والخزرج، وبين الأنصار والمهاجرين، حتى أصبح مجتمع المدينة المنورة متحد الأهداف والمشاعر، يتحرك نحو اتجاه واحد، ويحقق أعمالا متكاملة منسجمة، وإلى هذه الروح الطيبة والمشاعر النبيلة أشار القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
وبعد ذلك سمح رسول الله ﷺ للمسلمين أن يهادنوا اليهود، وأن يعايشوهم معايشة سلمية ولما تظهر عليهم بوادي عداوة للمسلمين وللدعوة الإسلامية، فعوملوا على الظاهر من أمرهم، وكفل لهم الإسلام حرية العقيدة والعبادة على أن يخضعوا حكما ونظاما وقانونا للشريعة الإسلامية. ومن ثم وقع رسول الله ﷺ معهم معاهدة الصلح، ويذكر ابن قيم الجوزية في كتابه زاد المعاد نص المعاهدة وهو: "هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس، وإن من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم إلا من ظلم أو أثم.."٣.
وهكذا أقرت هذه المعاهدة التعايش السلمي مع غير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي، ولم يسبق أن عرف التاريخ كفالة الحريات العقيدية والعبادية قبل أن يأتي الإسلام بتقريرها. قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
أسس التضامن الإسلامي
مدخل
...
أسس التضامن الإسلامي
إن للتضامن الإسلامي أسسا مهمة يقوم بها وينهض عليها. أشير إليها فيما يأتي:
стр. 389
١- الأخوة الإيمانية:
لم يعتبر الإسلام رابطة الجنس أو اللون أو اللغة أو الوطن سببا قويا أو دعامة ثابتة ودعوة حقيقية في تكوين الأمة، ذلك لأن هذه العوامل التي تقوم عليها مجتمعات اليوم قاصرة عن تحقيق وحدة إنسانية عامة، وعاجزة عن الجمع بين مختلف الأجناس والألوان والأوطان، وإنها دعوة للتفريق لا للجمع وللاختلاف لا للائتلاف، ولإثارة الفتن والعداوات، ولهذا فإن الإسلام سما على كل هذه للناس كافة، وللبشرية جمعاء، فجعل عقيدة التوحيد أنبل وأقدس وأعظم رباط يوحد بين قلوب المسلمين على اختلاف الديار والقوميات واللغات، وقد كانت الأخوة الإيمانية أصدق تعبير عن هذه الوحدة المشتركة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١.
وقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ
стр. 390
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١، وبين سبحانه أن من أهم أواصر الأخوة الدعاء لهم بظهر الغيب، فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢.
وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله" ٣.
إن آصرة هذه الأخوة تعلو كل آصرة وتفوق كل رابطة، بل إن رابطة النسب تهوي منهارة لا شأن لها ولا حول ولا قوة أمام هذه الرابطة الشامخة، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ٤.
ومن القواعد الفقهية المستنبطة من وحي القرآن والسنة المطهرة أن المسلم لا يرث الكافر، وأن الكافر لا يرث المسلم، ولو كان أباه أو أخاه أو ابنه، فهل بعد الأخوة الإيمانية من صلة أو قرابة؟ إن الأخوة الإيمانية رابطة قوية جديرة أن توحد بين النفوس وأن تؤلف بين القلوب، وكانت هذه الرابطة الجامع الوحيد الذي يجمع أبناء المسلمين في عهد النبوة الخالد، وكان المجتمع آنذاك يشعر بحرارة هذه الرابطة وبقوتها وأثرها على النفس الإنسانية وعلى المجتمع، فكان المجتمع كله رجاله ونساؤه وشبابه جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
стр. 391
٢- التكافل الاجتماعي:
التكافل الاجتماعي أساس قوي من أسس بقاء الأمة كريمة عزيزة، وهو قانون مهم يدل على رقي التجمع الإنساني وسمو غاياته، ورفعة أهدافه، ونبل مقاصده.
стр. 392
وللتكافل جانبان: جانب مادي وآخر معنوي.
أما الجانب المادي فيتمثل بالمعونة المالية التي تقدم إلى الفقراء وذوي الحاجة والغارمين، كما تتمثل بإغاثة الملهوف وتفريج كربة المكروب، وإطعام الجائع، والعطف على البائس، وإقالة ذوب العثرات، وإعانة صاحب العيال والمقل، وقد دعا القرآن الكريم في آيات كثيرة العدد إلى بذل المال، وجعل الإنفاق على الفقراء والمساكين فريضة مقارنة للصلاة، وركنا من أركان الإسلام وحق للفقير في مال الغني، وكما حض على بذل الزيادة عن الزكاة وسماها الصدقة، وهو فضلا عن هذا وذاك حث على السخاء والجود وإقراء الضيف وبذل الفضل لذوي الحاجة، وإكرام القريب والجار ذر القربى، والجار البعيد، وأن يعود من له فضل من الملبس والمأكل والمركب على من لا فضل عنده.
