← История

История · id 8668

معالم حضارات الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (369 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة كان الاعتقاد السائد لدى الكثيرين إلى زمن قريب أن دراسة الحضارات القديمة لا يتناولها بالبحث إلا بعض الخاصة من المرفهين أو المترفين الذين يشبعون هوايتهم في التعمق في الدراسة والبحث عن المجهول؛ ولكن نظرًا لأن كل ما تزخر به الحياة الراهنة من منتجات وخبرات وعادات وتقاليد ومظاهر مختلفة أخرى؛ إنما ترجع في أصولها إلى مختلف الجهود البشرية، وقد وضعت أسسها منذ عصور سحيقة وتطورت بمرور الزمن حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن فإن هذه الدراسة لم تعد موضوعًا قاصرًا على فئة من الناس بل ولا يمكن أن تفضل دراسة حضارة أمة على حضارة أمة أخرى غيرها؛ ولذا أخذ الاهتمام بها يتزايد حتى أصبحت دراستها منتشرة في جميع أنحاء العالم المتمدين وكثيرًا ما تتضافر جهود الباحثين من مختلف الدول والشعوب في دراسة الحضارات القديمة وتشجيعها على اعتبار أنها التراث الإنساني الذي استمدت منه مختلف الأمم أصول حضاراتها الحالية، ومن ثم يعملون على توفير أسباب هذه الدراسة بموالاة الكشوف الأثرية وترميم الآثار المختلفة ويعكفون على دراسة اللغات القديمة حتى يتمكنوا من وضع صورة حية أو قريبة من الواقع لهذه الحضارات ومظاهرها المختلفة، وهكذا تشعبت فروع البحث وتعددت نواحيه حتى أصبح

стр. 2

من المستحيل أن يلم باحث أو دارس بحضارات مختلفة بل ولا بمختلف نواحي حضارة واحدة؛ وعلى ذلك فإن وضع مؤلف واحد لعدد من الحضارات لا يمكن أن يكون جامعًا مانعًا يرضي كل الرغبات ويسد كل الفجوات. ومع إنني ترددت كثيرًا في وضع هذا المؤلف؛ إلا أنني وجدت أن الضرورة تقضي بأن أُيَسِّر على طلبتي بعض الشيء وأجنبهم مشقة البحث في العديد من المراجع لمجرد سرعة الاطلاع على المعالم الرئيسية لحضارات الإقليم الذي نعيش فيه -الشرق الأدنى- على أنه ينبغي أن لا يفهم من ذلك أن في هذا المؤلف غنىً عن الاطلاع على مختلف المراجع المتخصصة في دراسة هذه الحضارات ونواحيها المتعددة. وقد يبدو للقارئ أنني في تناول هذه الحضارات لم أراعِ ترتيبها حسب أهميتها أو أسبقيتها في الزمن ولكنني أود أن ألفت النظر إلى أنني فضلت اتباع نفس الترتيب الذي سبق أن اتبعته في كتابي السابق: "معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم" استكمالًا للفائدة المرجوة؛ إذ إنني جردت ذلك الكتاب من كل ما يشير إلى المظاهر الحضارية إلا فيما يختص بالعصور السابقة للكتابة على أساس أنها الوسيلة الوحيدة لتتبع تاريخ تلك العصور، وهكذا يمكن اعتبار هذا المؤلف مع سابقه متكاملين

стр. 3

بالنسبة لمن يود الاطلاع على المعالم المهمة لتاريخ وحضارات الشرق الأدنى القديم. ولا يسعني فى هذا المجال؛ إلا أن أقدم واجب الشكر إلى كل من عاونني على إخراج هذا الكتاب الذي أرجو أن يحقق الغرض المطلوب، والله ولي التوفيق. محمد أبو المحاسن عُصْفُور

стр. 4

مقدمة الطبعة الثانية ما كنت أظن أنني سأعيد طبع هذا الكتاب بعد مرور نحو من عشرة أعوام على ظهور طبعته الأولى؛ إذ اعتقدت أن موضوعه سيكتب فيه خلال تلك الفترة غير أن ما ظهر من مؤلفات لا يتناول إلا حضارة قطر أو قطرين فحسب من أقطار الشرق الأدنى وهي في جملتها تسهب في ذلك وتتعرض للكثير من التفصيلات التي تجعل من العسير الإلمام بالمعالم الرئيسية لحضارات إقليم الشرق الأدنى أو تكوين فكرة شاملة عنها. ومن خلال تجربتي في التدريس؛ وجدت أن كتابي هذا يناسب طلبة أقسام التاريخ في الجامعات العربية كمًّا وكيفًا؛ كما أنني لا أشك في أن الذين تبهرهم رؤية آثار أسلافنا يودون لو أن هذه الآثار تفصح لهم عن أسلوب الحياة الذي اتبعه أولئك الذين خلفوها وأن توضح لهم مظاهر حياتهم؛ فعسى أن يكون في هذا الكتاب ما يفي -قدر الإمكان- بهذا الغرض وتوخيت فيه البساطة بحيث يستطيع القارئ العادي أن يستوعبه وأن يكوِّن فكرة عامة لا بأس بها عن أصحاب تلك الحضارات التي كانت أقدم ما ظهر من حضارات في العالم والله ولي التوفيق ... المؤلف

стр. 5

محتوى الكتاب الموضوع صفحة مقدمة هـ قائمة بالأشكال م تمهيد ١ أولًا: حضارة مصر ٥- ١٤٤ الأسرة: ١٦، الملك: ٢٧، المسكن: ٣٦، الملابس والزينة: ٤٣، الإدارة: ٥٨، الديانة: ٦٤، القضاء: ٩٤، العسكرية: ٩٧، الحياة الاقتصادية: ١٠٠، العلوم والآداب: ١٢٤، الفنون: ١٣١. ثانيًا: بلاد العرب ١٤٥- ١٥٤ ثالثًا: الإقليم السورى ١٥٥-١٧١ "أ" الأموريون: ١٥٥. "ب" الكنعانيون والفينيقيون: ١٥٨.

стр. 6

الموضوع صفحة "ج" الآراميون:١٦٦. "د" العبرانيون:١٦٨. رابعًا: آسيا الصغرى ١٧٢- ١٩٣ الأسرة: ١٧٣، الملك: ١٧٥، الإدارة: ١٧٦، العسكرية: ١٧٨، الديانة: ١٨٠، الحياة الاقتصادية: ١٨٧، العلوم والفنون: ١٨٨. خامسًا: بلاد النهرين ٩٤- ٢٦٤ الأسرة: ١٩٦، الملك: ١٩٩، المنازل: ٢٠٢، الملابس والزينة: ٢٠٥، الإدارة: ٢١٠، العسكرية: ٢١٢، الديانة: ٢١٦، القضاء: ٢٢٣، الحياة الاقتصادية: ٢٢٩، العلوم والآداب: ٢٤٢، الفنون: ٢٥٥ سادسًا: إيران ٦٥- ٢٨٨ الحياة الاجتماعية: ٢٦٨، الدولة: ٢٧٢، العسكرية: ٢٧٦، الديانة: ٢٧٨، الفنون:٢٨٣

