وفي مجال العمارة سبق أن أشرنا إلى ما كانت عليه مساكن أهل بلاد النهرين "انظر أعلاه "ص٢٠٢- ٢٠٤" وبينَّا أهم ما تميزت به.
أما المباني العامة مثل المعابد فكانت تقام في أول الأمر من الطين، وبعد أن عرف اللَّبِن استخدم هذا في بنائها وظل الحال كذلك فترة طويلة حتى بعد أن عرف الآجر "اللبن المحروق". وقد حرمت البيئة في جنوب العراق من موارد كافية للأحجار الصالحة للبناء؛ فاستعيض عن ذلك بجعل الجدران سميكة ضخمة حتى تكون لها متانة الجدران الحجرية، كما كان من الضروري تعريج هذه الجدران بجعلها ذات نتوءات وتجاويف "كجدران الحصون" على أبعاد متساوية وربما كان هذا الشكل قد نشأ عن ضرورة حربية وليس لمجرد تقوية الجدران أو للزينة؛ إذ إن المعبد كان يعد أقدس مكان للجماعة وهو مقر معبودها؛ ونظرًا لأن الأسلحة بعيدة المدى لم تكن معروفة عند نشأة هذه المعابد فمن المرجح أن التجاويف التي كانت بالجدران كانت تتيح للمدافعين فرصة الاحتماء فيها ومباغتة العدو، ثم ظهر طراز آخر للمعابد يتمثل في بناء طبقات في هيئة مصاطب تتدرج في صغرها إلى أعلى وهو الأصل الذي تطور إلى الزاقورة أو البرج المدرج٢، ويعتقد المؤرخون بأن أهل بلاد النهرين قاموا ببناء هذه المعابد المرتفعة؛ لاعتقادهم بأن الإله يهبط إليها ويشرف منها على شئون البشر، ولكن من جهة أخرى يمكن تفسير ظهور هذا
стр. 317
الطراز لما له من ميزة دفاعية إزاء ما استحدث من أسلحة أبعد مدى من أسلحة العصور السابقة، ومما يؤيد ذلك أنه على الرغم من بناء معابد أرضية إلى جوار هذه المعابد المرتفعة؛ فإن كلًا من هذه المعابد كان يحاط بسور خاص إلى جانب السور العام الذي يحيط بمجموعة المعابد.
وكانت المعابد عمومًا تخضع في تصميمها لتقاليد موروثة؛ إلا أن المعماريين كثيرًا ما كانوا يتصرفون في ترتيب أجزائها المختلفة، والتصميم الغالب فيها أن يكون بجدارها الخارجي مدخل أو أكثر لها بوابات مزدوجة وتؤدي إلى فناء أوسط وهو بدوره يؤدي إلى بَهْوٍ عن طريق بوابة رئيسية، وهذا البهو ينتهي في طرفه البعيد بالهيكل الذي تقع أمامه غرفة يلحق بها كما يلحق بالهيكل مخازن للأمتعة المقدسة، وكان من المعتاد أن يوضع في أساس كل معبد رمز للوقاية يكون أحيانًا عند البوابة في إحدى المشكاوات وأحيانًا تحت أرضية قدس الأقداس وقد يوجد مذبح أمام قدس الأقداس؛ إلا أن الغرض منه يكون رمزيًّا فحسب لأن مذابح أخرى كانت تقام في أماكن أخرى من المعبد، ومنها ما كان كبير الحجم بحيث يصلح لذبح الماشية.
ومن الجدير بالذكر أن قدس الأقداس في المعابد المرتفعة "الزاقورات" كان يتمثل في أعلى طبقة منه حيث يوجد هيكل كبير روى هيرودوت أنه كان يحوي سريرًا مزخرفًا زخرفة فخمة، وتقوم إلى جانبه مائدة من الذهب، كما يروي هيرودوت أن الإله كان يختار امرأة من الريف
стр. 318
لتمضي الليل في هذا الهيكل١.
وفي العهد البابلي ظهر طراز جديد من المعابد يبدو أنه كان مشيدًا لعبادة الملك الحاكم وهو مربع الشكل أضيفت إليه ركائز أو دعامات، وفي مدخله برجان مزينان بالتجاويف، وهذا المدخل يؤدي إلى ممر ضيق في يساره غرفة للتخزين، وفي نهايته بناء مربع يؤدي إلى صومعة بها كوة لتمثال الإله، أمامها مجرى من الفخار لتصريف سوائل القرابين وإلى يسار الصومعة غرفة للاجتماعات أو للصلاة، وإلى يسار المعبد قصر الحاكم الذي يقع إلى غربه معبد آخر بنفس نظام المعبد السابق؛ ولكنه يتميز بما ألحق به من مبانٍ خصصت للكهنة، ومن هذا يبدو واضحًا أن قصر الملك كان يحتمي بهذين المعبدين حيث كان من المحتم أن يمر من يذهب إلى القصر بأحد المعبدين وكان عليه بعد ذلك أن يمر في غرفتين طويلتين ضيقتين شددت عليهما الحراسة، وبين الغرفة الأخيرة والقصر ساحة مربعة تؤدي إلى الديوان، وهو عبارة عن حجرة كبيرة للأعمال الإدارية والاحتفالات تحيط بها دوائر، ويلي هذه الحجرة قاعة للعرش تفصل الديوان عن الغرفة الخاصة للملك.
ولم يحدث تطور يذكر في طراز المعابد أو القصور الملكية إلا في زيادة عدد الأفنية والحجرات وإضافة أبراج قوية عند الزوايا كما زينت الفجوات التي بجدران المعابد بمنحوتات بارزة من الآجر، وفي عهد الأشوريين استعملت ألواح حجرية لحماية الأجزاء السفلى من الجدران
стр. 319
المعابد والقصور، كما أن المناظر المنقوشة على الجدران كانت تزجج، أما أسوار المدن فكان في كل ضلع لها مدخلان، وهذه المداخل تحميها أبراج قوية، ومحلى أبواب القصور وضعت تماثيل لثيران مجنحة ذات رءوس بشرية ربما كان القصد منها أن تكون رمزًا للحماية، أما في العصر البابلي الحديث؛ فقد اختفت هذه التماثيل وحلت محلها نقوش لحيوانات وأزهار على آجر أزرق مزجج، وكان قصر الملك يقع في إحدى نهايتي الشارع الرئيسي للمدينة وفي النهاية الأخرى يوجد المعبد الرئيسي وإلى جواره برج بابل أو زاقورة الإله مردوخ "شكل ٥٤".
стр. 320
شكل "٥٤": منظر عام لمدينة بابل وقصورها وزاقورة الإله مردوخ.
стр. 321
سادسا: ايران
مدخل
...
سادسًا: إيران
تدل الأبحاث الجيولوجية على أن إيران أثناء العصور الجليدية في أوربا تكثر بها السطوح المائية لتعرضها لكمية وفيرة من التساقط حتى إن كثيرًا من جهاتها بما في ذلك بعض الوديان العليا كانت تحت سطح الماء، وأن صحراء الملح التي تتوسط الهضبة كانت بحيرة عظيمة أو بحرًا داخليًَّا، وفيما بين الألفين الخامس عشر والعاشر قبل الميلاد أخذ المناخ يتدرج نحو الجفاف وحدثت بعض التطورات التي أدت إلى تراكم رواسب الأنهار عند مصباتها مكونة مدرجات مرتفعة تمثل منطقة انتقال بين الجبال وبين السهول الفيضية التي كانت في سبيل التكوين.
