← История

История · id 8668

معالم حضارات الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (369 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ويستدعى المدعى عليه للإدلاء بأقواله ثم ينطق بالحكم وإذا تعذر وجود نسخة منه كان يكتفى عند الضرورة بالقسم الذي يقسمه محرر القضية أو أحد الشهود فيها. ومنذ أقدم العصور كان شيوخ المدينة يمثلون محكمة لا تعرف اختصاصاتها؛ ولكن من الواضح أن اختيار أعضائها يتم بإرادة ملكية وقد تكون بعض النساء وخاصة الكاهنات من بين أعضائها ولكن هذه المحاكم لم تكن دائمة؛ بل كانت لفترات معينة فقط. وكان الشهود ضروريين عند تحرير عقود غير رسمية؛ وإلا يسقط حق المتخاصمين في الاحتكام إلى القضاء، وإذا لم يمكن فض النزاع بطريق ودِّي فإن أحد الطرفين يقدم شكواه فيستدعى المشكو في حقه أمام المحكمة وتفحص المستندات المقدمة وتسمع شهادة الشهود، وإذا لم تكن المستندات وافية أو لم توجد على الإطلاق؛ كان القاضي يطلب إلى الطرفين وإلى الشهود أحيانًا أداء اليمين، وكان اليمين يتم في المعبد عادة حتى وإن كانت القضية منظورة أمام محكمة مدنية؛ لأن القسم في أقدم العصور كان يؤدى باسم الآلهة، ثم أصبح فيما بعد يؤدى باسم الملك باعتباره أصبح مؤلهًا هو الآخر؛ كذلك كان القسم ضروريًّا بعد النطق بالحكم حيث يتعهد الخصوم أمام الآلهة باحترام الحكم واعتباره أمرًا نهائيًّا لا يقبل التعديل وقد تضاف فقرة إلى الحكم تنص على عدم استئناف الدعوى من جديد وعلى عقاب من يخالف هذا الحكم. ولم يكن هناك اختصاص معين لمثل هذه المحاكم بل كانت تحكم في كل شيء ويعتبر بعض أعضائها شهودًا وإن كانوا في واقع الأمر من

стр. 282

المحلفين فأسماؤهم تتردد في الأحكام المختلفة، ولكنهم مع ذلك هم الذين يحضرون تنفيذ العقوبات ويصدقون عليها. ولم تصلنا حتى الآن من آثار الأشوريين مجموعة من القوانين يمكن مقارنتها بقانون حمورابي من حيث التنوع في الموضوعات والأحكام؛ ولكن عثر على لوحات تتصل كل منها بقوانين تتعلق بموضوعات معينة ومن بين الوثائق التي عثر عليها وثيقة تنص على نحو "٥٠" مادة تتعلق بالعقوبات التي تطبق في بعض الجرائم، كما وجدت وثيقة أخرى تختص بالقانون الذي يطبق في الريف؛ ولكنها لم تصل سليمة لسوء الحظ، كذلك وجدت وثيقة في حالة سيئة أيضًا؛ ولكن يفهم منها أنها كانت تتعلق بالمعاملات التجارية، هذا إلى جانب عدد من الوثائق الأخرى التي تعطينا فكرة عن التقاضي في عهد الأشوريين، ويتبين من هذه أن الحكم كان يصدره قاضٍ واحدٌ يقيم في المحكمة وفي بعض الحالات كان صاحب الحق يتولى تطبيق القانون بنفسه أو يتجاوز عنه أو يخففه دون الحاجة إلى الالتجاء إلى القضاء، وكان القانون الجنائي يتطلب إثبات الذنب ويحدد العقوبة؛ ولكن بعض الحالات الأخرى لم ترد فيها أحكام قضائية، مثال ذلك أن وثيقة تشير إلى أن الجاني قد منح مهلة لاستحضار شهود لتبرئة نفسه؛ وإلا يعد مذنبًا، كما أن وثيقة أخرى تدل على أن المختصمين قد وصلوا إلى اتفاق فلم يعد هناك مجال للنزاع.

стр. 283

الحياة الاقتصادية مدخل ... الحياة الاقتصادية أدرك سكان بلاد النهرين منذ أقدم العصور ما تمتاز به طبيعة بلادهم من خصب؛ فالسهول الفيضية لنهري الدجلة والفرات تجود فيها الزراعة متى بذلت فيها العناية بشئون الري والصرف؛ ولذا نجد أن عمليات القنوات والجداول وصيانتها كانت من أهم المشاريع التي عني بها الملوك منذ عصور ما قبل الأُسَرِ؛ فهي إلى جانب إمدادها الأراضي البعيدة بالمياه أو استخدامها للصرف بقصد إصلاح الأرض كانت ممرات مائية تيسر المواصلات وعمليات النقل؛ ولذا كان من المحتم صيانتها والعناية بها؛ ونظرًا لأن الأراضي التي كانت تسير فيها رخوة في كثير من الأماكن، وجوانبها هشة؛ فإن المحافظة عليها كانت تتطلب مجهودات كبيرة، وقد نصت القوانين على معاقبة كل من يهمل أمر هذه المحافظة ويعد مسئولًا عن الأضرار التي تحدث لغيره بسبب ذلك الإهمال، هذا وقد استعان المزارعون عند انخفاض منسوب المياه في المجاري المائية بالشادوف أو أدوات رافعة "سواقي" تديرها الثيران. وكانت المحاريث المستخدمة تجرها الثيران وهي شبيهة بالمحاريث الحالية وبعضها كان يزوَّد بما يشبه القمع لبذر البذور أثناء الحرث، وكان إيجار ثيران الحراثة محددًا، كما حدد القانون أيضًا مقدار التعويضات عن الحوادث التي تصيب هذه الماشية وعما تسببه من أضرار أيضًا، وبعد تمام الحصاد يؤخذ المحصول إلى أماكن الدرس حيث تقوم بهذه المهمة الثيران أو الحمير أو عربات تجرها الحيوانات، وقد حددت أجور كل منها كما حدد أجر

стр. 284

العامل الزراعي وإن كانت أجرة هذا الأخير تختلف باختلاف الفصول. وقد نظمت القوانينُ العلاقةَ بين ملاك الأرض والمستأجرين لها، كما نظمت العلاقة بين المنتفعين بهذه الأراضي وبين من يستأجرونهم من مزارعين ورعاة، وفي غالب الأحيان كان القانون يحمي صغار المزارعين وإذا أخرج مستأجر من الأرض قبل انتهاء مدة العقد كان المالك ملزمًا بدفع تعويض له. ويبدو أنه لم تحدث تغييرات كبيرة في الحياة النباتية أو الحيوانية التي عرفت في بلاد النهرين منذ أقدم العصور؛ حيث إن القمح والشعير قد وجدا بها كما وجدت بعض الحبوب الأخرى مثل: الدخن والسمسم، وما زالت هذه من الحاصلات المعروفة في بلاد النهرين حتى الآن، أما الأرز فيبدو أنه لم يعرف إلا من أواخر العصر الأشوري، ومع هذا فما زال الأرز يستورد إلى العراق من بلاد عديدة. وقد عرفت بلاد النهرين نوعين من الأراضي، أحدهما: يتمثل في أراضي الحقول التي كانت تزرع الحبوب وما شابهها والثاني: أراضي البساتين التي اشتهرت بزراعة الأشجار وقد نشأ فن زراعة البساتين منذ عصور سحيقة وكانت هذه تزرع بالخضراوات فيما بين الأشجار التي كان من أهمها: التين والرمَّان والتفاح والكُمَّثْرَى وغيرها. وقد جلب الأشوريون إلى العراق الزيتون كما جلبوا القطن؛ على أن أقدم شجرة عرفت هي النخلة وما زالت النخيل تحتل المكانة الأولى بين أشجار العراق ويعد البلح محصولها الرئيسي، والظاهر أن هذه النخيل كانت تنتشر في مساحات أوسع من المساحات التي تنتشر فيها الآن.