стр. 7

الموضوع صفحة خاتمة ٢٨٩ المراجع العربية ٢٩٥ المراجع الأجنبية ٢٩٦ فهرس الأعلام ٢٩٩

стр. 8

قائمة بالأشكال الشكل صفحة ١- تماثيل سيدات من العصر قبل التاريخي ١٧ ٢- تمثال منقرع وزوجته ١٨ ٣- فريق من المتصارعين ٢٤ ٤- راقصات يمثلن لوحة حية ٢٥ ٥- لعبة محاولة معرفة الضارب ٢٦ ٦- لعبة الثعبان ٢٦ ٧- أحد الملوك بالزِّي القديم ٣٠ ٨- نموذج من الطين لمنزل من عصر ما قبل الأُسَر ٣٧ ٩- رسم تخطيطي لمنزل من كاهون ٤٠ ١٠- رسم تخطيطي لمنزل من العمارنة ٤١ ١١- الزِّي التقليدي في الدولة القديمة ٤٥ ١٢- الزِّي العادي للمرأة ٤٩ ١٣- سيدة أثناء تصفيف شعرها ٥٥ ١٤- إلهة السماء في هيئة بقرة ٦٧ ١٥- إلهة السماء في هيئة امرأة ٦٨ ١٦- إله النيل في هيئة رجل ١٠١ ١٧- نساء يقمن بتذرية القمح ١٠٣

стр. 9

الشكل صفحة ١٨- زورق من البردي به صائد سمك ١٠٩ ١٩- طريقة بناء السفن ١١٢ ٢٠- نقل تمثال ضخم ١١٧ ٢١- نبيل على محفة يحملها حماران ١٢٠ ٢٢- خطأ الفنان عند خروجه على وضع تقليدي ١٣٣ ٢٣- ضخامة الشخص المهم بالنسبة لمن حوله في النقوش ١٣٥ ٢٤- هَرَمَي خفرع ومنقرع وأمامهما معابدهما الجنزية ١٤٠ ٢٥أ- معبد الشمس ١٤١ ٢٥ب- معبد من الدولة الوسطى ١٤٢ ٢٦- نموذج من الخزف لعربة يجرها الخيل ١٦١ ٢٧- نحت عاج يمثل مزج الفن الفينيقي بالفن المصري ١٦٣ ٢٨- تطعيم بالعاج به طابع مصري ١٦٤ ٢٩- تابوت في هيئة آدمية لأحد ملوك صيدا ١٦٥ ٣٠- تابوت لملك من ببلوس عليه موكب جنزي ١٦٦ ٣١- عربة مصرية تهاجم عربة حيثية ١٧٩ ٣٢- إله يقف على ظهر حيوان ١٨١ ٣٣- ملك يتعبد إلى إله في هيئة ثور ١٨٢ ٣٤- منظر يبين اتجاه المواكب نحو مركز واحد ١٩٠ ٣٥- منظر يبين أشخاصًا يغلب عليهم القصر وعدم تناسق الأعضاء ١٩١ ٣٦- تمثال غريب اختصرت رأساه ١٩١

стр. 10

الشكل الصفحة ٣٧- تمثال مجنح لأبي الهول ١٩٢ ٣٨- نقش حيثي ١٩٣ ٣٩- الملك أورنمو يحمل سلة البناء ٢٠١ ٤٠- منزل من منازل جنوب العراق ٢٠٣ ٤١- نقبة للرجال تنتهي بصفوف من الهداب ٢٠٥ ٤٢- زي سابغ يكشف أحد الذراعين ٢٠٧ ٤٣- الإله يلبس تاجًا عليه قرون تتلاقى ٢٠٨ ٤٤- ملك يلبس تاجًا مخروطيًّا يعلوه سن مدبب ٢٠٩ ٤٥- عقود من الذهب ٢٠٩ ٤٦- رمز الإله آشور ٢١٨ ٤٧- نموذج من البرونز لمركبة تجرها أربعة حمير ٢٣٧ ٤٨- خريطة للعالم بها موقع بابل ٢٤٩ ٤٩- لوح عليه نظرية هندسية ٢٥١ ٥٠- قيثارة مثل بها رأس ثور ٢٥٦ ٥١- إبريق من الحجر نحتت به حيوانات ٢٥٧ ٥٢- تمثال مغنية أحد المعابد ٢٥٨ ٥٣- تمثالان تبدو فيهما ضخامة الساقين ٢٥٩ ٥٤- منظر لمدينة بابل ٢٦٤ ٥٥- مدينة إيرانية قديمة ٢٧٠ ٥٦- نماذج من العملة الفارسية ٢٧٥

стр. 11

الشكل صفحة ٥٧- معبد النار فى نقش رستم ٢٨٠ ٥٨- الإله أهورا مزدا ٢٨١ ٥٩- دبابيس من البرونز ٢٨٣ ٦٠- ثور مجنح من مدخل قصر اجزر كسيس ٢٨٥ ٦١- أعمدة تنتهى برءوس حيوانات ٢٨٧

стр. 12

تمهيد الحضارة: الحضارة في اللغة خلاف البداوة؛ لأنها تدل على سكنى الحضر أو اجتماع الناس للتعاون على أسباب المعيشة ودفع المضرات؛ فهي تمثل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي وتقابل كلمة: "Civilisation". وبما أن كل مجتمع -مهما كان بدائيًّا- يصيب شيئًا من التطور ببذل الجهد والكفاح الدائم فإن هذا اللفظ خرج عن مدلوله الأصلي إلى مدلول عام شامل فأصبحت كلمة الحضارة تطلق على كل إنتاج مادي أو أدبي للإنسان سواء كان إنتاجًا راقيًا أو بدائيًّا وعلى ذلك يمكن القول بأنه لا يوجد مجتمع دون حضارة، وكثيرًا ما يختلط هذا اللفظ في معناه بكلمة الثقافة ولكن إذا ما تأملنا الأصل اللغوي لهذه الكلمة الأخيرة لوجدنا أنها تدل على التطور العقلي عن طريق التدريب والتعليم، وهي تقابل لفظ: "Culure" كذلك يختلط اللفظان: الحضارة والثقافة، في معناهما بكلمة المدنية وإن كان اختلاط هذه الأخيرة بكلمة الحضارة أعم من اختلاطها بالثقافة؛ إلا أن المدنية أصلا تدل على سكنى المدن. وقد تطور معناها حتى أصبح يدل على أقصى ما يصل إليه مجتمع ما في ميدان حضارته أثناء عصر من العصور. وهكذا نجد أن كتب اللغة تميل إلى ترتيب مراحل التطور الاجتماعي إلى البداوة ثم الحضارة وأخيرًا المدنية، على اعتبار أن البداوة تقوم على حياة الحيوان من صيد ورعي فمن دَأْبِهَا التنقل وعدم الاستقرار.

стр. 13

والحضارة تدل على سكنى الحضر والانتظام في مجتمعات تتعاون في معيشتها أما المدنية فتدل على سكنى المدن والانتظام في مجتمعات أكثر تعقيدًا ورقيًّا أو كما تقول بعض كتب اللغة: إنها تمثل الانغماس في حياة الدَّعة والترف. فالحضارة على أي حال تمثل كل مظهر من مظاهر الإنتاج البشري أو غالبًا ما يحددها سلوك الإنسان وطرق معيشته وتفاعله مع البيئة؛ ولذا كان من الطبيعي أن تختلف كل حضارة في مظاهرها عن الحضارات الأخرى؛ فلكل حضارة من الحضارات -قديمها وحديثها- مظاهر مميزة وعلى هذا يميز الناس بين الحضارة المصرية والحضارة اليونانية والحضارة الإسلامية وهكذا. ومن العسير إبراز مميزات كل من تلك الحضارات وخاصة القديمة منها لأننا -من جهة- مازلنا نشعر بقصور الدراسات المتعلقة ببعض مظاهرها ومما يزيد المشكلة تعقيدًا أن بعض المدونات لم يمكن تفسيرها تمامًا حتى الآن؛ كما أننا -من جهة أخرى- نستشهد على مظاهر هذه الحضارات بمخلفات أثرية نحن على يقين من أنها لم تكن منتشرة بين عامة الناس؛ وإنما هي من مخلفات ثراة القوم وخاصتهم فضلًا عن كونها تمثل أرقى ما كانوا يمتلكونه وأفضل ما وصلت إليه الفنون في أزمانهم؛ فهي بالأحرى تمثل مخلفات المدنية لا مخلفات الحضارة، ومع كلٍّ ينبغي أن لا نقلل من شأنها عند مقارنة الحضارات المختلفة بعضها بعضًا إذ لا سبيل إلى التعرف إلى مظاهر هذه الحضارات إلا عن طريقها. ومع أن الكثيرين قد يتساءلون عن الأسباب التي تدعو الإنسان إلى الاحتفاظ بكثير من منتجاته الحضارية وهو ما أتاح لنا فرص العثور على