ولا بد أن إنسان العصور قبل التاريخية الذي عاش في الهضبة١ كان ينتقل إلى حافة السطوح المائية كلما أخذت في الانكماش والتراجع، وكان حينئذ يعيش في جماعات متفرقة متباعدة في معظم الأحيان، وقد تعرضت هذه الجماعات إلى مؤثرات خارجية؛ لقربها من مناطق حضارية مثل بلاد النهرين من جهة ولوقوعها في طريق الهجرات البشرية الآتية من المناطق الرعوية والجبلية من جهة أخرى. وفضلًا عن ذلك فإن وقوع الهضبة الإيرانية بين بلاد النهرين وبين أرمينيا ورغبة ملوك الأولى في الحصول على بعض الموارد من الأخيرة مثل الرصاص قد أدى إلى أن
стр. 322
تصبح إيران أو جزء منها على الأقل منطقة عبور لمثل هذه الموارد.
ولا يعرف على وجه التحديد متى وصل الإيرانيون الذين ينتمون إلى العناصر الهندو أوربية التي كونت إمبراطوريات عظيمة فما بعد؛ ولكن من المرجح أنه في خلال الألف الثانية قبل الميلاد قامت هجرة عظيمة من الشعوب الهندو أوربية من مواطنها التي كانت على الأرجح في السهول الأوراسية جنوب روسيا، وقد تفرعت هذه الهجرة إلى شعبتين: غربية دارت حول البحر الأسود وعبرت البسفور ثم وصلت إلى آسيا الصغرى "وفي أثناء دورانها تقدمت بعض جماعاتها إلى شبه جزيرة البلقان" ويطلق على هؤلاء اسم الهندو أوربيين، وشرقية دارت حول بحر قزوين وعبرت القوقاز ثم وصلت إلى منحنى الفرات واختلطت بالحوريين الأصليين الذين كانوا أيضًا من أصل آسيوي، ونشأ عن ذلك الاختلاط قيام مملكة ميتاني، وقد خرجت من هذه الجماعات بعض العناصر المحاربة التي تستخدم الجياد إلى امتداد جبال زاجروس واخترقتها جنوبًا إلى منطقة اشتهرت فيما بعد كمركز لتربية الخيول، وقد بدأت هذه الجماعة في تلك المنطقة كأقلية نشيطة سرعان ما طغى نفوذها على سكانها الأصليين الذين كانوا يعرفون باسم الكاشيين وامتصتهم، وهذه المجموعة الشرقية كلها عرفت باسم الهندو إيرانيين.
ويمكننا أن نتخيل بأن الإيرانيين وصلوا إلى الهضبة بزوجاتهم وأولادهم وحيواناتهم، وقد انتهزوا فرصة انقسامها إلى عدد من الدويلات فدخلوا في خدمة أمرائها كمحاربين مرتزقة وتمكنوا في النهاية من أن يستأثروا بالسلطة وأجبروا السكان الأصليين على الخضوع لهم.
стр. 323
ومن العسير أن نتتبع هذه التطورات؛ إذ لا توجد وثائق تدل عليها؛ ولكن يمكن أن نستنتج بعض مظاهر حضارتهم من الآثار التي خلفوها إلى جانب الآثار الدالة على حضارة السكان الأصليين، وتدل البقايا البشرية التي عثر عليها لهؤلاء القادمين الجدد على أن معظمهم كانوا من ذوي الرءوس العريضة أي أنهم كانوا يشبهون العناصر التي انتشرت في إيطاليا وغرب أوربا، وكانوا ينقسمون إلى جماعات قبلية حلت كل منها في جزء من أجزاء الهضبة، وكان الميديون والفرس "الإخمينيون" أهم هذه الجماعات وقد نزل الميديون غرب الهضبة ثم كونوا دولة قصيرة الأجل عرفت باسم الدولة الميدية، ونزل الفرس في الجزء الجنوبي الغربي، وأصبح اسمهم يطلق على هذه المنطقة التي استقروا فيها ثم صار علمًا على الدولة التي شملت الهضبة كلها وبلغت من الاتساع في وقت ما درجة جعلتها أعظم الإمبراطوريات في الشرق الأدنى.
والخلاصة أن ظهور هذه الشعوب في هضبة إيران واندماجها مع سكانها الأصليين قد بعث فيها حيوية فائقة ونهضة حضارية عظيمة؛ إذ بعد أن كانت الهضبة تسودها دويلات مدن أو دويلات حول المعابد سرعان ما تحولت هذه إلى اتحادات قوية ما لبثت أن كونت إمبراطوريات من أقوى الإمبراطوريات التي ظهرت في التاريخ وأبعدها أثرًا في ميدان الحضارة.
ومهما قيل عن اختلاف هذه الجماعات عن السكان الأصليين من جهة واختلاف قبائلهم ومكان استقرارهم من جهة أخرى فإنه من الممكن مع التغاضي عن قصر أجل دولة الميديين، أن نعتبر أن الحضارة التي
стр. 324
وصلت إليها هذه الجماعات -مع شيء من التجاوز- كانت استمرارًا لمظاهر حضارية كانت قائمة في الهضبة وتطورًا لها؛ سواء كانت هذه أصيلة أو متأثرة بمؤثرات خارجية.
стр. 325
الحياة الاجتماعية
بالرغم من أن حضارة الإيرانيين كانت -مثل حضارة الحيثيين- مبنية على مجدها العسكري؛ إلا أنها تميزت ببعض المظاهر التي تدل على رقيهم في مضمار الحياة المدنية؛ وإن كان الكثير من أصول هذه المظاهر قد اقتبس من غيرهم، ومع هذا فقد فاقوا كثيرًا من الأمم في تطوير هذه المظاهر الحضارية واستحداث مظاهر أخرى.
ولا شك في أن المرأة في العصور السحيقة قامت بدور حاسم في الحياة الاجتماعية وتعرفت على الكثير من الأشياء التي كان لها أكبر الأثر في حياة الإنسان؛ فإليها يعزى التعرف على بعض الثمار الصالحة للطعام وملاحظة بعض النباتات في نموها، وقد تكون جهودها هي التي أسفرت عن معرفة الزراعة واختراع الأواني الفخارية. وربما كانت ضخامة الدور الذي قامت به بالقياس إلى دور الرجل هو السبب في اتباع النظام الأموي في كثير من المجتمعات البدائية، ولا بد أن هذا النظام كان سائدًا بين سكان الهضبة القدامى ثم انتقل منهم إلى الآريين فيما بعد، ومن المرجح أن المرأة استطاعت أن تتحكم في شئون الجماعة وتمتعت بمكانة جعلتها تصل إلى أقوى المراكز فقامت في بعض القبائل بقيادة
стр. 326
الجيوش١ كذلك كانت تصل إلى الكهانة. وكانت الوراثة تنتقل في فرع المرأة باعتبارها ممثلة لنقاوة العنصر؛ إذ يغلب على الظن أن تعدد أزواج المرأة كان شائعًا كما كان زواج الأخ من أخته مألوفًا، وقد ظل هذا النظام الأخير إلى عصور متأخرة وكان منتشرًا في مختلف أقطار الشرق الأدنى، ومن الغريب أن زواج الأم بالابن كان معروفًا في الهضبة ولكنه كان نادرًا.
