← Язык

Язык · id 8670

البحث اللغوي عند العرب

أحمد مختار عمر

Полный текст (362 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة: يتناول هذا الكتاب بالتأريخ الدراسات اللغوية عند العرب، منذ نشأتها المبكرة إلى أن وصلت إلى مرحلة النضج والكمال، ولا يتجاوز ذلك القرن الخامس الهجري بأي حال من الأحوال، ففي هذا القرن اكتملت الاتجاهات المعجمية، وفي القرن الذي قبله وصل الدرس النحوي والصرفي والأصواتي إلى قمته. ولم يعد ما تلا ذلك من الدراسات أن يكون ترديدًا أو شرحًا أو تلخيصًا أو نظمًا لأعمال سابقة. ولم أتجاوز القرن الخامس إلا في حالة واحدة، هي أن أبدأ بالحديث عن اتجاه ما، ثم لا أجده ينتهي بانتهاء هذا القرن، فلم يكن هناك بد من السير بالاتجاه إلى نهايته. وقد حدث هذا -مثلًا- حين تتبعي للمدارس المعجمية، وحدث كذلك حين الكلام عن دعوات التجديد والإصلاح للنحو العربي. ولما كان الحكم على العقلية العربية، وتقييم ما قدمته في ميدان الدراسات اللغوية من أبحاث ونظريات لا يكتمل إلا بمعرفة جهود السابقين والمعاصرين في نفس الميدان، رأيت أن أخصص فصلًا في الباب الأول لعلاج هذا الموضوع واخترت له عنوان "الدراسات اللغوية عند غير العرب". وتسلم هذه الدراسة للأعمال اللغوية الأجنبية - إلى جانب الأعمال اللغوية العربية- إلى تساؤل يتعلق بمدى الصلة بين الجهدين، ومقدار ما قدمه كل طرف للآخر أو أخذه عنه. وقد أفردت لعلاج هذا الموضوع بابًا خاصًّا هو الباب الثالث الذي عالج قضية التأثير من جانبيها ولكن في إيجاز وتركيز. ولست أزعم أن كل ما جاء في هذا الكتاب جديد، فبعضه -وهو قليل- لا جديد فيه على الإطلاق، ومعصه بعضه قديم وضع في ثوب جديد، وبعضه -وهو كثير- جديد بالنسبة للقارئ العربي.

стр. 2

وأرجو أن يغني هذا الكتاب طلاب الدراسات العليا في جامعاتنا العربية عن الرجوع إلى المظان المختلفة وبعضها نادر الوجود وبعضها الآخر مصور أو مخطوط. كما أرجو أن يكون نافذة تفتح عيونهم على كثير من القضايا التي ما تزال معلقة حتى الآن، أو ما تزال في حاجة إلى تحليل وتمحيص. وأحمد الله أن لاقى هذا الكتاب رواجًا كبيرًا لم أكن أتوقعه حتى صدرت له خمس طبعات في خمس عشرة سنة، وقد اقتضاني هذا إعادة النظر فيه عند كل مرة أدفعه إلى المطبعة. وكنت في كل مرة أتجنب ما قد أجده من هفوات أو مواطن وأزيد ما بدا لي ضروريًّا. وتختلف هذه الطبعة عن الطبعات السابقة اختلافًا ملموسًا وتتميز بما يأتي: ١- تحرير القول في موقف اللغويين والنحاة من القراءات القرآنية. ٢- تدقيق النظر في موقف اللغويين من الحديث النبوي الشريف. ٣- إعطاء آراء ابن سيناء الصوتية اهتمامًا خاصًّا بعد أن نُشر كتابه "أسباب حدوث الحروف" نشرة علمية محققة. ٤- توسيع الفصل الخاص بالمعاجم ليلبي حاجات الطلاب والدارسين، وبخاصة بعد أن أصبح علم المعاجم مقررًا مستقلًّا في كثير من الجامعات العربية، وبعد أن تطورت صناعة المعجم على المستوى العالمي. وقد أضفت في هذا الفصل عناوين كثيرة مثل: المعجم اللغوي والموسوعة - الخطوات الإجرائية لإعداد المعجم- مجمل اللغة لابن فارس- دراسة تحليلية لكتاب ابن بري "التنبيه والإيضاح" - التكملة والذيل والصلة للزبيدي -حاضر المعجم العربي-

стр. 3

وضع منهجية جديدة للمعجم العربي وجهود أحمد فارس الشدياق - معجم المساعد للكرملي. كما أضفت بعض الأمثلة التطبيقية على معاجم الترتيب الصوتي والجمهرة والمقاييس نظرًا لصعوبة الكشف فيها، وحاجة مستعملها إلى تدريب خاص. وهناك إضافات أخرى وتعديلات موزعة في ثنايا الكتاب يصعب حصرها. والله الموفق. سبتمبر ١٩٨٧ المؤلف

стр. 4

محتويات الكتاب: الصفحة المقدمة ٥١- ٧٥ الباب الأول - دراسات تمهيدية ١٧ فصل الأول: مصادر اللغويين العرب القرآن الكريم ١٧ - القراءات القرآنية ١٩- الحديث النبوي ٣٤ - الشعر ٤٢ - الشواهد النثرية ٥٠ - مآخذ ٥٤. ٥٧ الفصل الثاني: الدراسات اللغوية عند غير العرب تمهيد ٥٧ - الهنود ٥٧ - اليونانيون ٦١- المصريون القدماء ٦٣ - السريان ٦٥ - العبرانيون ٦٧- الصيونيون ٧٤. ٧٦- ٣٣٧ الباب الثاني - الدراسات اللغوية عند العرب الفصل الأول: مرحلة النشأة ٧٩ تأخر البحث اللغوي ٧٩ - غريب ابن عباس ٧٩ - محاولة أبي الأسود لضبط المصحف ٧٩ - علامة التشديد عند أهل المدينة ٨٠ - البدء بجمع المادة ٨٠ - تأخر البحث النحوي عن جمع المادة اللغوية ٨١ - النحو كفن نشأ قبله كعلم ٨٢ - أول من ألفوا في النحو ٨٣ - سبب وضع النحو ٨٦ - أمثلة لأوليات اللحن ٨٦ - الإقواء ٨٨ - عيسى بن عمر ٨٩ - أبو عمرو بن العلاء ٩٠ - عبد الله بن أبي إسحاق ٩٠. ٩٣ الفصل الثاني: الأصوات عرض تاريخي ٩٣ - جهود النحاة ٩٣ - جهود المعجميين ٩٢ - علماء التجويد ٩٥ - المؤلفون في إعجاز العرب وعلوم البلاغة.... .... أصحاب

стр. 5

الموسوعات الأدبية ٩٨ - ابن جنى ١٠٠ - ابن سينا ١٠١ - بعض النتائج الصوتية التي توصل إليها العرب ١١٤ - تعقيب ١١٩. ١٢٣ الفصل الثالث: النحو والصرف..... ..... .... عرض تاريخي ١٢٣ - سيبويه ١٢٣- الرد على سيبويه للمبرد ١٢٤- الانتصار لسيبويه من المبرد لابن ولاد ١٢٥ - أبو جعفر الرؤاسي ومعاذ الهراء ١٢٦ - التنافس بين البصريين والكوفيين ١٢٦ - هل وجدت مدارس نحوية عند العرب ١٢٨ - أهم الفروق بين مدرستي البصرة والكوفة ١٣٦ - ملاحظات ١٣٨ - دعوات التجديد والإصلاح للنحو العربي ١٤٦ - أسباب الشكوى من النحو ١٤٦- الشعوبيون والهجوم على النحو ١٥٢ الكتب الميسرة ١٥٤ - مقترحات إصلاح النحو: ابن ولاد ١٥٦ - أبو العلاء المعري ١٥٧ - ابن حزم ١٥٨- ابن مضاء ١٥٩- قيمة الدراسات النحوية عند العرب ١٥٩. ١٦١ الفصل الرابع: المعجم........ .... ......... ........ ١٦١ ١- مقدمات للموضوع.... .... .... .... .... ....... صعوبة العمل المعجمي ١٦١ - تعريف المعجم ١٦٢- المعجم اللغوي والموسوعة ١٦٢ - أنواع المعاجم ١٦٣ - معنى كلمة معجم واشتقاقها ١٦٣- جمعها ١٦٤- شروط المعجم ١٦٥ - وظيفة المعجم ١٦٥ - الخطوات الإجرائية لإعداد المعجم ١٦٧- أول من استخدم لفظ معجم ١٧٣ - معجم وقاموس ١٧٣.