стр. 285

ومن الجدير بالذكر أن الأرض البُور كانت حقًّا لأول من يشغلها وتصبح ملكًا لمن يصلحها؛ ولكنها كانت في الواقع تخضع لحقوق الجيران فيما يختص بالري؛ أي أنه كان لا يجوز لمالكها أن يمنع وصول المياه إلى جيرانه أو أن يتسبب في الإضرار بمصلحتهم حتى ولو كان في ذلك مصلحته الشخصية، وكان للحاكم الحق في المرعى وباكورة الحصاد والهشيم واستخدام الرجال والحيوانات والعجلات في أعمال السُّخرة وخاصة في صيانة القنوات والطرق، كما أن المالك كان ملزمًا بأداء واجبه نحو المنافع العامة التي لا يعفى منها إلا بقرار يصدره الملك؛ كذلك كان الملك أحيانًا يمنح بعض الملاك بعض الامتيازات مثل عدم تحصيل الضريبة عن الأرض، وعدم استدعاء رجال الإقطاعية للسخرة، ومن جهة أخرى كان الحاكم لا يستطيع أن يخرج من إقطاعيته مزارعًا أو أن يستولي على أخشاب أو حشائش أو محاصيل أو حيوانات أو عمال مالك آخر، كما لا يجوز أن يسحب ماء من قناة الري إذا كانت مياهها غير كافية. وكانت القبائل التي حلت في مناطق مختلفة قد استقرت فيها وأقامت لها مدنًا وقرى، وبالطبع امتلكت جزءًا من الأراضي التي كانت مقسمة إلى قطع يستغلها الأفراد، وقد أمكن بالطبع لبعض الأفراد والهيئات أن يكونوا ملكيات كبيرة كما أن المعابد كانت تمتلك حقولًا وأراضي واسعة، وكثيرًا ما كان الفقير عرضة لجشع الغني الذي كان يطمع في زيادة رقعة أملاكه، وغالبًا ما كان الأغنياء يتمكنون من ذلك عن طريق الشراء، وحينما أصبحت المقاطعات خاضعة للمملكة انتقلت ملكيتها إلى الملوك وكان رؤساؤها هم الذين يوافقون على البيع وتدفع لهم التعويضات وهذه

стр. 286

الإقطاعيات التي كونها الملوك كانت تمنح للمقربين من رجاله بصفة نهائية ويمكن توارثها. ومن المعروف أن بلاد النهرين لم تقتصر على الزراعة وحدها؛ بل وجدت بها مراعٍ كثيرة، وهذه لم تكن في حاجة إلى عناية أكثر من إمدادها بالماء وقطع كَلَئِهَا أحيانًا، وكان الملاك يستأجرون رعاة لرعي حيواناتهم وهؤلاء كانوا يحصلون على أجور ثابتة وإن ضاعت من أحدهم بعض تلك الحيوانات كان لزامًا عليه أن يأتي بغيرها على حسابه، وكثيرًا ما نصت الاتفاقيات على أن يزيد الراعي عدد الحيوانات، وإن باع منها لمصلحته أو سرق شيئًا منها كان مكلفًا بدفع تعويض قد تصل قيمته إلى عشرة أمثال ما تصرف فيه، أما إذا حلت بالقطيع كارثة خارجة عن إرادته؛ فعليه أن يثبت ذلك وإلا كان عليه أن يعوض الخسارة على حسابه. وكانت الإقطاعيات لا تقتصر على الأرض الصالحة للزراعة والمراعي فحسب؛ بل كانت تشمل كذلك ما فيها من حدائق ومبانٍ وعبيد أيضًا فكانت ملكيتها تنتقل بما حوت من مالك إلى آخر كما أنها أيضًا كانت تقدم بأكملها كرهن لضمان القروض، ولم يكن غريبًا أن يملك المزرعة أحيانًا عدة أشخاص على المشاع، وكان من الممكن أن يعارض بعض الأشخاص في حيازة مالك من الملاك وفي هذه الحالة كان لا بد من أن يحتكم أمام هيئة مكونة من ممثل للملك وكاتب المدينة وبعض الحكام والشيوخ والأعيان، وكان لا بد أيضًا لكل فريق من المتنازعين أن يدلي بحججه ويقدم الإثباتات أو المستندات الدالة على صحة دعواه وكان تخلف المدعي عن حضور هذه الجلسات يفقده حقوقه، فيعرض منادي المدينة العقار في المزاد.

стр. 287

وكان توسيع رقعة الإقطاعية على حساب الجار يعرض القائم بذلك لعقوبة شديدة كما أن تعديل الحدود الصغيرة كان يعرض للعقوبات أيضًا، وكذلك كان الحال بالنسبة لحفر جدول في أرض الغير أو استغلالها أو بدء البناء عليها.

стр. 288

الصناعة أمدت البيئة بلاد النهرين ببعض المواد الأولية التي استغلت في الصناعة، وأول هذه المواد بالطبع كان الطمي الذي صنعت منه الأواني وكانت هذه في أول أمرها تصنع باليد ثم أصبحت تصنع بعد ذلك بالعجلة وقد تنوعت أشكالها على حسب الأغراض التي استخدمت فيها فمنها: أواني الشرب وكانت مخروطية الشكل، والصحاف لوضع الطعام، والأوعية المخصصة لحفظ ونقل السوائل، ونظرًا لصعوبة الحصول على الأحجار وصعوبة حفرها كانت الأواني الحجرية رمزًا للترف وكانت تحفظ عادة في المعابد وكثيرًا ماكانت تزين بنقوش دينية. وقد استخدم الطمي كذلك في عمل لوحات الكتابة حيث كان يكتب عليها قبل أن تجف، وفي بعض الأحيان كانوا يجعلون لكل لوح غلافًا من الطمي أيضًا- وكثيرًا ما كانوا يقومون بحرقها لتصبح أشد صلابة بتحولها إلى فخار. ومن الجدير بالذكر أن معرفة الحفر على الحجر منذ أقدم العصور أدى إلى نشاط صناعة الأختام الأسطوانية وقد ظلت هذه تستخدم في معظم العصور القديمة وتنوعت موضوعاتها والأساليب الفنية فيها حتى أمكن

стр. 289

التمييز بين الأنواع السائدة في الفترات التاريخية المختلفة. ونظرًا لعدم وجود الأحجار الثمينة من جهة والصلبة من جهة أخرى؛ لَجَأَ أهل بلاد النهرين إلى استعمال الخزف في كثير من الأغراض حتى إنهم استعملوا الطوب الخزفي في تكسية جدران بعض المباني العامة وتزيينها، كذلك نجد أنهم كانوا يستعملون أحيانًا بعض الأواني المعدنية؛ وخاصة من النُّحاس والفضة، وقد برعوا في الصياغة واستخدموا في ذلك الذهب والفضة والأحجار الثمينة كما امتازت بعض مصنوعاتهم الخشبية بما كان فيها من تطعيم بالذهب والفضة والبرونز والأحجار الكريمة، كما أنها كانت تكسى أحيانًا في بعض المواضع بصفائح من الذهب. والظاهر أن خام البترول "الأسفلت" قد عرف من أقدم العصور وكان يستخدم مختلطًا بالطين أو القش كنوع من الملاط، وكان أحيانًا يستعمل وحده دون أن يكون مخلوطًا، وليس معنى هذا أنهم لم يعرفوا سواه؛ بل توصلوا إلى ملاط من الجير أيضًا. وكانت الحرف والصناعات المختلفة تخضع لنظم معينة وبعضها على الأقل كانت تحت رقابة دقيقة؛ فعملية النسيج كانت تتم تحت رقابة رؤساء عمال يعينهم الملك، وقد حدد حمورابي الأجور اليومية للعمال كما حدد أتعاب عامل المعمار والمبيض ونص على العقوبات التي تفرض على من يخطئ في تنفيذ المطلوب منه. ويفهم من قانون حمورابي أيضًا أن تعليم الصناعة كان يخضع لنظم معينة؛ فإذا ما أخذ رجل صبيًّا إلى بيته لتربيته وتعليمه حرفة

стр. 290

ليجعل منه صانعًا جيدًا؛ فإنه لا يجوز لوالدي الصبي أن يطالبا برده؛ إلا إذا كان الصبي لم يتعلم شيئًا، وكان من الممكن كذلك أن يعهد إنسان بعبده إلى رجل آخر ليتعلم منه حرفته، وإن أهمل المعلمُ تعليمَ صبيٍ حرفتَه على الوجه المرضي؛ فإنه يلزم بدفع تعويض ولا يستحق أجرًا على ما بذله في تعليمه من جهد على اعتبار أنه أفاد من عمل الصبي. وكثيرًا ما كانت النتيجة أن يجد المعلم نفسه مضطرًا لدفع التعويض، وكان يفعل ذلك عن رضًا؛ لأنه كان ينتفع بخدمات الصبي.

