ، فإنه يلزم قلبها همزة

стр. 372

نحو: عَجائز، أو تقعَ بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد أيضًا، وقد تَقَدَّمَ الألفَ ياء أو واو، فإنه يلزم قلبها همزة نحو: سَوائد وبَيائع، جمع سَوَّد وبَيَّع، على وزن "فَعْول" من السُّودَد والبيع. ما لم تصِحَّ١ في المفرد في موضع يجب إعلالها فيه، أو لم تكن قريبة من الطرف، فإنه لا يجوز همزها، نحو: ضَياوِن جمع ضَيْوَن٢, وبَياوِيع جمع بِيَّاع على وزن "فِعْوال"٣. وقد تَقَدَّمَ ذكر ذلك في باب البدل٤.

стр. 373

باب الألف ١: وأمَّا الألف فإنها أبدًا ساكنة، ولا يخلو أن تجتمع مع ساكن غيرها أو لا تجتمع. فإن اجتمعت مع ساكن حُذفت نحو: حُبْلَى القوم٢. إِلَّا أن يكونَ الساكن ألف التثنية فإنها تقلب ياء ولا تحذف، فتقول في تثنية حُبلَى: حُبْلَيانِ. ولا يجوز أن تقول "حُبْلانِ" لئلَّا يُتوهَّم أنه تثنية "حُبْل" خلافًا لأهل الكوفة فإنهم يجيزون حذفها فيما زاد على أربعة أحرف، نحو: جُمادَى، فيقولون في تثنيته: جُمادانِ. والصحيح عندنا أنه لا يجوز إِلَّا جُمادَيانِ، وبه وَرَدَ السماعُ. قال٣: شَهرَيْ رَبِيعٍ, وجُمادَيَينَهْ وقد حُذفت في لفظتين شذَّتا -وهما: ضَبَغْطَرًى٤ وقَبَعْثَرًى٥- قالوا في تثنيتهما: ضَبَغْطَرانِ وقَبَعْثَرانِ. أو يكونَ الساكن الياء الأُولى من ياءيِ النسب، فإنها تُقلب معها واوًا، فيما هو على أربعة أحرف، ولم٦ تتوال فيه الحركات، ويجوز فيه الحذف. فيقال في النسب إلى حُبْلَى. حُبْلِيٌّ وحُبْلَوِيٌّ٧. وأمَّا ما زاد على أربعة أحرف فلا يجوز فيه إِلَّا الحذف. أو يكونَ الساكن ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، فإنها تُقلب همزة ولا تُحذف نحو: رَسائل، في جمع رِسالة. وقد تَقَدَّمَ ذكر السبب في ذلك في باب البدل. وقد تُقلب الهمزة

стр. 374

ياء، إذا وقعت بين ألفين، للعِلَّة التي تَقَدَّمَ ذكرها في فصل١ الياء. وإن لم تجتمع مع ساكن فلا يخلو من أن تكون الحركة التي قبلها فتحة أو ضمَّة أو كسرة٢. فإن كانت فتحةً ثَبَتَت ولم تغيَّر نحو: رِسالة. إلَّا٣ أنه يجوز فيها إذا كانت طرفًا في الوقف أن تُبدل ياء أو واوًا أو همزة، فتقول: حُبلأْ، وحُبلَوْ، وحُبلَيْ. إِلَّا ما جاء من ذلك شاذًّا، قد حُذفت فيه الألف واجتزئ بالفتحة عنها، فإنه يُحفظ ولا يقاس عليه، نحو: عُلَبِط٤ وعُكَمِس٥ وأمثال ذلك، أو في ضرورة شعر نحو قوله٦: ألا, لا بارَكَ اللهُ, في سُهَيلٍ ... إِذا ما اللهُ بارَكَ, في الرِّجالِ فحذف الألف من "الله" لإقامة الوزن. وإن كانت ضمَّةً قُلبت واوًا نحو: ضارَبَ، إذا بنيتَه للمفعول فإنك تقول فيه: ضُورِبَ. وإن كانت كسرةً قُلبت ياء، نحو: شَمالِيل في جمع شِملال٧.