وكان المجتمع الإيراني ينقسم إلى طبقات: الأمير والنبلاء ويليهم الرجال الأحرار الذين يملكون ضياعًا ثم الأحرار المعدمين، وأخيرًا العبيد، وكان الملك على رأس الدولة ويلقب بلقب "خشاثرا" أي: المحارب، مما يبين الصفة العسكرية للملكية الفارسية، وكان سلطان الملك مطلقًا يملك ويحكم وأوامره مطاعة نافذة؛ غير أنه كان يتقيد بتقاليد وعادات موروثة؛ إذ إنه كان يهب الأعيان والنبلاء بعض الإقطاعات ويجعل منهم مجلسًا للشورى يصدر أوامره بعد الرجوع إليه، وكان أعضاء هذا المجلس هم الوسطاء بينه وبين الشعب، وكان الناس يعتقدون بأن الملك ملهم يستمد أحكامه من إله الخير "أهورا مزدا" أي أن المشيئة الإلهية كانت أساس الحكم في الدولة. ومن يخالف أوامر الملك كان يعد آثمًا في حق الإله الأعظم، وبمرور الزمن انصرف الملوك عن بعض شئون الحكم وعهدوا بها إلى أشرافهم ورجال قصورهم وتفرغوا لملاذهم؛ مما أدى إلى ضعفهم في النهاية، وكان من المألوف أن يبني الأمير مقرَّه فوق تل
стр. 327
صناعي بينما تكون مساكن المدينة عند أسفل هذا التل ويحيط بالجميع سور ضخم يدعم على الجوانب بأبراج قوية "انظر شكل ٥٥" وكانت بيوت هؤلاء الأمراء والسادة العظام تضم عددًا من الخدم والرقيق من النساء والرجال كما تضم عددًا من ذوي المهن المختلفة ينتجون لسادتهم كل شيء، ولم يكن الفنانون الأحرار يستخدمون إلا قليلًا.
"شكل ٥٥": مدينة إيرانية قديمة.
وكان الأعيان والنبلاء أصحاب سلطة تكاد تكون مطلقة في عواصمهم، يسنون القوانين وينفذون الأحكام القضائية ويجبون الضرائب ولهم قواتهم المسلحة الخاصة بهم، وفي مقابل هذا كان عليهم أن يمدوا الملك بالمال والعتاد وقت القتال.
وكان القرويون يتمتعون بقسط أوفر من الحرية مما كان يتمتع به
стр. 328
أقرانهم في بلاد النهرين أو مصر؛ إذ كانت الملكيات الصغيرة توجد إلى جانب الإقطاعيات الكبيرة، وقد أخذ نظام الملكيات الصغيرة في الانتشار؛ إذ كان يشجعه الميل الغريزي نحو الانفرادية.
ومع أن الميديين كانوا يعيشون حياة زراعية في قرى إلا أن الحكومات المركزية لم تكن موجودة في أول الأمر؛ وكان كل أمير يعتمد إلى جانب مزارعه ومراعيه على مناجمه وغنائمه في الحروب وما يتقاضاه نظير حمايته للتجار الذين كانوا في بداية الأمر من غير الإيرانيين، وبالطبع كان الأمراء يشجعون النشاط التجاري للعمل على زيادة دخلهم.
وكان الفرس يميلون إلى التزين فأكثروا من استعمال أدوات التجميل والمساحيق والزيوت العطرية والأصباغ حتى إن الملوك كانوا لا يخرجون إلى الحرب دون أن يحملوا معهم زيوتهم العطرية واستخدموا أنواعًا مختلفة من الحلي مثل الأقراط والخلاخيل والتمائم والأساور وغيرها، كما كانوا يستعملون التيجان والأحذية.
стр. 329
الدولة
سبق أن أشرنا إلى الدويلات التي كانت منتشرة في الهضبة، كما أشرنا إلى اعتماد كل أمير في موارده على منتجات أراضيه ومراعيه إلى جانب الغنائم التي كان يحصل عليها من حروبه والمكوس التي كان يفرضها على التجار، وحينما اتسعت رقعة الإمبراطورية نجح ملوكها في تنظيم إدارتها نجاحًا كبيرًا وقد وضعوا أسسًا ثابتة لتنظيمها؛ إذ إنهم قسموها إلى عشرين ولاية تشمل مختلف الأقطار والجهات التي أخضعوها، وكان الملك يعين لكل ولاية حاكمًا هو الوالي الذي كان بمثابة الملك فيها؛ لأن الولاية كان لها كيانها السياسي الخاص بها، ولذا كان الملك الفارسي يلقب بملك الملوك.
ومع أن الولاة كانوا أعوان الملك في إدارته لإمبراطوريته؛ إلا أنهم كانوا أحيانًا مصدر خطر على الإمبراطورية وخاصة إذا ما أرادوا الاستقلال أو أصبحت وظائفهم وراثية، ولتجنب هذا الخطر عمد الملك إلى تعيين قائد لجيوش الولاية مستقل في اختصاصه عن الوالي، ويتبع الملك مباشرة، كما كان يعين سكرتيرًا للولاية ورئيسًا لموظفيها الماليين ويرسل إليها عددًا من المفتشين الذين يحملون ألقابًا مختلفة توحي بمهامهم مثل: عين الملك، ورسول الملك، وأذن الملك، وهؤلاء جميعًا كانوا يتبعون الملك مباشرة ومعظمهم كان من الأسر النبيلة.
ومما ساعد على نجاح الإمبراطورية في إدارة ممتلكاتها أن الأباطرة أنشئوا بها كثيرًا من الطرق ونظموا البريد؛ لتيسير الاتصال بينهم وبين
стр. 330
مختلف أنحاء إمبراطوريتهم، ومن أهم هذه الطرق طريقان كبيران أنشأهما "دارا": أحدهما يصل بين ليديا والعواصم الفارسية، والثاني يبدأ من مصر إلى فارس ويمتد شرقًا حتى حدود الصين، كما أنشئوا المراكز التجارية والخانات لتأمين المسافرين ومدهم بما يحتاجون إليه من زاد ومؤن؛ فكانت هذه الطرق والوسائل سببًا في تثبيت الحكم المركزي وعاملًا من عوامل نقل المظاهر الحضارية بين مختلف أنحاء الشرق الأدنى القديم، ولم تقف عقبة في سبيل الانتقال من مكان إلى آخر؛ إذ اشتهر الفرس بإقامة القناطر على الأنهار بحيث تتحمل عبور مئات الأفيال فوقها.
وقد تمتعت الولايات التابعة للإمبراطورية بشيء من الحرية؛ إذ سمح لها باستعمال لغتها الخاصة وعاداتها وتقاليدها وديانتها وعملتها، بل وبقاء أسرتها الحاكمة أحيانًا مما جعل بعض الولايات تحس بأنها أحسن حالًا في تبعيتها لفارس من خضوعها لقادتها أنفسهم؛ لأن هؤلاء الأخيرين كانوا يرهقونها بالضرائب؛ بينما كان ملوك فارس وخاصة "دارا" الأول يحدد الضرائب التي تجيء من كل ولاية على حسب إمكانياتها الطبيعية.