стр. 291

المواصلات والتجارة اشتهر أهل بلاد النهرين منذ القدم بنشاطهم التجاري مع الشعوب المجاورة، وقد أثروا بطرقهم ومعاملتهم التجارية في تلك الشعوب؛ حتى أخذت عنهم كثيرًا من أساليب التجارة ومصطلحاتها وبعض أسماء المكاييل والموازين التي استخدموها. وربما كانت الحاجة إلى المواد الخام الضرورية وتصريف الفائض من منتجات الزراعة والصناعة هي التي دعت إلى هذا النشاط؛ خصوصًا بعد أن نشطت الفتوح الخارجية، وحاول الملوك تكوين إمبراطوريات لهم، ويمكننا أن نتتبع بعض الشئون المتعلقة بالتجارة من دراستنا للقوانين والشرائع المتعلقة بها حيث يظهر أن جزءًا كبيرًا من المواد القانونية قد خصص لتنظيم التجارة وأنواع المعاملات المختلفة؛ ففي قانون حمورابي نجد "١٢٠" مادة تتعلق بالمعاملات والشئون التجارية من مجموع مواد هذا القانون التي يبلغ عددها "٢٨٢" مادة، ومثل ذلك يقال أيضًا عن شرائع أخرى غير

стр. 292

قانون حمورابي، ومما نلاحظه في هذا الصدد أن تلك المواد عنيت بتحديد الأسعار وأجور المهنيين وأجور السفن والأجور التي تستحق على الأعمال المختلفة، ومن الغريب أن هذه المواد لم تهمل شأن الشركات؛ بل تناول بعضها كل ما يتعلق بتلك الشركات من نقل البضائع وإيداع الأموال والعمولة والمتاجرة لحساب الغير التي لم تكن قاصرة على المتاجرة لأصحاب رءوس أموال في داخلية البلاد فحسب؛ بل كثيرًا ما كان العملاء يقومون بهذه المتاجرة لأصحاب رءوس أموال في الخارج، ولم تكن التجارة قاصرة على الرجال وحدهم؛ بل كان للمرأة نصيب فيها حيث نصت القوانين على تمتعها بحرية التجارة. ومن البديهي أن طرق المواصلات ووسائلها أهم دعامات التجارة وهي خير وسيلة لازدهارها، وقد اهتم ملوك بلاد النهرين بتأمين هذه الطرق؛ وخاصة في المناطق التي تقطنها قبائل مثيرة للمتاعب؛ حيث إنهم كانوا يشنون الحملات الحربية لإخضاع تلك القبائل ويشيدون الحصون والقلاع لضمان المحافظة على الأمن فيها وأنشئوا نظامًا للبريد، وأقدم ما وصلنا عن هذه المواصلات نموذج لقارب يرجع إلى عهد ما قبل الأُسَرِ، وبالطبع كان وجود البحر بالقرب من سكان جنوب بلاد النهرين سببًا في مهارتهم في الملاحة. ولو أن وجود النهرين والقنوات العديدة التي شقت لتسهيل الري والصرف كان سببًا كذلك في استخدام أنواع مختلفة من المراكب، ومنها أنواع ما زالت تستخدم إلى الآن -ويجدر بنا هنا أن نذكر بأن المواد التي استخدمت في صنع هذه المراكب كانت مما تجود به البيئة؛ فالجلود

стр. 293

المنفوخة والقفة١ كانتا تستخدمان لعبور النهر والمجاري المائية الداخلية. وتشير بعض النصوص إلى طريقة صنع السفن كما تشير إلى أنواعها وحمولتها وسعتها وأسمائها المختلفة. أما عن النقل بالبر فقد عرفت العربات من عصور ما قبل التاريخ "شكل ٤٧" وكانت هذه تستخدم في نقل المواد الأولية التي كانت تأتي من جهات بعيدة حيث إننا نجد أن الكثير من مخلفات حضارة بلاد النهرين "شكل ٤٧": نموذج من البرونز لمركبة تجرها أربعة حمير.

стр. 294

تتضمن مصنوعات من أحجار ومعادن ثمينة لا توجد في بلاد النهرين نفسها؛ فقد استورد النُّحاس من جزيرة العرب "عمان والبحرين" التي جلب منها كذلك بعض الأحجار المستخدمة في المباني وصناعة التماثيل، وكان القصدير المستخدم في صناعة البرونز يجلب من شرق إيران ومن سورية ومن آسيا الصغرى، كما كانت الفضة والرَّصاص تجلبا من طوروس والأخشاب من سورية وبعض الأحجار الكريمة من أفغانستان والأصداف من الخليج العربي. ومما يدل على أن أهل بلاد النهرين وصلوا في تجارتهم إلى أماكن بعيدة ما عثر عليه من آثار في آسيا الصغرى تدل على وجود جالية أشورية في منطقة كبادوكيا حيث عثر على عدد كبير من الألواح الطينية والأختام الأسطوانية التي استعملت في المعاملات التجارية، ويتبين منها أن مراكز أخرى في الأناضول كانت تتبع هذه الجالية التي كانت ترتبط بمدينة أشور، وقسم كبير من هذه اللوحات عبارة عن الرسائل المتبادلة بين تجار هذه الجالية وبين أشور، ومنها ما يعطينا بعض المعلومات عن تنظيم القوافل التجارية وتمويلها وتسلم البضائع وطرق السفر وخطابات الاعتماد للمندوبين، ومن المرجح أن هذه الجالية الأشورية قد خلفت مستعمرة تجارية أكدية قديمة، وقد استمرت بعض الشركات التجارية في أماكن أخرى خارج العراق بضعة أجيال متعاقبة، ومن المحتمل جدًّا أن سرجون الأكدي قد قام بحملة حربية إلى الأناضول لحماية المستعمرة التجارية الأكدية التي نشأت هناك للاتِّجار في الصوف والفضة. وربما كان أول قانون تجاري صرف هو الذي ظهر في المستعمرة

стр. 295

التجارية التي أسسها الأشوريون في وسط الأناضول وقد سبق أن أشرنا إلى هذا القانون عند الكلام على القوانين الأشورية "انظر أعلاه ص٢٢٦"، هذا إلى جانب العديد من العقود والوثائق والمستندات التجارية التي عثر عليها في مختلف الأماكن الأثرية ببلاد النهرين، وهي تدل على أن المعاملات التجارية لم تكن لتعد قانونية ملزمة؛ إلا إذا كتبت بأسلوب قانوني، والظاهر أن العناية بضبط الأوزان والمكاييل كانت سائدة إلى درجة أن دائرة خاصة كانت تشرف عليها لأن نماذج من هذه الأوزان عثر عليها وقد سجل على كل منها بكتابة رسمية مقدار وزنها. ومن المرجح أن وحدة للقيمة كانت تتخذ أساسًا للتبادل وقد حددت هذه الوحدة بوزن معين من الفضة؛ ولكن لم يعثر على مثل هذه الوحدة إلى الآن، وكان تقسيم المقاييس والموازين مبنيًّا على أساس ستيني "أي أجزاء من العدد ستين ومضاعفاته"، وفي عصر متأخر نسبيًّا وجدت بعض القطع المعدنية من النُّحاس والفضة والذهب في هيئة صفائح صغيرة أو حلقات أو أقراص مثقوبة لها أوزان معلومة سجلت عليها هذه الأوزان، وربما كان ذلك هو بدء فكرة النقود التي يحتمل أنها أخذت تسود العالم القديم في نفس الوقت تقريبًا١. وكان التبادل هو الأصل السائد في التجارة، وبمقتضاه تنتقل ملكية سلعة من شخص إلى آخر مقابل سلعة أخرى يتسلمها الطرف الأول من الطرف الثاني، وكثيرًا ما كانت قيم الأشياء المستبدلة غير متكافئة وفي هذه الحالة كان على صاحب الكفة الراجحة أن يدفع ما يعادل تعويض الفرق، وفي حالة