стр. 375

القلب والحذف على غير قياس: [القلب على غير قياس] : باب: ١ القلب والحذف في غير حروف العِلَّة، أو في حروف العِلَّة في خلاف ما تضمَّنه الباب المتقدِّم، ممّا يُحفظ ولا يُقاس عليه. فالمقلوب على قسمين: قسم قُلب للضرورة، نحو قولهم: "شواعي"، في شوائع في الشعر. قال٢: وكأَنَّ أُولاها كِعابُ مُقامِرٍ ... ضُرِبَت علَى شُزُنٍ, فهُنَّ شَواعِي يريد: "شوائع" أي: متفرِّقات. ونحو قول الآخر٣: مَروانُ مَروانُ أَخُو اليَومِ اليَمِي يريد: "اليَوِم" أي الشديد؛ لأنه مشتقٌّ من اليوم، لكنه قَلَب٤. وقسم قُلب توسُّعًا، من غير ضرورة تدعو إليه، لكنه لم يطَّرد عليه فيُقاسَ. وذلك نحو قولهم٥: لاثٍ وشاكٍ -والأصل: شائكٌ ولائثٌ؛ لأنَّ لائثًا من: لاثَ يَلُوثُ، وشائك مأخوذ من شَوكة السِّلاح- ونحو قولهم: قِسِيٌّ، في جمع قَوس -وقياس جمعها قُئوس، نحو قولهم:

стр. 376

فَوج وفُئوج- ونحو قولهم: رَعَمْلِي لقد كان كذا، يريدون: لَعَمْرِي. ولا يمكننا استيعاب ما جاء من ذلك هنا لسَعته. حتَّى إنَّ يعقوب [٥٨أ] قد أفرد كتابًا في "القلب والإبدال"١. فإن قيل: إذا كان، من السَّعَة والكثرة، بحيث يتعذَّر ضبطه فينبغي أن يكون مقيسًا. فالجواب أنه، مع كثرته، من أبواب مختلفة لم يجئ منه في باب ما شيء يصلح أن يقاس عليه، بل لفظ أو لفظان أو نحو ذلك. فإن قال قائل: إذا جاءت الكلمة في موضع على نظمٍ ما، ثمَّ جاءت في موضع آخر على نظمٍ آخر، فبِمَ يُعلم أنَّ أحد النظمين أصل والآخر مقلوب منه؟ بل لقائل أن يقول: لعلَّهما أصلان، وليس أحد النظمين مقلوبًا من صاحبه. فالجواب أنَّ الذي يُعلم به ذلك أربعة أشياء: أحدها: أن يكونَ أحد النظمين أكثر استعمالًَا من الآخر، فيكونَ الأكثر استعمالًا هو الأصل، والآخر مقلوبًا منه، نحو لَعَمْرِي ورَعَمْلي. فإنَّ "لعمري" أكثر استعمالًا. فلذلك ادَّعينا أنه الأصل. والثاني: أن يكونَ أكثر التصريف على النظم الواحد. ويكونَ النظم الآخر أقلَّ تصرُّفًا، فيُعلَمَ أنَّ الأصل هو الأكثر تصرُّفًا، والآخر مقلوب منه. وذلك نحو: شوائع، فإنه أكثر تصرُّفًا من "شواعي"؛ لأنه يقال: شاعَ يَشِيعُ فهو شائع، ولا يقال: شَعَى يَشعى فهو شاعٍ. فلذلك كان شوائع الأصل. والثالث: أن يكونَ أحد النظمين لا يوجد إِلَّا مع حروف زوائد تكون في الكلمة، والآخر يوجد للكلمة مجرَّدًا من الزوائد. فإنَّ سيبويه جعل الأصل النظم الذي يكون للكلمة عند تجرُّدها من الزوائد، وجعل الآخر مغيَّرًا منه؛ لأنَّ دخول الكلمة الزوائدُ تغيير لها، كما أنَّ القلب تغيير، والتغيير يأنس بالتغيير. وذلك نحو: اطمأنَّ وطأمَنَ. فالأصل عند سيبويه٢ أن تكون الهمزة قبل الميم، و"اطمأنَّ" مقلوبًا منه لما ذكرنا. وخالف الجرميُّ في ذلك، فزعم أنَّ الأصل "اطمأنَّ" بتقديم الميم على الهمزة. وهو الصحيح عندي لأنَّ أكثر تصريف الكلمة أتى عليه. فقالوا: اطمأنَّ ويَطمئِنُّ ومُطمئنٌّ. كما قالوا: طأمَن يُطأمِنُ فهو مُطأمِنٌ، وقالوا: طُمأنِينة، ولم يقولوا "طُؤَمنِينة". والرابع: أن يكونَ في أحد النظمين ما يَشهد له أنه مقلوب من الآخر، نحو: أيِسَ ويَئِسَ. الأصل عندنا "يَئسَ"، و"أيِسَ" مقلوبٌ منه، إذ لو لم يكن مقلوبًا لوجب إعلاله، وأن يقال: "آسَ". فقولهم: "أَيِسَ" دليل على أنه مقلوب من "يَئسَ". ولذلك لم يُعلَّ كما لم يعلَّ "يَئسَ". ولا ينبغي أن يُجعل "أيِسَ" أصلًا ويُجعل تصحيحه شاذًّا؛ لأنَّ القلب أوسع من تصحيح المعتلِّ وأكثر.

