← Общие книги

Общие книги · id 8669

أضواء على الثقافة الاسلامية

نادية شريف العمري

Полный текст (414 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله شهادة تنجيني من أهوال يوم القيامة، ومن عذاب النار، وتدنيني من رحمة الله ورضوانه، وتدخلني جنة النعيم مع المقربين الأخيار. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه. وبعد: فإن للثقافة الإسلامية دورا عظيم الأهمية، بالغ الأثر في تحديد معالم الشخصية الإسلامية لدى الفرد، ولدى المجتمع، تلك الشخصية التي تتسم بسمات القوة والهيبة والمجد والرفعة والنبل والكرامة والاتزان، والإيجابية، وتؤهل المسلم لأن يقوم بدوره في تشييد بناء الحضارة الإنسانية، وتعينه على الإسهام في النهضة العلمية والتقنية، ذلك لأن مهمة المسلم في الإصلاح والتهذيب، والتربية والتعليم تجعله في مقام السيادة والإمامة والقيادة والريادة لسائر أمم العالم وشعوب الأرض، وتحمله أمانة السماء إلى الأرض، ورسالة الله إلى البشرية.

стр. 2

والمسلم وريث المصطفى المختار ﵊ في التبليغ والبيان، والنصح والإرشاد، والدعوة والتقويم، وإحقاق الحق، وهدم الباطل، ومحاربة الكفر وأعوانه والضلال وأتباعه؛ إذ إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما؛ وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به، فقد أخذ بحظ وافر. ولا يتمكن المسلم من أداء هذا الدور الجليل العظيم ما لم يكن معتزا بعقيدته، فخورا بمبادئه، مستمسكا بتعاليم دينه، خاضعا لخالقه، مستسلمًا له في كافة الأمور والأحوال، متدبرا آيات القرآن العزيز الحكيم، فاهما سنة الرسول ﷺ منفذا للأوامر الإلهية مجتنبا النواهي، مدركا حكمة الله في الخلق، وفي الإماتة، وفي البعث والنشور وفي الحساب والعرض، وهو فوق هذا كله لين العريكة، قوي العزيمة، عالي الهمة، شكور صبور غيور على حرمات الله، طيب المأكل، عف اللسان، صادق المقال، غني الجنان، مرتبط بماضيه الزاهر، متبصر في حاضره، عالم بوسائل إصلاحه، لديه القدرة على مواصلة المسير نحو مستقبل تعلو فيه كلمة التوحيد، وترفرف فيه راية الإيمان.. هذا المسلم الذي اتقدت مشاعره للإسلام وحماسه لمبادئه، ووفاء بتعالميه، وولاء لأهله ... هذا المسلم الذي تهذبت عواطفه وحسنت أخلاقه واستقام مسلكه قادر على إرساء قواعد الإيمان في الأرض، وعلى متابعة الخطى في موكب الإسلام، قادر على التصدي لخصوم الإسلام، ورد تحديات الملحدين المغرضين، وإبطال حججهم، ونقض آرائهم، ومحاربة أفكارهم، ورد طعناتهم في نحورهم هذا المسلم ذو الفكر المستنير، والقلب الكبير هو الذي نهل من معين الثقافة الإسلامية، وطاف في أفيائها، وورد منها كل مورد، وجمع من قطافها ما لذ وطاب، ورشف من مائها العذب الزلال.. وعاش في حماها، ورفع رايتها، وتفانى من أجل خدمتها وتوضيحها للناس بيضاء نقية. والثقافة الإسلامية قادرة على إيجاد حياة جماعية تسودها قيم السماء، تلك القيم التي ترفع من شأن الإنسان، وتعلي قدره، وتجعله -بحق- خليفة لله ﵎ على وجه هذه البسيطة، ينفذ شريعته، ويطبق منهجه، فلا يظلم ولا يطغى، ولا يبغي ولا يتعسف ... هو إنسان يشارك أخاه الإنسان في أصل

стр. 3

الخلقة، وفي وحدة المصير والمآل، وليس له أن يستعلي على غيره، أو أن يعتدي على أحد، أو أن يسلب الآخرين حقوقهم في الحرية والعمل والعلم ... وهكذا فإن الناس في قيم الإسلام وموازينه أبناء علات، كلهم لآدم وآدم من تراب ... هذا المنهج الثقافي، وهذا العطاء الفكري والبذل الروحي والأساس الحضاري، وهذه المبادئ الاجتماعية والقيم الخلقية والآداب المعاشية تفردت بها الثقافة الإسلامية، ولم تستطع أية ثقافة من ثقافات العالم أن تضع الإنسان في مكانه المناسب، بل جعلت منه إما إنسانا مستعبدا مقهورا مظلوما مغلوبا على أمره لا يتمتع بأي حق من حقوقه الإنسانية الطبيعية, وإما إنسانا آخر طاغيا باغيا متسلطا متجبرا بغير حق. وسبب هذا الاختلال والاضطراب في مقياس الثقافات الأخرى يرجع إلى عدم اتصافها بصفة الاتزان والثبات، كما يرجع إلى أنها لا تستمد مبادئها وأسسها من وحي السماء. والثقافة الإسلامية توثق الصلة بين الحاضر والماضي، فالماضي مجيد مشرق نهض به رجال آمنوا بالله ربا، وبمحمد نبيًّا، فبذلوا الغالي والنفيس لتكون كلمة الله هي العليا، ولم يخرج أحدهم من داره وبيته وبلده ليجوب أقصى الشمال، أو أقصى المغرب والمشرق من أجل مكسب مادي، أو منصب دنيوي، ولو كانت المكاسب المادية الدنيوية غاية واحد منهم لخرجوا من جزيرتهم محاربين قبل الإسلام، وقد عرفوا بالقوة والميل إلى الحرب والعنف والشدة، ولكن جهاد السلف الصالح، والرعيل الأول لم يكن ابتغاء مغنم أو لغرض دنيوي، وإنما كان من أجل إعلاء كلمة الحق ولينالوا إحدى الحسنين: إما الشهادة وإما النصر. هذه الصفحة المشرقة البيضاء الناصعة التي سجلها رجال الإسلام الأبطال بأعمالهم المشرفة، لا بد أن تتألق في الحاضر، وأن تواصل المسيرة بتقدم نحو المستقبل في ركب حضاري مستمر لا يقف ولا يكل، لا بد للإسلام من رجال يحمون حماه، ويطبقونه على أنفسهم وفي مجتمعهم عقيدة وشريعة ومنهج حياة، يؤمنون به إيمانا مطلقا، ويتفانون في سبيل خدمته، وفي سبيل توضيح معالمه والدعوة إليه، وإبعاد الشبه والدسائس التي أثارها أعداء الإسلام من

стр. 4

استعمار أو استشراق أو تبشير أو صهيونية، أجل لا بد للإسلام من رجال تقلقهم وتقض مضجعهم الأوضاع الحالية لبعض المسلمين الذين لم يتح لهم أن يثقفوا ثقافة إسلامية، أو الذين تأثروا من قريب أو بعيد بما يثيره العدو من ضلالات وفتن وشبهات. ومهمة قادة الفكر والمصلحين الإسلاميين تعظم في هذا الوقت الحاضر، وتتمثل في تسليط الأضواء على الأسس العامة للإسلام من عقيدة وخلق ونظم وتشريع. وبيان قدرة وإمكانية ديننا العظيم لسد حاجات العصر ومتطلباته. كما تتمثل في الدعوة إلى تحصين عقول الجيل الصاعد من الغزو الفكري الذي تتبناه الحضارة الغربية والشرقية والذي يهدف إلى تمييع الشخصية الإسلامية وهدم البناء الاستقلالي للأمة الإسلامية، وإبعاد آثار الثقافة الإسلامية عن أفكار أبناء الإسلام. كما تتمثل أيضًا في الدعوة إلى النهضة الشاملة في شتى ميادين الحياة: اقتصادية وعمرانية، لأن الإنسان المسلم إيجابي فعال، يؤثر ويبني، يشيد ويعمر، يزرع ويبذر، يعلم ويتعلم، ينفع ويغدق الخير لصالح البشرية جمعاء.. وهكذا فالثقافة الإسلامية تصبغ الإنسان بصبغة استقلالية ذات خلق أصيل وقيم ثابتة، ومن ثم فإنها تضع الأمة الإسلامية في موضع القيادة والزعامة من سائر الأمم والشعوب. قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢. وإنه لمن تمام النعمة على المسلمين أن تحظى المكتبة الإسلامية بعدد وافر من كتب الثقافة الإسلامية القيمة التي تبصر الجيل بدوره الجليل وبمهمته

