حرفين صحيحين، فإن كانا حرفَي علَّة فقد تَقَدَّمَ حكمهما في باب القلب. وإن كانا حرفين صحيحين فلا يخلو من أن يجتمعا في اسم أو في فعل.
فإن اجتمعا في فعل١ فالإدغام ليس إلَّا. فإن كان الأوَّل من المِثلين ساكنًا أَدغمتَه في الثاني من غير تغيير، نحو: ضَرَّبَ وقَطَّعَ. وإن كان الأوَّل منهما متحرِّكًا فإمَّا٢ أن يكون أوَّلًا في الكلمة أو غير أوَّل.
فإن كان غير أوَّل سكَّنته بحذف الحركة منه -إن كان ما قبله متحرِّكًا أو ساكنًا٣ هو حرف مدٍّ ولين- أو بنقلها إلى ما قبله، إن كان ساكنًا غير حرف مدٍّ ولين٤. وحينئذ تدغم، نحو: رَدَّ واحمَرَّ واستَقَرَّ واحمارَّ. الأوَّل من المثلين في الأصل متحرِّك؛ ألا ترى أنك إذا رددت الفعل إلى نفسك تقول: رَدَدْتُ وشَمِمْتُ ولَبُبْتُ٥ واستَقرَرْتُ واحمرَرْتُ واحمارَرْتُ٦، فتُحرِّك لمّا زال الإدغام؟ وإنَّما سكَّنته؛ لأنَّ النيَّة بالحركة أن تكونَ بعد الحرف، فتجيءَ فاصلة بين المِثلين، ولا يمكن الإدغام في المِثلين مع الفصل.
هذا ما لم تكن الكلمة مُلحَقة، ويكونَ الإدغام مُغيّرًا لها، ومانعًا من أن تكون على مثل ما أُلحقت به. فإنك حينئذ لا تُدغم، نحو: جَلبَبَ واسحَنكَكَ٧؛ لأنهما ملحقان بـ"قَرْطَسَ" و"احرَنْجَمَ"٨.
فلو أدغمتَ، فقلت: "جَلَبَّ" و"اسحَنَكَّ"، لكنت قد حرَّكت ما في مقابلته من بناء الملحق به ساكنٌ، وسكَّنتَ ما في مقابلته متحرِّكٌ؛ ألا ترى أنك كنت تُحرِّك العين من "جَلْبَبَ" وهي في مقابلة الراء من "قَرْطَسَ"، وتسكّن الباء٩ الأُولى وهي في مقابلة طاء "قَرْطَسَ"، وتُحرّك النون من "اسحَنْكَكَ" وهي في مقابلة نون "احرَنْجَمَ"، وتُسكّن الكاف الأُولى منها وهي في مقابلة الجيم من "احرَنْجَمَ"؟
стр. 387
أو يكن١ أحد المِثلين في أوَّل الكلمة٢ أو تاءَ "افتَعَلَ". فإن كان أحد المثلين في أوَّل الكلمة فإنه لا يخلو [٥٩ب] من أن يكون الثاني إذ ذاك زائدًا، أو غير زائد. فإن كان زائدًا لم تُدغِم، نحو: تَتَذكَّرُ؛ لأنك إذا استثقلت اجتماع المثلين حذفت الثاني فقلت تَذكَّرُ؛ لأنه زائد وليس في حذفه لَبس. وإن كان الثاني أصليًّا فإن شئت أدغمت -وذلك بتسكين الأوَّل، وتحتاج إذ ذاك إلى الإتيان بهمزة الوصل؛ إذ لا يُبتدأ بساكن- وإن شئت أَظهرت. وذلك نحو: تَتابَعَ واتَّابَعَ.
فإن قيل: ولأيِّ شيء لم تَحذِف إحدى التاءين٣ كما فعلت ذلك في: تَذكَّرُ؟ فالجواب أنَّ التاء٤ هنا أصلٌ، فلا يسهل حذفها. وأيضًا فإنَّ حذفها يؤدِّي إلى الالتباس٥؛ ألا ترى أنك لو قلت: "تابَعَ"٦، لم يُدْرَ: أهو "فاعَلَ" في الأصل أو "تَفاعَلَ"؟.
فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لم يُدغَم في "تَتَذكَّرُ" وأمثاله؟ فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك شيئان:
أحدهما: أنَّ الفعل ثقيل. فإذا٧ أَمكن تخفيفه كان أَولى. وقد٨ أمكن تخفيفه بحذف أحد٩ المثلين، فكان ذلك أَولى من الإدغام الذي يؤدِّي إلى جلب زيادة.
والآخر: أنك لو أَدغمت لاحتجت إلى الإِتيان بهمزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع لاسم الفاعل أصلًا، كما لا تدخل على اسم الفاعل١٠. وليس كذلك "تَتابَعَ" لأنه ماض، والماضي قد تكون في أوَّله همزة الوصل، نحو: انطلَقَ واستَخرَجَ واحمَرَّ.
فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لم يُلزَم١١ "تَتابَعَ" الإدغامَ و"تَتَذكَّرُ" الحذفَ، ويُرفَضِ١٢ اجتماع المثلين كما رُفض ذلك في: رَدَّ؟ ١٣ فالجواب أنَّ التاء في مثل "تَفاعَلَ" و"تَفَعَّلَ" لا
стр. 388
تَلزَم؛ لأنها دخلت على "فاعَلَ" و"فَعَّلَ"؛ ألا ترى أنَّ الأصل في "تَتابَعَ": "تابَعَ"، وفي "تَذَكَّرَ": "ذَكَّرَ"؟ ١ فلمَّا لم يلزم صار اجتماع المثلين غير لازم. وما لا يلزم، وإن كان ثقيلًا، قد يُحتمل لعدم لزومه؛ ألا ترى أنَّ جَيَلًا لم يُعلَّ؛ لأنَّ الأصل "جَيْئَلٌ"٢، والتخفيف المؤدِّي إلى النقل عارض فلذلك لم يُلحظ؟
ومن أَدغم في "اتَّابَعَ" وحذفَ في "تَذَكَّرُ" اعتدَّ باجتماع المِثلين، وإن كان ذلك غير لازم؛ لأنَّ العرب قد تَعتدُّ بغير اللَّازم؛ ألا ترى أنَّ الذي قال "لَحْمَرُ جاءني"، فحذف همزة الوصل اعتدَّ بالحركة التي في اللام، وإن كان التخفيف عارضًا والأصل "الأحمرُ"؟
وإن٣ كان أحد المِثلين تاء "افتَعَلَ"، نحو: اقتَتَلَ، فإنه يجوز٤ فيه الإظهار٥ والإدغام. أمَّا الإظهار؛ فلأنه يُشبه اجتماع المِثلين من كلمتين، في أنه لا يلزم تاءَ "افتَعَلَ" أن يكون ما بعدها مثلها كما لا يلزم ذلك في الكلمتين؛ لأنك تقول: اكتَسَبَ، فلا يجتمع لك مِثلان. وإنَّما يجتمع المِثلان في "افتَعَلَ" إذا بُنيت من كلمة عينها تاء، نحو: اقتَتَلَ وافتَتَحَ. فكما لا تُدغِم إذا كان ما قبل الأوَّل من المِثلين المنفصلين ساكنًا صحيحًا، فكذلك لا تُدغِم في "افتَعَلَ". وأمَّا الإدغام فلأنَّ المِثلين، على كلِّ حال، في كلمة واحدة. فتُدغِم كما تُدغِم في الكلمة الواحدة.
فإن أظهرتَ جاز لك في الأوَّل من المِثلين البيانُ، والإخفاءُ؛ لأنه وسيطة بين الإظهار والإدغام. وإذا أدغمتَ جاز لك ثلاثة أوجه:
أحدها أن تنقل الفتحة إلى فاء "افتَعَلَ"، فتُحرّك الفاء وتُسقط ألف الوصل ثمَّ تُدغِم، فتقول "قَتَّلَ" بفتح القاف.
والثاني أن تحذف الفتحة من تاء "افتَعَلَ" فتلتقي ساكنة مع فاء الكلمة، فتُحرّك الفاء بالكسر على أصل التقاء الساكنين، فتَذهب همزة الوصل لتحرّك الساكن، ثمَّ تُدغِم فتقول: "قِتَّلُوا". بكسر القاف وفتح التاء.
والثالث -وهو أقلُّها- أن تكسر التاء في هذه اللغة الثانية إتباعًا للكسرة التي قبلها، فتقول: "قِتِّلُوا" بكسر القاف والتاء، وقد حُكي عنهم: فِتِّحُوا، في "افتَتَحُوا".
стр. 389
فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لمَّا تحرَّكت فاء الكلمة ذهبت همزة الوصل؟ وهلَّا جاز فيها الأمران من: الحذف لأجل تحريك الساكن، والإثبات رعيًا للأصل؛ لأنَّ الحركة عارضة كما قالوا "الَحْمَرُ" تارة، و"لَحْمَرُ" بإذهاب الهمزة أُخرى. فالجواب أنَّ الذي سهَّل إثبات الهمزة في مثل "الَحمر" أنها مفتوحة فأشبهت همزة القطع؛ لأنَّ همزة الوصل بابها أن تكون مكسورة أو مضمومة إن تَعذَّر كسرها.
فمن فتح التاء والقاف قال في المضارع: يَقَتِّلُ، بفتح القاف وكسر التاء؛ لأنَّ الأصل "يَقْتَتِلُ" فنقل الفتحة في المضارع كما نقلها في الماضي. ويقول في اسم الفاعل: مُقَتِّل؛ بفتح القاف وكسر التاء، [٦٠أ] وفي اسم المفعول: مُقَتَّل، بفتحهما؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتِل ومُقْتَتَل، فنُقلت الفتحة إلى الساكن قبلها كما نُقلت في الفعل.
ومن قال "قِتَّلَ" بكسر القاف وفتح التاء قال في المضارع: يَقِتِّلُ، بكسر القاف والتاء؛ لأنَّ الأصل "يَقْتَتِلُ" فسكَّن التاء الأُولى وكسر القاف لالتقاء الساكنين، كما فعل ذلك في الماضي، ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعًا للقاف، أو على لغة من يقول في مضارع "افتعَلَ": "يِفْتَعِلُ" فيكسر حرف المضارعة. ومنه قول أبي النجم١:
تَدافُعَ الشِّيبِ, ولم تِقِتِّلِ
ويقول في اسم الفاعل: مُقِتِّل، بكسر القاف والتاء. والأصل مُقْتَتِل فكسر القاف، بعد تسكين التاء الأُولى، لالتقاء الساكنين. ومنهم من يستثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر، فيضمُّ القاف إتباعًا للميم فيقول: مُقُتِّل ولا يستثقل الخروج من ضمَّة القاف إلى كسرة التاء؛ لأنَّ بينهما حاجزًا. وهو التاء الساكنة.
و [يقول] في اسم المفعول: مُقِتَّلٌ، بكسر القاف وفتح التاء؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتَلٌ، فسكَّن التاء الأُولى، وحرَّك القاف بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ومنهم أيضًا من يستثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر فيضمُّ القاف إتباعًا للميم، فيقول:٢ مُقُتَّلٌ، بضمِّ القاف وفتح التاء.
