← Общие книги

Общие книги · id 8669

أضواء على الثقافة الاسلامية

نادية شريف العمري

Полный текст (414 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الضعيف" ١.. وقد شجع الرسول ﷺ والخلفاء من بعده كل عمل ينشط الجسم ويحفظ القوة البدنية ويساعد على الحركة والمرونة والسرعة في العمل.. كما أنه ﷺ قد حذر من التعرض للأمراض السارية الفتاكة وأمر بالتداوي من كل مرض يعرض للإنسان بعامة.. روى الإمام البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "فر من المجذوم فرارك من الأسد". وروى مسلم وأحمد وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "لكل داء دواء فإذا أصاب الدواء الداء برأ بإذن الله ".. وفي مسند أحمد وفي سنن النسائي وغيرهما عن أسامة بن شريك قال: "كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: "نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء". وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا. فقال ﵊: "هي من قدر الله".. وكان الرسول ﷺ يأمر بالرجولة والجد، والابتعاد عن كل ما يورث الترف والتراخي والميوعة.. روى الطبراني بإسناد جيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل شجاعة ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الفرضين -أي: الرمي- وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة". كل هذه الأحاديث وغيرها كثير تأمر الإنسان أن يعتاد على حياة الجد والرجولة وأن يهتم بتربية جسمه التربية المتينة القوية كي يصبح جنديًّا من جنود المسلمين قويًّا في ساعده قويًّا في ممشاه جديًّا في مسلكه، جديًّا في معاملته يهيب

стр. 352

العدو ويخيفه.. وما تَنْفَع الخيل الكرام ولا القِنا ... إذا لم يكن فوق الكِرام كِرام إن السلاح لا يعمل إلا في يدي بطل، والبطل لا يصنعه إلا الإيمان.. وإن الذي يتقدم ليجود بنفسه يجب أن يكون مستعدًّا جسميًّا لتحمل المشاق ومكابدة المتاعب، وقد كان الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ يحث الجنود على تحمل كل مشقة لأداء الحرب، وأن يعدوا أنفسهم لاحتمال المصاعب، يروي عبد الله بن عمر عن أبيه الفاروق أنه كان يرسل إلى الولاة بالشام "أن انظر من قبلك فمرهم فلينتعلوا وليحتفوا" قال العلماء في بيان معنى هذا الخبر: يستحسن للجند أن يمشوا أحيانًا بغير نعل وأحيانًا في النعل ليتعودوا ذلك كله وهذا تنبيه إلى الجند ألا يجنحوا إلى الترف والنعيم، فإن الجندية والتنعيم نقيضان لا يجتمعان.. وكثيرًا ما يضطر الجند إلى أداء أشق الأعمال وأعنفها، فيجب أن يخشوشنوا ليكونوا على استعداد كامل للمتاعب إذا نزلت، وقد يقضي أحدهم ليالي وأيامًا في الفيافي والقِفار ولا يجد ما ينتعله فيجب أن يكون قادرًا على المشي، وأن الترف يؤدي إلى استرخاء النفوس وتعودها على البطالة والكسل والجبن والخوف من اقتحام الشدائد ومواجهة المعارك ولذلك كان الخلفاء ﵃ يوصون الجند بالخشونة في المأكل والملبس والبعد عن كل عمل يؤدي إلى الترف أو إلى استرخاء الجسم.. يقول أبو بكر الصديق ﵁: "إنكم ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر، وإياكم والأشَر١، ورب الكعبة لتأشرن" والأشر نوع من الطغيان, قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى, أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .

стр. 353

الله ﷺ قائدًا أعلى لجيش المسلمين لم يتخلف عنهم في معركة ذات بال بل كان يتقدم الصفوف دائمًا، حتى قال الصحابة فيه كان أشجعنا في الحروب والمعارك وإذا أخافنا شيء أو اشتد الوطيس احتمينا برسول الله ﷺ قال الإمام علي ﵁: "لما كان يوم بدر، وحضر البأس اتقينا برسول الله ﷺ وكان من أشد الناس بأسًا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه"١. وكان رسول الله ﷺ يستعرض بنفسه جيوش المسلمين ويسوي صفوفهم٢ ويعلمهم النظام، ويأمرهم بالتزام السكينة والهدوء، والاستعداد الكامل لتلقي أوامر القيادة، ويضع أمامهم الخطة الحربية ويستشيرهم في كل تنظيم وتخطيط.. وقد كان ﵊ يستشير أهل الحل والعقد في تنظيم الصفوف وفي المكان الذي يصلح لمواجهة الأعداء وقد أشار الحباب بن المنذر على رسول الله ﷺ في غزوة بدر أن ينزل أدنى ماء من القوم وأن يغور المسلمون ويبنوا حوضًا فيملئوه ماء ويشربوا منه، فنزل رسول الله ﷺ عند رأيه٣. وفي غزوة أحد استشار رسول الله ﷺ المقاتلين من أصحابه في المكان الأصلح لمواجهة العدو، أيخرج بالمسلمين إلى خارج المدينة، أم يبقى معهم داخلها ويدافعون عنها ولا يتكلفون مشقة السفر، وإذا هاجمهم العدو وجدهم قد مكنوا أنفسهم من منازلهم فيكون هذا الأمر أعون لهم على المواجهة؟ وعمل الرسول ﷺ برأيهم الأول وهو الخروج إلى جبل أحد على مشارف المدينة المنورة فركب فرسه وتنكب القوس وأخذ قَناة بيده وخرج في مقدمتهم.. وفي معركة الخندق أخذ رسول الله ﷺ برأي سلمان الفارسي في حفر خندق حول المدينة المنورة وكان ﷺ يعمل بيده الشريفة المباركة ليزكي الحماس في نفوس الجند، فيشاركوا بهذا العمل الدفاعي..

