المقاصد العامة للدين الإسلامي السمح:
أما الأساس الأول: فهو رفع الحرج.
وأما الثاني: فهو التدرج في التكاليف.
رفع الحرج: إن قاعدة رفع الحرج وإزالة الضيق قاعدة مهمة وأساسية في التشريع، حتى إن الفقهاء اعتبروها من أهم مقاصد الشريعة يجتهدون على ضوئها لما فيه مصلحة للعباد.
قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
وقال: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ٢.
وقال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣.
التدرج في التشريع: جاء النبي ﷺ والعرب قد استحكمت فيهم عادات منها ما هو صالح للبقاء ولا ضرر منه على تكوين الأمة، ومنها ما هو ضار يريد الشارع إبعادهم عنه، فاقتضت حكمته أن يتدرج بهم في التشريع شيئًا فشيئًا لبيان حكمه وإكمال دينه.
والمتأمل في كلا الحكمين لا يرى الآخر إبطالًا للأول ويظهر ذلك في المثال التالي:
سئل رسول الله ﷺ عن الخمر والميسر وهما من العادات المستحكمة عندهم فأجابهم القرآن في سورة البقرة.
﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٤. فلم يصرح بطلب الكف عنهما، وإن كان مغزى الآية يشعر بالنهي لأن ما كثر إثمه
стр. 142
حرم فعله، ويقل أن يوجد خير مطلق أو شر مطلق، فمدار التحليل والتحريم الغلبة والرجحان، فإن كان إثمهما أكبر فهذا حث على الامتناع عنهما ولكن بطريق غير جازم، وبناء على هذه الآية امتنع عن الخمر تقاة النفوس.
ثم جاءت آية ثانية تصرح بالنهي عن الاقتراب إلى الصلاة في حالة السكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ١, وليس في هذا النهي إبطال للحكم الأول بل هو تأييد وتأكيد له.
ثم جاءت الآية الثالثة تصرح بالتحريم القاطع قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٢.
وهكذا فقد مر "تحريم الخمر" في مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: تبين أن الإثم راجح على المنفعة.
المرحلة الثانية: تبين أن الخمر محرم قبيل الصلاة، ويجب أن يزول أثرها تمامًا قبيل دخول وقت الصلاة، ويتكرر دخول الوقت خمس مرات في اليوم والليلة. ولذلك هانت الخمر على الناس، وامتنع كثير منهم عن تناولها.
المرحلة الثالثة: وحينما تهيأت النفوس لتلقي الحكم الجازم والحد الفاصل فيها نزل التحريم الصريح.
وبهذه الطريقة الحكيمة عالج القرآن العادات القبيحة المتأصلة في نفوس الجاهلين، وقضى عليها واحدة تلو الأخرى.
هذا ولما كان نظر المجتهد يتعقب الأحكام الواردة في القرآن الكريم رأيت أن أبين أنواعها فيما يأتي:
стр. 143
أنواع الأحكام الواردة في القرآن الكريم:
لقد شملت أحكام القرآن الكريم جوانب الحياة الإنسانية جميعها، ويمكن أن نسلسلها حسب الترتيب الآتي:
١- أحكام اعتقادية، تتعلق بما يجب على المكلف اعتقاده في وحدانية الله وصفاته، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
٢- أحكام خلقية: تتعلق بما يجب على المكلف أن يتحلى به من الفضائل والمكارم وما يتخلى عنه من الرذائل.
٣- أحكام عملية: تتعلق بما يصدر عن المكلف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات. وهذا النوع يسمى "بفقه القرآن". وهو مقصد الاجتهاد بصورة خاصة وأصول الفقه بصورة عامة.
والأحكام العملية في القرآن الكريم تتنوع إلى نوعين: الأول: أحكام العبادات من صلاة وصوم وحج ونذر ونحوها من العبادات التي يقصد بها تنظيم علاقة الإنسان بربه.
والثاني: أحكام المعاملات من عقود وتصرفات وغيرها مما يقصد بها تنظيم علاقة المكلفين بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفرادًا أم أممًا أم جماعات.
ويطلق على هذه الأحكام في الاصطلاح الشرعي أحكام المعاملات، وأما في اصطلاح العصر الحديث فقد تنوعت أسماؤها بحسب ما تتعلق به وما يقصد منها إلى الأنواع التالية:
١- أحكام الأحوال الشخصية وهي التي تتعلق بالأسرة من بدء تكونها، ويقصد بها تنظيم علاقة الزوجين والأقارب.
٢- الأحكام المدنية وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن وكفالة وشركة ومداينة، ويقصد بها تنظيم علاقات الأفراد المالية وحفظ حق كل ذي حق.
٣- الأحكام الجنائية ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم.
стр. 144
٤- أحكام المرافعات وهي التي تتعلق بالقضاء والشهادة واليمين ويقصد بها تنظيم الإجراءات لتحقيق العدل بين الناس.
٥- الأحكام الدستورية وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، ويقصد بها تحديد علاقة الحاكم بالمحكوم.
٦- الأحكام الدولية وهي التي تتعلق بمعاملة الدولة الإسلامية لغيرها من الدول، وبمعاملة غير المسلمين في الدول الإسلامية، ويقصد بها تحديد علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم والحرب.
٧- الأحكام الاقتصادية والمالية، ويقصد بها تنظيم العلاقات المالية.
ومن الملاحظ أن القرآن الكريم ذكر أحكامًا تفصيلية في العبادات وما يلحق بها من الأحوال الشخصية والمواريث، لأن معظم هذه الأحكام تعبدي ولا مجال للعقل فيه، وهي لا تتغير بتغير الأزمان والبيئات.
وأما ما سوى ذلك من الأحكام فالقرآن الكريم قد وضع لها قواعد عامة ومبادئ أساسية، ولم يتعرض فيها لتفصيلات جزئية إلا في النادر لأن هذه الأحكام تتطور بتطور البيئات والمصالح، فترك المجال متسعًا لولاة الأمور وللعلماء المجتهدين للنظر فيها في كل عصر ليفصلوا الأنظمة حسب المصالح وعلى ضوء تلك القواعد١.
стр. 145
دلالة القرآن الكريم بين القطعية والظنية:
نصوص القرآن الكريم قطعية من جهة ورودهاوثبوتها ونقلها عن الرسول ﷺ -إلينا، أي نجزم ونقطع بأن كل نص نتلوه من نصوص القرآن هو نفسه الذي أنزله الله على رسوله، وبلغه المعصوم ﷺ إلىأصحابه فحفظه من حفظ.
