بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثامنة:
ألا لله الحمد كل الحمد، وعلى النبي الكريم وسائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والتسليم. وبعد: فقد رأى النور كتابي هذا منذ ربع قرن، حين كانت المصادر الصرفية المحققة نادرة، فلقي الترحاب والاهتمام والتقدير في الأوساط العلمية، لما يمتاز به من أسلوب مشرق وعرض يسير ونفَس أندلسي لطيف، خلافًا لنظائره التي هي متون مكثفة معقدة، أو شروح على المتون تداخلت فيها الأحكام وتكررت بالتعبير الصلب العنيد.
وتوالت الطبعات من هذا الكتاب، بعون الله تعالى، منسوخة مصورة دون أن يدخلها تعديل جوهري، وأنا أرجع إليها بالمطالعة والمتابعة، أرصد ما فيها من حاجة إلى الإصدار الجديد المتقن القويم، وأجمع الملاحظات والمعلومات اللازمة لذلك. وكان في نشر المصادر الصرفية المتوالية مورد غني، أمدني بكثير من التوجيهات والأضواء الميسرة لما أتطلع إليه. أضف إلى هذا متابعتي دراسة هذا العلم وتدريسه نظريًّا وعمليًّا في الجامعات العربية وغيرها، مما يهيئ لي منافذ للوضوح والدقة والاستيعاب.
ثم جاءت البادرة الطيبة من الزملاء الكرام، المشرفين على "دار مكتبة لبنان" بالرغبة في إخراج الكتاب إخراجه لائقة به في الشكل والمضمون والتدقيق، ليصار إلى إعادة رصف حروفه وتغميره بالجودة والأناقة والغنى العلمي السديد، فكانت فرصة سائغة، يسرت لي أن أجمع شتات ما تناثر لدي من الآمال والرغبات والمراجعات، وأنصرف إلى الإخراجة القديمة المكررة، بالإغناء والتصويب والتسديد.
وأول ما شغلت به هو النصوص الملحَقة بنسخة "فيض الله"، من زيادات ابن عصفور، فقد كان صنف "الممتع" للأمير عبد الله بن عبد العزيز، في إشبيلية بين عامي ٦٢٥ و٦٢٩، في صورة مختصرة بدائية، ثم تابع إغناءه بالمواد العلمية سنة بعد سنة، يُلحقها بحواشي نسخته بخطه، حتى وافته المنية سنة ٦٩٩. وفي خلال ذلك كانت النسخ تتولد من الكتاب، وكل منها يحمل الزيادات التي سجلت آنذاك. ولذا رأينا الخلاف الكبير بين النسخ التي وصلت إلينا نماذج
стр. 2
منها أو من نصوصها، في الزيادة والنقص والتعديل والتصويب، فكان منها ما يحمل صور تطور الكتاب بين يدي مؤلفه وثقافته وعلمه.
والواقع أن أبا حيان النحوي اطلع على الصورة الأخيرة من نسخة المؤلف نفسه، وعبر عنها بالنسخة الجديدة، وأطلق عليها اسم"الممتع الكبير". ذلك لأن ابن عصفور كان قد ألحق بها عشرات وعشرات، من الأحكام والضوابط والأمثلة والتفسير والحجاج والاستدلال، وبعض الأبواب الكاملة مما يحتاج إليه الكتاب، وأجرى تعديلات في كثير من التعبير والاقتباس والإحالات، وصوب بعض الأحكام والقيود والشواهد والأمثلة، وضرب على عدد وافر من النصوص لأنها لا تفي بالمراد. وقد وقف أبو حيان على هذا كله في "الممتع الكبير"، ورأى فيه زادًا غنيًّا تفتقر إليه نسخته التي يمتلكها ويرعاها بالتسديد والعناية، فنقل تلك الزيادات والتعديلات إلى حواشي نسخته، حتى صارت نموذجًا وافيًا بالإخراجة الأخيرة للكتاب، كما أرادها ابن عصفور.
ولما حققت الكتاب في طبعاته الماضية وقفت على تلك الحواشي الغنية، وضقت بما فيها من خروم وغيمومة وتداخل، فاستقيت ما تيسر لي منها وألحقته بالنص، وأشرت إلى الباقي في التعليقات، على أمل أن أجد نسخة كاملة تحل ما في الحواشي من النقائص والصعوبات، ولكن الظروف لم تسعفني بذلك، فرجعت إلى تلك النصوص بالتتبع والتدقيق والتحليل والتركيب، مستأنسًا بالمصادر التراثية المنشورة مؤخرًا، حتى انقادت لي الجمهرة الغفيرة من الحواشي هذه، فأثبتها في مواضعها من النص، وجعلت ما تعذرت قراءته بين معقوفين للدلالة على اجتهادي، أو في عبارات مقتضبة في التعليقات. وبهذا أكون -والحمد لله- قد استوفيت الإخراجة النهائية لكتاب ابن عصفور، وأصبح النص المنشور قبل في غضون ربع قرن من الرعاية والتوجيه والتنمية قد شب عن الطوق، بعد أن كان وليدًا غرًّا، وحق لي أن أجعل اسمه في هذه الطبعة "الممتع الكبير" كما ذكر أبو حيان.
ثم رجعت إلى النص مرارًا بالقراءات المختلفة، لأتلمس مواطن القصور في الطبعات الماضية، وملامح الضعف في مظاهر التحقيق والإخراج والتيسير، فتجمع لدي ألوان غفيرة من ذلك، تقتضي التبصر والتدقيق لإجراء التعديلات اللازمة. وكان عن ذلك أن أصبح للنص توزيع جديد في بعض المواطن، يناسب الملحقات وما تخلل السياق من لفظ، يملأ صحفة أو فقرات أو أسطرًا أو عبارات أو كلمات.
ورصدت ما كان من تطبيعات وخلل في الإخراج، فقومت سبيله وخلصته من شوائبه، فإذا بي أعيد ضبط الكلمات في النثر والشعر بما يناسب الواقع الثقافي الآن، فتُثبَّت الحركات
стр. 3
اللازمة، ويُستغنى عن الفائض الذي يعرقل عمليات القراءة والإدراك والاستفادة من المضمون. وتبع ذلك اهتمام بعلامات الترقيم؛ لأنها في الحقيقة رموز لجمل تعبيرية، توجه القارئ وتساعده على الفهم الدقيق للدلالات والمقاصد، وكان من هذه العلامات تلك الآلاف من الأقواس المتلاحقة، أسقطتها من المتن مستغنيًا عنها بالإشارات البسيطة، لأزيل عن وجه الكتاب ما عقد صورته وبطأ حركة المطالعة والاستفادة، فلم أترك منها إلا النزر اليسير، مما هو ضروري لا يكون عنه عرقة ونتائج سلبية. أضف إلى هذا كله تصويب ما ند عن النساخ، من هنات وأوهام تقتضي التوجيه والتعديل والتقويم.
هذا في النص المحقق. أما متممات التحقيق فقد رجعت إليها بالإغناء والتنمية أيضًا، فيما كان من تعليقات وتوجيهات، ألقت عليها المنشورات التراثية الجديدة لمسات من التصويب والتحقيق والتوضيح، واقتضت الأوضاع الثقافية الحالية نثره في طيات المتممات. ومن ذلك تفسير ما أغفلته قبل من الغريب، كان مألوفًا لدى القراء معناه، وأصبح الآن بحاجة إلى البيان والإيضاح، والأعلام من العلماء الذين تجاوزتُ الترجمة لهم صاروا مجاهيل في ميادين الدراسة والبحث، فكان واجبًا علي أن أعرف بهم أيضًا.
بل إن الشواهد الشعرية خالطها بعض القصور والوهم، لندارة المصادر آنذاك، ثم قدمت المنشورات التراثية الجديدة وجوهًا من الدقة والصواب في ذلك السبيل، فعرفنا أصحاب بعض الأشعار الغفل، وصححنا ما كان قد نسب إلى غير صاحبه. وكذلك الإحالات التي نثرها ابن عصفور وجد كثيرًا منها مصدره الذي نقل عنه، وكان من قبل تائهًا مجهول القرار.
وفي التعليقات أيضًا، أسقطتُ كثيرًا من العبارات التي تمثل تصحيف النساخ وأوهامهم، واكتفيت ببعض النماذج، تشير إلى ما كانت عليه النسخ، مع أنها قد عورضت وصححها علماء أعلام. ثم أضفت بقية الحواشي التي ألحقها أبو حيان وغيره، وهي كثيرة جدًّا تقدم للنص خدمة كبيرة، وتطلعنا على مصادر تراثية بعضها ما زال مجهولًا. وتزودنا بالبيان والتفسير والتوجيه والتقويم.
تلك هي الصورة الجديدة لـ "الممتع الكبير" أضعها بين أيدي الدارسين والباحثين والمحققين، آملًا أن تجد لها ما يناسبها من التقدير والعناية والاهتمام، وشاكرًا للمسؤولين عن "مكتبة لبنان" هذه البادرة الطيبة، التي فتحت لي باب العودة إلى كتابي الغالي، ليكون في ثوبه التام الأنيق الرصين. والحمد لله رب العالمين.
حلب في ١٨ من رجب سنة ١٤١٤
١ من كانون الثاني سنة ١٩٩٤ الدكتور فخر الدين قباوة
стр. 4
تمهيد:
وقفت، في زيارتي لإستانبول عام ١٩٦٣، على نسخة مخطوطة من كتاب "الممتع" في مكتبة "مراد ملّا"، فثبت لديّ أن ما ذكره المؤرخون عن هذه النسخة صورة مصغرة بالميكروفيلم، على أمل أن أتابع النسخ الأخرى، في مكتبات أُخر.
وقد تبين لي بعد المراجعات المتتابعة لهذه النسخة، أنها مخرومة ناقصة، لا يمكن الاعتماد عليها، في المعرفة التامة لهذا الكتاب. ولذلك كنت أشد حرصًا على تتبع ما يمكن أن يعثر عليه من النسخ، حتى وقفت على نسخة مخطوطة في مكتبة "فيض الله"، فكانت بحقّ الضالة التي أنشدها، لما تمتاز به من تمام وتوثيق وضبط. ثم وقفت على نسخة أبي حيان "المُبدع"، فشعرت أن أصول العمل العلمي قد توافرت، فلا بد من الشروع به، ليخرج إلى محبي العربية وخدمتها، بثوب يليق به وبمؤلفه. وهأنذا أدفع به إلى المطبعة، بعد أن حمَّلته، من الجهود والعناء والصبر، ما لا يقدّره إلا الله. فهو حسبي، ونعم الوكيل.
