← Общие книги

Общие книги · id 8669

أضواء على الثقافة الاسلامية

نادية شريف العمري

Полный текст (414 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الإلهي، وبتبليغ رسالة التوحيد للناس. ٢- ملاءمتها للفطرة البشرية: إن الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة موافق للفطرة السوية الصافية، بل إن الإنسان يبقى حائرًا قلقًا مضطربًا نفسيًّا حتى يؤمن الإيمان الكامل بوجود الله ووحدانيته ، فإذا وصل إلى هذه المرتبة وجد الأمن النفسي والراحة الداخلية والطمأنينة القلبية، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وقال الرسول الكريم, ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه" ٢. ثمرات الإيمان: إن النتائج التي تترتب على الإيمان بوحدانية الله وبسائر أركان الإيمان كثيرة ومهمة. أشير إلى بعضها فيما يأتي: ١- الإيمان يشعر الفرد بكرامته ومكانته ومنزلته من الله ﵎، الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وصوره فأحسن صورته، وخلقه في أحسن تقويم، وأسجد له ملائكته، وميزه عن سائر المخلوقات بالإدراك والوعي، وبالتعلم والمعرفة، وبالإرادة والتفكير، والاختيار، وجعله خليفته في الأرض، ومحور النشاط في الكون، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمًا جليلة عظيمة ظاهرة وباطنة. والمؤمن يحس بأنه قريب من الله تعالى دائمًا، لا يحتاج إلى وسيط يوصله به، ولا إلى وسيلة تقربه منه، ولا إلى حاجب يأذن له، ولا إلى حارس يسمح له، ولا إلى ملك يقربه من الله زلفى سوى العمل الصالح والنية الصافية، والإخلاص الصادق، قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي

стр. 107

فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١ , فإذا ناداه سمعه، وإذا دعاه أجابه وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٢. وقال الرسول ﷺ ويقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" ٣. هذه المكانة التي يتمتع بها الإنسان لم يحظ بها أي مخلوق من مخلوقات الله حتى إن الملائكة وهم عباد مكرمون تشوقوا إلى هذه المكانة وهذه المنزلة الرفيعة العالية، ويتحدث القرآن الكريم عن تشوقهم هذا فيقول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ٤. وكل ما في الكون من أرض ونبات، وشجر وزرع، وأنها وبحار، وأفلاك ونجوم، وكواكب وفضاء، مسخر للإنسان لينتفع به، ويتخذه ميدانا لنشاطه قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ

стр. 108

اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ١, وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢. وإذا شعر المؤمن بهذه المكانة وهذه الرفعة، سرت في نفسه معاني الكرامة والعزة بالحق، فلا يطأطئ رأسه لمخلوق، ولا يحابي جبارًا. ولا يداهن طاغية، بل ولا يستذله مال ولا منصب ولا جاه، ولا هوى نفس ولا شهوة عارمة، وإنما هو بإيمانه عزيز بما منحه الله من علم وكرامة. يقول كلمة الحق ولا تأخذه في الله لومة لائم. ولهذا نرى الرعيل الأول من المؤمنين كأمثال بلال الحبشي العبد تعلو نفسه وتعظم آماله ويتيه عزة، فلا يأبه بقسوة القساة، ولا بغلظة السادة الشرسين، ولا بعنفوان الجبابرة الطغاة الذي يفتنونه عن دينه، ويساومونه لينطق بكلمة الكفر.. وأنى لهم أن يحققوا مآربهم الدنيئة وقد تشربت روحه بالإيمان، وتيقظت في نفسه معاني العزة التي تدفعه إلى التضحية والثبات والتمسك بالحق أمام إغراء المغرين، وإفساد المفسدين وضلال المضلين.. فيثبت بلال ويزداد إيمانًا ويشعر أنه قد وصل إلى مرتبة أعلى وأعظم من أن ينال منه مشرك. وإن المستبدين الطاغين يستطيعون أن يعذبوا الجسم ولكنهم لن يصلوا إلى القلب العامر بكلمة التوحيد. وهكذا نجد النفس البشرية إذا صقلها الإيمان فإنها تتحرر من الذل. ٢- الطمأنينة القلبية والسكينة النفسية وراحة البال وهدوء الجنان ثمرات طيبة للإيمان قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ٣. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٤.

стр. 109

وإذا اطمأن القلب، وارتاحت النفس شعر المؤمن ببرد اليقين وحلاوة الإيمان وحسن الصلة بالله ﵎، فاحتمل الآلام بثبات وشجاعة، وهانت عليه الخطوب مهما اشتدت، ورأى يد الله ممدودة إليه دائمًا، وأن عين الله ترعاه أبدًا، وأنه في حماية الله، وفي كنفه، وإذا ما ناله أذى فيسضاعف له الجزاء الحسن يوم القيامة. قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١. وبهذا يسمو الإنسان على الماديات ويرتفع عن الشهوات ويتعالى على لذائذ الدنيا ومتعها الزائلة غير المشروعة، ويرى أن الخير كل الخير في النزاهة والشرف الرفيع والنفس العالية الأبية وتحقيق القيم الصالحة، ومن ثم يتجه المؤمن اتجاهًا تلقائيًّا لخير نفسه ولخير أمته ولخير الناس جميعًا، أصل تصدر عنه الأعمال الطيبة الصالحة. قال جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ ٢, وقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣. وقد رسم القرآن الكريم نموذجًا لامرأة مؤمنة اطمأنت نفسها وسكن فؤادها وسارعت لتلبية أمر ربها الذي أوحى إليها أن تقذف ولدها في البحر، فاستجابت لدعوة الإيمان وصدقت بكلمات ربها ورسله قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ٤, وصدقها الله وعده فقال سبحانه: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ

стр. 110

وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ٣- من ثمرات الإيمان الأمن والأمل، فالناس يخافون من أشياء كثيرة وأمور شتى، ولكن المؤمن سد أبواب الخوف كلها، فلم يعد يخاف إلا الله ولم يخش إلا عقابه، ولن يريعه إلا معصية يرتكبها، أو مأثم يفعله.. أما الناس فلا يخافهم ولا يخشاهم ما دام يؤدي حقوقهم ولا يعتدي على أموالهم أو شرفهم أو أنفسهم. وقد دعا إبراهيم قومه إلى التوحيد، فخوفوه بآلهتهم فتعجب من قولهم وحكى القرآن الكريم هذا الموقف بقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ, وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣. والمؤمن آمن على رزقه أن يفوت فإن الأرزاق بيد الله. قال سبحانه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ٤. وقال جل من قائل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٥. وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ٦. بهذه الضمانات يعيش المؤمن حياته آمنًا مطمئنًا على رزقه. والمؤمن آمن على أجله، فإن الله هو الذي قدر الآجال، وبيده أعمار الخلائق، وما تدري نفس بأي أرض تموت، فلم يخاف من الحوادث

стр. 111

والجود والكرم والمن والعطاء ... كل هذا يورث في نفس المؤمن الأمل بما عند الله. فالله قدير رحيم يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، فلم ييأس المؤمن ولم يقنط؟ وهو يعلم أن الله يقبل من العمل ما قل ويجزي الجزاء الكثير. ويغفر الذنوب وإن بلغت عنان السماء، ويعفو عن السيئات، ويقبل التوبة ، وهو الذي يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه أشد فرحًا بتوبة عبده من الإنسان الذي ضيع راحلته وزاده في فلاة حتى إذا ما أعياه البحث وكادت زهرة الأمل تجف في نفسه وجد الراحلة والزاد.. والمؤمن يأمل بقرب الفرج وزوال العسر، ودنو اليسر ذلك لأنه يردد دائمًا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ١, وهل يغلب عسر واحد يسرين؟ كما أنه يثق بعون الله وبوعده للمؤمنين الصابرين المجاهدين بالنصر المبين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٢, وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ٣.

стр. 112

والجود والكرم والمن والعطاء ... كل هذا يورث في نفس المؤمن الأمل بما عند الله. فالله قدير رحيم يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، فلم ييأس المؤمن ولم يقنط؟ وهو يعلم أن الله يقبل من العمل ما قل ويجزي الجزاء الكثير. ويغفر الذنوب وإن بلغت عنان السماء، ويعفو عن السيئات، ويقبل التوبة ، وهو الذي يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه أشد فرحًا بتوبة عبده من الإنسان الذي ضيع راحلته وزاده في فلاة حتى إذا ما أعياه البحث وكادت زهرة الأمل تجف في نفسه وجد الراحلة والزاد.. والمؤمن يأمل بقرب الفرج وزوال العسر، ودنو اليسر ذلك لأنه يردد دائمًا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ١, وهل يغلب عسر واحد يسرين؟ كما أنه يثق بعون الله وبوعده للمؤمنين الصابرين المجاهدين بالنصر المبين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٢, وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ٣. الإيمان يولد الرضا والحب: الرضا عن الله وعن الذات والاطمئنان إلى اليوم والحاضر ثمرة من ثمرات الإيمان، وسر من أسرار السعادة، قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤, ويتجلى الرضا عند الله تعالى بمظاهر جليلة أهمها أن يتجه المؤمن إلى الله سبحانه ويستخيره في شأنه، قبل أن يبادر إلى أي عمل يعمله مهما كان هذا العمل عظيمًا أو بسيطًا. وقد كان رسول الله ﷺ يعلِّم الصحابة الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن.

стр. 113

وها هو جابر بن عبد الله ﵁ يقول "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري. أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رَضِّني به. قال ويسمي حاجته" ١. فالمؤمن يتجه إلى الله تعالى يستخيره قبل الإقدام على العمل، ثم يرضى بما قدره الله له من رزق ونعم وعطاء، حتى المصيبة تصيبه والضرر يحل به فيصبر ويحتسب إيمانًا بأن الله لا يفعل شيئًا عبثًا ولا يقضي أمرًا إلا ولما فيه صلاح شأن العبد كان ذلك إيذانًا برضاه ودليلًا على اطمئنانه إلى قدر الله وقضائه إذ إنه سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها. والإيمان يولد في النفس المؤمنة الحب الكبير الذي يمنح الأمن الروحي، والسعادة الداخلية، ويشعر الآخرين بالاطمئنان والكرامة الإنسانية: فالمؤمن يحب الله ورسوله أكثر من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه، ويحب الناس من أجل الله تعالى, فيعطف على صغيرهم، ويرعى يتيمهم، ويعطي محرومهم، ويصل ذوي القرابة والرحم وقد قيل: "إن الحب يحول المر حلوًا، والتراب تِبرًا، والكدر صفاء، والألم شفاء، والسجن روضة، والسقم نعمة، والقهر رحمة "٢. فالمؤمن بسبب إيمانه يشعر بفضل الله عليه وإنعامه عليه فهو واهب الحياة وهو مصدر الخلق والأمر والإيجاد، فالمؤمن يتجه إلى الله بقلبه ومشاعره وأحاسيسه، فيحبه ويخشاه في آن واحد، الحب الذي يدفعه إلى طاعته وامتثال

стр. 114

أمره والقيام بالفرائض المطلوبة في أوقاتها المحددة. والخشية التي تمنعه من الاجتراء على المعصية. وفي الحديث عن رسول الله, ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ١. والمؤمن يعتقد أن الطبيعة كلها مخلوقة من مخلوقات الله، وأثر من آثار قدرته وميدان فسيح ليتفكر الناس في بديع صنع الله. وفي عجيب تكوينه وقد أثر عن الرسول, ﷺ : "أحد جبل يحبنا ونحبه" ٢ , فأين هذا الاعتقاد الصحيح الصادق من الاعتقاد الباطل الذي كان مسيطرًا على عقول كثير من الناس في القرون الوسطى وإلى هذا العصر من أن النور مملكة لإله الخير، وأن الظلام مملكة لإله الشر.. وقد سمعنا كثيرًا أن الملحدين يقدسون الطبيعة ويعتبرون أن لها إرادة، وبيدها قدرة الإيجاد والإحياء، وهذا وهم باطل وزعم مفترى لا يصدر عن رجل واع جاد في دعواه، وإنما هو كلام أشبه بالهراء. والمؤمن يرى أن الحياة التي يعيشها فرصة ذهبية للقيام بالطاعات وبالإكثار من العبادة، والعمل الصالح والبر بالآخرين، وإقامة صِلاة الود والمحبة مع المؤمنين خاصة. وفي الحديث عن رسول الله, ﷺ : "خير الناس من طال عمره وحسن عمله" ٣. والمؤمن يحب الناس جميعًا لأنهم أخوة له في الإنسانية، وشركاء له في العبودية لله تعالى، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ٤.