وقد كانت ملكة الحفظ قوية لدى العرب حتى أنهماستغنوا بها عن الدواوين وعن كتابة تاريخالحوادث. وكتبها كتاب الوحي مرتبة كما بلغمحمد ﷺ عن ربه
стр. 146
تبارك وتعالى. وتناقل المسلمون القرآن كتابة من المصحف المدون الذي جمع في عهد أبي بكر ثم في عهد عثمان، وتلقوه من الحفاظ جيلًا عن جيل، وما اختلف المكتوب منه والمحفوظ، ولا اختلف في لفظة واحدة على اتساع رقعة البلاد الإسلامية واختلاف الشعوب لونًا ولهجة وبيئة.
وهذا هو سر القرآن العظيم وهذا هو إعجازه البليغ، وتصديق لقول الله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
أما من جهة الدلالة فهناك نصوص قطعية الدلالة وهي ما تعين المراد منها دون أن تحتمل تأويلًا مغايرًا أو فهمًا مخالفًا مثل قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ٢.
فهذا قطعي الدلالة على أن فرض الزوج في هذه الحالة النصف لا غير.. ومثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٣.
فهذا النص قطعي الدلالة على أن حد الزنا مائة جلدة لا أكثر ولا أقل.
ومثل هذا كل نص دل على فرض مقدر في الإرث، أو حد معين في العقوبة، أو نصاب محدد.
وهناك نصوص ظنية الدلالة وهي ما دلت على معنى مع احتمال التأويل، وصرفه إلى معنى مغاير للمعنى الأول، مثل قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٤, فلفظ قرء في اللغة العربية مشترك بين معنيين، فهو يطلق على الطهر ويطلق على الحيض، والنص دل على أن المطلقات يتربصن ثلاثة قروء، فيحتمل أن يراد ثلاثة أطهار، ويحتمل أن يراد ثلاثة حيضات. فالنص هنا ليس بقطعي الدلالة على معنى واحد بل هو ظني الدلالة لقيام احتمال المعنيين. ولهذا اختلف المجتهدون في عدة المطلقة ذات القرء: أهي ثلاث حيضات أم هي ثلاثة أطهار؟
стр. 147
وفي النصوص الظنية الدلالة مجال لنظر المجتهد: هل اللفظ مستعمل على الحقيقة أم على المجاز، وهل هو مشترك بين معنيين أم أكثر؟
وهل اللفظ عام أم أنه خاص، وإذا كان عامًّا فهل من نص آخر يخصصه؟ وهل هو مطلق وهل يوجد ما يقيده.. فهذا يدل على معنى ويحتمل الدلالة على غيره..
стр. 148
السنة الشريفة
مدخل
...
السنة النبوية المصدر الثاني للشريعة الإسلامية
١- تعريف السنة في اللغة والاصطلاح.
٢- أقسام السنة باعتبار السند.
٣- أقسام السنة باعتبار ما يصدر عن الرسول, ﵊.
٤- نسبة السنة للقرآن الكريم.
٥- مكانة السنة في التشريع.
стр. 149
السنة في اللغة والاصطلاح
...
السنة في اللغة:
الطريقة، والسيرة، حميدة كانت أو ذميمة، والجمع سنن، مثل غرفة غرف.
ويقال: سننت السكين سنًّا "من باب قتل": أحددته، وسننت الماء على الوجه: صببته صبًّا سهلًا، والسنن: الوجه من الأرض، وفيه لغات، أجودها بفتحتين.
ويقال: تنح عن سنن الطريق وعن سنن الخيل أي عن طريقها١, وسن الإبل ساقها سريعًا، وسن الغنم: أرسله في الرعي أو أحسن القيام عليه، حتى كأنه صقله.
وسن الأمر بيَّنه، وسن الشيء صوره، وسن الماء صبه، وسن الطريقة سار عليها٢.
فالكلمة موضوعة في اللغة للاستعمال المادي والمعنوي، وتعرف بالقرينة.
قال الله ﵎: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَان َعَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٣.
وقال جل شأنه: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ٤.
وقال عز من قائل: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ ٥.
وقال عز جلاله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٦.
قال رسول الله, ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من
стр. 150
عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ١.
السنة في صدر الإسلام ولسان الشرع:
وقد اقتبسها علماء الإسلام من القرآن واللغة واستعملوها في معنى أخص من المعنى اللغوي، وهي بحسب استعمالهم الطريقة المعتادة في العمل بالدين، أو بعبارة أخرى في الصورة العملية التي بها طبق النبي, ﵊ وأصحابه ﵃ أمر القرآن الكريم على حسب ما تبين لهم من دلالة القرآن ومقاصده.
ويقرب منها في المعنى: كلمات السبيل، الصراط، الطريقة، الطريق المستقيم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ ٢.
وقال عز شأنه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣. وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٤.
وقال جل وعلا: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ ٥.
وقال تبارك اسمه: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٦, وقال جلت قدرته: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ٧.
стр. 151
وبهذا المعنى عرفت كلمة السنة في صدر الإسلام، وقد وردت مقترنة بالكتاب في وصايا الرسول في قوله ﵊: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله" ١.
والسنة المقرونة بالكتاب والتي يكون التمسك بها كالتمسك بالكتاب في الوقاية من الضلال، ليست إلا الطريقة العملية المطردة التي نقلت عن الرسول ﵊ نقلًا متواترًا عمليًّا معروفًا عند الكافة، ومن الوصايا بها على هذا المعنى ما ورد في أحاديث رسول الله, ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" ٢. وقوله ﵊: "من رغب عن سنتي فليس مني" ٣.
ومنه قوله ﵊ في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٤, أي اسلكوا في معاملتهم الطريقة التي اتبعت مع أهل الكتاب، وهذا في الجزية خاصة.
ويقابل كلمة "سنة" على هذا الاصطلاح كلمة "بدعة" التي فسرها النبي ﵊ بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد" ٥. ويقرب منها في هذا المعنى كلمة "سبيل"الواردة في عبارتي سبيل المفسدين، وسبيل المجرمين، الواردتين في قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٦, وقوله عز شأنه: ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٧.
السنة في اصطلاح الفقهاء:
أما السنة في اصطلاح الفقهاء فقد أخذت معنىجديدًا، إذ إنها أخذت تطلق على ما يقابل الواجب من العبادات، وهو الصفة الشرعية للفعل المطلوب
стр. 152
طلبًا غير جازم بحيث يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه، وهي بهذا الإطلاق ترادف المندوب، وتقابل الواجب والمحرم والمكروه والمباح١.
قال عضد الدين: وهي عند الفقهاء النافلة في العبادات٢.
وفي فقه الحنفية: "ما واظب على فعله مع ترك ما بلا عذر"٣, فقالوا مع ترك ما بلا عذر ليخرج الواجب الذي ليس لتركه رخصة بلا عذر، وعقب ابن أمير الحاج على هذا التعريف بقوله: ولا يخفى عدم شموله لجميع المسنونات.