ومن قال: "قِتِّلَ" بكسر القاف والتاء فإنَّ قياس المضارع منه واسم الفاعل واحد، وإنَّما يخالفه في اسم المفعول. فتقول في المضارع: يَقِتِّلُ، بكسر القاف والتاء؛ لأنَّ الأصل: يَقْتَتِلُ، فتُسكَّّن التاء الأُولى، وتُحرَّك القاف بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ولا تحتاج إلى إتباع حركة ما بعد٣ القافِ؛ لأنها مكسورة مثلها. وإن شئتَ أيضًا كسرتَ حرف المضارعة إِتباعًا، أو على لغة
стр. 390
من يكسر حرف المضارعة من "افتَعَلَ"، فتقول١: يِقِتِّلُ، بكسر القافِ والتاءِ التي بعدها٢ وحرفِ المضارعة.
وتقول في اسم الفاعل: مُقِتِّلٌ، بكسر القافِ والتاءِ. والأصل مُقْتَتِلٌ، فسكَّنت التاء الأُولى وكسرت القاف لالتقاء الساكنين ثمَّ أدغمت. ولم تحتج إلى إتباع التاء؛ لأنَّ حركتها من جنس حركة القاف. وإن شئتَ ضممت القاف إتباعًا لحركة الميم، كراهية الخروج من ضمٍّ إلى كسرة، فتقول: مُقُتِّلٌ.
و [تقول] في اسم المفعول: مُقِتِّلٌ، كما تقول في اسم الفاعل؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتَلٌ، فسكَّنتَ التاء الأُولى وكسرتَ القاف لالتقاء الساكنين وأدغمت، ثمَّ كسرت التاء الثانية إتباعًا لحركة القاف. فلا يقع فرق بين اسم الفاعل على هذه اللغة واسم المفعول إِلَّا بالقرائن. فيكون نظير "مُختار"، في أنه يحتمل أن يكون اسم فاعل واسم مفعول، حتَّى يتبيَّن بقرينة تقترن به. ومن استثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر، من غير حاجز، ضمَّ القاف فقال: مُقُتِّلٌ.
وقياس٣ المصدر في اللغات الثلاث "قِتَّالًا" بفتح التاء وكسر القاف، والأصل اقْتِتال. فمن فتح القاف٤ نقل كسرة التاء إليها. ومن كسرها سكَّن التاء الأُولى وكسر القاف لالتقاء الساكنين. ومن كسر التاء إتباعًا للقاف فقال: قِتِّلَ، ينبغي له أن يقول في المصدر: قِتِّيلًا، فيكسر التاء٥ إتباعًا للقاف، فتنقلب الألف لانكسار ما قبلها.
وإن اجتمعا في اسم فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف أو على أزيدَ٦. فإن كان على ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الأوَّل ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فالإدغام ليس إلَّا، نحو٧: رَدٍّ
стр. 391
ووُدٍّ وأمثالهما. إِلَّا أن يُضطرَّ شاعر فيفكّ ويحرِّك الأوَّل، نحو قوله١:
[ثمَّ استَمَرُّوا, وقالُوا إِنَّ مَوعِدَكُم ... ماءٌ بِشَرقِيِّ سَلمَى] , فَيدُ أو رَكَكُ
يريد: ركًّا.
وإن كان متحرِّكًا فلا يخلو من أن يكون على وزن من أوزان الفعل، أو لا يكون. فإن لم يكن على وزن من أوزانها فلا يُدغَم نحو: سُرُرٍ٢ ودُرَرٍ٣؛ لأنَّ الأسماء بابها ألَّا تعتلَّ، لخفَّتها بكثرة دورها في الكلام, وأخفُّها ما كان على ثلاثة أحرف لأنَّه أقلُّ أصول الكلمة عددًا. ولهذه٤ [الخفّة لم يُعَلَّ مِثل] : ثِوَرة وبِيَع وصِيَر، وأشباهُ ذلك. فلو بنيتَ من "ردّ" مثلَ "إِبِل" صحَّحته؛ تقول فيه: رِدِدٌ.
فإن كان على وزن من أوزان الأفعال٥ فلا يخلو من أن يكون على "فَعَلٍ" أو "فَعُلٍ" أو "فَعِلٍ". فإن كان على وزن "فَعَلٍ" لم تُدغِم لخفّة٦ البناءِ [٦٠ب] نحو: طَلَلٍ وشَرَرٍ. فإن كان على وزن "فَعِلٍ" أو "فَعُلٍ"أدغمتَ لشَبَه الفعل في البناء مع ثقل البناء. فتقول في "فَعُلٍ" و"فَعِلٍ" من "رَدَدْت": رَدٌّ.
والدليل، على أنَّ "فَعِلًا" يُدغَم، قولُهم: طَبٌّ٧ وصَبٌّ. والأصل "طَبِبٌ"٨ و"صَبِبٌ"٩،
стр. 392
لأنَّ الفعل منهما على وزن "فَعِلَ". تقول: صَبِبتُ وطَبِبتُ، واسم الفاعل من "فَعِلَ"، إذا كان على ثلاثة أحرف، إنَّما يكون على وزن "فَعِلٍ" نحو: حَذِرٍ١ وأَشِرٍ٢.
والدليل، على أنَّ "فَعُلًا" [أيضًا] ٣ يُدغَم، أنه لم يجئ مُظهَرًا في موضع من كلامهم؛ لا يُحفظ من٤ كلامهم مثل: رَدُدٍ. فإمَّا أن تقول: إنَّ "فَعُلًا" لم يأت في المضعَّف، وإمَّا أن تقول: إنه موجود في المضعَّف، إِلَّا أنه لزمه الإدغام. فالأَولى أن يُدَّعى أنه يلزمه الإدغام؛ لأنَّ المعتلَّ والمضعَّف الغالبُ فيهما أن يجيء فيهما من الأوزان ما يجيء في الصحيح. وأيضًا فإنَّ "فَعُلًا" مثلُ "فَعِلٍ"، في أنه٥ على بناء الفعل الثقيل، وقد قام الدليل على أنهم يُدغمون "فَعِلًا" لقولهم: صَبٌّ وطَبٌّ، فكذلك "فَعُلٌ".
وزعم٦ أبو الحسن بن كَيسانَ أنَّ ما كان على وزن "فَعِلٍ" أو "فَعُلٍ" لا يُدغَم. واستدلَّ على ذلك بأنك لو أدغمت لأدَّى ذلك إلى الإلباس؛ لأنه لا يُعلم هل هو في الأصل متحرِّك العين أو ساكنه. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنه إذا أدَّى القياس إلى ضرب ما من الإعلال استُعمل، ولم يُلتفت إلى التباس إحدى البِنيتين بالأُخرى؛ ألا ترى أنَّ العرب قد قالت: مُختار، في اسم الفاعل واسم المفعول، ولم يُلتفت إلى اللَّبس. وأيضًا فإنه قد قام الدليل على أنَّ صَبًّا وطَبًّا: "فَعِلٌ" في الأصل، وقد أُدغم. فدلَّ ذلك على فساد مذهبه.
فإن٧ كان الاسم على أزيدَ من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الذي زاد به على ثلاثة أحرف: تاءَ التأنيث، أو علامتي التثنية أو جمع السلامة، أو ياءيِ النسب، أو الألفَ والنون الزائدتين، أو ألفيِ التأنيث, أو غيرَ ذلك. فإن كان شيئًا ممّا ذُكر أُجري مُجراه قبل لحاقه إِيَّاه. فتقول: شَرَرةٌ وشَرَرانِ وطَلَلانِ ومَلَليّ، فلا تدغم كما لا تدغم في شَرَر وطَلَل ومَلَل.
وقالوا: الدَّجَجانُ، من الدَّجيج فلم يدغموا. أنشد القاليُّ٨:
تَدعُو بذاكَ الدَّجَجانَ الدَّارِجا
стр. 393
ولو بنيتَ "فَعُلان" من "رَدَدت" لقلت: رَدَّانٌ، فأدغمتَ ولو بنيتَ "فَعَلًا" من "ردَّ" لقلت "رَدَدًا"، فلم تدغم كما تُدغِم في "فَعِل". وقالوا: خُشَشاءُ١, فلم يُدغموا؛ لأنه لا يدغم "فُعَلٌ" نحو: غُرَر.
فإن كان الذي زاد به على ثلاثة غيرَ ذلك أدغمت، كان الاسم على وزن من أوزان الفعل أو لم يكن، وسواء كان الأوَّل ساكنًا أو متحرِّكًا. إِلَّا أنك تسكِّن المتحرِّك، لما ذكرنا في الفعل، بنقل حركته لما٢ قبله إن كان ساكنًا غيرَ حرف مدٍّ ولين، أو بحذفها إن كان ما قبله متحرِّكًا أو حرفَ مدٍّ ولين. نحو: خِدََبَّ ومَكَرّ ومُستقَرّ وفارّ وضارّ٣.
فأمَّا خِدَبٌّ فالأوَّل من المثلين ساكن في الأصل. والأصل في مَكَرّ ومُستَقَرّ: "مَكْرَرٌ" و"مُستَقْرَرٌ"، فنقلتَ الحركة إلى ما قبله؛ لأنه ساكن غيرُ حرف مدٍّ ولين. والأصل في فارّ وضارّ: "فارِرٌ" و"ضارِرٌ", فسَكَّنتَ ولم تَنقل الحركة؛ لأنَّ الساكنَ حرف مدٍّ ولين. ولو٤ بنيتَ مثل "فَعِلانٍ"٥ من "رَدَدتُ" لقلتَ "رَدَّانٌ" فأدغمت، ولم تنقل الحركة إلى ما قبلها؛ لأنه متحرِّك.
هذا ما لم يمنع من الإدغام أن يكون الأوَّل٦ مدغمًا فيه [ما قبله نحو مُرَدِّد] ؛ لأنهم لو أدغموا وجعلوا الحركة على الساكن الذي هو العين لم يخرجه ذلك في إدغامه وتضعيف آخره. فلمَّا كان الأمر [كذلك] امتنعوا من تحريك العين التي لم تكن في الكلام قطّ إِلَّا ساكنة، أو يمنع منه أن يكونَ الإدغام٧ مؤدِّيًا إلى تغيير بناء٨ الملحَق عمَّا أُلحِقَ به، نحو: قَرْدَدٍ٩. فإنه ملحق بجَعْفَر، ولو أدغمت فقلت "قَرَدٌّ" لحرَّكت الراء وهي في مقابلة العين من جَعْفَر، وسَكَّنتَ
стр. 394
الدال الأُولى وهي في مقابلة الفاء من جَعْفَر. فكنتَ تضع متحرِّكًا في مقابلة ساكن، وساكنًا في مقابلة متحرِّك.
أو يكونَ أحد١ المثلين التاء من اسم جار على "افتَعَلَ" فإنه لا يلزم [فيه] الإدغام، بل يجوز في الاسم من الأوجه ما تقدَّمَ ذكره.
أو يكونَ أيضًا أحد المثلين من اسم جار على "تفاعَلَ" نحو: "تَتَابَعَ"، فإنه لا يلزم أيضًا فيه الإدغام، بل يجوز فيه الفكُّ والإدغام كما جاز في فعله. فتقول. مُتَتابِعٌ ومُتَّابِعٌ، وتَتابُعًا واتَّابُعًا، كما يجوز: تَتابَعَ واتّابَعَ.