стр. 377

فهذه جملة الأشياء التي يُتوصَّل بها إلى معرفة القلب. فأمَّا إذا كان للكلمة نظمان، وقد تصرَّف كلُّ واحد منهما على حد تصرُّف الآخر، ولم يكن أحدهما مجرَّدًا من الزوائد والآخر مقترنًا بها، ولم يكن في أحد النظمين ما يشهد له بأنه مقلوب من الآخر، فإنَّ كلَّ واحد منهما أصل بنفسه. وذلك: جَذَبَ وجَبَذَ؛ لأنه يقال: يَجذِبُ ويَجبِذُ، وجاذِبٌ وجابِذٌ, ومَجذُوبٌ ومَجبُوذٌ، وجَذْبٌ وجَبْذٌ.

стр. 378

[الحذف على غير قياس] : والحذف على غير قياس يكون في: الهمزة، والألف، والواو، والياء، والهاء، والنون، والباء، والحاء، والخاء، والفاء، والطاء. حذف الهمزة: حُذفت الهمزة من قولنا: الله. أصله في أحد قولي سيبويه إِلهٌ، فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وصارت الألف واللام عوضًا منها. وحذفت من أُناس فقالوا: ناسٌ١. وحُذفت من "خُذْ" و"كُلْ" و"مُرْ". والأصل "اؤْخُذْ، اؤْكُلْ، اؤْمُرْ"؛ لأنها من الأخْذ والأكْل والأمْر. فلمَّا حُذفت الهمزة استُغني عن همزة الوصل، لزوال الهمزة الساكنة. وحُذفت من "سَلْ"٢. والأصل "اسأل"؛ لأنه من السؤال.

стр. 379

وحُذفت من أب، فقالوا: يابَا فُلانٍ. قال أبو الأسود الدؤليّ١: يابا المُغِيرةِ, رُبَّ أمرٍ مُعضِلٍ ... فَرَّجتُهُ بالمَكرِ مِنِّي, والدَّها وحكى أبو زيد: لا با لكَ، يريدون: لا أبا لكَ. وحُذفت أيضًا من مضارع "رأيتُ" فقالوا: يرَى وترَى. فألزموها التخفيف. وربَّما أجرَوها على الأصل عند الضرورة٢ قال سُراقة الهذّليّ٣: أُرِي عَينَيَّ ما لَم تَرْأَياهُ ... كِلانا عالِمٌ, بالتُّرَّاهاتِ وحكى أبو زيد: سُؤته سَوايَةً. والأصل سَوائِيَة كرفاهية. فحُذفت الهمزة. وحُذفت أيضًا من بُراءَ. والأصل بُرَآءُ. وحُذفت أيضًا من أَشياء على مذهب الأخفش والفرَّاء؛ لأنَّ أصلها عندهما "أَشيِئاء". [٥٨ب] وقد تَقَدَّمَ إِبطال مذهبيهما٤. حذف الألف: حذفت الألف في: أمَ واللهِ لأفعلنَّ، يريدون: أما والله. وربَّما حُذفت في الوقف تخفيفًا. قال لبيد٥: وقَبِيلٌ, مِن لُكَيزٍ, حاضِرٌ ... رَهطِ مَرجُومٍ, ورَهطِ ابنِ المُعَلْ يريد: ابن المُعَلَّى وقال أبو عثمان المازنيُّ, في قول الله ﵎: "يا أَبتَ"٦: يريد: يا أَبتاه. وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابيِّ وغيرهما٧: فلَستُ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ... بِلَهْفَ, ولا بِلَيتَ, ولا لَوَ انِّي