ثم إن الفعل الذي لم يواظب الرسول ﵊ على فعله ينقسم إلى مندوب ومستحب، وإن لم يفعله بعدما رغب فيه٤.
في اصطلاح الأصوليين:
السنة عند علماء الأصول هي ما صدر عن الرسول ﵊ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير٥.
وقيد محمد أمين أفعال الرسول ﵊ بأنها مما ليس من الأمور الطبيعية٦. ثم إن من علماء الأصول -كالبيضاوي- من لم يذكر التقرير لدخوله في الفعل٧. لأنه كف عن الإتيان والكف فعل.
وقيل: القول فعل أيضًا, فلو تكره من التعريف لكان جائزًا، اللهم إلا أن يقال: اشتهر إطلاق الفعل مقابلًا له فيجب ذكره دفعًا لتوهم الاقتصار عليه٨.
ووسع الحنفية ﵏ دائرة السنة في الاصطلاح الشرعي، فأدخلوا فيها سنة الصحابة بعد رسول الله _صلى الله عليه وسلم٩- واستدلوا على ذلك بقوله, ﷺ : "عليكم
стр. 153
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ".
قال السرخسي: "والمراد بالسنة شرعًا: ما سنه رسول الله ﷺ فقط".
وأطلق السلف السنة على طريقة أبي بكر وعمر ﵄ وكانوا يأخذون البيعة على سنة العمرين "أبي بكر وعمر"١.
وكانت السنة بالمعنى الاصطلاحي المصدر الثاني للتشريع تستنبط منها الأحكام كما تستنبط من المصدر الأول، وهو القرآن الكريم، ويرجع إليها في فهم المراد من كتاب الله ﵎، ولهذا السبب قيل: إن أصول الشرع هما القرآن والسنة. وأما ما سواهما من أصول فهي مظهرة ومبينة لأحكام الله، ولا منشئة كالقياس والاستصحاب.
стр. 154
أقسام السنة باعتبار السند
...
ويمكننا أن نقسم السنة باعتبارين:
الاعتبار الأول من حيث السند.
والاعتبار الثاني من حيث ما يصدر عن النبي ﵊ من قول أو فعل أو تقرير.
التقسيم الأول باعتبار السند:
تنقسم السنة بهذا الاعتبار عند الجمهور إلى قسمين:
الأول: السنة المتواترة.
والثاني: سنة الآحاد سواء أكان خبر الواحد مستفيضًا وهو الذي زادت رواته على ثلاثة كما قرر ابن الحاجب والآمدي١، وغير المستفيض وهو المشهور، وهو ما رواه الثلاثة فأقل ثم اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث، إلى حد ينقله ثقات لايتوهم تواطؤهم على الكذب٢ ويهمنا هنا أن نعرف كلًا من
стр. 155
المتواتر والآحاد، ونبين ما يفيداه:
أولًا: السنة المتواترة أو الحديث المتواتر:
التواتر في اللغة: هو التتابع، يقال: تواترت الخيل: إذا جاءت يتبع بعضها بعضًا: ومنه "جاءوا تترى" أي متتابعين، وترًا بعد وتر، والوتر الفرد١.
أما تعريفه في الاصطلاح، فقد عرف تعريفات متعددة نختار منها ما قاله البزدوي: "هو الذي اتصل بك من رسول الله لا اتصالًا بلا شبهة حتى صار كالمعاين المسموع منه، وذلك بأن يرويه قوم لا يحصى عددهم، ولا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم وتباين أماكنهم، ويدوم هذا الحد فيكون آخره وأوسطه كطرفيه، وذلك مثل نقل القرآن الكريم والصلوات الخمس، وأعداد الركعات ومقادير الزكاة، وما أشبه ذلك٢.
ونأخذ من هذا التعريف شروط المتواتر وهي:
١- تعدد النقلة بحيث يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لاختلاف مشاربهم وبلدانهم.
٢- صلة الإسناد.
٣- أن يستوي في ذلك الطرفان والوسط، بأن يحدث المشاهدون أنهم شاهدوا، وهم جمع يؤمن تواطؤهم عن الكذب، وينقل عنهم أنهم شاهدوا مثلهم حتى يصل إلينا٣.
وهذا القسم يوجب علم اليقين بمنزلة العيان علمًا ضروريًّا.
ثانيًا: السنة المشهورة أو الحديث المشهور: وهو ما كان أحادي الأصل ثم انتشر واشتهر في القرن الثاني والثالث ونقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب, وأولئك قوم ثقات أئمة لا يتهمون، فصار بشهادتهم وتصديقهم قريبًا من
стр. 156
المتواتر مفيدًا للطمأنينة فيكون حجة من حجج الله، قال عيسى بن أبان: إن المشهور من الأخبار يضلل جاحده ولا يكفر، مثل حديث المسح على الخفين وحديث الرجم، وهو الصحيح عند الحنفية، لأن المشهور بشهادة السلف صار حجة للعمل به كالمتواتر فصحت الزيادة به على كتاب الله تعالى، وهو نسخ عند الحنفية، وتخصيص عند الشافعية.
وذلك مثل زيادة الرجم والمسح على الخفين والتتابع في صيام كفارة اليمين، لكنه لما كان في الأصل من الآحاد ثبت به شبهة فسقط به علم اليقين، ولم يستقم اعتباره في العمل فاعتبر في العلم. وهو يفيد علم الطمأنينة لا علم اليقين١.
القسم الثالث: خبر الواحد: وهو كل خبر يرويه الواحد أو الاثنان فصاعدًا، لا عبرة للعدد فيه بعد أن يكون دون المشهور والمتواتر، وهذا يوجب العمل ولا يوجب العلم يقينًا٢.
وقد يفيد العلم بواسطة القرائن، ولا يفيده مجردًا عنها٣.
стр. 157
أقسام السنة باعتبار ما يصدر عن الرسول ﷺ
...
التقسيم الثاني باعتبار ما يصدر عن الرسول ﷺ فإن السنة تقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: السنة القولية: وهي الأحاديث التي قالها رسول الله ﷺ في مختلف الأغراض والمناسبات، مثل قوله, ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" ١ , وقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" ٢. وقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" ٣,ونقلت إلينا تلك الأحاديث إما بطريق التواتر، أو بطريق الآحاد.
стр. 158
القسم الثاني: السنة الفعلية: وهي الأعمال التي قام بها ﵊ على وجه البيان، لما ورد في القرآن الكريم، والتبليغ عن الله ﵎ للأمة الإسلامية. مثل أداء الصلوات الخمس، وأداء شعائر الحج.
