← Язык

Язык · id 8670

البحث اللغوي عند العرب

أحمد مختار عمر

Полный текст (362 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وغيرهم ممن يطول ذكره. وهو الذي ينبغي التعويل عليه والمصير إليه. على أنا لا نعلم أحدًا من علماء العربية خالف في هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان في "شرح التسهيل"، وأبو الحسن بن الضائع في "شرح الجمل" وتابعهما ... السيوطي"١. ١٠- كذلك انتهت الدكتورة خديجة الحديثي إلى ما انتهيت إليه وأرخت بداية الاحتجاج بالحديث النبوي بأبي عمرو بن العلاء والخليل وسيبويه٢. وإذن فقد كان المتأخرون مخطئين فيما ادعوه من رفض القدماء الاستشهاد بالحديث، وكانوا واهمين حينما ظنوا أنهم هم أيضًا برفضهم الاستشهاد بالحديث إنما يتأثرون خطاهم وينهجون نهجهم. ونحن نحمل ابن الضائع وأبا حيان تبعة شيوع هذه القضية الخاطئة، فهما أول من روج لها ونادى بها٣، وعنهما أخذها العلماء دون تمحيص أو تحقيق، ثقة في حكمها أو تخففًا من البحث وركونًا إلى الراحة والتماسًا لأيسر السبل. ولعل منشأ تلك الفكرة الخاطئة ما يأتي: ١- أن القدماء لم ينصوا على الاستشهاد بالحديث واكتفوا بدخوله تحت المعنى العام لكلمة "النصوص الأدبية القديمة" ثم حين جاء من تلوهم ودونوا هذه الفكرة كانوا يفهمون ذلك فلم يخصوا الحديث بنص مستقل، فلما جاء ابن الضائع وأبو حيان وغيرهما، ولم يجدوا نصًّا مستقلًّا يعد الحديث من مصادر اللغة ظنوا أن القدماء لم يكونوا

стр. 37

يستشهدون به وسجلوا هذا الظن على أنه حقيقة واقعة. وجاء من بعدهم فنقلوا عنهم دون تمحيص وتابعوهم من غير بحث. ويؤيد هذا الافتراض أن السيوطي١ استنبط من قول بعضهم: "النحو علم يستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب الله تعالى وكلام فصحاء العرب" أن اللغويين لم يكونوا يستشهدون بالحديث، فعقب على ذلك بقوله: "فقصره عليهما ولم يذكر الحديث". ٢- أن سيبويه في احتجاجه بالحديث لم يكن يقدم له بما يوضح أنه من الحديث، فالتبس الحديث بغيره على الباحثين حتى نسب إليه أبو حيان وغيره عدم الاحتجاج بالحديث. وربما كان السبب في إغفال سيبويه للنسبة أنه كان يحتج بالحديث بأي عبارة منثورة من كلام العرب الفصحاء ... ولم يكن إغفاله النسبة إلى النبي خارجًا عما فعله مع معظم الشواهد الشعرية والنثرية التي لم يهتم بنسبتها إلى شخص معين٢.

стр. 38

٤- الشعر: لاقى الشعر اهتمامًا كبيرًا من اللغويين واعتبروه الدعامة الأولى لهم حتى لقد تخصصت كلمة الشاهد فيما بعد وأصبحت مقصورة على الشعر فقط. ولذلك نجد كتب الشواهد لا تحوي غير الشعر ولا تهتم بما عداه. وقد كان اللغويون يستشهدون بالشعر المجهول قائله إن صدر عن ثقة يعتمد عليه. ولذا اعتبروا الأبيات التي وردت في كتاب سيبويه أصح شواهد اعتمد عليها خلف بعد سلف مع أن فيها أبياتا عديدة جهل قائلوها١. وقد كان سيبويه يحرص على إطلاق البيت من النسبة فكان إذا استشهد ببيت لم يذكر ناظمه. وإنما امتنع سيبويه عن تسمية الشعراء "لأنه كره أن يذكر الشاعر وبعض الشعر يروي لشاعرين، وبعضه مجهول لا يعرف قائله لأنه قدم العهد به". وأما الأبيات المنسوبة في الكتاب إلى قائليها "فالنسبة حادثة بعده، اعتنى بنسبتها الجرمي. قال الجرمي: نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتًا. فأما الألف فعرفت أسماء قائليها فأثبتها، وأما خمسون فلم أعرف أسماء قائليها"٢. بل إن اللغويين والنحاة قد صرحوا بأن تعدد الروايات في البيت الواحد لا يسقط حجيتها، وأن كل رواية -ما دامت قد نقلت عن ثقة- يصح الاستشهاد بها. يقول ابن ولاد: "الرواة عن الفرزدق وغيره من الشعراء قد تغير البيت على لغتها وترويه على مذاهبها مما يوافق لغة الشاعر ويخالفها. ولذلك كثرت الروايات في البيت الواحد ... ولغة الرواة من العرب في البيت الواحد يجعل كل رواية حجة إذا رواها فصيح، لأنه يغير البيت إلى ما في لغته، فيجعل ذلك أهل العربية حجة"٣. وحديثنا عن الشاهد الشعري يجرنا إلى الحديث عن قضية "الضرورة الشعرية" أو ما يسمى "بضرورة الشعر" حينما يحاول اللغوي أو النحوي أن يستبعد البيت من مجال الاستشهاد. فما حد هذه الضرورة؟ ومتى يكون الشاعر مضطرًّا اضطرارًا يسقط حجية الاستشهاد ببيته؟ لقد اختلف النحاة في ذلك إلى فريقين: ففريق يرى -وهو جمهورهم-

стр. 39

أن الضرورة هي "ما وقع في الشعر مما لم يقع في النثر سواء أكان للشاعر غنه مندوحة أم لا"١. ومذهب ابن مالك -وهو الصحيح عن سيبويه- أنها "ما ليس للشاعر مندوحة عنه"٢. ويبين أثر هذا الخلاف فيما جاء في الشعر ووجدت فيه المندوحة، فالجمهور يقصره على السماع، وابن مالك يقيس عليه. "ولذلك أجاز وصل ال بالمضارع قليلًا، ولم يجعله ضرورة استدلالًا بقوله: ما أنت بالحكم الترضى حكومته لتمكنه من أن يقول: "المرضي حكومته"٣. وحيث لم يقل ذلك مع الاستطاعة، ففي ذلك، أشعار بالاختيار وعدم الاضطرار"٤. وكأني بأصحاب المذهب الأول قد وسعوا في مدلول الضرورة، وأطلقوها دون قيد لتكون سيفًا مصلتًا، وسلاحًا يشهرونه في وجه كل بيت يخالف قواعدهم ويعجزون عن تخريجه؛ فيجدون المخلص في هذا الوصف السهل يلقونه دون نظر أو تفكير. وكأن ذلك لم يكفهم فرموا بعض الأبيات بالضرورة، لا فرارًا من الإخلال بالوزن أو القافية، بل فرارًا من الزحاف، وهو ما تأباه النظرة الفاحصة المتأنية. ولهذا نجد أبا العلاء المعري في كثير من كتبه -وقد كان ذا نظرة تحررية- يهاجم رأي الجمهور وينصر مذهب الأقلية، ولا يترك فرصة للذود عنه والانتصار له إلا انتهزها فهو يرى أن الزحاف لا يحمل الشاعر على ارتكاب ضرورة، فهو كثير في الشعر، وبخاصة في بعض الأوزان.