стр. 5

الجسيمة في الحياة الدنيا، وتعينه على فهم دينه فهما واضحا لا لبس فيه ولا غموض، وتسلحه بسلاح العقيدة السمحة والفكر النير الواعي، وتطبعه بطابعه المميز الأصيل في مواجهة التيارات المعادية للإسلام والتي ما برحت ترسم خططها وتنفث سمومها وتجمع مكائدها وتبث مكرها لتشويه الفكر الإسلامي وإبعاد المسلمين عن دينهم وعن عقيدتهم. وقد رأيت أن أشارك في هذا الميدان فأكتب في الثقافة الإسلامية بحثا لعله يعين على تحقيق المنشود، وقد توخيت أن يكون نهج هذا البحث بسيطا غير معقد، وعميقا غير سطحي لأفيد وأستفيد، وليخدم ثقافتنا الإسلامية وفكرنا الإسلامي على النحو المرجو. والله من وارء القصد.

стр. 6

الفصل الأول: في محيط الثقافة المبحث الأول: تعريف الثقافة في الاستعمال اللغوي ... المبحث الأول: تعريف الثقافة في الاستعمال اللغوي: استعمل العرب كلمة "الثقافة" للدلالة على معان متعددة: منها الحذق، ومنها الفطنة والذكاء، ومنها سرعة التعلم والضبط، ومنها الظفر بالشيء والتغلب عليه، ومنها التقويم والتهذيب، يقال: ثقف الشيء ثقفا وثقافا إذا حذقه، ويقال للرجل ثقف، بتسكين القاف وبكسرها وبضمها، ويقال للمرأة ثقاف١، ويقال: رجل ثقف كقفٌ إذا كان ضابطا لما يعلم قائما به. قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ٢, وقال جل من قائل: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ ٣، ذكر القرطبي في تفسيره أن "ثقف" في الآيتين الكريمتين تدل على الأسر، والظفر بالعدو فقال: أي تأسرونهم وتجعلونهم في ثقاف؛ أو تلقونهم بحال ضعف، وتقدرون عليهم وتغلبونهم، وهذا المعنى لازم من اللفظ لقوله تعالى في الآية الثانية: ﴿فِي الْحَرْبِ﴾ ثم قال: والثقاف في اللغة ما يشد به القناة ونحوها. واستشهد ببيت للنابغة الذبياني: تَدْعو قُعَينًا وَقَد عَضَّ الحديدُ بها ... عَضَّ الثِّقافِ عَلَى صُمِّ الأَنابِيبِ٤

стр. 7

وتستعمل كلمة التثقيف استعمالا حسيا ماديا واستعمالا آخر معنويا، أما الاستعمال المادي فكقول القائل: تثقيف الرماح أي: تسويتها وتقويم اعوجاجها، وأما الاستعمال المعنوي فكقولنا: تثقيف العقل.

стр. 8

في الاستعمال الاصطلاحي: في العهد الروماني استعملت كلمة الثقافة للدلالة على العلوم الإنسانية التي تستقل بها كل أمة عن غيرها من الأمم، كعلوم الدين واللغة والآداب التي لها فلسفة معينة، واتجاه مميز، كما استعملت للدلالة على الفنون غير العملية وغير الطبيعية. وفي عصر النهضة الأوروبية أصبح اللفظ يطلق على الآداب، والفنون١. يقول "هنري لاوست": "إن الثقافة هي مجموعة الأفكار والعادات الموروثة التي يتكون فيها مبدأ خلقي لأمة ما، ويؤمن أصحابها بصحتها وتنشأ منها عقلية خاصة بتلك الأمة تمتاز عن سواها". ويعرف "أرنست باركر" الثقافة بـ"أنها ذخيرة مشتركة لأمة من الأمم تجمعت لها وانتقلت من جيل إلى جيل خلال تاريخ طويل، وتغلب عليها بوجه عام عقيدة دينية هي جزء من تلك الذخيرة المشتركة من الأفكار والمشاعر واللغة". ومن التعريفات المنتشرة لديهم: "إن الثقافة هي الكل المركب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين"٢. وقد بيَّن "ماثيو أرنولد" في كتابه المسمى "الثقافة والفوضى ١٨٦٩م" أن الثقافة هي: "محاولتنا الوصول إلى الكمال الشامل عن طريق العلم بأحسن ما في الفكر الإنساني، مما يؤدي إلى رقي البشرية وقال: إن الدين من العناصر التي

стр. 9

استعان بها الإنسان في محاولته الوصول إلى الكمال"١. ونحن -المسلمين- ننظر إلى هذا التعريف بعين الناقد البصير الخبير بما يقبل وبما يدع، ذلك لأن ديننا الحنيف ليس مجرد عنصر من العناصر التي يستعين بها الإنسان للوصول إلى الكمال، وإنما هو المفتاح الأول للوصول، إلى كل خير وإلى كل كمال وإلى كل سلام. وقد ذكر الدكتور أحمد شلبي في موسوعته "النظم والحضارة الإسلامية" تعريفا للثقافة قال فيه: "إنها الرقي في الأفكار النظرية، وذلك يشمل الرقي في القانون والسياسة والإحاطة بقضايا التاريخ المهمة، والرقي كذلك في الأخلاق أو السلوك، وأمثال ذلك من الاتجاهات النظرية". فهو يفرق في تعريفه بين العلوم الإنسانية التي تحدد الطابع المميز لكل أمة، وبين العلوم التجريبية التطبيقية فلا يعتبرها داخلة ضمن نطاق الثقافة. وذلك لأن الثقافة تتناول العقيدة والنشاط الإنساني في شتى مجالات الآداب والعلوم والفنون والعادات، والأدب الشعبي وأدب الخاصة، والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية كنظم الحكم والإدارة، ونظم الأسرة، ولا يخرج عن هذه الدائرة تخطيط المدن وتطوير القرى ووسائل النقل وأساليب المأكل والمشرب والزينة والزي ووسائل الترفيه النفسي والاجتماعي.

стр. 10

الفرق بين الثقافة والعلم: وهناك فرق بين الثقافة والعلم، وهذا الفرق يتمثل في أن العلم عالمي بطبيعته يلتقي مع كل أمة وكل مجتمع، ولكن الثقافة خاصة بكل أمة بعينها، والعلم يرمي إلى تنمية الملكات، وهو في نهاية المطاف وسيلة وإرادة، وقد يستعمل للخير والشر على السواء، وتتشكل وجهته في بوتقة الثقافة نفسها، كذلك فإن هناك فرقا بين الثقافة والمعرفة، فالمعرفة هي المعلومات العامة المنوعة المختلفة المتعارف عليها في كل الثقافات والأوليات العامة البديهية، أما الثقافة فليست معارف فقط، ولكنها موقف واتجاه وعاطفة وأسلوب حياة، أما المعارف

стр. 11

فهي المادة الخام للثقافة، ومكانة الثقافة من التعليم والتربية، مكانة الدرجة الأعلى، فالتعليم قاصر على الإعداد المدرسي والدراسي لتكوين العقلية المؤهلة للثقافة، أما الثقافة فهي الدرجة الأعلى التي تكون الفرد تكوينا ممتازا١.