وقد أطلق القرآن الكريم على الإنفاق في وجوه البر أسماء متعددة: "الزكاة، الإنفاق، الصدقة، الإحسان، الحق، في سبيل الله" وجعل من أجمل ثمار الإنفاق توطيد أواصر المحبة بين الغني والفقير، وإشاعة الأمن في المجتمع، فالغني آمن على ماله، والفقير لا يعدم قوته وقوت عياله، ومن ثمار الإنفاق أيضا أن الفقير يتطلع إلى تحسين وضعه وحاله فيسعى جاهدا في مواطن الكسب لرفع مستواه المالي وليصبح في مصاف الأغنياء لينعم على غيره، ويشعر بحلاوة اليد العليا وبلذة البذل والسخاء١.
الجانب المعنوي من التكافل الاجتماعي يتمثل في تعاون المسلمين لإحقاق الحق وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يتمثل بالإرشاد والتوجيه وتمحيض النصح، والمشاركة الوجدانية بين فئات المسلمين وباختصار فإنه عبارة عن الشعور بالمسئولية الجماعية، وإن كل فرد يمكن أن يتحمل مع الآخرين تبعاتهم وأن يعينهم على أداء واجباتهم.
وقد جعل الإسلام هذا النوع من التكافل فريضة على كل مسلم فقال جل من قائل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
стр. 393
الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ ٢ وقال أشرف المرسلين وأكرم الخلق ﷺ : "الدين النصيحة"، قالوا لمن يا رسول الله، قال: "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ٣ وقال ﵊: "المؤمن مرآة المؤمن" ٤.
وقد كان المسلمون يتكافلون فيما بينهم، فيعلم عالمهم جاهلهم، ويرشد كبيرهم صغيرهم، ويوجه ذو الخبرة قليل الدربة والدراية، ويجل الصغير الشيخ المسن، وينصح المحكوم الحاكم والجندي القائد، والمغمور المشهور، والمرءوس الرئيس.. ويتقبلها الحاكم والقائد والرئيس بنفس طيبة راضية، لا يرى في ذلك غضاضة أو إنقاصا من قدره بل يراه نصحا وتوجيها وإعانة على إقامة العدل وإقرارا للحق..
وما زال المسلمون بهذا التكافل الذي يشعر بوحدة صفهم وجمع كلمتهم حتى دب الخلاف فيما بينهم، وتبدلت المفاهيم في أذهان كثير منهم، وأقبلوا على الدنيا ومتاعها، وشغلوا عن واجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا على مركزهم الوظيفي أو الاجتماعي. وهكذا تخلى كثير من المسلمين عن وجوب التعاون على إحقاق الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونظرت كل جماعة منهم على أنها وحدة مستقلة عن الأخرى لا ينظمهم عقد ولا يجمعهم رابطة، وهذه هي الآية الكبرى في تبعثر وحدة المسلمين وتشتيت شملهم، وتمزيق كيانهم.
والله يقول في كتابه العزيز: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٥.
стр. 394
وجاء على لسان المصطفى ﷺ : لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي ودخل النقص عليهم في دينهم نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم ولم يمنعهم العصيان من مخالطتهم فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ففرق كلمتهم وأذلهم وشتت شمهلم. ثم قرأ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١.
стр. 395
٣- الشورى:
الشورى دليل على رقي التجمع الإنساني، وركيزة من ركائز الدولة الناهضة المتقدمة، وعنوان على تماسك الأمة وتعاون أفرادها وتآزرها للوصول إلى معرفة الطريق السوي والرأي السديد والفكر الناضج. وفي الشورى تتلاقح الآراء، وتظهر المواهب، وتسموا الأفكار. ولذلك فقد لفت القرآن الكريم أنظار المسلمين إلى أهمية الشورى ففيه سورة كاملة تعرف باسم سورة الشورى، يقول سبحانه فيها: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ١.
وقد أمر سبحانه نبيه الكريم باستشارة الصحابة فقال في محكم تنزيله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢.
وثبت أن النبي ﷺ كان يستشير الصحابة في سياسة الدولة الداخلية والخارجية، وفي توقيع المعاهدات مع أهل الكتاب وفي كافة الأمور التي لم ينزل لها وحي، ومن أبرز استشارات الرسول ﷺ التي تتحدث عنها السنة النبوية، استشاراته في شأن أسرى بدر، فأشار عمر بن الخطاب بضرب أعناق الأسرى، وأشار أبو بكر بالمن عليهم وأخذ الفداء منهم، وكانت نفس الرسول ﷺ الرحيمة
стр. 396
الرقيقة تميل إلى التلطف في المعاملة حتى مع الأعداء، فأخذ برأي أبي بكر دون رأي عمر فنزلت آيات شديدة العتب لأن الموقف يتطلب إظهار قوة المسلمين وإعزاز شوكتهم، وإبراز منعتهم وسؤددهم. قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
والأساس الذي يقوم عليه مبدأ الشورى في الإسلام كفالة حرية الآراء والأفكار ما لم تمس أصلا من أصول العقيدة أو العبادة٢.
وكيفية انعقاد مجلس الشورى والإدلاء بالآراء من الوسائل التي تختلف باختلاف الأزمان والبيئات ولذا لم يحدد القرآن الكريم والسنة المطهرة نظاما خاصا أو هيئة معينة لها رحمة بالناس وتوسعة عليهم ليترك تحدده بما يتناسب مع الظروف والأحوال ونظام الدولة وسياسة الحكم والإدارة العامة.