стр. 115

وفي الدعاء عن رسول الله, ﷺ : "اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة" ١. والمؤمن يخص المؤمنين بالحب والولاء، إذ إن الحب يحتاج إلى بذل وتضحية وإيثار، والكافر لا يؤمن شره ولا يرجى خيره، وقد كفر بخالقه وجحد نعمه التي لا تعد ولا تحصى، فكيف يوثق به؟ وكيف يتودد إليه؟ قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٢. وقد أخبر الصادق المصدوق أن المرء مع من أحب، فلينظر الإنسان إلى من يخالل، فإن كان كافرًا فليستغفر ربه. وإن كان مؤمنًا فإن خليله يذكره بالله، ويمحضه النصح والإرشاد، ويوجهه إلى فعل الخير وينهاه عن المنكر قولًا وفعلًا، فهذا هو المؤمن الحق, وتلك هي ثمرة الإيمان، وليهنأ بنعمة الحب لله وقد قال الرسول ﷺ في الحديث القدسي: "قال الله : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء" ٣. وقد دلنا الرسول ﷺ على زورق الوصول إلى المحبة في الله ألا وهو إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وإقراء الضيف، وأن يلقى المسلم أخاه بوجه طلق، وأن يفرج عنه كربة من كرب الدنيا، وأن ييسر على معسر، وأن يستر مسلمًا ابتغاء وجه الله، وأن يمسك لسانه عن القيل والقال، وليقل خيرًا أو يصمت٤ ... وهكذا رسم لنا رسول الله ﷺ طريق الحب لله، وإنها لصورة رائعة لمجتمع مسلم فاضل متمسك بالقيم الإيمانية مطبق شريعة الله ومنهجه قال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٥.

стр. 116

وقال رسول الله, ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" ١. وما الفائدة من الإيمان إذا لم يثمر حبًّا طيبًا رحبًا ساميًا رفيعًا بين أفراد المجتمع المسلم؟ إذ إن الحب هو الذي يساعد على التماسك والتعاضد والتناصر بين الأفراد إذا ما حل خطب بالمجتمع، أو داهمه عدو مشترك، أو أصاب بعض أفراد أمر خطير، وهنا نلحظ المعنى السامي والتعبير البليغ الذي ذكره الرسول ﷺ حينما قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ٢، وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٣, وقال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا -قيل هذا إذا كان مظلومًا، فكيف إذا كان ظالمًا- قال: أن تأخذ على يده" ٤. وفي الحديث القدسي الذي رواه معاذ بن جبل أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: "وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتبادلين في" ٥. وهكذا فالمؤمن بعقيدة التوحيد يحب الوجود كله، يحب الله ﵎، ويحب الطبيعة ويعتقد أنها مخلوقة لله ﵎ خاضعة له خضوع سائر العباد للمعبود الواحد الأحد، ويحب الحياة ويعتبرها فرصة غالية لتحقيق غاياته الجسام، وهو يحب المؤمنين ويكره الشيطان وأولياؤه من الكفرة والزنادقة المارقين من الدين.

стр. 117

المبحث الثاني: التشريع ومصادره مدخل ... المبحث الثاني: الشريعة الإسلامية ومصادرها المعنى اللغوي لكلمة الشريعة: الشرع مصدر شرع بالتخفيف، والتشريع مصدر شرع بالتشديد، والشريعة في الاستعمال اللغوي مورد الماء الذي يقصد للشرب، ثم استعملها العرب في الطريقة المستقيمة، وذلك باعتبار أن مورد الماء سبيل الحياة السلامة للأبدان. وكذلك الشأن في الطريقة المستقيمة التي تهدي الناس إلى الخير، ففيها حياة النفوس وري العقول. المعنى الاصطلاحي للشريعة: يراد "بالشريعة" كل ما شرعه الله للمسلمين من دين سواء أكان بالقرآن الكريم نفسه، أم بسنة الرسول ﷺ فالشريعة على هذا تشمل أصول الدين: أي ما يتعلق بتوحيد الله ﵎ وأسمائه وصفاته وكل ما يتعلق بالدار الآخرة وغير ذلك مما يدخل في بحوث علم التوحيد. كما تشمل كل ما يرجع إلى تهذيب النفس، والتحلي بالأخلاق الفاضلة مما يتصل بالعلم والأخلاق. وبالإضافة إلى ذلك فإن الشريعة تشمل أحكام الله لكل عمل من أعمال العباد من حل أو حرمة أو ندب أو إباحة أو كراهية وهو ما يعرف باسم الفقه. فالشريعة في الاصطلاح: هي كل ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- سواء كانت متعلقة بكيفية عمل من الأعمال وتسمى فرعية وعملية، وقد دون لها علم الفقه، أو بكيفية الاعتقاد وتسمى أصولية واعتقادية، ودون لها علم الكلام.

стр. 118

الفرق بين الشريعة والفقه: وقد فرق علماء الأصول بين كلمة الشريعة والفقه، فجعلوا الشريعة مرادفة للدين، وليست قاصرة على الفقه وحده إذ إنه لا يتعرض لموضوع الاعتقاد. وقد عرفت اللغة العربية كلمة "الشريعة" قبل كلمة "الفقه" بزمن طويل, ذلك لأننا نجد مادة "شرع" ومشتقاتها قد وردت في آيات كثيرة من كتاب الله العزيز الحميد. كقوله جل من قائل: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. أما كلمة "الفقه" فإنها لم تأخذ معناها الاصطلاحي إلا بعد مضي صدر من الإسلام. يقول ابن خلدون في مقدمته: "الفقه معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي متلقاة من الكتاب والسنة. ومن نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها "فقه"٢. الفقه الإسلامي ومصادره: إن الفقه الإسلامي جزء من الشريعة، وقد اعتاد العلماء أن يطلقوا عليه اسم التشريع الإسلامي. والفقه في اللغة معناه الفهم. وفي الاصطلاح: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. ولم ينشأ التشريع الإسلامي كاملًا مرة واحدة، بل تدرج في مراحل النمو والنضج إلى أن بلغ قمة الكمال. ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن استكمل التشريع أصوله الأساسية التي استوى عليها قائمًا شامخًا كالطود العظيم. ولم يبق للعلماء بعد عهد النبوة المجيد إلا الرجوع إلى ما تم في حياته ﷺ .