стр. 380

أراد "بلهفا" ثمَّ حُذفت الألف. وحذف الألف على الجملة قليل. حذف الواو: حُذفت الواو لامًا في أشياءَ صالحةٍ: فحُذفت في غد. والأصل "غَدْوٌ". قال الراجز، فاستعمله على الأصل١: لا تَقلُواها, وادلُواها دَلْوا ... إِنَّ مَعَ اليَومِ أَخاهُ, غَدْوا وقالوا: حَمٌ. وأصله "حَمَوٌ" بدليل قولك: حَمُوك٢. فحُذفت الواو، وحُذفت أيضًا من أب وأخ؛ لأنهما من الواو، لقولهم: أَبَوانِ وأخَوانِ. وحُذفت من هَنٍ. وهو من الواو, لقولهم: هَنَواتٌ. وحُذفت من ابن؛ لأنه من البُنُوَّة. وحذفت من اسم٣؛ لأنَّه من السموِّ عندنا. وحُذفت في كُرة، لقولهم: كَرَوتُ بالكُرة. وحُذفت من قُلَة. وهو أيضًا من الواو، لقولهم: قَلَوتُ بالقُلَة. وحُذفت من ثُبَة اسم الجماعة من الناس٤ وغيرهم، ومن ظُبَة طرف السيف، وهما من الواو حملًا على الأكثر. بذلك وصَّى أبو الحسن الأخفش. وكذلك بُرَة٥ وكِفَة٦. حذف الياء: حُذفت الياء من يد. وأصله "يَدْيٌ" لقولك: يَدَيتُ إلى فُلان يدًا أي: أَهدَيتُ إِليه معروفًا. ومن ذلك مِائة، أصلها "مِئْيَةٌ" فحُذفت الياء. يدلُّ على ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم: أَخذتُ مَأيًا، يريدون مائة. وهذه دلالة قاطعة. وحُذفت من دم. والأصل "دَمَيٌ" لقولهم: دَمَيانِ. قال الشاعر٧: فلَو أنَّا، علَى حَجَرٍ، ذُبِحْنا ... جَرَى الدَّمَيَان, بالخَبَرِ اليَقِينِ

стр. 381

ومنهم من يقول: دَمَوانِ. وهو قليل، وهو على هذه اللغة من باب ما حُذف منه الواو، وقال بعضهم: دَمانِ١: حذف الهاء: حُذفت٢ الهاء من شَفَة. وأصلها "شَفَهةٌ". ولذلك قيل في التحقير: شُفَيهة، وفي التكسير: شِفاه، وفي الفعل: شافَهتُ فُلانًا، وفي المصدر: المُشافَهة. وحُذفت من عِضَة في إحدى اللغتين. وأصلها "عِضَهةٌ" لقولهم: جَمَلٌ عاضِهٌ٣، إذا أكل العِضَةَ. ومَن قال٤: هذا طَرِيقٌ، يأزِمُ المَآزِما ... وعِضَواتٌ, تَقطَعُ اللَّهازما فأصلها عنده "عِضَوةٌ". وقالوا: فَمٌ. وأصله "فَوْهٌ". وقد تَقَدَّمَ ذكره٥. ومن ذلك شاةٌ. وأصلها "شَوْهَةٌ"٦ فحذفت

стр. 382

الهاء، لقولهم في تحقيرها: شُوَيهة١، وفي تكسيرها: شِياهٌ، وبدليل ما حكاه أبو زيد من قولهم: شَوَّهتُ شاةً، أي: اصطَدتُها. حذف النون: حذفت النون من "مُذْ" بدليل قولهم في اللغة الأُخرى: مُنْذُ. وقالوا: "دَدٌ". وأصله على قولٍ دَدَنٌ. وقالوا: "فُلٌ". وأصله فُلان٢. حذف الباء: حذفت من "رُبَّ" فقالوا: "رُبَ"٣ في معناها. قال الشاعر٤: أزُهيرُ, إِنْ يَشِبِ القَذالُ فإِنَّهُ ... رُبَ هَيضَلٍ لَجِبٍ لَفَفتُ بِهَيضَلِ حذف الحاء: حُذفت من حِرٍ. وأصله "حِرْحٌ" بدليل قولهم في تحقيره: حُرَيحٌ، وفي تكسيره: أَحراح. قال الراجز٥: إِنَّي أَقُودُ جَمَلاً, مِمْراحا ... ذا قُبَّةٍ, مَملُوءةٍ أَحراحا حذف الخاء: حذفت الخاء من "بَخٍ"٦. والأصل "بَخّ". قال الشاعر٧: بَينَ الأشَجِّ وبَينَ قَيسٍ باذِخٌ ... بَخْ بَخْ, لِوالِدِهِ, ولِلمَولُودِ! ويدلُّ على أنَّ أصله التثقيلُ قولُ العجَّاج٨:

стр. 383

في حَسَبٍ بَخٍّ, وعِزٍّ أَقعَسا حذف الفاء: قالوا في التضجُّرِ: "أُفْ" خفيفًا. وأصله التشديد؛ لأنهم يقولون في معناها: "أُفّ"، بالتشديد. وحُذفت من "سَوف" فقالوا: سَوْ أَفعلُ. روى ذلك أحمد بن يحيى١ عن البغداذيِّينَ٢. حذف الطاء: حذفت الطاء في "قَطْ"٣؛ لأنه من قَططتُ أي قطعتُ؛ لأنَّ معنى قولك: ما فعلتُه قَطْ أي: فيما انقطع من عمري. فهذه جملة كافية من المحذوف على غير قياس٤.