وللشورى أصول مهمة ينبغي أن تعتمد عليها وهي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قال جل من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٣ وطاعة الله تعالى تتمثل بتطبيق أوامره واجتناب نواهيه وتحكيم كتاب الله في أنظمة الدول الداخلية منها والخارجية. وطاعة رسوله ﷺ تتمثل بتطبيق سنتنه المطهرة، وأولو الأمر هم أهل النظر فيما علموا من أمور مما يدخل تحت تخصصهم وفهمهم وإدراكهم.
ويترجح العمل برأي واحد من الآراء بأحد الاعتبارات التالية:
١- قوة الدليل والبرهان.
٢- إجماع أغلبية الأعضاء على هذا الرأي.
٣- ما يتلاءم مع صالح العقيدة والدين أو بما يحقق مصلحة الجماعة الإسلامية.
стр. 397
٤- العدل:
العدل شعار الأبرار، وعنوان تقدم المجتمع، وأساس الحكم الصالح،
стр. 398
وسمة الدولة الناهضة، في ظله يطمئن الناس على أموالهم وأعراضهم وأنفسهم ويسعدون بحياة تتيح الفرص لذوي المواهب والقدرات والكفاءات والعدل قوة يهب الأمة القدرة لأن تكون مهيبة الجانب عزيزة السلطان أمام الدول الصديقة والمعادية.
وقد حث القرآن الكريم على إقامة العدل في الأمور جميعها لتبقى الأمة عزتها ومنعتها، ولتحفظ بكيانها وشخصيتها النقية التقية الطاهرة، فأمر المسلم أن يلتزم بالعدل بقوله وفعله وأن يلتزم به مع قريبه وأمه وأخيه، ومع البعيد: الصاحب أو الجار، مع المحب ومع العدو، مع الغني ومع الفقير، في شئونه الخاصة والعامة، وأمر بالعدل في العهود والمواثيق وفي أداء الأمانة والإدلاء بالشهادة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ ١.
وقال جل من قائل: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٣.
стр. 399
الخلافة وأثرها على وحدة الأمة الإسلامية:
انتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى وقد ترك في الأمة شيئين ما إن تمسكت بهما لن تضل بعده، وهما كتاب الله ﵎ وسنته ﷺ . وتولى شئون المسلمين بعد الرسول الكريم ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ خليفة رسول الله ﷺ ونعم الناس في ظل الخلافة بالسعادة الدنيوية والراحة النفسية، ولو وازنا بين أوضاع المسلمين في حكم الخلافة الإسلامية وأوضاعهم بعد زوال الخلافة لوجدنا الفرق شاسعا والبون واسعا، من حيث الوفاة والأمن والعزة
стр. 400
والسيادة ووحدة الصف واتفاق الكلمة، واحترام العلم وإجلال المفكر والأخذ برأي الفقيه، وتقدير الناس وإكرام الضيف وتقبل النصح والإرشاد، والقياد على حدود الله، وعقد راية الجهاد. والتقدم الحضاري في المجال الاقتصادي والعمراني والتعليمي والمدني والسياسي.. ففي ظل الخلافة نعم الناس برغد العيش والتكافل الاجتماعي والأدبي والمالي، وجمع الكلمة واتخاذ الموقف الموحد إزاء الأخطار الخارجية.
" ... حكام المسلمون، آمنوا بالله واليوم الآخر، وحافظوا على كتاب الله وسنة رسوله، ووقفوا عند حدودها والتزموا بأحكامهما، حضروا المساجد مع الرعية، وفتحوا لهم الأبواب ... يتقبلون المحاسبة والإنكار، كان الجهاد في سبيل الله رائدهم، لم يتخلوا عنه في أحلك الظروف التي مرت بهم، لأنهم آمنوا بقول الصديق ﵁ "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا" لذلك كثرت الفتوحات الإسلامية في زمانهم وكانوا قادة الفتح الإسلامي.."١.
تعريف الخلافة:
الخلافة في اللغة مصدر "خلف". يقال: خلفه خلافة، أي كان خليفته وبقي بعده، والخليفة السلطان الأعظم، والجمع خلائف وخلفاء"٢ فالخلافة موضوعة في الأصل لكون الشخص خلفا لغيره، ومن ثم سمي من يخلف رسول الله ﷺ في تنفيذ الأحكام الشرعية وإدارة الحكم وقيادة الجيش خليفة، ويسمى أيضا "إماما" تشبيها بإمام الصلاة في الاقتداء به واتباعه. ولهذا يقال: "الإمامة الكبرى".
وعلى هذا فالخليفة من يخلف رسول الله ﷺ في الأمة الإسلامية، ويقال له: "خليفة" بإطلاق اللفظ، من غير قيد، ويقال له: "خليفة رسول الله". واختلف في صحة تسميته خليفة الله، فأجازه بعض علماء الفقه اقتباسا من الخلافة العامة التي هي للآدميين المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ٣ وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ
стр. 401
بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ١ ومنع الجمهور منه. وقد نهى أبو بكر الصديق ﵁ عنه لما دعي به، وقال: "لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله ﷺ والاستخلاف إنما هو في حق الغائب، وليس في حق الحاضر٢.
أما الخلافة في الاصطلاح: فهي رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن رسول الله ﷺ وفي ذلك يقول ابن خلدون: "والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها. إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين والدنيا"٣.