стр. 119

واستلهام ما أوحى الله إليه من كتاب وسنة، ثم التفريع والتطبيق حسب الظروف والأزمان والأحوال والمصالح. مصادر التشريع: قد دل على ما شرعه من الأحكام بأدلة عديدة، فبعضها دل عليه بنصوص القرآن، وبعضها دل عليه بسنة رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. وبعضها دل عليه بطريق أشير إليه. أو بوضع أمارة على الحكم المطلوب في الواقعة. وهذه المصادر يعبر عنها تارة بأدلة الأحكام ومرة بأصول الأحكام وأخرى بمصادر الاجتهاد. وكلها كلمات مترادفة معناها واحد، وقد عرف الأصوليون الدليل بأنه ما يستفاد منه حكم شرعي عملي على سبيل القطع، وأما ما يستفاد منه الحكم على سبيل الظن فهو أمارة وليس دليلًا، لكن المشهور في اصطلاحهم أن الدليل هو ما يستفاد منه حكم شرعي عملي مطلقًا، سواء أكان على سبيل القطع أم على سبيل الظن. والأدلة الشرعية التي تستفاد منها الأحكام ترجع إلى أربعة هي: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، وهذه الأدلة الأربعة اتفق جمهور العلماء على الاستدلال بها في الجملة، واتفقوا على أنها مرتبة في الاستدلال بها هذا الترتيب: القرآن فالسنة فالإجماع فالقياس. أي أنه إذا وقعت واقعة نظر في القرآن أولًَا، فإن وجد فيه الحكم أمضى، وإن لم يوجد فيها الحكم نظر في السنة, فإن وجد فيه الحكم أمضى, وإن لم يوجد فيها الحكم نظر في إجماع المجتهدين في عصر من العصور، فإن وجد فيه الحكم أمضى، وإن لم يوجد اجتهد في الوصول إلى حكم الواقعة بالقياس على ما ورد النص بحكمه. والبرهان على الاستدلال بها هو قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.

стр. 120

فالأمر بطاعة الله وطاعة رسوله أمر باتباع القرآن والسنة، والأمر بطاعة أولي الأمر من المسلمين، أو باتباع ما اتفقت عليه كلمة المجتهدين من الأحكام، لأنهم أولو الأمر التشريعي من المسلمين. والأمر برد الوقائع المتنازع فيها إلى الله والرسول أمر باتباع القياس حيث لا نص ولا إجماع، لأن القياس فيه رد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول ﷺ لأنه إلحاق واقعة لم يرد نص بحكمها بواقعة ورد النص بحكمها لتساوي الواقعتين في علة الحكم. فالآية الكريمة تدل على اتباع هذه الأربعة. وأما الدليل على ترتيبها في الاستدلال بها، فهو ما رواه البغوي: "عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو "أي لا أقصر في اجتهادي" فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله"١. وما رواه البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم عن رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله، جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به، وكذلك كان يفعل عمر، وأقرهما على هذا كبار الصحابة ورءوس المسلمين، ولم يعرف بينهم مخالف في هذا الترتيب. وتوجد أدلة أخرى عدا هذه الأدلة الأربعة لم يتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، بل منهم من استدل بها على الحكم الشرعي، ومنهم من أنكر الاستدلال بها. وأشهر هذه الأدلة المختلف فيها: الاستحسان، والمصلحة المرسلة والعرف.. وهي في الواقع داخلة ضمنًا في المصادر الأربعة الأساسية، فالاستحسان قياس خفي، والمصلحة مرعية، والعرف معتبر. وإليك الكلام عن المصادر المتفق عليها بقدر الحاجة إليها وأما المختلف

стр. 121

فيها فليس لاستيفاء الحديث عنها مجال في هذا المقام.

стр. 122

القرآن الكريم مدخل ... أولًا- المصدر الأول القرآن الكريم: والحديث فيه يتضمن النقاط الآتية: تمهيد, أسماء القرآن الكريم, نزوله منجمًا, الآيات المكية والمدنية, جمع القرآن الكريم, أسلوب القرآن في الطلب والتخيير, أساس التشريع, أنواع الأحكام الواردة فيه, دلالته على الأحكام. تمهيد: هو كتاب الله المبين، أنزله هدى ورحمة للعالمين، وأبان به الرشد من الغي، فكان أساسًا للدين وعمدة للملة، وينبوعًا للحكمة وآية للرسالة الإسلامية، ونورًا للأبصار والبصائر. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١ , وقال جل ذكره: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢. فهذا القرآن العظيم حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد. ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين٣. هذا وقد عني الأصوليون بتعريف القرآن وتحديده ليتبين ما تجوز به الصلاة وما لا تجوز، وما يكون حجة في استنباط الأحكام وما لا ينهض بذلك، وما يكفر جاحده وما لا يكفر فقالوا: "القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد ﷺ ما بين دفتي المصحف باللفظ العربي المنقول بالتواتر المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس وهو المنزل على محمد ﷺ لفظًا ومعنى وأسلوبًا". وعلى هذا فليس منه ما أنزل الله تعالى على نبيه من أحكام وأداها بأسلوبه

стр. 123

الخاص، كما ليس منه ما ثبت من الحديث القدسي، وهو ما أثر نزوله على النبي ﷺ ولم يثبت نظمه من قبله في سلك القرآن، وكذلك ما نزل من الكتب السماوية على الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور لعدم اعتبارها قرآنًا١. وتفسير القرآن وترجمته ليسا من القرآن في شيء، فلا تجري عليهما أحكام القرآن الخاصة. وكذلك القراءة الشاذة، وهي التي لم تنقل بالتواتر كقراءة ابن مسعود: "فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ". وقراءته أيضًا: "وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ المُحَرَّمِ مِثْلُ ذَلِكَ". وقراءته في كفارة الأيمان: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ"٢. ولقد أحصيت آيات القرآن الكريم فبلغت ستة آلاف وثلاثمائة واثنتين وأربعين آية. وقد انتظمت هذه الآيات في سور بلغ مجموعها مائة وأربع عشرة سورة، أولها سورة "محمد" وآخرها سورة "الناس".