стр. 384

الإدغام مدخل ... باب الإدغام: الإدغام هو: رفعُكَ اللسانَ بالحرفين رفعةً واحدة، ووضعُكَ إِيَّاه بهما موضعًا١ واحدًا. وهو لا يكون إِلَّا في المِثلَينِ أو المُتقارِبَينِ٢. والسبب في ذلك أنَّ النطق بالمِثلين ثقيلٌ؛ لأنك تحتاج فيهما إلى إِعمال العضو الذي يخرج منه الحرفُ المضعَّفُ مرَّتين، فيكثر العمل [٥٩أ] على العضو الواحد. وإذا كان الحرفان غَيرَينِ٣ لم يكن الأمر كذلك؛ لأنَّ الذي يعمل في أحدهما لا يعمل في الآخر. وأيضًا فإنَّ الحرفين إذا كانا مِثلين فإنَّ اللسان يرجِعُ في النطق بالحرف الثاني إلى موضعه الأوَّل، فلا يَتسرَّحُ اللسان بالنطق كما يَتسرَّحُ في الغَيرَينِ٤، بل يكون في ذلك شَبيهًا بمشي المقيَّد. فلمَّا كان فيه من الثقل ما ذكرتُ لك رُفِعَ اللسان بهما رفعةً واحدةً، ليقلَّ العمل ويخفَّ النطق بهما على اللسان. وأمَّا المتقاربان فلتقاربهما أُجْرِيا مُجرى المِثلينِ؛ لأنَّ فيهما بعض الثقل؛ ألا ترى أنك تُعمل العضو وما يليه كما كنت في المِثلين تُعمل العضو الواحد مرَّتين. فكأنَّ العمل باقٍ في العضو لم ينتقل. وأيضًا فإنك تردُّ اللسان إلى ما يَقربُ من مَخرج الحرف الأوَّل. فيكون في ذلك عُقلة للِّسان٥, وعدم تسريح له في وقت النطق بهما. فلمَّا كان فيهما من الثقل هذا القدر فُعِلَ بهما ما فُعِل بالمِثلينِ، من رفع اللسان بالحرفين رفعةً واحدةً، ليخفَّ النطق بهما. فهذا الباب إذًا ينقسم قسمين: إِدغام المِثلين، وإِدغام المتقاربين.

стр. 385

ذكر إدغام المثلين ١: اعلم أنَّ كلَّ مِثلين قد يُدغمان إِلَّا الألفينِ والهمزتينِ. أمَّا الألف فلم يمكن الإدغام فيها٢؛ لأنه لا يُدغَم إِلَّا في متحرِّك، والألف لا تتحرَّك. وأمَّا الهمزة فثقيلة جدًّا، ولذلك يُخفِّفها أهل التخفيف منفردةً. فإذا انضمَّ إليها غيرها ازداد الثقل، فأُلزمت٣ إحداهما البدل، على حسب ما ذُكر في باب٤ تسهيل الهمز٥، فيزول اجتماع المِثلين. فلا يُدغَم إِلَّا أن تكونا٦ عينَينِ نحو: سأّال ورأّاس. فإنك تُدغِم ولا تُبدِل، لما ذكرناه من أنك لو أَبدلت إحداهما لاختلفت٧ العينان. والعينان أبدًا في كلام العرب لا يكونان إِلَّا مِثلينِ. وقد يجوز الإدغام في الهمزتين [غيرَ عَينينِ] ٨، على ما حُكي عن ابن أبي إِسحاقَ٩ وناس معه، من أنهم كانوا يُحقِّقون الهمزتين، إذا كانتَا في كلمتين نحو: قَرأَ أّبوك١٠؛ لأنه يجتمع لهم مِثلان. وقد١١ تكلَّمت العرب بذلك وهو رديء. فعلى هذا إذا اجتمع لك مِثلان، وكان المِثلان ممَّا يمكن الإدغام فيهما، فلا يخلو من أن يكون الثاني منهما متحرِّكًا أو ساكنًا. فإن كان الثاني متحرِّكًا فلا يخلو من أن يجتمعا في كلمة واحدة أو في كلمتين. فإن اجتمعا في كلمة واحدة فلا يخلو١٢ من أن يكونا حرفَي علَّة أو