أو يَشِذَّ شيء، فيُحفظَ ولا يقاسَ عليه، نحو: مَحْبَبٍ وتَهْلَلٍ٢، أو تدعوَ إلى ذلك ضرورةٌ، نحو قوله٣:
الحَمدُ للهِ, العَلِيِّ, الأجلَلِ
وقوله٤:
تَشكُو الوَجَى, مِن أَظلَلٍ, وأَظلَلِ
فإن التقيا في كلمتين فلا يخلو من أن يكونا مُعتلَّين أو صحيحين. فإن كانا صحيحين فلا يخلو من أن يكون الأوَّل منهما ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فالإدغام ليس إلَّا نحو: اضرِب بَّكرًا؛ لأنَّه لا فاصل بين المثلين, فهو٥ أثقل من أن لو فَصَلتْ بينهما حركة. وأيضًا فإنَّ الإدغام لايؤدِّي إلى تغيير شيء.
وإن كان الأوَّل متحرِّكًا فإنه لا يخلو من أن يكون ما قبله ساكنًا أو متحرِّكًا٦ فإن كان ما قبله متحرِّكًا جاز الإدغام والإظهار. وإذا أدغمتَ فلا بدَّ من حذف الحركة، لِما ذكرناه قبل.
стр. 395
وكلاهما حسن، والبيان لغة أهل الحجاز.
وإنَّما لم يُلتزم الإدغام [٦١أ] هنا؛ لأنَّ الأوَّل من المِثلين لا يلزم أن يكون ما بعده من جنسه، ويلزم ذلك في الكلمة الواحدة. فكأنَّ١ اجتماع المِثلين [فيهما] ٢ عارض، فلذلك اعتُدَّ به مرَّة٣، ولم يُعتدَّ به أُخرى. وذلك نحو: "يُكَذِّب بّالدِّينِ"٤ و"جَعَل لَّكَ"٥ ويَد دَّاودَ، وخاتَم مُّوسَى. وأقوى ما يكون الإدغام وأحسنه إذا أدَّى الإظهار إلى اجتماع خمسة أحرف بالتحريك فأكثرَ، نحو: جَعَل لَّكَ، وفَعَل لَّبيدٌ، لثقل٦ توالي الحركات. وكلَّما كان توالي الحركات أكثر كان الإدغام أحسن.
وإن كان ما قبله ساكنًا -أعني ما قبل الأوَّل من المِثلين- فلا يخلو من أن يكون الساكن حرف علَّة، أو لا يكون. فإن كان الساكن حرف عِلَّة حذفتَ الحركة من المِثلين وأدغمته في الثاني، وإن شئتَ أظهرت. وذلك نحو: دار رَّاشدٍ، وثَوب بَّكرٍ، وجَيب بَّشيرٍ، ويَظلِمونِّي٧.
وإنَّما جاز الجمع بين ساكنين٨ لِما في الساكن الأوَّل من اللِّين٩ ولِما في الحرف المشدَّد من التشبُّث بالحركة؛ ولأنَّ التقاء الساكنين فيها غير لازم إذ قد يزول بالإظهار. والبيان هنا أحسن من البيان في مثل "جَعَل لَّك"، لسكون ما قبله، فلم يتوالَ١٠ فيه من الحركات ما توالى في "جَعَل لَّك". وأيضًا فإنَّ الإدغام يؤدِّي إلى اجتماع ساكنين.
فإن كان الساكن حرفًَا صحيحًا لم يجز الإدغام، نحو: اسمُ مُوسَى، وابنُ نُوح. وإنَّما لم يجز الإدغام فيه؛ لأنَّ الإدغام في الكلمتين أضعف منه في الكلمة الواحدة؛ ألا ترى أنه يلزم في الكلمة الواحدة ولا يلزم في الكلمتين. فلمَّا كان أضعفَ لم يقوَ لعى أن يُغيَّر له الحرف الساكن بالتحريك. إذ لو أَدغمتَ لم يكن بدٌّ من تحريك سين١١ "اسم" وباء "ابن"١٢. ولكنَّك تُخفي إن شئت، وتُحقِّق إن شئت. والمُخفَى بزِنة المحقَّق، إِلَّا أنك تختلس الحركة اختلاسًا.
стр. 396
فأمَّا قول بعضهم [في القراءة] ﴿نِعِمَّا﴾ ١: [فحَرَّكَ] ، فلم يُحرِّكِ٢ العينَ للإدغام. بل جاء على لغة من يقول "نِعِمَ"، فيُحرِّك العين، وهي لغة هذيل.
فإن كانا معتلَّين فإنه لا يخلو من أن يكون الأوَّل منهما ساكنًا، أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فلا يخلو من أن يكون حرف لين، أو حرف مدٍّ ولين: فإن كان حرف لين أَدغمتَ، إذ لا مانع من الإدغام، نحو: اخشَي يَّاسرًا، واخشَوا وَّاقدًا.
وإن كان حرف مدٍّ ولين لم تدغِم، نحو: يَغزو واقدٌ٣، واضرِبِي ياسِرًا، لئلَّا يذهب المدّ بالإدغام، مع ضعف الإدغام في الكلمتين -فأمَّا مثل "مَغْزُوّ" فاحتملوا فيه ذهاب المدِّ لقوَّة الإدغام- وأيضًا فإنه يُشبه "قُوْوِلَ"٤، في أنَّ الأوَّل حرف مدٍّ ولين، ولا يلزم المِثلانَ [فيهما] كما لا يلزمان في "قُوْوِلَ"، إذ قد يزول المِثلان في "قُوْوِلَ" إذا أسندتَه٥ إلى الفاعل٦، كما يزول المِثلان في "يغزو واقدٌ" إذا لم تأت بعد "يغزو" بكلمة أوَّلها واو، نحو: يغزو راشدٌ.
وإن ٧ كان الأوَّل متحرِّكًا فلا يخلو من أن يكون ما قبله ساكنًا أو متحرِّكًا: فإن كان ما قبله متحرِّكًا جاز الإدغام والإظهار، على حسب ما ذُكر في مثله من الصحيح، نحو: وَلِي يَّزيدُ، ولَقَضُو وَّاقدٌ!
وإن كان ما قبله ساكنًا فلا يخلو من أن يكون حرف عِلَّة، أو حرفًا صحيحًا: فإن كان حرفًا صحيحًا٨ لم تُدغِم، كما فعلتَ في مثله من الصحيح، نحو: ظَبْيُ ياسرٍ, وغَزْوُ واقدٍ.
وإن كان حرفَ عِلَّة فلا يخلو [من] ٩ أن يكون مدغمًا, أو غير مدغم: فإن كان غير مدغم جاز الإظهار والإدغام, كما جاز في نظيره من الصحيح, نحو: واوُ وَّاقدٍ، وآيُ يّاسِين١٠.
وإن كان مدغمًا لم يجز الإدغام،؛ لأنَّ المدَّ الذي كان فيه قد زال بالإدغام، فصار بمنزلة
стр. 397
الساكن الصحيح. فكما لا تُدغِم١ إذا كان الساكن صحيحًا فكذلك لا تدغم٢ إذا كان معتلًّا. وذلك نحو: وَلِيُّ يَزيدَ، وعدُوُّ واقدٍ.
والدليل على أنَّ المدَّ قد زال بالإدغام وقوعُ "لَيّ" و"قَوّ" في القوافي مع ظَبْي وغَزْو. ولو كانت غير مدغمة٣ لم يجز ذلك، كما لا يجوز٤ وقوع "عَيْن" في قافية مع "جَوْن"٥. فدلَّ ذلك على أنَّ الإدغام يُصيِّرها بمنزلة الحرف الصحيح.
فإن٦ كان الثاني ساكنًا فلا يخلو من أن يجتمعا في كلمتين، أو في كلمة واحدة. فإن اجتمعا في كلمتين لم يجز الإدغام أصلًا، نحو: اضربِ ابْنَ زيدٍ؛ لأنَّ سكون الحرف الثاني من المِثلين إذ ذاك لا تصل إليه الحركة، فلا يُتصوَّر فيه الإدغام، بل٧ يكونان مفكوكين.
وقد شذَّ العرب في "عَلْماءِ بَنُو فُلانٍ"٨، فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين٩, فاجتمعت اللَّامان: لام "على" مع لام التعريف. واستثقل ذلك، مع أنه قد كثر استعمالهم [٦١ب] له في الكلام -وما كثر استعماله فهو أدعى للتخفيف ممّا ليس كذلك- فحُذفت لام "على" تخفيفًا، لمَّا تعذَّر التخفيف بالإدغام.
وإن اجتمعا في كلمة واحدة فلا يخلو الثاني من أن يكون حرف عِلَّة، أو حرفًا صحيحًا. فإن كان حرف عِلَّة فقد تَقدَّمَ حكمه في باب القلب، فأغنى ذلك عن إعادته. وإن كان حرفًا صحيحًا فلا يخلو من أن يكون تصل إليه الحركة في حال، أو لا تصل:
فإن وصلت إليه الحركة فإنَّ أهل الحجاز لا يُدغمون؛ لأنَّ الإدغام يؤدِّي إلى التقاء الساكنين؛ لأنك لا تدغم الأوَّل في الثاني حتَّى تسكِّنه، لئلَّا تكون الحركة فاصلةً بين المِثلين كما تَقَدَّمَ، والثاني ساكن فيجتمع ساكنان. فلمَّا كان الإدغام يؤدِّي إلى ذلك رفضوه. وذلك نحو: إن تَردُدْ أَردُدْ. ولا تُضارَرْ، واشدُدْ.
стр. 398
فإن قلت: فهلَّا حرَّكوا الثاني من الساكنين إذا التقيا، ثمَّ أدغموا الأوَّل فيه. فالجواب أنَّ حركة التقاء الساكنين عارضة فلم يُعتدَّ بها، كما لم يُعتدَّ بها في نحو١: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ؛ ألا ترى أنهم لا يردُّون الواو المحذوفة من "قُم"٢ لالتقاء الساكنين، وإن كانت الميم قد تحرَّكت؛ لأنَّ الحركة عارضة؟
وأمَّا غيرهم من العرب فيُدغم ويَعتدُّ بالعارض؛ لأنَّ العرب قد تعتدّ بالعارض في بعض الأماكن. وأيضًا فإنَّ٣ الثاني أصله الحركة وليس السكون، [ويحرك إذا اتصل بالضمائر نحو: رُدّا وردُّوا] وردِّي. ولذلك لم يدغموا في: أشدِدْ بحمرة ثوبه! لأنَّ تلك الضمائر لا تلحقه أصلًا. [وأيضًا] فإنه حَملَ ما سكونُه جزمٌ على المُعرَب بالحركة؛ لأنه مُعرَب مثله. فكما أنَّ المُعرَب بالحركة تدغمه نحو: يَفِرُّ٤, فكذلك المُعرَب بالسكون. وحَملَ ما سكونُه بناء على ما سكونُه جزم؛ لأنه يُشبهه؛ ألا ترى أنَّ العرب قد تحذف له٥ آخر الفعل في المعتلِّ كما تحذفه للجزم، فتقول: "اغزُ" كما تقول: لم يَغزُ؟
وأيضًا فإنك٦ قد تُحرِّك لالتقاء الساكنين فتقول: اردُدِ القومَ. فصار بذلك يُشبه المُعرَبَ بتعاقب الحركة والسكون على آخره، كما أنّ المُعرَب كذلك في نحو: يَضرِبُ ولم يَضرِبْ. فلمَّا أشبه المُعرَبَ في ذلك حُمِل في الإدغام عليه.