стр. 14

ما يمثل هذه المنتجات في الحضارات القديمة؛ فإن من الممكن أن يعزى ذلك إلى عاملين أساسين هما: ديانة أهل هذه الحضارات وفنونها. والديانة شأنها شأن الحضارة خرجت في معناها عن مدلولها الأصلي؛ لأنها في اللغة كالدين لها معاني مختلفة منها الجزاء والمكافأة والطاعة والانقياد والعادة والعبادة، وهي كذلك اسم لجميع ما يعبد به الله والملة؛ إلا أن المعنى المألوف هو أنها: "الاعتراف بقوة أو قوى تفوق البشر، تسيطر عليهم، ويجب عليهم إطاعتها ويؤثر اعترافهم بها في سلوكهم وفي عقليتهم"، وقد تختلط في معناها بالعقيدة؛ ولكن هذه الأخيرة تدل في اللغة على عقد الرأي أو عقد القلب والضمير على أمر معين كما تدل على الاقتناء والجمع؛ فإذا قيل اعتقدت كذا أي عقدت عليه القلب والضمير، واعتقدت ضيعة ومالًا أي اقتنيتهما؛ إلا أن المعنى الشائع للعقيدة هو أنها: "إيمان بتفوق قوة من القوى"؛ ولكن ليس من الضروري أن تسيطر هذه القوة على البشر. وقد تطور هذا فأصبحت العقيدة اسمًا لما يدين به الإنسان. ومن الواضح أن الإنسان في الحضارات القديمة كانت له ديانات وعقائد عامة ولكننا لا نعرف شيئًا عن أصولها ونشأتها وطقوسها ومذاهبها؛ إلا من عصور متأخرة وخاصة بعد أن عرفت الكتابة؛ ومع هذا فإن ما نعرفه عنها لا يعد كافيًا لارتباطها بعواطف الإنسان وإحساساته الداخلية وهذه لا يمكن إدراكها؛ لأنها لم تدون في أغلب الأحيان -ورغم هذا يمكننا أن نتصور بأنها كانت ساذجة بسيطة في أول الأمر ثم تطورت ودخلتها زيادات وحواشي أخرجتها عن شكلها الأصلي، وما دام الأمر كذلك؛ فإن الإنسان -سواء في ديانته أو عقائده- يحاول أن يسترضي هذه القوى بكل ما لديه من وسائل مادية وغير مادية فشيَّد لها المعابد

стр. 15

وقدَّم القرابين وقام بمختلف الطقوس من أجلها. وهذه بالطبع يبدو أثر البيئة فيها واضحًا هي الأخرى. ولما كانت الفنون هي كل ما يخرجه ذوق الإنسان ليحقق فائدة عملية في حياته وليرضي به غريزة من غرائزه. وبما أن الإنسان تميز بالذوق السليم والشعور بالجمال فمن الممكن القول: بأن الفن هو "الإنتاج الذي يرضي به الإنسان شعوره بالجمال"؛ لذا خضعت فنونه في كل من الحضارات القديمة إلى أصول وقواعد تميزت بها -وإن كانت قد وقعت في بعض الأخطاء- إلا أنها لم تحد عنها محافظة على تقاليدها وقواعدها؛ وبالتالي فإن كلا من هذه الفنون قد تأثرت هي الأخرى كذلك بالبيئة التي نشأت فيها وخضعت لمؤثراتها المختلفة. وعلى هذا يمكن القول بأن أهم المخلفات الأثرية التي تتخذ منها شواهد وأدلة على مظاهر الحضارات المختلفة ترتبط بفنون أهل هذه الحضارات ودياناتهم ارتباطًا وثيقًا؛ إلا أن كل المظاهر الحضارية في أي مجتمع من المجتمعات قوامها تفاعل الإنسان في هذا المجتمع مع بيئته التي عاش فيها؛ ولذا تنوعت هذه المظاهر وتنوعت بين قطر وآخر وبين أمة وأخرى ولا يحدث بينها من التشابه إلا بقدر تشابه بيئاتها وإن كانت بعض المظاهر تجد سبيلها من مكان إلى آخر عن طريق النقل والمحاكاة وسنتناول فيما يلي أهم المظاهر الحضارية في مختلف أقطار الشرق الأدنى.

стр. 16

أولًا: حضارة مصر التعرف على الحضارة المصرية: لعل من أشق الأمور دراسة الحضارة المصرية دراسة شاملة وافية؛ لأنها وإن تناولها الباحثون بالدراسة في عصور مختلفة؛ إلا أن الكشف عن أسرار اللغة المصرية لم يتم إلا منذ فترة وجيزة نسبيًّا وعلى ذلك ظلت حضارة مصر غامضة بالنسبة لهؤلاء الباحثين رغم أن آثارها كانت تحيط بهم وفي متناول أيديهم؛ فاليونان مثلًا صادفتهم عقبات كثيرة في تفهم تلك الحضارة؛ بل إنهم حينما جاءوا إلى مصر دهشوا أشد دهشة لما شاهدوه من حضارة في وادي النيل؛ حيث كانوا يعتقدون بأنهم أرقى الأمم حضارة وثقافة، وقد بدت لهم مظاهر الحضارة المصرية غاية في الغرابة والغموض وكانوا بين مقدر لها وساخر منها؛ ولكن الأغلب أنهم كانوا يكنون لها الاحترام العميق مع أنهم عجزوا عن تفسير كثير مما شاهدوه من الاختلافات بينها وبين حضارتهم، وقد استهوتهم كذلك بعض قواعد السلوك عند المصريين؛ ولذا نجدهم يقارنون مظاهر هذه الحضارة بمظاهر حضارتهم فيذكر هيرودوت مثلًا: بأن المصري كان يكتب من اليمين إلى اليسار في حين تكتب شعوب العالم الأخرى من اليسار إلى اليمين وفي مصر تخرج المرأة إلى الأسواق وتقوم بالعمل في الحقول؛ بينما يظل الرجل في البيت؛ ليقوم بالغزل أو النسيج، كما أن النساج المصري كان يدفع لحمة النسيج من أعلى إلى أسفل وهذا كله عكس ما يحدث في البلاد الأخرى. ومع أن العالم القديم ظل ينظر إلى المصريين على أنهم شعب غريب