стр. 386

حرفين صحيحين، فإن كانا حرفَي علَّة فقد تَقَدَّمَ حكمهما في باب القلب. وإن كانا حرفين صحيحين فلا يخلو من أن يجتمعا في اسم أو في فعل. فإن اجتمعا في فعل١ فالإدغام ليس إلَّا. فإن كان الأوَّل من المِثلين ساكنًا أَدغمتَه في الثاني من غير تغيير، نحو: ضَرَّبَ وقَطَّعَ. وإن كان الأوَّل منهما متحرِّكًا فإمَّا٢ أن يكون أوَّلًا في الكلمة أو غير أوَّل. فإن كان غير أوَّل سكَّنته بحذف الحركة منه -إن كان ما قبله متحرِّكًا أو ساكنًا٣ هو حرف مدٍّ ولين- أو بنقلها إلى ما قبله، إن كان ساكنًا غير حرف مدٍّ ولين٤. وحينئذ تدغم، نحو: رَدَّ واحمَرَّ واستَقَرَّ واحمارَّ. الأوَّل من المثلين في الأصل متحرِّك؛ ألا ترى أنك إذا رددت الفعل إلى نفسك تقول: رَدَدْتُ وشَمِمْتُ ولَبُبْتُ٥ واستَقرَرْتُ واحمرَرْتُ واحمارَرْتُ٦، فتُحرِّك لمّا زال الإدغام؟ وإنَّما سكَّنته؛ لأنَّ النيَّة بالحركة أن تكونَ بعد الحرف، فتجيءَ فاصلة بين المِثلين، ولا يمكن الإدغام في المِثلين مع الفصل. هذا ما لم تكن الكلمة مُلحَقة، ويكونَ الإدغام مُغيّرًا لها، ومانعًا من أن تكون على مثل ما أُلحقت به. فإنك حينئذ لا تُدغم، نحو: جَلبَبَ واسحَنكَكَ٧؛ لأنهما ملحقان بـ"قَرْطَسَ" و"احرَنْجَمَ"٨. فلو أدغمتَ، فقلت: "جَلَبَّ" و"اسحَنَكَّ"، لكنت قد حرَّكت ما في مقابلته من بناء الملحق به ساكنٌ، وسكَّنتَ ما في مقابلته متحرِّكٌ؛ ألا ترى أنك كنت تُحرِّك العين من "جَلْبَبَ" وهي في مقابلة الراء من "قَرْطَسَ"، وتسكّن الباء٩ الأُولى وهي في مقابلة طاء "قَرْطَسَ"، وتُحرّك النون من "اسحَنْكَكَ" وهي في مقابلة نون "احرَنْجَمَ"، وتُسكّن الكاف الأُولى منها وهي في مقابلة الجيم من "احرَنْجَمَ"؟

стр. 387

أو يكن١ أحد المِثلين في أوَّل الكلمة٢ أو تاءَ "افتَعَلَ". فإن كان أحد المثلين في أوَّل الكلمة فإنه لا يخلو [٥٩ب] من أن يكون الثاني إذ ذاك زائدًا، أو غير زائد. فإن كان زائدًا لم تُدغِم، نحو: تَتَذكَّرُ؛ لأنك إذا استثقلت اجتماع المثلين حذفت الثاني فقلت تَذكَّرُ؛ لأنه زائد وليس في حذفه لَبس. وإن كان الثاني أصليًّا فإن شئت أدغمت -وذلك بتسكين الأوَّل، وتحتاج إذ ذاك إلى الإتيان بهمزة الوصل؛ إذ لا يُبتدأ بساكن- وإن شئت أَظهرت. وذلك نحو: تَتابَعَ واتَّابَعَ. فإن قيل: ولأيِّ شيء لم تَحذِف إحدى التاءين٣ كما فعلت ذلك في: تَذكَّرُ؟ فالجواب أنَّ التاء٤ هنا أصلٌ، فلا يسهل حذفها. وأيضًا فإنَّ حذفها يؤدِّي إلى الالتباس٥؛ ألا ترى أنك لو قلت: "تابَعَ"٦، لم يُدْرَ: أهو "فاعَلَ" في الأصل أو "تَفاعَلَ"؟. فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لم يُدغَم في "تَتَذكَّرُ" وأمثاله؟ فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك شيئان: أحدهما: أنَّ الفعل ثقيل. فإذا٧ أَمكن تخفيفه كان أَولى. وقد٨ أمكن تخفيفه بحذف أحد٩ المثلين، فكان ذلك أَولى من الإدغام الذي يؤدِّي إلى جلب زيادة. والآخر: أنك لو أَدغمت لاحتجت إلى الإِتيان بهمزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع لاسم الفاعل أصلًا، كما لا تدخل على اسم الفاعل١٠. وليس كذلك "تَتابَعَ" لأنه ماض، والماضي قد تكون في أوَّله همزة الوصل، نحو: انطلَقَ واستَخرَجَ واحمَرَّ. فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لم يُلزَم١١ "تَتابَعَ" الإدغامَ و"تَتَذكَّرُ" الحذفَ، ويُرفَضِ١٢ اجتماع المثلين كما رُفض ذلك في: رَدَّ؟ ١٣ فالجواب أنَّ التاء في مثل "تَفاعَلَ" و"تَفَعَّلَ" لا