стр. 40

وهو يرى أن من الأبيات الشعرية ما يختل وزنها إن غيرت، فهذه هي محل الضرورة، ومنها ما لا يكون تغييرها مخلًّا بالنظم، فهي كالنثر لا يصح أن يقال عنها: إنها ضرورة ولهذا فهو يقول في رسالة الملائكة: "ينشد قول أبي ذؤيب الهذلي: تركوا هوى وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع ولو أنشد هواي لم يكن بالوزن بأس. والاستشهاد بالشعر على نوعين: أحدهما لا مزية فيه للمنظوم على المنثور، والآخر يكون حكم الموزون فيه غير حكم النثر. فالضرب الأول كبيت أبي ذؤيب الذي مر، وكقول الآخر. أنا ابن النارك البكري بشر ... عليه الطير ترقبه وقوعا فخفض "بشر" ونصبه لا فضيلة فيه للوزن، وكذلك خفض "البكري" ونصبه، لأنه قويم في الحالين. والضرب الآخر هو الذي يكون الوزن إن غير عما استشهد به عليه لحقه إخلال كقوله: ألا من مبلغ الحرين عني ... مغلغلة وخص بها أبيا يطوّف بي عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا فهذا لا يمكن إلا على لغة من قال قفي"١. ويقول في موضوع آخر: "وأنشد الفراء قول زهير": عليهن فرسان كرام لباسهم ... سوابيغ زغف لا تخرقها نبل فهذه زيادة بغير ضرورة، لأنه لو حذف لم يضر بالبيت"٢. ويقول في بيت الهذلي: أبيت على معاري فاخرات ... بهن ملوب كدم العباط الذي يدعي النحاة أنه ضرورة، يقول أبو العلاء: "ولو قال معار

стр. 41

فاخرات لم يخل بالبيت"١ فلن يكون فيه سوى تسكين لام "مفاعلتن" فأين هي الضرورة؟ وكأنما شعر النحاة بانهيار دعواهم أمام تلك الحجة القوية، فحاولوا أن يلتمسوا مخلصًا لهم، فادعوا أن الشاعر ارتكب هذه الضرورة كراهة الزحاف، فقال أبو العلاء مفندًا تلك الحجة: "وهذا قول ينتقض، لأن في هذه الطائية أبياتًا كثيرة لا تخلو من زحاف. وكل قصيدة للعرب وغيرها على هذا القريّ كقوله: عرفت بأجدث فنعاف عرق ... علامات كتحبير النماط فيه زحافان من هذا الجنس، ثم يجيء في كل الأبيات إلا أن يندر شيء"٢. وكأنما حاول بعضهم أن يتعلل بأن هذا الزحاف -مع كثرته في شعرهم- قد يخل بموسيقى البيت، فرد عليه أبو العلاء بأن حركة الزحاف هذه لا تنفر منها الأذن "ولا يشعر بها في الغريزة"٣. وأيًّا ما كان الأمر فقد قسم اللغويون الشعراء إلى طبقات أربع هي: ١- الشعراء الجاهليون، وهم قبل الإسلام. ٢- الشعراء المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام. ٣- الشعراء الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق، وآخرهم ابن هرمة. قال: الأصمعي: "ختم الشعر بابن هرمة"٤، وقال أبو عبيدة: "افتتح الشعر بامرئ القيس، وختم بابن هرمة"٥.

стр. 42

٤- المولدون، وهم من بعدهم إلى زماننا هذا كبشار وأبي نواس١. فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعًا، وإن كان من بينهم بعض شعراء طعن فيهم، كعدي بن زيد، وأبي دؤاد الأيادي. قال الأصمعي: "عدي بن زيد وأبو دؤاد الإيادي لا تروي العرب أشعارهما لأن ألفاظهما ليست نجدية"٢. وقال المرزباني: "كان عدي بن زيد يسكن الحيرة، ويراكن الريف فلان لسانه وسهل منطقه"٣. أما الطبقة الثالثة فالصحيح جواز الاستشهاد بشعرها. وقد كان أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البصري وعبد الله بن شبرمة يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم.. وكانوا يعدونهم من المولدين٣. وقد كان الأصمعي ينكر أبرق الرجل وأرعد، فلما احتج عليه ببيت الكميت: أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر لما احتج عليه ببيت الكميت هذا قال: ليس بيت الكميت بحجة، إنما هو مولد٤. وقال الأصمعي: "جلست إلى أبي عمرو بن العلاء ثماني حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي"٥. ومع تحري العلماء جانب الصواب. ووضعهم شروطًا في الرواة على نمط شروط المحدثين في رواة الحديث فقد دست عليهم بعض الأشعار،

стр. 43

فجاء في شواهدهم أبيات لم تسلم من الظنة. ومن ذلك استشهاد سيبويه بقول الشاعر: حذرًا أمورًا لا تُخاف وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار فهذا البيت مصنوع ومع ذلك رواه سيبويه في "الكتاب": "ذكر أبو يحيى اللاحقي أن سيبويه سأله: هل تعدي العرب فعلًا؟ قال فوضعت له هذا البيت". وممن قال بوضعه كذلك الصفدي في "نفوذ السهم"١.ومن ذلك استشهاد الفارابي اللغوي بقول امريء القيس: وعمرو بن درماء الهمام إذا غدا ... بذي شطب عضب كمشية قسورا على أنه أراد قسورة فحذف التاء٢. وقد أنكر أبو العلاء المعري هذا البيت ورأى أنه مصنوع وعبر عن ذلك بطريقته الخاصة التي عرف بها في رسالة الغفران فأجرى حوارًا بين صاحبه ابن القارح وامرئ القيس جاء فيه: "وإنا لنروي لك بيتًا ما هو في كل الروايات، وأظنه مصنوعًا لأن فيه ما لم تجر عادتك بمثله وهو قولك ... قسورًا، فيقول "امرؤ القيس": أبعد الله الآخر، لقد اخترص فما اترص وان نسبة هذا إليّ لأعده إحدى الوصمات"٣. وأما الطبقة الرابعة فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقًا، ومنهم من أباح الاستشهاد بكلام من يوثق به منهم، ومن هؤلاء الزمخشري اللغوي والنحوي المشهور الذي كان يرى الاحتجاج بشعر أبي تمام٤.

стр. 44

وغيره من أئمة اللغة ورواتها، ويقول ردًّا على من سأله كيف يستشهد في الكشاف بشعر لأبي تمام: "اجعل ما ينظمه بمنزلة ما يرويه". يشير إلى مجموع أبي تمام المعروف باسم "ديوان الحماسة" والذي تلقاه العلماء بالقبول والثقة. وإذا كان الزمخشري يصرح بثقته في شعر أبي تمام وأضرابه ولذا فهو يستشهد به، فهناك من اللغويين من استشهد في استخفاء بشعراء من هذه الطبقة. ومن هؤلاء الخليل بن أحمد الذي استشهد في "العين" بحفص الأموي وبشار بن برد١. ونسب إلى سيبويه أنه استشهد في كتابه ببيت لبشار بعد أن توعده بالهجاء. "وأصحاب بشار يروون له هذا البيت: وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب وفي كتاب سيبويه نصف هذا البيت الآخر، وهو في باب الإدغام لم يسم قائله"٢. وفي العصر الحديث ارتفعت أصوات تنادي بإباحة الاستشهاد بالأدباء والشعراء المشهورين حتى وقتنا الحاضر، بشرط موت الشاعر، لأن المعاصرة حجاب كما يقولون، وبشرط أن يكون الشاعر ممن شهد لهم بالفصاحة والبيان. ونسي هؤلاء أن الشاعر أو الأديب لا يعد من زعماء البيان إلا إذا صحت لغته واستقام لسانه، ولن يتم له ذلك إلا إذا جرى على النمط العربي السليم. ومتى فعل ذلك فقد صار عربيًّا بلغته، وتماثلت اللغتان بل تطابقتا وبهذا فهو لم يخلق شيئًا لم يعرفه العرب ولم يأت بجديد. بالإضافة إلى أن مؤهلات الزعامة لا ضابط لها، وقد تفتح بابًا لدخول كل طامع. ولكننا نجد من أصحاب هذا الرأي من يقولون لقد ورد في شعر بعض المعاصرين ما لم يرد في شعر القدماء مثل شوقي الذي يقول:

стр. 45

ولي بين الضلوع دم ولحم ... هما الواهي الذي ثكل الشبابا حيث أخبر عن المثنى بالمفرد، ومثل قوله أيضًا: إن عزًّا لم يظلل في غد ... بجناحيك ذليل مستباح حيث نفى بلم المستقبل بدليل قوله: "في غد" و"لم" لنفي الماضي١.