стр. 354

وفي بدر استشار الرسول ﷺ صحبه لقتال قريش، فقال أبو بكر وأحسن القول، وقال عمر فأحسن، ثم قام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله امض لما أمرك به الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد١ لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.. ثم قال سعد بن معاذ: فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضه معك وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدًا، إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله٢. وكان ﷺ لا يميز نفسه بشيء عن جنوده، ففي معركة بدر كان كل ثلاثة من المسلمين يتناوبون الركوب على بعير واحد٣ فكان إذا جاء دوره ترجل الرسول ﷺ قال له صاحباه: اركب حتى نمشي عنك, فيقول: "ما أنتما بأقوى على المشي مني وما أنا بأغنى عن الأجر منكما" ٤. ومع أن الرسول ﷺ كان القائد الأعلى للجيش، فقد كان يختار قادة يحملون الألوية ويتقدمون الجنود، ففي بدر اختار مصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب ورجلًا من الأنصار، وفي حرب بني قينقاع اختار حمزة بن عبد المطلب لحمل راية المسلمين.. وفي أحد كان أسيد بن نضير يتقدم الأوس والحباب بن المنذر يتقدم الخزرج وعلي بن أبي طالب يتقدم المهاجرين ومصعب بن عمير من جماعة القادة الذين يحملون الألوية أيضًا.. وفي مؤتة دفع رسول الله ﷺ الراية لزيد بن حارثة قال أنس بن مالك: "خطب

стр. 355

رسول الله ﷺ فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ثم أخذها خالد بن الوليد منه غيره أمره ففتح الله عليه وقال: يسرني -أو قال: ما يسرهم- أنهم عندنا " ١. وكانوا جميعًا في قمة البطولة والفداء، فقد أثبتوا شجاعة نادرة حيث قاوموا بثلاثة آلاف مقاتل مسلم ما يزيد على مائتي ألف من جنود الأعداء كما كانوا جميعًا مثل الثبات والصمود والسيطرة على الموقف العصيب. وكان قد ارتفع صوت يقول: يا قوم ترون قلة عددنا وكثرة أعدائنا فلنكتب لرسول الله ﷺ نخبره بالأمر فعسى أن يمدنا بالرجال، أو يأمر بأمر ننفذه فأجابه عبد الله بن رواحة: "يا قوم.. والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة.. فمضى الناس"٢ ويقاتل المؤمنون قتال الأشاوس الأبطال.. ويستشهد القادة الثلاثة وتتحقق نبوءة رسول الله ﷺ ويتولى القيادة خالد بن الوليد ﵁.. ويسير الخلفاء الراشدون على الخطة نفسها التي سنها رسول الله ﷺ في اختيار القادة.. وها هو ذا أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- يوجه أسامة وجيشه إلى بلاد الشام، ويخرج الخليفة لوداعه بعد توليه الخلافة مباشرة ويسير مع الجند على قدميه وأسامة راكب، ويغلب الحياء أسامة إذ يرى خليفة رسول الله ﷺ وصاحبه والقائد الأعلى للمسلمين وصاحب الأمر والنهي يسير معهم إلى جنبه سيرًا على قدميه، فأراد أن ينزل وهو يقول: "يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن".. فقال له أبو بكر على مسمع من أفراد الجيش "والله لا تنزل ووالله لا أركب.. وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة"..

стр. 356

وأي مثل رفيع في غاية السمو والكمال يقدمه أبو بكر ﵁ للجند؟ وقد كان أسامة بن زيد أصغر أفراد الجيش سنًّا ولكنه أمضاهم عزمًا وأجرأهم قولًا، وأحفظهم قرآنًا، وقد اختاره رسول الله من قبل أميرًا على هذا الجيش فأمضاه أبو بكر.. وأراد أبو بكر بذلك التصرف أن يعلم الجند الإذعان إلى أمر أسامة بن زيد والمسارعة في تنفيذ أمره وخطته. وقال عمر بن الخطاب لأبي بكر الصديق: "إن في سيف خالد رهقًا وحق عليه أن يقيده" ولكن أبا بكر يعرف أن خالدًا يتميز بخصال تجعله موضع ثقة ورضا، وأنه سيف من سيوف الله مسلول على الأعداء وأنه هو الذي يستطيع أن يواجه الفرس والروم، ويحقق بإذن الله الانتصارات الرائعة حتى قال فيه: "عقمت النساء أن يلدن مثل خالد والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد"١. وسلك عمر بن الخطاب نهج رسول الله ﷺ وخليفته الأول في اختيار القيادة الواعية فسلم إمرة جيش الشام إلى أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأوصاه قائلًا: "لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلًا قبل أن تسترده لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في هلكة". ٣- وحدة الصف: لقد وضع الإسلام نظامًا دقيقًا حاسمًا للقتال ألا وهو "وحدة صف المسلمين" في أثناء مواجهة الأعداء. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ٢.. وقال رسول الله, ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".. وكان النبي ﷺ يرتب بيده الشريفة الجنود صفوفًا، وبهذا النظام الذي أوجده الإسلام واجه المسلمون أعداءهم من العرب ومن الفرس والروم.

стр. 357

وكان ﷺ يسوي الصفوف فإذا وجد رجلًا نابيًا نبهه، وفي بدر كان "سواد بن غزيه" خارجًا عن الصف فضربه في بطنه وأمره أن يلزم الصف.. وقال -رضي الله تعالى عنه- لجنده: "سووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر".. وكان خالد بن الوليد ﵁ يقسم جيوشه إلى مجموعات وقد حارب الروم بهذا النظام فجعل جيشه مؤلفًا من ميمنة وميسرة وقلب وأقام على القلب أبا عبيدة بن الجراح وعلى الميمنة عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان وأقام على كل مجموعة بطلًا من أبطال المسلمين أمثال القعقاع وعكرمة وعياش بن غنم وعبد الرحمن بن خالد، وكان أبو سفيان يسير بين المجموعات وهو يقول: "الله.. الله، إنكم قادة العرب وأنصار الإسلام, وإنهم زادة الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك".. وهكذا أعد خالد بن الوليد المسلمين إعدادًا نظاميًّا لم يسبق إليه واقتبس سعد بن أبي وقاص هذا النظام في القادسية سنة ١٤هـ١.. والإسلام دين قائم على التعاون وخدمة المسلمين بعضهم بعضًا.. قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٢. وإذا كان التعاون واجبًا على كل المسلمين تجاه بعضهم بعضًا خارج المعارك والحروب فهو أوكد وألزم في القتال الذي يستوجب وحدة الكلمة ووحدة الخطة ووحدة النظام ووحدة الصف. ولذلك كان المسلمون في حروبهم مثالًا للانضباط والتعاون، وبهذا النظام والإخلاص حققوا انتصارات يعجب لها التاريخ ويزهو بها فخرًا.