стр. 6

للصاغاني ٢٥٣- لسان العرب لابن منظور ٢٥٥ - القاموس المحيط للفيروزآبادي ٢٥٧ - نظامه ٢٥٧ - بين الفيروزآبادي والجوهري ٢٥٩ - إضاءة الراموس لابن الطيب الفاسي ٢٦٤ - تاج العروس للزبيدي ٢٦٦- التكملة للزبيدي ٢٦٨ - مدرسة الترتيب بحسب الأبنية: مدخل ٢٦٩ - مرحلة التمهيد ٢٧٠ - مرحلة المعجم الكامل: ديوان الأدب للفارابي ٢٧٣- المقدمة ٢٧٤ - المادة اللغوية ٢٧٥ - التذييلات ٢٧٨- فائدة هذا النوع من المعاجم ٢٧٩ - تقدير القدماء لديوان الأدب ٢٨٠ - عيوبه ٢٨١ - شمس العلوم لنشوان ٢٨٢ - نظامه ٢٨٣- بين ديوان الأدب وشمس العلوم ٢٨٤- مقدمة الأدب للزمخشري ٢٨٦. القسم الثاني: معاجم المعاني: الكتيبات والرسائل اللغوية ٢٨٨ - كتب الصفات والغريب المصنف ٢٨٨- المخصص لابن سيده ٢٨٩ - كفاية المتحفظ لابن الأجدابي ٢٩١- المؤلفات على كفاية المتحفظ ٢٩٣. ٢٩٥ ٣ المآخذ على المعاجم العربية.... ...... .......... ......... إهمال الترتيب الداخلي ٢٩٥ - الخروج على المنهج المرسوم ٢٩٦ - أخطاء الشرح ٢٩٦ - الشرح المعيب ٢٩٨ - إهمال ضبط الكلمة ٢٩٨ - التقليد الأعمى ٢٩٨ - تقييد فترة التسجيل ٣٠٠ - تجاوز وظيفة المعجم ٣٠٠ - جمود المعجم العربي في العصر الحديث ٣٠١.

стр. 7

٣٠٤ ٤- أهم المحاولات لوضع معجم حديث محاولات الأفراد. وضع منهجية جديدة وجهود أحمد فارس الشدياق ٣٠٤ - تأليف المعاجم الميسرة: محيط المحيط ٣١٠- قطر المحيط ٣١٠ - أقرب الموارد ٣١٠ - المنجد ٣١٠ - البستان و"فاكهة البستان" ٣١١- متن اللغة ٣١١ -الرائد ٣١١- المساعد ٣١١ - إعادة ترتيب المعاجم القديمة: ترتيب القاموس المحيط ٣١٣ - مختار القاموس ٣١٣ - المختار من صحاح اللغة ٣١٤ - الإفصاح في فقه اللغة ٣١٤ - معاجم المستشرقين: محاولة فيشر ٣١٦ - معجم لين ٣١٩ - معجم دوزي ٣٢١. محاولات المجامع اللغوية: مجمع اللغة العربية بالقاهرة: ٣٢٢ - المعجم الوسيط ٣٢٣ - المعجم الكبير ٣٢٤ - معجم ألفاظ القرآن الكريم ٣٢٥- مصطلحات العلوم والفنون ٣٢٥- المعجم الوجيز ٣٢٥ - المكتب الدائم لتنسيق التعريب ٣٢٦ - المجمع العلمي العربي بدمشق ٣٢٨. ٣٢٩ ٥ قائمة بكلمات يصعب معرفة أصلها ٣٣٣ الفصل الخامس: الدراسة المقارنة الزعم أن الدراسة المقارنة لم توجد إلا في العصر الحديث ٣٣٣ - قدم الدراسة المقارنة عند العرب ٣٣٣- ابن بارون ٣٣٣- حودة بن قريش٣٣٦. ٣٣٩- ٣٦٥ الباب الثالث - قضية التأثير والتأثر تمهيد ٣٤١.

стр. 8

٣٤٣ الفصل الأول: احتمالات التأثير الأجنبي. ... .... ...... ........ الهنود ٣٤٣ - اليونان ٣٥٠ - السريان ٣٥٢- العبرانيون ٣٥٥. ٣٥٧ الفصل الثاني: احتمالات التأثير العربي ... ... .... النحو السرياني ٣٥٧- النحو القبطي ٣٥٨ - النحو العربي ٣٥٨- المعجم: الهنود ٣٥٩ - الترك ٣٥٩ - ديوان لغات الترك للكاشغري ٣٦٠ - قاموس الأروام لملا صالح ٣٦٣ - الفرس ٣٦٣- استعارة الحروف العربية ٣٦٤- العروض العربي ٣٦٤. ٣٦٧-٣٨٢ مراجع الكتاب:.... ......... ......... ............. .......... ٣٦٩ ١- المراجع العربية. .... ....... ....... ....... ...... ٣٨١ ٢ المراجع الأجنبية ... ..... ...... ....... ........ ... ٣٨٣ كتب أخرى للمؤلف.... .... ........ ..... ....... ...

стр. 9

المقدمة: يتناول هذا الكتاب بالتأريخ الدراسات اللغوية عند العرب، منذ نشأتها المبكرة إلى أن وصلت إلى مرحلة النضج والكمال، ولا يتجاوز ذلك القرن الخامس الهجري بأي حال من الأحوال، ففي هذا القرن اكتملت الاتجاهات المعجمية، وفي القرن الذي قبله وصل الدرس النحوي والصرفي والأصواتي إلى قمته. ولم يعد ما تلا ذلك من الدراسات أن يكون ترديدًا أو شرحًا أو تلخيصًا أو نظمًا لأعمال سابقة. ولم أتجاوز القرن الخامس إلا في حالة واحدة، هي أن أبدأ بالحديث عن اتجاه ما، ثم لا أجده ينتهي بانتهاء هذا القرن، فلم يكن هناك بد من السير بالاتجاه إلى نهايته. وقد حدث هذا -مثلًا- حين تتبعي للمدارس المعجمية، وحدث كذلك حين الكلام عن دعوات التجديد والإصلاح للنحو العربي. ولما كان الحكم على العقلية العربية، وتقييم ما قدمته في ميدان الدراسات اللغوية من أبحاث ونظريات لا يكتمل إلا بمعرفة جهود السابقين والمعاصرين في نفس الميدان، رأيت أن أخصص فصلًا في الباب الأول لعلاج هذا الموضوع واخترت له عنوان "الدراسات اللغوية عند غير العرب". وتسلم هذه الدراسة للأعمال اللغوية الأجنبية - إلى جانب الأعمال اللغوية العربية- إلى تساؤل يتعلق بمدى الصلة بين الجهدين، ومقدار ما قدمه كل طرف للآخر أو أخذه عنه. وقد أفردت لعلاج هذا الموضوع بابًا خاصًّا هو الباب الثالث الذي عالج قضية التأثير من جانبيها ولكن في إيجاز وتركيز. ولست أزعم أن كل ما جاء في هذا الكتاب جديد، فبعضه -وهو قليل- لا جديد فيه على الإطلاق، ومعصه بعضه قديم وضع في ثوب جديد، وبعضه -وهو كثير- جديد بالنسبة للقارئ العربي.