стр. 17

الأطوار؛ إلا أنه كان يتطلع إلى مظاهر حضارتهم وينظر إليها نظرة التقديس والإجلال وكانت نقوشهم وطقوسهم الدينية التي كان يقوم بها الكهنة تمثل عالَمًا مليئًا بالأسرار والغموض وكثيرًا ما طمع اليونانيون في الوصول إلى دراسة تلك الأسرار؛ ولهذا نجد أن بعضهم وخاصة في عهد البطالمة يندمجون في الأوساط الكهنوتية ويقومون بالطقوس الدينية؛ ولكنهم لم يستطيعوا فهم كل تلك الألغاز التي أطاحت بهم؛ ومع هذا ظلوا على احترامهم وتقديرهم لرجال العلم والكهنة والمعبودات المصرية حتى وحدوا بين بعضها وبين الآلهة اليونانية. ومنذ العصر اليوناني استمر الغموض يحيط بالنقوس المصرية لم يستطع أحد تفسيرها رغم المحاولات العديدة التي بذلت في سبيل حل طلاسمها؛ ولكن طريقة تلك الكتابة جعلت من المحتم الوصول إلى تفسيرها؛ فمعظمها كتابة رمزية تصويرية وكانت دقة المصري وعنايته الفائقة بتدوين أهم الحوادث خير مساعد للعلماء في مهمتهم؛ فقد صور الأشخاص والمناظر المختلفة وكتب فوقها ما يدل عليها وكانت أولى النتائج المهمة في سبيل حل طلاسم اللغة المصرية هي: ما وصل إليه العالم الإنجليزي توماس ينج "Tomas Young" الذي قرر بأن الكتابة المدونة فوق المناظر المختلفة؛ هي شرح لتلك المناظر وأن أسماء الملوك الممثلين في تلك المناظر توضع داخل أشكال بيضاوية أي: خراطيش، وأن هذه الكتابة ليست كلها رمزية تصويرية أي أن أشكالها "رموزها" لا يدل كل منها على معنى؛ وإنما بعض هذه الأشكال أو الرموز له قيمة صوتية فقط ولا يدل على معنىً قائم بذاته. وفي نفس الوقت أو بعده بقليل عثرت الحملة الفرنسية على حجر رشيد وتوصل شمبليون من مقارنة

стр. 18

الخراطيش المكتوبة به إلى نفس النتيجة التي وصل إليها "ينج" كما توصل إلى القيمة الصوتية لبعض الرموز وبدأ يضع معجمًا للحروف والعلامات الهيروغليفية. وتتابعت جهود العلماء بعد ذلك؛ فأمكن تفسير اللغة المصرية وفهم كل ما أمكن العثور عليه من آثار مكتوبة، ومع أن الآثار المصرية مليئة بآلاف النصوص والوثائق؛ إلا أنها ليست كافية للتعرف على كل نواحي الحياة المصرية؛ لأن كل ما كتب على الآثار المختلفة لا يخرج عن كونه شرح لبعض المناظر الدينية المتكررة مع الإشارة إلى الآلهة والقرابين المختلفة بالإضافة إلى أسماء الملوك وبعض الأحداث التاريخية المهمة التي حدثت في عهدهم أو عهد أسلافهم. أي أن المحصول من هذا الإنتاج الضخم كان محصولًا ضئيلًا للغاية لا يتناسب إطلاقًا مع وفرة الوثائق المكتوبة؛ فالاعتماد إذن على هذه المدونات وحدها لا يكفي لإعطاء فكرة كاملة عن الحضارة المصرية في أشكالها المختلفة.

стр. 19

مقومات الحضارة المصرية: وكانت العقيدة التي يدين بها المصري خير ما أمدنا بفكرة واضحة عن الحضارة المصرية إذ إن المصري اعتقد في البعث وأنه سيحيا حياة أخرى أبدية -من جهة- ولأنه أحب حياته الدنيا وطمع في أن يجعل من حياته الأخرى صورة مطابقة لها -من جهة أخرى- صور مناظر حياته على جدران مقبرته أملًا في أن تتحول هذه المناظر إلى حقيقة واقعة عند البعث، ومع أننا نعتقد بأن هذه المناظر قد صورت على شاكلة ما كان يقوم به في حياته الدنيا؛ إلا أننا مع هذا نلاحظ

стр. 20

بأنه حرص على أن يجعل من تلك الحياة حياة مثالية، وتغالى في إظهارها بمظهر الحياة دائمة السعادة والرفاهية. وقد وصل في ذلك أحيانًا إلى درجة السَّفَهِ حيث حرص على أن يأخذ معه إلى العالم الآخر كل ما ظن أنه سيحتاج إليه من آلات وأدوات وحيوانات أليفة. ومع أن كثيرًا من حضارات العالم القديم قد درست عن طريق دراسة آثار المنازل ومخلفات مناطق السكن في تلك الحضارات؛ إلا أننا في مصر نجد أن هذه المنازل قد اختفى معظمها ولم يبقَ منها إلا النادر فقط؛ حيث كان المصري يعتقد بأن حياته في الدنيا حياة زائلة وأن الحياة الآخرة هي الحياة الأبدية فكان يقيم مساكنة من موادَّ خفيفة سريعة البلى واستعمل لذلك اللَّبِن والأخشاب ولم يستعمل الحجر؛ إلا نادرًا وعلى الأخص حول الأبواب والنوافذ فقط ولم يبقَ من المدن المصرية التي كانت آهلة بالسكان؛ إلا أمثلة شاذة مثل: كاهون وتل العمارنة، والسبب في بقائهما هو أنهما قد بُنِيَتَا لغرض خاص ثم أهملتا بعد بنائهما والإقامة فيهما قليلًا وهجرهما السكان بعد ذلك. ويشبه ذلك أيضًا بعض القرى التي أقيمت من أجل عمال الجبانات مثل: مساكن عمال جبانتي الجيزة وسقارة؛ ولذا كان من الصعب استنتاج صورة واضحة للمساكن المصرية في عصورها المختلفة؛ ولكن أمكن التوصل إلى ذلك عن طريق البقايا المتخلفة من تلك المدن ومن مساكن العمال ومن بعض النماذج التي وضعت في المقابر لغرض من الأغراض السحريه أو لمجرد اللهو والتسلية. وكذلك من النقوش التي تمثل تلك المنازل. أما الفن المصري فهو جدير بالإعجاب وقد وصل إلى درجة عالية من

стр. 21

الرقي في كل نواحيه المختلفة من عمارة ونقش ونحت وأدب وموسيقى، وقد بنيت هذه على أصول مستقلة فاقت في معظمها كل فنون الشعوب الأخرى ومما يميز الحضارة المصرية في هذا السبيل أننا نجد آثارها ممثلة في عصورها المختلفة، أي أن مظاهر تلك الحضارة ممثلة بصورة مستمرة من عصور ما قبل التاريخ في سلسلة متتابعة لا نكاد نجد فيها فجوة، فهي تمتاز عن سائر الأقطار الأخرى في هذه الناحية، وقد مكنتنا دراسة آثارها من التعرف على المصري في آلاف السنين ومنها يتضح أن اللغة المصرية لم تتغير إلا مرة واحدة وتغيرت الديانة مرتين كما تغيرت الطبقة الحاكمة عدة مرات، أما المصري نفسه فقد ظل دون تغيير يذكر؛ لأن ظروف الحياة الطبيعية ظلت كما هي ثابتة لا تتغير ولم يحدث مثل ذلك للشعوب الأخرى؛ ولهذا الأمر أهميته البالغة؛ لأنه يرينا كيف تطورت الآراء والأفكار خلال الخمسين قرنًا التي مضت وكيف تطورت العادات وإلى أي مدى أثرت الحضارة المصرية وتأثرت بالحضارات الأخرى وليس من المبالغة في شيء أن نذكر بأن الحضارة المصرية كان لها أثر كبير في الحضارتين اليونانية والرمانية اللتين نقل عنهما العرب. وهؤلاء بدورهم كان لهم أثرهم في الحضارات الأوروبية المعاصرة بل ويمكن أن نتبع أصل بعض الألفاظ في اللغة الإنجليزية وفي اللغات الأوروبية الأخرى ونرجعها إلى أصول مصرية قديمة. وما دامت الحضارة تنتج عن النشاط الإنساني وأن هذا النشاط يتأثر بالبيئة أي أنها تفاعل بين الإنسان وبيئته فمن الممكن القول: بأن البيئة المصرية بمميزاتها المختلفة هي التي حددت نوع تلك الحضارة وأثرت في تفكير المصري وإنتاجه، وإذا ما تأملنا هذه البيئة محاولين أن ندرس بصفة عامة