стр. 358

٤- التخطيط للحرب: إن التخطيط للمعركة يعتبر ركنًا أساسيًّا ومهمًّا لنجاح العمليات الحربية، والتخطيط يتضمن معرفة قوات الطرفين عدة وعددًا ونوعية السلاح الذي سيستخدم ومدى التمرين عليها وطبيعة أرض المعركة والأجواء المحيطة بها والرأي العام العالمي وتحديد موقف الدول الأخرى من الطرفين. ومدى اقتناعهم بالهدف الذي يسعون لتحقيقه. والتاريخ الإسلامي حافل بالخطط الحربية التي وضعت بدقة وإحكام منذ أن كان هناك قتال بين المسلمين وغيرهم.. والخطة الناجحة هي التي لا ينفرد القائد بوضعها، لأن رأي الفرد قد يخطئ وأمله قد يخيب. ورأي الجماعة أقرب للصواب. ولهذا فإن الرسول ﷺ كان حريصًا على وضع الخطة أساسًا على مبدأ الشورى، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده. وكان الرسول ﷺ يتحرى أخبار الأعداء قبل الإقدام على المعركة، ففي غزوة بدر أرسل "بسيس بن عمرو" و"عدي بن أبي الزغباء" يستطلعان أخبار قريش، وقد تمكنت جماعة من المسلمين في أثناء التماسها أخبار قريش من العثور على رجلين من رجال العدو فأحضروهما للرسول ﷺ ليتعرف عن طريقهما على أخبار قريش فسألهما عن عددهم، فلم يجيبا فسألهما عن عدد ما يذبحون من شياه في اليوم، فقالوا بين التسع والعشر، فقال القوم بين التسعمائة إلى الألف، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام والحارث بن عامر وغيرهم١. فأقبل رسول الله ﷺ على أصحابه وهو يقول: "هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ كبدها".. وفي غزوة الأحزاب الخطرة قال رسول الله, ﷺ : "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ " ثم بعث حذيفة بن اليمان ليتعرف ما حصل بالقوم، وقال

стр. 359

له: "يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا" ١. وقد عقد البخاري بابًا سماه "باب فضل الطليعة" وذكر فيه حديث جابر أنه قال: "قال النبي ﷺ : " من يأتيني بخبر القوم يوم الأحزاب" قال الزبير أنا.. ثم قال: "من يأتيني بخبر القوم؟ " قال الزبير: أنا, فقال النبي, ﷺ : "إن لكل نبي حواريًّا وحواري الزبير" ٢. وبعث الرسول ﷺ بسعد بن معاذ بن النعمان سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة إلى يهود بني قريظة حينما نكثت عهدها واستعدت لمظاهرة الأحزاب، وقال لهم: "انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالحنوا لي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس" ٣. وحين تحقق الرسول ﷺ من غدرهم، لم يخبر المسلمين حتى أتموا استعداداتهم حفاظًا على روحهم المعنوية". وقد نبه القرآن الكريم المؤمنين لأخذ الحيطة والحذر من الكافرين لئلا يعلموا شيئًا عن أسرار الحرب والخطط والتنظيمات الإسلامية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ٤.. وكان الرسول ﷺ يتخذ الحراسة المشددة على كتائب المسلمين كيلا يتسرب شيء من أخبار القتال إلى الأعداء ففي غزوة أحد استعمل خمسين رجلًا بقيادة محمد بن مسلمة يطوفون بالعسكر ليلًا٥.. وقد نهى الله ﵎ المسلمين عن اتخاذ الأعداء أولياء من دون المؤمنين وإطلاعهم على أسرار الحروب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ

стр. 360

تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ١. وحين يقبض على الجاسوس يجب قتله بعد أن يستخلص منه المزيد من أخبار العدو. روى مسلم وأبو داود أن رجلًا على جمل قوي قد أقبل على رسول الله ﷺ في أثناء غزوه لهوازن، يتجسس ثم انفلت كالريح فقال الرسول, ﷺ : "اطلبوه فاقتلوه"، قال سلمة بن الأكوع: اشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، وخرجت فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر"٢. وليس ثمة طريقة أنجح من الصمت والكتمان أمام وسائل مخابرات الأعداء وأن البوح بالأسرار العسكرية يعتبر خيانة في حق الجندي يؤاخذ عليها، وللعلماء في قتله قولان لما روي أن عليًّا ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد بن الأسود، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها" فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب, فقالت: ما معي من كتاب, فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب, فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله, ﷺ : "يا حاطب ما هذا" قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أَنْفَسِها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله, ﷺ : "قد صدقكم " فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق"٣. ومما يدخل في مجال التخطيط، إثارة الحرب النفسية وتوهين العزائم بنشر

стр. 361

الشائعات، وبث أسباب الفرقة في صفوف الأعداء، وإظهار قوة المسلمين التي ترهب العدو وتشل حركته وتضعف قواه.. وقد استعمل رسول الله ﷺ في فتح مكة أسلوب توهين القوى، فأمر قادته بإشعال النار ليلًا حينما أشرف المسلمون على مكة، وبعث العباس إلى قريش ليبث في نفوسهم الذعر من جيش المؤمنين ومن قوته الروحية والمادية ذلك لأن الرسول ﷺ يريد أن يدخل مكة دون قتال وأن تستسلم قريش استسلامًا حقنًا للدماء وحرصًا على النفوس والأعراض واحترامًا لحرمة مكة، مع أن الله ﵎ قد أحلها له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله ولا لأحد بعده.. واستعمل الرسول ﷺ أسلوب إظهار القوة والغلبة في معظم المعارك التي خاضها ضد الشرك.. حدَّث سعيد عن قتادة قال: "ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة١ ثلاث ليال"٢. قال ابن الجوزي: إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام وقلة الاحتفال، فكأنه يقول: من كانت فيه قوة منكم فليرجع إلينا٣. واستعمل الرسول ﷺ أسلوب "العطاء المادي" لتفتيت عضد الكافرين، وبعثرة جمعهم، وتأليب بعضهم ضد بعض وإقصاء جماعة منهم عن ميدان المعركة وعن مواجهة المسلمين، ففي غزوة الأحزاب التي تمالأت بها قوى الكفر والضلال مجتمعة ضد الحق وأهله، عرض رسول الله ﷺ على غطفان من المعونات الغذائية والعطاء المادي أضعاف ما عرضه عليهم يهود خيبر وثمارهم مقابل أن ينسحبوا من الحصار. وكان المسلمون في تخطيطهم الحربي يحسنون اختيار الوقت المناسب لمفاجأة العدو، فقد كان التوقيت لغزو بني قريظة بعد انسحاب الأحزاب يوم الخندق مباشرة، وقال رسول الله ﷺ يحث المؤمنين على سرعة الحركة والخروج