стр. 46

٥- الشواهد النثرية: تشمل الشواهد النثرية نوعين من المادة اللغوية: أحدهما: ما جاء في شكل خطبة أو وصية أو مثل أو حكمة أو نادرة. وهذا يعد من آداب العرب الهامة ويأخذ في الاستشهاد به مكانة الشعر وشروطه. وآخرهما: ما نقل عن بعض الأعراب ومن يستشهد بكلامهم في حديثهم العادي، دون أن يتحقق له من التأنق والذيوع مثل ما تحقق للأول. وقد وضع اللغويون شروطًا تشمل الزمان والمكان بالنسبة لهذا النوع من المادة. أما من ناحية الزمان، فقد حددوا نهاية الفترة التي يستشهد بها بآخر القرن الثاني الهجري بالنسبة لعرب الأمصار، وآخر القرن الرابع بالنسبة لعرب البادية١. وأما المكان فقد ربطوه بفكرة البداوة والحضارة، فكلما كانت القبيلة بدوية أو أقرب إلى حياة البداوة كانت لغتها أفصح، والثقة فيها أكثر، وكلما كانت متحضرة، أو أقرب إلى حياة الحضارة كانت لغتها محل شك ومثار شبهة، ولذلك تجنبوا الأخذ

стр. 47

عنها. وفكرتهم في ذلك أن الانعزال في كبد الصحراء، وعدم الاتصال بالأجناس الأجنبية يحفظ للغة نقاوتها ويصونها عن أي مؤثر خارجي، وأن الاختلاط يفسد اللغة وينحرف بالألسنة، وأول من روى لنا قائمة محددة بالقبائل التي يستشهد بها والتي لا يستشهد بها الفارابي في كتابه "الألفاظ والحروف". وتعد هذه القائمة وثيقة هامة تناقلتها كتب اللغة المتأخرة مثل "شرح التسهيل" لأبي حيان "والمزهر" و "الاقتراح" للسيوطي. وهذا هو نص الوثيقة: "كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانة عما في النفس. والذين نقلت عنهم اللغة العربية، وبهم اقتدى، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس وتميم وأسد. فإن هؤلاء هم الذين عنهم أخذ أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب وفي التصريف. ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين. ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فلم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام لمجاورتهم أهل مصر والقبط. ولا من قضاعة وغسان وإياد لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب والنمر١، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان. ولا من بكر لمجاورتهم للنبط٢ والفرس. ولا من عبد القيس وأزد عمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس. ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة. ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة

стр. 48

صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم. والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها علمًا وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب"١. وجاء ابن خلدون؛ فأيد في مقدمته رأي الفارابي، وأوضح هذه الفكرة، وارتكز على نفس الأساس السابق، وإن كنا نجد بعض فروق طفيفة في تحديد أسماء القبائل. يقول ابن خلدون: "الصريح من النسب إنما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم، وذلك لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الأحوال ... فلا ينزع إليهم أحد من الأمم. فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط أنسابهم.. واعتبر ذلك في مضر من قريش، وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة، لما كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع ولا ضرع، وبعدوا من أرياف الشام والعراق ومعادن الأدم والحبوب ... وأما العرب الذين كانوا بالتلول، وفي معادن الخصب للمراعي والعيش من حمير وكهلان مثل لخم وجذام وغسان وطييء وقضاعة وإياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم٢. ويظهر أن هذه القائمة لم تكن محل اتفاق بين جميع اللغويين، ويظهر كذلك أن البصريين كانوا أكثر تمسكًا بها من الكوفيين، ولهذا كانوا يفتخرون بقولهم: "نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وهؤلاء "يعنون الكوفيين" أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكوميخ وأكلة الشواريز٣. كما كانوا يتهمونهم بأنهم يأخذون اللغة عن غير الفصحاء، يقول أبو جعفر النحاس: "واحد الآناء إني لا يعرف البصريون غيره. وحكى الفراء واحد الآناء إني ...

стр. 49

وللفراء في هذا الباب في كتاب المقصور والممدود أشياء قد جاء بها ... قد أنكرت عليه، ورواها الأصمعي، وابن السكيت، والمتقنون من أهل اللغة على خلاف ما روى. والذي يقال في هذا: إنه مأمون على ما رواه، غير أن سماع الكوفيين أكثره عن غير الفصحاء"١. وممن لم يلتزمها من المتأخرين ابن مالك في مؤلفاته. قال السيوطي بعد أن نقل هذه القائمة: "ونقل ذلك أبو حيان في "شرح التسهيل" معترضًا به على ابن مالك حيث عنى في كتبه بنقل لخم وخزاعة وقضاعة وغيرهم، وقال: ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن"٢. كذلك كانت هذه القائمة محل نقد من بعض المعاصرين، كما فعل الدكتور مهدي المخزومي الذي يرى أن التفرقة بين القبائل خطأ منهجي، ويشرح ذلك بقوله: "ولا نرى هذا إلا لغو الكلام. إنهم يجهلون أن اللغة سليقة وطبيعة، ويجهلون أن صاحب اللغة لا يغلط في لغته، لأنها جزء من حياته التي فطر عليها وعادة من عاداته التي نشأ عليها. وإذا كان الجاهليون يغلطون، والمخضرمون يغلطون، والإسلاميون يغلطون، فعلى من بعد هؤلاء يعتمد النحاة؟ بماذا يحتجون؟ ومن أين جاءوا بهذه الأصول التي وضعوها، وهذه القواعد التي استنبطوها". ثم يناقش فكرتها في وجود الفصاحة في كبد الصحراء فقط بعيدة عن ملابسات الحضارة فيقول: "ولو كان مقياس الفصاحة هو الانعزال في كبد الصحراء وعدم الاتصال بالأجانب؛ لكانت لغة قريش أبعد اللغات عن الفصاحة، ولا قائل بهذا"٣ والدكتور المخزومي على حق في هذا، فقريش كانت تسكن مكة وما حولها، وهم أهل تجارة، والتجارة تؤدي إلى الاختلاط، والاختلاط يفسد اللغة على حد زعمهم. فعلام التفريق اذن بين قريش.

стр. 50

وتلك القبائل التي اتهمت في فصاحتها؟ ولِم أخذوا عن قريش ورفضوا الأخذ عن غيرها ممن وجد في حالة مشابهة لحالتها١؟. ويلاحظ أن علماء اللغة جميعًا في حال الرواية لم يجيزوا الاعتماد على النص المكتوب، وإنما استندوا أساسًا على المشافهة والتلقي، وحذروا العالم من الاعتماد على النص المدون، وحذروا المتعلم من تلقي العلم على من يفعل ذلك. ومن أقوالهم المشهورة: "لا تأخذوا العلم عن صحفي، ولا القرآن عن مصحفي". وهم بذلك لا يختلفون كثيرًا عن المنهج الحديث الذي يعتمد على الراوي اللغوي، ويعتمد على الكلام المنطوق دون المكتوب. ولكننا نأخذ عليهم بعض مآخذ مثل: ١- عدم استمرار المشافهة طوال فترة الدراسة، ولجوء بعضهم إلى مشافهات الآخرين يعتمدون عليها. ٢ تكميل الثغرات بالمنطق والقياس لا بمعاودة المشافهة. ٣ اعتقادهم أن اللغة شيء وراثي يتناقله الأبناء عن الآباء وترضعه الأمهات للأطفال. ولهذا سيطرت عليهم فكرة ارتباط الفصاحة بالجنس ارتباطًا وثيقًا، وأنكروا على الفارسي أو اليوناني إمكان اتقان اللغة العربية كما يتقنها أهلوها من العرب مهما بذلوا في تعلمها، وثابروا في المران عليها، وتلقوها منذ الصغر، ومهما كان حضورهم مبكرًا إلى الجزيرة العربية، ولو أجنة في بطون أمهاتهم، ومهما كان حظهم من الثقافة العربية. ولهذا كان اللغويون العرب يرفضون الأخذ عن ابن المقفع لأصله الفارسي، برغم فصاحته وتلقيه اللغة منذ نعومة أظفاره،

стр. 51

في حين كانوا لا يتورعون عن الاستشهاد بكلام الأطفال والمجانين. قال السيوطي: "قال ابن دريد في أماليه: أخبرنا عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: سمعت صبية بحمى ضرية "بين البصرة والكوفة" يتراجزون فوقفت وصدوني عن حاجتي، وأقبلت أكتب ما أسمع إذ أقبل شيخ فقال لي: أتكتب كلام هؤلاء الأقزام الأدناع". وقال: "وكذلك لم أرهم توقوا أشعار المجانين من العرب بل رووها واحتجوا بها"١. ٤- خلطهم الشواهد الشعرية بالشواهد النثرية، ومحاولة استخلاص قواعد عامة تجمعها مع أنه من المعروف أن للشعر قواعده ونظمه الخاصة التي ينفرد بها. ٥ أنهم لم يكثروا من الاستشهاد بالحديث مع أنه أهم من الشعر في ميدان البحث اللغوي، لأنه من النثر الذي لا تحكمه ضرورة من وزن أو قافية، ولأنه يعطي الباحث اللغوي صورة صحيحة لروح عصره بخلاف الشعر الذي يحتوي على كثير من الصيغ الفنية والعبارات المتكلفة التي تبعده عن تمثيل الحياة العادية وتنئيه عن الروح السائدة في عصره. ٦- أنهم خلطوا مستويين من اللغة لا يصح الخلط بينهما، وهما مستوى اللغة الأدبية النموذجية الممثلة في القرآن والحديث والشعر والخطب والأمثال، ومستوى اللهجات العامية المتمثلة في القراءات القرآنية ولغة الخطاب. ٧ أنهم لم يكونوا على حق في ربطهم الفصاحة بالبداوة، لأن اللغة بنت الحاجة والاستعمال، واللغة لا تنشأ في فراغ، وإنما لتعبر عن