стр. 388

تَلزَم؛ لأنها دخلت على "فاعَلَ" و"فَعَّلَ"؛ ألا ترى أنَّ الأصل في "تَتابَعَ": "تابَعَ"، وفي "تَذَكَّرَ": "ذَكَّرَ"؟ ١ فلمَّا لم يلزم صار اجتماع المثلين غير لازم. وما لا يلزم، وإن كان ثقيلًا، قد يُحتمل لعدم لزومه؛ ألا ترى أنَّ جَيَلًا لم يُعلَّ؛ لأنَّ الأصل "جَيْئَلٌ"٢، والتخفيف المؤدِّي إلى النقل عارض فلذلك لم يُلحظ؟ ومن أَدغم في "اتَّابَعَ" وحذفَ في "تَذَكَّرُ" اعتدَّ باجتماع المِثلين، وإن كان ذلك غير لازم؛ لأنَّ العرب قد تَعتدُّ بغير اللَّازم؛ ألا ترى أنَّ الذي قال "لَحْمَرُ جاءني"، فحذف همزة الوصل اعتدَّ بالحركة التي في اللام، وإن كان التخفيف عارضًا والأصل "الأحمرُ"؟ وإن٣ كان أحد المِثلين تاء "افتَعَلَ"، نحو: اقتَتَلَ، فإنه يجوز٤ فيه الإظهار٥ والإدغام. أمَّا الإظهار؛ فلأنه يُشبه اجتماع المِثلين من كلمتين، في أنه لا يلزم تاءَ "افتَعَلَ" أن يكون ما بعدها مثلها كما لا يلزم ذلك في الكلمتين؛ لأنك تقول: اكتَسَبَ، فلا يجتمع لك مِثلان. وإنَّما يجتمع المِثلان في "افتَعَلَ" إذا بُنيت من كلمة عينها تاء، نحو: اقتَتَلَ وافتَتَحَ. فكما لا تُدغِم إذا كان ما قبل الأوَّل من المِثلين المنفصلين ساكنًا صحيحًا، فكذلك لا تُدغِم في "افتَعَلَ". وأمَّا الإدغام فلأنَّ المِثلين، على كلِّ حال، في كلمة واحدة. فتُدغِم كما تُدغِم في الكلمة الواحدة. فإن أظهرتَ جاز لك في الأوَّل من المِثلين البيانُ، والإخفاءُ؛ لأنه وسيطة بين الإظهار والإدغام. وإذا أدغمتَ جاز لك ثلاثة أوجه: أحدها أن تنقل الفتحة إلى فاء "افتَعَلَ"، فتُحرّك الفاء وتُسقط ألف الوصل ثمَّ تُدغِم، فتقول "قَتَّلَ" بفتح القاف. والثاني أن تحذف الفتحة من تاء "افتَعَلَ" فتلتقي ساكنة مع فاء الكلمة، فتُحرّك الفاء بالكسر على أصل التقاء الساكنين، فتَذهب همزة الوصل لتحرّك الساكن، ثمَّ تُدغِم فتقول: "قِتَّلُوا". بكسر القاف وفتح التاء. والثالث -وهو أقلُّها- أن تكسر التاء في هذه اللغة الثانية إتباعًا للكسرة التي قبلها، فتقول: "قِتِّلُوا" بكسر القاف والتاء، وقد حُكي عنهم: فِتِّحُوا، في "افتَتَحُوا".