стр. 22

جغرافية مصر فى معناها الضيق لوجدنا أن نهر النيل يمتد فيها من صخور الشلال الأول إلى البحر المتوسط وهو يتفرع فى الدلتا إلى أن يصب فى البحر؛ وعلى ذلك شملت مصر قسمين مختلفين: الأول يمتد فيه وادى طويل ضيق مساحته المنزرعة ضئيلة للغاية وتحف به الصحارى من الجانبين ويمكن لأى إنسان إذا ما وصل إلى حافة الوادى أن يقف باحدى قدميه على الأرض المنزرعة ويرتكز بقدمه الأخرى على الصحراء، أى أن الانتقال من الأرض المنزرعة إلى الصحراء انتقال فجائى، وتلى الصحراء شرقا وغربا سلاسل من التلال القليلة الارتفاع تمتد بطول الوادى تقريبا أما فى الدلتا فالوادى متسع والأراضى الزراعية شاسعة فهى فى معظم العصور أغنى وأكثر إزدحاما من الوجة القبلى وما زالت كذلك حتى الآن ولكنها فى أقدم العصور التاريخية كانت أقل سكانا لكثرة مستنقعاتها. ولما كان الانسان القديم فى مصر يخشى خطر الفيضان ويتجنبه فإنه كان يسكن على جانبى الوادى على الهضاب المرتفعة وكان النهر فى بداية الأمر قليل العمق متسع المجرى، وكلما عمق مجراه كلما انحسرت المياة من الجانبين وتبعه السكان هابطين من الهضاب إلى حافة الوادى وعلى هذه نجد أقدم البقايا الأثرية من عصور ما قبل الأسرات موغلة فى الصحراء بعيدة عن الوادى وأكثر ارتفاعا من تلك التى تليها فى الزمن فتكونت بذ المدرجات النهرية المعروفة التى تعد شاذة فى تتابعها الزمنى لأن المعتاد فى الطيقات الأثرية أن تكون أقدامها هى السفلى وأحداثها هى العليا أما فى المدرجاتالنهرية فإن العكس هو الذى حدث.

стр. 23

وتتميز البيئة المصرية بأن الظاهرة الغالبه فيها تتمثل فى خطوط متوازية أو متعامدة فالوادى شريط ضيق يحيط بالنهر من الجانبين تبعد عنه قليلا الصحراوين الشرقية والغربية وهذه وتلك تخف بها سلاسل قليلة الارتفاع تظهر كأنها خطوط عمودية على طبقات الوادى التى تسير فى خطوط مستقيمة وكان لهذا أثره فى التفكير المصرى فقد رأى المصرى أن تلك الوديان والصحارى تمتد إلى مسافات شاسعة دون عائق وتمثل فضاء لا نهائيا كما أنه رأى بعض مظاهر الطبيعة فى إستمرار دائم فالشمس تشرق كل يوم فى المشرق وتغرب فى المغرب فاعتقد بأن هناك حياة خالدة يعيش فيها المرء حياة أبدية وأن الحياة الدنيا فترة اتنقال إلى عالم الخلود -وقد أثرت هذه البيئة كذلك فى نشاطه الفنى إذ خضع الفن إلى قواعد لا تحيد كثيرا عما تمثله المرء فى بيئته، فرسومه ونقوشه بل وتماثيله أيضا تخضع لقانون الاتجاهات المستقيمة حتى ليمكننا القول باننا إذا ما أخذنا صورة إنسان أو تمثالا من تلك التى قام بعملها المصري القديم وقطعنا الرأس والأطراف لوجدنا صعوبة فى تفسير الجزء الباقى كذلك إذا ما تأملنا هذه الصورة أو ذلك التمثال لوجدنا أن الراس يتعامد على الكتفين وأن هذين يمثلان خطا مستقينا يوازى الخطوط الأفقية الأخرى فى الجسم كذلك يتوازى الذراعان والساقان والخطوط الرأسية الأخرى ولذا قال أحد فلاسفة اليونان عن التماثيل المصرية بأنها كلها جميلة ولكن ينقصها المدرب الرياضى وذلك لأن الحركة فيها غير واضحة. وإذا ما خرجنا عن دائرة الأفكار الفلسفية والدينية والفن إلى الحياة العملية المصرية لوجدنا أن الجماعات التى عاشت فى مصر فى أجزائها المختلفة كان يسهل عليها الاتصال فيما بينها وأهم ظاهرة قامت بتسيير هذا الاتصال هى نهر النيل

стр. 24

الذي كان له أكبر الأثر فى نشأة الحضارة المصرية وتطورها؛ فمن المعروف أن اتجاه التيار فى النهر "من الجنوب إلى الشمال" واتجاه الرياح السائدة "الرياح التجارية الشمالية الشرقية" "من الشمال إلى الجنوب" وعدم وجود العوائق على طول النهر من البحر المتوسط إلى أسوان مما يجعل الملاحة ميسورة في كل أوقات السنة وفي الاتجاهات المختلفة؛ وعلى ذلك كان من الطبيعي أن تنشط الملاحة فتمكنت الجماعات المنتشرة على طول الوادي من الاتصال بعضها بالبعض بسهولة ويسر وتبادلت مظاهر ثقافاتها وحضاراتها المختلفة -وكان للنيل كذلك أكبر الفضل في توحيد تلك الجماعات إذ أن خطر الفيضان المشترك والرغبة فى التحكم فى مياه النهر للحصول على منافع مشتركة حتمت إيجاد مجتمع موحد متعاون فى ذلك الجزء من العالم. ولا شك فى أن وادى النيل كان فى أول الأمر مسرحا لتنافس تلك الجماعات الصغيرة المتفرقة التى كانت تعيش على جانبيه والتى كانت تكون أقاليم مستقلة يغير أقواها على ما جاوره من أقاليم أضعف ويبسط سلطانه عليها حتى انقسم وادى النيل فى جزئه الأدنى إل قسمين كبيرين: مملكة الوجه القبلى وممكلة الوجه البحرى- ومملكة الوجه القبلى كانت تضم أصلا أثنين وعشرين إقليما من تلك الأقاليم الصغيرة أما مملكة الوجه البحرى فكانت تضم عشرين إقليما وقد ظل هذا التقسيم يراعى فى معظم العصور الفرعونية، كذلك ظل انقسام البلاد إلى مملكتين عالقا فى الأذهان حتى نهاية تلك العصور ويتمثل ذلك فى الألقاب الملكية وفى الكثير من الإدارات الحكومية فكان الملك يلقب الملكية وفى كثير من الإدارات الحكومية فكان الملك يلقب بملك الوجهين القبلى والبحرى وأطلق على بيت المال مثلا إسم "بيتى الذهب والفضة" والمقصود هو بيت

стр. 25

الذهب والفضة الخاص بالجنوب ومثيله الخاص بالشمال كذلك كان هناك وزيران أحدهما للجنوب والآخر للشمال.