стр. 10

وأرجو أن يغني هذا الكتاب طلاب الدراسات العليا في جامعاتنا العربية عن الرجوع إلى المظان المختلفة وبعضها نادر الوجود وبعضها الآخر مصور أو مخطوط. كما أرجو أن يكون نافذة تفتح عيونهم على كثير من القضايا التي ما تزال معلقة حتى الآن، أو ما تزال في حاجة إلى تحليل وتمحيص. وأحمد الله أن لاقى هذا الكتاب رواجًا كبيرًا لم أكن أتوقعه حتى صدرت له خمس طبعات في خمس عشرة سنة، وقد اقتضاني هذا إعادة النظر فيه عند كل مرة أدفعه إلى المطبعة. وكنت في كل مرة أتجنب ما قد أجده من هفوات أو مواطن وأزيد ما بدا لي ضروريًّا. وتختلف هذه الطبعة عن الطبعات السابقة اختلافًا ملموسًا وتتميز بما يأتي: ١- تحرير القول في موقف اللغويين والنحاة من القراءات القرآنية. ٢- تدقيق النظر في موقف اللغويين من الحديث النبوي الشريف. ٣- إعطاء آراء ابن سيناء الصوتية اهتمامًا خاصًّا بعد أن نُشر كتابه "أسباب حدوث الحروف" نشرة علمية محققة. ٤- توسيع الفصل الخاص بالمعاجم ليلبي حاجات الطلاب والدارسين، وبخاصة بعد أن أصبح علم المعاجم مقررًا مستقلًّا في كثير من الجامعات العربية، وبعد أن تطورت صناعة المعجم على المستوى العالمي. وقد أضفت في هذا الفصل عناوين كثيرة مثل: المعجم اللغوي والموسوعة - الخطوات الإجرائية لإعداد المعجم- مجمل اللغة لابن فارس- دراسة تحليلية لكتاب ابن بري "التنبيه والإيضاح" - التكملة والذيل والصلة للزبيدي- حاضر المعجم العربي-

стр. 11

وضع منهجية جديدة للمعجم العربي وجهود أحمد فارس الشدياق - معجم المساعد للكرملي. كما أضفت بعض الأمثلة التطبيقية على معاجم الترتيب الصوتي والجمهرة والمقاييس نظرًا لصعوبة الكشف فيها، وحاجة مستعملها إلى تدريب خاص. وهناك إضافات أخرى وتعديلات موزعة في ثنايا الكتاب يصعب حصرها. والله الموفق. سبتمبر ١٩٨٧ المؤلف

стр. 12

الباب الأول: دراسات تمهيدية الفصل الأول: مصادر اللغويين العرب القرآن الكريم ... الباب الأول: دراسات تمهيدية الفصل الأول: مصادر اللغويين العرب من الممكن حصر المصادر التي استقى منها اللغويون العرب مادتهم فيما يأتي: ١- القرآن الكريم. ٢- القراءات القرآنية. ٣- الحديث النبوي. ٤- الشعر. ٥- الشواهد النثرية. وإن وجد بينهم خلاف حول بعضها. وإليكم بيان ذلك: ١- القرآن الكريم: وقد اعتبروه في أعلى درجات الفصاحة، وخير ممثل للغة الأدبية المشتركة، ولذا وقفوا منه موقفًا موحدًا فاستشهدوا به، وقبلوا كل ما جاء فيه، ولا يعرف أحد من اللغويين قد تعرض لشيء مما أثبت في المصحف بالنقد والتخطئة١. ويقول الراغب الأصفهاني في كتابه "المفردات" مبينًا قيمة اللفظ القرآني: "ألفاظ القرآن الكريم هي لب كلام العرب

стр. 13

وزبدته، وواسطته، وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء ... وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء ... وما عداها ... كالقشور والنوى بالاضافة إلى أطايب الثمرة". والمراد بالقرآن النص القرآني المدون في المصحف، وهو غير القراءات، يقول الزركشي في "البرهان": "القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان. فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز. والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما ... "١. ويقول الآمدي في "الإحكام": "أما حقيقة الكتاب فقد قيل فيه: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف بالأحرف السبعة المشهورة نقلًا متواترًا"٢. ومن الحقائق المسلمة أن القرآن نزل أولًا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرأوه بلغتهم. ولم يكلف أحد منهم الانتقال عن لغته إلى لغة أخرى للمشقة٣، وكانت الإباحة بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام وذلك بعد الهجرة٤. فلما جاء عثمان وأراد جمع القرآن في المصاحف ونسخها "اقتصر من سائر اللغات على لغة قريش"٥، ولذلك "جعل مع زيد النفر القرشيين لئلا يكون شيء من القرآن مرسومًا على غير لغتهم"٦. وقال عثمان للقرشيين. "إن اختلفتم في شيء أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على لسان قريش فإنما نزل بلسان قريش"٧.

стр. 14

٢- القراءات القرآنية: وهي الوجوه المختلفة التي سمح النبي بقراءة نص المصحف بها قصدًا للتيسير، والتي جاءت وفقًا للهجة من اللهجات العربية. يقول ابن الجزري في كتابه "النشر"١: "فأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها، وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها ... حيث أتاه جبريل فقال له: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال ﷺ : "أسأل الله معافاته ومعونته إن أمتي لا تطيق ذلك، ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف". ويقول: "إن النبي ﷺ بعث إلى جميع الخلق أحمرها وأسودها عربيها وعجميها، وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفة، وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها أو من حرف إلى آخر، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولا بالتعليم والعلاج لا سيما الشيخ والمرأة، ومن لم يقرأ كتابًا ... فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع، وما عسى أن يتكلف وتأبى الطباع". ثم ينقل ابن الجزري عن ابن قتيبة في كتابه "تأويل مشكل القرآن" قوله: "فكان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه ﷺ بأن يُقرئ كل أمة بلغتهم وما جرت عليه عادتهم: فالهذلي يقرأ "عتى حين"

стр. 15

يريد "حتى" ... والقرشي لا يهمز. والآخر يقرأ "قيل لهم" و"غيض الماء" بالإشمام ... وهذا يقرأ "عليهم" و"منهم".. والآخر يقرأ "عليهمو ومنهمو" بالصلة ... إلى غير ذلك.. ولو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلًا وناشئًا وكهلًا لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه". شروط قبول اللغويين للقراءة: يحتاج موقف اللغويين من القراءات القرآنية وشروط قبولهم لها إلى توضيح، لأن هناك خلطًا كثيرًا وقع في هذه القضية. وأحب بادئ ذي بدء أن أميز بين منهجين مختلفين وموقفين متباينين من القراءات القرآنية: أولهما: موقف القراء وعلماء الأصول. والآخر: موقف اللغوييين والنحاة. الفريق الأول حكمته النظرة إلى القراءة باعتبارها وسيلة تعبد وتقرب إلى الله، وشرطًا لصحة الصلاة، ومصدرًا للتشريع. أما الفريق الثاني فقد حكمته النظرة إلى القراءة باعتبارها أحد المصادر اللغوية المعتمدة، وشاهدًا لا يصح النظر إليه بمعزل عن سائر الشواهد اللغوية. الفريق الأول: حين غلب المقياس الديني- وضع لقبول القراءة شروطًا ثلاثة هي: ١- موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا. ٢- موافقة العربية ولو بوجه. ٣- صحة سندها واتصال روايتها١.

стр. 16

أما الفريق الثاني -وهو الذي يهمنا - فقد وضع لصحة القراءة شرطًا واحدًا هو صحة الرواية عن القارئ العدل حتى لو كان فردًا، وسواء رويت القراءة بطريق التواتر أو الآحاد، وسواء كانت سبعية أو عشرية أو شاذة. بل إن ابن جني في كتابه "المحتسب" كان حريصًا على وضع القراءة الشاذة على قدم المساواة مع القراءة السبعية، وذلك في قوله: "إنه نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالرواية من أمامه وورائه. ولعله أو كثيرًا منه مساو في الفصاحة للمجتمع عليه". وإذا كان اللغويون لم يشترطوا النقل المتواتر في أي نص لغوي؛ فلماذا يشترطونه في القراءة القرآنية. وإذا كانوا قد صرحوا بقبول نقل الواحد إذا كان الناقل عدلًا رجلًا كان أو امرأة، حرًّا كان أو عبدًا١ فلماذا يوضع قيد على قبول القراءة دون غيرها؟ بل أكثر من هذا يصرح السيوطي بأن العدالة وإن كانت شرطًا في الراوي فهي ليست شرطًا في العربي الذي يحتج بقوله. وإلى جانب عدم اشتراط اللغوي للتواتر لم يشترط اتصال السند ورفعه إلى الرسول ﷺ واللغويون بهذا يتعاملون مع القراءة على أنها نص عربي رواه أو قرأ به من يوثق في عربيته على فرض التشكك في نسبة القراءة إلى الرسول. وبهذا يدخل في باب الاحتجاج اللغوي كثير مما عده القراء من باب التفسير أو الشرح اللغوي. أما شرط موافقة القراءة لأحد المصاحف للعثمانية؛ فلا يتقيد به اللغوي كذلك. بل هو يرى في هذا الشرط حدًّا من فائدة تعدد القراءات وإضاعة للحكمة من تشريعه، وهي التخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها كما سبق أن ذكرنا. إن العادات النطقية والقدرة على التلفظ ببعض الأصوات دون بعض إنما ترتبط بالجانب الصوتي لا الكتابي. وإلا فأي صعوبة نطقية تتحقق