وذهب السلف الصالح إلى أن أساس كل حكم في الإسلام الخلافة، وإن منزلة الخليفة من الأمة كمنزلة رسول الله ﷺ من المؤمنين له عليهم الولاية العامة والطاعة التامة، وله حق القيام على دينهم فيقيم فيهم حدوده وينفذ زمام الأمة، وكل ولاية مستمدة منه، وكل خطة دينية أو دنيوية متفرعة عن منصبه. فهو الحاكم الزمني والروحي للمسلمين٤.
وعلى هذا فالخليفة هو الذي يتولى شئون المسلمين ويحكم بشريعة الله ويطبق أنظمة الإسلام في كافة مجالات الحياة الدنيا، اجتماعية كانت أو اقتصادية، أو تعليمية أو سياسية داخلية أو خارجية، وليس معنى قولنا "بيده زمام الأمة" أنه يحكم في الأمة حسبما يمليه عليه هواه أو تأمره به نفسه، كلا! بل إنه ملزم بتطبيق الدستور الإسلامي وهو مسئول أمام الناس عن مدى تطبيق النظام الإسلامي.
والخلافة صورة أصلية وتعبير صادق لجمع كلمة المسلمين وتوحيد أنظمتهم الدنيوية وسياستهم الخارجية، وهي عنوان على اتحاد وضعهم وقوتهم المعنوية والمادية. وهناك أدلة كثيرة تدعو إلى جمع المسلمين في كافة بلادهم وجميع
стр. 402
أقطارهم تحت قيادة موحدة، من هذه الأدلة قوله ﷺ : "يد الله مع الجماعة"، "من فارق الجماعة فاقتلوه" قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١.
стр. 403
واجب المسلمين لتحقيق التضامن الإسلامي:
لقد أدرك العالم الإسلامي أن السبب في تخلفه عن ركب التقدم الحضاري، والعلم "التكنولوجي"، إنما يرجع إلى الاستعمار الذي امتص القوى الوطنية، والأنشطة العقلية، والطاقات الجسمية التي كانت تعمل بدأب وإخلاص في سبيل استقلال البلاد، هذا الاستعمار الذي خيم بثقله وقسوته وجبروته على الوطن الإسلامي أمدا طويلا، استغل فيها خيرات البلاد واستخدمها في سبيل نهضته الحديثة وتقدمه الصناعي وعمرانه الشاهق ومصانعه المشادة.. وإذا كان المستعمر قد أدخل بعض التحسينات على الجوانب العمرانية في البلاد المستعمرة فقد قصرها على المدن التي يسكنها هو نفسه.
وقد أدرك العالم الإسلامي أيضا الجهود الشيوعية المكثفة التي عملت منذ ظهور ثورتها على إقامة دولة إسرائيل في فلسطين "قلب الوطن الإسلامي". ففي أكتوبر عام ١٩١٧م أي في نفس الشهر الذي وقع فيه الانقلاب الشيوعي أعلنت الحكومة السوفيتية تأييدها لإقامة ما سموه "حق اليهود في فلسطين" وقد سبق وعدهم هذا وعد بلفور١ وهناك منافع متبادلة بين السوفييت والصهيونية تظهر بوضع الخطط وفي تنفيذها رويدا رويدا ضد فلسطين والعرب والمسلمين، وفي تقدير السوفييت أن انتشار الماركسية في البلاد العربية معناه زوال "سور التفاهم" بين اليهود والعرب، وهم يضعون مسئولية سوء التفاهم هذا على عاتق "الرجعية" العربية التي ترفض أنصاف الحلول فيما يتعلق بالحق الإسلامي والعربي في فلسطين وغيرها.
"فالرجعية العربية تحول دون وحدة "القوى التقدمية" في منطقة الشرق
стр. 404
الأوسط، والقوى التقدمية في تعريف السوفييت هي القوى الماركسية بصرف النظر عن قوميتها "عربية أو يهودية" والدعوة القومية هي -في نظرها- دعوة بورجوازية تعذيها الإمبريالية، والدعوة الدينية هي دعة رجعية، ومتى زالت هذه "الأفكار" أمكن لليهود كما يصرح السوفييت علنا أن يعيشوا بسلام على الأرض المغتصبة في ظل الوطن الأم للاشتراكية العالمية الماركسية اللينينية"١.
وإزاء هذا الواقع الذي لا يخفى على أحد لا بد من توحيد كلمة المسلمين وجمع أفكارهم وقلوبهم على الدين، ففيه وحده نستطيع أن نرجع كما كنا أمة عزيزة بدينها قوية بتأييد الله لها، مستبشرة بنصر الله.
والمسلمون أفرادا وشعوبا مدعوون لإيجاد الأسباب التي من شأنها أن تحقق التضامن الإسلامي، ولعل هذه الأسباب تنحصر في دائرتين الدائرة الأولى: عمل من داخل الجماعات الإسلامية ليبث الوعي الديني ويوقد جذوة الإيمان في القلوب ويبعث القوة في العزائم.
الدائرة الثانية: عمل من قادة المسلمين لاستقطاب وحدة الصف الإسلامي وتعزيز قوة ترهب عدو الله وتقف في وجه البغي والعدوان.