стр. 26

نشأة الحضارة المصرية ظل العالم المتحضر فترة من الزمن لا يعرف فيها شيئا عن نشأة الحضارة المصرية وتطورها بل وخيل للكثير من الباحثين بأن تلك الحضارة التى توحى آثارها بالنمو والإزدهار والتعقيد لم تكن أصيلة فى مصر ولم تتطور فيها وإنما جلبت إليها من الخارج صورة راقية، إلا أن العثور على آثار تمثل الحضارات السابقة لعصر الأسرات "أى الحضارات البدائية" فى سلسلة متتابعة تكاد تكون متكاملة أثبت أن الحضارة المصرية أصيلة فى مصر نشأت وتطورت فيها وإن كان الأمر لا يخلو بالطبع "كما هو الحال فى الحضارات الأخرى" من التأثر بحضارات الأقاليم المجاورة فى بعض مظاهرها. ولكن مما لاشك فيه بأن البيئات المتشابهة والأجناس المتشابهة تنتج حضارات متشابهة وهكذا كان تشابه بيئات الشرق الأدنى القديم مما يعقد الأمور فى التعرف على انتقال الحضارات من بيئة لأخرى. ولما كانت الحضارة المصرية قد وصلت إلى درجة رفيعة من التقدم والرقى فإنه كان من الأهمية بمكان أن يجتهد الباحثون فى التوصل إلى معرفة الجنس الذى يعد مسؤلا عن هذه الحضارة أو الذى أبدعها وأنشأها إلا أن كل الجهود التى بذلت لم تؤدى حتى الآن إلى نتيجة حاسمة إذ لم يعثر على بقايا بشرية يمكن الحكم منها على نوع السكان الذين عاشوا فى العصر الحجرى القديم وقد حاول العلماء عبثا التعرف على هؤلاء من مخلفات العصور التالية، وأقدم ما وجد من

стр. 27

مخلفات بشرية يدل على وجود عناصر مختلفة كانت تعيش جنبا إلى جنب ولذا يمكن القول بأن الحضارة المصرية ترجع الى أجناس مختلفة عاشت فى وادى النيل واحتك بعضها بالبعض كما كانت لهم علاقات بالأجناس المشابهة التى عاشت فى الأقطار المجاورة ولذا قال بعض المؤرخين بأنه لم يوجد مصرى على الإطلاق وإنما كان هناك دائما مصريون ويعنى هذا أنه لم ينفرد فى مصر جنس واحد وإنما وجدت أجناس متجاورة اختلطت ببعضها وكونت فى مجموعها سكان وادى النيل الأدنى. ومما لاشك فيه أن الشعبة الحامية من جنس حوض البحر المتوسط كانت أكثر العناصر نشاطا فى شمال أفريقيا بما فى ذلك وادى النيل، ويبدو أن جنسا له بعض الصفات الزنجية قوى التكوين والبنية كان يسود العالم القديم وقد دخلت الى وادى النيل فى أثناء دخوله اليها عناصر حامية قليلة العدد ثم ما لبثت هذه الأخيرة أن ازداد عددها حتى أصبحت هى الغالبة فى الوادى ورغم ذلك ظل خليط تلك العناصر مع الجنس أقوى البنية ممثلا فى معظم العصور التاريخية. ومن المعروف كذلك أن عناصر كثيرة مختلفة قد دخلت إلى مصر فى عهودها المختلفة ولكن هذه لم تؤثر فى التكوين الجنسى للسكان إلا بنسب ضئيلة لأن تلك العناصر عند دخولها إلى مصر لا تلبث أن تحتفظ بالسكان وتندمج فيهم وتفقد مميزاتها الجنسية بالتدريج وإن ظلت بعض تلك المميزات تظهر فى العناصر الناتجة من إختلاطها حينا بعد حين. وقد أدى تشابه بعض مظاهر الحضارة فى مصر مع مظاهر للحضارة فى جنوب غربى آسيا إلى الإعتقاد بأن الحضارة المصرية قد نقلت من

стр. 28

هذه الجهات إلى مصر عن طريق هجرة من الهجرات ولكن تشابه ظروف البيئة فى تلك المرحلة البدائية يجعلنا نتردد كثيرا ف الأخذ بهذا الرأي، ومع كل فإن انتقال تلك المضاهر الحضارية قد تم عن طريق احتكاك مباشر أو غير مباشر بين سكان وادى النيل وبين سكان جنوب غربى آسيا وليس ضروريا أن يكون عن طريق هجرة من الهجرات. فنشأة الحضارة فى مصر إذن ما زال يكتنفها الغموض ومهما قيل فى ذلك فإن ما يعنينا هو أننا نجد في العصور الفرعونية حضارة بهرت العالم ووصلت إلى مدى بعيد في ميدان التقدم في كافة مظاهرها المختلفة وقد تمثلت في مصر دولة قوية فتية يحكمها بيت مالك له تقاليده ومراسيمه المعقدة ويحيط بالملك حشاية يحمل أفرادها مختلف الألقاب ويحتلون مناصب رفيعة، وتكاد تحاكى في تنظيمها الإدارى ما نسير عليه في حياتنا الحاضرة وكانت الطقوس الدينية تقام في بعض العبادات الحديثة وكان الجيش يتبع أساليب وفنون حربية تسير وفق الأسس التى تقوم عليها الجيوش النظامية -وهكذا فى سائر النظم كانت مصر دولة لا تختلف في كيانها كثيرا عن أى دولة حديثة. ويرى كثير من الأثريين بأن الحضارة المصرية كانت حضارة مادية حسية فى أساسها وأنها كانت تهدف إلى الناحية العلمية دون النظرية. ولكن مما لاشك فيه أن كثيرا من النتائج العملية التى وصل إليها المصرى كانت عن طريق إتجاهه إلى بعض النواحى النظرية أى أنه سما بتفكيره عن تحقيق أهداف عملية فى دراسته لبعض النواحى العلمية، ومهما

стр. 29

كان الأمر فإنه في كل إنتاجه في المراحل الأولي من حضارته كان يهدف أصلا إلى تحقيق منفعة في حياته العملية شأنه في ذلك شأن الشعوب الأخرى. وإذا ما أردنا دراسة مظاهر الحضارة المصرية المختلفة فان من الملائم أن نتحدث عنها على أنها مظاهر لمجتمع نشيط راق وصل إلى مرتبة عالية من التنظيم وبالطبع تحتل الأسرة المكانة الأولى فى دراسة أى مجتمع من المجتمعات وتمثل الحياة اليومية لأفرادها مظاهر الحضارة المختلفة.

стр. 30

الأسرة إذا ما أردنا أن نتتبع تقاليد الزواج والنظام الأسرى في مصر القديمة فإننا لا نكاد نجد ما يشير إلى هذه الأمور في بداية العصور الفرعونية، ويخيل إلينا أن المصري في عصور ما قبل الأسرات كان يتخذ زوجة كأليف تعاونه في حياته وتنجب له الاطفال شأنه في ذلك شأن الإنسان في كل المجتمعات البدائية البسيطة، فإنجاب الذرية من أهم البواعث على الزواج في تلك المجتمعات -ويستدل على أن المصرى القديم قد توخى هذا الغرض من تماثيل السيدات التى وجدت في عصور ما قبل الأسرات فهى عموما تماثيل لسيدات متضخمات الأثداء والبطون وهى في هيأتها وتكوينها تدل على أن المقصود منها تمثيل الأمومة وانجاب الذرية، "شكل ١" ومن نصائح أحد الحكماء لشاب يحضه على الزواج قوله له أن يتخذ له زوجة في شبابه "فإن أحسن شئ في الوجود هو بيت الإنسان الخاص به" وأن "تلد له ابنا" -ويبدو أن الاحتفاظ بالزوجة لم يكن سهلا كما هو الحال في سائر الجماعات البدائية فربما كان القوى يغتصب زوجة الضعيف ويتخذها