стр. 5
ابن عصفور:
هو أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد النحوي الحضرمي الإشبيلي. ولد في مدينة إشبيلية من بلاد الأندلس سنة ٥٩٧هـ - ١٢٠٠م، وأخذ النحو والأدب واللغة من أشهر علماء عصره هناك. ولما بلغ من العلم منزلة الأستاذية شرع يدرّس علوم العربية في إشبيلية، ثم في حواضر الأندلس مدن: شَريش ومالَقة ولُورَقة ومُرسية. وكان يملي مصنفاته من حفظه دون كتاب. وهي الشروح التي وضعها على: الجمل للزجاجي، والإيضاح لأبي علي الفارسي، والمقدمة الجُزُولية، وكتاب سيبويه ...
ثم انتقل ذكره إلى المغرب، فودع الأندلس وجاز إلى مُرّاكش، يقيم في حواضرها ويملي مصنفاته، ثم انتقل إلى تونس، حيث أكرمه أمير المؤمنين المستنصر بالله محمد بن أبي زكرياء، واصطحبه في رحلاته ومجالسه، يشجعه على الإقراء والتعليم. وقد حن إلى وطنه فعاد إلى بعض مدن الأندلس، ثم عاد إلى مُرّاكش ومنها إلى تونس، حيث أقام في عاصمتها حتى توفي سنة ٦٦٩هـ - ١٢٧٠م، ودفن في مقبرة ابن مهنّا قرب جبانة الشيخ ابن نفيس.
وقد اختُلف في سبب وفاته، والراجح ما رواه الزركشي. وهو أن ابن عصفور١ كان في مجلس السلطان آنذاك، من أحد أيام الشتاء، في رياض أبي فهر قرب الجابية الكبيرة. وهي حوض ضخم. ولما افتخر السلطان بما في مملكته من مظاهر العظمة قال ابن عصفور، يذكّره فضل العلماء في ذلك: "بنا وبأمثالنا". فغضب السلطان وأمر بعض رجاله أن يلقوه بثيابه في الجابية، ويطيلوا بقاءه فيها. وبعد خروجه منها أصابته حمى شديدة، لبث فيها ثلاثة أيام، ثم قضى نحبه. ورثاه القاضي ابن المنير ناصر الدين أحمد بن محمد المالكي المتوفى سنة ٦٨٣، ببيتين زعم فيهما أن النحو انتهى بوفاته.
وذكر في تاريخ حياته أنه كان حامل لواء العربية في عصره، وأصبر الناس على المطالعة، لا يملّ
стр. 6
من ذلك، وأنه لم يكن ذا ورع، وهو يرتاد مجالس الشراب ويصبغ لحيته ورأسه بالحناء. وزعم بعض المؤرخين أنه لم يكن عنده ما يؤخذ عنه غير النحو، ولا تأهل لغيره من علوم العربية. ولكن ما سنذكره، من شيوخه وتلاميذه ومصنفاته، يدل على علم بالأدب أيضًا والنقد ونظم الشعر.
فقد لازم رئيس نحاة الأندلس أبا عليّ الشلوبين عمر بن محمد الأزدي المتوفى سنة ٦٤٥، لازمه عشر سنين، وقرأ عليه كتاب سيبويه. وكان من شيوخه أيضًا المقرئ العالم باللغة والأدب أبو الحسن الدباج علي بن جابر اللخمي المتوفى سنة ٦٤٦، ومن تلاميذه أبو الفضل الصفار قاسم بن علي الأنصار البطَلْيَوسي المتوفى بعد سنة ٦٣٠، وأبو عثمان الطَّبيريّ سعيد بن حكم القرشي النحوي الأديب الشاعر الناثر الفقيه المحدث المتوفى سنة ٦٨٠، وأبو عبد الله الشلوبين الصغير محمد بن علي الأنصاري المالَقي النحوي المقرئ الذي توفي سنة ٦٧٠، وابن سعيد المدلجي أبو الحسن علي بن موسى الغرناطي الأديب المؤرخ للأدب المتوفى سنة ٦٨٥، وأبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي النفزي، العالم المشهور في القراءة والتفسير واللغة والحديث والأصول والفروع والبلاغة والتراجم المتوفى سنة ٧٤٥.
أما مصنفاته، فما طبع منها:
١- الممتع في التصريف: حققته على نسخ خطية، ونشر سنة ١٩٧٠م، وصدر منه عدة طبعات. وقد صنف ابن عصفور هذا الكتاب مختصرًا، وقدمه إلى الأمير أبي بكر عبد الله بن أبي الأصبغ حاكم إشبيلية، ثم ألحق به زيادات كثيرة، جعلت أبا حيان يطلق عليه اسم "الممتع الكبير". وقد علق عليه ابن مالك صاحب الألفية نقودًا كثيرة، أضاف إليها أبو حيان أكثر منها، ثم اختصره في كتاب سماه "المبدع الملخص من الممتع" ونُشِرَ في الكويت سنة ١٩٨٢م، بتحقيق عبد الحميد سيد طلب.
٢- المقرَّب في النحو: حققه عبد الستار الجواري وعبد الله الجبوري، ونشر سنة ١٩٧١م. وقد ألفه ابن عصفور للأمير يحيى بن عبد الواحد الهنتاتي جد الحفصيين، ثم عاد إليه بالشرح والتفصيل في مؤلف آخر لم يتيسر له إنجازه، واستل من المقرب المُثُل والمسائل المشكلة، وشرحها مع إيراد الأمثلة الأخرى في كتاب سماه "مُثُل المقرب"، ألفه للخاصة من العلماء سنة ٦٤٧هـ. وقد حققه عبد الرحمن بن محمد العمّار، ثم أحمد حسن كحيل.
واختصر أبو حيان أصل الكتاب في مصنف اسمه "تقريب المقرب"، حققه عفيف عبد الرحمن ونشر في بيروت سنة ١٩٨٢م. ولما رأى أبو حيان غموض مختصره هذا، وعسره على الطلبة، شرحه مع تعقب لابن عصفور وتفسير لدقائقه، في كتاب سماه "التدريب في تمثيل التقريب". وروى أبو حيان مقطوعة من الشعر لابن تُولُو القرشي المتوفى سنة ٦٨٥هـ، يقرّظ بها
стр. 7
كتاب المقرب ويَمتدح ابن عصفور.
وقد شرح المقرب أيضًا كل من بهاء الدين محمد بن إبراهيم النحاس المتوفى سنة ٦٩٨، وتاج الدين أحمد بن عثمان التركماني المتوفى سنة ٧٦٨. ولتاج الدين نفسه تعليقة لطيفة على شرح ابن عصفور لكتابه "المقرب". وفي عصرنا هذا شرحه علي محمد فاخر باسم "شرح المقرب لابن عصفور"، ونشره في القاهرة سنة ١٩٩٠م. ويعمل خيري عبد الراضي عبد اللطيف في تحقيق القسم الأول من شرح ابن النحاس.
وكان قد تعقب المقرب بالنقد والتجريح كل من ابن مؤنس القابسي، وابن هشام، وابن الحاج أحمد بن محمد المتوفى سنة ٦٤٧ في كتابه "الإيرادات على المقرب"، وابن الضائع المتوفى سنة ٦٨٠، وإبراهيم بن أحمد الأنصاري الجزري في كتابه "المنهج المعرَّب في الرد على "المقرب"، وحازم القرطاجني الخزرجي المتوفى سنة ٦٨٤ في كتابه سنة ٦٨٤ في كتابه "شد الزُّنَّار على جحفلة الحمار"، والمالقي أحمد بن عبد النور المتوفى سنة ٧٠٢.
٣- الشرح الكبير: وهو أكبر شرح لابن عصفور على كتاب "الجمل في النحو" للزجاجي، يسمى "أحكام ابن عصفور". حققه صاحب أبو جناح، ونشر في بغداد سنة ١٩٨٠م. وكان أبو حيان قد اختصر هذا الكتاب. ورتبه ترتيب أبواب "المقرب" وسماه "الموفور في تحرير أحكام ابن عصفور". وقد وهم بعض المعاصرين، فظن "الموفور" اختصارًا لشرح ابن عصفور على المقرب.
٤- ضرائر الشعر: حققه السيد إبراهيم محمد، ونشر في بيروت سنة ١٩٨٠م أيضًا.
وما لم يطبع من مصنفاته، وفي المكتبات الخطية نسخ مخطوطة، من بعضه:
١- الأزهار.
٢- إنارة الدياجي.
٣- البديع: وهو شرح على المقدمة الجُزُولية التي صنفها أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي المتوفى سنة ٦٠٧، وعرفت باسم "القانون". وهي مقدمة موجزة جدًّا في النحو، وصفها العلماء بالعسر والغرابة، وكان الجزولي نفسه قد شرحها أيضًا.
٤- سرقات الشعراء.
٥- شرح أبيات الإيضاح.
٦- شرح الأشعار الستة: وهو شرح لدواوين: امرئ القيس، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي
стр. 8
سلمَى، وعلقمة الفحل، وطرفة بن العبد، وعنترة بن شداد.
٧- شرح الإيضاح: والإيضاح كتاب نحوي لأبي علي الفارسي المتوفى سنة ٣٧٧، عرف باسم "الإيضاح العضدي". وفي خزانة الأدب وشرح أبيات المغني للبغدادي نُقُول من شرح ابن عصفور هذا.
٨- شرح الإيضاح الشعري.
٩- الشرح الأوسط: وهو شرح متوسط الحجم لكتاب "الجمل في النحو" للزجاجي.
١٠- شرح الحماسة: وهو شرح على "ديوان الحماسة" الذي جمعه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي المتوفى سنة ٢٣١.
١١- شرح ديوان المتنبي: وهو شرح لشعر أبي الطيب أحمد بن الحسين المتوفى سنة ٣٥٤.
١٢- الشرح الصغير: وهو شرح موجز على "الجمل في النحو" للزجاجي.