والذين من لغتهم الإدغام٧ يختلفون في تحريك الثاني:
فمنهم من يُحرِّكه أبدًا بحركة ما قبله إِتباعًا، فيقول: رُدُّ وفِرِّ وعَضَّ، ما لم تتَّصل به الهاءُ والألف التي للمؤنث فإنه يَفتح على كلِّ حالٍ نحو: رُدَّها وعَضَّها وفِرَّها٨، أو الهاءُ التي هي للمذكَّر فإنه يَضمُّه نحو٩: رُدُّهُ وفِرُّهُ وعَضُّهُ -وذلك؛ لأنَّ١٠ الهاء خفيَّة فكأنك قلت: رُدَّا أو رُدُّوا. فكما أنك تفتح مع الألف وتضمُّ مع الواو فكذلك تفعل هنا؛ لأنَّ الهاء خفيَّة- أو لم
стр. 399
تجئ١ بعد الفعل بكلمة أوَّلها ساكن٢ فإنه يَكسر أبدًا نحو: رُدِّ ابنَكَ، ورُدِّ القَومَ.
وذلك؛ لأنك قد كنت تُحرِّك الآخِر قبل الإدغام بالكسر على أصل التقاء الساكنين نحو: "اردُدِ القومَ". فلمَّا أَدغمتَ في هذا الموضع حرَّكت بالحركة التي كانت له قبل الإدغام, كما أنهم لمَّا حرَّكوا "مُذ" لالتقاء الساكنين فقالوا: مُذُ اليوم، ضمُّوا؛ لأنَّ الأصل فيه "مُنْذُ". فلمَّا حرَّكوا أتَوا بالحركة التي [كانت] ٣ له في الأصل.
ومنهم من يفتح على كلِّ حال، إِلَّا إذا كان بعده ساكن -وذلك لأنه آثر التخفيفَ- واعتدَّ بالهاء في مثل: رُدَّهُ، ولم يلتفت إلى خفائها، إِلَّا إذا كان بعده٤ ساكن؛ لأنه آثر حركة الأصل على التخفيف. ومنهم من يفتح على كلِّ حال، كان بعده٥ ساكن أو لم يكن. وذلك لأنه آثر التخفيف في جميع الأحوال. ومنهم من يكسر ذلك أجمعَ على كلِّ حال. وهؤلاء حرَّكوا بالحركة التي هي لالتقاء الساكنين في الأصل.
هذا ما لم يتَّصل بشيء من ذلك ألفٌ أو واو أو ياء٦. فإنَّ الحركة إذ ذاك تكون من جنس الحرف المتَّصل به، لا خلافَ بينهم في شيء من ذلك، نحو: رُدَّا٧ ورُدِّي ورُدُّوا.
فأمَّا "هَلُمَّ" فللتركيب٨ الذي دخلها التزمت العرب فيها التخفيفَ لذلك، فحرَّكوها بالفتح على كلِّ حال، إِلَّا مع الألف٩ والواو والياء، نحو: هلُمَّا وهلُمُّوا وهلُمِّي.
وإن لم تصل الحركة إلى الساكن الثاني فإنَّ العرب الحجازيين وغيرهم لا يدغمون ذلك١٠, نحو: رَدَدْتُ، وكذلك: اردُدْنَ؛ لأنَّ سكون الدال هنا لا يُشبه سكون الجزم، ولا١١ سكون الأمر والنهي، وإن كان "اردُدْنَ" أمرًا؛ لأنها إنَّما سُكِّنت من أجل النون كما سُكِّنت من أجل التاء في "رَدَدْتُ.
والسبب في أنْ لم يُدغَم مثل هذا كما أُدغم "رُدَّ" أنَّ السكون في "اردُدْ"، وإن كان بناءً،
стр. 400
أَشبهَ المُعرَبَ من الوجهين المتقدِّمَين، فحُمل عليه في الإدغام. وليس بين سكون الدال في "رَدَدْتُ" وأمثاله وبين [٦٢أ] المُعرَب شَبَه، فلم يكن له ما يُحمل عليه.
إِلَّا ناسًا من بكر بن وائل فإنهم يُدغمون في مثل هذا, فيقولون: رَدَّتُ ورُدَّنَ. كأنهم قدَّروا الإدغام قبل دخول النون والتاء. فلمَّا دخلتا أبقوا اللفظ على ما كان عليه قبل دخولهما١.
فإن٢ كان الثاني من المِثلين ساكنًا فالإظهار. ولا يجوز الإدغام؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى اجتماع الساكنين. وقد شذَّ العرب في شيء من ذلك، فحذفوا أحد المِثلين تخفيفًا، لمَّا تعذَّرَ التخفيف بالإدغام. والذي يُحفظ من ذلك: أَحَسْتُ وظَلْتُ٣ ومَسْتُ٤. وسبب ذلك أنه لمَّا كُره اجتماع المِثلين فيها حُذف الأوَّل منها تشبيهًا بالمعتلِّ العين.
وذلك أنك قد كنت تُدغم قبل الإسناد للضمير، فتقول: أَحَسَّ٥ ومَسَّ وظَلَّ. والإدغام ضرب من الاعتلال؛ ألا ترى أنك تُغيِّر العين من أجل الإدغام بالإسكان، كما تغيِّرها إذا كانت حرف عِلَّة. فكما تُحذف العين إذا كانت حرف عِلَّة، في نحو: قُمتُ وخِفتُ وبِعتُ، كذلك حُذفت في هذه الألفاظ تشبيهًا بذلك.
وممَّا يُبيِّن ذلك أنَّ العرب قد راعت هذا القَدْر من الشَّبه؛ لأنهم يقولون: مِسْتُ، بكسر الميم، فينقلون حركة السين المحذوفة إلى ما قبلها كما يفعلون ذلك في: خِفتُ؛ ألا ترى أنَّ الأصل "خَوِفْتُ"، فنقلوا حركة الواو إلى الخاء، وحذفوها لالتقاء الساكنين، على حسب ما أُحكم في بابه؟
وأمَّا "ظَلْت٦، و"مَسْتُ" في لغة من فتح الميم فحذفوا، ولم ينقلوا فيهما٧ الحركة، تشبيهًا لهما بـ"لَسْتُ", لمَّا كان لا يُستعمل لهما مضارع إذا حُذفا كما لا يستعمل لـ"لَيسَ"
стр. 401
مضارع؛ ولأنَّ المشبَّهَ بالشيء لا يقوى قوَّة ما يُشبَّه به.
وأمَّا١ "عَلماءِ بَنُو فُلانٍ" فأصله "على الماء" فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين٢، فاجتمع اللَّامان: لام "على" مع لام التعريف، فاستُثقل ذلك، مع أنَّ ذلك قد كَثُرَ استعمالهم له في الكلام -وما يكثر استعماله فهو أدعى للتخفيف ممّا ليس كذلك- فحُذفت لام "على" تخفيفًا لمَّا تعذَّر التخفيف بالإدغام.
فهذا وجه هذه الأسماء ٣ التي شذَّت.
стр. 402
ذكر إدغام المتقاربين:
اعلم أنَّ التقارب الذي يقع الإدغام بسببه قد يكون في المخرج خاصَّةً، أو في الصِّفة خاصَّةً، أو في مجموعهما١. فلا بُدَّ إذًا، قبل الخوض في هذا الفصل، من ذكر مقدِّمة في مخارج الحروف وصفاتها.
فحروف٢ المعجم الأصول تسعةٌ وعشرون٣, أوَّلها الألف٤ وآخرها الياء، على المشهور من ترتيب حروف المعجم. لا خلاف في ذلك بين أحد من العلماء، إِلَّا أبا العباس المبرّد فإنها عنده ثمانية وعشرون، أوَّلها الباء وآخرها الياء، ويُخرِجُ الهمزة من حروف المعجم، ويستدلُّ على ذلك بأنها لا تثبت على صورة واحدة. فكأنَّها عنده من قبيل الضبط، إذ لو كانت حرفًا من حروف المعجم لكان لها شكل واحد، لا تنتقل عنه كسائر حروف المعجم.
وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس فاسد؛ لأنَّ الهمزة لو لم تكن حرفًا لكان "أَخَذَ" و"أَكَلَ" وأمثالهما٥ على حرفين خاصَّةً؛ لأنَّ الهمزة ليست عنده حرفًا٦. وذلك باطل؛ لأنه أقلُّ أصول الكلمة ثلاثة أحرف: فاء وعين ولام.
فأمَّا عدم استقرار صورتها على حال واحدة فسبب ذلك أنها كُتبت على حسب تسهيلها. ولولا ذلك لكانت على صورة واحدة وهي الألف. وممّا يدلُّ على ذلك أنَّ الموضع الذي لا تُسهَّل فيه تُكتب فيه ألفًا، بأيِّ حركة تحرَّكت؟ وذلك إذا كانت أوَّلًا, نحو: أَحمد وأُبلُم وإِثمد.
وممّا يُبيِّن أيضًا أنَّها حرف أنَّ واضع أسماء حروف المعجم وضعها على أن يكون في أوَّل
стр. 403
الاسم١ لفظ الحرف المُسمَّى بذلك الاسم، نحو: جيم ودال وياء وأمثال ذلك. فـ"الألف" اسم للهمزة، لوجود الهمزة في أوَّله. فأمَّا الألف التي هي مدَّة فلم يتمكَّن ذلك في اسمها؛ لأنها ساكنة ولا يُبتدأ بساكن، فسُمِّيت ألفًا باسم أقرب الحروف إليها في المخرج، وهو الهمزة.
وممّا يُبيِّن أيضًا أنَّها حرف، وليست من قبيل الضبط، أنَّ الضبط لا يُتصوَّر النطقُ به إِلَّا في حرف، والهمزة يُتصوَّر النطق بها وحدها كسائر الحروف. فدلَّ ذلك على أنها حرف.
وقد تبلغ الحروف خمسةً وثلاثين حرفًا بفروع حسنة تلحقها، يؤخذ بها في القرآن وفصيح الكلام. وهي: النون الخفيفة٢ -وهي النون [٦٢ب] الساكنة إذا كان بعدها حرف من الحروف التي تخفى معه- والهمزة المخفَّفة، وألف التفخيم، وألف الإمالة، والشين التي كالجيم نحو: أَجْدَق في أشْدَق، والصاد التي كالزاي في نحو مَصْدر. وسيُبيَّن بعدُ، إن شاء الله [تعالى] ٣.
وقد تبلغ ثلاثة وأربعين حرفًا بفروع غيرِ مُستحسنة، ولا مأخوذٍ بها في القرآن ولا في الشعر، ولا تكاد٤ توجد إِلَّا في لغة ضعيفة مرذولة. وهي:
الكاف التي كالجيم: وقد أخبر أبو بكر بن دريد٥ أنها لغة في اليمن، يقولون في كَمَل: جَمَل٦. وهي كثيرة في عوامِّ أهل بغداد.