стр. 12

العلاقة بين الثقافة والحضارة: والثقافة مرتبطة بالحضارة ارتباطا وثيقا، ذلك لأن ثقافة كل أمة هي أساس حضارتها، فهي فكرها وحركتها وأسلوب حياتها. ولهذا فإن من حق كل أمة أن تقتبس الجانب المادي في الحضارة لأمة أخرى بوصفها أدوات ووسائل ومواد أولية، ولا تقتبس ثقافتها لأنها ذاتية وخاصة بهذه الأمة وحدها. ومن الباحثين من فرق بين الجانب الفكري المعنوي في الحضارة وخصوه باسم الثقافة، وبين المجالات المادية النفعية التي تخدم الأغراض العملية المباشرة فآثروا أن يسموها "مدنية"، ومنها مثلا مجالات التقدم الإنساني في الزراعة والصناعة والطرق والعمارة. وليست ثمة فائدة من هذا التفريق بين الثقافة والمدنية، لأن تصور ثقافة من غير مدنية، أو مدنية من غير ثقافة تصور نظري بعيد عن الواقع التاريخي، وأن الجانب الروحي المعنوي والجانب المادي العملي يؤثران -متضافرين- في الرقي الإنساني. اللهم إلا أن يقال: إن الجانب الديني والعلوم الإنسانية من نظم اقتصادية واجتماعية تساعد على تشكيل معالم الشخصية الذاتية لكل أمة من الأمم وليس الأمر كذلك بالنسبة للعلوم التطبيقية وللوسائل النفعية المادية. وهناك تعريفات نوعية للثقافة يركز فيها المتخصصون على جوانب تنتمي إلى تخصصهم الدقيق، فمثلا يرى علماء الإنسان أن الثقافة باعتبارها الركن الركين في فهم الإنسان والجماعات، تمثل: "أسلوب الحياة في مجتمع ما، بما يشمله هذا الأسلوب من تفصيلات لا تحصى من السلوك الإنساني"١. ويرى علماء الاجتماع أنه يقصد بالثقافة "النتاج الإنساني للتفاعل

стр. 13

الاجتماعي وأنها تعني كل الأشكال المادية والروحية في المجتمع، وأنها تشكل عناصر عقلية مشتركة بين أفراد المجتمع، ومن ثم فإنها تفرض على أعضاء المجتمع التزامات معينة وسلوكيات محددة"١. هذه التعريفات تنبع من التركيز الجزئي على بعض الجوانب، بحيث تطغى على بقية الجوانب، لكنها عند اجتماعها يكمل بعضها بعضا. وليس ثمة تعارض بين هذه التعريفات النوعية للثقافة وبين التعريف السابق لها، بل إنه لا وجود للتعارض بين الثقافة والحضارة والمدنية؛ لأنها جميعا تعتبر مظهرا من مظاهر الرقي الإنساني ودليلا على مستواه العقلي.

стр. 14

الثقافة الإسلامية: من الركائز الطبيعية للثقافة الإسلامية ومن مقوماتها المميزة ومن أهدافها المحددة يمكن أن نستنبط تعريفا لها فنقول: "إنها الصورة الحية للأمة الإسلامية. فهي التي تحدد ملامح شخصيتها، وقوام وجودها، وهي التي تضبط سيرها في الحياة، وتحدد اتجاهها فيه. إنها عقيدتها التي تؤمن بها، ومبادئها التي تحرص عليها، ونظمها التي تعمل على التزامها وتراثها الذي تخشى عليه من الضياع والاندثار، وفكرها الذي تود له الذيوع والانتشار"١. وعلى هذا فالثقافة الإسلامية هي الشخصية الإسلامية التي تقوم على عقيدة التوحيد وعلى تطبيق الشريعة الإسلامية والأخلاق الإيمانية المستقاة من مصادر الإسلام الأساسية وهي الكتاب والسنة.

стр. 15

الفرق بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات: تختلف الثقافة الإسلامية عن غيرها من الثقافات الأخرى غربية كانت أو شرقية من حيث الأسس والمقومات والأهداف، فالثقافة الإسلامية تستمد كيانها من الإسلام متمثلا في كتاب الله وسنة رسوله بينما تقوم الثقافة الغربية على استمداد مصادرها من الفكر اليوناني والقانون الروماني وتفسيرات المسيحية التي وصلتها.

стр. 16

والثقافة الإسلامية تهدف إلى نشر العدل والأخوة الإنسانية بين كافة الأجناس والفئات البشرية، بينما الثقافة الغربية تهدف إلى استغلال الغني للفقير والعظيم للحقير واستعباد الناس بعضهم بعضا واستعمار القوي للضعيف والتسلط على خيرات البلاد واستخدامها وفق ما يحقق لهم النفع والمصلحة الخاصة. ومن هنا يبدو الفرق واضحا بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات الأخرى، كما يتجلى بوضوح خطأ القول بوحدة الثقافة العالمية، "ولو قيل وحدة المعرفة العالمية لكان ذلك مقبولا، لأن المعرفة تضم المعارف والعلوم العامة التي هي ملك للبشرية كلها. ذلك لأن الثقافات ذاتية وخاصة ومتصلة بأممها لا تنفك عنها، وهي من أجل ذلك لا تنصهر ولا تذوب في بوتقة واحدة، ولكنها تتلاقى وتتعارف ويأخذ بعضها من البعض الآخر ما يزيده قوة، ويرفض بعضها من البعض الآخر ما يضاد وجوده أو يتعارض مع الأصول الأساسية لمقومات فكره وكيانه وذاتيته"١.

стр. 17

المبحث الثاني: خصائص الثقافة الإسلامية مدخل ... خصائص الثقافة الإسلامية للثقافة الإسلامية خصائص مميزة تنفرد بها عن سائر الثقافات، وتجعلها ذات شخصية مستقلة وصبغة متفردة وطبيعة خاصة.

стр. 18

أولى هذه الخصائص أنها ربانية المصدر: فالثقافة الإسلامية تعتمد على كتاب الله الموحى إلى رسوله ﷺ وهي محصورة في هذا المصدر، بعيدة كل البعد عن الفكر الفلسفي الإنساني. وإن هذا المصدر الرباني يتسم بسمة الخلود والصدق والصحة، ذلك لأن الكتب السماوية الأخرى قد دخلها التحريف، وأدخل عليها شروح وتفسيرات وتصورات وزيادات ومعلومات بشرية، أدمجت في صلبها، فبدلت طبيعتها الربانية، وبقي الإسلام وحده محفوظ الأصل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الْذَّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ ١. وهذا هو السر الذي يعطي الثقافة الإسلامية قيمة التفرد والخلود. ومهمة الرسول ﷺ كانت تبليغ هذا الأصل إلى الناس جميعا، إذ إنه يتلقى من الله رب العباد، وينقل، ويبلغ وينفذ، ويطبق. قال الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ, صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ٢. وقال