стр. 52

تجارب واحتياجات وثقافات معينة. ولا شك أن تجارب البدوي واحتياجاته تختلف عن تجارب الحضري واحتياجاته، ولذلك ليس من المعقول أن تغني إحدى اللغتين عن الأخرى، وليس من الحق أن نعد لغة البدوي أرقى من لغة الحضري برغم أنها لا تفي باحتياجاته. ٨- أن عنايتهم باللهجات العربية كانت ضئيلة، فهم أولًا قد أبعدوا جزءًا منها من مجال التسجيل اللغوي، وهم ثانيًا لم يكونوا حريصين على تسمية اللهجة، مما تركنا في ظلام دامس حين نريد تتبع الظواهر اللهجية الحديثة ونردها إلى أصلها القديم. وفرق بين أن نسجل اللهجة وننسبها، وبين أن نقيم عليها قاعدة تكون نموذجًا لمن يريد أن يحتذى الصواب. ٩- أن جميع علماء اللغة لم يكونوا يعرفون شيئًا عن اللغات السامية كالعبرية والسريانية معرفة صحيحة، فنشأ عن ذلك أنهم لم يوفقوا في بيان المعاني الدقيقة التي يؤديها كثير من الكلمات العربية في أصل وضعها ونشأ عن ذلك أيضًا وقوعهم في أغلاط فيما يتعلق بالاشتقاق. كما أن معرفتهم المحدودة باللغات الأجنبية جعلتهم غير موفقين في رد كثير من الكلمات المعربة إلى أصولها الأجنبية.

стр. 53

الفصل الثاني: الدراسات اللغوية عند غير العرب مدخل ... الفصل الثاني: الدراسات اللغوية عند غير العرب تمهيد: ليس من همنا في هذا الفصل أن نعرض بالتفصيل للجهود اللغوية التي قام بها غير العرب من اللغويين، وإنما همنا أن نعرض صورة موجزة لأهم هذه الجهود. كذلك ليس من همنا أن نعرض لكل الجهود اللغوية الأجنبية، وإنما همنا أن نعرض للجهود التي سبقت أو عاصرت الدراسات اللغوية عند العرب: وليس هذا البحث مقصودًا لذاته، وإنما هدفه الأساسي خدمة بحث تال يتناول قضية التأثير والتأثر، ويناقش احتمالات التأثير الأجنبي على الدراسات اللغوية العربية والعكس. وسوف نحصر أنفسنا في الدراسات اللغوية عند الشعوب التالية وحدها: ١- الهنود. ٢ اليونانيون. ٣ المصريون القدماء. ٤ السريان. ٥ العبرانيون. ٦ الصينيون.

стр. 54

١- الهنود: ظهرت في الهند القديمة دراسات للغة السنسكريتية "لغة الهند الكلاسيكية" على مستوى عال من التنظيم والدقة. ولربما كان الهنود أسبق -حتى من اليونانيين- في هذا الميدان، سواء من ناحية الزمن أو ناحية القيمة. وقد أثرت عن الهنود دراسات، في فروع علم اللغة المختلفة تتناول الأصوات والاشتقاق والنحو والمعاجم، كما تتناول كثيرًا من مشكلات فقه اللغة، ويرجع أقدم هذه الدراسات إلى فترة مجهولة لنا، أما أقدم ما وصلنا منها فيرجع إلى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد. ويحتاج عرض الدراسات اللغوية عند الهنود إلى حيز كبير لا يسمح به المقام، ولذا سنكتفي بإشارات سريعة، تاركين التفصيلات إلى بحث آخر١. أما الدراسة الصوتية عندهم فكانت متنوعة وشاملة لمعظم جوانب هذا العلم. فدرسوا الصوت المفرد وقسموه إلى علل وأنصاف علل وسواكن وقسموا العلل إلى بسيطة ومركبة، كما قسموا السواكن بحسب مخارجها. وتوصل الهنود إلى أثر القفل في إنتاج الأصوات الانفجارية، والفتح في إنتاج أصوات العلة والتضييق في إنتاج الأصوات الاحتكاكية. وتحدث الهنود عن كيفية تسرب الهواء من التجويف الحنجري، وذكروا أنه إذا فتح ما بين الوترين الصوتيين ينتج النفس وإذا ضيق ما بينهما ينتج الصوت، وصرحوا بأن النَّفَس يحدث في حالة الأصوات الساكنة المهموسة، والصوت في حالة السواكن المجهورة أو العلل. ولم يكتف الهنود بالحديث عن الصوت المفرد فتحدثوا عن المقطع، وكان حديثهم مفصلًا بشكل مثير للدهشة. كذلك وضع الهنود قواعد دقيقة للنبر في لغتهم القديمة، واعتبروه من خصائص العلل لا السواكن، وقسموه إلى درجات ثلاث.

стр. 55

ويكفي الهنود فخرًا أن تكون جهودهم الصوتية هي الأساس الذي بني عليه علماء الأصوات المحدثون. يقول بروفسر ألن: "إن الاتصال بين الهنود القدماء والمدارس الغربية الحديثة في دراسة اللغة أشد وأوثق في مجال الأصوات عنه في مجال النحو". ويعترف العلامة فرث الإنجليزي أن المدرسة الأصواتية الإنجليزية لم تنشأ في القرن التاسع عشر إلا على أكتاف المعلومات التي قدمها وليم جونز عن النحاة والأصواتيين الهنود. وأما في مجال النحو، فإنه من غير المبالغ فيه أن نقول: إن هذا العلم لم يلق من العناية في أي بلد من بلاد العالم مثل ما لقيه من الهنود. وقد كان في الهند القديمة ما يقرب من اثنتي عشرة مدرسة نحوية مختلفة، وأكثر من ثلثمائة مؤلف في النحو، ووصلتنا فعلًا دراسات تزيد على الألف عدًّا بعضها أصلي وبعضها شارح. ويمثل بانيني١ فترة النضج في الدراسات النحوية عند الهنود، ولذا نال كتابه المسمى "الأقسام الثمانية" شهرة غطت على أي مؤلف آخر سبقه أو لحقه. وقد كتب بانيني تأليفه في شكل قواعد مختصرة، وبذل فيه جهدًا ضخمًا للتوفيق بين الآراء والاتجاهات المتعارضة التي كانت موجودة حينئذ. وأهم ما يميز النحو الهندي:

стр. 56

١- أنه بدأ بجمع المادة اللغوية وتصنيفها، ثم انتقل إلى استخلاص الحقائق منها. فنقطة البداية في النحو الهندي مختلفة عنها في اليوناني، الذي بدأ من الفلسفة وحاول أن يطبق القواعد الفلسفية على حقائق اللغة. ٢- أنه سبق النحو اليوناني في تحديد أقسام الكلام "اسم - فعل - حروف إضافة - أدوات". ٣- أنه حلل هذه الأقسام إلى عواملها الأولية فميز بين الجذر أو الأصل، وبين الزيادة أو الحروف التشكيلية. ٤ عرف النحو الهندي الأعداد الثلاثة: المفرد والمثنى والجمع منذ عصر مبكر. ٥- قسم النحو الهندي الفعل السنسكريتي إلى ثلاثة أقسام بحسب الزمن وهي: ماض وحاضر ومستقبل. وأما الأعمال المعجمية عند الهنود فقد بدأت في شكل قوائم تضم الألفاظ الصعبة الموجودة في نصوصهم المقدسة، ثم تطور هذا النظام فألحق بكل لفظ في القائمة شرحًا لمعناه، ويمكن أن يعتبر هذا العمل من نوع "معاجم الموضوعات" أو "معاجم المعاني" وبعد ذلك ظهرت كتب لا تقصر نفسها على ألفاظ النصوص المقدسة، وأقدم ما وصلنا من هذه الكتب معجم ظهر في القرن السادس الميلادي، أو قبله، لمؤلف بوذي اسمه أمارا سنها Amara Sinha وقد ضم هذا المعجم "واسمه Amara Kosa" جزءا ضم كلمات المترادفات، وجزءا في كلمات المشترك اللفظي، وجزءا عن الكلمات غير المتصرفة والكلمات المذكرة أو المؤنثة أو المحايدة: ويعيب هذا الكتاب وأمثاله أنه كتب في شكل منظوم ليسهل حفظه وأنه لم يتبع أي ترتيب ييسر اللجوء إليه والعثور على المراد بسرعة، فيما عدا المشترك اللفظي الذي رتب بحسب الحروف الساكنة في أواخر كلماته. ولا نجد عملًا آخر يستحق الإشارة إليه بعد ذلك سوى معجم كتب في القرن الحادي عشر الميلادي، وهو معجم ضخم رتبت الكلمات فيه أولًا بحسب عدد مقاطعها ثم بحسب الجنس "مذكر ومؤنث" ثم بحسب الحرف الأول.