والجيم التي كالكاف: وهي بمنزلة ذلك، فيقولون في "رَجُل": رَكُل، فيُقرِّبونها من الكاف.
والجيم [التي] ٧ كالشين: نحو: اشتَمَعوا وأَشدَر، يريدون٨: اجتَمَعُوا وأَجدَرُ.
والطاء التي كالتاء: نحو: "تالَ" تريد٩: طالَ. وهي تسمع من عجم أهل المشرق كثيرًا؛ لأن١٠ الطاء في أصل لغتهم معدومة. فإذا احتاجوا إلى النطق بها ضعف نطقهم بها.
стр. 404
والضاد الضعيفة: يقولون في "اثْرُدْ لَهُ": اضْرُدْ لَهُ١. يُقرِّبون الثاء من الضاد. وكأنَّ ذلك في لغة قوم ليس في أصل حروفهم الضاد. فإذا تكلَّفوها ضعف نطقهم بها لذلك.
والصاد التي كالسين: نحو: "سائر" في صائر. قُرِّبت منها؛ لأنَّ الصاد والسين من مخرج واحد.
والباء التي كالفاء: وهي كثيرة في لغة الفُرس٢ وغيرهم من العجم. وهي على لفظين: أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من لفظ الفاء، والآخر بالعكس نحو: بَلَح وبِرطِيل.
والظاء التي كالثاء: يقولون في "ظالم": ثالم.
وكأنَّ الذين تكلَّموا بهذه الحروف المسترذلة خالطوا العجمَ، فأخذوا من لغتهم٣.
стр. 405
تبيين مخارج حروف العربية الأصول
مدخل
...
تبيين مخارج حروف العربيَّة الأُصول:
وهي ستَّةَ عَشَرَ مخرجًا١:
فللحلق منها ثلاثة:
فأقصاها مخرجًا: الهمزة والألف والهاء. هكذا٢ هي هذه الثلاثة عند سيبويه. وزعم أبو الحسن٣ أنَّ الهمزة أوَّلًا، وأنَّ الهاء والألف بعدها، وليست واحدة عنده أسبقَ من الأخرى. ويدلُّ على فساد مذهبه، وصِحَّة ما ذهب إليه سيبويه، أنه متى احتيج إلى تحريك الألف اعتُمِد بها على أقرب الحروف إليها٤ إلى أسفل الفم، فقُلبت همزةً نحو: رِسالة ورَسائل. فلو كانت الهاء معها من مخرج واحد لقلبت هاء؛ لأنها إذ ذاك أقرب إليها من الهمزة.
ومن وسط الحلق مخرج: العين والحاء.
وأدنى مخارج الحلق إلى اللسان مخرج: الغين والخاء.
ومن أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج: القاف.
ومن أسفلَ من موضع القاف [من اللسان] ٥ قليلًا، وممّا يليه من الحنك الأعلى، مخرج: الكاف.
ومن وسط اللسان، بينه وبين وسط الحنك الأعلى، مخرج: الجيم والشين والياء٦.
стр. 406
ومن بين أوَّل حافَّة اللسان وما يليها١ من الأضراس مخرج: الضاد، إِلَّا أنك إن شئتَ تكلَّفتها من الجانب الأيمن، وإن شئتَ من الأيسر.
ومن أوَّل حافَّة اللسان٢، من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، [ما] ٣ بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى، ممّا فُويق٤ الضاحك والناب والرَّباعِيَة والثنيَّة، مخرج: اللام.
ومن طرف اللسان، بينه وبين ما فُويق الثنايا، مخرج: النون.
ومن مخرج النون؛ غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلًا، لانحرافه إلى اللام، مخرج: الراء.
ومن٥ بين طرف اللسان وأُصول الثنايا مخرج: الطاء والدال والتاء.
ومن٦ بين طرف اللسان وفُويق الثنايا مخرج: الصاد والزاي والسين٧.
ومن ٨ بين طرف اللسان وأطراف الثنايا مخرج: الظاء والثاء والذال٩.
ومن باطن الشفة وأطراف الثنايا العُلى١٠ مخرج: الفاء.
ومن١١ بين الشفتين مخرج: الباء والميم والواو.
ومن الخياشيم مخرج: النون الخفيفة١٢.
стр. 407
ذكر تقسيمها بالنظر إلى صفاتها ١:
فمن ذلك انقسامها إلى مجهور ومهموس: فالمهموسة عشرة أحرف يجمعها "ستَشحَثُكَ
стр. 408
خَصَفَهْ"١ وباقي الحروف مجهورة.
والمجهور: حرف أُشبع الاعتماد٢ عليه في موضعه، فمنَع النَّفَس أن يجري معه حتَّى ينقضي الاعتماد٣. غير أنَّ الميم [٦٣أ] والنون، من جملة المجهورة، قد يُعتمد لهما في الفم والخياشيم، فتصير فيهما غُنَّةٌ.
والمهموس٤: حرف أُضعف الاعتماد عليه في موضعه، حتَّى جرى معه النَّفَسُ. واعتبار ذلك بأن تكرَّر الحرف وحده، أو بحرف اللِّين معه، نحو: سَسَس كَكَكَكَ سِيسِيسِي كِيكِيكِيكِي٥، فتجد النَّفَس يجري مع الحرف. ولو رُمتَ في المجهور لَما أمكنك.
وتنقسم أيضًا إلى شديد، ورِخْو، وبين الشِّدَّة والرَّخاوة. فالشديد ثمانية أحرف يجمعها "أَجِدُك قَطَبْتَ". والتي بين الشديدة والرِّخوة أيضًا ثمانية أحرف يجمعها "لم يَروِعَنَّا"٦. وباقي الحروف رِخو.
والشديد: حرف يمتنع٧ الصوت أن يجري فيه لانحصار الصوت؛ ألا ترى أنك لو قلت: الحقّْ والشطّ ْ٨، ثمَّ رُمت مدّ الصوت في القاف والطاء، لكان ممتنعًا؟
والرِّخو٩: هو الذي يجري فيه الصوت من غير ترديد١٠، لتجافي اللسان عن موضع الحرف؛ ألا ترى أنك تقول: المَسّْ والرَّشّْ والشُّحّْ ونحوَ ذلك، فتجد الصوت جاريًا مع السين والشين والحاء؟
والذي بين الشديدة والرِّخوة١١. هو الذي لا يجري الصوت في موضعه عند الوقف،
стр. 409
ولكن يعرض له أعراض توجب خروج الصوت، باتِّصاله بغير مواضعها١:
فأمَّا العين فإنك قد تصل إلى الترديد فيها كما٢ تصل إلى ذلك في الرِّخوة، لشبهها بالحاء كأنَّ صوتَها يَنسلُّ عند الوقف إلى الحاء، فليس لصوتها الانحصار التامُّ، ولا جريُ الرِّخو.
وأمَّا اللام فإنَّ الصوت قد يَمتدُّ فيها؛ لأنَّ ناحيتي مُستدَقِّ اللسان تتجافيان٣، فيخرج الصوت منهما، وليس [يخرج] ٤ الصوت من موضع اللام؛ لأنَّ طرف اللسان لا يتجافى فليس للصوت جري تامٌّ٥. وبيان ذلك أنك لو شَددْتَ جانبي موضع اللَّام لانحصر الصوت، ولم يجر البتَّة.
وأمَّا النون والميم فيجري معهما الصوت في الأنف٦؛ لأنَّ الغُنَّة صوت، ولا يجري في الفم؛ لأنَّ اللسان لازم لموضع الحرف من الفم.
وأمَّا الراء فللتكرار الذي فيها قد يتجافى اللسان بعض تجافٍ، فيجري معه الصوت إذ ذاك.
وأمَّا الياء والواو فلأنَّ مخرجهما اتَّسع لهواء الصوت، فجرى لذلك الصوتُ بعضَ جري، وأمَّا الألف فلأنَّ مخرجها اتَّسع لهواء الصوت أشدَّ من اتِّساع مخرج الياء والواو؛ لأنك تضمُّ شفتيك في الواو وترفع في الياء لسانك قِبَلَ الحنك، وليس في الألف شيء من ذلك. فهذه الأحرف الثلاثة لها أصوات في غير موضعها من الفم. فصارت بذلك مُشبِهة للرِّخوة، وهي تشبه الشديدة للزومها مواضعها، وليس للصوت جري في مواضعها كالرِّخوة.
وتنقسم أيضًا إلى مُطْبَق ومُنفتِح. فالمطبَقة أربعة أحرف: الطاء والظاء والصاد والضاد. وباقي الحروف منفتح. والإطباق: أن تَرفعَ ظهر لسانك إلى الحنك الأعلى مُطْبِقًا له. ولولا الإطباق لصارت الطاء دالًا والصاد سينًا والظاء ذالًا؛ لأنَّ الفارق بينها إنَّما هو الإطباق، ولخرجت الضاد من الكلام؛ لأنه ليس من موضعها حرف غيرُها، فترجعَ الضاد إليه إذا زال الإطباق. والانفتاح ضدُّ ذلك.
وتنقسم الحروف أيضًا إلى مُستَعْل ومُنخفِضٍ. فالمستعلية سبعة: الأربعة المطبقة، وثلاثة
стр. 410
من غيرها وهي الخاء والغين١ والقاف. والمنخفض ما عدا ذلك. والاستعلاء: أن يَتصعَّد اللسان٢ إلى الحنك الأعلى، انطبق اللسان أو لم ينطبق، والانخفاض ضدُّ ذلك.
وتنقسم إلى مكرَّر وغير مكرَّر. فالمكرَّر: الراء. وما عداها غير مكرَّر. وأعني بالتكرار: أنك إذا وقفت عليها رأيتَ طرف اللسان يَتعثَّرُ فيها. ولذلك احتُسبت في الإمالة بحرفين على ما ذُكر٣ في باب الإمالة٤،
وتنقسم أيضًا إلى مُتقَلقِل، ومُشْرَب، وما ليس فيه قلقلة ولا إشراب.
فالمتقلقلة: القاف والجيم والطاء والدال والباء. وذلك أنها تُضغَط عن مواضعها، وتُحفَز٥ في الوقف، فلا تستطيع٦ الوقف عليها إِلَّا بصوت. نحو: الحقْ واخرجْ واهبطْ واذهبْ وامدُدْ٧.
والمُشْرَبة: الزاي والظاء والذال والضاد٨ والراء. والمُشْرَب: حرف يخرج معه عند الوقف عليه نحو النفخ. إِلَّا أنه لم يُضغط ضغط المقلقل.
ومن المُشْرَب٩ ما لا يخرج بعده شيء من ذلك [٦٣ب] نحو الهمزة، والعين، والغين، واللام، والنون، والميم.
وجميع الحروف التي تَسمع معها في الوقف صوتًا متى أدرجتها ووصلتها زال ذلك الصوت؛ لأنَّ أخذك في صوت آخر وحرف سوى الأوَّل يشغلك عن إتباع الحرف الأوَّل صوتًا، نحو١٠: خُذْهُ واخفِضْهُ واحفظْهُ.
وتنقسم١١ إلى مهتوت وغير مهتوت. فالمهتوت الهاء١٢, وذلك لما فيها من الضعف
стр. 411
والخفاء. وما عداها فليس بمهتوت.