стр. 19

سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١. ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٢. ويقول عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٣. هذه الآيات القرآنية العظيمة كلها تدل على أن مصدر الثقافة الإسلامية هو كتاب الله ﵎، وهذا الكتاب محل ثقة الناس لأنه مبرأ عن كل نقص أو هوى قد يصاحب العمل الإنساني أو يؤثر في الفكر البشري. وإن هذا المصدر موافق للفطرة الإنسانية، ملب لحاجاتها محقق لمتطلباتها، ملائم لكل جوانبها. ومن البدهي أن الثقافة التي تنبع من كتاب الله والتي تحقق حاجات الإنسان، والتي يطمئن إليها الإنسان ويثق في صحتها تنشئ أرقى ثقافة عرفتها البشرية، وتقدم أشمل منهج للحياة. وهي في هذه الخاصة تختلف اختلافا شاسعا عن الثقافة الغربية التي تستمد مصادرها من الفكر الفلسفي اليوناني والقانون الروماني ومن النصرانية المحرفة، أو من الفلسفة الوضعية. والفلسفة الغربية في العصر الحديث تقوم على اعتبار الطبيعة والواقع والحس مصادر مستقلة وفريدة للمعرفة اليقينية أو المعرفة الحقة. بل إنها تعتبر أن الطبيعة هي التي تنقش الحقيقة في عقل الإنسان وهي التي توحي بها، وترسم معالمها الواضحة، وهي التي تكون عقل الإنسان, والإنسان لا يتلقى من خارج الطبيعة أو مما وراءها، ولا يتلقى من ذاته، إنما يتلقى المعرفة من الطبيعة بما فيها الواقع المحسوس٤.

стр. 20

والثقافة الماركسية تعتبر الحالة الاقتصادية أصلا لكل الأعمال الإنسانية، في تاريخ الجماعة البشرية، وإن تغير الأحوال الاقتصادية يؤثر على حياة الدولة وعلى سياستها، ويؤثر كذلك على العلم والدين، وعلى هذا فإن الثقافة لديها فرع من الحياة الاقتصادية. وهكذا فإننا نجد اضطرابا وخلطا فيما تعتبره الثقافة الغربية مصدرا لها، مما يؤدي إلى اضطراب في فكر الإنسان وفي نفسيته، وهذا ما يورث كآبة نفسية في إحساس الفرد، أو انطلاقا شديدا لا يحده ضابط ولا توقفه قيمة. يقول الأستاذ سيد قطب: "ما الذي قدمته المادية؟ إننا لا نجد بين أيدينا ولا في عقولنا ولا في واقعنا منه شيئا -مضبوطا- فلماذا يا ترى نختاره ونلوذ به وهو هباء لا يثبت على اللمس، ولا يثبت على الرؤية، ولا يثبت على النظر العقلي؟. أما هذا المسخ الذي يثير الاشمئزاز في تصور كارل ماركس وإنجلز للحياة البشرية ودوافعها ومجالها الذي تتحرك فيه، وحصرها في حجر "الاقتصاد" فإن الشعور بالاشمئزاز منه يزداد، عندما يقف الإنسان أمام عظمة الكون المادي نفسه. وما فيه من موافقات عظيمة عجيبة، يبدو فيها كلها كأنما هي تمهيد للحياة البشرية بوجه خاص: فلا يتمالك نفسه من الاحتقار والاشمئزاز لمثل هذا التفكير الصغير الذي لا تروعه عظمة هذا الكون ذاته، ولا تروعه الموافقات الكامنة فيه لاستقبال الحياة البشرية، فإذا به يدير ظهره لكل هذه العظمة، ولكل هذه الروعة، ليخنس في جحر الاقتصاد والآلة والإنتاج، لا بوصفها غاية للإنسان ومحركا فحسب، ولكن بوصفها كذلك العلة الأولى والإله الخالق والرب المتصرف المصرف لهذه الحياة"١. ونذكر هنا نِعَمَ الله علينا، إذ وهبنا الدين الإسلامي الذي هو مصدر لكل خير، ولكل قيمة جديرة أن تبرز وأن تسود.

стр. 21

الخاصية الثانية: الثبات ومعنى الثبات هنا، ثبات المصدر الأول للثقافة الإسلامية، وأن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية ثابت الحقيقة وثابت المفهوم وغير قابل للتغيير. ذلك لأن القاعدة الأولى التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية هي الإيمان بوحدانية الله وبوجوده وبقدرته وهيمنته.. وكل صفاته الفاعلة في الكون والحياة والناس. فهذه العقيدة أو هذه القاعدة ثابتة لا تتغير ولا تقبل التغيير، وما يتفرع عن هذه القاعدة من أن العبودية لله وحده واجبة على الناس جميعا بما فيهم الرسل، وأنه ليس لهم أية خاصة من خصائص الألوهية، حقيقة ثابتة أيضًا لا تتغير ولا تتبدل ولا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. وأن الإيمان بالملائكة والكتب المنزلة والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله ... حقيقة ثابتة. وأن الدين عند الله الإسلام، وأن الله لا يقبل من الناس دينا سواه، حقيقة ثابتة. أن الإسلام يعني إفراد الله بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات والاستسلام لمشيئته والرضى بالتحاكم إلى أمره ومنهجه وشريعته.. حقيقة ثابتة.. وأن الإنسان مخلوق مكرم على سائر المخلوقات، وأنه مستخلف في الأرض، وأن الناس من أصل واحد،.. حقيقة ثابتة. وأن غاية الوجود الإنساني إفراد الله بالعبادة حقيقة ثابتة.. وأن الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأن الآخرة دار حساب وجزاء حقيقة ثابتة.. هذه وغيرها من القواعد التي تتصل اتصالا مباشرا بالعقيدة الإسلامية حقائق ثابتة لا تتغير ولا تخضع للتغيير. والثمرة المترتبة على ثبات هذه الحقائق في الثقافة الإسلامية ضبط حركة الإنسان، وتقييد تصرفاته ضمن إطار محدد، فلا يخرج عن جادة الهدى، ولا

стр. 22

يحيد عن معالم الأخلاق، ولا يتخلى عن الموازين والقيم الإلهية. وإلا غدا إنسانا شاردا حائرا تائها ضالا لا يتبين ملامح الهداية ولا تتضح أمامه الرؤيا، فتتشابه عليه الأمور، وقد يرى الباطل حقا والحق باطلا، وقد يخبط في تيه الحياة خبط عشواء، وقد يظلم وقد يغش، وقد يتعسف.. لأن الموازين اختلت لديه والمقاييس تغيرت في نظره. وثمرة أخرى تجنيها من ثبات الحقائق في الثقافة الإسلامية هي ضبط الفكر الإنساني، فلا يتأرجح مع الشهوات والأهواء والمؤثرات، ولا يندفع وراء حب أو كره عارض. ولا يتأثر من قول شخص قريب أو بعيد، أو حبيب أو بغيض١. أو كبير أو صغير أو رئيس أو مرءوس، أو صاحب سلطان أو مغمور.. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ٣. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ ٤. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ٥. والثقافة الإسلامية بهذه الميزة تختلف اختلافا كبيرا عن ثقافة الغرب "أيًّا كان نوعها" والتي تقوم على مبدأ التطور المطلق الذي يؤدي إلى فكرة وجود النقيض..