стр. 296

نقض الاتفاق كان المتسبب فيه قد يدفع تعويضًا عن ذلك، وبعد أن اتخذت وحدة للقيمة كأساس للتعامل أصبح من الممكن إتمام عمليات البيع والشراء بمقتضاها دون الحاجة إلى تبادل سلعة بأخرى. وفي حالة التعامل التجاري فكما سبق أن قلنا أنه لا يصبح ملزمًا؛ إلا إذا كتب بأسلوب قانوني، وكان المعتاد في هذه الحالة أن يحرر عقد تثبت فيه ثلاثة عناصر رئيسية هي: بيان بالشيء المباع وأسماء الطرفين والثمن الذي يدفع أو إيصال بالدفع الفوري. وكثيرًا ما كان المشتري يأخذ ضمانًا من البائع على عدم وجود عيب فيما اشتراه من شأنه إلغاء العقد؛ وخاصة فيما يتعلق بالعبيد وكانت مدة الضمان تحدد برضا الطرفين؛ كذلك كان من المألوف أن يحرر العقد بحضور شهود من أسرة البائع أو من أسرة الطرفين معًا، ومن الخبراء والكتاب ورجال الأعمال والموظفين المختلفين وهؤلاء كانوا عادة يتسلمون بعض الهدايا بعد إتمام الصفقة التي كانت توثق بعقد يختم بخاتم يعمل لهذا الغرض. وإذا كان المباع عقارًا؛ كان على البائع أن يسلم مستند ملكية العقار إلى المشتري وأن يبين ما أدخل عليه من تعديلات منعًا لحدوث الخطأ. ولم تهمل القوانين ما يرتبط بالتجارة من نواحٍ اقتصادية أخرى؛ فقد نظمت عمليات استئجار العقارات والحيوانات والعربات والقوارب والعمال الزراعيين والقروض والرهون والضمانات والودائع وغيرها. وفي العهد الأشوري كانت الاتفاقيات الخاصة تبدأ ببيان أختام المتعاقدين، ولم يكن من المعتاد وضع أختام الشهود على هذه الأختام، وإذا لم يكن لدى المتعاقد ختم كان يبصم بإبهامه ويغرس ظفره في الطمي، وكان نص

стр. 297

الوثيقة يحرر في أسلوب غير شخصي ثم تنتهي بقائمة الشهود والتاريخ. وإذا ما أراد الكاتب أن يذكر اسمه؛ فإنه يضعه في نهاية قائمة الشهود، وكان البيع يتم مقابل فضة أو رَصاص أو برونز ويدفع الثمن فورًا وإن لم يتسلمه المشتري؛ فإنه كان يأخذ صكًّا يعترف فيه البائع بالدين، وكانت الجزاءات تحدد على من يقيم أي نزاع بشأن هذا التعاقد، وقد ينص على أجر مقابل توثيق العقد "ختمة" إلى جانب المبلغ الأصلي للبيع. ولم تكن قيمة الأراضي الزراعية تقدر حسب مساحتها؛ وإنما حسب كمية الحبوب اللازمة لزراعتها وكانت القيمة تتضمن أيضًا كل ما يرتبط بالأرض من عبيد وطيور ومبانٍ وحدائق، ومن الطريف أن تمالك القوى العقلية كان أساسًا في عملية البيع حيث نص القانون على أن الصرع عيب يلغي البيع، وكان على المشتري أن يتبين وجوده لدى البائع خلال مائة يوم -عصر حمورابي يعطي شهرًا- وفي هذه الحالة يحق له أن يلغي العقد، أما إذا تبينت الإصابة بهذا المرض عقب تلك الفترة؛ فإنها تعد حديثة ولا يترتب عليها إلغاء العقد، وقد وجدت عقوبات محددة على البائع عند رجوعه عن الصفقة؛ لأن ذلك كان يعد خطيئة في نظر الآلهة حيث إن العقد كان يتضمن نوعًا من القَسَم ولو ضمنيًّا على الأقل. وقد جرت التقاليد في كثير من الأحيان أن يذيل الكاتب عقود البيع بعبارة تقليدية هي دفع المبلغ بالتمام. ولا تختلف القوانين الأشورية فيما يتعلق بالشئون الأخرى المتعلقة بالتجارة عن القوانين البابلية؛ حيث إنها كانت تنص على إجراءات مماثلة فيما يتعلق بالتبادل والقروض والرهون والضمانات.

стр. 298

العلوم والآداب بدأت الكتابة في بلاد النهرين كما بدأت في جهات أخرى من الشرق الأدنى بالتعبير عن الشيء بصورته، وقد استمرت هذه المرحلة التصويرية في الكتابة فترة ثم أخذت بعد ذلك أشكالها تختصر ويقل عدد المستعمل منها تدريجيًّا إذا أصبحت الصورة تعبر لا عن الشكل المرسوم فحسب؛ بل عن كل ما يرتبط به من معانٍ أيضًا؛ إلا أن ذلك أدى إلى صعوبة تأويل ما تدل عليه هذه العلامات، وقد أمكن تذليل هذه الصعوبة بالاصطلاح على معانٍ محددة لتلك الصور، ثم استعملت هذه الصور في كتابة ما تدل عليه من أصوات للتعبير عن الأفعال والأمور المعنوية فأصبحت كل منها ترمز إلى نطق معين يدل على كلمة، ومن هذه المرحلة الرمزية أمكن التوصل إلى جعل معظم الرموز تعبر عن مقاطع لفظية، أي أن التعبير بالكتابة في بلاد النهرين سار في نفس الطريق الذي سار فيه التعبير بالكتابة لدى المصريين؛ إلا أن هؤلاء الأخيرين توصلوا -فضلًا عن ذلك- إلى استخدام حروف هجائية بينما لم تصل الكتابة في بلاد النهرين إلى مثل هذه المرحلة. ونظرًا لأن أهل بلاد النهرين قد استعملوا ألواحًا من الطمي للكتابة عليها بقلم مثلث؛ فإنه كان من العسير رسم الخطوط المنحنية واستعيض عنها بما يقاربها من خطوط مستقيمة، كما أن الخطوط التي كانت ترسم بذلك القلم تتخذ في نهايتها شكلًا يشبه رءوس المسامير؛ ولذا أصبح يطلق على كتابة بلاد النهرين اسم: الكتابة المسمارية، وقد انتشرت هذه الكتابة في أنحاء كثيرة من بلاد الشرق الأدنى القديم؛ فقد استعملها الحيثيون والعيلاميون والحوريون

стр. 299

والميتاينون في كتابة لغتهم وظلت هذه الكتابة مستعملة إلى العصر المسيحي. وقد ظلت العلامات المستخدمة كرموز تدل على كلمات جنبًا إلى جنب مع العلامات المستخدمة كمقاطع صوتية؛ فكان عدد العلامات المستخدمة لا يقل عن "٦٠٠" علامة تقريبًا، منها نحو "١٥٠" علامة فقط هي التي كانت تستخدم استخدامًا صوتيًّا بحتًا، وعلى ذلك لم يكن من السهل معرفة هذه الكتابة؛ إلا بدراستها وتحديد المقصود من علاماتها المختلفة، وقد بُدئت محاولات في ذلك منذ أقدم العصور حيث عثر على قوائم ترجع إلى عصر فجر الأُسَرِ، بها العلامات المسمارية وقيمتها الصوتية ومعانيها، وربما كانت هذه أقدم المعاجم التي عملها الإنسان. وكان لنجاح هذه الخطوة أثره؛ إذ تنوعت المعاجم فيما بعد حيث وصلتنا معاجم لغوية تتناول مفردات ومصطلحات وجمل سومرية وما يقابلها في البابلية؛ كذلك وجدت معاجم تتناول أسماء الحيوان والنبات والأدوات المصنوعة من مواد مختلفة وأسماء الأشجار وأجزائها وثمارها وأسماء المنشآت المعمارية وغيرها. وتدل شواهد الأحوال على أنه -إلى جانب المدارس الخاصة بالمعابد- كانت هناك مدارس خاصة للتعليم، وأول ما كان يتعلم الطالب فيها هو الخط أو الكتابة المسمارية ثم يتدرج بعد ذلك إلى تعلم اللغة وقواعدها. وفي العهد البابلي وما بعده كان على الطالب أن يتعلم لغتين السومرية والبابلية؛ ولذا كان التعليم يستغرق وقتًا طويلًا وخاصة إذا أراد الطالب أن يكون