وتنقسم١ أيضًا على ذَلْقِيَّة٢ وغير ذَلْقِيَّة. فالذَّلْقِيَّة ستَّة، وهي اللام والراء والنون والفاء والباء٣ والميم. وما عداها فهو المُصْمَت. وسُمِّيت ذَلْقِيَّةً؛ لأنها يُعتمد عليها بذَلْق اللسان٤، وهو صدره وطرَفه. وفي الحروف الذَّلْقِيَّة سِرٌّ طريفٌ٥ يُنتفع به في اللغة؛ وذلك أنك٦ متى رأيت اسمًا رباعيًّا أو خماسيًّا غير ذي زوائد فلا بُدَّ فيه من حرف منها أو حرفين أو ثلاثة، نحو: جَعفَر وقَعضَب٧ وسَلهَب٨ وفَرَزدَق وسَفَرجَل٩ وقِرطَعْب١٠.
فمتى وَجدتَ كلمة رباعيَّة أو خماسيَّة معرَّاة من حروف الذَّلاقة فاقضِ بأنَّه دخيل في كلام العرب وليس منه. ولذلك سُمِّي ما عدا هذه الحروف مُصْمَتًا أي: صُمِتَ عن أن تبنى منه١١ كلمة رباعيَّة أو خماسيَّة. وربَّما جاء بعض ذوات الأربعة مُعرًّى من حروف الذَّلاقة، وذلك قليل جدًّا، نحو: العَسجَد والعَسَطُوس١٢ والدَّهدَقة١٣ [والزَّهزقة] ١٤.
وتنقسم أيضًا على مُستطيل وما ليس١٥ كذلك. فالمستطيل الضاد؛ لأنها استطالت في مخرجها على حسب ما ذُكر في المخارج. وغير المُستطيل ما عداها.
وتنقسم أيضًا إلى مُنحرف وغير مُنحرف. فالمُنحرف اللام، وما عداها ليس بمنحرف.
وتنقسم١٦ أيضًا إلى أَغَنَّ وغير أغنّ. فالأغنُّ الميم والنون. والغُنَّة: صوت في الخياشيم.
стр. 412
وما عدا ذلك فليس بأغنَّ.
وإنَّما ذكرتُ صفات الحروف؛ لأنَّ إدغام المتقاربَينِ يُبنَى١ عليها أو على أكثرها، على ما يُبيَّن بعدُ، إن شاء الله عزَّ وجلَّ٢ وإذ قد٣ فرغنا من المقدِّمة، فينبغي أن نرجع إلى تبيين حكم إدغام المتقاربات في المخارج أو في الصفات٤.
стр. 413
ذكر أحكام حروف الحلق في الإدغام ١:
قد تَقَدَّمَ أنَّ للحق ثلاثة مخارج: فمن أقصاه الألف والهمزة والهاء، ومن وسطه العين والحاء، ومن أدنى مخارج الحلق إلى اللسان مخرج الغين والخاء.
أمَّا الألف والهمزة فلا يدغمان في شيء، ولا يدغم فيهما شيء، والسبب في ذلك أنَّ إدغام المتقارِبَينِ محمول على إدغام المِثلين. فلمَّا امتنع فيهما إدغام المِثلين، كما ذكرنا في فصل إدغام المِثلين، امتنع فيهما إدغام المتقارِبَينِ.
وأمَّا الهاء فليس لها من مخرجها ما يُدغم [فيها] ٢ أو تُدغم فيه؛ لأنها من مخرج الألف والهمزة، فلم يبق لها ما تُدغم فيه إِلَّا ما هو من المخرج الذي يلي مخرجها.
فإذا اجتمعت مع الحاء فلا يخلو أن تتَقَدَّمَ٣ الحاءَ أو تتقَدَّمَها الحاءُ. فإن تقَدَّمَت على الحاء جاز الإدغام والبيان نحو: اجبَهْ حاتِمًا٤. إن شئت لم تدغم، وإن شئت قلبت الهاء حاء وأدغمت الحاء في الحاء فقلت: اجبَحَّاتمًا؛ لأنهما٥ متقاربان ليس بينهما شيء، إِلَّا أنَّ الحاء من وسط الحلق، وهما مهموسان.
وإنَّما قَلبتَ الأوَّل إلى جنس الثاني ولم تقلب الثاني إلى جنس الأوَّل؛ لأنَّ الذي ينبغي أن يُغيَّر بالقلب الأوَّل كما غُيِّر بالإسكان؛ ألا ترى أنَّ الذي يُسكَن لأجل الإدغام إنَّما هو الأوَّل؟ فإن قُلِب الثاني إلى جنس الأوَّل في موضعٍ ما فلِعِلَّةٍ، وسيُبيَّن ما جاء من ذلك في موضعه. والبيان وتركُ الإدغام أحسن لاختلاف المخرجين؛ ولأنَّ حروف الحلق ليست بأصل للإدغام لقِلَّتها، والتصرُّفُ بابه أن يكون فيما يكثر.
стр. 414
وإن تَقَدَّمتها الحاء نحو: امدَحْ هِلالًا؛ فالبيانُ ولا يجوز الإدغام. والعِلَّة في ذلك أنَّ المخرجين، كما تقَدَّمَ، قد اختلفا مع أنَّ الإدغام١ في حروف الحلق ليس بأصل. وأيضًا فإنك لو أدغمت لوجب أن تقلب الأوَّل إلى الثاني على أصل الإدغام، فكنت تقلب الحاء هاء. وذلك لا يجوز؛ لأنَّ الهاء أدخل في الحلق من الحاء، ولا يُقلَب الأخرجُ إلى الفم إلى جنس الأدخل في الحلق.
والسبب في ذلك أنَّ حروف الفم أخفُّ من حروف الحلق. ولذلك يقلُّ اجتماع الأمثال في حروف الحلق. وما قرب من حروف الحلق إلى الفم كان أخفَّ من الذي هو أدخل منه في الحلق. فكرهوا لذلك [٦٤أ] تحويل الأخرج إلى جنس الأدخل؛ لأنَّ في ذلك تثقيلًا.
فإن أردت الإدغام قلبت الهاء حاء وأدغمت، فقلت: امدَ حِّلالًا٢. وجاز قلب الثاني لمَّا تعذَّر قلب الأوَّل، وليكون الإدغام فيما هو أقرب إلى حروف الفم التي هي أصل للإدغام. والإدغام في مثل هذا أقلُّ من الإدغام في مثل "اجبَهْ حاتمًا"٣؛ لأنَّ الباب -كما تقَدَّمَ- أن يُحوَّل الأوَّل إلى الثاني.
فإن اجتمعت مع العين فالبيانُ، تقَدَّمتِ العينُ أو تأخَّرتْ، ولا يجوز الإدغام إِلَّا أن تَقلِب العين والهاء حاء، ثمَّ تُدغِم الحاء في الحاء. وذلك نحو [قولك] ٤: اجبَجُّتْبةَ واقطَحَّاذا وذَهَبَ مَحُّمْ٥، تريد: اجبَهْ عُتْبةَ٦ واقطَعْ هذا وذَهَبَ مَعْهُم. وهي كثيرة في كلام بني تميم٧.
وإنَّما لم تُدغِم إِلَّا بتحويل الحرفين؛ لأنك لو قلبت العين إلى الهاء كنت قد قلبت الأخرج إلى جنس الأدخل. وقد تَقَدَّمَ ذلك, ولو قلبت الهاء إلى العين لاجتمع لك عينان. وذلك ثقيل؛ لأنَّ العين قريبة من الهمزة. فكما أنَّ اجتماع الهمزتين ثقيل٨، فكذلك اجتماع العينين.
وأيضًا فإنها بعيدة من الهاء؛ لأنها ليست من مخرجها، وتُباينُها٩ في الصفة؛ لأنَّ العين مجهورة والهاء مهموسة، والعين بين الشِّدَّة والرَّخاوة والهاء رِخوة. فكرهوا أن يقلبوا واحدة.
стр. 415
منهما إلى الأُخرى، للتباعد الذي بينهما. فلذلك أبدلوا منهما الحاء؛ لأنَّ الحاء من مخرج العين, وتُقارب الهاء في الهمس والرَّخاوة.
وأمَّا العين إذا اجتمعت مع الحاء فلا يخلو أن تتقَدَّمَ أو تَتَقدَّمَ الحاءُ. فإن تَقَدَّمتْ كنتَ بالخِيار: إن شئتَ أدغمتَ فقلبتَ العينَ حاء، وإن شئتَ لم تُدغِم، نحو: اقطَعْ حَّبلًا١. وحَسَّنَ الإدغام هنا كونُهما من مخرج واحد.
وإن تقَدَّمتِ الحاءُ بَيَّنتَ ولم تدغمها في العين؛ لأنَّ العين أدخلُ في الحلق، ولا يُقلَب٢ الأخرج إلى الأدخل لِما تَقدَّم. وأيضًا فإنَّ اجتماع العينين ثقيل كما تَقَدَّم. فإن أردتَ الإدغام قلبت العين حاء، وأدغمت الحاء في الحاء؛ لأنه قد تقدَّمَ أنَّ الثاني قد يُقلب إذا تعذَّر قلب الأوَّل.
وأمَّا الغين مع الخاء فإنه يجوز فيهما البيان والإدغام، وكلاهما حَسَنٌ؛ لأنهما من مخرج واحد. وإذا أَدغمتَ قلبتَ الأوَّل منهما إلى الثاني، كائنًا ما كان، نحو: اسلِخْ غَّنمَكَ وادمَغْ خَّلَفًا. وإنَّما جاز قلب الخاء غينًا، وإن كانت أخرج إلى الفم منها؛ لأنَّ الغين والخاء لقرب٣ مخرجهما من الفم أُجريا مُجرى حروف الفم. وحروفُ الفم يجوز فيها قلب الأخرج إلى الأدخل.
وممّا يُبيّن أنهما يُجرَيان مُجرى حروف الفم أنَّ العرب قد تُخفي معهما النون، كما تفعل بها مع٤ حروف الفم، على ما يُبيَّن بعدُ٥.
ولهذه العِلَّة بنفسها لم يجز إدغام واحد من الحاء والعين٦ والهاء في الغين والخاء أعني: لكونهما قد أُجريا مُجرى حروف الفم. فكما أنَّ حروف٧ الحلق لا تُدغَم في حروف الفم، فكذلك لا تُدغَم الهاء ولا الحاء ولا العين٨ فيهما.