أما العمل الداخلي فيتجلى في الدعوة إلى الإصلاح، إصلاح نفسي ذاتي من داخل الفرد وأعماقه، وإبعاده عن كل ما يورث الخمول والدعة والركون إلى متاع الحياة الدنيا وزينتها. وإصلاح في علاقة المؤمن مع أخيه المؤمن ليشاركه أفراحه وآماله وأتراحه وآلامه وقد تصحح مفهومه نحو العبادة التي كادت تتحول إلى عادات خالية من معنى الخشوع والخضوع لله تعالى، والعمل على توسيع مدلولها، لتشمل كل نشاط إنساني، مهما كانت صبغة هذا النشاط، ومهما كان شأنه.
يقول الأستاذ سيد قطب: "جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا مسلمين إذا هم أعدوا نشاط العبادات وفق أحكام الإسلام بينما هم يزاولون كل نشاط من أنشطة المعاملات وفق منهج آخر لا يتلقونه من الله، ولكن من إله آخر، هو الذي يشرع لهم في شئون الحياة ما لم يأذن به الله، وهذا وهم كبير،
стр. 405
فالإسلام وحدة لا تنفصم وكل من يفصمه إلى شطرين على هذا النحو، فإنما يخرج من هذه الوحدة أو بتعبير آخر يخرج من هذا الدين. وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه ويريد في الوقت ذاته أن يحقق غاية وجوده الإنساني"١.
ومن الملاحظ أن هناك فئة من المسلمين فصلت الدين عن الدنيا فظنت -خطأ أو غباء- أنها إذا أدت بعض الشعائر الدينية أصبحت مسلمة، ولو تعاملت بالربا ولو انتهكت أعراض المسلمين ولو استولت على أموالهم غصبا وزورا وعدوانا. وهناك فئة أخرى تعتبر نفسها مسلمة إذا صلت أو صامت، وقد تبيح لنفسها أن تخرج عن آداب الإسلام وأخلاقه وعاداته الاجتماعية، فلا تحظر من اختلاط الرجال بالنساء، ولا تحترس من ميوعة الشباب، ولا من ارتكاب بعض المعاصي التي قد تخرجها، من ربقة الإسلام وعهده.
وهناك أناس كثيرون وأسر إسلامية فهمت أن العبادة عبارة عن أداء ركعات محدودة في أوقات معينة، فإذا أدتها، وخرجت من محرابها نسيت الغاية المثلى التي شرعت من أجلها العبادة، ونسيت أن الحياة بأسرها محرابا للعبادة وأن الإنسان في عبادة حتى ولو كان في حالة بيع أو شراء أو زراعة أو عمارة أو تطبيب أو مداواة للأدواء..
هذه الجماعات كلها لم تفهم معنى الإسلام حقيقة الفهم، ولم تدرك معنى العبادة الإدراك الكامل، ولم يتكون في باطنها الوازع الديني، والخوف من الرقابة الإلهية. أجل هذه الجماعات لم تتربَ التربية الإسلامية اللازمة، ولم تتعلم العلم الإسلامي ولم تتخلق بالأخلاق الإيمانية، ولم تخضع نفسها لشريعة الله ولمنهج الله، أو إنها ربيت بأيد غير نظيفة من الأغراض المنكرة والنوايا الخبيثة من استشراق وتبشير، وقد ينحو الاستعمار منحى تشويه الحقائق الإسلامية فيقلب الصورة رأسا على عقب، ويبدل المفاهيم، ثم يوصل هذه المفاهيم المغيرة والحقائق المتلاعب في صورتها إلى أبناء المسلمين عن طريق مدراسهم وجامعاتهم الأوروبية والأمريكية أو التبشيرية في الديار الإسلامية.
стр. 406
هذه الفئات موجودة في المجتمعات الإسلامية فعلا وهي تحتاج إلى نصح وإرشاد وتوجيه وتعليم، تحتاج إلى نصح وإرشاد وتوجيه وتعليم، تحتاج إلى دعاة أقضت مضجعهم الأحوال غير الطبيعية للمسلمين فباتوا يخططون خطط الخير ويفكرون في سبل إعادة المشاعر الدينية إلى النفوس والأحاسيس الإسلامية إلى القلوب، وفضلا عن هذا فهم يسعون لإنقاذ الأفكار والعقول من شبهات الاستشراق ويعملون على عرض الإسلام أبيض نقيا كما أراده الله تعالى وكما بلغه عنه رسوله الكريم محمد الأمين ﷺ .
إن فكرة التضامن لا تتحقق إلا إذا اتحدت مشاعر الأفراد على أساس عقدي روحي دائم لا يتغير بتغير الظروف والأحوال والمصالح، وهذه المشاعر لا يمكن أن تلتقي على مجرد العصبية أو الجنسية أو المنافع الاقتصادية فقط، لأنها عوامل غير ثابتة وغير صالحة لأن تبنى عليها وحدة إسلامية إنسانية، وما كان هذا شأنه فهو غير قادر على الاستمرار في توحيد الشعوب، والأمة التي يجمع بين أفرادها الحق لا يمكن أن يفرق بينها الباطل. وقد جمعت عقيدة التوحيد بين المسلمين جميعا بغض النظر عن أجناسهم وألوانهم وأوطانهم وعصبياتهم وهذه العقيدة نفسها قادرة اليوم على أن تجمع بين المسلمين وأن تؤلف بين قلوبهم وأن توحد مقاصدهم وأهدافهم.