وقد اهتم معظم الملوك بتحسين إنتاج الأراضي الزراعية؛ فلجئوا إلى حفر القنوات كما نقلوا بعض النباتات والأشجار والحيوانات والطيور من بيئة إلى أخرى بقصد تعميمها وتنميتها في غير مواطنها التي جلبت منها، كما حاولوا استنبات أنواع جديدة من النباتات في مختلف أنحاء الإمبراطورية، ومع أن الفلاحين كانوا مرتبطين بالأرض في الملكيات الكبيرة بحيث يكونون ما يشبه الرقيق؛ إلا أن بعض الفلاحين كانت لهم ملكياتهم
стр. 331
الصغيرة التي يتمتعون فيها بقسط من الحرية.
وكان اتساع رقعة الإمبراطورية وانضواء كثير من الولايات الغنية مختلفة الموارد تحت لوائها سببًا في جعلها قادرة على الاكتفاء الذاتي من الناحية الاقتصادية؛ إذ لم تعوزها الموارد التي تحتاج إليها؛ فالأخشاب الجيدة التي تستخدم في البناء وصنع السفن والعربات والأسلحة والمعدات الحربية وغيرها كانت موجودة على الساحل الفينيقي وآسيا الصغرى وكريت وقبرص، والفضة والنُّحاس والحديد كانت تأتي من قبرص؛ كذلك ومن آسيا الصغرى يأتي النحاس والفضة، ومن إقليم كرمان كان يأتي الذهب والفضة، وإلى جانب هذه المعادن كانت أحجار البناء الجيدة تجلب من عيلام وتجلب الأحجار الكريمة وشبه الكريمة من جهات أخرى مختلفة، ومما زاد الحالة الاقتصادية إنعاشًا أن موارد الثروة السمكية في دجلة والفرات والخليج العربي كانت من الوفرة بحيث كان من الممكن تصدير الفائض منها بعد أن تملح وتقدد.
وقد عمدت الدولة إلى تيسير التعامل؛ فاستخدمت النقود المسكوكة ابتداء من عهد دارا الأول "شكل ٥٦"، وربما كان استعمالها مقتبسًا عن الليديين، ولو أن أوزانها وأقسامها مأخوذة عن النظام البابلي في تقسيم الوحدات القياسية؛ كذلك شجعت مصارف المعابد والمصارف الخاصة التي كانت تقوم بإقراض المحتاجين، كما أن مبدأ الائتمان أو أوراق الاعتماد والسندات كانت معروفة؛ وإن كان من الممكن أن نرجع هذه النظم جميعها إلى أصول بابليلة، ومع أن الفرس استحدثوا كتابة مسمارية اقتبسوها من الخط البابلي؛ إلا أن اتساع رقعة الإمبراطورية ومحافظة الشعوب التي
стр. 332
"شكل ٥٦": نماذج من العملة الفارسية.
دخلت تحت سلطانها على تراثها القديم لم ييسر انتشار هذه الكتابة، وعلى ذلك ظلت هذه الأمم تستعمل لغاتها وكتاباتها الخاصة؛ إلا أن الفرس استعملوا في معاملاتهم التجارية والمعاملات المشتركة الأخرى الكتابة الآرامية في كتابة مدوناتهم إلى جانب الخط الفارسي المسماري، كما استعملوا اللغة الآرامية ذاتها أحيانًا مما ساعد على نشاط التعامل التجاري؛ إذ إن الخط الآرامي كان واسع الانتشار في الشرق الأدنى القديم "انظر أعلاه: ص١٦٧، ١٦٨".
وقد استتب النظام في أنحاء المملكة في أوقات نهضتها بفضل سيادة القانون وعدم التهاون في تطبيقه. ويبدو أن القضاء في فارس كان يشبه القضاء في بابل إلى حد بعيد، وكان الاهتمام منصبًّا على تطبيق العدالة في مختلف النواحي. ومن المرجح أن القضاة كانوا يستبقون في مراكزهم مدى الحياة ما لم ينسب إليهم ما يدعو إلى فصلهم بسبب بعدهم عن العدالة، وكان الملك هو مصدر القوانين والشرائع وأحكامه تعتبر مستوحاة من الإله نفسه؛ ولذا اشتهر الفرس بالتمسك بالقانون، وكان الملك نفسه
стр. 333
يعتبر المحكمة العليا التي تستأنف إليها الأحكام وإن كانت تليه محكمة عليا خاصة مكونة من سبعة قضاة، ويلي هذه المحكمة المحاكم الأخرى التي تنتشر في أنحاء المملكة، وقد نشأت جماعة خاصة متضلعة في الشئون القضائية كانت أشبه بالمحلفين، وكانت الرشوة من الجرائم الكبرى ولم يتهاون الملوك إطلاقًا في معاقبة القضاة الذين لا يلتزمون العدالة؛ حتى إنه ينسب إلى قمبيز بأنه سلخ أحد القضاة وهو حي وجعل من جلده منصة في مكان القاضي وعين ابنه في مكانه، هذا ويلاحظ أن العقوبات كانت في معظمها قاسية تشمل الجلد والتشويه وقطع الأعضاء وسمل العيون إلى جانب الإعدام بوسائل مختلفة.
стр. 334
العسكرية
تدل أقدم النقوش على أن المحاربين كانوا ينقسمون إلى مشاة وفرسان يركبون الجياد وفرسان يستخدمون العربات التي يجر كل منها زوج من الخيل، ويتميز الخيالة بما يلبسونه من أحذية تنحني في مقدمتها إلى أعلى، وقد عثر في بعض المقابر على أسلحة مختلفة منها السيوف والخناجر والدروع ورءوس السهام وكلها كانت من البرونز أو الحديد؛ كذلك عثر على أعنة للخيول وحلي لرءوسها وصدورها.
وكانت الخدمة العسكرية إجبارية لكل ذكر سليم بين سن الخامسة عشرة والخمسين، ويبدو أن الجندية كانت محبوبة؛ إذ كان الجند يخرجون إلى القتال بموسيقاهم بين تهليل الأهالي، وكان الجيش يخضع لإشراف الحرس الملكي الذي يضم عددًا من النبلاء والأشراف ومهمته حراسة
стр. 335
الملك والمحافظة على حياته وكان غالبًا يتألف من ألفين من الفرسان ومثلهم من المشاة، أما الجيش نفسه كان يتألف من وحدات أساسية نظامية، ووحدات أخرى عامة، وكانت الوحدات الأساسية تتكون من الفرس فحسب وهي التي يعتمد عليها في صيانة الأمن في أنحاء الإمبراطورية أما الوحدات العامة فتضم فرقًا من شعوب مختلفة ترسل إلى الأقطار الخاضعة للإمبراطورية، وكل فرقة منها كانت تتبع أساليبها الحربية وتحتفظ بتقاليدها وأسلحتها ولغتها القومية؛ ولهذا فإنه على الرغم من الضخامة التي كان يصل إليها عدد الجيش فإن نقطة الضعف فيه كانت تتلخص في انعدام الوحدة والتناسق بين مجموعاته المختلفة لاختلاف عتادها وتنظيمها.