стр. 23

وكان من نتيجة الثقافة الغربية أن جعلت البشرية تسير على غير هدى، تتخبط في تصوراتها وفي أنظمتها، وأوضاعها وتقاليدها.. وكان من نتائجها أيضا أنها قضت على المثل العليا، والقيم السامية في النفس الإنسانية. وبددت الإحساس بالخلق الكريم والمعنى النبيل من أجل تحقيق أكبر قدر من الربح للمرابين وتجار الأهواء١. وكان من أبرز نتائج "مبدأ التطور" الذي ترتكز عليه الثقافة الغربية أن تفلت الإنسان من كل قيمة ثابتة ومن كل مثل مرتبط بهدف ثابت، ونادى بالانطلاق والتجديد في كل شيء، من غير ضوابط أو حدود٢. وإن مبدأ التطور الذي لا يتقيد بأي أصل ثابت ولا بأية قيمة ثابتة ليس "حقيقة علمية" وإنما هو فكرة طائشة، وهوى جامع مبعثه الأهواء النفسية والرغبات العاتية. قال الله ﵎: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ٣. ويقول سيد قطب: "إن دارون -وهو يقرر مذهب التطور في خط سير الحياة- لم يكن يبحث، إلا جزئية سطحية من جزئيات هذا الكون تبدأ بعد وجود الحياة. ولا تمتد إلى مصدر الحياة، ولا إلى الإرادة التي صدرت عنها الحياة، وحتى على فرض صحة نظريته، فإن خط التطور يثبت أن هناك إرادة ثابتة من ورائه، وأنه يتم وفق خط مرسوم لا مجال للمصادفة فيه. وأنه جزء من "الحركة" التي هي قانون من قوانين الكون. وحركة الكون ليست فوضى. وإنما تتم حول قاعدة "ثابتة" وتتم في إطار "ثابت". وعلى أي حال فلم يكن لا "المنهج العلمي" ولا "الحقائق العلمية" هي التي أملت على دارون -حين لم يهتد إلى سر الحياة، ولم يستطع تعليلها علميا- أن يهرب من ردها إلى الله، ووجودها ذاته يحتم الاعتراف بموجد لها، وانتظام خط سيرها وتناسقها مع الكون يحتم الاعتراف بأن موجدها لا بد أن يكون مريدا مختارا فيما يريد، عليما خبيرا.. ولكن دارون كان هاربا من "الله" لأنه كان

стр. 24

هاربا من الكنيسة وإلهها الذي تصول باسمه وتجول ... ومن ثم رد الحياة إلى "الطبيعة" التي لا حد لقدرتها كما يقول.. ومن ثم حاول أن يوهم أن الإثبات لشيء -على الإطلاق- بينما بحثه كله كان في دائرة خط سير الحياة بعد وجود الحياة.. ولم يكن يتناول كل شيء على الإطلاق. والمذهب الماركسي هو أشد المذاهب "الوضعية" معارضة لحقيقة "الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت" لأن الاعتراف بهذه الحقيقة البارزة في طبيعة الكون "المادي" ذاته، يفقد المذهب ركيزته الأولى التي يقوم عليها، ويحطم دعواه في "التقدمية" كما يفهمها١. أما مبدأ "النقض" الذي يوصل إليه "مبدأ التطور" فيعني أن كل شيء يهدم نفسه، وأن كل شيء يتحول إلى مقابل ونقيض ومخالف. وهذا المبدأ "الوهمي" الهدام يخالف كل فكرة تقوم على الإيمان والتصديق والثبات، ولكنه بالوقت نفسه ينقض فكرته من حيث الأساس.. فيتضح من هذا أن مبدأ النقض هو مجرد "تحكم" فكري لا رصيد له من الواقع. وبعد هذه الموازنة بين الثقافة الإسلامية المبنية على الثبات، والثقافة الغربية المبنية على مبدأ التطور، نقول: إن الثبات في المبدأ، والثبات في القيم والمثل، لا يجرد الإنسان من كل حول وقوة، ولا يتركه متقوقعا في جحر داره منطويا على نفسه، ولا يحجر على تفكيره ولا يغل يديه ويمنعه من الإنتاج والعمل.. بل يطلق يديه للعمل، وعقله للتفكير ومواهبه للإبداع وطاقاته للإنتاج، ونشاطه للإثمار، ويجعله إنسانا متفاعلا مع الحوادث متفاعلا مع البيئة التي يعيش فيها. متفاعلا مع العلوم والمعارف يؤثر ويتأثر، يبني ويشيد، ويرتقي في سلم الأفضل نحو الخير والتقدم والعزة والسمو والمجد، ينقد ويفكر، يعطي ويغدق، ولكن كل هذه الأنشطة، وكل هذه القوى والتفاعلات، لا تخرج عن محور الثبات في القيم والثبات في الحقيقة، فلا تكون الأمانة التي هي خلق فاضل كريم، ساقطة من حسابه في يوم ما، ولا تكون الرذيلة عنده فضيلة ليصل في ساعة من ساعات حياته إلى ربح أكبر أو مغنم أوسع.. ولا يكون التدني الخلقي

стр. 25

والسلوكي علامة خير في لحظة ما ... بدعوى التطور والانطلاق. ولا يترك تراثه وماضيه بحجة التطور أيضا، لأن التراث جزء من شخصية المجتمع والأمة. ومن ثمرات مبدأ "الثبات" في الثقافة الإسلامية أنه يعطي الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي الحصانة القوية المنيعة ضد دعوات الضلال الهدامة، وبخاصة ضد الشيوعية الملحدة أو الماركسية التي أفلتت من العقيدة وأفلتت من القيم السامية. ومن مزايا مبدأ "الثبات" في الثقافة الإسلامية أيضًا أنه يبث الطمأنينة في حياة الفرد وفي حياة المجتمع، فالفرد يعمل وينتج ضمن إطار محدد، وأفراد المجتمع كلهم يسيرون في دائرة واحدة وباتجاه موحد، فلا تتصادم المصالح، ولا تتباعد النزعات، ولا تختلف الأغراض، كل فرد في المجتمع الإسلامي يشعر بسلام نفسي داخلي وبسعادة قلبية، ويشعر بسلام حينما يتعامل مع غيره طالما أن الهدف موحد والغاية واحدة.. وفي هذا المجتمع الإسلامي تتجلى المنافسة الكريمة في أبهى صورها، إنها منافسة بالحق وللوصول إلى الحق.. وللتقدم في ترقية وسائل الحياة، ووسائل المعاش، فهناك حركة دائبة، ممتدة من الأمس إلى اليوم إلى الغد، مطردة النمو والتقدم. ومما يثمره مبدأ "الثبات" في الثقافة الإسلامية -الثبات في الموازين والمعايير التي توزن بها أعمال الناس جميعا، فلا محاباة ولا تفاضل ولا مداهنة ولا ملاينة، فالعظيم والحقير سواء أمام المبادئ الإسلامية وأمام الأنظمة الإسلامية. وأعظم بقول الرسول ﷺ لأسامة بن زيد وقد جاء يشفع للمرأة المخزومية التي سرقت: "وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وهل هناك فوق هذه الموازين الثابتة موازين؟ وهل هناك فوق هذه القيم الثابتة من قيم؟ فالثبات يضمن لأفراد المجتمع كلهم على حد سواء مبادئ ثابتة يتحاكمون إليها. فلا تطلق الأيدي لتعبث في أموال الآخرين أو أعراضهم ثم لا يجدون مبدأ ثابتا يفصل بينهم ويحكم حياتهم.. وإلا لغدت الحياة فوضى، خالية من معنى الحياة والفضيلة والسلام النفسي والجماعي. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ

стр. 26

الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١, وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٢, وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٣. وإذا استقر هذا الإطار في ذهن الفرد وفي ذهن الجماعة استطاعت الحياة -فكرا وأسلوبا ووسائل- أن تتحرك في داخله بحرية ومرونة واستجابة لكل تطور فطري صحيح مستمد من التصور الكلي الثابت القويم. ولعل هذه الميزة التي تتصف بها الثقافة الإسلامية هي التي ضمنت للمجتمع الإسلامي تماسكه وقوته مدى سنوات عديدة رغم الضربات العنيفة التي وجهت إليه، ورغم الحروب الصليبية التي استمرت أكثر من ألف عام، ورغم الحملات الشنيعة من المغول والتتار.. التي استهدفت القضاء على قوى المجتمع الإسلامي وإبادة المسلمين، ورغم الدعايات الباطلة والشبهات السيئة التي تتأثر من حين لآخر لتشويه تعاليم الإسلام ومبادئ الإسلام وأنظمة الإسلام. يقول الأستاذ محمد أسد "ليوبولد فايس" في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق": "يخبرنا التاريخ أن جميع الثقافات الإنسانية وجميع المدنيات، أجسام عضوية تشبه الكائنات الحية.. إنها تمر في جميع أدوار الحياة العضوية، التي يجب أن تمر بها، إنها تولد، ثم تشب وتنضج، ثم يدركها البلى في آخر الأمر، فالثقافات كالنبات الذي يذوي ثم يستحيل ترابا تموت في أواخر أيامها، وتفسح المجال لثقافات أخر ولدت حديثا". "أهذه إذن حال الإسلام؟ ربما ظهرت كذلك عند إلقاء أول نظرة سطحية.. ومما لا شك فيه أن الثقافة الإسلامية شهدت نهضة مجيدة وعهدا من الازدهار. وكان لها من القوة ما يلهم الرجال جلائل الأعمال وأنواع التضحية، ولقد غيرت معالم الشعوب، وأوجدت دولا جديدة، ثم سكنت وركدت

стр. 27

وأصبحت كلمة جوفاء.. وها نحن أولاء اليوم نشهد انحطاطها التام ولكن هل هذا كل ما في الأمر؟ "إذا كنا نعتقد أن الإسلام ليس مدنية من المدنيات الأخر، وليس نتاجا بسيطا لآراء البشر وجهودهم، بل هو شرع سنة الله لتعمل به الشعوب في كل مكان وزمان فإن الموقف يتبدل تماما. وإذا كانت الثقافة الإسلامية نتيجة لاتباعنا شرعا منزلا.. فإننا حينئذ لا نستطيع أبدا أن نقول: إنها كسائر الثقافات خاضعة لمرور الزمن، ومقيدة بقوانين الحياة العضوية.. ثم إن ما يظهر انحلالا في الإسلام ليس إلا موتا وخلوا يحلان في قلوبنا، التي بلغ من خمولها وكسلها أنها لا تستمع إلى الصوت الأدبي، ثم ليس ثمة علامة ظاهرة تدل على أن الإنسانية -مع نموها الحاضر- قد استطاعت أن تبتعد عن الإسلام.. إنها لم تستطع أن تبني فكرة الإخاء الإنساني على أساس عملي، إنها لم تستطع أن تشيد صرحا اجتماعيا يتضاءل التصادم والاحتكاك بين أهله فعلا على مثال ما تم في النظام الاجتماعي الإسلامي.. إنها لم تستطع أن ترفع قدر الإنسان ولا أن تزيد في شعوره بالأمن، ولا في رجائه الروحي وسعادته"١. "ففي جميع هذه الأمور نرى الجنس البشري في كل ما وصل إليه، مقصرا كثيرا عما تضمنه المنهج الإسلامي.. فأين ما يبرر القول إذن بأن الإسلام قد ذهبت أيامه؟ أذلك لأن أسسه دينية خالصة، والاتجاه الديني زي غير شائع اليوم؟ ولكن إذا رأينا نظاما بُني على الدين قد استطاع أن يقدم منهاجا عمليا للحياة أتم وأمتن وأصلح للمزاج النفساني في الإنسان، من كل شيء آخر يمكن العقل البشري أن يأتي به عن طريق الإصلاح والاقتراح أفلا يكون هذا نفسه حجة بالغة في ميدان الاستشراف الديني"؟ "لقد تأيد الإسلام -ولدينا جميع الأدلة على ذلك- بما وصل إليه الإنسان من أنواع الإنتاج الإنساني، لأن الإسلام كشف عنها وأشار إليها، على أنها مستحبة قبل أن يصل إليها الناس بزمن طويل".

стр. 28

"ولقد تأيد أيضا بما وقع في أثناء التطور الإنساني من قصور وأخطاء وعثرات، لأنه كان قد رفع الصوت عاليا واضحا بالتحذير منها، من قبل أن تحقق البشرية أن هذه أخطاء.. وإذا صرفنا النظر عن الاعتقاد الديني نجد -من وجهة نظر عقلية محضة- كل تشويق إلى أن نتبع الهدي الإسلامي بصورة عملية وبثقة تامة". نحن لا نحتاج إلى فرض إصلاح على الإسلام -كما يظن بعض المسلمين- لأن الإسلام كامل بنفسه من قبل. أما الذي نحتاج إليه فعلا، فهو إصلاح موقفنا من الدين بمعالجة كسلنا، وغرورنا، قصر نظرنا، وبكلمة واحدة: معالجة مساوئنا. "إن الإسلام غني عن كل تحسين، وإن كل تغيير في مثل هذه الحال يطرأ على مدركاته وعلى تنظيمه الاجتماعي بافتئات من ثقافة أجنبية -ولو بإشراق ضئيل- سيكون مدعاة إلى الأسف الشديد وسترجع الخسارة حتما علينا نحن"١. وعلى هذا فكل دعوى لتغيير القيم الثابتة، أو الأسس الإسلامية الثابتة، باسم التجديد أو الإصلاح أو التطور.. دعوى معادية للجنس الإنساني تقف حائلا دون الازدهار الحضاري، والوعي الديني، والتقدم الراقي في أسلوب الحياة والمعاش.. ذلك لأن الثقافة الإسلامية تدعو إلى الحركة وإلى البناء وتنهى عن الجمود وعن الكسل والتواكل والتخلف والتقصير، ولو نظرنا إلى الكون لوجدناه في حركة دائمة وفي تغير دائم. ولكنه يتحرك مع المحافظة على حقيقته الأصلية.. وعلينا نحن المسلمين أن نعمل وأن نجد وأن نجتهد وأن نرتقي في أسباب الكمال والتقدم. مع المحافظة على شخصيتنا الإسلامية وعلى أصالتنا التاريخية وعلى قيمنا النبيلة وعلى عقيدتنا الإلهية. وأية دعوة للانسلاخ عن مبادئنا دعوى هدامة عدائية.. فلنقدر مسئوليتنا تجاه أنفسنا وتجاه البشرية كلها.

стр. 29

الخاصية الثالثة: الشمول تمتاز الثقافة الإسلامية بميزة "الشمول" ذلك لأنها قدمت للبشرية تصورا اعتقاديا كاملا، ومنهجا للحياة الواقعية شاملا لكافة جوانبها..وهو منهج صالح للتطبيق في كل زمان وفي كل مكان. أما الشمول العقيدي فيتمثل ببيان حقيقة التوحيد الذي يعطينا تفسيرا مفهوما وواضحا لوجود هذا الكون ابتداء، ولكل حركة فيه، كما يعطينا تفسيرا واضحا ووافيا لكل ظاهرة من ظواهر الحياة ونشوئها وتكوينها، وتكوين الإنسان من عقل وجسم وروح.. هذا التصور مستمد من كتاب الله ﵎، وهو يعرف الناس بربهم تعريفا دقيقا كاملا وشاملا.. يعرفهم بذاته سبحانه، وبصفاته العليا وأسمائه الحسنى، كما يعرفهم بأثر الألوهية في الكون وفي الإنسان وفي سائر الكائنات الحية. وهذا التعريف بالوجود الإلهي والوحدانية والتفرد بالخلق وكل الصفات الإلهية يدخل إلى النفس الإنسانية، ويؤثر فيها بحيث يشعر الإنسان بعظمة الله دائما، ويحس برقابته في كل عمل وفي كل قول.. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ١. هذا التصور الشامل "للوجود" يرد الإنسان إلى خالقه، فيتلقى منه العقيدة والقيم والمبادئ والأنظمة وسائر ما يواجه به الحياة.. والإنسان في ظل هذا التصور يستطيع أن يعيش لآخرته وهو في دنياه، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه، وأن يزاول أوجه نشاطه الإنساني، وهو مرتبط بالله ﵎، ينال الأجر والمثوبة، ومن ثمرات هذه الميزة أنها تمنح القلب