وأما العامل الخارجي فيتجلى بأن تتمثل حكومات البلاد الإسلامية الإسلام بمعناه الحقيقي عقيدة ونظام حياة ونظام حكم. ومن الخطأ البالغ أن تفصل أية حكومة بين التصور الاعتقادي وبين نظام الحكم والأنظمة الاجتماعيةن ذلك لأن الإسلام يختلف اختلافا كليا عن سائر المعتقدات وسائر الأديان التي عبثت بها الأيدي وغيرت من خط مجراها تغيرا جوهريا، وقد بقي الإسلام الدين الوحيد الموثوق فيه الذي سلم -بفضل الله وحفظه- من الأيدي الآثمة والأفكار المضللة، وهو الدين الذي ينبع منه كل تصور لكل نواحي الحياة وجوانبها. وحينما يكون الشعب مسلما بأنه لا يرضى بغير دين الله حكما ولا بغير شرع الله شرعا، والانفصام بين التصور الاعتقادي والنظام الاجتماعي والسياسي لا يفيد إلا التمزق الفكري والاجتماعي، وإنه يوقع فئات المجتمع بربكة أيما ربكة وحيرة أيما حيرة.
وقد آن للمسلمين أن يعرفوا الطريق السوي الذي يجب أن يسلكوه، والغاية
стр. 407
النبيلة الجامعة التي يجب أن يسعوا إلى تحقيقها، بعد أن عرضت عليهم في عالم التجربة "أفكار" و"مذاهب" و"عقائد" "شرقية" و"غربية" وقد أثبت الواقع زيف وبطلان تلك المذاهب، والعقائد، ولم يبق إلا الإسلام.. والإسلام وحده، هو الذي ينقذ الأمة الإسلامية من الغزو الفكري المريع ومن الصراع العنيف.. وهو الذي يضمن لها السلامة والاطمئنان والأمن.
"إن جدية المعركة وخطورتها لتتطلب من كل مسلم أن يتدبر أبعاد الوضع الدولي القائم وأن يعرف حقيقة الدوافع التي تحرك أحداثه وانعكاسات هذا التحرك على عالمه الإسلامي وما ينشأ عنها من قضايا ومشكلات.
وتلك الجدية نفسها تتطلب من كل مسلم ألا يقف مكتوف اليدين إزاء ما يرى من تآمر علني تتشارك فيه القوى العالمية الشريرة، ويثق بأن ليس في الدنيا، بعد الله تعالى، سوى إخوته المسلمين في شتى بقاع الأرض، فهم وحدهم الذين يتألمون لألمه ويفرحون لفرحه، وهم -وحدهم من بني البشر جميعا- المستعدون للتضحية من غير أن ينتظروا الجزاء بعيدا عن حسابات المصالح وفواتير الأرباح"١.
وغير خاف على أحد من أن السبيل الوحيد لتقدم الأمة الإسلامية والدعامة الأولى في بناء نهضتها والسبب الأكيد لعزها هو تمسكها في دينها وتبنيها لفكرة التضامن الإسلامي على أسس من عقيدتها ومنهاجها الإسلامي.
стр. 408
دواعي التضامن الإسلامي:
إن كل شيء في الإسلام عقيدته، لغته، نظمه مناهجه، يدعو إلى التضامن وجمع الكلمة، ووحدة الصف، فالعقيدة هي التي تجمع بين قلوب المؤمنين وتشد من أزرهم كلما داهمهم خطب أو حزبهم أمر أو ألم بهم مكروه، وبالعقيدة وحدها يشعر المؤمن بالتعاطف والتآخي مع إخوته المؤمنين وإن عاشوا في أدنى أو أقصى المعمورة. وحينما اتحد المسلمون على أساس العقيدة تمكنوا من مواجهة جحافل الصليبية في حروبها الطاحنة، ومن ردها على أعقابها خاسرة نادمة.
стр. 409
والمؤمنون يعتقدون أن اللغة العربية هي اللغة الأم الجامعة، لأنها الوسيلة الحقيقية لأداء الشعائر الدينية صحيحة، فالمؤمن يحس بالألفة والمودة تجاه من يتكلم العربية، وتجاه من يقرأ القرآن عبادة وتقربا لله تعالى، وإن كانت تفصل بينهما آلاف من الأميال، إذ إن الشعور القلبي والرابطة الإيمانية لا تتوقف على قرب الزمان والمكان.
والإسلام دين وعقيدة ولغة ومنهج حياة يحيا -في قلوب سبعمائة مليون من المسلمين- مختلفين في الأوطان والديار والقوميات والعصبيات، ومع ذلك فهو يطبعهم بطابع خاص ويوجههم وفق تعاليمه وأخلاقه ومناهجه الخاصة، وهم يختلفون في أسلوبهم المعاشي ومنهاجهم الحياتي عن غيرهم من الشعوب والأمم التي لا تدين بالإسلام، والمناهج الواحدة والغايات الواحدة كفيلة لإيجاد الألفة الروحية بين المسلمين، وكفيلة بأن تجعلهم أمة متميزة عن غيرهم من الشعوب والأمم.