١٣- شرح الكتاب: وكان ابن عصفور قد لزم شيخه أبا علي الشلوبين عشر سنين، قرأ عليه فيها بعض الكتب النحوية، وكتاب سيبويه المتوفى سنة ١٨٠، ثم تصدر لتدريس هذا الكتاب وإقرائه، وعلق عليه شرحًا نقل منه البغدادي بعض النصوص في "خزانة الأدب". وكان ابن الحاج أبو العباس أحمد بن محمد الإشبيلي يقول معرضًا بابن عصفور: إذا مت فعل أبو الحسن ابن عصفور في كتاب سيبويه ما أراد، فإنه لا يجد من يرده.
١٤- شرح المقدمة: وهو شرح على المقدمة النحوية التي صنفها ابن عصفور نفسه.
١٥- مختصر الغُرّة.
١٦- مختصر المحتسَب: وهو اختصار لـ "المقدمة المحتسبة" في النحو، التي ألفها ابن بابشاذ طاهر بن أحمد النحوي المتوفى سنة ٤٦٩.
١٧- مفاخرة السالف والعذار.
١٨- المفتاح.
١٩- مقدمة في النحو: وهي مصنف موجز في النحو، شرحه ابن عصفور نفسه فيما ذكرنا تحت رقم ١٤.
٢٠- مقطوعات شعرية.
стр. 9
٢١- الهلال أو الهلالية.
ونسب إليه في بعض كتب المعاصرين من المصنفات ما يلي:
١- إيضاح المشكل: وهو شرح لكتاب "المغرب في ترتيب المُعْرب"، لأبي الفتح المطرزي ناصر الدين ابن عبد السيد الخوارزمي الحنفي، المتوفى سنة ٦١٠.
٢- السلك والعنوان ومرام اللؤلؤ والعقيان: وهو أرجوزة في النحو، مع شرح لها.
٣- المقنع في النحو.
٤- منظومة في النحو: شرحها صدقة بن ناصر بن راشد الحنبلي، سنة ١٠١٦.
والناظر فيما نشر من مصنفات ابن عصفور، وعناوين ما صحت نسبته إليه مما لم ينشر، يجد نشاطًا واسعًا في دراسة النحو والصرف واللغة والأدب، وإنتاجًا أدبيًّا في النثر والشعر والرجز. ولهذا قيل عنه: إنه كان علمًا في اللغة ريّان في الأدب، في الطبقة الأولى من أعلام إشبيلية، وحامل لواء العربية في زمانه بالأندلس، وإمامًا في المغارب والمشارق، وحيث حل فعلمه نازل بالمحل الرفيع ومقابَل بالبر الفائق.
أما أعماله النحوية فكانت تسير فيما خطَّه قدماء النحاة، من مذهب التحقيق. وهو يقوم على اتخاذ سبيل بين طريقي البصرة والكوفة، لاختيار الرأي المدعوم بالدليل. فإن كان دليل الطرفين ضعيفًا، وتبدَّى للباحث ما هو أصح، بذل في المسألة اجتهاده ووضع حكمًا جديدا بعيدًا عن المذهبين. ولذا كان ابن عصفور يختار في مصنفاته ما رجحته الأدلة، من أقوال البصريين والكوفيين والبغداديين، ويضيف أحيانًا ما انفرد به هو، من الأحكام والضوابط والتعليل والتفسير.
وكان لمذهب التحقيق هذا في تاريخ النحو بذور، لدى قدماء البصريين كالمبرّد، حين تصدى للرد على مسائل من كتاب سيبويه، بما استدل به الأخفش وغيره. ثم جاء ابن كَيسانَ والزجاجي والفارسي يوسعون هذه الدائرة، عاملين بما رسمه المازني في قوله: "إذا قال العالم قولًا متقدمًا فللمتعلم الاقتداء به، والاحتجاج لقوله، والاختيار لخلافه إن وجد لذلك قياسًا". واتسعت بذلك رقعة مذهب المحقّقين في النحو لدى المتأخرين كالرضيّ وابن عصفور وابن مالك وابن هشام، حتى عبر عنه أبو حيان بوضوح في قوله: "ولسنا متعبدين باتباع مذهب البصرة، بل نتبع الدليل".
стр. 10
المصادر والمراجع:
١- ابن عصفور والتصريف لفخر الدين قباوة، بيروت ١٩٨١.
٢- أخبار التراث العربي ١٩: ١٤ و٢٨: ٢٣.
٣- اختصار القدح المُعلّى لمحمد عبد الله، القاهرة ١٩٥٩ ص٢٢ و١٥٥.
٤- أسماء الكتب لعبد اللطيف بن محمد، دمشق ١٩٨٣ ص٢٨٩.
٥- الأعلام لخير الدين الرزكلي القاهرة ١٩٥٩، ٥: ١٧٩.
٦- إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي طهران ١٩٤٧، ١: ٥٢٧.
٧- بغية الوعاة لجلال الدين السيوطي القاهرة ١٣٢٦ ص٣٥٧.
٨- تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان القاهرة ١٩٧٥، ٥: ٢٤٨ و٣٦٦.
٩- تتمة المختصر في أخبار البشر لابن الوردي، القاهرة ١٢٨٥، ٢: ٢٢٠.
١٠- تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية لمحمد بن إبراهيم الزركشي تونس ١٢٨٩ ص٢٩، ٣٠.
١١- الجنى الداني في حروف المعاني لابن أم قاسم المرادي، بيروت ١٩٨١ ص٢٤٤.
١٢- الذيل والتكملة لأبي عبد الله المراكشي، بيروت ٥: ٣١٣، ٤١٤.
١٣- روضات الجنات لمحمد بن باقر الموسوي سنة ١٣٤٧ ص٤٩٣.
١٤- شذرات الذهب لابن العماد، مكتبة القدسي ١٣٥١، ٥: ٣٣٠، ٣٣١.
١٥- شرح جمل الزجاجي لابن عصفور بغداد ١٩٨٠.
١٦- شرح المقرب لعلي محمد فاخر القاهرة ١٩٩٠.
١٧- صلة الصلة لأبي جعفر بن الزبير بيروت ص ١٤٢.
١٨- ضرائر الشعر لابن عصفور بيروت ١٩٨٠.
١٩- عنوان الدراية لأحمد بن أحمد الغبريني، الجزائر ١٩١٠ ص١٨٨، ١٩٠.
٢٠- فهرسة المكتبة الخديوية القاهرة ٤: ١١٣.
٢١- فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي القاهرة ١٩٥١، ٢: ١٨٤، ١٨٥.
٢٢- كشف الظنون للحاج خليفة طهران ١٩٤٧ ص٥٢٧ و٦٠٣ و١٠٤١ و١٦٢١ و١٨٠١ و١٨٠٥ و١٨٢٢.
٢٣- مجلة حوليات جامعة القديس يوسف بيروت ١٩٨٩ ص٣٢١، ٣٢٦.
٢٤- معجم المؤلفين لعمر رضا كحَّالة، بيروت ٧: ٢٥١.
٢٥- مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زاده، حيدر آباد ١٣٢٩، ١: ١١٨.
٢٦- المقرب في النحو لابن عصفور، بغداد ١٩٧١.
٢٧- الممتع في التصريف لابن عصفور، بيروت ١٩٨٧.
٢٨- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري، بيروت ١٩٦٨، ٢: ٢٠٩ و٢٧١، ٢٧٢ و٧٠١ و٣: ١٨٤ و٤: ١٤٨ و٥: ٨٢.
٢٩- هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي، طهران ١٩٤٧، ١: ٧١٢.
٣٠- الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي ١٢: ٢١٨، ٢١٩.
٣١- الوفيات لابن قنفذ، بيروت ١٩٧٢ ص٣٣١.
стр. 11
النسخ المخطوطة:
صنف أبو الحسن كتاب "الممتع" وقدمه إلى الأمير أبي بكر عبد الله بن أبي الأصبغ عبد العزيز بن صاحب الرد، وقد صرح بذلك في خطبة كتابه وأشاد بالأمير إشادة بالغة.
والمشهور أن هذا الأمير١ شاعر أديب، ذواقة لأطراف العلوم، ولّاه ابن هود على رُندة، ثم سار إلى إشبيلية، وطرد والي ابن هود واستبد بها، واتفق وابن الأحمر على ابن هود. ولكن ابن الأحمر غدر به، وقتله عام ٦٣١.
وإذا استأنسنا بحياة الأمير أبي بكر، استطعنا أن نحدد التاريخ التقريبي، لتصنيف كتاب "الممتع". فالمعروف أن ابن هود تلقب بالمتوكل على الله سنة ٦٢٥، وانفصل٢ عنه أبو بكر عام ٦٢٩، حين ثار عليه في إشبيلية وطرد واليه. ولما كان ابن عصفور يشيد بأبي بكر٣، "الذي بذل جهده في نصر هذه الدعوة النبوية، ولم يأل جهده في عضد هذه الدولة المتوكلية"، فإن من البديهي أن يكون قد صنف هذا الكتاب، خلال السنوات التي كان فيها أبو بكر مخلصًا لابن هود المتوكل على الله. وذلك بين عامي ٦٢٥ و٦٢٩.
وقد بسط ابن عصفور مسائل التصريف، في هذا الكتاب، بسطًا مُسهَبًا مدعومًا بالتعليل والتفسير والحجاج والأدلة والشواهد، فكان من أشهر كتبه، ومن أمثل كتب الصرف المطولة،٤ حتى قل أن يخلو من مسائله كتاب من كتب المتأخرين. وكان أبو حيان النحوي شديد الإعجاب به، يقدمه على ما سواه، ولا يفارقه في الحل والترحال٥؛ لأنه كما يقول٦: "أحسن ما وضع في هذا الفن ترتيبًا، وألخصة تهذيبًا، وأجمعه تقسيمًا، وأقربه تفهيمًا".
стр. 12
ومن مظاهر عناية أبي حيان به أنه علق عليه تعليقات عظيمة الأهمية، ثم لخصه في كتاب سماه "المبدع في التصريف". وكان ابن مالك، صاحب الألفية، قد علق على "الممتع" نقودًا كثيرة، وقد استوفينا أكثر تعليقات ابن مالك وأبي حيان، فأثبتناه في حواشي النص إتمامًا للفائدة.