وقد تكلم الأصوليون -رحمهم الله تعالى- بتفصيل عن أفعال الرسول ﷺ وسأوجز الكلام فيها بما يتلاءم مع طبيعة البحث.
إن أفعال الرسول ﵊ تنقسم إلى أربعة أقسام:
١- القسم الأول: ما صدر عنه ﷺ من أفعال الجبلية كالأكل والشرب، والنوم واللبس، وما شاكلها.
٢- القسم الثاني: ما صدر عنه ﵊ من أفعال خاصة به، كزواجه أكثر من أربع، وجواز النكاح بغير مهر، ومواصلة الصوم.
٣- القسم الثالث: ما صدر عن النبي ﵊ بقصد القربى لله تعالى: كالصلاة والصوم، والصدقة وما ماثلها.
٤- القسم الرابع: ما صدر عنه ﷺ كالبيع والمزارعة، والمعاملة وغيرها.
حكم الاقتداء بأفعاله, ﷺ :
١- الأفعال التي لا تتعلق بالعبادات ووضح فيها أمر الجبلة، فإنها تفيد الإباحة، وليس فيها أمر باتباع ولا نهي عن مخالفة.
٢- ما علم اختصاصه به ﷺ وثبتت الخصوصية بالدليل كجواز النكاح من غير مهر أو الزيادة على أربع، فليس لأمته وجوب الاقتداء به، وإن لم تثبت الخصوصية له ﷺ بالدليل كصلاة الضحى والتهجد، فيستحب لأمته الاقتداء به، لأنها عبادة وقربى إلى الله تعالى.
٣- الفعل المجرد مما سبق: يعتبر دليلًا في حق الأمةوواجبًا عليها١.
стр. 159
نسبة السنة المطهرة للقرآن الكريم:
لقد أبان الشافعي ﵀ نسبة السنة إلى القرآن من جهة ما ورد فيها من أحكام فقال:
إما أن تكون السنة مقررة ومؤكدة حكمًا جاء في القرآن الكريم، أو مبينة وشارحة له، أو للاستدلال بها على النسخ، أو منشئة حكمًا سكت عنه القرآن١.
فهذه صور أربع هي:
الصورة الأولى: أن تكون السنة مقررة ومؤكدة لحكم ورد في القرآن، وعندئذ يكون للحكم مصدران ودليلان، مثل الأمر بإقامة الصلاة وإيتاءالزكاة، وصوم رمضان وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق والنهي عن أكل مال الغير.
كقول الرسول, ﵊: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" ٢.
فإنه مؤيد لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ٣.
وكقوله ﵊: "اتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا" ٤.
فإنه موافق لقوله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ٥.
الصورة الثانية: أن تكون السنة مبينة للقرآن الكريم، وهذا البيان على أوجه:
стр. 160
الأول: أن تبين السنة مجمل القرآن الكريم، مثل الأحاديث التي فصلت كيفية إقامة الصلاة وأدائها على الوجه المطلوب من قيام وركوع، وسجود وتكبيرات، وتسبيحات وقراءات، فإنها مبينة لمجمل قول الله ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الْصَّلاَةَ﴾ .
ومثل الأحاديث التي فصلت فريضة إيتاء الزكاة، فذكرت الأموال التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ووضحت شروطها..
وغير ذلك من العبادات والمعاملات التي أجملها الكتاب الكريم، وتناولتها السنة بالتوضيح والتبيين.
والثاني: أن تخصص السنة عام القرآن مثل قول الرسول, ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها" ١, فإنه مخصص لقول الله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢.
ومثل حديث: "لا يرث القاتل " ٣ فإنه مخصص لآيات المواريث في سورة النساء وهو قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ٤.
الثالث: أن تقيد السنة مطلق القرآن، أو تبين المراد منه عند الاحتمال مثل تكرار الغسل لأعضاء الوضوء ووجوب غسل المرفقين، فإنه مبين للمراد من الإطلاق في قول الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٥ فالآية تحتمل تكرار الغسل وعدمه، كما تحتمل دخول المرفقين في الغسل.
الرابع: البيان بطريق القياس على ما ورد في الكتاب، وذلك راجع إلى دلالة القرآن، فإن النص القرآني المقرر لحكم الأصل، وإن كان خاصًّا به في
стр. 161
الصورة -فهو عام في المعنى من حيث عموم العلة، ومن أمثلة ذلك:
أولًا: إن الله حرم الربا ورد على أهل الجاهلية قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ بقوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ١, وكان الربا الشائع عندهم هو فسخ الدين في الدين. يقول الطالب: إما أن تقضي وإما أن تربي.
ولما كان المنع فيه من قبل كونه زيادة بلا عوض ألحقت السنة به كل ما فيه زيادة بهذا المعنى.
فقال الرسول, ﵊: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" ٢.
ثانيًا: بيَّن القرآن الكريم بعض المحرمات من الرضاعة بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ٣, فألحقت السنة بهما سائر القرابات بالرضاعة من اللاتي كن يحرمن بالنسب كالعمة والخالة. وبنت الأخ وبنت الأخت، وهذا الإلحاق بطريق القياس من باب نفي الفارق بين الأصل والفرع.
ثالثًا: إن الله ﵎ أحل الطيبات وحرم الخبائث، وقال جل شأنه: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٤.
فألحقت السنة بالمحرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وفي الحديث: "إن النبي- ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير" ٥. كما نهى ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية٦.
стр. 162
وألحقت السنة بالطيبات: الضب١ والأرنب٢ فهذا الإلحاق بيان بطريق القياس.
رابعًا: إن الله حرم الزنا، وأحل التزويج وملك اليمين، وسكت عن النكاح المخالف للمشروع، فإنه ليس بنكاح محض ولا سفاح محض كما في النكاح بغير ولي، فقال, ﷺ : "أي امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها" ٣.
فهذا إلحاق مسكوت بمنطوق.
الخامس: البيان بطريق التفريع على القواعد العامة المستنبطة من أدلة القرآن المختلفة، وهذا شبيه بما يسمى المصالح المرسلة والاستحسان ومن أمثلة ذلك٤:
أولاً: قال سبحانه: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ٥.
وقال جل شأنه: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ ٦, ونهى تعالى في أكثر من موضع من القرآن الكريم عن التعدي على الأنفس والأموال والأعراض، كما نهى تعالى عن الغصب والظلم.
ثانيًا: وقوله, ﷺ : " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" ٧.
وقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ٨.
فإنهما يرجعان إلى سد الذرائع المقرر أصله في القرآن الكريم بقوله
стр. 163
تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ١ , وقوله ﵎: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٢.