стр. 300

كاتبًا ممتازًا وإلى جانب هذا التعليم العام كان بعضهم يتخصص في مختلف فروع الثقافة العليا: كالطب والفلك والقانون والموسيقى والعلوم الرياضية في معاهد خاصة. وفضلًا عن ذلك كانت هناك مؤسسات خاصة أشبه بالمكتبات ودور السجلات لحفظ الكتب والوثائق، وبعضها كانت تلحق بالمعابد الشهيرة والقصور الملكية، ومثل هذه عثر عليها في أنقاض قصر الملك آشور بانيبال، وكانت تحوي مئات الألوف من ألواح الطين المدونة بمختلف نواحي المعرفة والعديد من السجلات والوثائق التاريخية وهي تلقي ضوءًا كبيرًا على حضارة بلاد النهرين وتاريخها، والظاهر أن هذا الملك كان قد جمعها من مختلف المدن إلى جانب ما نسخه عن أصول قديمة. كذلك عثر في "تل حرمل" بالقرب من بغداد على أكثر من "٣٠٠" لوح كتبت في مختلف أنواع المعرفة ويظهر أنها كانت موضعًا لحفظ السجلات والوثائق أو مكان مدرسة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن مادة الكتابة في بلاد النهرين -ألواح الطين- لم تكن مادة يسيرة الحفظ؛ بل كانت سريعة التعرض للتلف؛ ولذا كان من المعتاد وضع الألواح بعد كتابتها في أغلفة من الطين؛ كما أنه لم يكن من الميسور أيضًا عمل ألواح كبيرة الحجم منه؛ ولذا كانت معظمها صغيرة الحجم، وكثيرًا ما كانت تتعرض للكسر عند إخراجها من أغلفتها، ولذا تبعثرت هذه الألواح وتشتت أجزاؤها؛ فقد يعثر على جزء من لوح في مكان؛ بينما يوجد ما يكمله في أماكن أخرى حتى إنه أصبح من المألوف أن توجد أجزاء من هذه الوثائق في بعض المتاحف ويوجد ما يكملها في متاحف أخرى.

стр. 301

ومما يسترعي النظر أن الخط المسماري مر بمراحل تشبه إلى حد ما المراحل التي مر بها الخط الهيروغليفي؛ إذ إنه إلى جانب هذا الخط وجد الخط الآرامي الذي كتبت بحروف هجائية قبل الميلاد ببضعة قرون، ونظرًا لسهولة هذا الخط الأخير نسبيًّا ولانتشار الآرامية بسبب نشاط الآراميين التجاري؛ فإن هذا الخط أخذ يحل محل الكتابة المسمارية؛ ومع هذا فقد ظلت هذه الكتابة منتشرة إلى بداية التاريخ الميلادي ولكنها هجرت بعد ذلك ولم يعد أحد يعرفها وظل الحال كذلك إلى القرن التاسع عشر؛ فقبل بداية هذا القرن بدأ كثير من السياح يفدون إلى الشرق ونقل بعضهم عددًا من ألواح حجرية مكتوبة وبعض الألواح الطينية، وعكف بعض الباحثين على محاولة تفهمها وحل رموزها، وكما أمكن حل الهيروغليفية من حجر رشيد إذ كان مكتوبًا بثلاث لغات كذلك وجدت آثار في "برسيبوليس" عاصمة الفرس الإخمينيين بثلاث لغات هي الفارسية القديمة والعيلامية والبابلية مع فارق واحد أن اليونانية التي كتبت على حجر رشيد كانت معروفة للباحثين؛ بينما لم تكن أي من اللغات المدونة في برسيبوليس معروفة في ذلك الوقت؛ ولكن نظرًا لأن الكتابة الفارسية كانت أقل الكتابات عددًا في علاماتها وأقل تعقيدًا في شكلها فقد ركزت الجهود على حلها وأمكن التوصل فيها إلى اسمي ملكين من ملوك فارس ثم عرفت مفردات أخرى من هذه اللغة، وبعد ذلك تمكن العلماء بالاستعانة بما أمكن معرفته من هذه اللغة في حل رموز اللغة البابلية، وأمكن التوصل فعلًا إلى معرفة مفردات منها وجزء من علاماتها، ثم تتابعت جهود العلماء؛ فازدادت المعرفة باللغة البابلية، وبلغ من دقة ما توصلوا إليه أنه أجرى للعلماء في مختلف الأقطار شبه امتحان حيث قدمت لكل منهم نسخة من نص

стр. 302

لم يكن معروفًا من قبل وعندما فحصت ترجماتهم له وجدت متطابقة في معناها مما بعث الاطمئنان إلى صحة المعلومات التي عرفت عن هذه اللغة ومن ثم أخذ علم الآشوريات يزداد توسعًا وانتشارًا، ومما ساعد على سرعة فهمها أنها كلغة سامية تتشابه في نحوها وفي بعض مفرداتها مع اللغات السامية الأخرى المعروفة مثل العربية والعبرية، وعن طريق حل رموز اللغة البابلية أمكن التعرف على اللغة السومرية؛ إذ وجدت بعض الكتابات المسمارية التي كانت أشبه بمعاجم لشرح الكتابات السومرية باللغة البابلية كما سبق أن أشرنا. وقد ساعد حل رموز اللغة على التعرف على تاريخ بلاد النهرين من مصادره الأصلية؛ ولكن صادفت المؤرخين صعوبات كثيرة في هذا السبيل لعل من أهمها عدم وجود حادث أساسي تؤرخ الحوادث بالنسبة إلية كما هو الحال بالنسبة للتواريخ المعمول بها الآن مثل: ميلاد المسيح والهجرة؛ إلا أن ملوك بلاد النهرين كانوا يعمدون إلى اتخاذ حادثة معينة شهيرة أساسًا لتأريخ الحوادث في سنة وقوع هذه الحادثة الشهيرة، وظل الحال كذلك إلى نهاية عهد الأسرة البابلية الأولى تقريبًا ثم عدلوا عن ذلك إلى تأريخ الحوادث بالنسبة إلى عهد الملوك، وظل الحال كذلك إلى العهد السلوقي؛ وإن كان الأشوريون قد استخدموا طريقة أخرى في التأريخ حيث كانوا ينسبون السنين إلى عظماء رجال الدولة الذين عاشوا فيها ابتداء من الملك نفسه؛ فكانوا يجمعون حوادث كل ملك في ثبت خاص متسلسل ابتداء من اعتلائه العرش، وقد أضافوا إلى ذلك بعض الملاحظات التاريخية والتعليقات الخاصة بها في نظام أشبه بنظام الحوليات، ومن ذلك

стр. 303

مثلًا أنهم ذكروا كسوفًا للشمس أمكن بالحساب الفلكي تحديد وقت حدوثه بدقة في ١٥ يونيو ٧٦٣ قبل الميلاد، وكان هذا من الأمثلة التي ساعدت على ضبط تاريخ الأشوريين بالنسبة للتاريخ الميلادي، كما ساعد على ضبط تاريخ بلاد النهرين عامة، ومما ساعد على التعرف على تاريخ بلاد النهرين أن بعض الكتاب والمؤرخين القدامى تركوا قوائم بأسماء الملوك السابقين وتتابعهم وقسموها إلى أُسَرٍ حاكمة١، وإلى جانب هذه ترك البابليون والأكديون كتابات أخرى تاريخية تشيد بأعمال الملوك والأمراء، كما أن ملوك الأشوريين اعتادوا أن يدونوا أخبار حروبهم بهيئة رسائل يرسلونها إلى كبير الآلهة؛ فمثلًا يبدأ الملك سرجون الثاني رسالةَ إلى الإله أشور بتحية هذا الإله وتحية الآلهة الآخرين، كما يحيي المدينة وسكانها ثم يسرد أخبار حملته بالتفصيل كتلك التي قام فيها بغزو أرمينيا وهكذا. وقد عني مؤرخو الأشوريين بتدوين الحوليات الخاصة بالملوك مرتبة حسب سني حكمهم أو على حسب العهود الدورية التي كانت تنسب إلى عظماء رجال الدولة، ومن هذه الحوليات أمكن جمع تاريخ وافٍ لأشور، ولم تقتصر المصادر التاريخية على ذلك؛ بل نجد أن البابليين في عهد الدولة البابلية الجديدة قد عنوا بكتابة تاريخ العصور السابقة حتى تناولوا حوادث سبقت زمنهم بنحو ألفي عام، وهكذا نجد أن التدوين التاريخي في بلاد النهرين كان موضع عناية في مختلف عصورها. ولم يقتصر اهتمام أهل البلاد على المعارف التاريخية وحدها بل