стр. 17

في أن يقرأ القارئ الكلمة كما قرئت "فتبينوا" أو "فتثبتوا" وأي صعوبة في أن ينطق كلمة "عباد" في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ كما قرأها ابن كثير وابن عامر ونافع وغيرهم "عِنْدَ الرحمن"، أو كما قرأها أُبي وسعيد بن جبير: "عَبْد الرحمن". "بفتح العين وسكون الباء" أو كما قرأها ابن عباس: "عُبَّاد الرحمن" "بضم العين وتشديد الباء"؟ وهل تظهر الحكمة من تعدد القراءات في مثل قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ، حينما قرئت "منه" تارة. "مِنّةً" "بكسر الميم وتشديد النون والنصب" وتارة: "مَنُّه" "بفتح الميم وضم النون المشددة والإضافة"، وتارة: "مِنَّة" "بكسر الميم وتشديد النون والرفع". فإذا كان مثل هذه القراءات يدخل في باب المقبول مع غياب حكمة التخفيف فيها، فلماذا نستبعد قراءات أخرى تبدو حكمة التخفيف واضحة منها لمجرد مخالفتها لرسم المصحف؟ والأمثلة كثيرة على القراءات التي تدخل في باب العادة الكلامية أو الخاصة اللهجية -مما يقبله اللغوي دون تردد- ويستبعده القارئ لمخالفته رسم المصحف مثل: ١- ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْب بِضَنِينٍ﴾ ، التي قرئت: "بِظَنين". وكلنا يلاحظ التداخل بين صوتي الضاد والظاء حتى في لغة المعاصرين، ورسم المصحف لا يسمح بالتبادل بين الضاد والظاء. ٢- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ ، وقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ فقد قرأهما ابن مسعود على خلاف سائر القراء حين أبدل الكاف قافًا في الأولى فصارت "قشطت" وأبدل القاف كافًا في الثانية فصارت، "تكهر". والصلة الصوتية بين القاف والكاف أوضح من أن تحتاج إلى تعليق، ورسم المصحف لا يسمح بالتبادل بين القاف والكاف.

стр. 18

٣- قراءة ابن مسعود: "عتى حين" في: "حتى حين"، وهي خاصة لهجية معروفة منقولة عن هذيل. ٤- ومثل هذا يقال عن قراءة: "إنا أنطيناك الكوثر" بدلًا من ﴿أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ ، وقد قرأ بها كل من الحسن وطلحة وابن محيصن وأم سلمة. بل إنني أرى أن شرط موافقة القراءة لأحد المصاحف العثمانية قد فتح بابًا دخل منه بعض القراء واللغويين الذين غلبوا جانب الرسم على جانب الرواية، فسمحوا بالقراءة بما يوافق الرسم دون التحقق من صحة الرواية، فسمحوا بالقراءة بما يوافق الرسم دون التحقق من صحة الرواية. وهذا باب خطير دخل منه كثير من الطاغين في القراءات حين ردوا كثيرًا مما روى منها إلى الاجتهاد في النطق بما هو مرسوم. ولهذا كان حمزة بن حسن الأصفهاني في كتابه "التنبيه على حدوث التصحيف" حريصًا على أن يوضح أن احتمال الهجاء لا يكفي بل لا بد أن يقرأ بهما لتصيرا قراءتين. أما إذا احتمل الهجاء لفظين ولم يقرأ بهما فلا تصيران قراءتين. وضرب الأصفهاني أمثلة لقراءات وافقت رسم المصحف ولم تصح الرواية فيها فعدت من التصحيف، منها القراءات المنسوبة إلى حماد الراوية، قال الأصفهاني: "وكان حماد الراوية يقرأ القرآن دون رواية فكان يقع في التصحيف"، ومما صحفه، "بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي غِرَّةٍ "بكسر الغين" وَشِقَاقٍ"، بدلًا من ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ، وكذلك: "لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُعنِيهِ" بدلًا من "شأن يغنيه".. وغير ذلك. أما شرط "موافقة العربية ولو بوجه" فلا يرى اللغوي ضرورة له، لأنه أمر متحقق لا محالة حين يتحقق شرط الرواية، ولهذا يقول ابن الجزري: "وقولنا في الضابط: "ولو بوجه" نريد به وجهًا من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة

стр. 19

بالإسناد الصحيح...." وحين أرد بن الجزري أن يمثل لما نقله الثقة ولا وجه له في العربية لم يجد ما يمثل به إلا ما كان من قبيل السهو والخطأ، ومع ذلك عقب بقوله: "وهو قليل جدًّا بل لا يكاد يوجد"١. ومن الغريب أن نجد من بين المشتغلين بالقراءات من المعاصرين من يحاول إسقاط ما عدا القرءات السبع من الكتب، ويرفض إثباتها أو الإشارة إليها لأي غرض من الأغراض. فأقصى ما يمكن أن يقوله قائل: أنه لا تصح الصلاة بغير المتواتر، لأنه ليس بقرآن. ولكن إذا لم يكن قرآنًا، أليس من وجهة النظر اللغوية البحتة كلامًا عربيًّا فصيحًا؟ وإذا كان يحظر التعبد به أو قراءته في الصلاة، أليس هناك مجالات أخرى لروايته والاستشهاد به؟ يقول القسطلاني٢: "إن من قرأ بالشواذ غير معتقد أنها قرآن ولا يوهم أحدًا ذلك، بل لما فيها من الأحكام الشرعية عند من يحتج بها، أو الأحكام الأدبية فلا كلام في جواز قراءتها". وبهذا ينبغي أن تدخل القراءات بجميع درجاتها ومستوياتها في الدرس الأدبي واللغوي دون حرج. نظرة اللغويين إلى القراءة: تختلف نظرة اللغويين إلى القراءة باختلاف الغاية من الاستشهاد بها. فإن كانت الغاية إثبات وجود اللفظ في اللغة، أو ضبط نطقه أو ذكر معناه، أو غير ذلك من النتائج الجزئية التي لا تعمم حكمًا ولا تبني قاعدة، إذا كانت الغاية كذلك فلا يهم كثرة النماذج اللغوية الموافقة لهذه القراءة أو قلتها، كما لا يهم أن تكون القراءة هي النموذج الوحيد المنقول إلينا. وقد قبل اللغويون روايات الآحاد بالنسبة لجميع الشواهد اللغوية في مثل هذه الحالة.

стр. 20

أما إذا كانت الغاية من الاستشهاد وضع قاعدة، أو استنباط حكم أن تقنين نمط فإن اللغوي حينئذ يضع القراءة إلى جانب غيرها من النصوص، ويوازن بينها، ويبني القاعدة على الكثير الشائع، سواء كان مقروءًا به، أو غير مقروء، وسواء كانت القراءة متواترة أو غير متواترة، والقراءة حينئذ لا تتميز بوضع خاص، ولا تنفرد بنظرة معينة بالنسبة لسائر المصادر اللغوية. وكيف تتميز والنص القرآني نفسه لم يعط أي ميزة في مجال التقعيد على غيره من النصوص؟ ألم يتوقف اللغويون عند بعض الآيات القرآنية فحفظوها ولم يقيسوا عليها لأنها لم تأت طبقًا للنموذج الشائع في لغة العرب؟ أينا يسمح بأن يقيس المتعلم على الآية القرآنية "إنّ" بنون مشددة "هذان لساحران" فيرفع الطرفين بعد "إنّ"؟ "الآية ٦٣ طه" وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي من القراء السبعة. ومثل هذا يقال عن قراءة معظم السبعة ﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ "النساء ١٦٢". فالقراءة إذن في مجال التقنين والتقعيد لا تعزل عن بقية المصادر اللغوية وهي القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر الجاهلي والإسلامي ومأثور النثر من حكم وأمثال وخطب ... وهي توضع مع غيرها في سلة واحدة ويصنف الجميع ويحلل ثم توضع القاعدة على ما تثبت كثرته ويتضح شيوعه واطراده، لأنه هو الذي يمثل اللغة المشتركة أو القاعدة التي يجب محاكاتها والالتزام بها. ومعنى هذا أن معيار اللغوي ومنهجه يختلف عن معيار القارئ ومنهجه، وأن أي محاولة لفرض منهج القراءة على اللغويين سيعني فرض منهج علم على علم آخر، كما سيظهر اللغوي بمظهر المضطرب أو المتناقض في أقواله وأفعاله.