стр. 57

٢- اليونانيون: أول عمل لغوي في اليونان -وقد تم بالطبع قبل وصول أي تسجيلات- كان تطوير نظام هجائي للكتابة في أوائل الألف قبل الميلاد. وفي هذا النظام الهجائي مثل اليونانيون كل الأصوات سواء السواكن منها والعلل، وفيما بعد مثلوا كذلك النبر برموز خاصة به١. أما التفكير اللغوي فقد بدأ مرتبطًا بالفلسفة Philosophia وهي علم كان يغطي مجالًا أوسع عند اليونانيين القدماء من المصطلح philosophy اليوم. ولذلك فإن أسماء اللغويين اليونانيين الأولين هي أسماء فلاسفتهم الأولين. وربما كان أقدم ما وصلنا من أبحاث اليونانيين يرجع إلى حوالي القرن السادس قبل الميلاد على أيدي السوفسطائيين. وبعد ذلك نجد سقراط يدلي برأيه في بعض مشكلات اللغة ويليه أفلاطون "٤٢٨ق م إلى ٣٤٨ ق م" وأرسطو "٣٨٤ ق م إلى ٣٢٢ ق م"٢. وربما كان من أهم المشاكل التي لفتت أنظار اليونانيين موضوع اللغة نفسها وهل هي أمر طبيعي أو عرفي ناتج عن اتفاق البشر. وقد خصص أفلاطون جزءًا من محاوراته لمعالجة هذه القضية وعرض وجهتي النظر المختلفتين. كما عالج أصل الكلمات أو موضوع العلاقة بين الاسم والمسمى٣. وتطور النقاش بعد ذلك ليصل إلى أيدي القياسيين Analogists والشذوذيين Anomalists، فقال الأولون: إن اللغة فطرية وقياسية ومنطقية، وقال الآخرون: إن عدم

стр. 58

اطراد اللغة خير دليل على بطلان الرأي الأول١. وعلى الرغم من أن أفلاطون لم يسبق آراءه اللغوية بشكل مترابط، ولم يجمعها في مكان واحد- فقد عده الباحثون رائد الدراسات النحوية اليونانية "وأول فاحص للمشكلات النحوية"٢. ويعد أفلاطون أول من فرق بين الاسم والفعل كما أنه أعطانا تقسيمًا ثلاثيًّا للأصوات يمكن أن يكون: أصوات العلة -الأصوات الساكنة المجهورة- الأصوات الساكنة المهموسة٣. وأقر أرسطو تقسيم أفلاطون للكلمة إلى اسم وفعل وزاد عليها قسمًا ثالثًا سماه رابطه. وذلك أنه شعر أن الأفعال والأسماء تؤدي معاني مستقلة في حين أن سائر الكلمات ليس لها إلا الوظيفة النحوية فقط٤. وبعد ذلك انتقلت الدراسات اللغوية إلى أيدي الرواقيين Stoics الذين فصلوها عن الفلسفة واعتبرت حينئذ فرعًا مستقلًّا تحت الحقل الواسع المسمى Philosophia. وقد تأسست مدرسة الرواقيين على يد Zeno "حوالي ٣٠٠ ق م". وأعطى هؤلاء شخصية مستقلة لكل من الأصوات والنحو والاشتقاق، وإن كان معظم اهتمامهم منصبًّا على النحو وحده، حتى اعتبر بعضهم بدء النحو بمعناه الحديث على أيدي هؤلاء الرواقيين٥. وعلى أيدي الرواقيين زيد قسم رابع ثم خامس إلى أقسام الكلمة الثلاثة عند أرسطو، كما قدمت شروحًا مستفيضة لآراء أرسطو اللغوية. كذلك يبدو أن الرواقيين كانوا أول من درسوا العدد والمطابقة بين الاسم

стр. 59

والفعل، وحالات الاسم الإعرابية، وحالات الفعل من حيث الصيغة والزمن١. وبعد الرواقيين تحول مركز الدراسات النحوية إلى الإسكندرية وظهرت مدرسة نحوية كاملة في الاسكندرية خلال القرن الأول قبل الميلاد كما سنعرض فيما بعد. أما في المجال فقد أنتجوا عددًا ضخمًا من المعاجم. وتقول دائرة المعارف البريطانية: إن Athenaeus قد اقتبس نصوصًا من ٣٥ عملًا معجميًّا فقدت جميعها٢. ولكن كثيرًا من هذه المعاجم تم إنتاجه في الاسكندرية ولذا نترك الحديث عنها الآن إلى مكان آخر. ويعتبر العلماء القرون الأولى بعد الميلاد هي العصر الذهبي للمعاجم اليونانية وبخاصة في مدينة الإسكندرية كما سنتحدث فيما بعد، ولكن اشتهر من بين المعاجم اليونانية معجم أبو قراط Hippocrate الذي ألفه Glaucus عام ١٨٠ ق م وهو معجم ألفبائي٣.

стр. 60

٣- المصريون القدماء: اتجهت أبحاثهم إلى عدة فروع من الدراسات اللغوية، فدرس بعضهم الآثار الأدبية اليونانية القديمة دراسة فلولوجية، واتجه بعضهم إلى الدرس النحو، وفريق ثالث اتجه إلى وضع المعاجم. ودارت كل هذه الدراسات حول اللغة اليونانية وتركزت جميعها في الاسكندرية. أما الدراسة الفلولوجية فقد وجدت في الإسكندرية في وقت مبكر جدًّا. وكان الهدف منها تصحيح النصوص المكتوبة وتفسيرها والتعليق. عليها١. وظهرت في القرن الثالث قبل الميلاد شروح على أشطر هوميروس وغيره من الشعراء. كما وجه اهتمام إلى دراسة المفردات وجمع الألفاظ الصعبة أو الكلمات الشعرية أو الكلمات التي تنتمي إلى لهجات خاصة ٢. وأما النحو فنبغ فيها علماء كثيرون أبرزهم Dionysius Thrax الذي ألف في النحو كتابًا اشتمل -ضمن ما اشتمل عليه- على آراء النحاة السابقين. ونال كتابه شهرة جعلته المرجع الأول للنحو اليوناني في الألف والثمانمائة سنة التالية. وقد أكد ديونسيوس العلاقة بين النحو والأدب، وأهمل كلية الكلام العامي، وزاد في أقسام الكلام حتى بلغ بها ثمانية، وكان بكل تأكيد تقدمًا كبيرًا بالنسبة لأفلاطون وأرسطو٣. ويقول عنه أحد الباحثين: "إن جزءًا كبيرًا من نحونا مدين له. لقد كان عمله فذًّا في مدرسته لثلاثة عشر قرنًا. ويدين له بالفضل كذلك النحاة اللاتين القدماء وأهل العصور الوسطى"٤. ومن أهم التجديدات والإضافات التي قام بها لغويو الاسكندرية رفضهم بعض أقسام الكلام التي توصل إليها سابقوهم وإضافتهم أقسامًا جديدة مثل حروف الإضافة Prepositions ومثل الضمير Pronoun، ومن ذلك فصلهم اسم الفاعل واسم المفعول عن الفعل. وتناولوا الاسم من حيث التذكير والتأنيث ومن حيث العدد، وقسموا الفعل باعتبار الزمن والصيغة، وغير ذلك كثير. وهناك نقطة أخرى هامة في نحوهم هي أنهم اهتموا فقط بالاستعمالات

стр. 61

الموجودة في الشعر والكتابات النثرية وأهملوا ما عداهما١. أما في مجال المعاجم؛ فإن أقدم معجم يوناني معروف لنا هو معجم Appollonius السوفسطائي، وكان موجودًا في الاسكندرية في عصر Augustus ويتناول هذا المعجم الكلمات التي استعملها هوميروس٢. ولكن العصر الذهبي للمعاجم كان في القرون التي تلت المسيحية، وشمل ذلك معاجم كثيرة عرفنا من أسمائها. ١- معجم Orion " / "٣٩٠ - ٤٦٠"، الخاص بالاشتقاق وقد ألفه بمصر. ٢- معجم Helladius الذي ألفه بالأسكندرية في القرن الخامس وكان ترتيبه ألفبائيًّا. ٣- معجم Ammonius وكان معاصرًا للسابق، وقد خصص معجمه للكمات المتفقة في اللفظ المختلفة في المعنى٣. ٤- معجم اللهجات والسمات المحلية المؤلفة Hesychius٤ وغير ذلك.