стр. 304

فكروا في مختلف النواحي العلمية، ومن أهم ما عنوا به محاولة التعرف على الكون ومكان بلادهم منه وما حواه من بلاد أخرى، وقد اعتقدوا أن الأرض شبيهة بالسماء؛ فهي كنصف كرة مقلوبة تعلوها السماء التي تتكون من ثلاث طبقات أو سبع طبقات ويحيط بالسماء البحر أو المحيط السماوي؛ كذلك قسموا الأرض إلى ثلاث طبقات أو سبع أهمها الطبقة العليا التي يسكن فيها البشر والطبقة الوسطى وهي منطقة المياه والطبقة السفلى وتسكنها أرواح الموتى، كما جعلوا لها أركان في الجهات الأربعة الأصلية. وبازدياد النشاط التجاري والفتوح الخارجية تعرفوا إلى مناطق مختلفة ووصلوا إلى أماكن بعيدة فعرفوا قوائم مطولة بأسماء المدن والبلدان والأنهار وغيرها من المعالم الجغرافية في بلادهم وفي الأقطار المجاورة؛ بل وتحوي بعض مؤلفاتهم في هذا المضمار إضافات لتفسير أسماء بعض الأقاليم والمدن وأسماء المعابد كما تحوي بعضها كذلك معلومات أخرى مفيدة مثل: تعداد المدن وتعريف المسافات فيما بينها، ومما يدل على تقدمهم في النواحي الجغرافية ما عثر عليه من نصوص تبين طرق مسح الأراضي وتخطيطها ورسم الخرائط لبعض المدن، وتعد الخريطة التي عثر عليها لمدينة "نفر" من أقدم الخرائط المعروفة وهي من الدقة بحيث ساعدت المنقبين على التعرف على الأماكن المهمة التي كانت في تلك المدينة، وقد وجدت كذلك خرائط لمدن أخرى؛ كذلك عثر على محاولة لرسم خريطة للعالم المعروف لديهم وهي تصور الأرض في هيئة دائرة يخترقها نهر الفرات في الوسط وهو يأتي من الجبال الشمالية ويصب في

стр. 305

منطقة الأهوار في الجنوب، وقد حدد مكان بابل بالقرب من مركز هذه الدائرة كما عينت أماكن بعض البلدان الأخرى في هيئة دوائر صغيرة بالنسبة لبلاد النهرين وفي هيئة مثلثات خارج الدائرة بالنسبة للأقطار الأجنبية، ويحيط باليابسة في هذه الخريطة البحر المالح الذي تخرج منة ثماني جزر بينت المسافات بينها بالساعات البابلية "انظر شكل ٤٨". "شكل ٤٨": خريطة للعالم يبين بها موقع بابل كنقطة قريبة من مركز الدائرة. ولا بد أن العلوم والمعارف قد نشأت في بلاد النهرين كما نشأت في غيرها من بلاد العالم القديم لتحقيق أغراض عملية، ولعل الحاجة لضبط حسابات المعابد وغيرها من الأمور الاقتصادية هي التي حتمت معرفة

стр. 306

الأعداد ثم تدوينها، ومن ذلك نشأت الرياضيات، وقد بدأت بالعمليات الحسابية البسيطة دون شك، ومما ساعد على تقدم الرياضيات في بلاد النهرين نشاطها التجاري مع البلدان المجاورة من جهة ومن جهة أخرى حاجتها للأعمال المتعلقة بتنظيم شئون الري وشق الطرق لتيسير التجارة؛ إذ إن هذه الأمور دعت إلى ظهور الموازين والمكاييل والمقاييس المختلفة وحساب المعاملات التجارية وأرباحها والتعرف على خواص الأشكال الهندسية، وقد وجدت بعض المصنفات الرياضية كجداول الضرب وجداول معكوس الأعداد ورفعها إلى قوى مختلفة "الأس" وجذورها، كما وجدت بعض المسائل والقواعد الرياضية التي تحل على أساسها؛ كذلك عرفوا بعض النظريات الهندسية التي تتعلق بتشابه المثلثات ومساحاتها "شكل ٤٩"، وعرفوا الكسور -وإن كانوا قد استخدموا الطريقة الستينية- بدلًا من الطريقة العشرية، وتوصلوا إلى حساب مساحات وحجوم بعض الأشكال وعرفوا خواص الدوائر وغير ذلك من الرياضيات الراقية. ومن الأمور التي اهتم بها أهل الحضارات القديمة عامة وأهل بلاد النهرين بصفة خاصة علم الفلك، وقد بلغ من شهرتهم فيه أن كثيرًا من المؤرخين أصبحوا يعتقدون بأن البابليين هم الذين أسسوا هذا العلم، وقد حظي علم الفلك بين البابليين بشهرة عظيمة لدى الإغريق حتى أخذوا عنه؛ إذ إن أهل بلاد النهرين عنوا منذ أقدم العصور بتدوين ملاحظاتهم عن الأجرام السماوية، وربما كانت حاجتهم إلى ضبط الفصول والتقويم هي السبب في نشأة هذا العلم لديهم وإن كان البعض يظن بأنه نشأ من التنجيم الذي بدأ بمعرفة تأثير النجوم في طبائع البشر والتكهن بمصائرهم،

стр. 307

"شكل ٤٩": لوح عليه نظرية هندسية. ومهما كان الأمر؛ فقد تطور علم الفلك وأصبح يبنى على أسس رياضية وأمكن التوصل فيه إلى نتائج مهمة، ومن ذلك اعتبار الشمس مركز الكون وأن المد والْجَزْر يرجعان إلى تأثير القمر، وقد استخدموا في أرصادهم بعض الآلات كما يظن أن الزاقورات كانت تستخدم لرصد الأجرام السماوية إلى جانب وظيفتها الدينية. وقد قسم البابليون اليوم الفلكي إلى "١٢" قسمًا كل منها يتكون من "٣٠" جزءًا وقسموا السنة إلى "١٢" شهرًا قمريًّا يضاف إليها شهر آخر كلما دعت الحاجة لضبط فصول السنة، كما قسموا دائرة السماء بواسطة النجوم الثوابت إلى "١٢" قسمًا ورصدوا بعض الكواكب مثل الزهرة وحسبوا

стр. 308

أبعادها بالدرجات، وغير ذلك من الأمور الفلكية الدقيقة، ولقياس الزمن استعملوا ساعات مائية لقياس أجزاء الليل وساعات شمسية أو مزاول لقياس أجزاء النهار. هذا وقد سبق أن أشرنا إلى أن أهل بلاد النهرين وضعوا قوائم عن الحيوانات والنباتات التي عرفوها، وهذه؛ وإن كانت قد وضعت لخدمة أغراض لغوية؛ إلا أنها في الواقع كانت تحوي معلومات قيمة عن الحيوانات والنباتات التي ألفوها، وقد قسموها إلى أنواع أو أجناس متشابهة أي أنهم اتبعوا نظام التصنيف العلمي؛ ولكنهم أخطئوا في ذلك أحيانًا حيث نجد أنهم وضعوا تحت جنس الكلب الذئب والضبع والأسد كما جعلوا كل ما يعيش في الماء تحت صنف السمك بما في ذلك الأصداف والسلاحف، وربما كانت مصنفاتهم في النبات أكثر دقة؛ حيث إنهم جعلوها في مجاميع متشابهة من حيث أشكالها وثمارها وميزوا في بعض أنواع الأشجار بين الذكر والأنثى. ونظرًا لأنهم عرفوا صناعة الفخار منذ أقدم العصور؛ فإنهم عرفوا الكثير من خواص الطين وتأثره بالحرارة، والأصباغ المختلفة كما توصلوا إلى طريقة التزجيج وعرفوا العجائن واللدائن الكيماوية، ومن إقبالهم على بعض المصنوعات المعدنية أتقنوا التعدين وصهر المعادن ومزجها وتوصلوا إلى معرفة أنواع مختلفة من السبائك كما حاولوا التوصل إلى تحويل بعض المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة وقلدوا الأشياء المصنوعة من مواد ثمينة بالاستعانة ببعض الأصباغ والعقاقير واستخدموا الأدوية والصابون والعطور أي أنهم تقدموا في الصناعات الكيماوية وخاصة تلك التي تخدم أغراضهم