стр. 21

وعلى هذا فحين يقول اللغويون عن القراءات. ١- "والقراء لم يطالبوا بأن يحملوا القراءة على ما يجوز في كلام العرب بل إن قراءتهم مردودة إلى الرواية" "رسالة الملائكة للمعري". ٢- "الرواية تصلها إلى رسول الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وهذا حكم عام في المعاني والألفاظ "المحتسب لابن جني". ٣- "والسلامة عند أهل الدين إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال: إحداهما أجود من الأخرى لأنهما جميعًا عن النبي ﷺ فيأثم من قال ذلك" "إعراب القرآن للنحاس". فليس معنى هذا أنهم لا بد أن يقعدوا عليها بصورة مطلقة، وأن يخالفوا أمثلتهم الكثيرة ليبنوا على ما كان منها قليلًا. كما أنه ليس معنى رفضهم التقعيد على بعض القراءات أنهم يرفضون قبول القراءات ككل. وبهذا يمكننا أن نفهم وجهة نظر اللغويين القدماء الذين استبعدوا من مجال الاستشهاد قراءات سبعية مثل: ١- قراءة ابن عامر: "وَكَذلِك زُيّنَ" -بضم الزاي- "لِكَثِيرٍ مِن الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ" -بضم اللام- "أَوْلادَهِمْ" -بفتح الدال- "شُرَكَائهم" بالفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. ٢- قراءة حمزة: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ" بالجر على عطف الظاهر على الضمير المتصل دون إعادة حرف الجر. وقد وضح أبو على الفارسي ذلك قائلًا: "وهذا ضعيف في القياس وقليل في الاستعمال، وما كان كذلك فترك الأخذ به أحسن".

стр. 22

٣- قراءة نافع: "وَجَعَلْنَا لَكُم فِيْهَا مَعَائِش" بإبداء ياء مفعلة همزة في الجمع، وهي ليست زائدة. وقد قال المازني تعليقًا على هذه القراءة: "أصل أخذ هذه القراءة عن نافع، ولم يكن يدري ما العربية"، وقال الزجاج: "ولا أعلم لها وجهًا إلا التشبيه بصحيفة وصحائف، ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة". وفي نفس الوقت قبلوا في الاستشهاد قراءات غير سبعية مثل: أ- قراءة الحسن: "اهبطوا مصر" بمنع مصر من الصرف. ب- قراءة الحسن: "ولا خوف" بفتحة واحدة "عليهم ولا هم يحزنون". ح- قراءة الأعمش: "وإن منها لما يهبط" بضم الباء "من خشية الله". فالنوع الأول وإن حقق شروط القراء لم يحقق شروط اللغويين، والنوع الثاني وإن لم يحقق شروط القراء فقد حقق شروط اللغويين. مناقشة اللغويين المعاصرين: أدى عدم تفرقة كثير من اللغويين المعاصرين بين الاستشهاد بالقراءة في مجال اللغة والاستشهاد بها في مجال النحو، وعدم التزام كثير من النحاة بالاستشهاد بالقراءة في مجال النحو رغم تصريحاتهم الكثيرة بأن القراءة سنة، وأن الرواية تصلها إلى الرسول - أدى هذا وذاك إلى التلبيس على كثير من الباحثين وإيقاعهم في الحيرة والاضطراب حين أرادوا التوفيق بين تصريحات اللغويين ومواقف النحاة: "أ" فالدكتور عبد الفتاح شلبي١ يرى أن موقف قدامى النحاة من القراءات كان موقف مهادنة لأن مدرسة الإقراء ومدرسة النحو

стр. 23

نشأتا متصلتين، ثم حينما أخذتا في الانفصال تميزتا حتى بلغ من انفراج الشقة بينهما أن عرض النحاة المتأخرون بمشايخ القراء وضعفهم في العربية. ونحن لا نستطيع أن نسلم بهذا الرأي بعد أن وجدنا من النحاة الأول من كان يلحن القراء ويتعرض لهم بالنقد والتخطئة. ١- فقد حكى البغدادي في خزانته أن النحاة في عصر أبي عمرو ابن العلاء أنكروا على القراء قراءتهم "وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِي" بكسر الياء، ففزع أحدهم إلى أبي عمرو بن العلاء قائلًا له: إن أصحاب النحو يلحنوننا فيها، فقال له: هي جائزة أيضًا لا تبال١. وممن طعن في هذه القراءة من قدامى النحاة الفراء الذي وصفها بأنها من وهم القراء إذ ظنوا أن الباء في "بِمُصْرخي" خافضة للفظ كله، مع أن الياء للمتكلم٢. كذلك طعن فيها أبو عبيدة وقال: "نراهم قد غلطوا ظنا أن الباء تكسر لما بعدها". وطعن فيها أيضًا أبو حاتم والأخفش والزجاج وغيرهم٣. ٢- قرأ نافع وابن عامر: "أَتُحَاجُوني" بنون خفيفة، كما قرأ نافع: "فَبِمَ تُبَشِّرُون". وقد خطأ أبو عمرو بن العلاء القراءتين محتجًّا بأنه لا يقال. "أنتم تقوموا" بحذف نون الأعراب٤ كما خطأها

стр. 24

أبو حاتم وقال: "هذا يكون في الشعر اضطرارًا"١. ٣- قرأ الحسن وزيد بن علي وعيسى بن عمر، وسعيد بن جبير، ومحمد بن مروان السدي: "هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرَ لَكُم"٢ بنصب أطهر. وقد قال أبو عمرو بن العلاء في شأن هذه القراءة: "من قرأ: "هُنّ أَطْهَرَ لَكُم" فقد تربع في لحنه"٣. وقال الخليل: هذا لا يجوز. وقال سيبويه: احتبى ابن جؤية في اللحن في قوله: "هُنّ أَطْهَرَ لَكُم"٤. ٤- قرأ حمزة: "ولا يحسبن الَّذِين كفروا سبقوا"، وقد قال النحاس عن هذه القراءة: وما علمت أحدًا من أهل العربية بصريًّا ولا كوفيًّا إلا وهو يمنع أن تقرأ هذه القراءة٥. ٥- قرأ الحسن وأبو جعفر: "أَنْ نُتخذ مِن دونك مِن أولياء" بضم نون نتخذ، وقد قال عن هذه القراءة أبو عمرو بن العلاء وعيسى ابن عمر: لا يجوز نتخذ، إذ لو كانت كذلك لحذفت "مِن" الثانية فقلت: "أن نتخذ من دونك أولياء"٦. ٦- قرأ بعضهم: "وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم" ففصل بالمفعول بين المضاف والمضاف إليه. وقد قال أبو حيان عن هذه القراءة: "جمهور البصريين يمنعونها متقدموهم ومتأخروهم"٧.

стр. 25

"ب" والدكتور مهدي المخزومي بقسم النحاة إلى فريقين فالبصريون يلجئون إلى التأويل عند مواجهتهم قراءة من القراءات السبع لا سبيل إلى إنكارها، ويغلطون ما عداها. أما الكوفيون فلهم موقف آخر يغاير البصريين كل المغايرة. فقد قبلوا القراءات واحتجوا بها وعقدوا على ما جاء فيها كثيرًا من أصولهم وأحكامهم. وهم إذا رجحوا القراءات التي يجتمع القراء عليها فلا يرفضون غيرها، ولا يغلطونها، لأنها صواب عندهم أيضًا. كذلك يعد الدكتور المخزومي القراءات المختلفة - حتى الشاذ منها- من مصادر دراسات الفراء، ويقول: إنه لا يني يستشهد بها ويصوبها ويحتج بها١. "ج" والأستاذ إبراهيم مصطفى يقول: كان في حلب ... مدرسة نحوية عظيمة أسسها أبو عبد الله الحسين بن أشهد بن خالويه "سنة ٣٧٠" وأبو الفتح عثمان بن جني المتوفي سنة ٣٩٢. ولهذه المدرسة أسلوب في البحث يتميز بعنايتها بالقرآن وجمع روايته وتوجيه ما سمي منها شاذًّا"٢ وقريب منه ما يقوله الدكتور عبد الفتاح شلبي عن ابن جني من "أنه كان أسلم موقفًا من شيخه الفارسي ومن المبرد بتأليفه كتاب المحتسب"٣. ولا يسعنا كذلك أن نسلم بأي من هذه الآراء، فقد اتضح لنا بعد طول البحث والاستقصاء أن موقف النحويين من القراءات موقف موحد لا يختلف فيه كوفي عن بصري، ولا يشذ فيه ابن خالويه أو ابن جني أو غيرهما عنهم. فهم جميعًا كانوا ينقدون القراءة ويقيسونها بمقاييسهم النحوية وهم جميعًا كانوا لا يتورعون عن تخطئة القراءة سواء كانت سبعيه أو عشرية أو شاذة أو غيرها، وهم جميعًا كانوا لا يقطعون القراءة إلا إذا وجدوا لها من كلام العرب نظيرًا، وهم جميعًا كانوا