стр. 124

أسماء القرآن الكريم: وللقرآن أسماء أخرى تطلق عليه، منها "الكتاب، الفرقان، الذكر، التنزيل، وغيرها" وهذه الأسماء والأوصاف قد استعملها القرآن في كثير من المواطن. وقد نزل القرآن "منجمًا" بحسب الحوادث المتجددة، فأحيانًا كانت تتنزل ثلَّة من الآيات، وأحيانًا آية واحدة أو بعض آية، وذلك ليكون في هذا التنزل المستمر، تلبية لما يتجدد من الأحداث والمشاكل، وتقوية لرسول الله ﷺ في قصص الأنبياء السابقين، وما لاقوه مع قومهم من مشقة وعنت وتدعوه إلى الصبر والاحتمال لئلا يتطرق اليأس إلى قلبه والحزن إلى نفسه، وهذا التدرج يساعده على حفظ الآيات واستذكارها، وتلقينها لصحابته الذين كانوا يعكفون على حفظها والعمل بمقتضاها.

стр. 125

وبالإضافة إلى هذا فإن نزول القرآن بشكل متدرج كان يهدف إلى التدرج في الأحكام لئلا تنزل دفعة واحدة فيكون فيها الحرج والمشقة على الناس, ولذلك فإن الأحكام التي تنزل كانت تتناسب مع الأحداث الجارية فتعرض لنا، مبينة حكمها موضحة ما غمض منها، مرشدة للطريق السوي. وقد ابتدأ نزول القرآن -على أصح الروايات- ليلة السابع عشر من رمضان للسنة الحادية والأربعين من ميلاد الرسول الكريم في غار حراء حيث كان يتعبد به.. أول آية نزلت قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . وآخر ما نزل منه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ١.

стр. 126

الآيات المكية والمدنية: لقد نزل القرآن الكريم في مرحلتين تاريخيتين: الأولى: المرحلة المكية وهي ما قبل هجرة المسلمين والرسول ﷺ إلى المدينة المنورة. والثانية: المرحلة المدنية. وهي مرحلة ما بعد الهجرة المباركة. فما نزل من القرآن الكريم في المرحلة الأولى يسمى بالآيات المكية. وما نزل بعد الهجرة يسمى بالآيات المدنية. ولم ترتب آيات القرآن الكريم حسب النزول الزمني، وإنما على ترتيب خاص يرجع إلى الوحي الذي أشار على الرسول ﷺ بهذا الترتيب لحكمة بالغة لا تدركها العقول البشرية، ولهذا نرى تداخلًا بين الآيات المكية والمدنية. وليس لأي إنسان مهما بلغ في مراتب التقى والورع أن يبدل هذا الترتيب، لأننا تلقيناه متواترًا عن رسول الله ﷺ توقيفًا على أمر الوحي، وسنبلغه إلى الذين من بعدنا بهذا الترتيب لأننا أمة متبعة غير مبتدعة. وقد قامت محاولات تبشيرية استشراقية لتغيير ترتيب القرآن الكريم ظنًّا منهم أنهم يستطيعون أن يرتبوه حسب النزول التاريخي، ولكن هذه المحاولات

стр. 127

باءت بالفشل الذريع وبالخطأ الجسيم لعدم اعتمادهم على روايات صحيحة موثوقة. فضلًا عن أن كل حركة استشراقية وغيرها من الحركات التي تهدف إلى تبديل الترتيب القرآني لا تخلو من دس وطعن، وليست نزيهة عن الأغراض الخبيثة والنوايا اللئيمة التي تحاول بشتى الوسائل إثارة الفتن والشبهات حول المصادر الشرعية للإسلام، وعلى المسلمين أن يكونوا دائمًا على حذر من كل فكر غربي ومن كل رأي مستورد. والآيات المكية تختلف عن الآيات المدنية أسلوبًا وموضوعًا والاختلاف في الأسلوب يؤكد مسألة الإعجاز القرآني ويبرزه، أما اختلاف الموضوع فيرجع إلى طبيعة التطور المرحلي والتاريخي، كما يرجع للظروف والأحداث والمناسبات التي مرت بها الدعوة الإسلامية. فالموضوع الذي تعالجه الآيات المكية في بداية الدعوة حيث كان الجهد موجهًا لتثبيت العقيدة الصحيحة في نفوس المؤمنين، وغرس مبادئ الأخلاق الكريمة في الضمائر والأفئدة، يختلف عن موضوع الآيات المدنية حيث اتسعت آفاق الحياة وكثرت المعاملات وتعددت الأمور التي تحتاج إلى تنظيم وتقنين. ومن الخصائص الأسلوبية للآيات المكية أنها ذات نبرة خاصة، وإيقاع مؤثر يتمثل في ألفاظ قوية، وجمل مختصرة وصور معبرة، وأمثال موضحة ومشاهد حية، وأما الخصائص الموضوعية لهذه الآيات فقد كانت تتناول قضايا الخالق والخلق والجنة والنار والدنيا والآخرة والموت والبعث، وعالم الغيب والشهادة والملائكة والجان.. لهذا فقد كانت هذه الآيات تستخدم أسلوب المناقشة والحوار، والمجادلة وتدعيم الحقائق بالأدلة العلمية والبراهين الفكرية والقسم. وما أشبه ذلك.. كل هذا للوصول إلى مبادئ الإيمان بالله تعالى، وباليوم الآخر، ومناقشة المشركين ودحض معتقداتهم وتسفيه عقولهم والدعوة إلى الأخلاق القويمة والاستقامة في السلوك والصدق في القول. أما الآيات المدنية فتتميز بالأسلوب التشريعي الهادئ، والسور الطويلة، والموضوعات التي تتناول قضايا جديدة يعيش في ظلها المسلمون في المدينة المنورة ويحتاجون إليها كالقتال والحرب، والسلم والغنائم، والمعاملات والبيوع والزواج والطلاق، والنفقات والإرث والوصية. ومسائل الحكم

стр. 128

والأنظمة الداخلية والسياسة الخارجية، وغير ذلك من القضايا التي يحتاج إليها مجتمع مسلم يبني حياته على مقومات إسلامية.