والإسلام لا يسمح بالتكتل على أساس العنصرية أو اللون أو الجنسية أو الطائفية لأنه الدين الذي جاء لصهر كافة هذه العوامل في وحدة دينية جامعة لا تفرق بين عربي وتركي وكردي أو أحمر وأبيض إلا بالتقوى.. وهو الدين الوحيد الذي جاء ليقرر الأخوة الإيمانية وإنها أخوة تفضل عن أخوة النسب وتعلو عليها، بل هي الرابطة الحقيقية التي تجمع بين مختلف الأجناس والعصبيات.
ونرى الرسول ﷺ وهو الإمام والقدوة وهو المثل الأعلى للمسلمين يقيم الروابط الاجتماعية في المدينة المنورة على أساس الأخوة الإيمانية دون اعتبار لأخوة النسب، حتى أن المسلمين كانوا يتوارثون بسبب هذه الرابطة، فلو لم يكن لها الاعتبار القوي، ولو لم يكن لها المنزلة العظمى لما جعلت أوثق من قرابة النسب وأقواها أثرا.
وإنه لمن المؤسف حقا أن نجد دعاة الثورية والتقدمية في كثير من بلاد العالم الإسلامي يتحرجون من الدعوة إلى التضامن الإسلامي أمام العالم الغربي المتطور، فيلجئون إلى طبعها بطابع القومية العربية ظنا منهم -غباء أو بسوء نية- أنها أنسب للعصر، وأدعى لأن تحظى برضى الآخرين، وجهل هؤلاء أن القومية ليست دعوة إنسانية. وأنها ضيقة جدا ومحدودة في حيز مكاني صغير، وأن
стр. 410
القوميات التي دانت للإسلام قد انصهرت عن طواعية ورضى في بوتقة الإسلام، ثم إن الدعوة للقومية أصبحت شعارا قديما -وفي عرفهم- رجعيا، إذ إن الدعوات الحديثة تقوم على أساس وحدة المبدأ أو الفكرة، دون وحدة القومية ويكفي للدلالة على ذلك أن روسيا الشيوعية تضم ما ينيف عن مائة وسبعين قومية. وقد كانت هذه القوميات تخضع للشيوعية مقهورة مغلوبة على أمرها إذ لا يجد الإنسان السوي فيها ما يتناسب مع فطرته ومع إنسانيته، وشتان بينها وبين مبادئ الإسلام المثالية الواقعية التي تلتئم التئاما قويا مع الفطرة البشرية. وأين الثرى من الثريا؟ ويكفي للرد على هؤلاء الذين يخجلون من الدعوة للتضامن الإسلامي قول الله ﵎: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِير﴾ ١ وقوله جل من قائل: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.
فالإسلام يأبى كل الإباء أية دعوة تدعو لتمزيق كيان الأمة ولتشتيت شمل أبنائها، أو لتفريق كلمتها، والقضاء على وحدتها، وتبديد قوتها، وإن إثارة فتنة القومية أو الطائفية في المجتمع الإسلامي كفيلة بأن تبذر بذور الحقد والحسد والتناحر والتخاصم في قلوب أفراد هذا المجتمع المتماسك بسبب الدين وحده. وإن الرابطة الإيمانية هي التي وحدت بين القلوب وهي التي شيدت صرح التاريخ وهي التي أعلت بنيان المجد والسؤدد التليد.
ولا يخفى أن الاستعمار البغيض لم يستطع أن يبسط نفوذه على الأمة الإسلامية إلا بعد أن فرقها شيعا وأحزابا وأقام بينها حواجز مصطنعة، تتقاطع من أجلها وتتقاتل في سبيل هذه الحدود الاعتبارية التي ما أنزل الله بها من سلطان، وشد ما نحزن حينما نعلم أن الخلاف يصل إلى عنفوانه، وإلى درجة سفك الدماء والذهاب بالرجال والمعدات بسبب الحدود المصطنعة.. إنها مسألة مرسومة بريشة العدو الثلاثي المشترك "الصهيونية والشيوعية والصليبية" لإثارة العداوات
стр. 411
ولتبديد الطاقات والأموال ولشغل المسلمين بفتن جانبية تبعد اهتماماتهم عن القضايا الأساسية وعن المشكلات الجوهرية.
وحينما صممت الشعوب الإسلامية على أن تتحرر من نير الاستعمار، لم تستطع أن تحقق ما سعت إليه إلا بسبب قوة العقيدة، ووحدة الشعور الديني الذي كان يلهب الحماسة ويشد العزائم ويجمع الشتات ويذكي الكفاح، ويوحد النضال..
وعلى هذا فإن طابع الأمة الإسلامية طابع إنساني عالمي، إنه يتسامى على القومية التي تدعو إلى التكتل على أساس روابط القبيلة أو العرق أو الجنس أو الطبقة الخاصة.. ويتسامى على طابع الرأسمالية التي تساند الأثرياء من أصحاب المال والصناعة، ولو اقتضى الأمر أن تكون المساندة على حساب الآخرين من غير قيد لوسائل الكسب والإنفاق، وهو فوق الاشتراكية التي تساند طبقة العمال مساندة مطلقة على حساب أصحاب رءوس الأموال١.