стр. 26

لا يتحرجون عن تخطئة القراءة أو تلحينها إذا عجزوا عن فهمها أو توجيهها، لا فرق في ذلك بين من اشتغل بالقراءة إلى جانب النحو أو تخصص للدرس النحوي. ونعرض من بين القراءات التي خطأها ابن خالويه وابن جني الأمثلة الآتية: ١- قرأ بعضهم: "وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَال" وقد قال ابن خالويه عن هذه القراءة: وإنما يجوز مثل هذا في الشعر كقول الشاعر: فلو أن واش باليمامة١. ٢- ويقول ابن خالويه في قراءة: "سَاحِرَانِ تَظّاهَرَا" بالتشديد: تشديده لحن لأنه فعل ماض وإنما تشدد في المضارع٢. ٣- ويقول كذلك ابن خالويه في قراءة: "وَلَه أَخّ" بالتشديد: فقال ابن دريد: التشديد لغة وقال ابن خالويه: وأهل العربية يرونه لحنًا. وغير ذلك٣. ٤- قرأ الحسن: "وَمَا تَنَزّلَتْ بِه الشَّيَاطُون"، وقد قال عنها ابن جني: "الشياطون غلط"٤، على الرغم مما هو ثابت أنها قد سمعت من بعض العرب فقد حكى أبو العلاء المعري في كتابه "عبث الوليد" عن بعض العلماء أنه سمع أعرابيًّا يقول: "هذه بساتون بني فلان"٥.

стр. 27

٥- قرأ يحيى بن عامر: "وإن أدرىَ لعله"، "وإن أدرىَ أقريب" وقد قال ابن جني: "أنكر ابن مجاهد تحريك هاتين الياءين، وظاهر الأمر لعمري كذلك"١. ٦- قرأ ابن محيصن: "ثم أطّره" وقد قال ابن جني: "هذه لغة مرذولة"٢. أما القراءات التي خطأها الكوفيون فقد سبقت نماذج منها ونضيف ما يأتي إلى ما سبق: ١- قرأ بعضهم: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" وقد قال عنها الفراء: "وفيه قبح"٣. ٢ - قال الفراء في قراءة الحسن: "وما تنزلت به الشياطون": "غلط الشيخ"٤. ٣ استقبح الكسائي قراءة: "بيت طائفة" بادغام التاء في الطاء، مع أنها قراءة أبي عمرو والكوفيين٥. نعم إن الكوفيين كانوا أقل تخطئة للقراءات، وأكثر قبولًا لها من البصريين، ولكن ذلك لا يرجع- في نظرنا- إلى احترامهم للقراءات وحسن تقبلهم لها، وإنما يرجع إلى ما عرفوا به من توسع في أصول اللغة، وقياس على القليل، واعتداد بالمثال الواحد٦، فأمكنهم بذلك توجيه كثير من القراءات وتخريجها على مقتضى أصولهم. ومن هنا قلت تخطئتهم لها. وإذا كان الدكتور مهدي المخزومي قد ساق أمثلة قبل فيها الكوفيون.

стр. 28

بعض القراءات وصححوها١، فإن هذا لا يكفي لإثبات دعواه. وقد ذكرنا أمثلة مضادة تكفي لهدم تلك الفكرة، ولا نزعم أنها كل ما أنكره الكوفيون من قراءات. وإذا كان الكوفيون -كما يقول الدكتور مهدي المخزومي- يستشهدون بالقراءات فلماذا يحاولون الاستدلال على صحتها بالتماس وجه لها في العربية تخرج عليه؟ ولماذا يخطئون ما يعجزون عن تخريجه؟ وأنت ترى ذلك واضحًا في قول إمام من أئمتهم وهو الفراء: "وقرأ الحسن: "إلا من هو صال الجحيم" فإن كان أراد واحدًا فليس بجائز، لأنك لا تقول هذا قاض ولا رام "بالضم"، وإن يكن عرف فيها لغة مقلوبة مثل عاث وعثا فهو صواب"٢ فعلام هذا الترديد؟ ولماذا يتوقف تصحيح القراءة على سماع نظير لها من لغة العرب؟ لقد اشتهر الكوفيون بأنهم يقيسون على المثال الواحد، فلماذا لا يقيسون على القراءة ولو لم يكن لها نظير فيما نقلوه من لغة العرب، ويعتبرونها هي المثال الواحد؟. إن ترك هذا يعني -في نظرنا- أن القراءة عندهم لا ترقى إلى مرتبة الشاهد في الاستدلال، ويعني كذلك أن القراءة لا يوثق فيها بمفردها، ولا يصح الاستشهاد بها إلا مع سند من كلام العرب وهذا ينفي فكرة استشهادهم بالقراءات واحترامهم لها. وليس معنى هذا أنهم كانوا يرفضون كل لفظ يرد في القراءات وإنما معناه أنهم كانوا لا يكتفون بالقراءات حين يرد فيها لفظ من الألفاظ بل يدعمونها بنص آخر شعري أو نثري حتى يمكن أن يؤخذ بها. ونحن لا نعيب على النحاة عدم استشهادهم المطلق بالقراءات ورفضهم بناء اللغة الأدبية المشتركة عليها إلا ما وافق منها الأصول العامة وجرى على النمط العربي الفصيح، فذلك عين الصواب كما سبق.

стр. 29

أن بينا، وإنما نعيب عليهم وصفهم بعض القراءات بأنه قبيح أو رديء أو وهم أو غلط١. وقد كان في إمكانهم أن يصفوها بأنها جاءت على لهجة محلية أو أقل فصاحة فلا تبني عليها قاعدة، دون أن يطعنوا على القارئ أو يشككوا في صحة القراءة. ونحن لا ندعي -ولا غيرنا- أن القراءات كلها على مستوى واحد من الفصاحة٢، فما هي في معظم حالاتها إلا تمثيل للهجات، واللهجات تتفاوت فيما بينها في درجات الفصاحة، ولهذا يقول أبو نصر القشيري: "فإننا لا ندعي أن كل القراءات على أرفع الدرجات في الفصاحة"٣. وقد كان الطبري أكثر توفيقًا في تعليقه على بعض القراءات حين كان يقول: "وأعجب القراءتين إليّ كذا"، وكذلك كان الفراء في تعليقات له مثل "وأنه لأحب الوجهين إليّ"، ومثل: "ولست أشتهي ذلك".

стр. 30

٣- الحديث النبوي: المشهور بين الباحثين أن قدامى اللغويين والنحاة كانوا يرفضون الاستشهاد بالحديث في اللغة، فلا يستندون إليه في إثبات ألفاظها أو وضع قواعدها، يقول الشيخ أحمد الإسكندري: "مضت ثمانية قرون والعلماء من أول أبي الأسود الدؤلي إلى ابن مالك لا يحتجون بلفظ الحديث في اللغة إلا الأحاديث المتواترة"١. ويقول أبو حيان معترضًا على ابن مالك لاستشهاده بالحديث: "على أن الواضعين الأولين لعلم النحو والمستقرئين للأحكام من لسان العرب، والمستبطين المقاييس كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من أئمة البصريين، وكمعاذ والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين لم يفعلوا ذلك"٢. وقد حاول المتأخرون أن يعللوا هذا الرفض المزعوم وانتهوا إلى أنه يرجع لسببين: أحدهما أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى والثاني أنه وقع اللحن كثيرًا فيما روي من الحديث لأن كثيرًا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع٣. والذي نحب أن نلفت النظر إليه أن هؤلاء القدماء الذين نسب إليهم رفضهم الاستشهاد بالحديث لم يثيروا هذه المسألة، ولم يناقشوا مبدأ الاحتجاج بالحديث، وبالتالي لم يصرحوا برفض الاستشهاد به. وإنما هو استنتاج من المتأخرين الذين لاحظوا -خطأ- أن القدامى لم يستشهدوا بالحديث، فبنوا عليه أنهم يرفضون الاستشهاد به، ثم حاولوا تعليل ذلك. وهناك أسباب كثيرة تحمل على الشك في صحة ما نسب إلى الأقدمين من رفضهم الاستشهاد بالحديث، بل هناك من الدلائل ما يكاد يقطع -إن لم يكن يقطع فعلًا- أنهم كانوا يستشهدون به ويبنون عليه قواعدهم، سواء منهم من اشتغل باللغة أو النحو أو بهما معا.