الصورة الثالثة: أن يستدل بالسنة على ناسخ القرآن ومنسوخه، وهذا على مذهب الإمام الشافعي ﵀ الذي لا يقول نسخ القرآن بالسنة لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٣, فإنَّ فِعْلَ "نأت" يدل على أن الآتي بالخبر أو المثل هو الله تعالى، وذلك لا يكون إلا إذا كان الناسخ هو القرآن، وأن كلمتي"بخير أو مثلها" تقتضيان كون البدل خيرًا من الآية المنسوخة أو مثلًا لها، والسنة ليست كذلك، ولكن السنة هي التي تبين نسخ القرآن للقرآن، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَاحَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٤.
فهذه الآية منسوخة بآيات المواريث غير أن معرفة هذا النسخ كان بالسنة. وهو قوله ﵊: "لاوصية لوارث" ٥.
وقد خالف في ذلك جمهور العلماء، ومن الشافعية البيضاوي والأسنوي حيث قرروا أن السنة قد تأتي ناسخة لبعض آيات من القرآن الكريم ومثلوا له بحديث: "لا وصية لوارث" فإنه نسخ حكم آية الوصية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَاحَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ﴾ الآية. وليس الناسخ هو آية المواريث إذ لا تنافي بينهما وبين آية الوصية للأقربين، فإن الأولى في ثلثي المال والوصية تنفذ في الثلث.
ويمكن القول: إن السلف كانوا يطلقون النسخ على كل من التخصيص والنسخ، فليس بلازم أن يكون مراد الشافعي النسخ الذي هو الرفع والإزالة،
стр. 164
ولعل الذي يؤيد ذلك قوله في أصول مذهبه: "الأصل: كتاب أو سنة".
الصورة الرابعة: أن تكون السنة مثبتة ومنشئة حكمًا سكت عنه القرآن الكريم، فيكون هذا الحكم ثابتًا بالسنة ولا يدل عليه نص من القرآن، مثل الأخبار التي تدل على رجم الزاني المحصن١، والحكم بشاهد ويمين٢، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وصدقة الفطر٣، وتحريم لحم الحمر الأهلية٤، وفكاك الأسير٥ ونحو ذلك.
يتبين مما تقدم أن السنة راجعة إلى القرآن الكريم رجوع الشرح للمشروح والمبين للمجمل، كما أنها قد تستقل بتشريع أحكام غير منصوص عليها في القرآن الكريم ما كان لنا أن نهتدي إليها بعقولنا، ولولا هدي الرسالة ما انكشف لنا قريبها فضلًا عن بعيدها٦.
ومن هذا نعلم أنه لا يمكن أن يقع بين أحكام القرآن والسنة تخالف أو تعارض.
стр. 165
مكانة السنة في التشريع:
تأتي السنة المطهرة في المرتبة التالية للقرآن الكريم من حيث الاحتجاج بها
стр. 166
والرجوع إليها وأخد الأحكام منها أي أن المجتهد لا يرجع إلى السنة للبحث عن واقعة إلا إذا لم يجد في القرآن الكريم حكم ما أراد معرفة حكمه، لأن القرآن الكريم أصل التشريع ومصدره الأول، فإذا نص على حكم اتبع وإذا لم ينص على حكم الواقعة رجع إلى السنة. فإن وجد فيها حكمه اتبع.
والدليل على ذلك أمور:
الأول: إن الكتاب الكريم مقطوع به، والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في التفصيل, بينما القرآن الكريم فإنه مقطوع به جملة وتفصيلًا. والمقطوع مقدم على المظنون، فلزم تقديم الكتاب على السنة.
الثاني: إن السنة إما بيان للكتاب أو زيادة عليه، فإن كانت بيانًا فهي تلي القرآن في المرتبة لأن المبين مقدم على البيان، وإن لم تكن بيانًا وإنما كانت زيادة، فلا بد أيضًا من تقديم المزيد عليه على الزيادة، وبهذا الاعتبار يقدم القرآن الكريم.
الثالث: ما دل على ذلك من الأخبار والآثار كحديث معاذ: حينما سأله الرسول, ﷺ ، وقد أرسله واليًا على اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي"١.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى شريح: "إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سن فيه رسول الله, ﷺ "٢, وفي رواية عنه: "انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله, ﷺ ".
وورد مثله عن ابن مسعود: "من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه, ﷺ "٣.
وعن ابن عباس أنه كان إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به،
стр. 167
وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله ﷺ قال به.
وعلى هذا سار السلف الصالح من العلماء.. وللصحابة رضوان الله عليهم آثار جمة من هذا القبيل.
وقد فرق الحنفية بين الفرض والواجب بناء على تقديم اعتبار الكتاب على اعتبار السنة. وأن اعتبار الكتاب أقوى من اعتبار السنة، وقد لا يخالف غيرهم في معنى تلك التفرقة.
فإن اعترض على هذا بأن السنة تقدم على القرآن الكريم لأنها تقيد المطلق وتخص العام، والمقيد والخاص مقدمان على المطلق والعام.
فالجواب: ليس معنى ذلك العمل بالسنة وإطراح الكتاب، بل إن الموضح في السنة هو المراد، فكأن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب.
وقد دل على ذلك قول الله ﵎: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١, فبالسنة يحصل البيان، مثال ذلك قول الله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢. فإنه حكم عام يوجب القطع على كل من ارتكب جريمة السرقة، فكان محتاجًا إلى بيان المحل الذي تقطع منه اليد، ومحتاجًا إلى بيان الشروط التي إذا تضافرت مجتمعة وجب تنفيذ هذا الحد، فجاءت السنة المطهرة مبينة أن القطع من الكوع، وأن للمسروق شروطًا: كأن يبلغ نصابًا فأكثر، وأن يكون في حرز مثله..
وهذا البيان هو المعنى المراد من الآية الكريمة، وليس ثمة أحد يقول إن السنة أثبتت هذه الأحكام دون القرآن الكريم، كما إذا بين لنا مالك ﵀ أو أحد المفسرين معنى آية أو حديث، فعملنا بمقتضاه، فلا يصح لنا أن نقول: إنا عملنا بقول المفسر الفلاني دون أن نقول عملنا بقول الله تعالى أو قول رسول الله ﷺ وكذا هنا، فلا يقال إن السنة مقدمة على القرآن، بل مبينة له.
стр. 168
الفصل الثالث: تحديات أمام الثقافة الإسلامية التيارات المعادية
مدخل
...
الفصل الثالث: تحديات أمام الثقافة الإسلامية التيارات المعادية
ويشتمل على المباحث الآتية:
١- النصرانية
٢- اليهودية
٣- الشيوعية
٤- التغريب
стр. 169
المبحث الأول: النصرانية
مدخل
...