стр. 362

للقتال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" ١. وقد عقد رسول الله ﷺ صلح الحديبية مع قريش في العام -السادس من الهجرة- ليفرغ في العام الذي يليه لتصفية الجبهة الشمالية من اليهود في خيبر وفدك وغيرها من المواقع٢. وبعد اقتلاع جذورهم وإخماد خطرهم تهيأ لفتح مكة في السنة الثامنة الهجرية٣. وقد عمل المسلمون بحفر الخندق أسلوبًا جديدًا وخطة جديدة لم يسبق لها مثال في تاريخ العرب الحربي وتساءل المشركون: كيف يجتازون الخندق وكيف يصلون إلى المسلمين وكيف يحققون هدفهم؟ وضاعت الإجابة عن هذه الأسئلة مع الرياح التي ثارت والعواصف الرملية التي اجتاحت المنطقة، فأطفأت النار وأكفأت القدور وطرحت الأبنية وقلعت الخيام.. حتى قال حذيفة بن اليمان: "لا يقر لهم قدر ولا نار ولا بناء"٤, وقال أبو سفيان: "يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام, لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة ... ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل"٥. ولم يهمل المسلمون العامل الاقتصادي في التخطيط الحربي، ذلك لأن الاقتصاد عصب الحياة، فإذا شلت حركته، وضربت موارده الأساسية خارت قوى العدو وجبن وضعف، وارتد أدراجه خائبًا. وقد استعمل الرسول ﷺ العامل الاقتصادي لمحاربة قريش مكة فقطع عليهم طريق التجارة الساحلي، وقطع عنهم طريق نجد الداخلي، وذلك بعقد معاهدات مع أحلاف قريش الذين يقيمون على الطرق التجارية. وهكذا فقد كان للمسلمين تخطيطهم الحكيم، وأسلوبهم البارع الذكي في

стр. 363

استغلال الظروف لمعالجة الأمور المعضلة، ولقد كان الرسول ﷺ مثلًا أعلى للجدية والصمود والتخطيط الدقيق في مواجهته الأحداث، ومثلًا أعلى لمعالجة الأمور بالحكمة والذكاء. اقتناء الأسلحة والتدريب عليها: لعل من أهم العوامل الحربية التي تؤثر في أساسيات المعركة وفي توجيه دفة القتال اقتناء الأسلحة، ذلك لأن السلاح أكبر قوة مادية في يد الجندي والقائد على السواء وبقدر ما تقتني الدولة من أسلحة بقدر ما تكون مهابة مرهوبة الجانب من العدو والصديق.. والإسلام حريص كل الحرص على اقتناء أجود الأسلحة وأمضاها وأحدثها وأكثرها ملاءمة للعصر ولأسلوب الدفاع والهجوم، قال الله ﵎: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ ١.. وقال رسول الله, ﷺ : "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي" ٢ يقول القرطبي قد خص رسول الله ﷺ -القوة بالرمي وإن كانت تظهر بإعداد غيره من الأسلحة وآلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مئونة٣ وقال الرسول ﷺ في الخيل، وقد كانت من أهم وسائل الحرب: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" وفي رواية: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ٤. وقال: "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" ٥.

стр. 364

والترس. روى ثابت عن أنس ﵁ قوله: "استقبلهم النبي ﷺ على فرس عري١ ما عليه سرج، في عنقه سيف"٢. وعلى هذا فالإسلام يأمر أمرًا جازمًا بإعداد كل وسائل القوة وأنواع السلاح ولئن خص الخيل بالذكر فلأنه أجودها وأفضلها ولكن الوضع لا يثبت على حال واحد، وعجلة الزمان لا تقف وقد جدًّت أسلحة وتنوعت وسائل القتال مع اختلاف الأزمان والبيئات ولكل نوع منها مكانه ووقته المناسب، والسلاح الأفضل هو الأشد نكاية في العدو والأعظم للمسلمين نفعًا، وهذا الأمر يختلف باختلاف أحوال العدو وباختلاف حال المجاهدين، وذلك ما يعلمه أصحاب الخبرة٣.

стр. 365

أخلاق المسلمين في القتال: لم يعرف التاريخ قديمًا أو حديثًا فاتحًا أرحم ولا أرأف ولا أعدل من المسلمين. أي ورب الكعبة، شهادة نطق بها العدو كما نطق بها الصديق وقالها المبغض كما قالها المحب. وإنها لشهادة حق وعدل. ولا تتضح الصورة الفعلية لرحمة الإسلام إلا إذا ألممنا إلمامة سريعة بما يفعله غير المسلمين في الحرب، يروي المستشرقون أن الحروب الصليبية في الشام قد هدفت إلى استئصال المسلمين استئصالًا نهائيًّا، لذلك فقد كانوا يذبحون ويقتلون كل من تقع يدهم عليه شيخًا عجوزًا كبيرًا جليلًا، أو امرأة مسنة أو طفلًا رضيعًا، حتى أصبح الدم كبرك الماء تسبح فيه الخيل إلى نحورها، "وعند دخول الحملة الصليبية إلى بيت المقدس، بتاريح ١٥ يوليو سنة ١٠٩٩م الموافق ٣ رمضان سنة ٤٩٣هـ" ذبح أكثر من سبعين ألف مسلم حتى سبحت الدواب إلى صدورها في الدماء، وفي أنطاكية قتلوا في الطريق أكثر من مائة ألف مسلم"١. وقد أعدمت روسيا أكثر من ثلاثة ملايين من المسلمين في تركستان

стр. 366

وحدها.. وفي سنة ١٩١٨م أصدر لينين أمرًا بالزحف على البلاد الإسلامية في روسيا وسارت الجيوش بالدبابات والطائرات والمدافع تدمر وتحصد ما في طريقها وفي نهاية العام تم لها الاستيلاء على جمهورية "إيديل أورال" وشمال القوقاز وحكومة خوقند.. وغيرها من البلدان الإسلامية.. "ونشرت جريدة أزفستيا في عددها الصادر ١٥ يوليه سنة ١٩٢٢م -تقريرًا للرفيق لينين عن مجاعة القرم- نتيجة نقل الروس ما في الجزيرة من أقوات ليضطروهم للتسليم: بلغ عدد الذين أصابتهم محنة الجوع في شهر يناير "٣٠٢.٠٠٠" مات منهم "١٤.٤١٣" ارتفع عددهم في شهر مارس إلى ٣٧٩.٠٠٠، مات منهم ١٩.٩٠٢ بلغ في أبريل ٣٧٧.٠٠٠، مات منهم ١٢.٧٥٤، وفي يونيو ٣٩٢.٠٧٣"١. وعدد الذين يقتلون وينفون من بلادهم وتصادر ممتلكاتهم ويعذبون ويرمون في السجون المظلمة لتنهشهم الكلاب وتخمشهم القطط بسبب اختلاف الدين، في كل زمان -ويزداد التنكيل ويشتد العذاب قسوة بسبب الإسلام أكثر من أن يحصى، وهذه قضية تحتاج إلى إفراد سجلات خاصة بها ونكتفي بهذه الإشارة السريعة لنعود إلى موضوعنا الأصلي وهو أخلاق المسلمين في الحرب.. يقول الله ﵎: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢, ويدخل في النهي عن الاعتداء النهي عن المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي ولا قتال فيهم والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة٣. وفي صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا".