стр. 309

العملية، وقد عثر على بعض مؤلفاتهم في هذا المضمار وإن كنا نجهل أسماء بعض المواد التي ذكروها، كما أن بعض عملياتهم الكيماوية كانت تتضمن بعض الرقى السحرية والدينية ومع ذلك فقد تمكنوا من استخلاص الكثير من المواد المفيدة مثل الزئبق وعرفوا الماء الملكي الذي يذيب الذهب ونجحوا في استخراج عدد كبير من الأدوية المعدنية، وصلنا منها أسماء ما لا يقل عن "١٢٠" نوعًا. وفي مجال الطب توصلوا إلى الكثير من المعلومات المهمة عن الأمراض وتشخيصها وعن تشريح الجسم والعقاقير النافعة، وإن كان العلاج قد ظل مختلطًا بالسحر؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الأمراض كانت تسببها أرواح وشياطين شريرة، وأن الآلهة التي تساعد على التخلص منها، وقد اعتبروا أن الإله "إيا" إله الماء هو إله الطب أيضًا، ونظرًا لاستخدام المياه كثيرًا في العلاج؛ فإن الطبيب كان يطلق عليه كلمة معناها: العارف بالماء؛ كذلك كان من آلهة الطب عندهم الإله "ننازو" أي سيد الأطباء، وكان ابنه "ننجشزيدا" أيضًا من آلهة الطب، ومن رموزه المقدسة عصا تلتف عليها حية أو حيتان وهذه هي التي يتخذها الأطباء حديثًا شارةً لهم حيث تعتبر الحية قادرة على تجديد شبابها؛ لأنها تخلع جلدها فيعود إليها الشباب. ونظرًا لأن العلاج كان كثيرًا ما يتضمن الرقى والتعاويذ لاسترضاء الآلهة والحصول على مساعدتها في شفاء المرضى فإن الأطباء كانوا غالبًا من الكهنة، ومع هذا لم يهمل هؤلاء في علاجهم فن تشخيص الأمراض ووصف العلاج إلى جانب ما يلجئون إليه من العرافة والسحر. ويستدل من النصوص التي خلفها أهل بلاد النهرين على أن عدد

стр. 310

الأطباء لم يكن قليلًا، ومنهم من كانوا يؤدون عملهم كموظفين رسميين وخاصة لدى الملوك ومنهم من كانوا يعملون لحسابهم، وقد يرسل بعض الأطباء الرسميين إلى ملوك بعض الأقطار الأخرى لعلاجهم؛ كذلك كان الأطباء ينقسمون حسب تخصصهم إلى جراحين ومعالجين بالعقاقير، وقد عرفوا كثيرًا من الأمراض وصنفوها ووصفوا أعراضها وعلاجها وكيفية استعمال الأدوية المختلفة التي قسموها حسب مصادرها إلى أدوية نباتية وأخرى حيوانية وثالثة معدنية، كما قسموها من حيث استعمالها إلى أدوية تستعمل من الظاهر أي: دهون وأخرى للتناول، واستعانوا ببعض الأدوات لوضع الأدوية في أماكن دقيقة من الجسم مثل العين والأذن إلى جانب استعمال بعض الأدوات الجراحية، ورغم كثرة ما خلفه أهل بلاد النهرين من النصوص لا نجد تنوعًا كبيرًا في آدابهم؛ إذ إن معظم ما تناولته كان متعلقًا بالأساطير الدينية إلى جانب التدوين التاريخي وبعض الرسائل وكلها تتضمن بعض الأمثال والحكم، وبالطبع ليس من السهل فهم كل هذه الأمثال؛ لأن البعض منها يتناول ما كان سائدًا من عادات وتقاليد وظروف مختلفة ما زلنا نجهل الكثير منها.

стр. 311

الفنون ١ ظهرت أقدم محاولات الإنسان في الرسم والنقش في العصور قبل التاريخية حيث بدأها على الفخار بتزيينها بزخارف هندسية وأشكال حيوانية ونباتية انتشرت بعض طرازها إلى إيران شرقًا وإلى البحر المتوسط غربًا. ومن فترة التمهيد للكتابة ظهر النقش البارز وشاع استخدام الأختام الأسطوانية، ويبدو تأثر الفنان في هذه المرحلة بمظاهر البيئة التي عاش فيها؛ إذ تغلب على الأشكال والزخارف التي رسمها ظاهرة التداخل حتى إنه تصرف في أشكال الحيوانات فجعل رقابها أو ذيولها تتداخل أو تتقاطع بحيث تبدو كأنها كائنات خيالية. وفي عصر فجر الأُسَر استبدل هذا الطراز الزخرفي بأسلوب تصويري وتعددت الموضوعات التي تناولها الفنان وتنوعت وسائله للتعبير عنها؛ فقد يلجأ إلى تمثيل المناظر التي يبدعها بقطع مختلفة الألوان من الأصداف المسطحة تكملها خطوط محفورة في ألواح ارتوازية تثبت في الجدران. وقد وجدت نماذج جميلة للنحت منذ أقدم العصور، ومن خير الأمثلة على ذلك القيثارة الممثل بها رأس ثور "شكل ٥٠"، وفي حالة النحت البارز على السطوح كانت الحيوانات تمثل من الجانب؛ بينما تبرز رءوسها إلى مواجهة الناظر "شكل ٥١"، أما الأشخاص فكانوا يمثلون

стр. 312

"شكل ٥٠": قيثارة مثل بها رأس ثور وهي من القطع الفنية الممتازة. من الجانب في معظم الأحيان مع إظهار الشخص الرئيسي، كما هو الحال في المناظر التي تركها الفراعنة، في حجم أكبر من بقية الأشخاص الممثلين معه؛ كذلك كانت ملامح الأشخاص قوية التعبير ثم ما لبثت هذه الملامح

стр. 313

"شكل ٥١": إبريق من الحجر نحتت عليه حيوانات تواجه الناظر. أن لطفت في عهد البابليين وزاد تنوع موضوعات النحت؛ إلا أن ذلك لم يدُمْ طويلًا حيث تدهورت الفنون بصفة عامة أثناء حكم الكاشيين بعد أن تخلى الفنانون عن كثير من تقاليدهم القديمة. أما في عصر الأشوريين؛ فإن التقاليد القديمة قد عادت إلى الظهور كما ظهرت تأثيرات خارجية لم تكن معتادة في بلاد النهرين؛ فمثلًا شاع تمثيل الإله بهيئة آدمية داخل قرص الشمس وهو يسحب قوسه؛ ليعاون الملك ضد أعدائه "شكل ٤٦" كما شاع تزجيج قطع كبيرة من المنحوتات وهذه مظاهر كانت مألوفة من قبل في مصر، وقد تقيد الفنان بتقاليد فنية -ربما كانت ترجع إلى تأثير ديني- التزم بها ولم يخرج عنها إلا نادرًا.

стр. 314

وعلى العموم يمكن القول إجمالًا بأن الفنان في بلاد النهرين كان كزميله المصري يعرف قواعد المنظور وفن الكاريكاتير، وقد ترك كل منهما أمثلة قليلة تدل على ذلك؛ ولكنهما آثرا أن يكون فنهما تأثيريًّا أكثر منه إخباريًّا. وسار نحت كتل الأجسام "التماثيل" هو الآخر وفق تقاليد معينة، ويبدو في تلك التماثيل ما تعكسه البيئة من أثر؛ إذ إن بيئة بلاد النهرين يغلب عليها طابع الانفصال في وحدات صغيرة تتمثل في أماكن متناثرة تعلو في مستواها عن منسوب المجاري والمسطحات المائية كأنها مخاريط أو أساطين قائمة بذاتها، وقد استوحى الفنان هذه الأشكال في نحت تماثيله فجاءت في هيئة كتل مخروطية أو اسطوانية "شكل ٥٢". "شكل ٥٢": تمثال مغنية يبدو كأنه من مخاريط وأسطوانات.