стр. 31

لنفسه ولذا نجد أن الملك المتوفى يوصف فى نصوص الأهرام بأنه "يأخذ النساء من أزواجهن على حسب رغبته". ولا نعرف طقوس الزواج فى مصر القديمة إلا أن من المرجح أنه كانت هناك عقود قانونية كما يفهم ذلك من أقوال الحكماء في نصحهم لمن يستمعون إليهم عند الإشارة إلى الزوج بقولهم "لكى يؤسس المرء لنفسه بيتا" مما يدل على أن هناك إتفاقا من نوع ما أو عقدا يكتب بصورة خاصة١. "شكل ١" تماثيل سيدات من العصر قبل التاريخى. أما مركز المرأة فى مصر القديمة فكان على خلاف ما يعتقده الأوربيون عن نساء الشرق إذ أن هؤلاء يعتقدون بأن المرأة في الشرق ملهاة للرجل وأنها لعبته ولمجرد تسليته والوقوف على راحته وظنوا أن الحالة في مصر القديمة لم تكن تختلف عن ذلك إلا أن هذا القول يتنافى مع الواقع فالمرأة فى الشرق من الناحية العملية تحظى بمكانة أعظم بكثير من مكانة المرأة الأوروبية ولها من الحقوق مالا تحلم به هذه الأخيرة في كثير من الأحيان. وعلى أية حال احتلت المرأة مركزا هاما في مصر

стр. 32

القديمة وظهرت سيدات عظيمات قمن بأدوار كبيرة في التاريخ، وكانت الزوجة الشرعية لاتقل مركزًا عن الزوج فهي على قدم المساواة معه وقد مثلت في تماثيل الدولة القديمة في حجم يكاد يكون مساويًا لحجم الرجل "شكل ٢" وتضع يدها حول رقبته أو وسطه في تآلُفٍ وكانت تشترك في صيده ولهوه وفي الإشراف على أعماله المختلفة. أما في العصور المتأخرة نسبيًّا فقد روعي أن تمثل الزوجات بحجم أصغر من حجم أزواجهن لأسباب فنية أو تقليدية. "شكل ٢": تمثال منقرع وزوجته بمتحف بوسطن وكان من النادر أن يجمع المرء أكثر من زوجة شرعية ومع هذا كانت الزوجات الشرعيات للشخص الواحد في درجة عظيمة من الوُدِّ

стр. 33

والتآلف فمثلا نجد أن "إميني" الذي كان نبيلا من نبلاء الدولة الوسطى كانت له زوجتان شرعيتان: إحداهما تسمى: حنوت، والآخرى تدعى: نبت، وقد أنجبت له الأولى ثلاث بنات وولدًا واحدًا، أما الثانية: فكان لها ولدان وخمس بنات وقد أسمت "حنوت" بناتها جميعًا باسم الزوجة الثانية، وسمت الأخرى ثاني بناتها باسم "حنوت" ويدل هذا على مقدار الصفاء بينهما١. وفي العصور المتأخرة لم تنشر عادة الزواج بأكثر من واحدة إلا في الطبقات الدنيا أو عند الملوك فقط وحكام الأقاليم وذلك لأسباب تتعلق بالوراثة أو لأسباب سياسية فأحد حكام الأقاليم في الدولة الوسطى قد أصاب ميراثًا عن طريق زواج والده بإحدى السيدات اللائي يرثن أحد الأقاليم أي أنه لم يكن له الحق في وراثته إلا عن طريق هذا الزواج، كما أن الملوك في الدولة الحديثة عمدوا إلى مصاهرة بعض ملوك دول الشرق المجاورة، ومن أبرز هذه الزيجات: زواج رمسيس الثاني بابنة ملك الحيثيين بعد عقد معاهدة الصلح بينهما، وقد جاء هذا الزواج توكيدًا للتحالف بينهما. وكان الزواج يتم غالبًا في سن مبكرة فالولد يتزوج عادة في سن الخامسة عشر أما البنت فكانت تتزوج في الثانية عشرة، وكان زواج الأخت قاعدة متبعة ويمنح الوالد ابنته لولده ليتزوج منها وتطور الأمر فأصبحت كلمة الأخت تطلق لتعني الحبيبة أو الخليلة كما كانت تدل على الزوجة ولم تكن هناك غضاضة في زواج الأخت فقد نشأت هذه العادة على الأرجح

стр. 34

في المجتمعات الصغيرة لظروف حتمتها البيئة حتى تحافظ على دمائها وظل الملوك في مصر يتبعونها للمحافظة على الدم الملكي المقدس في دائرة البيت الملكي نفسه. ورغم الزواج المبكر كانت الحالة الخلقية بين الأزواج عادية في معظم الأحيان ولكن شابتها بعض الشوائب في أحوال نادرة إذ إن أمثلة وردت عن حدوث بعض الخيانات الزوجية إلا أنها لم تكن شائعة. وكان ينظر إلى الأرملة نظرة الحذر وكان الحكماء يحضون الشباب على تجنب الالتقاء بها حتى لا يقعوا في حبائلها كما أنهم كانوا ينفرون من المرأة المجهولة الأصل١. ولم يكن النبيل أو العظيم ليقتصر زوجته الشرعية فقط بل كان يتخذ بعض المحظيات فكان له بيت للحريم -شأنه في ذلك شأن الملوك- كان يعرف باسم: بيت المحجبات، ويخضع لرقابة شديدة. ولم يكن للحريم حقوق الزوجات الشرعيات، وليس لأبنائهم ولا لبناتهم حقوق شرعية، ولم يظهرن في الحفلات على قدم المساواة مع الزوجات بل كان مركزهن في المؤخرة دائمًا، وكان على المحظيات أن يقمن بالغناء وبالترفيه عن السيد، ومع هذا فقد وجدت أمثلة كثيرة للعتق وتشير إلى ذلك نصوص مختلفة وبعض النصوص تشتد في عتقهن والاحتفاظ لهن بالحقوق الشرعية كالأحرار٢. وكان مركز الأم عظيمًا للغاية وكان المرء ينسب إليها أحيانًا لا إلى

стр. 35

والده فيضاف اسم الأم بعد اسم الشخص، وكان التوريث في الدولة الوسطى يسير على نظام ابن الأبنة الكبرى هو الذي يرث لا الابن الأكبر كما أن جِد الشخص من جهة أمه كثيرًا ما كان يتوسط لحفيده في نيل الحظوة لدى البلاط أو في الحكومة، ولم يكن الابن ليرث عن أبيه شيئًا إلا بعد أن يقرر الملك ومستشاروه ذلك، لكي يوضع في مكان والده؟ ١. ومن جهة أخرى كان يراعي دائمًا أن يحمي الابن اسم والده وأن يخلده فهو يشرف على تقديم القرابين له ويحافظ على مقبرته وإبقاء آثاره لأن المصري كان يعتقد أن زوال اسمه من النقوش هلاك أبدي له؛ ولذا كثيرًا ما عمد بعض المصريين إلى إزالة أسماء بعض السابقين للانتقام منهم، ومع كل لا نجد أمثلة كثيرة يفتخر فيها الابن بوالده، بل ولم نجد سلسلة نسب كاملة تستمر عدة أجيال إلا في العصور المتأخرة وربما ذلك لصعوبة التعرف على الأجيال السابقة وذلك لأن الشخص كثيرًا ما كان يغير اسمه في بعض مراحل حياته كما أن بعض الأشخاص كانوا يعرفون بأسماء التدليل لا بأسمائهم الأصلية وأصبحت أسماء التدليل هذه واختصارات الأسماء شائعة منذ الدولة الوسطى على الأقل. أما الروابط العائلية بين أفراد الأسرة المختلفة فقد كانت تشوبها بعض الشوائب أحيانًا وذلك لانتشار عادة التسري ووجود الكثير من الرقيق الأجنبي وكان المصري ينظر إلى هؤلاء نظرة التحقير بل أنه كان ينظر