стр. 31

ولهذا لا يسع الباحث المدقق أن يسلم بما ادعاه المتأخرون وسنده في ذلك ما يأتي: ١- أن الأحاديث أصح سندًا من كثير مما ينقل من أشعار العرب. ولهذا قال صاحب "المصباح المنير" بعد أن استشهد بحديث: "فأثنوا عليه شرًّا" على صحة إطلاق الثناء على الذكر بشر - قال: "قد نقل هذا العدل الضابط عن العدل الضابط عن العرب الفصحاء عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم يكتفون بالنقل عن واحد ولا يعرف حاله"١. ٢- أن من المحدثين من ذهب إلى "أنه لا تجوز الرواية بالمعنى إلا لمن أحاط بجميع دقائق اللغة، وكانت جميع المحسنات الفائقة بأقسامها على ذكر منه فيراعيها في نظم كلامه. وإلا فلا يجوز له روايته بالمعنى"٢. على أن المجوزين للرواية بالمعنى معترفون بأن الرواية باللفظ هي الأولى، ولم يجيزوا النقل بالمعنى إلا فيما لم يدون في الكتب، وفي حالة الضرورة فقط٣. وقد ثبت أن كثيرًا من الرواة في الصدر الأول كانت لهم كتب يرجعون إليها عند الرواية. ولا شك أن كتابة الحديث تساعد على روايته بلفظه وحفظه عن ظهر قلب مما يبعده عن أن يدخله غلط أو تصحيف٤. ٣- أن كثيرًا من الأحاديث دون في الصدر الأول قبل فساد اللغة على أيدي رجال يحتج بأقوالهم في العربية. فالتبديل على فرض ثبوته إنما كان ممن يسوغ الاحتجاج بكلامه، فغايته تبديل لفظ يصح الاحتجاج به بلفظ كذلك٥.

стр. 32

٤- أن هناك أحاديث عرف اعتناء ناقلها بلفظها لمقصود خاص، كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته ﷺ ككتابه لهمدان، وكتابه لوائل ابن حجر، والأمثال النبوية ١. ٥- وإذا كان قد وقع في رواية بعض الأحاديث غلط أو تصحيف؛ فإن هذا لا يقتضي ترك الاحتجاج به جملة، وإنما غايته ترك الاحتجاج بهذه الأحاديث فقط، وحمله على قلة ضبط أحد الرواة في هذه الألفاظ خاصة٢، وقد وقع في الأشعار غلط وتصحيف، ومع ذلك فهي حجة من غير خلاف، وإذا كان العسكري قد ألف كتابًا في تصحيف رواة الحديث، فقد ألف كتابًا فيما وقع من أصحاب اللغة والشعر من التصحيف٣. ٦ لو صح أن القدماء لم يستشهدوا بالحديث فليس معناه أنهم كانوا لا يجيزون الاستشهاد به، إذ لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به"٤، فقد تكون العلة لتركه "عدم تعاطيهم إياه". وقد ثبت فعلًا أن أوائل النحاة من شيوخ سيبويه حتى زمن تدوين صحيح البخاري لم يكثروا من الاستشهاد بالحديث لأنه لم يكن مدونًا في زمانهم٥. ٧- على أني وجدت من قدامى اللغويين من استشهد بالحديث في مسائل اللغة كأبي عمرو بن العلاء٦ والخليل٧ والكسائي٨.

стр. 33

والفراء "١" والأصمعي "٢" وأبي عبيد "٣" وابن الأعرابي "٤" وابن السكيت "٥" وأبي حاتم "٦" وابن قتيبة ٧ والمبرد ٨ وابن دريد ٩ وأبي جعفر النحاس١٠ وابن خالويه١١ والأزهري ١٢ والفارابي ١٣ والصاحب بن عباد ١٤ وابن فارس ١٥ والجوهري ١٦ وابن سيده ١٧ وابن منظور والفيروزأبادي وغيرهم. ولا يختلف موقف النحاة عن هذا، إذ لا يعقل أن يستشهد الخليل مثلًا بالحديث في اللغة، ثم لا يستشهد به

стр. 34

في النحو، وهما صنوان يخرجان من أصل واحد، وممن استشهد بالحديث من النحاة: أبو عمرو بن العلاء والخليل وسيبويه ١ والفراء ٢ والكوفيون ٣ والمبرد٤ والزجاجي والزمخشري٥ وابن خروف٦ وابن الخباز٧ وابن مالك٨ وابن عقيل٩ وابن الدماميني ١٠ والأشموني١١ والسيوطي وغيرهم وغيرهم ١٢ وفاقهم في ذلك كل ابن مالك وبلغ الذروة في كتابه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" حيث عقده للأحاديث التي يشكل إعرابها، وذكر لها وجوهًا يستبين بها أنها من قبيل العربي الصحيح. بل إن ابن الضائع "١٣" وأبا حيان١٤ وهما على رأس من رفض الاستشهاد بالحديث لم تخل كتبهما من

стр. 35

بعض الحديث. وقد فطن إلى هذا ابن الطيب الفاسي فقال: "بل رأيت الاستشهاد بالحديث في كلام أبي حيان نفسه مرات ولا سيما في مسائل الصرف"١. ولكن إحقاقًا للحق أقول: إن شواهد النحاة من الحديث ليست في غزارة شواهد اللغويين وكثرتها. فهي قليلة بالنسبة إليها وبخاصة عند قدامى النحاة. وقد رأينا كيف أن سيبويه لم يستشهد إلا بثلاثة عشر حديثًا فقط. ٨- وقد وجدت في "المزهر" للسيوطي نصًّا يؤيد ما ذهبت إليه، فهو يقول: "قال أبو الحسن الشاري: ومذهبي ومذهب شيخي أبي ذر الخشني وأبي الحسن بن خروف أن الزبيدي أخل بكتاب العين كثيرًا لحذفه شواهد القرآن والحديث وصحيح أشعار العرب منه ... ولما علم بذلك الإمام ابن التياني عمل كتابه "فتح العين" وأتى فيه بما في العين من صحيح اللغة ... دون إخلال بشيء من شواهد القرآن والحديث ... "٢. فهذا صريح في أن الخليل كان يستشهد بالحديث في كتابه "العين". ولم يكن الخليل بدعًا من اللغويين، فما صنعه الخليل صنعه غيره من أئمة اللغة. ٩- وقد انتهى ابن الطيب الفاسي إلى نفس النتيجة التي انتهيت إليها إذ قال: "ذهب إلى الاحتجاج بالحديث الشريف جمع من أئمة اللغة منهم ابن مالك وابن هشام والجوهري وصاحب البديع والحريري وابن سيده وابن فارس وابن خروف وابن جني وابن بري والسهيلي....