أما عن الأسطول فلا شك أن تجربة الفرس في ركوب البحر كانت في بداية الأمر أقل منها لدى غيرهم؛ ولذا كانوا يستعينون بالفينيقيين، ومع هذا لم يدخر الفرس وسعًا في إنشاء أسطول قوي كان يضم سفنًا فينيقية ويونانية، واستخدموا المصريين والقبارصة والسوريين وغيرهم إلى جانب الفينيقيين ويونان آسيا الصغرى، واستطاعوا أن يسيطروا على البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي وكانت سفنهم التي صنعها الفينيقيون بأمر ملوك فارس على ثلاثة أنواع: سفن الهجوم وناقلات الجنود والخيول وناقلات الأمتعة والذخائر، وكانت هذه الأخيرة صغيرة الحجم نسبيًّا، وقد أدى هذا التفوق البحري إلى عنايتهم بالتجارة البحرية والعمل على حمايتها ونشاطها وقد أرسلوا بعثات استكشافية من الهند إلى البحر الأحمر ومن الجزائر إلى اليونان وإيطاليا كما شقوا القناة التي توصل بين النيل والبحر الأحمر.
стр. 336
الديانة
كان الآريون كغيرهم من شعوب العالم القديم يعبدون معبودات ترتبط بظروف بيئتهم؛ ونظرًا لأنهم كانوا يعيشون في مناطق جبلية؛ فإن أهم معبوداتهم كان زوجًا من الآلهة: أحدهما إله العواصف والمطر والثاني: إلهة الشمس أحيانًا والأرض أحيانًا أخرى، إلى جانب ما عبدوه من الحيوانات والأجداد، وكان الفرس كغيرهم من الشعوب الأخرى يعبدون قوى الطبيعة المختلفة فعبدوا الشمس كإله باسم "مثرا" والأرض باسم "زام" والريح باسم "وهيو" كما عبدوا الماء والنار أيضًا، وكانوا يقسمون الموجودات إلى قسمين: موجودات خيرة تصدر عن قوى الخير وتبعث على السعادة، ومن مظاهرها: النهار والخصب والصحة والجمال والاستقامة وما شابهها، وموجودات شريرة تصدر عن قوى الشر وتبعث على البؤس والشقاء ومن مظاهرها: الليل والقحط والقبح والخداع وغيرها، كما أنهم كانوا يعتقدون بأن قوى الخير والشر في صراع دائم وربما كان هذا هو السبب في عبادتهم لآلهة مختلفة. ويبدو أن عددًا من الآلهة كانت تتطلب تضحيات دموية ربما كانت ترجع طقوسها إلى أصول سحيقة، وهذه الطقوس كان يقوم بها طائفة من رجال الدين يطلق عليهم اسم "ماجي" أي المجوس، وكانت هذه الطائفة تلعب دورًا كبيرًا في الحياة الدينية والاجتماعية رغم أنها كانت تعيش في عزلة ويتزاوجون داخليًّا فيما بينهم فهم الذين يقومون بتفسير الأحلام، ويلعبون دورًا في تتويج الملك الجديد كما كانوا يصبحون الجيش للقيام بطقوس التضحية، وكانوا مسئولين
стр. 337
عن تعليم الشبان حراسة المقابر الملكية، وكان يعهد لهم بصنع الشراب المسكر الذي يستخدم أثناء الطقوس الدينية. وكان بيعه قاصرًا عليهم كذلك، ومع أن أصلهم وأصل ديانتهم غير معروفين؛ إلا أنه يبدو أن هذه الديانة لم تكن فارسية النشأة؛ لأنهم كانوا لا يدفنون جثث موتاهم بل يتركونها فريسة للوحوش والطيور الجارحة.
ومع أن هيرودوت ينسب إلى الفرس عدم وجود معابد أو تماثيل للآلهة لديهم؛ إلا أن الآثار تثبت غير ذلك فقد عثر على بقايا ثلاثة معابد من عصر الإخمنيين وكل منها في هيئة برج مربع يشمل حجرة واحدة يمكن الوصول إليها بدرج، وفيها كان المجوس يرعون النار المقدسة "شكل ٥٧"، ويبدو أن الاحتفالات الدينية كانت تقام في الهواء الطلق؛ حيث عثر على المذابح "وكانت عادة أزواجًا" في العراء بعيدة عن المعابد، وإلى هذه المذابح كانت تساق حيوانات التضحية في موكب حافل بالعربات التي تجرها خيول مقدسة، وكانت التضحية تتم في حضور الملك من أجل إله الشمس؛ كذلك صنع الفرس تماثيل لآلهتهم، وتبين نقوش المقابر الملكية الأمراء وهم يقومون بالتضحية أمام مذبح من فوقه قرص مجنح يبرز منه رأس وكتفا الإله "أهورا مزدا" "شكل ٥٨" الذي كان يعتبر الإله الحكيم الذي يحكم السماء ويشمل الأرض ويحميها بجناحيه كما يحمي الملك الذي يعد نائبًا عنه على الأرض.
وقد نشأت هذه الديانة على يد حكيم يعرف باسم "زرادشت" كان يعيش في ميديا؛ ولكنه غادرها ليبشر بدينه الجديد في شرق إيران، ومع أن تاريخه ما زال موضع جدل إلا أن من المعتقد بأنه كان يعاصر
стр. 338
"شكل ٥٧": معبد النار في نقش رستم.
"هيستاسبس" والد "دارا" الذي كان واليًا على إقليمي "بارثيا" و "هركانيا" أيام قمبيز وأن هذا الوالي كان من بين الذين استهوتهم الديانة الجديدة، ثم أخذت هذه الديانة بعد ذلك في الانتشار تدريجيًّا في أنحاء فارس، وكانت فكرتها تتلخص في أن العالم يحكمه عاملان: الخير ويمثله الإله "أهورامزدا" والشر وتمثله روح شريرة هى "أهريمان" وتذهب الروايات إلى أن مولد زرادشت قد اقترن بالمعجزات وأنه نشأ محبًّا للحكمة ولحياة العزلة والاعتكاف وآمن بأهورامزدا كإله قدير للنور وأن هذا الإله ظهر له، ووضع "الأفستا" بين يديه، وهو كتاب مملوء
стр. 339
"شكل ٥٨": الإله أهورامزدا.