стр. 129

جمع القرآن الكريم: يطلق الجمع -في كلام أهل القرآن- إما على حفظه جميعه عن ظهر قلب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾ ١, وإما على جمع متفرقه في صحف ثم جمع تلك الصحف في مصحف واحد، مرتب الآيات والسور على النحو الذي تلقته الأمة من النبي, ﷺ .. والجمع بالمعنى الثاني هو الذي نقصده هنا.. والثابت أن القرآن لم يجمع على عهد النبي ﷺ في مصحف واحد. عن زيد بن ثابت. قال: "ولم يكن القرآن الكريم قد جمع في شيء"٢. وربما كان ذلك لأن القرآن الكريم ظل عشرين سنة أو يزيد ينزل منجمًا. ولأن النسخ كان يرد على بعض الآيات فلو جمع القرآن وقتئذ ثم رفعت تلاوة بعضه "لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ"٣. وقيل في هذا أيضًا أن الله تعالى كان أمن النبي- ﷺ من النسيان بقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى، إَلاَّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ ٤, أي ما شاء الله أن يرفع حكمه بالنسخ، فلما توفي النبي ﷺ أصبح النسيان ممكن الوقوع من الناس، ومن هنا أصبحت الحاجة ماسة إلى جمع القرآن وحفظه وتدوينه"٥. ولقد ثبت في الصحاح عن عائشة ﵂ وعن ابن عباس ﵄ أن جبريل كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن، في كل عام مرة، فلما كان العام

стр. 130

الذي قبض فيه عارضه به مرتين، والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون بكتابتها في المصاحف١ وقد شهد زيد العرضة الأخيرة التي بيَّن فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها لرسول الله وقرأها عليه، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولهذا اختير للجمعين البكري والعثماني٢. والنبي, ﷺ -في حياته- كان بين ظهراني المسلمين يقرءون القرآن بين يديه، ويملكون الاسترشاد به في شأن هذا الكتاب وفي كل شأن ولذلك كان الخطأ في القرآن على عهده مأمونًا تمامًا. وفي ذلك العهد، كان الإسلام الناشئ لا يزال محدود الرقعة، فلم تكن الحاجة إلى جمع القرآن في نفس شدتها على عهد أبي بكر ثم عهد عثمان. والثابت أن النبي ﷺ كان يستحفظ أصحابه ما ينزل عليه من القرآن عقب نزوله، وكان له كتاب، يكتبون بين يديه بأمره وإقراره ما ينزل عليه. روى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس عن عثمان قال: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان، ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنه فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا. وكانوا على ما اعتاد العرب, يكتبونه في اللخاف٣,والعسب٤، والرقاع, وقطع الأديم٥، والأكتاف٦. روى البخاري عن البراء قال: لما نزلت: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء: ٩٥] قال النبي, ﷺ : "ادع لي زيدًا " يريد زيد بن

стр. 131

ثابت، "وليجئ بالكتف والدواة".. والمسلمون مجمعون على أن الصحابة ما كانوا يكتبون إلا ما كانوا يقطعون بسماعه من النبي, ﷺ . وتوفي رسول الله ﷺ فقام بالأمر بعده أبو بكر، وارتد بعض العرب عن الإسلام، وظهر مسيلمة وأصحابه يدعون النبوة فتصدى أبو بكر لقتال هؤلاء جميعًا، وقتل من الصحابة وقتئذ ممن حفظ القرآن جمع كبير فأثار ذلك الخوف على القرآن الكريم. فكان أول جمع كتابي له. يروي البخاري في صحيحه قصة هذا الجمع فيقول: "عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر -عقب مقتل اليمامة- فإذا عمر بن الخطاب عنده. قال أبو بكر ﵁ إن عمر أتاني، فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل في الموطن "يعني التي فيها القتال" فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ فقال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني، حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن واجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما أمروني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله, ﷺ ؟ فقال: هذا والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر التوبة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ ... ﴾ الآية ١٢٨، مع أبي خزيمة الأنصاري الذي جعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين، لم أجدها مع أحد غيره، فألحقتها في سورتها. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى قبض ثم

стр. 132

عند حفصة بنت عمر١ وحفصة هي إحدى زوجات الرسول ﷺ وكانت تحفظ القرآن وكانت قارئة كاتبة وكان أبوها عمر أوصى إليها. ويقول ابن حجر في شرح صحيح البخاري: "إن أبا خزيمة لم ينفرد بها، بل كان معه عمر، وزيد بن ثابت، وعثمان، وأبي بن كعب، وواضح من كلام زيد بن ثابت نفسه أنه كان يعرف هاتين الآيتين. ومع أن الصحابة كانوا قد شاهدوا تلاوة القرآن الكريم من النبي ﷺ ثلاثًا وعشرين سنة، ومع أن القرآن كان مكتوبًا فعلًا في عهد النبي ﷺ إلا أنه كان مفرقًا، فإن الجمع في عهد أبي بكر الصديق "كان بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع. وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء" وإن هذا الجمع قد اتبع فيه المنهج الدقيق الذي أعان على وقاية القرآن الكريم من كل ما يكون مظنة النسيان والضياع. ويمكن أن نلخص منهجهم في جمع القرآن الكريم بالنقاط التالية: ١- كان كل من تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن يأتي به. ٢- كانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب. ٣- كان لا يكتب إلا: أ- من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لا من مجرد الحفظ، مع المبالغة في الاستظهار والوقوف عند هذا. ب- وما ثبت أنه عرض على النبي ﷺ عام وفاته، دون ما كان مأذونًا فيه قبلها. ٤- وكانت كتابة الآيات والسور على الترتيب والضبط اللذين تلقاهما المسلمون من رسول الله, ﷺ . ٥- وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان، أي أنه لم يكن يكتفي بمجرد وجدان الشيء مكتوبًا حتى يشهد به من تلقاه سماعًا.

стр. 133

٦- وبأمر أبي بكر، كان عمر وزيد يقعدان على باب المسجد -وهو وقتئذ مقر لجنة الجمع- ليكتبا ما يشهد عليه الشاهدان.