стр. 367

وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا بسم الله فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" ١. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: "وجدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان"٢. وكلما تصور الإنسان سماحة الإسلام وثبت إلى ذهنه صورة الرسول الكريم ﷺ وهو داخل منتصر عزيز الجانب إلى مكة، وأهلها خائفون مذعورون من انتقام المنتصر، ولكنه ﷺ ضرب مثلًا أعلى للعفو والصفح عند المقدرة وعلى هذه السنة سار الخلفاء من بعد رسول الله ﷺ قال أبو بكر ﵁ موصيًا أحد قواده: "لا تقتلن امرأة ولا صبيًّا ولا كبيرًا هرمًا ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرًا إلا لمأكل ولا تحرقن نخلًا، ولا تفرقنه ولا تغلل ولا تجبن"٣.

стр. 368

ومن مظاهر رأفة الإسلام في الحرب: ١- النهي عن قتل من لا يقاتل من النساء والأطفال والشيوخ والعجزة.. ٢- النهي عن الاعتداء على البيع والصوامع وهي معابد اليهود والنصارى.. ٣- ألا يبدأ المسلمون بمقاتلة الأعداء إلا بعد الإعلان عن الحرب بمدة تكفي لوصول خبرها إليهم١. ٤- من المبادئ المهمة التي يلتزم بها المسلمون التوقف عن القتال إذا طلب العدو ذلك أو كفَّ شرَّه وأذاه عن المسلمين أو انسحب طالبًا توقيع المعاهدة..

стр. 369

٥- معاملة الأسرى: إن موقف الإسلام من الأسرى موقف إنساني يتسم بالعدل والرحمة وحسن المعاملة، فقد أوصى الرسول ﷺ بالأسير خيرًا، وأمر ألا يفرق بين صبي وأمه، وأن يقدم له الطعام والشراب والكساء، وأن يداوى إن أصابه جرح.. قال الله ﵎: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ١.. وقال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ٢. وللعلماء في حكم الأسير أقوال: "أشهرها وأقواها أن يترك أمر الأسير إلى إمام المسلمين يفعل ما هو أنفع للمسلمين وأقوى شوكة للإسلام. وهذا هو مذهب الجمهور ومن العلماء من قال: يقتل أو يستبدل. أو يُمَنُّ عليه بالفداء بمال أو بنفس ومن العلماء من يرى أن يمن عليه بإطلاق سراحه أو بمفاداته بالمال أو بأسرى المسلمين٣.

стр. 370

المعاهدات في الإسلام مدخل ... المعاهدات في الإسلام: قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. فالإسلام يشرع للمسلمين أن ينشئوا معاهدات سلمية مع من شاءوا رجوعًا إلى السلم الأصلي الذي يحكم العلاقات بين الدول، ولهم أن يقرروا وقف القتال حسب ما يحقق مصلحة للإسلام وإعزازًا لكلمة المسلمين، ولهم الحق كذلك أن ينشئوا معاهدات بقصد التحالف الحربي والتعاون على عدو مشترك، إذا كان في هذا الأمر ما يحقق مصلحة الأمة الإسلامية. إذ إن الحرب في نظر الإسلام ما هي إلا علاج مؤقت لبعض الحالات الناشزة ولبعض الأوضاع غير المستقرة٢، فإذا

стр. 371

استتب الأمن واستقر الوضع وأمن شر العدو وارتفعت راية الإسلام عالية خفاقة كريمة فليس ثمة داع إلى القتال أو حاجة للحرب، لأن الحكم المترتب على العلم يدور معها وجودًا وعدمًا، فينعدم إذا انعدمت ويزول بزوالها. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.. وقال جل من قائل: ﴿فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٣. وقد عاهد الرسول ﷺ يهود خيبر وبني النضير حينما هاجر إلى المدينة المنورة، وقبل أن يعايشهم معايشة سلمية على أن يكفوا أذاهم وعدوانهم عن المسلمين، وألا يظاهروا عدوًّا ضد المسلمين فكانت هذه أول معاهدة عرفتها الإنسانية أثبتت حق تقرير حرية التدين وحرية العقيدة. وعاهد الرسول ﷺ مشركي قريش معاهدة الحديبية سنة ست للهجرة بقصد أن يوقف القتال فترة زمنية مؤقتة، وكان من بنودها أن يرجع الرسول ﷺ ومن معه إلى المدينة في هذا العام ويحضروا إلى مكة في العام الذي يليه لأداء عمرة القضاء..

стр. 372

الشروط التي يجب تحققها في المعاهدة ١: يشترط الإسلام لتكون المعاهدة صحيحة ثلاثة شروط هي: ١- ألا تكون المعاهدة مخالفة لكتاب الله وسنة رسول ﷺ قال الرسول الكريم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل".. وعلى هذا فكل شرط تستباح به حرمة الشخصية الإسلامية أو يفتح به باب للأعداء ينفذون منه للإغارة على المسلمين أو تضمن بندًا يحمل على الإنقاص من شأن المسلمين وعلى تفريق كلمتهم فهو غير معتبر شرعًا..

стр. 373

٢- أن تكون المعاهدة قائمة على التراضي من الطرفين قياسًا على عقود المعاوضات المالية، أما إذا كان هناك إلزام من أحد الطرفين أو كانت المعاهدة نتيجة لضغوط دولية، فلا قيمة حقيقية لهذه المعاهدة. ٣- أن تكون المعاهدة بينة الأهداف واضحة العبارة لا تحتمل التأويل أو التفسير، أما إذا كانت غامضة العبارة غير واضحة الهدف تمكن من التلاعب بألفاظها، فلا قيمة لها شرعًا لأنها من باب الغش الذي يفسد كل عقد فضلًا عن معاهدة يتوقف عليها أمن البلاد..