стр. 315

"شكل ٥٣": تمثالان تبدو فيهما ضخامة الساقين. ونظرًا لأن التماثيل كانت تقام من أجل غرض ديني؛ فقد غالى الفنان في إبراز الاهتمام الشديد في ملامح التمثال وبالغ في حجم العيون؛ ولذا اضطر إلى جعل نسبة الوجه إلى الرأس أكبر مما ينبغي ولم يلجأ فنان بلاد النهرين إلى ما لجأ إليه الفنان المصري من عمل دعامة يستند إليها التمثال أو عدم تفريغ ما بين الساقين حتى تحتملا ثقله ولا تتعرض للكسر؛ بل لجأ إلى جعل هذين الساقين على درجة من الضخامة لا تتناسب مع حجم التمثال وخاصة عند العقبين "شكل ٥٣"؛ كذلك لم يوفق في إبراز تقاطيع الجسم كما وفق زميله المصري في ذلك بل ويبدو أيضًا أنه لم يهتم كثيرًا بالزِّي الذي يلبسه لتمثاله؛ غير أنه بلغ مرتبة عالية في إتقان تماثيل الحيوانات وأبدع فيها غاية الإبداع.

стр. 316

وفي مجال العمارة سبق أن أشرنا إلى ما كانت عليه مساكن أهل بلاد النهرين "انظر أعلاه "ص٢٠٢- ٢٠٤" وبينَّا أهم ما تميزت به. أما المباني العامة مثل المعابد فكانت تقام في أول الأمر من الطين، وبعد أن عرف اللَّبِن استخدم هذا في بنائها وظل الحال كذلك فترة طويلة حتى بعد أن عرف الآجر "اللبن المحروق". وقد حرمت البيئة في جنوب العراق من موارد كافية للأحجار الصالحة للبناء؛ فاستعيض عن ذلك بجعل الجدران سميكة ضخمة حتى تكون لها متانة الجدران الحجرية، كما كان من الضروري تعريج هذه الجدران بجعلها ذات نتوءات وتجاويف "كجدران الحصون" على أبعاد متساوية وربما كان هذا الشكل قد نشأ عن ضرورة حربية وليس لمجرد تقوية الجدران أو للزينة؛ إذ إن المعبد كان يعد أقدس مكان للجماعة وهو مقر معبودها؛ ونظرًا لأن الأسلحة بعيدة المدى لم تكن معروفة عند نشأة هذه المعابد فمن المرجح أن التجاويف التي كانت بالجدران كانت تتيح للمدافعين فرصة الاحتماء فيها ومباغتة العدو، ثم ظهر طراز آخر للمعابد يتمثل في بناء طبقات في هيئة مصاطب تتدرج في صغرها إلى أعلى وهو الأصل الذي تطور إلى الزاقورة أو البرج المدرج٢، ويعتقد المؤرخون بأن أهل بلاد النهرين قاموا ببناء هذه المعابد المرتفعة؛ لاعتقادهم بأن الإله يهبط إليها ويشرف منها على شئون البشر، ولكن من جهة أخرى يمكن تفسير ظهور هذا

стр. 317

الطراز لما له من ميزة دفاعية إزاء ما استحدث من أسلحة أبعد مدى من أسلحة العصور السابقة، ومما يؤيد ذلك أنه على الرغم من بناء معابد أرضية إلى جوار هذه المعابد المرتفعة؛ فإن كلًا من هذه المعابد كان يحاط بسور خاص إلى جانب السور العام الذي يحيط بمجموعة المعابد. وكانت المعابد عمومًا تخضع في تصميمها لتقاليد موروثة؛ إلا أن المعماريين كثيرًا ما كانوا يتصرفون في ترتيب أجزائها المختلفة، والتصميم الغالب فيها أن يكون بجدارها الخارجي مدخل أو أكثر لها بوابات مزدوجة وتؤدي إلى فناء أوسط وهو بدوره يؤدي إلى بَهْوٍ عن طريق بوابة رئيسية، وهذا البهو ينتهي في طرفه البعيد بالهيكل الذي تقع أمامه غرفة يلحق بها كما يلحق بالهيكل مخازن للأمتعة المقدسة، وكان من المعتاد أن يوضع في أساس كل معبد رمز للوقاية يكون أحيانًا عند البوابة في إحدى المشكاوات وأحيانًا تحت أرضية قدس الأقداس وقد يوجد مذبح أمام قدس الأقداس؛ إلا أن الغرض منه يكون رمزيًّا فحسب لأن مذابح أخرى كانت تقام في أماكن أخرى من المعبد، ومنها ما كان كبير الحجم بحيث يصلح لذبح الماشية. ومن الجدير بالذكر أن قدس الأقداس في المعابد المرتفعة "الزاقورات" كان يتمثل في أعلى طبقة منه حيث يوجد هيكل كبير روى هيرودوت أنه كان يحوي سريرًا مزخرفًا زخرفة فخمة، وتقوم إلى جانبه مائدة من الذهب، كما يروي هيرودوت أن الإله كان يختار امرأة من الريف

стр. 318

لتمضي الليل في هذا الهيكل١. وفي العهد البابلي ظهر طراز جديد من المعابد يبدو أنه كان مشيدًا لعبادة الملك الحاكم وهو مربع الشكل أضيفت إليه ركائز أو دعامات، وفي مدخله برجان مزينان بالتجاويف، وهذا المدخل يؤدي إلى ممر ضيق في يساره غرفة للتخزين، وفي نهايته بناء مربع يؤدي إلى صومعة بها كوة لتمثال الإله، أمامها مجرى من الفخار لتصريف سوائل القرابين وإلى يسار الصومعة غرفة للاجتماعات أو للصلاة، وإلى يسار المعبد قصر الحاكم الذي يقع إلى غربه معبد آخر بنفس نظام المعبد السابق؛ ولكنه يتميز بما ألحق به من مبانٍ خصصت للكهنة، ومن هذا يبدو واضحًا أن قصر الملك كان يحتمي بهذين المعبدين حيث كان من المحتم أن يمر من يذهب إلى القصر بأحد المعبدين وكان عليه بعد ذلك أن يمر في غرفتين طويلتين ضيقتين شددت عليهما الحراسة، وبين الغرفة الأخيرة والقصر ساحة مربعة تؤدي إلى الديوان، وهو عبارة عن حجرة كبيرة للأعمال الإدارية والاحتفالات تحيط بها دوائر، ويلي هذه الحجرة قاعة للعرش تفصل الديوان عن الغرفة الخاصة للملك. ولم يحدث تطور يذكر في طراز المعابد أو القصور الملكية إلا في زيادة عدد الأفنية والحجرات وإضافة أبراج قوية عند الزوايا كما زينت الفجوات التي بجدران المعابد بمنحوتات بارزة من الآجر، وفي عهد الأشوريين استعملت ألواح حجرية لحماية الأجزاء السفلى من الجدران

стр. 319

المعابد والقصور، كما أن المناظر المنقوشة على الجدران كانت تزجج، أما أسوار المدن فكان في كل ضلع لها مدخلان، وهذه المداخل تحميها أبراج قوية، ومحلى أبواب القصور وضعت تماثيل لثيران مجنحة ذات رءوس بشرية ربما كان القصد منها أن تكون رمزًا للحماية، أما في العصر البابلي الحديث؛ فقد اختفت هذه التماثيل وحلت محلها نقوش لحيوانات وأزهار على آجر أزرق مزجج، وكان قصر الملك يقع في إحدى نهايتي الشارع الرئيسي للمدينة وفي النهاية الأخرى يوجد المعبد الرئيسي وإلى جواره برج بابل أو زاقورة الإله مردوخ "شكل ٥٤".

стр. 320

شكل "٥٤": منظر عام لمدينة بابل وقصورها وزاقورة الإله مردوخ.
следующие страницы →