стр. 30

والعقل الراحة والطمأنينة وتصله اتصالا مباشرا بالله ﵎ خالق الإنسان والكون وواهب الحياة.. فلا يبقى الإنسان حائرا وحيدا، ضعيفا بدرب الحياة بل يجد الملجأ والملاذ.. يجد المعين والقوي والمعطي والمعز، والموجد والعظيم يجد الله دائما معه يعينه إلى الوصول إلى الحق الساطع الذي لا ريب فيه، ويلهمه السداد خائفا حذرا غير آمن من مكره. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١. ومن ثمرات "الشمول" أنه يشعر العبد برقابة الله ﵎ له في كل تصرفاته فيولد في نفسه عنصر الأخلاق الذاتي.. فهو يخلص لله في عمله، ويخلص لله في عبادته ولا يتجاوز دائرة الحل ولا يتعداها إلى المحرمات وإلا فإنه يستحق العقاب الذي يخشاه ويفر منه. ومن الثمرات أيضا أنه يعصم الإنسان من الالتجاء إلى غير الله ﵎..كما يعصمه من أن يستمد التشريعات والأنظمة من غير كتابه الذي هو كتاب هداية وشريعة ومنهاج كامل للحياة. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ٢.

стр. 31

خاصية التوازن: تتسم الثقافة الإسلامية بسمة "التوازن" ذلك لأنها تقوم على أسس عقدية متوازنة، وعلى مناهج متوازنة لا إفراط فيها ولا تفريط، ولا مغالاة ولا تقصير. ففي مجال العقيدة يقوم التصور الإسلامي على أساسين متوازيين أولهما الإيمان بالغيب. والثاني الإيمان بعالم الشهادة. أما الإيمان بالغيب فيتمثل بالإيمان بوجود الله وبألوهيته وربوبيته، والإيمان باليوم الآخر وما يتضمن من أهوال وحساب، وموقف وصراط، وجنة ونار.

стр. 32

وأما الإيمان بعالم الشهادة فيتمثل بالإيمان بحقيقة الإنسان والكون وسائر المخلوقات الحية. وهذا الإيمان بشقيه يتلاءم مع فطرة الإنسان، التي تريد أن تركن إلى قوة عظيمة مغيبة غير مرئية تستمد منها العون وتجد في صلتها بها الأمن والطمأنينة، قوة أعظم من أن يحيط بها الإدراك الحسي، ولكن آثارها من قدرة وإبداع وخلق تدل على وجودها وهيمنتها وصفاتها العظمى. ويقول الأستاذ سيد قطب: "إن العقيدة التي لا غيب فيها ولا مجهول ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشري المحدود، ليست عقيدة، ولا تجد فيها النفس ما يلبي فطرتها وأشواقها الخفية إلى المجهول المستتر وراء الحجب المسدلة كما أن العقيدة التي لا شيء فيها إلا المعميات التي لا تدركها العقول ليست عقيدة، فالكينونة البشرية تحتوي على عنصر الوعي، والفكر الإنساني لا بد أن يتلقى شيئا مفهوما له، له فيه عمل، يملك أن يتدبره ويطبقه، والعقيدة الشاملة هي التي تلبي هذا الجانب وذاك وتتوازن بها الفطرة، وهي: تجد في العقيدة كِفاء ما هو مودع فيها من طاقات وأشواق١. والثقافة الإسلامية بهذه الصفة توازن بين عبودية الإنسان لله الواحد ﵎، وبين مقام الإنسان الكريم في الكون. فهناك فصل تام بين حقيقة الألوهية والربوبية وما تقتضيه من صفات وأسماء وبين حقيقة العبودية. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢, وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. والإنسان حينما يحقق مرتبة العبودية لله وحده يكون قد وصل إلى مقام كريم نبيل، لأن الله تبارك خاطب نبيه بالعبودية ووصفه بأنه عبد الله في مقامين من أجل المقامات: أولهما حينما أسري به إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السماء قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ

стр. 33

الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. والمقام الثاني: مقام الوحي إليه والتلقي من الله رب العالمين، وهذا من أوقع المقامات وأعزها إلى قلب الرسول ﷺ وأعظمها قدرا عند المؤمنين قال الله تعال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى, مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٢. والعبودية هي أرقى حالة يصل إليها الإنسان قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونَ﴾ ٣, ولهذه الميزة ثمرة مهمة، ذلك لأن الإنسان الذي يحقق العبودية لله وحده يترفع ويتحصن من أن يخضع لعبد مثله أو لمخلوق له خاصية العبودية، ولهذا فإن المؤمن لا تنحني جبهته إلا لله رب العباد، كما لا يستعلي على غيره ولا يستكبر ولا يبغي الفساد في الأرض، وبهذا تتجلى المساواة في مقام العبودية بأعظم وأدق وأروع معنى، إذ الناس كلهم متساوون في هذه الخاصة، وهم كلهم إخوة على صعيد واحد أمام الخالق العظيم.. وهم جميعا يتلقون العقيدة من الله، ويتلقون منهج حياتهم فوق الأرض من الله سبحانه.. وليس لفرد أن يشرع أو أن يجعل نفسه مصدرا لسلطة تعلو هامات العباد. قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ

стр. 34

مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. وهنا تظهر عظمة الثقافة الإسلامية وسموها على غيرها من الثقافات، فقد كانت الأساطير اليونانية والعبرية تدمج في بعض الأحيان بين الحقيقة الإلهية وحقيقة العبودية، وقد دخل هذا التصور القبيح في أذهان الأوروبيين فظل يسيطر عليهم بعد أن دخلوا في الديانة المسيحية حتى إنهم حرفوا الديانة المسيحية على ضلالات الأساطير. "فالأسطورة الإغريقية كانت تتصور كبير الآلهة "زيوس" غاضبا على الإله "برومثيوس" لأنه سرق سر النار المقدسة "سر المعرفة" وأعطاه للإنسان من وراء ظهر كبير الآلهة لئلا يرتفع مقامه فيهبط كبير الآله ويهبط معه مقام "الآلهة"! ومن ثم أسلمه إلى أفظع انتقام وحشي رهيب. والأسطورة العبرانية التي تصور الإله خائفا من أن يأكل الإنسان من شجرة الحياة -بعد ما أكل من شجرة المعرفة- فيصبح كواحد من الآلهة! ومن ثم يطرد الإنسان من الجنة ويقيم دونه ودون شجر الحياة حراسا شدادا ولهيب سيف متقلب"٢. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ٣. إن "التوازن" ميزة تنفرد بها الثقافة الإسلامية بين سائر الثقافات الأخرى، وهي وحدها التي تضع الإنسان في المكان المناسب له، مكان فيه راحة نفسية واستقرار وجداني وسعادة قلبية وهو أصلح مكان لهذا المخلوق. فإن الثقافة الإسلامية بهذه الخاصية تحصن المسلم من أن يتلقى من تعاليم

стр. 35

الغرب أو أن يأخذ من غير حضارته، وإذا أخذ شيئا منها فبمنتهى الحذر والتأني، لأن الأفكار الأسطورية دخلت إلى أذهان الغربيين وأثرت بمناهجهم الفكرية، عن عمد منهم أو عن غفلة. يقول الأستاذ سيد قطب، رحمه الله تعالى: "إن التصورات الأوربية التي مكنت فيها تلك التصورات الأسطورية المختلفة، ودخلت في صميمها، بل دخلت في مناهج تفكيرها.. إن هذه التصورات الأوربية وما قام عليها من مناهج التفكير، وما نتج منها من مذاهب وأفكار، كلها تصطدم -اصطداما ظاهرا أو خفيا- مع التصور الإسلامي ومناهج الفكر الإسلامية، وإن أي استعارة من تلك التصورات أو مناهج التفكير أو نتاجها من المذاهب والأفكار، تحمل في صميمها عداء طبيعيا للتصور الإسلامي وللفكر الإسلامي، ولا تصلح بتاتا للاقتباس منها أو الاستعانة بها، بل هي كالسم الذي يتلف الأنسجة ويؤذي الأعضاء، ويقتل في النهاية إذا كثر المقدار"١.