أما النسخ المخطوطة التي اعتمدتها في التحقيق فإليك وصفها١:
نسخة فيض الله "ف":
تحتفظ بها مكتبة "فيض الله" بإستانبول تحت رقم ٢٠٥٢. وهي في ٧٣ ورقة قياس ١٦×٢١ سم، وفي كل صفحة ٢٧ سطرًا، بخط مغربي جيد. ومنها صورتان مصغرتان على الميكروفيلم، في معهد المخطوطات بالجامعة العربية، تحت الرقمين ٩ و٢٠ من قسم الصرف.
على الورقة الأولى من النسخة "تصريف الأستاذ أبي الحسن بن عصفور أكرمه الله. وهو الذي سماه بالممتع في التصريف". وقُبالة ذلك: "كتبه لنفسه حسن بن محمد ... ". ويلي هذا عدة تملُّكات، انتهت بانتقال ملكية النسخة إلى شيخ الإسلام فيض الله، الذي أثبت عليها خاتمه: "وقف شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي -غفر الله له ولوالديه- بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢".
وكان أبو حيان النحوي تملك هذه النسخة، من قبل، وحملها معه إلى القاهرة، حيث قابلها قراءة بنسخة شيخه رضي الدين محمد بن علي الأنصاري الأندلسي. وقد أثبت هذه المقابلة في ختام النسخة كما يلي: "قابلت جميع هذا الكتاب مع شيخنا الإمام اللغوي الحافظ حجة العرب أوحد العصر، رضي الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الأندلسي الشاطبي. قاله كاتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن حيان النفزي الأندلسي الجياني نزيل القاهرة ... ".
يضاف إلى هذا أن أبا حيان عارض قسمًا من هذا الكتاب، بنسخة بخط ابن عصفور نفسه، وصوب بعض العبارات، نقلًا من تلك النسخة. وعارض أبو حيان هذا الكتاب أيضًا بنسخ أخرى، منها:
стр. 13
١- نسخة ابن الزبير.
٢- نسخة ابن الخفاف.
٣- نسخة الخزرجي.
٤- نسخة الكرماني.
وبذلك أصبحت نسخة أبي حيان رفيعة القدر، ذات قيمة علمية منقطعة النظير، فهي تمثل أكثر من عشر نسخ قديمة، منها نسخة بخط المؤلف.
ومما يذكر ههنا أن أبا حيان، وغيره من العلماء، حلوا هذه النسخة بتعليقات على النص، بعد أن اتخذنا هذه النسخة أصلًا للتحقيق، ورمزنا إليها بالحرف "ف".
نسخة مراد ملّا "م":
تحتفظ مكتبة "مراد ملّا" في إستانبول بهذه النسخة التي تضم ٩٥ ورقة من القطع المتوسط، في كل صفحة منها ١٧ سطرًا. وفي الصففة الأولى منها: "ممتع في الصرف، تأليف الفقيه الأستاذ أبي الحسن بن عصفور من أهل مدينة إشبيلية، إمام علم العربية. ﵀ وعفا عنه". وفي الصفحة الأخيرة: "كمل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله، وكان الفراغ منه يوم الخميس، الخامس عشر لشهر شوال، من عام خمسة وثلاثين وسبعمائة".
وقد كُتبت هذه النسخة بخط حسن، كثر فيه الخطأ والتصحيف والتحريف، ولم تُعارَض بالأصل الذي نقلت منه. ونحن نرجح أن ذلك الأصل يرجع إلى ما هو أقدم من الأصل الذي نقلت منه نسخة "فيض الله"؛ لأن الخلافات بين النسختين أثبتت أن نسخة "فيض الله" اعتمدت أصلًا، يضم زيادات وتنقيحات وتصويبات، للمؤلف، لم تصل إلى نسخة "مراد ملّا".
نضيف إلى هذا أن نسخة "مراد ملّا" هذه قد اختُرمت نصوصها: في مواطن كثيرة،١ وبعض هذه الخروم طويل جدًّا. يستغرق صفحات، بل عشرات من الصفحات، وأظهرها سقوط بابين كبيرين، هما "باب أحكام حروف العلة الزوائد"، و"باب القلب والحذف على غير قياس". وتحت كل منهما بضعة أبواب فرعية٢. وقد حاول أحد العلماء أو النساخ أن
стр. 14
يعوّض بعض هذه الخروم، فكان في النسخة عدة مواطن، كُتبت بقلم يخالف خط الأصل١.
بيد أن هذه النسخة على رداءتها ونقصها، ساعدت في تحقيق الكتاب، فقومت بعض العبارات، وملأت بعض الثغرات المطموسة في نسخة "فيض الله"، وكان الرمز إليها بالحرف "م".
نسخة المُبدِع:
كان أبو حيان النحوي شديد الإعجاب بكتاب "الممتع" كثير الاهتمام به، حتى إنه كان لا يفارقه. وقد رأينا في وصف نسخة "فيض الله" كثرة العناية التي أولى بها أبو حيان هذا الكتاب، من مقابلته قراءة على شيخه رضي الدين الأنصاري الأندلسي، ومعارضته بالنسخ الكثيرة التي منها قطعة بخط المؤلف، وتعقبه بزيادات وشروح ونقود.
وقد توّج أبو حيان عنايته هذه، بأن لخص كتاب "الممتع" بنفسه، فاختزل عباراته، وأسقط شواهده، وما فيه من احتجاج وجدل واستطراد، وقدم وأخر في بعض مقاصده، تبعًا لتنسيقه الخاص في عرض المادة، دون أن يجري في تلك المادة تنقيحًا أو تصويبًا يذكر. وقد سمى مختصره هذا "كتاب المبدع في التصريف".
ولما كان في نسختي "فيض الله" و"مراد ملّا" خروم وتصحيفات وعبارات، غائمة أو مطموسة، فإنني استعنت بنسخة مخطوطة من كتاب "المبدع"، فعارضت بها وبما علق عليها من حواشٍ بعض المواطن من "الممتع"، لتصويب النص وإتمامه.
والنسخة التي اعتمدتها هي بخط أبي حيان. فقد جاء في آخرها: "تم كتاب المبدع، غدوة الجمعة التاسع والعشرين لشهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وستمائة، على يدي ملخصه أبي حيان وبخطه". وهي بخط مغربي جميل واضح، تقع في ٣٨ ورقة، وتضم الصفحة الواحدة ١٥ سطرًا. والنسخة هذه محفوظة في دار الكتب المصرية، ضمن مجموعة بخط مؤلفها، تحت الرقم ٢٤ ش٢.
تستهل هذه النسخة بالخطبة التالية: "قال أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان: حمدًا لك اللهم على ما منحتناه وشكرا، وسترًا لما اجترحناه وغفرا، وصلاتك وسلامك على من أنزلت عليه القرآن ذكرى، وبعثته هاديًا للورى سودًا وحمرًا. وبعد فإن علم التصريف يلطف إدراكه على ذوي الأفهام، ويشرف المتحلي به على سائر الأنام، إذ هو أشرف شطري اللسان
стр. 15
العربي، وأجمل ذخيرة الفاضل النحوي، ولغموضه قل فيه التصنيف والخلاف، ولم تتوارد عليه الأفهام فيكثر فيه الاختلاف. وليس كعلم الإعراب الذي ازدحم على منهله الوارد، وترنقت بعد صفوها منه الموارد، فلا يتميز فيه الفاضل إلا عند أفراد الرجال، ولا يظهر فيه السابق إلا عند ضيق المجال. وما أحد ممن نظر في الإعراب أدنى نظر إلا وهو مدعٍ فيه، وموهم الأغمار أنه يحسنه ويدريه.
ولقد أخذنا هذا الفن، بعد أخذ علم الإعراب، عن أستاذنا أبي جعفر ابن الزبير، وتلقناه من فيه لا من كتاب، حفظًا وعرضًا ونقلناه عنه شفاهًا رطبًا غضًّا، في مدة شهور يُدِرّ بنا في مسالكه الصعاب، ويوغل بنا في أبعد المذاهب وأشغب الشعاب، إلى أن امتطيناه ذلولًا، وهبت لنا زعزعه قبولًا، وجنبناه سلس القياد، وإن كان أبيًّا، واقتدْناه طوع المراد، وإن كان عصيًّا.
ولما كان كتاب "الممتع" أحسن ما وضع في هذا الفن ترتيبًا، وألخصه تهذيبًا، وأجمعه تقيسمًا، وأقربه تفهيمًا، قصدنا في هذه الأوراق ذكر ما تضمنه من الأحكام بألخص عبارة وأبدع إشارة، ليشرف الناظر فيه على معظمه في أقرب زمان، ويسرّح بصيرته في عقائل حسان. وسميته بالمبدع الملخص من الممتع، ولم أتعرض للتنبيه على ما فيه من الاعتراض، بل أبرزته بين المغضي عنه والراض. وإن فسح الله لي في العمر، وساعدني سابق القدر، وضعت في علم التصريف ما أنا له آمل، وعلى تحصيل مواده من قديم الزمان عامل. والله يبلغنا فيما أملنا من ذلك الأمنية، ويخلص لنا في العلم والعمل النية. لا مرجو إلا ثوابه، ولا محذور إلا عقابه".
وإذا أردنا أن نتبين الصورة التقريبية لعمل أبي حيان في ملخصه، فحسبنا أن نعارض باب "التمثيل" في الممتع، بما يقابله في المبدع. وهو قول أبي حيان١: "التمثيل: تقابل الأصول بالفاء والعين واللام، فإن لم تفن الأصول كررت اللام حتى تفنى. والزوائد إن لم تتكرر من لفظ الأصل بقيت في المثال، أو تكررت وزنْتَها بالحرف الموزون به الأصل. وزعم الكوفيون أن نهاية الأصول ثلاثة، فما زاد من رباعي أو خماسي فزائد. وذهب الكسائي إلى أن الزائد في الرباعي ما قبل الآخر. واختلفوا؛ فمنهم من لا يزن الكلمة، ومنهم من يزن ويُبقى الزائد في المثال".