стр. 389

فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لمَّا تحرَّكت فاء الكلمة ذهبت همزة الوصل؟ وهلَّا جاز فيها الأمران من: الحذف لأجل تحريك الساكن، والإثبات رعيًا للأصل؛ لأنَّ الحركة عارضة كما قالوا "الَحْمَرُ" تارة، و"لَحْمَرُ" بإذهاب الهمزة أُخرى. فالجواب أنَّ الذي سهَّل إثبات الهمزة في مثل "الَحمر" أنها مفتوحة فأشبهت همزة القطع؛ لأنَّ همزة الوصل بابها أن تكون مكسورة أو مضمومة إن تَعذَّر كسرها. فمن فتح التاء والقاف قال في المضارع: يَقَتِّلُ، بفتح القاف وكسر التاء؛ لأنَّ الأصل "يَقْتَتِلُ" فنقل الفتحة في المضارع كما نقلها في الماضي. ويقول في اسم الفاعل: مُقَتِّل؛ بفتح القاف وكسر التاء، [٦٠أ] وفي اسم المفعول: مُقَتَّل، بفتحهما؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتِل ومُقْتَتَل، فنُقلت الفتحة إلى الساكن قبلها كما نُقلت في الفعل. ومن قال "قِتَّلَ" بكسر القاف وفتح التاء قال في المضارع: يَقِتِّلُ، بكسر القاف والتاء؛ لأنَّ الأصل "يَقْتَتِلُ" فسكَّن التاء الأُولى وكسر القاف لالتقاء الساكنين، كما فعل ذلك في الماضي، ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعًا للقاف، أو على لغة من يقول في مضارع "افتعَلَ": "يِفْتَعِلُ" فيكسر حرف المضارعة. ومنه قول أبي النجم١: تَدافُعَ الشِّيبِ, ولم تِقِتِّلِ ويقول في اسم الفاعل: مُقِتِّل، بكسر القاف والتاء. والأصل مُقْتَتِل فكسر القاف، بعد تسكين التاء الأُولى، لالتقاء الساكنين. ومنهم من يستثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر، فيضمُّ القاف إتباعًا للميم فيقول: مُقُتِّل ولا يستثقل الخروج من ضمَّة القاف إلى كسرة التاء؛ لأنَّ بينهما حاجزًا. وهو التاء الساكنة. و [يقول] في اسم المفعول: مُقِتَّلٌ، بكسر القاف وفتح التاء؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتَلٌ، فسكَّن التاء الأُولى، وحرَّك القاف بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ومنهم أيضًا من يستثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر فيضمُّ القاف إتباعًا للميم، فيقول:٢ مُقُتَّلٌ، بضمِّ القاف وفتح التاء. ومن قال: "قِتِّلَ" بكسر القاف والتاء فإنَّ قياس المضارع منه واسم الفاعل واحد، وإنَّما يخالفه في اسم المفعول. فتقول في المضارع: يَقِتِّلُ، بكسر القاف والتاء؛ لأنَّ الأصل: يَقْتَتِلُ، فتُسكَّّن التاء الأُولى، وتُحرَّك القاف بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ولا تحتاج إلى إتباع حركة ما بعد٣ القافِ؛ لأنها مكسورة مثلها. وإن شئتَ أيضًا كسرتَ حرف المضارعة إِتباعًا، أو على لغة

стр. 390

من يكسر حرف المضارعة من "افتَعَلَ"، فتقول١: يِقِتِّلُ، بكسر القافِ والتاءِ التي بعدها٢ وحرفِ المضارعة. وتقول في اسم الفاعل: مُقِتِّلٌ، بكسر القافِ والتاءِ. والأصل مُقْتَتِلٌ، فسكَّنت التاء الأُولى وكسرت القاف لالتقاء الساكنين ثمَّ أدغمت. ولم تحتج إلى إتباع التاء؛ لأنَّ حركتها من جنس حركة القاف. وإن شئتَ ضممت القاف إتباعًا لحركة الميم، كراهية الخروج من ضمٍّ إلى كسرة، فتقول: مُقُتِّلٌ. و [تقول] في اسم المفعول: مُقِتِّلٌ، كما تقول في اسم الفاعل؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتَلٌ، فسكَّنتَ التاء الأُولى وكسرتَ القاف لالتقاء الساكنين وأدغمت، ثمَّ كسرت التاء الثانية إتباعًا لحركة القاف. فلا يقع فرق بين اسم الفاعل على هذه اللغة واسم المفعول إِلَّا بالقرائن. فيكون نظير "مُختار"، في أنه يحتمل أن يكون اسم فاعل واسم مفعول، حتَّى يتبيَّن بقرينة تقترن به. ومن استثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر، من غير حاجز، ضمَّ القاف فقال: مُقُتِّلٌ. وقياس٣ المصدر في اللغات الثلاث "قِتَّالًا" بفتح التاء وكسر القاف، والأصل اقْتِتال. فمن فتح القاف٤ نقل كسرة التاء إليها. ومن كسرها سكَّن التاء الأُولى وكسر القاف لالتقاء الساكنين. ومن كسر التاء إتباعًا للقاف فقال: قِتِّلَ، ينبغي له أن يقول في المصدر: قِتِّيلًا، فيكسر التاء٥ إتباعًا للقاف، فتنقلب الألف لانكسار ما قبلها. وإن اجتمعا في اسم فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف أو على أزيدَ٦. فإن كان على ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الأوَّل ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فالإدغام ليس إلَّا، نحو٧: رَدٍّ
следующие страницы →