стр. 62

٤- السريان: احتك السريان باليونان منذ القدم، واختلطوا بهم إما بحكم الجوار أو بحكم خضوعهم لسلطان اليونان. ولذلك ترجم السريان النحو اليوناني. إلى السريانية. ونقلوا إلى لغتهم كثيرًا من الكلمات والاصطلاحات. وليس هذا فحسب، بل قلدوا اليونان في نحوهم حين وضعوا قواعد لغتهم. أول نحوي سرياني نعرفه هو يوسف الأهوازي أستاذ مدرسة نصيبين المتوفي سنة ٥٨٠ م "حوالي ٤٢ ق هـ" فقد كتب رسالة في النحو، وترجم كتابًا في نحو اللغة اليونانية اسمه: "الصناعة النحوية" إلى السريانية. كذلك اخترع بعض علامات للشكل، وكتب رسالة عن الكلمات التي تكتب بصورة واحدة ولكن يتعدد معناها. وقد عثر على قطعة من كتاب ألف في القرن السادس في نحو السريان يتضح منها أن مؤلفها اتبع قواعد النحو اليوناني. وفي القرن السابع ظهر نحاة سريان ينسب إلى بعضهم ابتداع نقط الإعجام في السريانية واختراع الحركات، ويعد يعقوب الرهاوي الذي ولد حوالي عام ٦٤٠ م "١٩ هـ" وتوفي عام ٧٠٨ م "٩٠ هـ" أول من وضع نحوًا شاملًا، وقواعد للغة السريانية مبنية على النحو اليوناني، وقد عثر على قطع من هذا الكتاب١ فيها حديث عن الصوائت "الحركات" وقد استعارها من اليونانية ووضعها أولًا بين الحروف، ثم قام بوضعها فوق الحرف أو تحته في المكان الذي يوجد به فراغ٢. ووجدت طريقة ثالثة أقدم من هاتين، وهي وضع نقطة أو نقطتين، بطريقة رأسية أو أفقية أو مائلة، فوق الحرف أو تحته، ليوضح شكل حركة من الحركات. وفي القرنين الثامن والتاسع ظهرت بعض مصنفات في نحو السريانية، وكان أشهر المؤلفين فيه أبو زيد حنين ابن إسحاق المتوفي سنة ٨٧٣.

стр. 63

"٢٦٠هـ"١. وقد ألف معظم أعماله بالعربية، وكذلك مترجماته من اليونانية. وقد عرفنا له ثلاثة كتب هي. "النحو السرياني"، و"المعجم السرياني"، كذلك كتب حنين رسالة عن المترادفات. وقد مد حنين ومدرسته في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين المسلمين بكل ما يعرفونه عن العلوم اليونانية سواء أكان طبًّا أم رياضة أم فلسفة٢. أما في القرن العاشر فنجد أن التأليف بالسريانية قد ضعف، إذ أصبح معظم المؤلفين يفضلون -حتى في الكتابات الدينية والرسمية- الكتابة بالعربية. وقد فعل ذلك علماء مثل: أبو علي عيسى بن إسحاق ابن زرعة "٩٤٣ - ١٠٠٨م" وأبو زكريا يحيى بن عدي "توفي ٩٧٤ عن إحدى وثمانين سنة"٣.

стр. 64

٥- العبرانيون: يبدو أن الدراسات اللغوية العذرية لم تزدهر في فترة ما قبل الإسلام، وأن أهم الأعمال التي قدمت لم تظهر إلا بعد اختلاطهم بالعرب، وخوفهم من اندثار لغتهم. لانصراف الناس عنها وتعلمهم اللغة العربية. يقول كاتب مادة Grammar في دائرة المعارف اليهودية: "إن الحافز لدراسة الفلولوجي العبري قد قوي بعامل خارجي، وبالتحديد بالمثال الذي قدمته اللغة العربية. وقد استمرت اللغة العربية تؤثر على علم اللغة العبري وكان النموذج العربي هو الذي احتذاه العبرانيون ثم طوروه". ويقول Hirschfeld: "هناك شواهد مؤكدة أن النفوذ العربي كان موجودًا حتى منذ اللحظة الأولى للنشاط اللغوي العبري. فإننا نجد الأسماء العبرية للحركات الثلاث الرئيسية هي نفسها الأسماء العربية "الفتحة - الكسرة- الضمة". وكذلك الكلمة المستعملة للعلة تعد نقلًا حرفيًّا من العربية "حركة"١. وينص سيعد الفيومي "ولد في صعيد مصر ٨٩٢ ومات ٩٤٢م" في مقدمة معجمه على السبب في تأليفه بقوله: "إن اليهود يعطون اهتمامًا قليلًا للغتنا الفصيحة، واهتمامًا أقل للكلمات الصعبة، وأسلوبهم مليء بالأخطاء كما أن شعرهم معيب من ناحية القافية، وغير واضح، وتافه"٢. ومع هذا دعنا نلقي نظرة على أهم الأعمال التي قدمها اليهود عن اللغة العبرية قبل الإسلام أو بعده حتى القرن الرابع الهجري: بدأت دراسة اللغة والنحو في العبرية لخدمة الكتاب المقدس ثم استقلت٣ وقد أطلق على البداية الأولى للنحو العبري باسم Masorah وكان اهتمام المشتغلين بها محصورًا في التفرقة بين الصيغ المختلفة للكلمات الموجودة في الكتاب المقدس، وربط الأشكال المتشابهة في مجموعات، وتسجيل غرائب النص. ولكن عملهم لم يعط أي اهتمام

стр. 65

للتقسيمات النحوية، ولا لحصر الصيغ الموجودة في اللغة العبرية. وظلت الـ Masorah مزدهرة حتى بعد ظهور علم النحو. وحتى من قبل نشأة علم النحو وجدت دراسات تتعلق بتصنيف السواكن والعلل، وتقديم النصائح لقارئ النص المقدس، كما وجد نظام للنقط ووضعت قواعد للكتابة، والضبط بالشكل، وأشير إلى ظاهرة النبر ولوحظت الفروق في أشكالها١. وهناك خلاف كبير حول ما إذا كان شرف البدء بالأعمال النحوية يرجع إلى الربانيين Rabbanites أو القرائين Qaraites ولكن يمكن أن يقال: إن القرائين كانوا أكثر اهتمامًا بالنحو من الربانيين. واستنادًا إلى الشواهد التاريخية يمكن القول أن الأحكام النحوية الأولى التي وصلت إلينا ترجع إلى Nissi b Noah الذي برز في النصف الأول من القرن التاسع وكانت أعماله مكتوبة بالعبرية، لأنه من المعروف أن اليهود لم يستعملوا اللغة العربية لكتاباتهم قبل القرن العاشر الميلادي٢. وفي القرن العاشر الميلادي نجد عالمًا كبيرًا سبق أن أشرنا إلى اسمه وهو سعيد الفيومي الذي أنتج أعمالًا يدخل بعضها في عداد النحو وبعضها الآخر في عداد المعاجم. والتأثير العربي واضح عليه لأنه في أول عمل أنتجه، وكان له من العمر ٢١ سنة، أشار إلى عناوين مؤلفات الكتاب العرب الذين عالجوا فصاحة الأسلوب. وتتلخص جهود سعيد الفيومي فيما يأتي: ١- عمل معجم يسمى Agron، وقد اجتاز تأليف هذا المعجم

стр. 66

مرحلتين اثنتين. فقد ظهر أولًا في شكل معجم عبري خالص مرتب ترتيبًا هجائيًّا تبعًا لبدايات الكلمات ونهايتها. وكل مادة كانت توضح باقتباسات من الكتب المقدسة. وكان غرض المؤلف مساعدة الشعراء الدينيين في نظم القصائد من النوع المسمى Acrostics١ وفي العثور على قواف مناسبة لقصائدهم٢. ومن سوء الحظ أن قدرًا صغيرًا منه فقط قد حفظ لنا، وبذا لا يمكننا أن نكون فكرة كبيرة عن محتوياته، ولكننا نملك المقدمة العبرية التي تعطينا بعض المعلومات الهامة. وفي هذه المقدمة تحدث المؤلف عن موضوعات أساسية مثل تكوين الكلمات من جزءين يعد واحد منهما أساسيًّا والآخر إضافيًّا. والجزء الإضافي يقوم بوظيفة الجمعية والملكية والزمن، في حين يبقى الجزء الأساسي من الكلمة غير متغير. ويبدو أن سعيد الفيومي قد أحس بنوع من عدم الرضا عن عمله. ولذا نجده فيما بعد يلبسه ثوبًا جديدًا ويظهره في شكل آخر، إذ قام بإضافة ترجمة عربية للكلمات موضوع البحث، كما كتب مقدمة عربية ووضع له عنوانًا جديدًا هو "كتاب الشعر". ٢- تمثلت اهتمامات سعيد فيما بعد في جمعه لرسائل نحوية اثنتي عشرة تحت عنوان "كتب في اللغات" وقد ضاع هذا المجموع فيما عدا بعض اقتباسات منه بقيت في كتاب آخر له شرح فيه "كتاب الخليقة". ٣- شرح "كتاب الخليقة"، وفي هذا الشرح ناقش الأصوات الحلقية Guttural في أماكنها المتعددة في الكلمات، والتغيرات المنطقية