стр. 16
منهج التحقيق:
اعتمدت نسخة "فيض الله" من الممتع، فرمزت إليها بحرف "ف" وجعلتها أصلًا للنص، ثم عارضت النص بنسخة "مراد ملّا" التي رمزت إليها بحرف "م"، مستعينًا بنسخة أبي حيان من "المبدع"، في تصويب بعض العبارات وإتمامها. وقد ذيلت النص بما يلي:
١- إثبات الخلاف بين النسخ.
٢- تفسير المفردات الغربية.
٣- التعريف ببعض الأعلام.
٤- ذكر أسماء المصادر التي استقى منها المؤلف في كل قسم أو باب أو مسألة.
٥- إثبات أسماء المصادر التي عرضت لما بسطه ابن عصفور.
٦- تخريج الشواهد القرآنية، والشعرية، والنثرية من حديث أو أثر، مع إتمام البيت الشعري بزيادة بين معقوفين.
٧- إثبات ما لم يُخترم من حواشي نسخة "فيض الله" التي علقها أبو حيان النحوي أو غيره.
حلب ١٥/ ٨/ ١٩٦٨م
٢١/ ٥/ ١٣٨٨هـ
الدكتور فخر الدين قباوة
стр. 17
من نسخة فيض الله "ف"
стр. 18
من نسخة فيض الله "ف"
стр. 19
من نسخة مراد ملا "م"
стр. 20
من نسخة المبدع
стр. 21
خطبة الكتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم١
الحمد لله الذي لم يُستفتح بأفضل من اسمه كلام، ولم يُستنجح بأجمل من صنعه مَرام٢، جاعل الحمد مفتتح قرآنه، وآخر دعوى أهل جنانه. أحمده -سبحانه- على أن جعلنا خير أمة٣، وأنطقنا بلسان أهل الجنة؛ حمدًا يؤنس وحشي النعم من الزوال، ويحرسها من التغير والانتقال٤.
والصلاة على خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات، محمد نبي الله٥ وخيرته من خلقه، وحجته في أرضه، الصادع بالرسالة، والمبالغ في الدلالة، وعلى آله الطيبين الأخيار، الطاهرين الأبرار، الذين أذهب عنهم الأرجاس، وطهرهم من الأدناس، وجعل مودتهم أجرًا له على الناس.
وبعدُ٦، فإني لما رأيت النحويين قد هابوا لغموضه٧ علم التصريف، فتركوا التأليف فيه والتصنيف، إلا القليل منهم فإنهم قد وضعوا فيه ما لا يُبْرِدُ غليلا، ولا يحصل لطالبه مأمولا، لاختلال ترتيبه، وتداخل تبويبه، وضعت في ذلك كتابًا رفعت فيه من علم التصريف شرائعه، وملَّكتُه عاصيَه وطائعَه، وذللته للفهم بحسن الترتيب، وكثرة التهذيب لألفاظه والتقريب، حتى صار معناه إلى القلب أسرع من لفظه إلى السمع، فلما أتيت به على القِدْح٨، ممتنعًا عن القَدْح،
стр. 22
مُشبِهًا للروض في وشي ألوانه، وتَعمُّم أفنانه، [٢أ] وإشراق أنواره، وابتهاج أنجاده وأغواره، والعقد في التئام وصوله، وانتظام فصوله، سميته بـ "الممتع"، ليكون اسمه وَفق معناه، ومترجمًا عن فحواه١، ووسمته باسم من إن ذكرت العلوم فهو مالك عنانها، وفارس ميدانها، أو ذكرت السماحة فهو تاريخها وعنوانها، وحدقتها وإنسانها، أو عُدَّ المجد الموروث والمكتسب فناهيك به شرفًا سابقًا، وبأوائله فخرًا في فلك المجد سامقًا، الذي بذل جِدَّهُ٢ في نصر هذه الدعوة النبوية، ولم يألُ جهده في عضد هذه الدولة المتوكلية. أدام الله للمسلمين بركتها. فريد دهره، ووحيد عصره، أبو بكر ابن الشيخ الأكرم، العالم العلم، أبي الأصبغ بن صاحب الرد٣. أدام الله علاءهم، وأنار بنجوم السعد سماءهم٤. [٢ب] .
стр. 23
المقدمة
ذكر شرف علم التصريف وبيان مرتبته في علم العربية
...
ذكر شرف علم التصريف، وبيان مرتبته في علم العربية: ١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا.
لتصريف٢ أشرف شطري العربية وأغمضهما:
فالذي يبين شرفه احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية، من نحوي ولغوي، إليه أيما حاجة؛ لأنه ميزان العربية؛ ألا ترى أنه قد يؤخذ جزء كبير من اللغة بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف، نحو قولهم: "كل اسم في أوله ميم زائدة مما يعمل به وينقل فهو مكسور الأول، نحو: مطرقة ومروحة، إلا ما استثني من ذلك". فهذا لا يعرفه إلا من يعلم أن الميم زائدة، ولا يعلم ذلك إلا من جهة التصريف. ونحو قولهم: "إن المصدر من الماضي٣، إذا كان على وزن أفعل، يكون مفعلًا بضم الميم وفتح العين. نحو: أدخلته مدخلا"؛ ألا ترى أنك لو أردت المصدر من "أكرمته"، على هذا الحد، لقلت: "مكرمًا" قياسًا، ولم تحتج٤ فيه إلى السماع، إذا علمت أن "أكرم": "أفعل"؟ ألا ترى٥ أن ذلك كله لا يُعرف إلا بالتصريف؟ وأشباه ذلك كثير.
ومما يبين شرفه أيضًا أنه لا يوصل إلى معرفة الاستقاق إلا به؛ ألا ترى أن جماعة من المتكلمين امتنعوا من وصف الله -سبحانه٦- بـ "حنان"، أنه من الحنين، والحنة٧ من صفات البشر الخاصة بهم، تعالى الله عن ذلك؟ وكذلك امتنعوا أيضًا من وصفه بـ "سخي"، لأن أصله من الأرض السخاوية وهي الرخوة. بل وصفوه بـ "جواد"؛ لأنه أوسع في معنى العطاء،
стр. 24
وأدخل في صفة العلاء. وامتنعوا أيضًا من وصفه ب"الدَّاري"، وإن كان من العلم، لأن أصله من الدَّرِيَّة. وهي شيء يضعه الصائد لضرب من الحِيلة والخديعة١. فكأن ما يقدمه٢ الذي يريد أن يتوصل إلى علم شيء، من الأدلة بمنزلة الدرية التي يتوصل إلى ختل الصيد وخدعه. فأما قول بعضهم٣:
لا هُمَّ لا أدري وأنت الداري
فغير معرَّج عليه ولا مأخوذ به. ووجهه أنه أجراه مجرى "عالم"، ولم يلتفت إلى أصله. ومن لا بصر له بالاشتقاق يجوّز استعمال هذه الصفات، في حق الله تعالى٤.
والذي يدل على غموضه كثرة ما يوجد من السقطات فيه لجلة العلماء٥؛ ألا ترى ما يحكى عن أبي عبيد، من أنه قال في مندوحة من قولك٦ "مالي عنه مندوحة" أي متسع: إنها مشتقة من انداح؟ وذلك فاسد لأن انداح: "انفعل" ونونه زائدة. ومندوحة: "مفعولة" ونونه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكانت "منفعلة". وهو بناء لم يثبت في كلامهم. فهو، على هذا، مشتق من الندح، وهو جانب الجبل وطرفه، وهو إلى السعة.
ونحو من ذلك ما يحكى عن أبي العباس ثعلب٧، من أنه جعل أُسكُفَّة الباب٨ من "استكف" أي: اجتمع. وذلك فاسد، لأن استكف: "استفعل" وسينه زائدة، وأسكفة: "أُفْعُلَّة" وسينه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكان وزنه "أُسفُعْلَة"، وذلك بناء غير موجود في أبنية كلامهم.
وكذلك أيضًا حكي عنه أنه قال في تَنُّور: إن وزنه "تَفْعُول" من النار. وذلك باطل؛ إذ لو كان كذلك لكان تَنْوُورًا. والصواب أنه "فَعُّول" من تركيب تاء ونون وراء، نحو: تَنرَ، وإن لم ينطق به.
وقد حكي عن غيرهما، من رؤساء النحويين واللغويين، من السقطات نحوٌ مما ذكرنا. إلا أني قصدت إلى الاختصار، وفي "٩" هذا القدر الذي أوردناه كفاية.
стр. 25
وقد كان ينبغي أن يقدَّم علم التصريف على غيره من علوم العربية، إذ هو معرفة ذوات الكلم في أنفسها من غير تركيب. ومعرفة الشيء في نفسه، قبل أن يتركب، ينبغي [٣أ] أن تكون مقدمة على معرفة أحواله التي تكون له بعد التركيب. إلا أنه أُخِّر للطفه ودقته، فجعل ما قدم عليه من ذكر العوامل توطئة له، حتى لا يصل إليه الطالب، إلا وهو قد تدرب وارتاض للقياس.
стр. 26
[تقسيم التصريف] :
والتصريف ينقسم قسمين:
أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة، لضروب من المعاني، نحو: ضرَب، وضرَّب، وتضرَّب، وتضارب، واضطراب. الكلمة التي هي مركبة من ضاد وراء وباء، نحو "ضرب" قد بنيت منها هذه الأبنية المختلفة، لمعانٍ مختلفة.
ومن هذا النحو هو١ اختلاف صيغة الاسم للمعاني التي تعتوره من التصغير والتكسير، نحو: زُييد، وزُيُود. وهذا النحو من التصريف جرت عادة النحويين أن يذكروه، مع ما ليس بتصريف. فلذلك لم نضمنه هذا الكتاب. إلا أن أكثره مبني على معرفة الزائد من الأصلي، فينبغي أن تبين حروف الزيادة، والأشياء التي يتوصل بها إلى معرفة زيادتها من أصالتها.
والآخر من قسمي التصريف: تغيير٢ الكلمة عن أصلها، من غير أن يكون ذلك التغيير٣ دالًّا على معنى طارئ على الكلمة، نحو تغييرهم "قول" إلى "قال"؛ ألا ترى أنهم لم يفعلوا ذلك ليجعلوه دليلًا على معنى خلاف المعنى الذي كان يعطيه "قول"، الذي هو الأصل لو استعمل. وهذا التغيير منحصر في: النقص كـ "عِدَة" ونحوه، والقلب كـ "قال" و"باع" ونحوهما، والإبدال كـ "اتعد" و"اتزن" ونحوهما، والنقل كنقل عين "شاك" و"لاث"٤ إلى محل اللام، وكنقل حركة العين إلى الفاء في نحو: قلت وبعت، على ما يبين بعد٥.