стр. 374

الوفاء بالمعاهدات: إذا استكملت المعاهدة شروطها من وضوح وعدم مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وعدم إخلال بأمن الدولة المسلمة، كان الوفاء بها واجبًا دينيًّا يسأل عنه المسلمون أمام الله، وكان النكوث بها غدرًا وخيانة، أما إذا أخل العدو بها فعندئذ لا عهد لهم على المسلمين، بل كان على المسلمين أن يهبوا متكاتفين متعاونين على دفع قوى الشر والعدوان.. ويتحقق النكث بالمعاهدة إذا خالف العدو الإلتزام بشروطها، أو إذا ظاهر أحدًا من قوى الشر ضد المؤمنين أو إذا اعتدى على المتحالفين مع المسلمين، وحينئذ تفقد المعاهدة حرمتها. قال الله ﵎: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ ١. وكذلك فإن المعاهدة تفقد حرمتها إذا دلت القرائن الواضحة على عزم العدو على النكث بالشروط المتفق عليها. قال الله ﵎: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٢ وقد تتغير الظروف التي وقعت بها المعاهدة ويصبح من المفسدة الالتزام بها فيباح في هذه الحالة الإخلال بها شريطة أن ينذر العدو بأمر نقض

стр. 375

المعاهدة قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١. هذا هو حكم الإسلام في معاهدات السلام التي تحفظ الأمن الدولي وحقوق الإنسان.. يقول الشيخ شلتوت ﵀: "وجاءت دول الحضارة الحاضرة فخدعت الناس بما سمته "القانون الدولي العام" وبما سمته "الهيئات الدولية المحكمة" وها هي ذي المجازر البشرية على أيديهم في أكثر أقاليم المعمورة، تنطق بخداعهم وفشلهم كما تنطق بكذبهم إذا قالوا: السلم أو قالوا حقوق الإنسان، والإنسانية منهم براء٢: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ ٣. وبعد، فتلك هي أهم مبادئ الجهاد في الشريعة الإسلامية، وإنها لمبادئ رائعة تظهر سماحة الدين الإسلامي وإنسانيته وعدله، كما تظهر حزمه وقوته وأنه لا يقبل الهزيمة ولا الضيم ولا الاستكانة ولا الهوان ولا الجبن ولا الخور. وإن دينًا يحرر الإنسان من سيطرة الهوى والشهوة، ويحرر الوجدان من الطغيان والقسوة، ويحرر العباد من الظلم والذل، ويحرر البلدان من الفساد والضلال لهو دين جدير أن يخترق شغاف القلوب فيملؤها رحمة وعدلًا ومودة وحبًّا، وهو دين جدير أن يسود ويمجد، ويتمسك المؤمنون به بإيمان مطلق ويدعون له بإخلاص وهدى.

стр. 376

المبحث الثاني: التضامن الإسلامي مدخل ... التضامن الإسلامي الحاجة إلى التضامن الإسلامي إن التضامن الإسلامي مطلب كل فرد مسلم، وأنشودة كل مؤمن ناضج

стр. 377

الفكر متقد المشاعر متيقظ القلب، وغاية كل مجتمع عاش في ظل الإسلام ونعم بعدالته ورحمته وتسامحه، وتمتع إخوانه برغد العيش، وعرف في حماه مدلول الأمن على النفس والشرف والمال، وذاق في رحابه طعم الحرية في أوسع معناها وفي شتى ميادينها: حرية الرأي والفكر والكلمة، حرية العقيدة والعبادة، حرية التعلم وممارسة العمل المشروع. والتضامن في واقع الأمر عنوان القوة ومفتاح المجد، ومقدمة حصينة لكل فلاح ولكل نجاح في الشئون العامة والخاصة، والداخلية والخارجية. وهو قانون مهم من قوانين المجتمعات المتحضرة الراقية، وعنصر جوهري من عناصر الحياة السعيدة الملائمة للفطرة الإنسانية. والتضامن الإسلامي لازم من لوازم عقيدة التوحيد، ودعامة من دعائمها. وإذا كانت الحاجة ماسة في كل وقت لتضامن المسلمين واجتماع كلمتهم واتحاد صفوفهم فهي أبرز ما تكون في هذا الوقت المعاصر، الذي تجمعت فيه قوى الشر والعدوان ضد المسلمين، يشير إلى هذا الوضع ما صح في دلائل النبوة عن النبي, ﷺ : "توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "لا، بل أنتم كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن"، قال قائل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" ١. فالظروف الحالية المحيطة بالمسلمين تفرض عليهم حتمية التضامن الإسلامي ووحدة الصف وإزالة الخلافات الجانبية، ذلك لأن العدو متربص بهم الدوائر، وهو يتخذ من تفرق كلمتهم ومن تمزق وحدتهم منفذًا لتحقيق أغراضه الدنيئة، وأفكاره الاستعمارية الخبيثة. لقد استطاعت الصهيونية أن تلم شعثها من عوالم مختلفة، وآفاق متباعدة وأن تتفق مع الشيوعية الملحدة ومع الاستعمار الحاقد لتتخذ موطنًا لها في قلب البلاد العربية بعد أن اقتطعت هذا الجزء الغالي من الديار الإسلامية. ومن هذا الموطن يبيتون مؤامراتهم ويضعون خططهم لتمزيق الفكر الإسلامي وللقضاء على

стр. 378

الوحدة الإسلامية، ويعملون متآزرين لإثارة الفتن والأزمات والاضطرابات السياسية والاقتصادية في البلاد الإسلامية، ولم يتوانوا لحظة واحدة عن إثارة أسباب العداء بين طبقات الشعب الواحد، حتى أصبحت الجماعة الواحدة والشعب الواحد طبقات متحاربة متباغضة، وانتقلت ساحة المعركة من ميدانها الحقيقي إلى داخل البلد الواحد، فهذا يميني وذاك يساري، وهذا تقدمي وذاك رجعي، وهذا يقتل ذاك وبعضهم يأخذ برقاب بعض باسم هذه الشعارات الجوفاء التي أثارها العدو الماكر.. والدعوة إلى التضامن الإسلامي لا تأتي تلبية للحاجة الملحة وللظروف المحيطة بالأمة الإسلامية فقط وإنما هي استجابة لأمر إلهي، وتحقيق لمطلب ديني. قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وقال جل من قائل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٢ وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٣ وقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٤. وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٥. وقال رسول الله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ٦. وقال: "المؤمن أخو المؤمن لا يخذله ولا يقتله ولا يسلمه بحسب امرئ من الإثم أن يحقر أخاه". وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" ٧.

стр. 379

والتضامن الإسلامي ضرورة لازمة لحماية ديننا ودنيانا من الغزو الفكري الهدام الذي يحمل راية الإلحاد والفوضوية والإباحية والشيوعية، ويعتقد -افتراء وبهتانا وظلما وعدوانا- أن الدين أفيون يخدر الشعوب. والتضامن الإسلامي تعبير صادق عن المشاعر القوية التي تحملها قلوب الملايين من المسلمين الذين يحسون إحساسا حقيقيا بالروابط الثقافية والتاريخية والجغرافية والاجتماعية.. يؤكد هذا تزايد أعداد حجاج بيت الله الحرام عاما بعد عام، واجتماع قادة الفكر، والعلماء وأهل الحل والعقد، وتبادلهم وجهات النظر في القضايا الإسلامية المطروحة على بساط البحث. يقول الأستاذ محيي الدين القابسي في كتابه التضامن الإسلامي: " ... والتضامن الإسلامي ما هو إلا مبادرة طبيعية من الشعوب الإسلامية التي تعد بالملايين لإرسال قواعد حياتها على أسس متينة في عالم تنازعه المطامع وتمزقه الأهواء وتشن فيه المبادئ الملحدة حربا شرسة ضد التراث الحضاري الإنساني١.