стр. 67

التي تلحقها حينما ترفض أي نوع من التضعيف. وهو في بحثه هذا لم يكن مسبوقًا، لأن هذه الأصوات لم يوجه لها اهتمام خاص في اللغة العربية. ٤- كذلك أخرج سعيد عملًا معجميًّا ثانيًا يتمثل في قائمة مفرداته للكلمات التي وردت في الكتاب المقدس مرة واحدة. والمفردات في هذه القائمة ليست مرتبة بأي شكل وقد أضيفت إليها تعليقات وشروح، وترجمة عربية لبعض الكلمات١. وهناك معاصر لسعيد الفيومي اشتغل بالنحو هو أبو يوسف القرقساني Qirqisani، وقد تتلمذ معه على مدارس بغداد، وظهرت آثار ثقافته العربية في أعماله النحوية. وأهم ما تركه عملان نحويان أحدهما تأليف والآخر شرح. وقد اعتبره مؤلف: "التاريخ الأدبي للنحاة المعجمين العبريين" مثلًا لأحسن نموذج لمدرسة القرائين ووضعه في مرتبة تالية لسعيد الفيومي وصف أبحاثه بالدقة والتعمق في فهم اللغة العبرية٢. وهناك أعلام أخرى يهودية لمعت في هذا القرن مثل: داود بن إبراهيم الذي كان من مواطني مراكش. وقد ألف معجمًا يشبه معجم سعيد الفيومي، وقسم الكلمات العبرية إلى أربعة أقسام تبعًا لعدد الحروف التي اعتبرها أصلية، بادئًا بالكلمات التي تشتمل على أصل واحد. واعتبر المؤلف ما زاد على الأربعة استثناء. وقدم المؤلف إلى جانب هذا عملًا نحويًّا، وقام ببعض الأبحاث المقارنة٣. ميناحيم بن سروق الذي ألف معجمًا عبريًّا خالصًا رتب مادته ترتيبًا هجائيًّا. ولكن المؤلف فشل في التعرف على بعض الجذور فرتب كثيرًا.

стр. 68

من الكلمات بحسب صورتها الخارجية. ولهذا فإنك تجد كلمات ذات أصول اشتقاقية متباعدة، تجدها في مكان واحد. وقد أعطى المؤلف في معجمه قائمة بالكلمات ذات الأصل الواحد، وأخرى بالكلمات ذات الأصلين. وقد تحدث ميناحيم عن حروف الهجاء التي لا تأتي إلا أصلية فقط وعن الحروف التي تأتي أصلية وزائدة. وقد كان ميناحيم من سكان قرطبة وولد عام ٩١٠ ومات عام ٩٧٠م١. يهوذا بن حيوج الذي ارتفع بعلم اللغة العبري إلى مستوى علمي رفيع. وقد كان من مواطني فاس ومن تلاميذ ميناحيم السابق ذكره. وبلغ من علو مكانته أن اعتبره بعض المؤرخين أول النحاة العبريين، وقد ساعدته معلوماته العميقة في العربية ودراساتها على التعمق في البحث اللغوي العبري. وقد وصلتنا أجزاء من بعض مؤلفاته٣ كما وصلنا أحد أعماله كاملًا متمثلًا في ثلاث رسائل كتبته باللغة العربية. وفي إحدى هذه الرسائل نجد دراسة فونولوجية متقدمة، تعالج العلل والسواكن والتنغيم والنبر والمقطع. ومن الخصائص الفونولوجية التي ذكرها المؤلف أنه لا توجد كلمة عبرية تبدأ بساكن غير متبوع بعلة، كما لا توجد كلمة تنتهي بعلة. وبلغ من عمق تحليلاته ودقتها أن اعتبره بعضهم صاحب "أول محاولة لوضع قواعد فونولوجية للغة العبرية مؤسسة على أسس علمية"٣.

стр. 69

وقرب نهاية القرن العاشر ظهر عالمان يستحقان الإشادة وهما: أبو الوليد بن جناح القرطبي الذي ولد في نهاية هذا القرن واشتغل بالطب أولًا ثم اتجه لدراسة اللغة العبرية. وقد ألف كتبًا كثيرة أشهرها. "أ" كتاب بالعربية أسماه "كتاب المستلحق" وهو ذيل على عمل يهوذا بن حيوج. "ب" كتاب بالعربية أسماه "كتاب التنبيه" رد فيه اعتراضات خصومه واحد بعد الآخر، وعالج فيه بعمق كثيرًا من الصيغ الشاذة. "ج" كتاب ثالث اسمه "رسالة التقريب والتسهيل" يعد تعليقات على كتاب ابن حيوج، ويعالج جزؤه الأول موضوعات فونولجية، وجزؤه الثاني مشكلة الأصول الثلاثية للكلمات، وجزؤه الثالث الكلمات ذات الأصل الثالث الضعيف "الناقصة" والكلمات المضعفة. "د" كتاب في النحو اسمه "اللمع" يحتوي على ٤٦ فصلًا ويسير على النمط العربي. "هـ" كتاب اسمه "كتاب الأصول" وهو معجم عبري باللغة العربية١. ويلاحظ أنه كتب جميع مؤلفاته باللغة العربية. وأبو الفرج هارون الذي أتم عملًا لغويًّا ضخمًا عام ١٠٢٨ م وأسماه "الكتاب الشامل في الأصول والفروع للغة العبرية". ويحتوي الكتاب على ثمانية أبواب تعالج الستة الأولى منها مسائل نحوية، والسابع. يشكل معجمًا، في حين أن الأخير يعالج الكلمات الآرامية الموجودة في الإنجيل. وفي الجزء المعجمي كان يأخذ الأصل الثلاثي ويناقشه ويعرض معانيه المختلفة واستعمالاته، ثم بعد ذلك يعيد ترتيب حروف الكلمة بشكل آخر ويفعل ما سبق فعله. وهكذا يقلب الكلمة على احتمالاتها الواردة في اللغة. وله أعمال لغوية أخرى٢.

стр. 70

٦- الصينيون: يقول "فيشر" في مقدمة معجمة اللغوي التاريخي: "وإذا استثنينا الصين فلا يوجد شعب آخر يحق له الفخار بوفرة كتب علوم لغته وبشعوره المبكر بحاجته إلى تنسيق مفرداتها بحسب أصول وقواعد غير العرب"١ والذي يهمنا في هذه العبارة ما شهدت به من فضل للصينين في مجال الدراسة اللغوية. وهذه حقيقة نريد أن نعرضها الآن في إيجاز وتركيز. ربما كان أول عمل صيني معجمي قديمًا جدًّا، ولكن أول محاولة منظمة للتعريف بالأشكال التعبيرية كانت العمل المسمى Eah Ya الذي يمكن أن يؤرخ بالفترة ما بين ٢٠٠ قبل ميلاد المسيح. وهو أشبه بمعجم من معاجم المعاني التي توزع الكلمات تحت موضوعات أو معان مختلفة. Hu shin. وفي نهاية القرن الأول الميلادي ظهر أول معجم حقيقي وهو معجم Shwo wan لمؤلفه. وعلى الرغم من أن هذا المعجم يشرح حوالي ١٠.٦٠٠ كلمة فهو ليس معجمًا شاملًا، بل لا يحتوي حتى على جميع الكلمات التي وردت في مقدمته. وقد كان جل اهتمام المؤلف منصبًّا على الكلمات التي وردت في النصوص الدينية. وبعد ذلك ظهر نظام جديد للمعاجم الصينية رتبت فيه الكلمات.