والفرق بين الإبدال والقلب أن القلب تصيير الشيء على نقيض ما كان عليه، من غير إزالة ولا تنحية، والبدل وضع الشيء مكان غيره، على تقدير إزالة الأول وتنحيته. فلذلك جعلنا مثل "قال" و"باع" قلبًا؛ لأن حروف العلة يقارب بعضها بعضًا؛ لأنها من جنس واحد، فسهل تقدير انقلاب بعضها إلى بعض. وجعلنا مثل "اتعد" ونحوه إبدالًا، لتباين حروف الصحة من حروف
стр. 27
العلة. وكلذك جعلنا قولهم: "أمواء" في أمواه من قبيل البدل، لتباين حروف الصحة بعضها من بعض.
فنقول١، على هذا، في "اتعد" وأمثاله: إنه كان في الأصل "اوتعد"، فحذفت الواو وأبدل منها التاء، لا أن الواو انقلبت تاء، وأما "قام" وأمثاله فيقدر٢ أنه كان في الأصل "قوم"، ثم استحالت الواو ألفًا، لا أنها حذفت وجعل مكانها الألف.
وينبغي أن نبين٣، في هذا القسم الآخر، حروف البدل والقلب، والأماكن التي تبدل فيها وتقلب، والحروف التي تحذف، وأين يجوز نقل الحركة إلى الحرف٤؟ وأين لا يجوز ذلك؟ فإذا بينا جميع ما ذكرناه، في هذين القسمين، فقد أتينا على جملة التصريف.
стр. 28
باب تمييز ما يدخله التصريف مما لا يدخله:
اعلم أن التصريف لا يدخل في أربعة أشياء. وهي: الأسماء الأعجمية [التي عجمتها شخصية] ١، كـ"إسماعيل" ونحوه؛ لأنها نقلت من لغة قوم ليس حكمها كحكم هذه اللغة. والأصوات كـ"غاق"٢ ونحوه؛ لأنها حكاية ما يصوت به، وليس لها أصل معلوم، والحروف. وما٣ شُبِّه بها من الأسماء المتوغلة في البناء، نحو "من" و"ما"؛ لأنها لافتقارها بمنزلة جزء من الكلمة التي تدخل عليها. فكما أن جزء الكلمة، الذي هو حرف الهجاء، لا يدخله تصريف فكذلك ما هو بمنزلته.
وقد جاء بعض [الكلمات] ٤ المبنية مشتقًا، نحو "قَطُّ"؛ لأنها من "قططتُ" أي: قطعت؛ لأن قولك: "ما فعلته قط" معناه: "فيما انقطع من عمري. وكذلك "ذا" و"ذي" و"الذي" ونحو ذلك، مما يدخله التحقير٥، ويستعمل استعمال المتصرف، وليس ذلك بالكثير، وكلما كان الاسم من شبه الحرف أقرب كان من التصريف أبعد.
ومما يدلك [٣ب] ، على أن الحرف لا يدخله تصريف، وجود "ما" و"لا" ونحوهما من الحروف؛ ألا ترى أن الألف لا تكون فيهما منقلبة، كالألف التي في عصا ورحى؟ لأنها لو كان أصلها واوًا أو ياء٦ لظهرتا؛ لسكونهما، كما ظهرتا في نحو: كي وأي ولو. فلو كان أصل ألف "ما" واوًا٧ لقلت "مَوْ" كـ"لو". ولو كان ياء لقلت "مَيْ" كـ"كي"؛ لأن حرف٨ العلة إنما كان يقلب، لو كان متحركًا وقبله مفتوح.
стр. 29
فإن قيل: فهلا قُدرت الألف، في "ما" وأشباهها، منقلبة من حرف علة متحرك. فالجواب أن ذلك لا يمكن تقديره؛ لأن "ما" حرف مبني، والحروف لا تُبنى إلا على السكون، ولا يحرك آخرها إلا عند التقاء الساكنين نحو "ثم"، أو إذا كان على حرف واحد نحو واو العطف وفائه، وليس شيء من ذلك في "ما". ولا يمكن أن تكون "١" الألف في "ما" وأمثالها زائدة؛ لأنه إنما تعرف الزيادة من غيرها، بالاشتقاق والتصريف وسائر الأدلة التي تذكر بعد٢ -إن شاء الله- ولا يوجد شيء من ذلك في الحرف.
وما عدا ما ذكر، من الأسماء العربية والأفعال، يدخله التصريف.
стр. 30
ذكر القسم الأول من التصريف:
باب: تبيين الحروف الزوائد والأدلة التي يتوصل بها إلى معرفة زيادتها من أصالتها
وإنما بدأنا بهذا القسم؛ لأن يبنى عليه معرفة التصغير والتكسير اللذين جرت عادة النحويين بذكرهما، قبل الخوض في علم التصريف، ومعرفة كثير من الأسماء التي لا تنصرف أيضًا، نحو الأسماء التي امتنع صرفها؛ لكونها على وزن الفعل الغالب أو المختص، أو لزيادة الألف والنون في آخرها؛ إذ لا يوصل إلى معرفة الزيادة والوزن إلا من علم التصريف.
أما الأدلة التي يعرف بها الزائد من الأصلي فهي١: الاشتقاق،٢ والتصريف، والكثرة، واللزوم، ولزوم حرف الزيادة البناء وكون الزيادة لمعنى، والنظير، والخروج عن النظير، والدخول في أوسع البابين عند لزوم الخروج عن النظير.
أما الاشتقاق منها فينقسم إلى قسمين: اشتقاق أصغر، واشتقاق أكبر.
أما الاشتقاق الأكبر هو عقد تقاليب الكلمة كلها على المعنى واحد، نحو ما ذهب إليه [أبو الفتح] ٣ بن جني من عقد تقاليب
"القَول"٤ الستة على منى الخِفَّة٥. ولم يقل به أحد من النحويين إلا أبا الفتح. وحكى هو عن أبي علي٦ أنه كان يأنس به في بعض الأماكن٧. والصحيح أن هذا النحو من الاشتقاق غير مأخوذ به؛ لعدم اطراده، ولما يلحق فيه من التكلف لمن٨ رامه.
стр. 31
وقد صرح صاحب هذا ١ المذهب –وهو أبو الفتح بن جني٢- بعدم اطراد هذا القسم٣ من الاشتقاق، فقال٤: "على أن هذا، وإن لم يطرد وينقَد في كل أصل، فالعذر فيه على كل حال٥ أبين منه في الأصل الواحد، من غير تقليب لشيء من حروفه. فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد، من أن تنظمه٦ قضية الاشتقاق، كان فيما تقلبت أصوله عينه وفاؤه٧ ولامه أسهل، والمعذرة فيه أوضح". انتهى٨.
بل قد كان أبو بكر ٩ وغيره، ممن هو في طبقته، قد استسرفوا١٠ أبا إسحاق١١ –﵀ فيما تجشمه من قوة حشده، وضمه ما انتشر من المثل المتباينة إلى أصله، وإن كان جميع ذلك راجعًا إلى تركيب واحد. ورأوا أنه لا ينبغي أن يضم من ذلك إِلَّا ما كان الجمع بينه وبين أصله واضحًا جدًّا. فإن لم يكن وجه رجوع اللفظ إلى غيره بيِّنًا، بل التكلف فيه بادٍ، [وجب أن يدَّعى أنهما أصلان، وليس أحدهما مأخوذًا من الآخر] ١٢ نحو الجمع بين حمار وحُمرة، بأن يُدَّعى أن أصل هذا الاسم أن يقع على الوحشية منها، وأكثرها حُمر، ثم شبهت الأهلية بها، فوقع عليها الاسم. فإذا كان الأمر عندهم على ما ذكرت لك، مع اتفاق اللفظين في تركيب واحد، فما ظنك [٤أ] بهما، إذا تغايرا في التركيب؟
والاشتقاق الأصغر حده أكثر النحويين بأنه ١٣ "إنشاء فرع من أصل يدل عليه". نحو أحمر فإنه مُنشأ من الحمرة، وهي أصل له وفيه دلالة عليها. وهذا الحد ليس بعام للاشتقاق الأصغر؛ لأنه قد يقال: "هذا اللفظ مشتق من هذا"، من غير أن يكون أحدهما مُنشأ من الآخر. وذلك إذا
стр. 32
كان تركيب الكلمتين واحدًا، ومعنياهما متقاربين ١.
وذلك نحو ما ذهب إليه أبو علي في "أولَق"، في أحد الوجهين، من أنه مأخوذ٢ من: وَلَقَ يَلِقُ، إذا أسرع؛ وذلك لأنَّ الأولَق٣: الجنون. وهي مما يوصف٤ بالسرعة. فلما كانت حروف أولَق، إذا جعلتَه "أفعَل" و"وَلَقَ" واحدة، ومعنياهما متقاربين؛ لأنَّ الجنون ليست السرعةَ في الحقيقة، بل يقرب معناها من معنى السرعة، جعل الأولق مشتقًّا من "وَلَقَ"، لا بمعنى أن الأولق مأخوذ من "وَلَقَ". بل يريد أن الأولق حروفه الأصول الواو واللام والقاف، كما أن "وَلَق" كذلك.
ويستدل على ذلك بأن العرب جعلت هذه الأحرف دالةً على السرعة، و "الأولق" قريب في المعنى من السرعة، فحروفه الأصول الواو واللام والقاف، وهمزته زائدة. فيجعل سبب اتفاق الأولق و"وَلَقَ" في اللفظ تقاربهما من المعنى؛ لأنَّ هذا الاتفاق بين اللفظين وقع بالعرَض، كاتفاق الأسود والأبيض في لفظ الجَون، إذ لا جامع من طريق المعنى بين الجون الذي يراد به الأبيض، والجون الذي يراد به الأسود.