أولًا: النصرانية:
كان للإسلام -منذ ظهوره- موقف مشرف مع النصرانية لم يشاركه فيه أحد من العقائد الأخرى.
يقول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ٢.
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ٣.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ, يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٤.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٥.
ويحدثنا التاريخ أن الرجل الصالح "النجاشي" قد سمح للمسلمين المهاجرين من مكة إلى بلاده أن يقيموا في الحبشة آمنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.. وحينما سمع هذا الإنسان الكريم كلام جعفر بن أبي طالب وهو يحدثه عن اعتقاد المسلمين بالمسيح عيسى ابن مريم بكى حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته يومذاك. وقال كلمته المشهورة الذائعة بين المسلمين: "إن هذا
стр. 170
والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة"١.
وقد كان الإسلام متعاطفًا مع دولة الروم أيما تعاطف. قال الله تعالى: ﴿الم, غُلِبَتِ الرُّومُ, فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ, فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ, بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.
الأمر الذي عجب له مؤرخو النصرانية والدولة البيزنطية، لأن كل الشواهد كانت تخالف هذا التنبوء. ومع ذلك فقد قضى الله أمرًا: كان مفعولًا. وفرح المؤمنون بنصر الدولة البيزنطية.
وعلى هذا فالمسلمون دائمًا أكثر تسامحًا وإنصافًا مع المسيحيين، وقد عاشت الأقليات المسيحية في المجتمعات الإسلامية آمنة على أنفسها آمنة على أعراضها، آمنة على أموالها، لها من الحقوق مثلما للمسلمين، ولو وازنا وضع هذه الأقليات المسيحية بأقليات مسلمة تعيش في مجتمعات مسيحية لما كان هنالك وجه للمقارنة بينهما.
وفي القرنين الأخيرين ومع بداية القرن الثامن عشر حينما دب الضعف في الكنيسة وانحسرت سلطتها في المجتمعات الأوروبية والأمريكية, وانهزمت في روسيا والصين لم تهدأ وتضع سلاحها وتستكن للأمر الواقع وإنما رأت أن هذه فرصة مناسبة لها لتؤكد للمجتمعات الأوروبية والأمريكية أنها الجدار القوي, والستار الواقي الذي يقف حاجزًا دون المسلمين، فهي تضع يدها مع كل فكرة استعمارية، ومع كل تآمر شيوعي أو صهيوني لإشهار السلاح بوجه المسلمين، وقد تواطأت الكنيسة مع الصهيونية ضد الإسلام في كل البلدان الأمريكية والأوروبية، والإفريقية والآسيوية مع أن اليهود هم الذين شوهوا معالم المسيحية، وأساءوا إلى شخص المسيح ﵇.
نقد المعتقد النصراني:
نعتقد -نحن المسلمين- أن النصرانية المنتشرة الآن ليست هي النصرانية
стр. 171
التي تنزلت على المسيح ﵇، وإنما هي نصرانية جديدة اتفق عليها بضغط من الملك قسطنطين سنة ٣٢٥م أي بعد ثلاثة قرون من رفع المسيح إلى السماء.
ولكن ما السبب الذي دعا الملك قسطنطين لأن يضع نصرانية جديدة؟ الحقائق التاريخية تثبت أن إنجيل المسيح نفسه أي كلامه لفظًا ومعنى لم يصل إلى الناس، وإنما الذي وصل إليهم مجموعة من المذكرات الشخصية لبعض تلاميذه الذين لا يرتفع بعضهم عن الشبهات. وكان لليهود أثر في تغيير معالم النصرانية الصحيحة بما أثاروا من أباطيل حول السيدة مريم العذراء، ولذا فقد اختلفت التصورات لديهم حول ذات الله ﵎، وحول المسيح ﵇، ولا ننسى أبدًا أثر الوثنية اليونانية، والرومانية القديمة في إدخال تحريفات على العقيدة الصحيحة, وكان من نتائج اختلاف التصورات المسيحية، أن تقاتل الناس بعد أن افترقوا إلى شيع وأحزاب، فأراد قسطنطين أن يقضي على الفتن فعقد مجمعًا سمي "مجمع نيقية" وأرغم القسيسين على الوقوف عند تصور يرضي الجميع كحل وسط، فكان هذا الحل هو تقسيم المسيح ﵇ بين الألوهية والبشرية، فهو بشر إله.. نستغفر الله من هذا المعتقد الباطل.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ١.
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢, ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣.
وقد تعرض علماء المسلمين لنقد المعتقد النصراني السائد، فقد كتب ابن
стр. 172
تيمية "٦٦١-٧٢٨هـ" كتابه "الرد الصحيح على من بدل دين المسيح" وفيه ردود علمية على ما طرأ من تحريفات بشرية على الدين المسيحي وعلى إنجيله.
ومن قبل نقد الإمام ابن حزم ٣٨٤-٤٥٦هـ ﵀ في كتابه: "الفصل في الملل والنحل" المسيحية السائدة، فكان مما قال:
"والنصارى لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله على المسيح، ولا أن المسيح أتاهم بها، بل كلهم لا يختلفون في أنها أربعة تواريخ ألفها رجال معروفون في أزمان مختلفة.. أولها تاريخ ألفه "متى اللاواني" بالعبرانية بعد تسع سنين من رفع المسيح، في نحو ثمانٍ وعشرين ورقة بخط متوسط, والآخر تاريخ ألفه "مارقس الهاروني" بعد اثنين وعشرين عامًا من رفع المسيح ﵇، وكتبه باليونانية في أنطاكية، والثالث تاريخ ألفه "لوقا الطبيب" تلميذ شمعون باطره، كتبه باليونانية بعد تأليف مرقص المذكور في حجم إنجيل متى، والرابع تاريخ ألفه باليونانية "يوحنا بن سيذاري" بعد رفع المسيح ببضع وستين سنة في أربع وعشرين ورقة، ثم ليس للنصارى كتاب يعظمونه سوى "الأفركسيس" الذي ألفه لوقا، وكتاب "الوحي والإعلان" ليوحنا، و"الرسائل القانونية". و"رسالتين لباطره شمعون. ورسالة ليعقوب بن يوسف النجار، وأخرى لأخيه يهوذا، ورسائل بولس تلميذ شمعون"١.
وكل كتاب لهم بعد ذلك فهو من تأليف المتأخرين من أساقفتهم وبطاركتهم٢ وبديهي أن ما ألفه إنسان ونسبه إلى الله لا يمكن أن يكون من الثقة بالمكان الذي يحظى به ما يصدر عن الله مباشرة لفظًا ومعنى. ومن الملاحظ لمن يطلع على هذه الأناجيل، التفاوت الكبير بينها أسلوبًا ومعنى، حتى في التصور والمعتقد ذاته.