بالمعرفة والحكمة وأمره بنشر تعاليمه بين الناس جميعًا، وقد قاسى في سبيل ذلك كثيرًا حتى اضطر إلى الهجرة إلى شرق إيران على نحو ما بينَّا، وما أن تمكن "دارا الأول" من اعتلاء العرش؛ حتى رأى أن ما يدعو إليه زرادشت يوحي بعناصر الخير في نفوس شعبه فجعله الدين الرسمي للدولة، وبذلك تحول الفرس من عبادة آلهة متعددين إلى عبادة معبود واحد؛ غير أنهم كانوا يعتقدون بوجود مجموعة من الملائكة الحارسين والكائنات المقدسة التي تعين على الخير وإلى جانبها يوجد سبعة من الشياطين، وهي تسبح دائمًا في الهواء وتسعى لإغراء البشر لارتكاب الآثام والشرور ورئيس هذه الشياطين "أهريمان" أمير الظلمة وحاكم العالم السفلي، خالق المعاصي والآثام والثعابين والديدان والآفات وبلايا الحياة ليحطم الجنة التي أسكنها "أهورامزدا" للسلف. الخلاصة أن في هذه الديانة ما يشبه الأديان السماوية؛ إذ تعترف بإله واحد إلى جانبه ملائكة وتشير إلى شياطين أو أرواح شريرة رئيسها يشبه إبليس في الأديان السماوية، وقد صورت العقيدة العالم في صورة مسرح يتصارع فيه الخير والشر وأن النفس
стр. 340
البشرية ميدان لمثل هذا النزاع؛ إلا أن لكل إنسان قوة خارقة تحصنه على الأخلاق الفاضلة؛ أي أن الإنسان حر الإرادة يختار بين النور والظلمة وهو مسئول عن أعماله؛ كذلك كانت تحض على فعل الخير وتبين أن طبيعة الإنسان الخيرة تدعوه إلى ذلك، كما حددت واجبات الإنسان في أمور ثلاثة: أن يعمل على جعل العدو صديقًا والشرير صالحًا والجاهل عالمًا، كما بينت أن أعظم الفضائل هي الصلاح والشرف والأمانة في الأقوال والأفعال؛ كذلك نصت على التقرب إلى الإله بالتطهر والتضحية والصلاة، ومع أنها نهت عن إقامة الهياكل والأصنام؛ إلا أن معتنقيها أقاموا المعابد على سفوح التلال وفي ساحات القصور وأواسط المدن وأشعلوا فيها النيران المقدسة قربانًا للإله أهورامزدا ثم بالغوا في تقديس هذه النيران؛ حتى وصلت إلى درجة العبادة كما قدسوا الشمس باعتبارها نار السماء الخالدة.
وقد أصبح الدين الزرادشتي المصدر الروحي للفرس منذ عهد "دارا الأول" واكتسب رجاله قوة وتأثيرًا في الناس إلى درجة أن أصبح ملوك الفرس لا يقبلون على شيء؛ إلا بعد استشارتهم، وتشير "الأفستا" إلى قرب نهاية العالم حيث تبين أن زرادشت ولد قبل نهاية العالم بثلاثة آلاف سنة وسيظهر من بعده ثلاثة أنبياء من نسله ينشرون دينه في فترات متباينة ويبعث الأخير منهم حينما تكون الدنيا خرابًا فتصلح الأحوال ببعثه ثم تنتهي الدنيا وتقوم القيامة ويخلو الكون من أعراض الشيخوخة والهزال والموت إلى الأبد.
стр. 341
الفنون
لم يعثر على آثار كافية توضح ما كانت عليه الفنون المختلفة التي سادت بين الإيرانيين القدامى؛ كما أن دولة الميديين كانت قصيرة الأجل؛ فلم تساهم بنصيب وافر في حضارة الشرق الأدني القديم؛ غير أنه يستدل من أقدم الآثار على أن سكان الهضبة في أقدم العصور كانوا يدفنون موتاهم أسفل المنازل ثم تحولوا عن ذلك إلى الدفن في جبانات بعيدة عن المدن، وكان الميت يدفن ومعه أثاث جنزي يتبين منه أنهم استعملوا الحلي وخاصة من الفضة والبرونز؛ إذ عثر على دبابيس تنتهي بأشكال تمثل رءوس الحيوان "شكل ٥٩" وأساور وحلقان وأحزمة يلبسها الرجال والنساء وخلاخيل من البرونز ومن الحديد أحيانًا؛ كذلك ظهرت في رسوم أواني الفخار عناصر جديدة غير تلك التي كانت شائعة فبدلًا من الشمس وأبو منجل التي كانت تمثل في تلك الرسوم
"شكل ٥٩": دبابيس من البرونز.
стр. 342
إلى جانب الزخارف الهندسية المألوفة كانت الشمس والحصان هي العناصر السائدة.
ومع أن الفرس هم الذين كانوا أقوى الإمبراطوريات القديمة في الهضبة وبلغوا أرقى مراحل حضارية وصل إليها؛ إلا أنهم لا شك ورثوا الكثير عن الميديين؛ فقد ورثوا عاداتهم وتقاليدهم كما ورثوا طريقة كتاباتهم ومغالاتهم في إقامة الأعمدة فضلًا عما ورثوه عنهم من قوانين مختلفة، أما من ناحية الفنون والآداب؛ فلم يعثر من الأدلة ما يكفي لإعطاء فكرة واضحة عنها لدى الميديين.
ومع أن الفرس ظهروا كدولة عسكرية صرفت أغلب أوقاتها في الحروب؛ إلا أنهم لم يهملوا شأن الفنون وإن كانوا قد اعتمدوا في ذلك على أقوام أخرى واعتمدوا على الفنانين الأجانب في صناعة آياتهم الفنية؛ ومع هذا فقد تميزوا بحس مرهف جعلهم يقدرون الفنون فعشقوا الأشعار والقصص الخيالية وأحبوا الغناء والرقص والعزف على مختلف الآلات الموسيقية؛ غير أنهم كانوا يأنفون الاشتغال بها؛ إذ كانت في نظرهم من حرف المأجورين والمستضعفين.
ورغم قلة الجهود الأثرية في هضبة إيران؛ فإن ما عثر عليه من الآثار حتي الآن يدل بوضوح على مهارتهم في فن العمارة والبناء، وقد اشتهرت بقاياها التي اكتشفت بروعتها الفنية؛ فمقبرة كورش في "بازارجادة" ما زالت رغم تهدمها تعد آية في الروعة والجمال، كما أن مقبرة "دارا الأول" في "نقش رستم" القريبة من "برسيبوليس" ما زالت تعد
стр. 343
من آيات الفن في العالم القديم، ومن أروع الآثار كذلك ما عثر عليه، ومن بقايا قصر إكزركسيس في "برسيبوليس"؛ إذ تعد مجموعة المدرجات الحجرية والساحة الفسيحة وما بها من عمد شامخة من آيات الفن الفارسي القديم، ومما يلاحظ أن القصر كان يقام على ساحة مرتفعة يرتقى إليها من أسفل الوادي بدرج خارجي يمتاز بالجمال إلى درجة أن بعض علماء الآثار يعتبرونها أبدع الدرجات الموجودة في أية بقعة من بقاع العالم، ويبلغ ارتفاع الساحة ما بين عشرين وخمسين قدمًا، طولها نحو "١٥٠٠" قدم وعرضها ألف قدم، وفي أعلى الدرجات يوجد المدخل وهو واسع تحف به تماثيل هائلة الثيران مجنحة برءوس بشرية "شكل٦٠" مما يذكر بالتماثيل
"شكل ٦٠": ثور مجنح من مدخل قصر إجزر كسيس.
стр. 344
التي كانت تزيِّن مداخل القصور في بلاد النهرين، وبعد المدخل بقليل نجد مجموعة أخرى من الدرجات على جانبها جدران قصيرة نقشت بنقوش بارزة تعد من أجمل ما عثر عليه في إيران، وهي توصل إلى قاعة تلحق بها بعض الحجرات تشغل ساحة تزيد على مائة ألف قدم. هذا وقد أقيم قصر إكزركسيس الأول على "٧٢" عمودًا لم يبق منها إلا "١٣" فقط ما زالت قائمة بين حطام القصر، وتمتاز هذه الأعمدة المصنوعة من الرخام بأنها من قطع متصلة وكلها نحيلة دقيقة ويبلغ ارتفاع الواحد منها "٦٤" قدمًا وتشبه قواعدها الأجراس التي تغطيها أوراق الأشجار مقلوبة الوضع، وكان كل عمود ينتهي في أعلاه بشكل صدري ورأسي ثورين أو حصانين يتصلان من الخلف "شكل ٦١" وكانت جوانب الأبواب والنوافذ من حجر أسود لامع
"شكل ٦١": أعمدة تنتهي في أعلاها بزخارف ورءوس حيوانية.