فإن قيل: فكيف٥ يجوز أن تقول: "هذا اللفظ مشتق من هذا اللفظ"، وأحدهما ليس بمأخوذ من الآخر، وقولك: "مشتق" يعطي أخذَ أحدهما من صاحبه؟ فالجواب أن هذا على طريق المجاز، كأنهما لاتحاد لفظيهما وتقارب معنييهما قد أُخذ أحدهما من الآخر، كما تقول في الشخصين المتشابهين: "هذا أخو هذا" تشبيهًا لهما بالأخوينِ.
ولما خفي هذا الوجه من الاشتقاق على بعضهم، رد قول من زعم أن اسم "الله"_تعالى_ مشتق من الوَله أو من غير ذلك؛ لأنَّ "الله" هذا اللفظ قديم؛ لأنَّ أسماء الله –تعالى- قديمة، والوله لفظ محدَث، والمشتق منه قبل المشتق، فيلزم على هذا أن يكون المحدث قبل القديم. وذلك خَلْفٌ٦. ولو علم أنه قد يقال: "هذا اللفظ مشتق من هذا"، وإن لم يكن مأخوذًا منه كما قدمنا لم ينكر ذلك.
والحد الجامع لهذا الضَّرب، من الاشتقاق –أعني الأصغر- هو "عقد تصاريف تركيب،
стр. 33
من تراكيب الكلمة، على معنًى واحدٍ، [أو معنيين متقاربين] ١". وذلك نحو ردِّك ضاربًا وضرّابًا وضروبًا ومضرابًا وأمثال ذلك إلى معنًى واحد. وهو: الضَّرب. إِلَّا أن أكثر الاشتقاق ومعظمه داخل تحت ما حدّه النحويون به، من أنه "إنشاء فرع من أصل يدل عليه".
وأمَّا "المشتق" فيقال للفرع الذي صِيغ من الأصل؛ لأنك تطلب معنى الأصل في الفرع. فكأنك تشتق الفرع، لتُخرج منه الأصل، وكأن الأصل مدفون فيه. و"المشتق منه" هو الأصل.
فإن قيل: فكيف٢ يصح أن يقال في الفرع: "إنه مشتق من الأصل"، أي مأخوذ منه، والأصل لا ينفصل منه الفرع؟ فالجواب٣ أن ذاك يصح على جهة الاستعارة والمجاز. وذلك أنه لما كان لفظ الفرع مبنينًا من حروف الأصل، وكان معنى الأصل موجودًا فيه، صار لذلك كأنه جزء من الأصل، وإن كان الأصل لم يَنقُص منه شيء.
فإن قيل: إذا كانت البِنيَتان متحدتين في الأصول والمعنى، فبأي شيء يعلم الأصل من الفرع؟ فالجواب أن الأصل يستخرج٤ بشيئين: باعتبار دوره في اللفظ والمعنى، وبأنه ليس هنالك ما هو به أولى. والوجوه [٤ب] التي يكون بسببها أولى تسعة:
أولها: أن يطرد معنيان، أحدهما أمكن من الآخر؛ لكثرة ما يشتق منه كالمصدر. وذلك كالسَّفاء٥، فإنه مأخوذ من السَّفى٦.
والثاني: بأن يكون أحد المطَّرِدَينِ أشرف من الآخر. فإن الاشتقاق من الأشرف أولى، عند بعضهم، كـ"مالِكٍ" قيل: إنه من معنى القدرة. وقيل: إنه من معنى الشد والربط. والثاني قول ابن السَّرَّاج، والأول قول أبي بكر أحمد بن علي ابن الإخشيد٧. فسئل: لم جعلته من معنى القدرة دون معنى الشد والربط؟ فقال: لأنَّ الله -تعالى- اشتق اسمه منه في صفات، فقيل: مالِك ومَلِك ومَلِيك.
والثالث: كون أحد المطردين أبينَ وأظهر، فيكون الأخذ منه لذلك أولى؛ لأنَّ الأظهر طريق
стр. 34
إلى الأغمض، والأبينَ طريق إلى الأخفى، كالإقبال والقَبَل.
والرابع: كون أحدهما أخصَّ من الآخر. فالأخص أولى من الأعم الذي هو له ولغيره، كالفضل والفضيلة. لو قال قائل: أصله الزيادة، وقال آخر: أصله المِدحة، كان قول صاحب الزيادة أولى؛ لأنَّ معنى١ المدحة في أشياء كثيرة هي أعم من الزيادة؛ ألا ترى أن معنى المدحة في العلم والقدرة والنعمة والنَّصَفَة، وفيما لا يحصى كثرةً من الأفعال الحسنة؟
والخامس: أن يكون أحدهما أحسن تصرفًا، فتجد رده إليه سهلًا قريبًا وبينًا واضحًا، كباب المعارضة والاعتراض والتعريض والعارض والعِرض. ردُّه كله إلى معنى "العَرْض" –وهو الظهور- من قولك: "عَرَضَ عَرْضًا" إذا ظهر، أولى من رده إلى العُرْض: الناحية من نواحي الشيء، وإن كان أبو إسحاق قد رده إلى الناحية، لما رآها تطّرد في الباب كله، ولم يراعِ باب الأحسن في المطّردينِ.
والسادس: كون أحدهما أقرب من الآخر٢، فيكون الأقرب أولى من الأبعد. وذلك أن الأبعد يرجع الفرع إليه بكثرة وسائط، والأقرب يرجع إليه بقلة وسائط. وكذلك ردك إلى الأصل الواجد قد يكون من طرق مختلفة، أحدهما أقرب من الآخر، فيكون الرد بالطريق الأقرب أولى. كردك العُقار٣ إلى العَقْر، من جهة أنها تَعقِر الفهم، فإنه أحسن من ردها إليه، من جهة أن الشارب لها يَسكر، فيُفسد ويعقِر. فالأول أقرب.
والسابع: أن يكون أحدهما أليق وأشد ملاءمة. وذلك كالهداية هي أليق بالدلالة، منها بمعنى "التقدم" من قولك "هوادي الوحشِ" لمتقدماتها.
والثامن: أن يكون أحدهما مطلقًا والآخر مضمنًا. وذلك كالقرب والمقاربة. فالقرب أولى من المقاربة؛ لأنَّ المقاربة مضمنة، والقرب مطلَق.
والتاسع: أن يكون أحدهما جوهرًا والآخر عرَضًا، فيكون الرد إلى الجوهر أولى من الرد إلى العرض، إذ كان الجوهر أسبق إلى النفس في التقديم، كقولهم: "استحجَرَ الطينُ" مأخوذ من الحجر، و"استنوَق الجمل" و"استَتْيَسَتْ الشاة" و"ترجلتِ المرأة"٤.
فهذه جملة الوجوه التي يكون بسببها أولى.
стр. 35
وينبغي أن تعلم أن قولنا: "هذا اللفظ أولى بأن يكون أصلًا من هذا الآخر"، في جميع ما تقدم، إنما نعني بذلك إذا استويا في كل شيء، إِلَّا في تلك الرتبة التي فضل بها. فأمَّا إذا عرضت عوارض توجب تغليب غيره عليه، فالحكم للأغلب.
واعلم أن الاشتقاق لا يدخل في سبعة أشياءَ، وهي الأربعة التي ذكرنا١ لا يدخلها تصريف، وثلاثة من غيرها. وهي: الأسماء النادرة كـ"طُوبالة"٢، فإنها لندورها لا يحفظ لها ما ترجع إليه. واللغات المتداخلة، نحو الجَوْن للأسود والأبيض؛ للتناقض الذي بينهما لا يمكن رد أحدهما إلى الآخر. والأسماء الخماسية؛ لامتناع تصرف الأفعال منها، فليس لها من أجل ذلك مصادر.
وأصل الاشتقاق وجُلُّه [٥أ] إنما يكون من المصادر، وأصدق ما يكون: في الأفعال المزيدة؛ لأنها ترجع بقرب إلى غير المزيدة. وفي الصفات كلها؛ لأنها جارية على الأفعال، أو في حكم الجارية. وفي٣ أسماء الزمان والمكان المأخوذة من لفظ الفعل، فإنها جارية عليه أيضًا، وفي الأسماء الأعلام؛ لأنها منقولة في الأكثر، وقد تكون مشتقة قبل النقل، فتبقى على ذلك بعد النقل.
وأصعب الاشتقاق وأدقه في أسماء الأجناس؛ لأنها أسماء أُوَلٌ أُوقِعت على مسمياتها٤، من غير أن تكون منقولة من شيء. فإن وجد منها ما يمكن اشتقاقه حمل على أنه مشتق. إِلَّا أن ذلك قليل فيها جدًّا. بل الأكثر فيها أن تكون غير مشتقة، نحو تراب وحجر وماء، وغير ذلك من أسماء الأجناس.
فممَّا٥ يمكن أن يكون منها مشتقًّا غراب، فإنه يمكن أن يكون مأخوذًا من الاغتراب؛ فإن العرب تتشاءم به، وتزعم أنه دال على الفراق. وكذلك جرادة، يمكن أن تكون مشتقة من الجَرْد؛ لأنَّ الجرد واقع منها كثيرًا. وقد روي أن النابغة نظر، فإذا على ثوبه جرادة، فقال "جرادةٌ تَجرُدُ٦، وذات ألوان"٧. فتطيَّر ورجع عن حاجته.
стр. 36
فأمَّا قول أبي حَيَّةَ النُّمَيري١:
وعاد لنا حلو الشباب ربيح ... وقالوا حمام قلت حُم لقاؤها
وقول جِرانِ العَود٢:
فأمَّا العُقاب فهي يمنها عقوبة ... وأمَّا الغراب فالغريب المطوح
وقول٣ سَوَّارِ بن المُضَرَّب٤:
فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني
وقول الشَّنفَرَى٥:
فقال غراب لاغتراب من النوى ... وبالبان بينٌ من حبيب تعاشره
وقول الآخر٦:
دعا صُرَدٌ يومًا على غصن شَوْحَطٍ ... فطار بذات البين مني غرابها
فقلت أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها
فليس باشتقاق صحيح.
بل أُخذ "حُمَّ" من الحمام على جهة التفاؤل، ٧والبينونة من البان، والاغتراب من الغَرب، والتصريد والشحط من الصُّرَد والشوحط، والعقوبة من العُقاب، على جهة التطير. وإِلَّا فهذه المعاني ليست بموجودة في هذه الأشياء، كما أن الاغتراب موجود في غراب، والجرد في جرادة.