يقول ابن حزم أيضًا:
"وجملة أمرهم في المسيح ﵇ أنه مرة بنص أناجيلهم ابن الله، ومرة هو ابن يوسف، وابن داود، وابن الإنسان، ومرة هو إله يخلق ويرزق،
стр. 173
ومرة هو خروف الله، ومرة هو "في الله" ومرة هو في تلاميذه وتلاميذه فيه، ومرة هو علم الله وقدرته، ومرة لا يحكم على أحد ولا ينفذ إرادته، ومرة هو نبي وغلام الله، ومرة أسلمه الله إلى أعدائه، ومرة قد انعزل الله له عن الملك، وتولاه هو، وصار يولي أصحابه خطة التحريم والتحليل في السموات والأرض، ومرة يجوع ويطلب ما يأكل، ويعرق من الخوف، ويفشل فيركب حمارة ويؤخذ ويلطم وجهه ويضرب رأسه بالقصبة، ويميته الشرطة، ويصلب بين سارقين، ومات ودفن، ثم قام بعد الموت فلم يكن له من هم بعد أن قام إلا طلب ما يأكل، ثم انطلق إلى شغله"١.
ومع ذلك -فنحن المسلمين- ندعو الناس إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ونقول لأهل الكتاب:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
لكن النصارى، منذ ظهور الإسلام، اتخذوا الموقف المعادي للمسلمين، وأعلنوها حربًا طاحنة، واستعانوا بكل قوى البغي والعدوان، واستعملوا أسلحة مادية فتاكة وأخرى فكرية، وتتمثل الأولى بالحروب الصليبية والثانية بالتبشير.
وسأعرض هذين الموضوعين، وغيرهما مما يعتبر أداة من أدوات الصليبية لتضليل الرأي الإنساني العالمي، ولبث الدعايات الباطلة ضد المسلمين، ولإشاعة الشبهات ضد الإسلام نفسه.
стр. 174
١- الحروب الصليبية:
يخطئ كثير من الباحثين خطأ جسيمًا حينما يرجعون الحروب الصليبية إلى أسباب اقتصادية. والحقيقة التي لا مراء فيها أن الهدف الأساسي من هذه الحروب ضرب المسلمين في ديارهم والاعتداء على حرماتهم واستغلال خيرات
стр. 175
بلادهم، وامتلاك منابع الثروة الطبيعية في أوطانهم ... والدليل على ما نقول: اشتراك رجال الكنيسة من القسيسين والرهبان في هذه الحروب اشتراكًا فعالًا، وحماستهم الشديدة لإثارة روح الحقد والنقمة ضد المسلمين، واستماتتهم في سبيل رفع يد المسلمين عن البلاد التي دانت لهم، ودخل أهلها في دين الله طائعين راغبين. وقد كانوا يفصحون عن نواياهم الخبيثة في إبعاد سلطان المسلمين عن الأقطار المفتوحة، وبسط سلطة الكاثوليك. ولم يمنعهم الحياء والأدب وحسن المعاملة التي لمسوها من المسلمين أن يعبروا عن لؤمهم الخبيث، ويعلنوا عن إرادتهم في استئصال شأفة أمة محمد "قاتلهم الله أنى يؤفكون".
يذكر التاريخ أن الحملة الصليبية* عند دخولها بيت المقدس في ١٥ يوليو عام ١٠٩٩م الموافق ٣ رمضان عام ٤٩٣هـ. قد ذبحت أكثر من سبعين ألف مسلم حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء. وفي أنطاكية قتلوا أكثر من مائة ألف مسلم١.
فالأمر إذن جد خطير، إنه حقد الشر على الحق، والرذيلة على الفضيلة، وعداوة الشرك للتوحيد، وخصومة الضلال للهدى.
وقد صمدت الأمة الإسلامية في وجه هذه الحروب الوحشية التي سلبت ونهبت، وقتلت وفتكت، وتيقظ الإيمان في قلوب المسلمين، واتقدت شعلة الحماسة الدينية في نفوسهم، وتجلت البطولة في أسمى صورها، فإما حياة
стр. 176
عزيزة كريمة تظللها راية التوحيد، ويسودها العدل والسلام، وإما موت في سبيل هذا الدين الذي رضيه الله تعالى لعباده والموت في ساحة الشرف أسمى أماني المسلم.
وبعد مضي قرنين كاملين من حروب دامية اشتد وطيسها بين كتائب الإيمان وبين جحافل الشر ارتدت الحروب الصليبية بعد أن تكسرت نصالها أما الصمود القوي، والصبر والثبات، والشجاعة والبطولة، والبذل والفداء والتضحية، وبعد أن أدركوا تمامًا أن الإيمان لا يغلب، وأن الله تعالى يحقق وعده للمؤمنين بالنصر الأكيد، إذا ما صدقوا، وإذا ما صبروا.
وقد سجل التاريخ صفحات مشرقة لسير أبطال المسلمين في هذه الحروب ما يستدعي الإجلال والإكبار لهؤلاء الرجال الذين تمسكوا بالإيمان، وقاوموا الأعداء من أجل عقيدة التوحيد.
стр. 177
٢- التبشير:
بعد ارتداد الحروب الصليبية منهزمة أمام قوة المسلمين، اتخذ الصليبيون وسيلة أخرى لإضعاف الروح الإسلامية في نفوس المسلمين، هذه الوسيلة هي التبشير، وذلك بعد أن أدركوا يقينًا أن الحروب بقوة السلاح المادي لا تجدي شيئًا، بل إنها تكون في كثير من الأحيان باعثًا على وحدة المسلمين وإظهار قوتهم المعنوية والمادية.
يقول "رستز":
"خابت دول أوربة في الحرب الصليبية الأولى عن طريق السيف، فأرادت أن تثير على المسلمين حربًا صليبية جديدة عن طريق التبشير، فاستخدمت لذلك الكنائس والمدارس والمستشفيات، وفرقت المبشرين في العالم، وهكذا تبنت الدولة حركة التبشير لمآربها السياسية ومطامعها الاقتصادية، ولقد استطاع "ريمون لول" في عام ١٢٩٩ وعام ١٣٠٠ للميلاد أن يحصل على إذن من الملك يعقوب صاحب أوغونة ليبشر في مساجد برشلونة محتميًا بالسلطة المسيحية في إسبانيا"١.
стр. 178
ويعتبر عام "١٢٩٩" أول عهد الأوربيين بالتبشير كما يعتبر "ريمون لول" أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها، فقد تعلم "لول" اللغة العربية، وجال في بلاد الإسلام وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة١.