стр. 71

صوتيًّا تبعًا لنطقها. فكل الكلمات ذات الصوت الواحد تعالج معًا في باب واحد بغض النظر عن اختلاف طرق كتابتها. وأول معجم صيني يتبع هذا النظام هو معجم Hu fa Yen الذي كتب بين عامي ٥٨١، ٦٠١م. وكان للصينين دراسات صوتية، لكن يبدو أنهم مدينون في التوصل إليها إلى الهنود الذين نقلوا علومهم إلى الصين على يد الرهبان البوذيين فمنهم عرف الصينيون كيف يصنفون أصوات الكلام معًا تبعًا لمكان المنطق١.

стр. 72

الباب الثاني: الدراسات اللغوية عند العرب الفصل الأول: مرحلة النشأة لم يؤثر عن العرب أي نوع من الدراسات اللغوية قبل الإسلام، ولهذا فهم متأخرون زمنيًّا عن كثير من الأمم التي سبق أن تحدثنا عن جهودها، والتي عرف لبعضها دراسات لغوية راسخة قبل الإسلام بقرون. ولم يكن البحث اللغوي عند العرب من الدراسات المبكرة التي خفوا لها سرعًا، لأنهم وجهوا اهتمامهم أولًا إلى العلوم الشرعية والإسلامية وحين فرغوا منها أو كادوا اتجهوا إلى العلوم الأخرى. يقول السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء معبرًا عن الفكرة: إنه منذ منتصف القرن الثاني الهجري بدأ علماء المسلمين يسجلون الحديث النبوي، ويؤلفون في الفقه الإسلامي والتفسير القرآني. وبعد أن تم تدوين هذه العلوم اتجه العلماء وجهة أخرى نحو تسجيل العلوم غير الشرعية ومن بينها اللغة والنحو١. ويقول الأستاذ أحمد أمين: "أكثر اللغة كتبت في العصر العباسي الأول لا قبله"٢. وحتى ما وجد في القرن الأول من تأملات نحوية أو محاولات لدراسة بعض المشاكل اللغوية كان الحافز إليه إسلاميًّا، ولم يقصد بذاته وإنما لاعتباره خادمًا للنص القرآني. ومن ذلك محاولة ابن عباس جمع الكلمات الغريبة في القرآن وشرحها من صحت نسبة "غريب القرآن" إليه. وكذلك محاولة أبي الأسود الدؤلي لضبط المصحف بالشكل حين استحضر كاتبًا وأمره أن يتناول المصحف. وأن يأخذ صنعًا يخالف لون المداد فيضع نقطة فوق

стр. 73

الحرف إذا رآه يفتح شفتيه، وتحت الحرف إذا رآه قد خفض شفتيه، وبين يدي الحرف إذا رآه يضم شفتيه. أما إذا أتبع الحرف الأخير غنة فينقط نقطتين فوق بعضهما. أما الحرف الساكن فقد تركه١. ثم اخترع أهل المدينة بعد ذلك علامة التشديد وهي قوس طرفاه إلى أعلى هكذا ويوضع فوق الحرف المفتوح وتحت المكسور وعلى شمال المضموم. أما الفتحة فكانت توضع داخل القوس والكسرة تحته والضمة في شماله ثم استغنوا عن النقط في حالة استخدام الشدة وأصبحت الفتحة مع الشدة هكذا. ومع الكسرة ومع الضمة٢: ويبدو أن كثيرًا من المحاولات الأولى للدرس اللغوي التي تمت في أماكن مختلفة من العالم كانت مرتبطة بالدين وبالعقيدة. نجد هذا عند الهنود الذين بدأوا بحثهم اللغوي لخدمة نصوصهم المقدسة المسماة بالفيدا. ومثل هذا نجده عند الصينيين إذا كانت دراسة النصوص الدينية البوذية وغيرها سببًا في نشأة المعاجم الصينية، وكذلك كانت دراسة الشعر الحماسي والديني في اليونان دافعًا للتأليف اللغوي. وبدأت دراسة اللغة والنحو في العبرية لخدمة الكتاب المقدس٣. وعلى أي حال فمن المنطقي أن يكون البحث اللغوي عند العرب قد بدأ في شكل جمع للمادة اللغوية، أو ما يعرف بمتن اللغة، وأن يسبق ذلك الدرس النحوي. وقد تم هذا الجمع أولًا بطريق المشافهة والحفظ، ودون منهج معين في ترتيب المادة المجموعة أو تبويبها، أو على حد تعبير

стр. 74

الأستاذ أحمد أمين: "كان المدونون الأولون للغة في هذا العصر يدونون المفردات حيثما اتفق، وكما يتيسر لهم سماعها. فقد يسمعون كلمة في الفرس، وأخرى في الغيث، وثالثة في الرجل القصير، وهكذا. فكانوا يقيدون ما سمعوا من غير ترتيب"١. وبعد ذلك اتجه أهل اللغة إلى التبويب والتصنيف والتقسيم ورد النظير إلى النظير، كل بطريقته الخاصة التي رآها. فمنهم من صنف المادة اللغوية بحسب الموضوعات، مثل النبات والشجر والإبل والخيل والسلال والأنواء، وأخرجها في شكل رسائل منفصلة. ومنهم من اتجه إلى الشعر الجاهلي أو الإسلامي يدونه ويرويه ويشرح مفرداته الصعبة. ومنهم من اهتم بتسجيل بعض الظواهر الخاصة التي لاحظها في بعض القبائل ... وهكذا. وتوجت هذه الجهود بظهور المعاجم اللغوية المنظمة التي كان رائدها الخليل بن أحمد "١٠٠ - ١٧٥ هـ"، وذلك بوضعه معجم "العين" كما سنفصل الحديث فيما بعد. أما البحث النحوي فلا شك أنه بدأ متأخرًا عن جمع اللغة، لأنه لا يمكن القيام به بدون مادة توضع تحت تصرف النحوي، وبعبارة أخرى لأن تقعيد للقواعد ما هو إلا فحص لمادة لغوية تم جمعها بالفعل ومحاولة لتصنيفها واستنباط الأسس والنظريات التي تحكمها. وأفضل ما يعبر عن ذلك قول عبد اللطيف البغدادي في "شرح الخطب النباتية" فيما نقله السيوطي عنه: "اعلم أن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه. وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه، ومثالهما المحدث والفقيه، فشأن المحدث نقل الحديث برمته، ثم إن الفقيه يتلقاه ويتصرف فيه ويبسط فيه علله ويقيس عليه الأشباه والأمثال"٢.

стр. 75

ومع ذلك فنحن نسمع عن إشارات أو أحكام سريعة تمت في وقت مبكر جدًّا لا يتجاوز النصف الثاني من القرن الأول الهجري كتلك التي قام بها أبو الأسود الدؤلي أو علي بن أبي طالب أو غيرهما. وفي رأينا أن النحو العربي قد نشأ فنًّا قبل أن يكون علمًا، أي: أن هذه الطرق الخاصة بالأداء في اللغة قد التزمت باطراد في تراكيبها وأساليبها ومرنت عليها ألسنة العرب، وتمكنت من طبائعهم قبل أن توضع لها القواعد النحوية. ولهذا فنحن نستبعد تمامًا ما يقوله ابن فارس من أن علم النحو في اللغة العربية قديم بقدمها ومنزل كتنزيلها، وأنه كان معروفًا ومدروسًا من قديم، ثم تنوسيت قواعده وأتت عليها الأيام حتى جاء أبو الأسود الدؤلي فأحيا ما اندثر منه١: ولا نرى رأيه أن اللغة العربية قد وجدت أول ما وجدت وفيها تلك الظواهر الفنية، أو أن تكون قد عرفت أول ما عرفت وهي متميزة بضوابط الإعراب المختلفة. وإنما الذي نراه أن اللغة العربية لا بد أن تكون قد مرت بمراحل من الاضطراب وعدم الاستقرار، وأن هذه الضوابط المتبعة في الأداء قد سلكت طريقًا طبيعيًّا في التكوين، كما تسلك اللغة نفسها هذا الطريق، فكانت في أول الأمر بسيطة غير مطردة ولكنها مع الزمن قد تمت وعمت والتزمت واستقرت في النفوس على وجه يجعلها ملكة أو ما يشبه الملكة، وجرى أهلها على سنن ثابت أو كالثابت في صوغ الكلمة وضبط حروفها وبناء الجمل والأساليب٢. وأغلب الظن أن كثيرًا مما نجده في بطون الكتب القديمة، وفي ثنايا النصوص من أمثلة نحوية وشواهد أدبية خارجة عن تلك القواعد والتي وضعها النحاة ثم التمسوا لها تخريجًا - إن هو إلا بقيا من اللغة العربية
следующие страницы →