стр. 380

أسباب انقسام الأمة الإسلامية: لقد تكالبت قوى الشر ووقفت مجتمعة، متحدة، متماسكة الأيدي، توجه للعالم الإسلامي ضربات قاسية وشديدة مريرة، ضربات دامية مرهقة، ضربات حاقدة لئيمة خبيثة، حتى كادت تذهب بالأنفاس وتخمد الحركة، لولا أن من الله علينا من فضله فأبقى لنا بقية من حياة، وشعلة نلتف حولها، ومبادئ تجمع بيننا وأهدافا نرنو إلى تحقيقها وقبلة نتوجه إليها وشعائر نؤديها مجتمعين، وركائز يقوم عليها كياننا الإسلامي الممتد عبر الدهور والأزمان، منذ انبثاق فجر التوحيد إلى يومنا هذا. أجل لقد تحالفت قوى الشر والضلال من صهيونية ماكرة شرسة، وصليبية حاقدة مريعة وشيوعية خبيثة لئيمة لتطعن في الجسم الإسلامي والكيان المؤمن بالله المعتصم بحبله. وكانت أولى تلك الضربات إبعاد الخلافة الإسلامية عن الوجود والواقع الإنساني، والإطاحة بها وتحطيم دعائمها، وبث الدعاية الباطلة ضدها،

стр. 381

واتهامها بشتى الاتهامات الشنيعة كيلا يفكر المسلمون بإعادتها مرة ثانية، وألصقوا بها تهمة الخلف والرجعية والتعارض مع النهضة والتقدم والرقي، واتهموا الخلافة العثمانية بالرجل المريض الضعيف الذي يجب بتره والتخلص منه وألا يبقى وصمة تخلف في جبين البشرية، ودبروا المؤامرات الخبيثة للقضاء على الخلافة، وصدرت المؤلفات الضخمة لتطرح مائة مشروع لتقسم الممتلكات العثمانية بين الدول الأوروبية على أن يكون للصهيونية نصيب منها، وخدعت بعض الأشخاص من الأتراك والعرب وغررت بها وضللتهم بادعاءاتها الباطلة وأمسكتهم معاول فاتكة حادة قوية لهدم الكيان الإسلامي ولتمزيق وحدته وتفتيت قوته، فنادوا كالببغاوات بالقومية ودعوا إلى تتريك اللغة وأجهزة الحكم والإدارة، والمكاتبات الرسمية، وكان ما كان من مأساة القومية لسلخ تركيا عن الوطن الإسلامي.. وعلى الطرف الآخر.. العربي.. ظهرت دعوة قومية، تسير في الاتجاه السابق نفسه. الضربة الثانية: استطاعت أن تمزق كيان الأمة الإسلامية إلى أجزاء متعددة وأن تجعل من الدولة القوية دويلات ضعيفة، ومن البلد الواحد المتعاضد بلدان متباعدة متعادية.. كل هذا بقصد أن تبسط الدول الأوروبية الاستعمارية سلطانها على هذه الأجزاء، وفعلا أخضعتها إلى سلطتها الأوروبية، لتستغل خيرات تربتها وأرضها، ولتستخدم طاقاتها البشرية لتحقيق أطماعها العدوانية والاقتصادية، ولتبني مجدها على أكتاف أناس عاملين بصمت، مأخوذين بشدة الضربات المتتالية.. فسوريا ولبنان خضعتا لنفوذ فرنسا، ومصر والسودان والعراق والأردن خضعت لأطماع انجلترا، والشمال الإفريقي خضع لسيطرة فرنسا، والهند لسلطان انجلترا، وبذل الاستعمار ما بذل لإبعاد الوسط الإفريقي عن التأثر بالدين الإسلامي. الضربة الثالثة: تمكنت من بذر بذور الاختلاف والشقاق والتناصر والتصارع بين تلك الدويلات الإسلامية، فلكل دولة اتجاهها السياسي المختلف عن اتجاه الدولة الأخرى، ولكل منها أهدافها الخاصة، فتلك تعمل لحساب الشيوعية الماركسية، تنفق لها وتدعوا لمبادئها، وتحمل شعارها، وتدور في فلكها حيث دارت يمنة أو يسرة، وأخرى تعمل وفق سياسة غربية استعمارية لا تستيطع حراكا، ولا تنفذ خطة إلا بإذن من سيدتها وبإشارة منها.

стр. 382

الضربة الرابعة: إنها صنعت على عينها وبيدها رجالا من العرب المسلمين ينادون بفصل الدين عن الدنيا، وإبعاد الدين عن الحياة، وترك ما لقيصر لقيصر وما للدين للدين، هذه الدعوة الضالة المضلة هدفت أول ما هدفت إلى إبعاد الإسلام عن مجالات الحياة لأن عدد المسلمين في البلاد العربية يبلغ "٨٩ %". وأشد من هذا وذاك أنها أبعدت الرجال المخلصين الواعين عن سياسة الدول الإسلامية وإدارة دفة الحكم باتهامهم -زورا وبهتانا- اتهامات باطلة، أو بقتلهم بأيد عابثة حقيرة.. وقد لعبت دورا مريعا في تبني السياسة الانفرادية لكل دولة، وإحداث اضطرابات داخيلة لشل حركة التقدم والنمو والازدهار الحضاري والعمراني، ولتوجه الحهود الإسلامية نحو أمور جانبية تبعدهم عن التفكير في أهمية لم الشمل والوقوف على قدم واحدة لإيجاد حلول جذرية ناجعة لتفادي الأخطار المحدقة. وكل هذه الضربات القاسية الشديدة كانت بمعاول العدو المشترك "الاستعمار والصهيونية والشيوعية".. وقد أثرت هذه الضربات الشنيعة في كيان الأمة الإسلامية فتمكنت من تفريق كلمتها وتمزيق وحدتها.