هذا٩: مذهب سيبويه. وحكى المبرّد أنَّ من النحويِّين من أجاز إدغام العين والحاء في
стр. 416
الغين والخاء، نحو قولك: امدَ غّالبًا وامدَ خَّلَفًا واسمَغَّالبًا واسمَخَّلَفًا. تريد: امدحْ غالبًا وامدحْ خلفًا واسمعْ غالبًا واسمعْ خلفًا. وزعم أنَّ ذلك مستقيم في اللغة معروف، جائز في القياس؛ لأنَّ الخاء والغين أدنى حروف الحلق إلى الفم. فإذا كانت الهاء تدغم في الحاء، والهاء من المخرج الأوَّل من الحلق، والحاء من الثاني، وليست حروف الحلق بأصل للإدغام، فالمخرج الثالث أَوْلى أن يدغم فيما كان بعده؛ لأنَّ ما بعده متصل بحروف الفم، التي هي أصل للإدغام؛
ألا ترى أنهم أدغموا الباء في الفاء -والباءُ من الشفة محضة، والفاءُ من الشفة السفلى وأطراف الثنايا العُلى- فقالوا: اذْهَفِّي ذلك واضرِ فَّرَجًا، لقرب الفاء من حروف الفم؟ وسيبويه يأبى ذلك، لِما ذكر من أنَّ العرب كما لا تُدغِم حروف الحلق في حروف اللسان, ولا حروف اللسان في حروف الحلق ... ولا إدغامهما فيها للتراخي الذي بينها؛ ألا ترى أنَّ الهاء من المخرج الأوَّل، وهما من المخرج الثالث؟ [وكذلك لا يجوز] إدغام الخاء والغين في الحاء والعين، لما يلزم ذلك من قلب الأخرج إلى الفم إلى جنس الأدخل في الحلق. وذلك لا يجوز ...
стр. 417
ذكر حكم حروف الفم ١ في الإدغام:
فأوَّلها ممّا يلي [حُروف] ٢ الحَلق، كما تَقَدَّم، القاف والكاف. وكلّ واحد منهما يُدغَم في صاحبه فتقول: الحَق كَّلَدَةَ٣ وانهَك قَّطَنًا، تَرفع٤ اللسان بهما رفعة واحدة.
والبيانُ والإدغامُ في "الحقْ كَّلَدَة"٥ حسنانِ؛ فالبيان حسن والإدغام أحسن٦. والبيانُ في "انهكْ قطَنًا" أحسن من الإدغام، لقُرب القاف والكاف من حُروف الحلق٧، وحُروف الحلق كما تقَدَّمَ لا يجوز إدغام الأخرج منها في الأدخل. فلذلك ضعف إدغام الكاف التي هي الأخرج، في القاف التي هي أدخل، كما شُبّه أقرب حروف الحلق إلى اللسان -وهما الغين والخاء- بحروف اللسان، كذلك شُبّه أقرب حروف الفم بحروف الحلق، ولا يجوز البيان٨، فأخفيت النون الساكنة عندهما كما تقَدَّم٩.
ولا يجوز إدغام كلِّ واحد من١٠ القاف والكاف في غيرهما، ولا غيرهما فيهما.
ثمَّ الجيم والشين والياء:
أمَّا الجيم فإنها تُدغم في الشين خاصَّة، كقولك: ابعَج شَّبثًا١١. ويجوز البيان، وكلاهما
стр. 418
حسن. وإنَّما جاز إدغامها١ فيها لكونهما من حروف وسط اللسان.
ولم يجز إدغامها٢ في الياء، وإن كانت٣ من مخرجها؛ لأنَّ الياء حرف عِلَّة. وحروف العِلَّة٤ بائنة من جميع الحروف، بأنها لا يُمدّ صوت إِلَّا بها؛ ولأنَّ الحركاتِ بعضُها، ولذا كانت منفردة بأحكام لا توجد لغيرها؛ ألا ترى أنك تقول: عَمْرُو وبكْرُ ونصْرُ، وما أشبه ذلك في القوافي، فيعادِل الحروفُ بعضُها بعضًا، ولو وقعت ياء أو واو بحذاء حرف من هذه الحروف نحو: "جَوْر" و"خَيْر" لم يجز؟
وكذلك تكون القافية مثل سَعِيد وقُعُود، ولو وقع مكان الياء والواو غيرُهما لم يصلح. وتحذف لالتقاء الساكنين في الموضع الذي يحرّك فيه غيرها، نحو: يَغزو القومُ ويرمي الرجلُ ومَثنَى القومِ. فصارت لذلك قِسمًا برأسه٥. فلذلك لم تدغم في غيرها، ولا أُدغم غيرها فيها، ما عدا النون فإنها أُدغمت فيها، لعِلّة تُذكر في موضعها٦.
ولا يدغم في الجيم من مخرجها شيء: أمَّا الشين فلم تدغم فيها [٦٤ب] لأن٧ فيها تفشِّيًا، فكرهوا إذهابه بالإدغام. وأيضًا فإنَّ الشين٨ بتفشِّيها لحقت بمخرج الطاء والدال، فبعُدت عن الجيم. وأمَّا الياء فلم تدغم لِما تقَدَّم. من ذكر٩ العِلَّة المانعة من إدغام الياء والواو في حروف الصحَّة.
ويدغم فيها من غير مخرجها ستَّة أحرف. وهي: الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء، نحو: لم يربِط جَّملًا وقد جَّعَلَ و"وَجَبَت جُّنُوبُها"١٠ واحفظ جّابرًا وانبِذ جَّعفرًا وابَعث جَّامعًا. وإنَّما جاز إدغام هذه الأحرف في الجيم، وإن لم تكن من مخرجها؛ لأنها أخت الشين وهي معها من مخرج واحد. فكما أنَّ هذه الأحرف تدغم في الشين، فكذلك أدغمت في أختها -وهي الجيم- حملًَا عليها.
стр. 419
والبيانُ في جميع ذلك أحسن للبعد الذي بينها١ [وبينهنّ] . وإذا أدغمتَ الطاء والظاء في الجيم فالأحسن أن تُبقي الإطباق الذي فيهما، لئلَّا تُخِلَّ٢ بهما وتُضعِفَهما، بزوال الإطباق منهما. وقد يجوز أن تُذهب الإطباق جملةً.
وأمَّا الشين فإنها لا تُدغَم في شيء٣. وسبب ذلك أنها متفشِّية، كما تقَدَّم. والإدغام في مقاربها يُذهبه، فيكون ذلك إخلالًَا بها.
وتُدغَم٤ فيها الجيمُ -وقد تقَدَّم ذكر ذلك- والطاءُ والدال والتاء والظاء والذال والثاء واللام. أمَّا إدغام الجيم فيها فلكونهما من مخرج واحد. وأمَّا إدغام سائر الحروف فيها؛ فلأنها استطالت بالتفشِّي الذي٥ فيها، حتَّى اتَّصلت بمخرجها، فجرت لذلك مجرى ما هو من مخرج واحد. والبيان عربيُّ جيِّد، لِبُعد ما بينه وبينهنّ.
وأمَّا الياء فلا تُدغَم في حرف صحيح [أصلًَا] ٦. وقد تقَدَّم سبب ذلك, وتُدغَم في الواو؛ لأنها شابهتها في اللِّين والاعتلال. إِلَّا أنَّ الواو هي التي تُقلب لجنس الياء، تقدَّمت أو تأخَّرت؛ لأنَّ القصد بالإدغام التخفيف، والياء أخفُّ من الواو، فقلبوا الواو ياء على كلِّ حال -وأيضًا فإنَّ الواو من الشِّفة، والياء من حروف الفم، وأصل الإدغام أن يكون في حروف الفم٧- نحو: سَيِّد ومَيِّت -الأصل فيهما "سَيْوِدٌ" و"مَيْوِتٌ"٨- وطَيّ ولَيّ. الأصل فيهما "طَوْيٌ" و"لَوْيٌ".
ولا يُدغَم فيها حرف صحيح أصلًا، إِلَّا النون نحو: مَن يُّوقِنُ -والسبب في أن أُدغمت٩ النون وحدها, من بين سائر الحروف الصحاح، في الياء أنَّ النون غَنَّاءُ فأشبهت بالغُنَّة التي فيها الياءَ١٠؛ لأنَّ الغُنَّة فَضْلُ صوتٍ في الحرف، كما أنَّ اللِّين فضل صوت في حروف١١ العِلَّة. وأيضًا فإنَّ النون قريبة في المخرج من الواو التي هي أخت الياء- ويُدغَم فيها الواو لتشاركهما في الاعتلال واللِّين، كما تقَدَّم. وذلك نحو: طَوَيتُ طَيًّا ولَوَيتُ لَيًّا.
стр. 420
ثمَّ١ الضاد، ولا تُدغَم في شيء من مقارباتها٢. وسبب ذلك أنَّ فيها استطالة وإطباقًا واستعلاء، وليس في مقارباتها ما يَشركها في ذلك كُلِّه. فلو أُدغمت لأدَّى ذلك إلى الإخلال بها، لذهاب هذا الفضل الذي فيها.
فأمَّا إدغام بعضهم لها في الطاء بقوله: مُطَّجِع، يريد: مُضطجِعًا٣، فقليل جِدًّا ولا ينبغي أن يقاس. والذي شجَّعه على ذلك أشياء، منها: موافقةُ الضاد للطاء في الإطباق الذي فيها٤ والاستعلاءِ، وقربُها٥ منها في المخرج، ووقوعُها معها في الكلمة الواحدة أكثر من وقوعها في الانفصال؛ لأنَّ الضاد التي تكون آخر كلمة٦ لا يلزمها أن يكون أوَّل الكلمة التي تليها طاء، ولا يكثر ذلك فيها بخلاف مضطجع. فلمَّا اجتمعت هذه الأسباب أدغموا، واغتفروا لها ذهاب الاستطالة التي في الضاد.
وتُدغَم فيها الطاء والدال والتاء والظاء٧ والذال والثاء واللام. وذلك نحو: هل ضَّلَّ زيدٌ؟ وابَعث ضَّرمَةَ -قال سيبويه٨: "وسَمِعنا من يُوثَق بعربيَّته قال٩:
ثارَ, فضَجَّت ضَّجَّةً رَكائبُهْ
فأدغم التاء في الضاد" -واضبِط ضَّرَمةَ واحفَظ ضَّرمَةَ١٠ وخُذ ضَّرمَةَ وقَد ضَّعُفَ١١.
أمَّا اللام فأدغمت فيها، لقربها منها في المخرج. وأمَّا سائر الحروف فإنَّ الضاد، بالاستطالة التي فيها، لحقت مخرج الطاء والدال والتاء؛ لأنها اتَّصلت بمخرج اللام، وتطأطأت عن اللام حتى خالطت أصولَ ما اللامُ فوقه، إِلَّا أنها لم تقع من الثنيَّة موقع١٢ الطاء١٣ لانحرافها؛ لأنك
стр. 421
تضع [لسانك] ١ للطاء٢ بين الثَّنيَّتَين. وقرُبت بسبب ذلك من الظاء والذال والثاء؛ لأنهنّ من حروف طرف اللسان والثنايا، كالطاء وأختيها. والبيان عربيّ جيّد، لتباعُد ما بينها [وبينهنّ] .
ثمَّ اللام والنون والراء.
أمَّا اللام فإنها تدغم في ثلاثةَ [٦٥أ] عَشَرَ حرفًَا٣. وهي: التاء والثاء والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والنون. وإنَّما أُدغمت في هذه الحروف لموافقتها لها. وذلك أنَّ اللام من طرف اللسان. وهذه الحروف: أحدَ عَشَرَ حرفًا منها حروفُ طرفِ اللسان. وحرفان منها -وهما الضاد والسين- يخالطان طرف اللسان. وذلك أنَّ الضاد لاستطالتها اتَّصلت بمخرج اللام، وكذلك الشين بالتَّفشِّي الذي فيها لحقت أَيضًا مخرجها.