стр. 345
أما الجدران والحوائط؛ فكانت مغطاة بآجُرّ مصقول رسمت عليه صور زاهية تمثل حيوانات وأزهار وإلى خلف هذه القاعة وشرقها قاعة عرفت باسم قاعة المائة عمود لم يبق منها إلا عمود واحد.
ومن الملاحظ أن الفن الفارسي قد اقتبس بصورة واضحة من فنون الدول التي خضعت لسلطان الإمبراطورية؛ ولكنه قد طورها حتى بلغت درجة الكمال؛ فمن المرجح أن الشكل الخارجي لمقبرة كورش متأثر بفن ليديا أما أعمدتها الحجرية الدقيقة فيمكن مقارنتها بالأعمدة الأشورية؛ بينما كان بَهْوُ الأعمدة الضخمة والنقوش قليلة البروز من الأمور المألوفة لدى المصريين وربما استعار الفرس فكرتهم منهم، أما تيجان الأعمدة التي على شكل الحيوان فيمكن أن تكون مستوحاة مما رأوه في نينوي وبابل.
ولم يكن التصوير والنحت مستقلين عن العمارة بل كانا تابعين لها وربما كانت الكثرة الغالبة من منتجاتها من عمل فنانين أجانب وفدوا على إيران من مختلف الأقطار التي أخضعوها، وقد حاكى اليونانيون الفرس واقتبسوا منهم إلى درجة أن العناصر الفارسية تبدو واضحة في فن العمارة اليوناني؛ ولذا يمكن أن يقال أن الفرس كانوا وسطاء في نقل مظاهر الحضارة من الشرق إلى الغرب.
стр. 346
خاتمة
إذا كان الإنسان في عصرنا الحاضر في أي بقعة من بقاع العالم ينعم بنتاج وخبرات إخوانه من بني الإنسان في بقاع العالم الأخرى مهما اختلفت المشارب؛ فإنه قد استفاد كذلك من خبرات أسلافه في العصور السابقة حتى إن من الممكن أن يقال بأن الحضارة في العصر الحديث لا تخرج في مظاهرها عن كونها استمرارًا وتطورًا لمظاهر الحضارات السابقة التي ظهرت في أجزاء مختلفة من العالم، وقد تنبَّه الإنسان إلى فضل الحضارات السابقة واعتبرها التراث الآدمي الذي يجب المحافظة عليه ودراسته دراسة مستفيضة حتى يمكن الوصول إلى معرفة أصول وأسس حضاراته الراهنة؛ ولذا نجد أن أمم العالم جميعها تتعاون بصورة أو بأخرى في الحفاظ على هذا التراث ومحاولة إحيائه بشتى الوسائل، وعلى ذلك؛ فليس من المستغرب أن نجد الأمم المتحضرة تساهم بنصيب فعال في إنقاذ الآثار المعرضة للخطر، كما أن كثيرًا من الدول ترسل بعثاتها للتنقيب عن الآثار أو ترميمها أو نشر معلومات وافية عنها في مختلف الأقطار لا فرق في ذلك بين جنسية وأخرى؛ لأن التراث الحضاري ملك للإنسانية جميعها١.
وكثيرًا ما نجد بعض الدول تأخذها العزة بوجود بعض مظاهر حضارية قديمة فتحاول جاهدة أن تثبت أنها أقدم الأمم حضارة وأن
стр. 347
أصول الحضارة الأولى قد وجدت فيها؛ ولكن ما دمنا قد ذكرنا بأن التراث الحضاري ملك للإنسانية جميعها؛ فليس المهم إثبات أسبقية دولة ما في ميدان الحضارة؛ ولكن المهم أن يكون لهذه الدولة فضل نقل هذه المظاهر الحضارية إلى غيرها من الدول، والأهم من ذلك كله أن يقوم شعب ما بدور فعال في نقل وتطور المظاهر الحضارية المختلفة، وأن يعطي منها لغيره، كما يتقبل من غيره بعض المظاهر الأخرى وهكذا. ومن الجدير بالذكر أن الحضارات القديمة التي لعبت دورًا مهمًّا في حياة الناس هي تلك التي نشأت في منطقة الشرق الأدنى؛ لأن هذه المنطقة بحكم موقعها كانت تتوسط العالم القديم فهي البؤرة التي أشعت المظاهر الحضارية إلى كافة أنحائه، وكان تناوب مختلف أجزاء هذه المنطقة في الوصول إلى القوة والمجد سببًا في المحافظة على التراث الحضاري القديم والأخذ بأساليب جديدة دعمت تطوره وانتشاره.
ولا شك في أن الإنسان لم يجد متسعًا من الوقت للتفكير في الإنتاج المثمر الذي يؤدي به إلى النهوض الحضاري؛ إلا إذا استقر وشعر بالأمن في بيئته، وقد يرى البعض أن الحضارة تنشأ وترتقي على أساس قاعدة التحدي والاستجابة، بين الإنسان وبيئته؛ ولكن لا شك في أن كل إنتاج إنما يبدأ من أجل الكفاح في سبيل العيش أولًا ثم من أجل الرغبة في الرفاهية ثانيًا، والأرجح أن ميل الإنسان الطبيعي للترفُّه هو العامل الأول في نهضة الحضارات ورقيها.
وإذا ما نظرنا إلى إقليم الشرق الأدنى القديم بصفة عامة لوجدنا أن استقرار الإنسان يتوفر في بيئاته الزراعية الكبرى التي تبدو في مصر وبلاد
стр. 348
النهرين بصفة خاصة ووديان الأنهار في مختلف بقاعه بصفة عامة؛ ولذا نجد أن أقدم الحضارات في هذا الإقليم هي التي نشأت في هذه الجهات الزراعية، وبقدر ما نعم سكان تلك الجهات بالأمن؛ بقدر ما تطورت حضارتهم وتدرجوا في مراتب النهوض والرقي، وخير دليل على ذلك ما نشاهده من استمرار الحضارة المصرية ودوامها وتطورها؛ فبحكم بيئتها السهلة المنعزلة عن جيرانها أمكن اتحادها تحت لواء ملك أو أسرة حاكمة من جهة، كما أنها لم تتعرض لكثير من الغزوات من جهة أخرى، وتلي بلاد النهرين مصر في هذا المضمار، ولو أن الحضارة فيها لم تتخذ صفة الثبوت والاستمرار في كل جزء من أجزائها في وقت واحد؛ بل كانت تنتقل بين أجزائها المختلفة. ومع ذلك فإن اتصال هذه الأجزاء بعضها ببعض قد أوجد نوعًا من الاستقرار لحضارتها بصفة عامة، كما عملت الأجزاء التي تنتقل إليها هذه الحضارة على تطويرها والنهوض بها، ولا شك في أن سهولة اتصال بلاد النهرين نسبيًّا بالأقطار المجاورة لها قد جعلها ذات أثر فعال في نقل مظاهر الحضارة من تلك الأقطار وإليها.