стр. 134

جمع عثمان بن عفان, ﵁: تلقى الصحابة القرآن، عن النبي ﷺ ثم انتشروا بعيدًا عن منزل الوحي يلقنون الناس القرآن على النحو الذي تلقوه من النبي, ﷺ . وفي سنة ٢٥ من الهجرة، السنة الثالثة أو الثانية من خلافة عثمان، بعد أن قبض الرسول ﷺ بخمس عشرة سنة، فتحت أرمينية، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك. وكان حذيفة بن اليمان١ من جملة من غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن، وهي من جملة أعمال العراق. وتنازع أهل الشام وأهل العراق في القرآن: أهل الشام يقرءون بقراءة أُبي بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضًا٢. ورأى حذيفة ناسًا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأى أهل البصرة يقولون مثل هذا وأنهم قرءوا على أبي موسى ويسمون مصحفه "ألباب القلوب"٣. وغضب حذيفة لما سمع، واحمرت عيناه ثم قام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: هكذا كان من قبلكم اختلفوا والله لأركبن إلى أمير المؤمنين. وجاء مفزعًا إلى المدينة، ولم يدخل بيته حتى أتى عثمان، فقال له: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى٤ أو قال: أنا النذير فأدركوا الأمة. فاستشار عثمان الصحابة، قال: ما تقولون في

стр. 135

هذه القراءة: فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك. قال الصحابة: فما تشير به؟ قال أرى أن تجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. فقال الصحابة فنعم ما رأيت. هنالك أرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف يريد ما كان أبو بكر قد أمر زيد بن ثابت بجمعه، فنسخ منها ثم ردها. وأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بنسخ هذه الصحف في المصاحف. وأرسل عثمان إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف، والمشهور أن هذه المصاحف أربعة: وجه واحدًا إلى الكوفة والثاني إلى البصرة والثالث إلى الشام وأمسك عنده الرابع. روي عن الإمام علي ﵁ قوله: لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل، وفي رواية لو لم يصنعه لصنعته. يقول الرزكشي, ﵀: "لقد وفق عثمان ﵁ لأمر عظيم، ورفع الاختلاف وجمع الكلمة وأراح الأمة".

стр. 136

الأسلوب القرآني في الطلب والتخيير: إن للقرآن الكريم أسلوبًا خاصًّا في بيان الأحكام وفي الدلالة على تحريم الأشياء أو إباحتها أو طلبها.. فلم يأت بما قد تسأمه النفوس من التعبير عن الحرام بكلمة "حرام" فقط، بل أتى بأساليب متنوعة: منها التحذير ومنها الوعيد والتهديد، ومنها بيان المضار التي تحيق بالإنسان ومجتمعه إذا ما ارتكب تلك الأفعال.. وغير ذلك من الأساليب المختلفة التي اقتضتها بلاغته ليكون مشوقًا وباعثًا على القبول وحب الامتثال، فنراه يسوق الأحاديث ممزوجة بالتبشير تارة ترغيبًا في الفعل، وتارة بالإنذار والوعظ والتذكير تحذيرًا من إتيان الباطل والمنكر..ويورد الصيغ الدالة على رضاه تعالى عن الفعل والفاعل إشعارًا بإباحة هذا الفعل أو بطلبه، أو مقرونة بسخطه ومقته للفعل والفاعل إيذانًا بتجنب هذا

стр. 137

العمل المشين. وقد وضع الفقهاء لهذه الصيغ اصطلاحات فقهية هي: المباح، والمندوب والواجب، والمحرم والمكروه. وقد استعان الفقهاء في التمييز بين هذه الأسماء بالعرف العربي الجاري في الاستعمال. وبما قارنها في القرآن الكريم من صيغ الوعد والوعيد والمديح والذم والدلالة على الطلب والنهي. وسأورد نماذج من الأسلوب القرآني في طلب الفعل، وفي إباحته، وفي تحريمه لمعرفة كيفية استنباط الأحكام من القرآن الكريم: أ- نماذج من الأسلوب القرآني في طلب الفعل: ١- صريح الأمر: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ١. ٢- فعل الأمر أو المضارع المقرون باللام: نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢, ونحو ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٣. ٣- الإخبار بأن الفعل مكتوب أو مفروض نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ٤, ونحو ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ٥, وقوله سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ ٦. ٤- الإخبار عن الفعل بأنه خير أو بر أو موصل للبر: كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ ٧, ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ٨, ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ٩.

стр. 138

٥- وقوع الفعل جزاء للشرط: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ١, ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ٢. ب- نماذج من الأسلوب القرآني في بيان الإباحة: ١- لفظ الحل: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ٣. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ٤. ٢- نفي الإثم أو الجناح أو الحرج: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٥, ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ٦. ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ ٧, ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ٨. جـ- نماذج من الأسلوب القرآني في تحريم الفعل: ١- صريح النهي أو التحريم: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٩, ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ١٠, ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ١١, ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١٢. ٢- صغية النهي أو الأمر بالترك: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا

стр. 139

بِالْحَقِّ﴾ ١, ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ٢, ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ ٣. ٣- الإخبار بأن الفعل شر أو ليس من البر ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ ٤, ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ٥. ٤- ذكر الفعل مقرونًا بالوعيد أو باستحقاق الإثم ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ ٦, ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ٧. ٥- نفي الفعل أو الحل: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٨, ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ٩.

стр. 140

أساس التشريع في القرآن الكريم: لقد نزل القرآن الكريم على محمد ﷺ لإصلاح أحوال الناس. وإخراجهم من الكفر إلى الهدى ومن الضلال إلى الإيمان، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ولذلك فإن الأحكام القرآنية رعت مصلحة العباد، فنهتهم عن الخبائث وأباحت لهم الطيبات، وأمرتهم بأوامر فيها خيرهم وإسعادهم في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ١. وقد قام التشريع الإسلامي في القرآن الكريم على أساسين يوضحان