стр. 36

خاصية الإيجابية: تمتاز الثقافة الإسلامية بأنها "إيجابية" ذلك لأن الإنسان، في مدلول الثقافة الإسلامية يعبد الله السميع البصير الخالق الرازق الفعال لما يريد ... له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وكل أسمائه وصفاته كاملة الإيجابية والفاعلية. قال جل من قائل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١, وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ٢. وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ

стр. 37

تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١. والثقافة الإسلامية "إيجابية" لأنها تلزم الإنسان بالعمل حسب طاقاته وإمكاناته ومواهبه، وتحذر بشدة من التواكل والتخاذل والتباطؤ والتكاسل ... ولهذا فهي لا ترضى للمسلم أن يكون كسولا يعيش على هامش الحياة دون أن يؤثر في الكون تأثيرا فاعلا إيجابيا، بل يجب أن يؤثر في المحيط حوله، وأن يؤثر في الناس، وأن يؤثر في دنياه ودنيا غيره ... وأن يكون إيجابيا في عقيدته متفاعلا معها، مدركا لمعانيها يحيا بكل عنصر من عناصرها، ينبض قلبه بحبها، ويسارع ليتمثل كل ركن من أركانها، فيجسده واقعا يرقى به نحو الأكمل والأفضل دائما، ويعايشه إحساسا ومشاعر وحيوية وجمالا وبهاء ... كما يكون إيجابيا في دعوته إلى الله على بصيرة وهدى. إيجابيا في مسارعته لأداء العبادات والفرائض. ولهذا فليس المسلم في عرف الثقافة الإسلامية ذلك الإنسان السلبي الذي يعيش بعيدا عن أحداث الحياة وقضاياها، لا يهمه في دنيا المسلمين أمر ولا يهزه خطب ولا يثيره حدث ولا تحرك وجدانه قضية. ويقنع بركيعات يركعها نافلة في ليل أو نهار، أو أذكار يؤديها منعزلا عن حياة الجماعة الإسلامية ... وإنما هو ذلك الإنسان المسلم الإيجابي في عقيدته، الإيجابي في دعوته، المهتم بأمر المسلمين وشئونهم، الذي يسعى جاهدا لتغيير كل واقع لا يخضع لحكم الله ولا يدين بدين الحق، وهو الذي يتمكن من أن يغير نفوس الآخرين الذين رضوا بالحياة الدنيا عن الآخرة، فانحصرت اهتماماتهم في أهواء عابرة، ونسوا أنفسهم وضيعوا فرائض الله وتهاونوا في أداء العبادات وتقاعسوا عن أداء الحقوق إلى أصحابها، وأهل الحق عليهم. إن المسلم لا يهدأ له بال ولا يرتاح له ضمير، ولا تقر له عين ولا تطمئن له نفس حتى يرى راية الإسلام عالية خفاقة, وحتى يحس إحساسا حقيقيا أن القرآن الكريم يحكم ضمير الفرد، ويحكم تصرفات المسلمين ويحكم واقع المجتمع المسلم.

стр. 38

هذا هو المسلم في عرف الثقافة الإسلامية، وهذا ما تثيره الثقافة الإسلامية في نفسية المسلم من أحاسيس ومشاعر، إنه ليس إنسانا سلبيا يحسن إن وجد الناس قد أحسنوا، ويسيء إن وجد الناس قد أساءوا، كلا إنما هو إنسان يعمل في محيط هدفه ومبدئه وقيمه، وقد حدد الرسول ﷺ معالم شخصية الفرد المسلم بقوله: "لا تكونوا إمعة تقولوا إن أحسن الناس أحسنا وإن أساءوا أسأنا، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تسيئوا". قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١. وقال جل من قائل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢. وقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣. فهذه الآيات الكريمة وغيرها كثير تبين سمة الإيجابية التي يجب أن يتصف بها المسلم، لأنها ميزة مهمة من مزايا ثقافته الإسلامية، وما اتصفت به الثقافة يجب أن يبرز إلى الوجود ويتمثل في واقع الحياة سلوكا بناء وقولا مؤثرا وعاطفة بليغة وخلقا فعالا، وقوة حقيقية وطاقة معمرة تصون الحقوق، وتعطي المحروم، وتأخذ على يد الظالم، وتمنع الطغيان. والثقافة الإسلامية بخاصتها الإيجابية تشعر الفرد بأنه مكلف وأن عليه أن يبذل قصارى جهده. وهو مع ذلك مزود بالاستعدادات والمواهب والإمكانات، وأن الله سيعينه على عمله واجتهاده، يسدد خطاه، ويؤيده بنصره، وقد أبان له طريق الخير ووجهه نحوه، وأوضح له طريق الشر وأمره

стр. 39

باجتنابه، وإن قدر الله ينفذ عن طريق حركة الإنسان، وتفاعله مع الواقع ومع الحياة والأحداث. قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ١ , وقال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢. ومن ثمرات إيجابية الثقافة الإسلامية أنها تشعر الفرد المسلم بضخامة مسئوليته وبأهميته في الحياة الدنيا وفي أحداثها ووقائعها، وأنه لم يخلق عبثا, وليس شيئا تافها وإنما هو قدر من أقدار الله، بتحركه تتحقق إرادة الله ومشيئته، وإن وجوده فوق الأرض يستوجب عملا إيجابيا بناء مستمرا دائما في ذات نفسه، وفي الآخرين من حوله، وهو خليفة الله في أرضه، والخلافة تقتضي شكر المنعم المتفضل دائما بأداء الواجبات الروحية والمالية، وأن يحرص على تطبيق منهج الله وشريعته في الحياة الإنسانية، وأن يجاهد بنفسه وماله، بيده ولسانه، بقلمه وفؤاده لدفع الفساد عن الأرض. ومن ثمرات إيجابية الثقافة الإسلامية أيضا أنها تعلي من شأن الفرد المسلم وترفع من قيمته في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، المحبين، والمغرضين، وترفع من اهتماماته وغاياته وأهدافه، فيأبى أن يزاحم الناس من أجل مطالب قريبة، أو يقاتلهم حرصا على منافع شخصية، إذ المسلم أبعد هدفا من هذا كله.. إنه يحمل عبئا ثقيلا وأمانة عظيمة ورسالة قدسية تحلو في سبيلها التضحيات، ويعذب من أجل العذاب والجهاد. وهو يعمل بصمت وجدية وإخلاص من أجل أن يلقى الله تعالى وقد أدى الأمانة وسلك سبيل المصطفى ﵊، ونهج في الدعوة نهجه ودعى إلى هديه.

стр. 40

خاصية الواقعية المثالية: تمتاز الثقافة الإسلامية بميزة فريدة عظيمة تميزها عن سائر الثقافات، هذه
следующие страницы →