وإلى جانب تطواف "لول" في البلاد العربية، كانت السفن البحرية الأوروبية تطوق البلاد الإسلامية، وتفرض حولها شبكة من التجسس، فتدمر حضارتها، وتفتت ركائز قوتها.
وتسلل المبشرون إلى داخل العالم الإسلامي للقيام بمهمة التجسس, واستطلاع نقط الضعف وكشفها، وبث الأعوان، ونشر القلاقل والفتن والشبهات.
"ويأتي المبشر تحت علم الصليب كما يقول الأب شانتور يحلم بالماضي وينظر إلى المستقبل، وهو يصغى إلى الريح التي تصفر من بعيد من شواطئ رومية ومن شواطئ فرنسا، وليس من أحد يستطيع أن يمنع الريح من أن تعيد على آذاننا قولها بالأمس، وصرخة أسلافنا "الصليبيين" من قبل إن الله يريدها"٢.
ولم يتهاون الصليبيون في يوم ما منذ انقضاء الحروب الصليبية وإلى الآن في توجيه مؤامراتهم، وفي تكثيف خططهم لضرب العالم الإسلامي للقضاء على كل قوة تجمعه وتشده إليها، وما زالوا يشنون غاراتهم، الغارة تلو الأخرى على البلاد الإسلامية لتجلعها منطقة خاضعة لحكمهم الاستعماري.
وعلى هذا فالتبشير ما هو إلا ستار شفاف أو واجهة مزيفة تخفي تحتها أطماعًا استعمارية تريد أن تحقق غزوًا حضاريًا. وكثيرًا ما يظهر التبشير في مناسبات شتى مرادفاً تمامًا لمعنى الاستعمار. ذلك لأن رجال الكنيسة الكاثوليكية يعتبرون التبشير بمذهبهم عملًا وطنيًّا.
стр. 179
يقول "رينيه بوتيه" في كتاب "الكاردينال لافيجيري":
"إن العمل الوطني الذي قام به لافيجيري بدأ مع عمله التبشيري عندما بدأ بنشره على السوريين، تلك العطايا التي تمنحها الكنيسة الكاثوليكية أنه جعل فرنسا محبوبة لدى السوريين باسم المسيح"١.
ومن الوضوح بمكان تآزر التبشير مع الهيئات السياسية للوصول إلى أغراضه اللئيمة ونواياه الاستعمارية، وقد اقترح أحد المبشرين أن تتعاون بريطانيا مع فرنسا على سياسة السيطرة على الشواطئ، حيث يمكن وصول آلات القتال الحديثة بسهولة، ذلك لأنه رأى أن الإسلام يتزايد عدديًّا، ولم يتفق قط أن شعبًا دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيًّا٢.
وقد اعتمد المبشرون على إثارة النزعات الطائفية والقومية في صفوف المسلمين وعملوا على إحياء الحركات الشعوبية المعادية للمبدأ الإسلامي، فروجوا للقومية العربية التي تنتمي إلى فترات تاريخية مندثرة، وإلى الفرعونية التي تنتمي إلى حجارة الأهرام في مصر، وإلى الفينيقية في الساحل السوري، وإلى الآشورية في العراق.
وقد امتصت هذه الاختلافات القومية والطائفية قواهم الذاتية، إذ وجدت من يهتف بها ويغني لها، وما زال التبشير يبحث عن معول آخر يهدم به التضامن الإسلامي، وعن نزعات سياسية أخرى تفتت رابطة العالم الإسلامي وتبعثر قواه وكأن اللورد "جلاد ستون" حينما صرخ بمجلس العموم البريطاني وقد أمسك بنسخة من القرآن الكريم قائلًا "ما دام هذا القرآن موجودًا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان" يتمثل للمبشرين دائمًا، يدعوهم لأن يحكموا خططهم ويحزموا أمرهم٣.
وإن أمتنا اليوم تبحث عن حل لتتجنب مكائد التبشير وخططه، وستصل إلى حل يجعلها في أمان من يد التبشير والاستعمار بإذن الله ولو كره المشركون.
стр. 180
أساليب التبشير:
لقد اندس المبشرون وراء كل فكرة براقة يمكن أن تجذب طبقات مختلفة من الشعوب، فاستغلوا كافة الخدمات الاجتماعية لمصالحهم الخاصة، فأنشئوا الأندية الثقافية والترفيهية، وجمعيات للشباب والشابات، وأنشئوا جمعيات لإصلاح الأحداث، ونادوا بإنصاف العمال لجذبهم إليهم، وقاموا بإنشاء جمعيات للرفق بالحيوان للتأثير في قلوب السذج من الناس الذين لا يلبثون أن يصطدموا بالواقع حينما يجدون ظلمهم للإنسان، واستغلالهم للأعمال النبيلة في سبيل تحقيق أغراضهم الضعيفة، ومطامعهم اللئيمة.
ويمكن أن ألخص أساليبهم التبشيرية بالنقاط التالية:
١- إنشاء مدارس تبشيرية تعليمية في مختلف مجالات التعليم، فهناك دور للحضانة، وأخرى لتعليم تلاميذ المدارس الابتدائية، وثالثة لتعليم تلاميذ مدارس المرحلة المتوسطة والثانوية، وبالإضافة إلى هذه المدارس التعليمية هناك جامعات يسوعية وأخرى أمريكية، وقد بثت هذه المدارس والجامعات في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، في القرية النائية، والقريبة وفي المدينة الكبيرة والمدينة الصغيرة، وهي بهذا الانتشار والتوسع تغزوكافة فئات المجتمعات وتتصل بمعظم طبقات المجتمع.
وقد قامت هذه المدارس والجامعات بدورها المعد لها قيامًا فعالًا في خدمة الأغراض الاستعمارية، وأهما بث روح الولاء للغرب، وإبعاد الجيل الحاضر رويدًا رويدًا عن شخصيته الإسلامية وعن تاريخه الإسلامي المشرق، وعن ثقافته الدينية التي تحدد للفرد مقومات كيانه الحضاري المستقل المتميز.
ومن أهداف التبشير في هذا المجال وضع المسلم في قالب غربي مستعار، ينسى به أصالة تراثه، وتسترخي قواه ويفقد شجاعته وحماسته لحرمات الله أن تنتهك، فإن غار على حد من حدود الله يتجرأ عليه فتلك رجعية لا تليق بالرجل المثقف الواعي العاقل، وإن أخذته كرامة المسلم وإباؤه ... الأصيل والعزة النفسية بأن لا يساير ولا يداهن، فتلك همجية تتنافى مع الإنسان الحضري المتعلم..