стр. 141

المقاصد العامة للدين الإسلامي السمح: أما الأساس الأول: فهو رفع الحرج. وأما الثاني: فهو التدرج في التكاليف. رفع الحرج: إن قاعدة رفع الحرج وإزالة الضيق قاعدة مهمة وأساسية في التشريع، حتى إن الفقهاء اعتبروها من أهم مقاصد الشريعة يجتهدون على ضوئها لما فيه مصلحة للعباد. قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ١. وقال: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ٢. وقال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣. التدرج في التشريع: جاء النبي ﷺ والعرب قد استحكمت فيهم عادات منها ما هو صالح للبقاء ولا ضرر منه على تكوين الأمة، ومنها ما هو ضار يريد الشارع إبعادهم عنه، فاقتضت حكمته أن يتدرج بهم في التشريع شيئًا فشيئًا لبيان حكمه وإكمال دينه. والمتأمل في كلا الحكمين لا يرى الآخر إبطالًا للأول ويظهر ذلك في المثال التالي: سئل رسول الله ﷺ عن الخمر والميسر وهما من العادات المستحكمة عندهم فأجابهم القرآن في سورة البقرة. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٤. فلم يصرح بطلب الكف عنهما، وإن كان مغزى الآية يشعر بالنهي لأن ما كثر إثمه

стр. 142

حرم فعله، ويقل أن يوجد خير مطلق أو شر مطلق، فمدار التحليل والتحريم الغلبة والرجحان، فإن كان إثمهما أكبر فهذا حث على الامتناع عنهما ولكن بطريق غير جازم، وبناء على هذه الآية امتنع عن الخمر تقاة النفوس. ثم جاءت آية ثانية تصرح بالنهي عن الاقتراب إلى الصلاة في حالة السكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ١, وليس في هذا النهي إبطال للحكم الأول بل هو تأييد وتأكيد له. ثم جاءت الآية الثالثة تصرح بالتحريم القاطع قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٢. وهكذا فقد مر "تحريم الخمر" في مراحل ثلاث: المرحلة الأولى: تبين أن الإثم راجح على المنفعة. المرحلة الثانية: تبين أن الخمر محرم قبيل الصلاة، ويجب أن يزول أثرها تمامًا قبيل دخول وقت الصلاة، ويتكرر دخول الوقت خمس مرات في اليوم والليلة. ولذلك هانت الخمر على الناس، وامتنع كثير منهم عن تناولها. المرحلة الثالثة: وحينما تهيأت النفوس لتلقي الحكم الجازم والحد الفاصل فيها نزل التحريم الصريح. وبهذه الطريقة الحكيمة عالج القرآن العادات القبيحة المتأصلة في نفوس الجاهلين، وقضى عليها واحدة تلو الأخرى. هذا ولما كان نظر المجتهد يتعقب الأحكام الواردة في القرآن الكريم رأيت أن أبين أنواعها فيما يأتي:

стр. 143

أنواع الأحكام الواردة في القرآن الكريم: لقد شملت أحكام القرآن الكريم جوانب الحياة الإنسانية جميعها، ويمكن أن نسلسلها حسب الترتيب الآتي: ١- أحكام اعتقادية، تتعلق بما يجب على المكلف اعتقاده في وحدانية الله وصفاته، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ٢- أحكام خلقية: تتعلق بما يجب على المكلف أن يتحلى به من الفضائل والمكارم وما يتخلى عنه من الرذائل. ٣- أحكام عملية: تتعلق بما يصدر عن المكلف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات. وهذا النوع يسمى "بفقه القرآن". وهو مقصد الاجتهاد بصورة خاصة وأصول الفقه بصورة عامة. والأحكام العملية في القرآن الكريم تتنوع إلى نوعين: الأول: أحكام العبادات من صلاة وصوم وحج ونذر ونحوها من العبادات التي يقصد بها تنظيم علاقة الإنسان بربه. والثاني: أحكام المعاملات من عقود وتصرفات وغيرها مما يقصد بها تنظيم علاقة المكلفين بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفرادًا أم أممًا أم جماعات. ويطلق على هذه الأحكام في الاصطلاح الشرعي أحكام المعاملات، وأما في اصطلاح العصر الحديث فقد تنوعت أسماؤها بحسب ما تتعلق به وما يقصد منها إلى الأنواع التالية: ١- أحكام الأحوال الشخصية وهي التي تتعلق بالأسرة من بدء تكونها، ويقصد بها تنظيم علاقة الزوجين والأقارب. ٢- الأحكام المدنية وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن وكفالة وشركة ومداينة، ويقصد بها تنظيم علاقات الأفراد المالية وحفظ حق كل ذي حق. ٣- الأحكام الجنائية ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم.

стр. 144

٤- أحكام المرافعات وهي التي تتعلق بالقضاء والشهادة واليمين ويقصد بها تنظيم الإجراءات لتحقيق العدل بين الناس. ٥- الأحكام الدستورية وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، ويقصد بها تحديد علاقة الحاكم بالمحكوم. ٦- الأحكام الدولية وهي التي تتعلق بمعاملة الدولة الإسلامية لغيرها من الدول، وبمعاملة غير المسلمين في الدول الإسلامية، ويقصد بها تحديد علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم والحرب. ٧- الأحكام الاقتصادية والمالية، ويقصد بها تنظيم العلاقات المالية. ومن الملاحظ أن القرآن الكريم ذكر أحكامًا تفصيلية في العبادات وما يلحق بها من الأحوال الشخصية والمواريث، لأن معظم هذه الأحكام تعبدي ولا مجال للعقل فيه، وهي لا تتغير بتغير الأزمان والبيئات. وأما ما سوى ذلك من الأحكام فالقرآن الكريم قد وضع لها قواعد عامة ومبادئ أساسية، ولم يتعرض فيها لتفصيلات جزئية إلا في النادر لأن هذه الأحكام تتطور بتطور البيئات والمصالح، فترك المجال متسعًا لولاة الأمور وللعلماء المجتهدين للنظر فيها في كل عصر ليفصلوا الأنظمة حسب المصالح وعلى ضوء تلك القواعد١.

стр. 145

دلالة القرآن الكريم بين القطعية والظنية: نصوص القرآن الكريم قطعية من جهة ورودهاوثبوتها ونقلها عن الرسول ﷺ -إلينا، أي نجزم ونقطع بأن كل نص نتلوه من نصوص القرآن هو نفسه الذي أنزله الله على رسوله، وبلغه المعصوم ﷺ إلىأصحابه فحفظه من حفظ. وقد كانت ملكة الحفظ قوية لدى العرب حتى أنهماستغنوا بها عن الدواوين وعن كتابة تاريخالحوادث. وكتبها كتاب الوحي مرتبة كما بلغمحمد ﷺ عن ربه
следующие страницы →