стр. 383

تاريخ الدعوة إلى التضامن الإسلامي: ليست دعوة التضامن دعوة حديثة برزت في القرنين الأخيرين وليست وليدة لأوضاع معينة، وإنما هي دعوة عريقة قديمة، رافقت بزوغ فجر الإسلام، وعاشت مع المسلمين في كل وقت تجتمع فيه كلمتهم، وتتحد فيه قواهم. وقد ظهرت هذه الدعوة حديثا بصدق وحرارة في بداية النهضة الإسلامية على يد السيد جمال الدين الأفغاني ﵀ حينما نادى بأهمية جمع المسلمين في هيئة واحدة تحمل اسم "الجامعة الإسلامية" ودعا إلى ضرورة إقامة حياة نيابية أساسها الشورى وعمادها كفالة حقوق الإنسان، وركيزتها المساواة بين أفراد البشرية١.

стр. 384

ولكن هذه الدعوة النبيلة لم تلق مناصرة ولا عونا من المسلمين لأسباب عدة، في مقدمتها: ١- الاستعمار البغيض الذي حط ثقله وبث سمومه في المجتمعات الإسلامية. ٢- نظرة العرب والمسلمين إلى الغرب نظرة إكبار وإجلال بسبب ما أحرز من تقدم صناعي وعلمي. ٣- كثرة الثورات والانقلابات الداخلية التي أضعفت كيان الأمة الإسلامية وعاقت دون نهضتها ودون تجمع صفها ووحدة كلمتها. وقد اختفت دعوة الجامعة الإسلامية حينما دهبت الخلافة الإسلامية أو قل حينما قضى عليها، وتوزعت البلاد الإسلامية إلى وحدات مستقلة، ونشأت أوطان وحدود وملوك وطوائف وشعوب.. ولكن تلك الأوضاع السيئة التي هزت كيان المسلمين هزا عنيفا لم تستطع أن تقضي قضاء مبرما على الدعوة إلى التضامن الإسلامي في كل ظرف يظهر فيه مخلصون ومصلحون ودعاة.

стр. 385

أول مجتمع قام على أساس التضامن: لقد كان أو مجتمع يرتفع بنيانه على أسس متينة من التضامن الإسلامي مجتمع المدينة المنورة، حينما هاجر إليها رسول الله ﷺ مع الفئة المؤمنة التي تركت دياراها وأموالها إرضاء لله ولرسوله، وفي المدينة آنذاك ثلاث طوائف لا تعرف الوئام ولا الانسجام، وهي الأوس والخزرج واليهود. وكان أول ما فعله رسول الله ﷺ أن بذر بذور الحب في قلوب الجماعة المؤمنة نحو الله تعالى، ونحو المؤمنين بعضهم بعضا، وإذا ما خالط الحب شغاف القلوب فإنه يطبعها على الرقة والليونة والإخلاص لله ﵎، وعند ذلك يتنازل المؤمن عن كيثر من مصالحه الشخصية وأغراضه القريبة في سبيل الغاية المثلى والدعوة العظيمة، وعندها تتحول الأثرة والأنانية وحب الذات إلى الإيثار والبذل والتضحية من أجل الآخرين، ويمحي الحقد والحسد والضغينة، وينمو التسامح والتواد والتراحم والتعاطف. وعلى هذا الحب أقام ﷺ دعائم الأخوة الإسلامية، فآخى بين الأوس

стр. 386

والخزرج، وبين الأنصار والمهاجرين، حتى أصبح مجتمع المدينة المنورة متحد الأهداف والمشاعر، يتحرك نحو اتجاه واحد، ويحقق أعمالا متكاملة منسجمة، وإلى هذه الروح الطيبة والمشاعر النبيلة أشار القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١. وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢. وبعد ذلك سمح رسول الله ﷺ للمسلمين أن يهادنوا اليهود، وأن يعايشوهم معايشة سلمية ولما تظهر عليهم بوادي عداوة للمسلمين وللدعوة الإسلامية، فعوملوا على الظاهر من أمرهم، وكفل لهم الإسلام حرية العقيدة والعبادة على أن يخضعوا حكما ونظاما وقانونا للشريعة الإسلامية. ومن ثم وقع رسول الله ﷺ معهم معاهدة الصلح، ويذكر ابن قيم الجوزية في كتابه زاد المعاد نص المعاهدة وهو: "هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس، وإن من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم إلا من ظلم أو أثم.."٣. وهكذا أقرت هذه المعاهدة التعايش السلمي مع غير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي، ولم يسبق أن عرف التاريخ كفالة الحريات العقيدية والعبادية قبل أن يأتي الإسلام بتقريرها. قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ

стр. 387

يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.

стр. 388

أسس التضامن الإسلامي مدخل ... أسس التضامن الإسلامي إن للتضامن الإسلامي أسسا مهمة يقوم بها وينهض عليها. أشير إليها فيما يأتي:

стр. 389

١- الأخوة الإيمانية: لم يعتبر الإسلام رابطة الجنس أو اللون أو اللغة أو الوطن سببا قويا أو دعامة ثابتة ودعوة حقيقية في تكوين الأمة، ذلك لأن هذه العوامل التي تقوم عليها مجتمعات اليوم قاصرة عن تحقيق وحدة إنسانية عامة، وعاجزة عن الجمع بين مختلف الأجناس والألوان والأوطان، وإنها دعوة للتفريق لا للجمع وللاختلاف لا للائتلاف، ولإثارة الفتن والعداوات، ولهذا فإن الإسلام سما على كل هذه للناس كافة، وللبشرية جمعاء، فجعل عقيدة التوحيد أنبل وأقدس وأعظم رباط يوحد بين قلوب المسلمين على اختلاف الديار والقوميات واللغات، وقد كانت الأخوة الإيمانية أصدق تعبير عن هذه الوحدة المشتركة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١. وقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ

стр. 390

وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١، وبين سبحانه أن من أهم أواصر الأخوة الدعاء لهم بظهر الغيب، فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢. وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله" ٣. إن آصرة هذه الأخوة تعلو كل آصرة وتفوق كل رابطة، بل إن رابطة النسب تهوي منهارة لا شأن لها ولا حول ولا قوة أمام هذه الرابطة الشامخة، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ٤. ومن القواعد الفقهية المستنبطة من وحي القرآن والسنة المطهرة أن المسلم لا يرث الكافر، وأن الكافر لا يرث المسلم، ولو كان أباه أو أخاه أو ابنه، فهل بعد الأخوة الإيمانية من صلة أو قرابة؟ إن الأخوة الإيمانية رابطة قوية جديرة أن توحد بين النفوس وأن تؤلف بين القلوب، وكانت هذه الرابطة الجامع الوحيد الذي يجمع أبناء المسلمين في عهد النبوة الخالد، وكان المجتمع آنذاك يشعر بحرارة هذه الرابطة وبقوتها وأثرها على النفس الإنسانية وعلى المجتمع، فكان المجتمع كله رجاله ونساؤه وشبابه جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
следующие страницы →