стр. 37
ومما يبين لك أن العرب قد توقع على الشيء لفظ غيره، إذا كان بينهما مناسبة من طريق ما، وإن لم يتحد المعنى كما ذكرنا في مسألة "أولق"١، قول بعض الفصحاء٢:
شهدت بأن التمر بالزبد طيب ... وأن الحبارى خالة الكروان
فجعل الحبارى خالة الكروان، لما كان اللون، وعمود الصورة فيهما واحدًا، ورأى ذلك قَرابة، وإن كان الحبارى أعظم بدنًا من الكروان.
ومنه قول عمرو بن معد يكرب٣:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إِلَّا الفرقدان
فجعل الفرقدين أخوين، تشبيهًا لهما بالأخوين؛ لتلازمهما. ومنه قول أبي النجم
فظل يوفي الأكمَ ابنُ خالها
فجعل الوحشي ابن خال الأكم؛ لملازمته لها، وقال عليه السلام٤: "نعم العمة لكم النخلة" فجعلها عمة للناس، حين كان بينها وبينهم تشابه من وجوه.
وإنما بسطت القول في الاشتقاق؛ لغموضه، وكثرة المنفعة به في علمه، لما فيه من الاختصار والتقريب، والفهم والحفظ:
أمَّا الاختصار فلأنه يُجتزأ فيه بجزء من الكلمة، ولولا مكانها لاحتيج إلى كلام كثير؛ ألا ترى كيف تدل بالتاء من "تَفعلُ" على معنى المخاطبة والاستقبال، وبالياء في "يَفعل" على الغَيبة والاستقبال؟ ولو جُعل لكل معنى لفظٌ يبين به لانتشر الكلام. ولما فيه من الاختصار عد من أكبر آلات البيان.
وأمَّا الفهم فلِما فيه من المناسبة، والاقتضاء بالمشاكلة. وأمَّا الحفظ فسببه ما ذكرناه من الاختصار. قال أبو بكر: من الفائدة [٥ب] في الاشتقاق أنه ربما سمع العالم الكلمة، لا يعرفها من جهة صيغتها، فيطلب لها مخرجًا منه، فكيثرًا ما يظفر. وعلى هذا أكثر العلماء في تفسير الأشعار، وكلام العرب في الأمثال والأخبار.
وأمَّا التصريف فتغيير صيغة الكلمة إلى صيغة أخرى، نحو بنائك من "ضَرْب" مثل جعفر
стр. 38
فتقول "ضرْبب"، ومثل قِمَطْر فتقول "ضِرْبٌ"، ومثل درهم فتقول "ضِرْبَبٌ"، ونحو١ تغيير التصغير والتكسير، وأشباه ذلك مما تصرف فيه الكلمة على وجوه كثيرة. وهو شبه الاشتقاق، إِلَّا أن الفرق بينهما أن الاشتقاق مختص بما فعلت العرب من ذلك، والتصريف عام لما فعلته٢ العرب، ولما نحدثه نحن بالقياس. فكل اشتقاق تصريف، وليس كل تصريف اشتقاقًا. ومما يدل على أن الاشتقاق تصريف٣ قول رؤبة، يصف امرأة بكثرة الخصومة٤:
تشتق في الباطل منها الممتذق
فإن قيل: ما نحدثه لا دليل فيه على معرفة زائد من أصلي، وإنما الدليل فيما فعلت العرب من ذلك، والذي فعلته العرب من ذلك قد زعمت أنه يسمى اشتقاقًا، فلأي شيء عددتَ، فيما يعرف به الزائد من الأصلي الاشتقاقَ والتصريف؟ وهلّا اكتفيت بأحدهما عن الآخر. فالجواب أنه إذا كان الاستدلال على الزيادة أو الأصالة، برد الفرع إلى أصله، سمي ذلك اشتقاقًا. وإذا كان الاستدلال عليهما بالفرع سمي ذلك تصريفًا.
فمثال الاستدلال، برد الفرع إلى الأصل، استدلالنا على زيادة همزة أحمر مثلًا، بأنه مأخوذ من الحمرة. فالحمرة هي الأصل الذي٥ أخذ منه أحمر. فهذا وأمثاله اشتقاقًا؛ لأنَّ المستدل على زيادة همزته -وهو أحمر- مأخوذ من "الحمرة".
ومثال الاستدلال، على الزيادة بالفرع، استدلالنا على زيادة ياء أيصَرٍ٦، بقولهم في جمعه: "إصارٌ" بحذف الياء وإثبات الهمزة. فـ"إصار" فرع عن أيصر لأنه جمعه. فهذا وأمثاله يسمى تصريفًا؛ لأنَّ المستدل على زيادة يائه -وهو أيصر- ليس بمشتق من إصار، بل إصار تصريف من تصاريفه الدالة على زيادة يائه.
واعلم أنه لا يدخل التصريف ولا الاشتقاق في الأصول المختلفة، نحو لأّال٧ ولؤلؤ؛ لا ينبغي أن يقال: "إن أحدهما من الآخر"؛ لأنَّ لأّإِلًا من تركيب "لءل" ولؤلؤًا من تركيب "لءلء". فلأّال ثلاثيّ الأصول ولؤلؤ رباعيّ.
стр. 39
وأمَّا الكثرة فأن يكون الحرف، في موضع ما، قد كثر وجوده زائدًا، فيما عرف له اشتقاق أو تصريف، ويقل وجوده أصليًّا فيه، فينبغي أن يجعل زائدًا فيما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف، حملًا على الأكثر. وذلك نحو الهمزة، إذا وقعت أولًا وبعدها ثلاثة أحرف، فإنها زائدة فيما عرف اشتقاقه، نحو أصفر وأحمر، إِلَّا ألفاظًا يسيرة فإن الهمزة فيها أصلية. وهي: أرطًى١ في لغة من يقول: أديم مأروط، وأيطَلٌ٢ لأنهم يقولون في معناه: إِطَلٌ، وأيصر وأولق وإمعة على ما نبين بعد٣. فإذا جاءت الهمزة فيما لا اشتقاق له ولا تصريف، نحو أفكَلٍ٤، وجب حملها على الزيادة وإِلَّا يلتفت إلى أرطًى وأخواته؛ لقلتها وكثرة مثل أحمر.
وأمَّا للزوم فأن يكون الحرف، في موضع ما، قد لزم الزيادة في كل ما عرف له اشتقاق أو تصريف. فإذا جاء ذلك الحرف في ذلك الموضع فيما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف جعل زائدًا، حملًا على ما ثبتت زيادته بالتصريف أو الاشتقاق. وذلك نحو النون، إذا وقعت ثالثة ساكنة وبعدها حرفان، ولم تكن مدغمة [٦أ] فيما بعدها نحو عَجَنَّس٥، فإنها أبدًا زائدة فيما عرف له اشتقاق أو تصريف٦. نحو جَحَنْفَل٧ فإنه من الجحفلة٨، وحَبَنْطَى٩ لأنك تقول: حَبِطَ بطنُه١٠، ودَلَنْظًى وهو الشديد الدفع. تقول: دَلَظَه بمنكبه، إذا دفعه.
وكذلك وُجدت في كل ما عرف اشتقاقه. فإذا جاءت في مثل عَبَنْقَس١١، مما لا يعرف له اشتقاق ولا تصريف، حمل على ما عرف اشتقاقه أو تصريفه، فجُعلت نونه زائدة.
وأمَّا لزوم حرف الزيادةِ البناءَ فنحو حِنْطأْو١٢ وكِنثأْو١٣، وسِنْدأْو١٤، وزنها "فِنْعَلْوٌ" والنون
стр. 40
زائدة، إذ لو كانت أصلية لجاء في موضعها حرف من الحروف التي لا تحتمل الزيادة، نحو "سِِرْدأو" مثلاً. فعدم مثل ذلك من كلامهم، ولزوم هذا البناء حرف من حروف الزيادة، دليل على أن ذلك الحرف زائد١.
فإن قلت٢: فاحكمْ على الهمزة بالزيادة فإنها [من أحرف الزيادة. قيل: هذا فاسد؛ لأنه] قد حكي عِنْزَهْوٌ، فلم تلزم، ولأنك لو [حذفت الهمزة] والنون والواو لبقي الاسم على حرفين.
وأمَّا كون الزيادة لمعنى فنحوُ حروف المضارعة، وياء التصغير، وأمثال ذلك. فإنه بمجرد وجود الحرف، يعطي معنى، ينبغي أن يجعل زائدًا؛ لأنه لم يوجد قط حرف أصلي في الكلمة يعطي معنى. على أن هذا الدليل قد يمكن أن يستغنى عنه بالاشتقاق والتصريف؛ إذ ما من كلمة فيها حرف معنى إِلَّا ولها اشتقاق أو تصريف، يُعلم به حروفها الأصول من غيرها. لكن مع ذلك قد يعلم٣ كون الحرف زائدًا، بكونه لمعنى، من غير نظر إلى اشتقاقه وتصريفه، فلذلك أوردناه في الأدلة الموصلة إلى معرفة الزيادة من غيرها.
وأمَّا النظير فأن يكون في اللفظ حرف، لا يمكن حمله إِلَّا على أنه زائد، ثم يسمع في ذلك اللفظ لغة أخرى، يحتمل ذلك الحرف فيها أن يحمل على الأصالة وعلى الزيادة، فيُقضى عليه بالزيادة؛ لثبوت زيادته في اللغة الأخرى التي هي نظيرة هذه.
وذلك نحو تتفُلٌ٤، فإن فيه لغتين٥: فتحَ التاء الأولى وضم الفاء، وضمها مع الفاء. فمن فتح التاء فلا يمكن أن تكون عنده إِلَّا زائدة؛ إذ لو كانت أصلية لكان وزن الكلمة "فَعْلُلًا"، بضم اللام الأولى، ولم يرد مثل ذلك في كلامهم. ومن ضم التاء أمكن أن تكون عنده أصلية، لأنه قد وجد في كلامهم مثل "فُعْلُل"، بضم الفاء واللام، نحو بُرْثُن٦. إِلَّا أنه لا يُقضى عليها إِلَّا بالزيادة؛ لثبوت زيادتها في لغة من فتح التاء.