стр. 36

وغيرهم ممن يطول ذكره. وهو الذي ينبغي التعويل عليه والمصير إليه. على أنا لا نعلم أحدًا من علماء العربية خالف في هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان في "شرح التسهيل"، وأبو الحسن بن الضائع في "شرح الجمل" وتابعهما ... السيوطي"١. ١٠- كذلك انتهت الدكتورة خديجة الحديثي إلى ما انتهيت إليه وأرخت بداية الاحتجاج بالحديث النبوي بأبي عمرو بن العلاء والخليل وسيبويه٢. وإذن فقد كان المتأخرون مخطئين فيما ادعوه من رفض القدماء الاستشهاد بالحديث، وكانوا واهمين حينما ظنوا أنهم هم أيضًا برفضهم الاستشهاد بالحديث إنما يتأثرون خطاهم وينهجون نهجهم. ونحن نحمل ابن الضائع وأبا حيان تبعة شيوع هذه القضية الخاطئة، فهما أول من روج لها ونادى بها٣، وعنهما أخذها العلماء دون تمحيص أو تحقيق، ثقة في حكمها أو تخففًا من البحث وركونًا إلى الراحة والتماسًا لأيسر السبل. ولعل منشأ تلك الفكرة الخاطئة ما يأتي: ١- أن القدماء لم ينصوا على الاستشهاد بالحديث واكتفوا بدخوله تحت المعنى العام لكلمة "النصوص الأدبية القديمة" ثم حين جاء من تلوهم ودونوا هذه الفكرة كانوا يفهمون ذلك فلم يخصوا الحديث بنص مستقل، فلما جاء ابن الضائع وأبو حيان وغيرهما، ولم يجدوا نصًّا مستقلًّا يعد الحديث من مصادر اللغة ظنوا أن القدماء لم يكونوا

стр. 37

يستشهدون به وسجلوا هذا الظن على أنه حقيقة واقعة. وجاء من بعدهم فنقلوا عنهم دون تمحيص وتابعوهم من غير بحث. ويؤيد هذا الافتراض أن السيوطي١ استنبط من قول بعضهم: "النحو علم يستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب الله تعالى وكلام فصحاء العرب" أن اللغويين لم يكونوا يستشهدون بالحديث، فعقب على ذلك بقوله: "فقصره عليهما ولم يذكر الحديث". ٢- أن سيبويه في احتجاجه بالحديث لم يكن يقدم له بما يوضح أنه من الحديث، فالتبس الحديث بغيره على الباحثين حتى نسب إليه أبو حيان وغيره عدم الاحتجاج بالحديث. وربما كان السبب في إغفال سيبويه للنسبة أنه كان يحتج بالحديث بأي عبارة منثورة من كلام العرب الفصحاء ... ولم يكن إغفاله النسبة إلى النبي خارجًا عما فعله مع معظم الشواهد الشعرية والنثرية التي لم يهتم بنسبتها إلى شخص معين٢.

стр. 38

٤- الشعر: لاقى الشعر اهتمامًا كبيرًا من اللغويين واعتبروه الدعامة الأولى لهم حتى لقد تخصصت كلمة الشاهد فيما بعد وأصبحت مقصورة على الشعر فقط. ولذلك نجد كتب الشواهد لا تحوي غير الشعر ولا تهتم بما عداه. وقد كان اللغويون يستشهدون بالشعر المجهول قائله إن صدر عن ثقة يعتمد عليه. ولذا اعتبروا الأبيات التي وردت في كتاب سيبويه أصح شواهد اعتمد عليها خلف بعد سلف مع أن فيها أبياتا عديدة جهل قائلوها١. وقد كان سيبويه يحرص على إطلاق البيت من النسبة فكان إذا استشهد ببيت لم يذكر ناظمه. وإنما امتنع سيبويه عن تسمية الشعراء "لأنه كره أن يذكر الشاعر وبعض الشعر يروي لشاعرين، وبعضه مجهول لا يعرف قائله لأنه قدم العهد به". وأما الأبيات المنسوبة في الكتاب إلى قائليها "فالنسبة حادثة بعده، اعتنى بنسبتها الجرمي. قال الجرمي: نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتًا. فأما الألف فعرفت أسماء قائليها فأثبتها، وأما خمسون فلم أعرف أسماء قائليها"٢. بل إن اللغويين والنحاة قد صرحوا بأن تعدد الروايات في البيت الواحد لا يسقط حجيتها، وأن كل رواية -ما دامت قد نقلت عن ثقة- يصح الاستشهاد بها. يقول ابن ولاد: "الرواة عن الفرزدق وغيره من الشعراء قد تغير البيت على لغتها وترويه على مذاهبها مما يوافق لغة الشاعر ويخالفها. ولذلك كثرت الروايات في البيت الواحد ... ولغة الرواة من العرب في البيت الواحد يجعل كل رواية حجة إذا رواها فصيح، لأنه يغير البيت إلى ما في لغته، فيجعل ذلك أهل العربية حجة"٣. وحديثنا عن الشاهد الشعري يجرنا إلى الحديث عن قضية "الضرورة الشعرية" أو ما يسمى "بضرورة الشعر" حينما يحاول اللغوي أو النحوي أن يستبعد البيت من مجال الاستشهاد. فما حد هذه الضرورة؟ ومتى يكون الشاعر مضطرًّا اضطرارًا يسقط حجية الاستشهاد ببيته؟ لقد اختلف النحاة في ذلك إلى فريقين: ففريق يرى -وهو جمهورهم-

стр. 39

أن الضرورة هي "ما وقع في الشعر مما لم يقع في النثر سواء أكان للشاعر غنه مندوحة أم لا"١. ومذهب ابن مالك -وهو الصحيح عن سيبويه- أنها "ما ليس للشاعر مندوحة عنه"٢. ويبين أثر هذا الخلاف فيما جاء في الشعر ووجدت فيه المندوحة، فالجمهور يقصره على السماع، وابن مالك يقيس عليه. "ولذلك أجاز وصل ال بالمضارع قليلًا، ولم يجعله ضرورة استدلالًا بقوله: ما أنت بالحكم الترضى حكومته لتمكنه من أن يقول: "المرضي حكومته"٣. وحيث لم يقل ذلك مع الاستطاعة، ففي ذلك، أشعار بالاختيار وعدم الاضطرار"٤. وكأني بأصحاب المذهب الأول قد وسعوا في مدلول الضرورة، وأطلقوها دون قيد لتكون سيفًا مصلتًا، وسلاحًا يشهرونه في وجه كل بيت يخالف قواعدهم ويعجزون عن تخريجه؛ فيجدون المخلص في هذا الوصف السهل يلقونه دون نظر أو تفكير. وكأن ذلك لم يكفهم فرموا بعض الأبيات بالضرورة، لا فرارًا من الإخلال بالوزن أو القافية، بل فرارًا من الزحاف، وهو ما تأباه النظرة الفاحصة المتأنية. ولهذا نجد أبا العلاء المعري في كثير من كتبه -وقد كان ذا نظرة تحررية- يهاجم رأي الجمهور وينصر مذهب الأقلية، ولا يترك فرصة للذود عنه والانتصار له إلا انتهزها فهو يرى أن الزحاف لا يحمل الشاعر على ارتكاب ضرورة، فهو كثير في الشعر، وبخاصة في بعض الأوزان.

стр. 40

وهو يرى أن من الأبيات الشعرية ما يختل وزنها إن غيرت، فهذه هي محل الضرورة، ومنها ما لا يكون تغييرها مخلًّا بالنظم، فهي كالنثر لا يصح أن يقال عنها: إنها ضرورة ولهذا فهو يقول في رسالة الملائكة: "ينشد قول أبي ذؤيب الهذلي: تركوا هوى وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع ولو أنشد هواي لم يكن بالوزن بأس. والاستشهاد بالشعر على نوعين: أحدهما لا مزية فيه للمنظوم على المنثور، والآخر يكون حكم الموزون فيه غير حكم النثر. فالضرب الأول كبيت أبي ذؤيب الذي مر، وكقول الآخر. أنا ابن النارك البكري بشر ... عليه الطير ترقبه وقوعا فخفض "بشر" ونصبه لا فضيلة فيه للوزن، وكذلك خفض "البكري" ونصبه، لأنه قويم في الحالين. والضرب الآخر هو الذي يكون الوزن إن غير عما استشهد به عليه لحقه إخلال كقوله: ألا من مبلغ الحرين عني ... مغلغلة وخص بها أبيا يطوّف بي عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا فهذا لا يمكن إلا على لغة من قال قفي"١. ويقول في موضوع آخر: "وأنشد الفراء قول زهير": عليهن فرسان كرام لباسهم ... سوابيغ زغف لا تخرقها نبل فهذه زيادة بغير ضرورة، لأنه لو حذف لم يضر بالبيت"٢. ويقول في بيت الهذلي: أبيت على معاري فاخرات ... بهن ملوب كدم العباط الذي يدعي النحاة أنه ضرورة، يقول أبو العلاء: "ولو قال معار
следующие страницы →