إن كل العوامل التي تحدث الفوارق في المجتمعات الإنسانية، من اقتصاد أو طبقية أو عنصرية تزول أمام قوة الإسلام، وذلك للقدرة الذاتية التي يملكها هذا الدين لاستيعاب كافة مقومات الأمة في الوحدة الإسلامية والرابطة الإيمانية.. إن المسلمين يتعبدون بكتاب واحد، هو كتاب الله العزيز الحميد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويتجهون جميعا في عباداتهم إلى قبلة واحدة هي رمز لوحدة الهدف والاتجاه، وهم جميعا يسعون لتحقيق غرض واحد وهو رضاء الله رب العالمين.. وهذه هي العوامل الحقيقية لوحدة الأمة الإسلامية، وهي العوامل الجوهرية التي تدعو إلى التضامن الإسلامي.
إن التضامن الإسلامي أمر تفرضه على المسلمين طبيعة دينهم ووضعهم الجغرافي والاقتصادي وظروفهم السياسية والدولية وتراثهم المشترك الزاهي، وإنه من الخير أن تتكتل المجتمعات الإسلامية على وحدة الدين وأن يكون كل فرد بالنسبة لأخيه المسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا. وأن يتعاونوا في سبيل نهضة إسلامية شاملة. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
стр. 412
وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ١.
وعلى هذا الضوء ينبغي أن ينظر إلى "التضامن الإسلامي"، فهو حقيقة قائمة بين الشعوب الإسلامية لا يحتاج إلى أكثر من تنسيق وتنظيم وتوجيه.
وليست دعوة التضامن الإسلامي قاصرة على المشاعر النفسية والروابط القلبية والأحاسيس الداخلية، وإنما تتعدى هذا المجال إلى مجال الاقتصاد والسياسة والقوة الدفاعية.
ففي المجال السياسي وعلى الصعيد الدولي تظهر قضايا إسلامية تحتاج إلى حل سريع ودائم، وهذه القضايا هي: قضية فلسطين، وقضية كشمير، وقضية إرتيريا، وهناك شعوب مضطهدة في فلسطين المحتلة ولبنان وجنوب إفريقيا، وقبرص.. ولا بد للعالم الإسلامي أن يقف من هذه القضايا موقف الرجل الواحد، الذي يسعى حثيثا لمناصرتها والذود عن حرماتها. ويبذل الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على سلامتها ووجوها وحريتها وأمنها.
وفي المجال الاقتصادي توجد بلاد إسلامية غنية وأخرى فقيرة، فلا بد من إعداد المشروعات الجمة تحقيقا للتعاون فيما بينها، ولا بد أيضا من إعداد برامج مشتركة للتنمية الاقتصادية تشمل كافة أوجه النشاط الاقتصادي، من زراعة وتصنيع وتعمير وتجارة، ويرافق هذه المشروعات وهذه البرامج خطة علمية لتقدم العلم "التكنولوجي" في العالم الإسلامي على حد سواء للاستفادة منه في مجال
стр. 413
التصنيع والتسلح والتنمية الاقتصادية.
وعلى هذا فالتضامن الإسلامي "دعوة الدين والدنيا في آن واحد لأن الإسلام نفسه دين ودنيا، ولأنه "عبادة" "ومعاملة"، فقد حض أتباعه على أن يعملوا لدنياهم كأنهم يعيشون أبدا، وأن يعملوا لآخرتهم كأنهم يموتون غدا، وليس بين جميع عقائد الدنيا، روحية ودنيوية عقيدة أقامت التوازن الدقيق بين الدين والدنيا مثلما فعل الإسلام"١.
وإن سياسة الدول والأمم في العالم قائمة على التكتل والتحالف والانضواء في مجموعات متعاونة يسند بعضها بعضا، ويدافع بعضها عن بعض، ويلتمسون لذلك أوهى الأسباب، فأوروبا الغربية وجدت نفسها واقعة بين العملاقين الكبيرين: أمريكا وروسيا، ووجدت أن تبيعتها لهذا المعسكر أو ذاك إنما يهدد وجودها ومستقبلها وكيانها ودورها الحضاري المتميز، وكان عليها أن تحزم أمرها، وأن تختار الطريق الذي يحفظ لها ذلك الكيان، وهو طريق الوحدة، رغم ما بين دولها من تناقضات كان يعتقد أنه لا سبيل إلى تخطيها.
وما السوق الأوروبية المشتركة إلا خطوة في سبيل التقارب والتعاون والاتحاد بين الدول الأوروبية الغربية في مضمار الاقتصاد.
стр. 414
الفهرس
الموضوع الصفحة
المقدمة ٥-٩
الفصل الأول: تعريف الثقافة ١٣-١٨
خصائص الثقافة ١٩-٤٢
أهمية دراسة الثقافة الإسلامية ٤٣-٥٩
الفصل الثاني: ركائز الثقافة الإسلامية: ٦١-١٥٣
الإيمان ٦٣-١١١
التشريع ومصادره ١١٣-١٥٣
الفصل الثالث: تحديات أمام الثقافة الإسلامية: ١٥٥-٢٢٦
النصرانية ١٥٩-١٨٦
اليهودية ١٨٧-٢١٢
الشيوعية ٢١٣-٢٢٥
التغريب ٢٢٦-٢٦٦
الفصل الرابع: الجوانب العملية في الثقافة الإسلامية: ٢٦٧-٣٥٧
الجهاد فريضة مستمرة ٢٣٠-٢٣١
التضامن الإسلامي قضية مصيرية ٣٣٢-٣٥٧