стр. 36

إلى الأجنبي عامة نظرة الاحتقار شأنه في ذلك شأن الأمم التي تنهض وخاصة إذا كانت الأمم الأخرى أضعف منها ويتمثل هذا في تعريف المصري للمصريين بأنهم: الرجال أو بني الإنسان. وللبدو بأنهم: سكان الرمال أو الصحراء. ولأهل الجنوب بأهل كوش الخاسئين، ومن الأمثلة الواضحة على احتقار أهل البلاد الأخرى مانجده في نص يمثل شكوى أحد الأبناء إلى الوزير في حق والده الذي كتب جزءًا من أملاكه لزوجته الثانية، فقد أجاب الوزير على هذه الشكوى بأن الوالد حر فيما يمتلك حتى ولو كانت تلك الزوجة التي أعطاها ليست زوجته بل محبوبه أجنبية آسيويه أو نوبية١. وكثيرًا ما كانت الزوجة الثانية وخاصة التي لا أولاد لها، تُعامل بشيء من القسوة من أولاد زوجها وإن كنَّ أحيانًا يعاملن معاملة طيبة ويحظين بمركز ممتاز وبالطبع كان المال عاملا مهمًّا في تحديد بعض أنواع العلاقات التي كانت تسود في الأسرات. أما فيما يختص بالأطفال وتنشئتهم فإنهم في عهد الدولة القديمة كانوا يتركون لحريتهم حتى سن الرابعة تقريبًا وكثيرًا ما تمثلهم النقوش وهم عرايا مجردين من اللباس يلعبون أو يصحبون آباءهم في نزهاتهم وصيدهم، أما بعد الدولة القديمة فيندر أن نجد صورة لطفل مجرد من اللباس، وكانوا يذهبون إلى مدارس تلحق بالمعابد غالبًا ولكن أبناء النبلاء وذوي النفوذ كانوا يذهبون إلى مدارس البلاط حيث ينشئون مع أبناء الملك وكانت العلامة المميزة لأبناء الملوك والنبلاء خصله من الشعر أشبه بالضفيرة على جانبي الرأس. ومع أنهم كانوا يعاملون بشيء من الحزم في تربيتهم أكثر

стр. 37

من أطفال العصر الحالي إلا أنهم كانوا يحظون بالكثير من اللُّعب التي وجدت منها نماذج في بعض المقابر ومنها أنواع متقدمة في صناعتها وفكرتها كثيرا ١. وقد روعي في قواعد السلوك أن تجعل من الإنسان شخصًا ممتازًا في عمله وفي علاقته مع الآخرين وهي تحضُّ على التعليم والابتعاد عن الشرور والآثام وعن قرناء السوء، ومن تعاليم بعض الحكماء نتبين أن السلوك في حضرة العظماء كان معقدًا يشوبه الكثير من التكلف ولا يكاد يختلف كثيرًا عن قواعد السلوك الحالية، ومن أمثلة ذلك ماورد على لسان أحد الحكماء: "إذا دعيت إلى حضرة العظيم فلا تجلس إلا إذا دعاك وإذا دعيت إلى الطعام فكل مما هو أمامك ولا تنظر إلى ما يأكله ذلك العظيم، اضحك عندما يضحك فإن هذا مما يبهج قلبه.. إلخ". أما عن وسائل الترفيه وقتل أقات الفراغ: فكثيرًا ما كانت الأسرة تشترك في الخروج مع عميدها في رحلات صيده ولهوه، فبعض النقوش تبين لنا الرجل واقفًا في زورقه وهو يقوم بصيد الطيور أو الأسماك في المستنقعات ومعه زوجته وأولاده وقد يصحبهم قط أليف يأتي بالطيور المصابة إلى القارب، أما في رحلات الصيد المحفوفة بالمخاطر مثل: صيد فرس النهر والتمساح وصيد الحيوانات المفترسة في الصحاري فأغلب الظن أن الرجال هم الذين كانوا يخرجون فيها وحدهم إذ لم يَرِدْ في النقوش ما يبين اصطحابهم لعائلاتهم فيها، غير أنه في أحوال نادرة كان يطيب لبعضهم

стр. 38

أن يصحبوا زوجاتهم في صيد الصحراء حيث تقوم كلاب الصيد بدور مهم فيها إذ تكون حيوانات الصيد الرئيسية من الأرانب والغزلان التي يسهل للكلاب الإمساك بها، وكثيرًا ما كانت تقام في الصحراء ساحة مسورة بحواجز "جدران" في هيئة الشباك تساق إلى داخلها حيوانات الصيد حيث كان الملك في الدولة القديمة يمتع نفسه بإطلاق سهامه عليها بينما يقف على خدمته عدد من الخدم يقدمون له السهام التي يطلقها، وقد حاكى أمراء الأقاليم ملوكهم في هذه الرياضة منذ عهد الفوضى الأول، أما في الدولة الحديثة فإن الملوك كانوا مولعين بصيد الحيوانات المتوحشة ومواجهتها في العراء لما في ذلك من إثارة وحماس رغم الخطورة التي كانوا يتعرضون لها. أما تسلية الأسرة داخل الدار فتنحصر في مشاهدة رب الدار وأسرته لبعض المتصارعين وهم يعرضون ألعابهم في مرونة وخفة ومهارة "شكل ٣". "شكل ٣": فريق من المتصارعين. أو بعض المتبارزين المسلحين بعصي قصيرة ويتقون ضربات خصومهم بأذرعهم الطليقة التي تحميها سيور جلدية شدت إليها، وقد تشاهد الأسرة

стр. 39

كذلك عرضًا لبعض الفتيات يلعبن بكرات صغيرة ألعابًا فيها كثير من المهارة والحذق أو يؤدين حركات بهلوانية أو يقمن بالرقص وهو ما كان يقوم به الرجال كذلك في بعض الأحيان، وكثيرًا ما يبدو في مناظر الرقص ما يمثل اللوحات الحية أو رقص الباليه "شكل ٤"، وكانت الموسيقى "شكل ٤": راقصات يمثلن لوحة حية والتصفيق بالأيدي والغناء ترافق الرقص في كثير من الأحيان، وقد أغرم المصريون بإقامة الحفلات التي كانت لا تخلو من الموسيقى والغناء والشراب. ولم يقتصر المصريون على ضروب التسلية الرياضية أو مشاهدة فرق المصارعين والراقصين وغيرهم والاشتراك في الحفلات المختلفة بل كانت لديهم أنواع أخرى من الألعاب وضروب اللهو فمن ذلك مثلا: قيام بعض الصبية بلعبه يَتَكَهَّنُ فيها أحدهم بمن يضربه وهو راكع لا يرى أيدي زملائه حين يهوي أحدهم على ظهره "شكل ٥" أو يشتركون في قذف أداة ذات سن مدببة على لوحة من الخشب وغيرها من الألعاب التي تحتاج إلى مران ومهارة، كما أن الألعاب التي تحتاج إلى إعمال الفكر كانت محببة لديهم في سائر عصورهم ومنها ما يشبه رقع الشطرنج أو الداما الحالية، ومنها لعبة كانت رقعتها

стр. 40

"شكل ٥": لعبة محاولة معرفة الضارب ذات مقبض وقد رسم عليها شكل أفعى مُلْتَفَّة حول نفسها ولكنها مقطعة في بعض الأماكن وكان المتباريات يلعبانها بوضع تماثيل صغيرة للأسود والكلاب على جسم الأفعى، ويبدو أن الفائز هو الذي يستطيع إخراج تماثيله من ذلك التيه الممثل في شكل جسم الأفعى بشروط معينة "شكل ٦" وغير ذلك من الألعاب التي لم يكن التوصل إلى طريقة لعبها أو قواعدها. "شكل ٦": لعبة الثعبان
следующие страницы →