فإن كانت اللام للتعريف التُزم الإدغام ولم يجز البيان٤. والسبب في ذلك أنه انضاف إلى ما ذكرناه من الموافقة كثرةُ لام المعرفة في الكلام؛ ألا ترى أنَّ كُلَّ نكرةٍ أردتَ تعريفها أدخلت عليها اللام التي للتعريف إِلَّا القليلَ منها. وكثرة دور٥ اللفظ في الكلام تستدعي التخفيف.
وأيضًا فإنَّ لام المعرفة قد تَنزَّلت منزلةَ الجزء ممّا٦ تدخل عليه، وعاقبها٧ التنوين، واجتماع المتقاربين فيما هو كالكلمة الواحدة أثقل من اجتماعهما فيما ليس كذلك. فلمَّا كان فيها ثلاث مُوجبات للتخفيف -وهي: ثِقلُ اجتماع المتقاربات، وكثرة التكلُّم بها، وأنها مع ما بعدها كالكلمة الواحدة- التُزم فيها الإدغام.
وإن كانت لغير تعريف أُدغمت لأجل المقاربة، وجاز البيان؛ لأنها لم يكثر استعمالها ككثرة لام التعريف، ولا هي مع ما بعدها بمنزلة كلمة واحدة كما أنَّ لام التعريف كذلك. والإدغام٨ إذا كانت اللام ساكنة أحسن منه، إذا كانت متحرِّكة نحو: جَعَل رَّاشدٌ. وإدغامها في بعض هذه الحروف٩ أحسنُ منها في بعض:
стр. 422
فإدغامها في الراء نحو: هل رَّأيتَ؟ أحسنُ من إدغامها في سائرها؛ لأنها أقرب الحروف إليها وأشبهها١ بها، حتَّى إنَّ بعض من يصعب عليه إخراج الراء يجعلها٢ لامًا.
وإدغامها في الطاء والتاء والدال والصاد والسين والزاي يلي في الجودة إدغامَها في الراء؛ لأنها أقرب [الحروف] ٣ إليها بعد الراء.
وإدغامها في الثاءِ -نحو:٤ "هَل ثُّوِّبَ" وقد قرأ به أبو عمرو- والذالِ والظاءِ يلي٥ ذلك؛ لأنَّ هذه الثلاثة من أطراف الثنايا، و [قد] ٦ قاربن مخرج ما يجوز إدغام اللام فيه. وهو الفاء.
وإدغامها في الضاد والشين يلي ذلك؛ لأنهما ليسا من حروف طرف اللسان كاللام، وإنَّما اتصلتا٧ بحروف طرف اللسان، بالاستطالة التي في الضاد، والتَّفشِّي الذي في الشين، كما قدَّمنا. ومن إدغامها في الشين قول طريف بن تميم٨:
تَقُولُ، إِذا استَهلكتُ مالًَا لِلَذَّةٍ, ... فُكَيهةُ: هَشَّيءُ بِكَفَّيكَ لائقُ؟
يريد: هل شَيءٌ؟
وإدغامها في النون دون ذلك كلِّه، والبيانُ أحسنُ منه. وإنَّما قَبُحَ إدغامها في النون، وإن كانت أقرب إلى اللام من غيرها من الحروف التي تقَدَّمَ ذكرها؛ لأنه قد امتنع أن يُدغم في النون من الحروف التي أُدغمت هي فيها إِلَّا اللام. فكأنهم استوحشوا الإدغام فيها وأرادوا أن يُجروا اللام مُجرى أخواتها من الحروف التي يجوز إدغام النون فيها٩. فكما أنه لا يجوز إدغام شيء منها في النون، كذلك١٠ ضعف إدغام اللام فيها.
ولا يُدغم فيها إِلَّا النون، على ما يُبَيَّنُ في فصل النون.
وأمَّا النون فلها خمسة مواضع: موضع تُظهر فيه، وموضع تُدغم فيه، وموضع تَخفى فيه١١، وموضع تُقلب فيه ميمًا، وموضع تُظهر فيه وتَخفى:
стр. 423
فالموضع الذي تُظهر فيه خاصَّةً إذا كان بعدها هاء أو همزة أو حاء أو عين١، نحو: مِنها ويَنأى ومِنحار ومِنْعَب٢.
والموضع الذي تُظهر فيه وتَخفى إِذا وقعت بعدها الغين أو الخاء، نحو: مُنْغَلّ٣ ومَنْخُل.
والموضع الذي تُدغم فيه إذا كان بعدها حرف من حروف "ويرمل".
والموضع الذي تُقلب فيه إذا كان بعدها باء.
والموضع الذي تَخفى فيه إذا كان بعدها حرف من سائر حروف الفم الخمسةَ عَشَرَ.
فأُدغمت في خمسة الأحرف المتقدِّمَة الذكر لمقاربتها لها: أمَّا مقاربتها للرَّاء واللام ففي المخرج٤. وأمَّا مقاربتها للميم ففي الغُنَّة، ليس حرف من الحروف له غُنَّة إِلَّا النون والميم. ولذلك٥ تُسمع النون كالميم، ويقعان في القوافي المُكْفأة فلا يكون ذلك عيبًا، نحو قوله٦:
ما تَنقِمُ الحَربُ العَوانُ مِنِّي؟ ... بازِلُ عامَينِ, حَدِيثٌ سِنِّي
لِمِثل هذا, وَلَدتْنِي أُمِّي
وأمَّا مقاربتها للياء والواو؛ فلأنَّ في النون غُنَّة تُشبِه٧ اللِّين في الياء والواو؛ لأنَّ الغُنَّة فضلُ صوت في الحرف كما أنَّ اللِّين كذلك. وهي٨ من حروف الزيادة كما أنَّ الياء والواو كذلك, وتزاد في موضع زيادتهما. تقول: عَنسَل وجَحَنفَل ورَعْشَن، كما تقول: كَوثَر وصَيقَل وجَدوَل وعِثْيَر وتَرقُوة وعِفْرِية. وأيضًا فإنها قد أُدغمت فيما قارب الواو في المخرج -وهو الميم- وفيما هو على طريق الياء. وهو الراء؛ ألا ترى أنَّ الألثغ بالراء يجعلها ياء؟ فأُدغمت [النون] في الياء
стр. 424
والواو كما أُدغمت في الميم والراء. فلمَّا قاربتِ النونُ هذه الحروف الخمسة أُدغمت فيها [٦٥ب] .
ولا يجوز البيان١ إن كانت النون ساكنة. فإن كانت مُتحرِّكة جاز، لفصل الحركة بين المتقاربين؛ لأنَّ النيَّة بالحركة أن تكون بعد الحرف. وذلك نحو: خَتَنُ مُّوسَى.
وإذا أُدغمت٢ في الراء واللام والواو والياء كان إدغامها بغُنَّة، وبغير غُنَّة. أمَّا إدغامها بغير غُنَّة فعلى أصل الإدغام؛ لأنك إذا أدغمتها صار اللفظ بها من جنس ما تُدغَم فيه. فإذا كان ما بعدها غيرَ٣ أغنّ ذهبت الغُنَّة، لكونها تصير مثله. ومن أَبقى الغُنَّة؛ فلأنها فصلُ صوتٍ فكرهَ إبطالها، فحافظَ عليها بأن أدغم، وأبقى بعضًا من النون وهو الغُنَّة، وإبقاؤها عندي أجود، لما في ذلك من البيان للأصل والمحافظة على الغُنَّة.
وإذا أُدغمت في الميم قُلبت إلى جنسه، ولم يبق لها أثر، ولستَ بمحتاج٤ إلى غُنَّة النون؛ لأنَّ الميم فيها غُنَّة. فإذا قلبتها ميمًا محضة لم تُبطِلِ الغُنَّة.
وزعم٥ سيبويه أنها مع ما تُدغَم فيه مخرجُها من الفم لا من الخياشيم؛ لأنها لو كانت تدغم في حروف الفم، وهي من الخياشيم، لتفاوتَ٦ ما بينها، ولا يُدغم الأبعد في الأبعد. ووافقه المبرّد في جميع ذلك، إِلَّا الميمَ؛ لأنها من الشفة. فلو كانت النون المدغمة فيها من الفم لبعدت من الميم. قال: ولكن مخرجها مع الميم٧ من الخياشيم؛ لأنَّ الميم تخرج٨ من الشفة، وتصير إلى الخياشيم للغُنَّة التي فيها، فأُدغمت فيها النون لتلك المجاورة.
ومذهب سيبويه عندي أَوْلى؛ لأنَّ النون التي في الفم تصير أيضًا إلى الخياشيم، للغُنَّة التي فيها، كما كان ذلك في الميم٩ ... وما أخلَّت به.
وقُلِبت مع الباء ميمًا ولم تدغم فيها؛ لأنَّ الباء لا تقارب النون في المخرج كما قاربتها الراء
стр. 425
واللام١، ولا فيما يُشبِه الغُنَّة وهو اللِّين، ولا في الغُنَّة كما قاربتها الميم. فلمَّا تعذَّر إدغامها في الباء قُلبت معها ميمًا؛ لأنَّ الباء من مخرج الميم فعوملت معاملتها. فلمَّا قُلبت النون مع الميم ميمًا قلبت ميمًا أيضًا مع الباء. وأُمِنَ٢ الالتباس؛ لأنه ليس في الكلام ميم ساكنة قبل باء.
وأُظهرت مع الهمزة والهاء والعين والحاء، لبعد ما بينها وبينهنَّ، فلم٣ تُغيَّرِ النونُ بإدغام، ولا بشِبهه الذي هو الإخفاء. وأيضًا فإنَّ حروف الحلق أَشدُّ علاجًا وأصعبُ إخراجًا، وأحوج إلى تمكين آلة الصوت من غيرها. فإخراجها٤ لذلك يحتاج٥ إلى اعتمادات تكون في اللسان، والنونُ الساكنة الخفيَّة مخرجها من الخيشوم. فلا علاج في إخراجها ولا اعتماد، فإذا كانت قبل حروف الحلق تعذَّر النُّطق بحروف الحلق؛ لأنَّ النون تستدعي ترك الاعتماد, وحروف الحلق تطلب٦ الاعتماد. فإذا بيَّنتَ النون قبلها أمكن إخراجها؛ لأنَّ النون البيِّنة مخرجها من اللسان. فهي أيضًا تطلب الاعتماد٧ كسائر حروف اللسان.
وأمَّا جواز خفائها وإظهارها مع الخاء والغين؛ فلأنهما من أقرب حروف الحلق إلى الفم. فمن أجراهما٨ مُجرى ما تقدَّمهما٩ من حروف الحلق أظهر النون معهما. ومن أجراهما مُجرى ما يليهما١٠ من حروف الفم -وهو القاف والكاف- أخفى النون معهما كما يخفيها مع القاف والكاف.
وأمَّا إخفاؤها مع الخمسةَ عَشَرَ حرفًا من حروف الفم الباقية؛ فلأنها١١ اشتركت معها، في كونها من [حروف] الفم. وأيضًا فإنها، وإن كانت من حروف اللسان، فبالغُنَّة التي فيها التي خالطت الخياشيم اتَّصلت بجميع حروف الفم. فلمَّا١٢ أشبهتها فيما ذكرنا، وكانت قد أُدغمت في بعض حروف الفم. غيَّروها بالإخفاء معها كما غيَّروها بالإدغام والقلب مع