ومن الغريب أن كلا من مصر وبلاد النهرين قد اتصلتا ببيئات مغايرة؛ إلا أن أثر ذلك عليهما لم يكن واحدًا، فمن المعروف أن مصر اتصلت منذ أقدم العصور ببلاد النوبة والساحل السوري وكان من أثر ذلك أن أعطت إلى كل من هاتين المنطقتين من حضارتها أكثر مما أخذت منهما؛ بل ويمكن القول بشيء من التجاوز أنها أعطت إليهما ولم تأخذ عنهما، أما بلاد النهرين؛ فقد اتصلت هي الأخرى بالساحل السوري بل وبساحل آسيا الصغرى كما اتصلت بهضبتي إيران وأرمينيا وقد أعطت من مظاهرها
стр. 349
الحضارية إلى هذه الجهات كما أخذت القليل من مظاهر بعضها الحضارية؛ غير أن هذا القليل يمكن ملاحظته على أي حال.
ولا بد من أن نشير هنا إلى أن حضارة السهول التي انتشرت في كل من مصر وبلاد النهرين كانت حضارة سمحة بصفة عامة لا تتسم بالعنف أو القسوة، كما هو الحال في حضارات المناطق الجبلية أو الرعوية؛ وإن كان أهل بلاد النهرين قد اتجهوا في بعض مظاهر حضارتهم إلى شيء من هذا؛ فإنما يرجع ذلك إلى ما ينتاب بيئتهم أحيانًا من مظاهر كونية عنيفة كالعواصف وغيرها كما أن الجزء الشمالي منها تكثر به المرتفعات مما يوحي بأن الأشوريين الذين سكنوا في هذه المنطقة كانوا أصلب وأعنف من البابليين الذين نشئوا في جنوب ووسط بلاد النهرين.
ومن دراسة تاريخ المنطقة يتبين لنا أن المناطق الجبلية حينما أخذت بأسباب الحضارة كانت تدين في أكثرها إلى حضارات سكان السهول، ومع أن الدول التي نشأت في المناطق الجبلية مثل الدولة الحيثية في آسيا الصغرى والدولة الفارسية في إيران قد انتزعت السيادة من دول السهول التي نشأت في بلاد النهرين ومصر كما انتقلت إليها مظاهر الحضارات السابقة ونشأت فيها مظاهر أخرى جديدة؛ إلا أن تلك السيادة وهذه الحضارة لم يقدر لهما البقاء بل سرعان ما انتقلا من إقليم الشرق الأدنى بسقوط هذه الدول، وعلى هذا يمكن القول بأن الحضارة في إقليم الشرق الأدنى شهدت دورين عظيمين: أولهما ظل مستمرًا في مناطق السهول، والثاني في مناطق الجبال
стр. 350
ومع هذا ظلت المظاهر الحضارية قائمة في مناطق السهول فترة طويلة بعد أن زالت عنها سيادتها وخضعت لأهل المناطق الجبلية من إقليم الشرق الأدنى الذين سرعان ما قضى على سيادتهم أهل المناطق الجبلية الأخرى من خارج نطاق الإقليم. وبعبارة أخرى كانت السيادة والحضارة في أيدي الساميين بصفة عامة ثم انتقلتا إلى أيدي الهندو أوروبيين.
стр. 351
المختار من المراجع العامة
باللغة العربية
...
المختار من المراجع العربية
أ- باللغة العربية:
١- إبراهيم رزقانة وآخرون: حضارة مصر والشرق القديم، القاهرة، "الألف كتاب رقم: ٥٩".
٢- أحمد فخري: اليمن ماضيها وحاضرها، القاهرة ١٩٥٧.
٣- إرمان- رانكه: مصر والحياة المصرية، مترجم، القاهرة ١٩٥٢.
٤- جرني: الحيثيون، مُتَرْجَمٌ، القاهرة، "الألف كتاب رقم: ١٥٤".
٥- ديلابورت: بلاد ما بين النهرين، مترجم، القاهرة، "الألف كتاب رقم: ٣٥".
٦- طه باقر: مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة، جزءان، بغداد ١٩٥٥، ١٩٥٦.
٧- فرانكفورت وآخرون: ماقبل الفلسفة، مترجم، بغداد ١٩٦٠.
٨- فيليب حتى: تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، مترجم، بيروت ١٩٥٨.
٩- كونتنو: الحضارة الفينيقية، مترجم، القاهرة، "سلسلة المراجع الجامعية رقم: ١٢".
١٠- محمد عبد القادر محمد: تاريخ الشرق القديم، القاهرة ١٩٦٥.
١١- محمد عبد القادر محمد: الساميون في العصور القديمة، القاهرة ١٩٦٨.
١٢- مري: مصر ومجدها الغابر، مترجم، القاهرة.
١٣- موسكاني: الحضارات السامية القديمةن مترجم، القاهرة ١٩٦٨.
١٤- نجيب ميخائيل: مصر والشرق الأدنى القديم، الإسكندرية.
стр. 352
باللغات الأوروبية
...
ب- باللغات الأوربية:
١- Albright, "the archaeology of Palestine " (pellcan, a ١٩٩) .
٢- Atiyah, "the arabs', (pelican, a ٣٥٠) .
٣- Cap٠art, "egyptina art". (London) ١٩٣٢) .
٤- Capart, "primitive art in Egypt " (London) ١٩٠٥) .
٥- Capart, & contenay, "histoire de l'orient ancien' (paris ١٩٤٦) .
٦- Chilled, 'what happened in history" (Middlesex ١٩٤٣".
٧- Contenay "la civilization des Hittites et des hurrites du mitani" (paris ١٩٤٨) .
٨- Ed burgh, "the legacy of tha ancient world" (pelican, a ٢٨٤) .
٩- Edwards, "the pyramids of Egypt ", (pelican a ١٦٨) .
١٠- Frankfort , "the legacy of the ancient world" (near east" (١٩٥١) .
١١- Ghirshman, " iran " (pelican, a ٢٣٩) .
١٢- Glanvill, "the legacy of Egypt " (oxford ١٩٤٢) .
١٣- Hayes, "the sceprta of Egypt " vol. I, (new york ١٩٥٣) .
١٤- Kees, "deas alte aegypten" (berlin ١٩٥٥) .
١٥- Lioyd, "early Anatolia " (pelican a ٣٥٤) .
стр. 353
١٦- Maspero, "art in Egypt " (London ١٩٢١) .
١٧- Murra, "the splendor that was Egypt " (new york ١٩٤٩) .
١٨- Pertie "social life in ancient Egypt " (London ١٩٢٣) .
١٩- Roux, "ancient lraq" (pellcan a ٨٢٨) .
٢٠- Sags, "the greatness that was Babylon " (London ١٩٦٢) .
٢١- Schatff & mortgaat, "aegyten und vorderasien in altertum" (munich ١٩٥٠) .
٢٢- Steindorff & seele, "when Egypt ruled the east" (١٩٤٢) .
٢٣- Wilson , "the burden of Egypt " (Chicago ١٩٥١) .
٢٤- Wilson , "The Cultures of Ancient Egypt " " Chicago ١٩٥٦".
٢٥- Woolley, "the beginnings of civilization" history of mankind, Vol II new York ١٩٦٥) .