صوتيًّا تبعًا لنطقها. فكل الكلمات ذات الصوت الواحد تعالج معًا في باب واحد بغض النظر عن اختلاف طرق كتابتها. وأول معجم صيني يتبع هذا النظام هو معجم Hu fa Yen الذي كتب بين عامي ٥٨١، ٦٠١م.
وكان للصينين دراسات صوتية، لكن يبدو أنهم مدينون في التوصل إليها إلى الهنود الذين نقلوا علومهم إلى الصين على يد الرهبان البوذيين فمنهم عرف الصينيون كيف يصنفون أصوات الكلام معًا تبعًا لمكان المنطق١.
стр. 72
الباب الثاني: الدراسات اللغوية عند العرب
الفصل الأول: مرحلة النشأة
لم يؤثر عن العرب أي نوع من الدراسات اللغوية قبل الإسلام، ولهذا فهم متأخرون زمنيًّا عن كثير من الأمم التي سبق أن تحدثنا عن جهودها، والتي عرف لبعضها دراسات لغوية راسخة قبل الإسلام بقرون.
ولم يكن البحث اللغوي عند العرب من الدراسات المبكرة التي خفوا لها سرعًا، لأنهم وجهوا اهتمامهم أولًا إلى العلوم الشرعية والإسلامية وحين فرغوا منها أو كادوا اتجهوا إلى العلوم الأخرى.
يقول السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء معبرًا عن الفكرة: إنه منذ منتصف القرن الثاني الهجري بدأ علماء المسلمين يسجلون الحديث النبوي، ويؤلفون في الفقه الإسلامي والتفسير القرآني. وبعد أن تم تدوين هذه العلوم اتجه العلماء وجهة أخرى نحو تسجيل العلوم غير الشرعية ومن بينها اللغة والنحو١. ويقول الأستاذ أحمد أمين: "أكثر اللغة كتبت في العصر العباسي الأول لا قبله"٢. وحتى ما وجد في القرن الأول من تأملات نحوية أو محاولات لدراسة بعض المشاكل اللغوية كان الحافز إليه إسلاميًّا، ولم يقصد بذاته وإنما لاعتباره خادمًا للنص القرآني. ومن ذلك محاولة ابن عباس جمع الكلمات الغريبة في القرآن وشرحها من صحت نسبة "غريب القرآن" إليه. وكذلك محاولة أبي الأسود الدؤلي لضبط المصحف بالشكل حين استحضر كاتبًا وأمره أن يتناول المصحف. وأن يأخذ صنعًا يخالف لون المداد فيضع نقطة فوق
стр. 73
الحرف إذا رآه يفتح شفتيه، وتحت الحرف إذا رآه قد خفض شفتيه، وبين يدي الحرف إذا رآه يضم شفتيه. أما إذا أتبع الحرف الأخير غنة فينقط نقطتين فوق بعضهما. أما الحرف الساكن فقد تركه١.
ثم اخترع أهل المدينة بعد ذلك علامة التشديد وهي قوس طرفاه إلى أعلى هكذا ويوضع فوق الحرف المفتوح وتحت المكسور وعلى شمال المضموم. أما الفتحة فكانت توضع داخل القوس والكسرة تحته والضمة في شماله ثم استغنوا عن النقط في حالة استخدام الشدة وأصبحت الفتحة مع الشدة هكذا. ومع الكسرة ومع الضمة٢:
ويبدو أن كثيرًا من المحاولات الأولى للدرس اللغوي التي تمت في أماكن مختلفة من العالم كانت مرتبطة بالدين وبالعقيدة. نجد هذا عند الهنود الذين بدأوا بحثهم اللغوي لخدمة نصوصهم المقدسة المسماة بالفيدا. ومثل هذا نجده عند الصينيين إذا كانت دراسة النصوص الدينية البوذية وغيرها سببًا في نشأة المعاجم الصينية، وكذلك كانت دراسة الشعر الحماسي والديني في اليونان دافعًا للتأليف اللغوي.
وبدأت دراسة اللغة والنحو في العبرية لخدمة الكتاب المقدس٣.
وعلى أي حال فمن المنطقي أن يكون البحث اللغوي عند العرب قد بدأ في شكل جمع للمادة اللغوية، أو ما يعرف بمتن اللغة، وأن يسبق ذلك الدرس النحوي. وقد تم هذا الجمع أولًا بطريق المشافهة والحفظ، ودون منهج معين في ترتيب المادة المجموعة أو تبويبها، أو على حد تعبير
стр. 74
الأستاذ أحمد أمين: "كان المدونون الأولون للغة في هذا العصر يدونون المفردات حيثما اتفق، وكما يتيسر لهم سماعها. فقد يسمعون كلمة في الفرس، وأخرى في الغيث، وثالثة في الرجل القصير، وهكذا. فكانوا يقيدون ما سمعوا من غير ترتيب"١.
وبعد ذلك اتجه أهل اللغة إلى التبويب والتصنيف والتقسيم ورد النظير إلى النظير، كل بطريقته الخاصة التي رآها. فمنهم من صنف المادة اللغوية بحسب الموضوعات، مثل النبات والشجر والإبل والخيل والسلال والأنواء، وأخرجها في شكل رسائل منفصلة. ومنهم من اتجه إلى الشعر الجاهلي أو الإسلامي يدونه ويرويه ويشرح مفرداته الصعبة.
ومنهم من اهتم بتسجيل بعض الظواهر الخاصة التي لاحظها في بعض القبائل ... وهكذا. وتوجت هذه الجهود بظهور المعاجم اللغوية المنظمة التي كان رائدها الخليل بن أحمد "١٠٠ - ١٧٥ هـ"، وذلك بوضعه معجم "العين" كما سنفصل الحديث فيما بعد.
أما البحث النحوي فلا شك أنه بدأ متأخرًا عن جمع اللغة، لأنه لا يمكن القيام به بدون مادة توضع تحت تصرف النحوي، وبعبارة أخرى لأن تقعيد للقواعد ما هو إلا فحص لمادة لغوية تم جمعها بالفعل ومحاولة لتصنيفها واستنباط الأسس والنظريات التي تحكمها. وأفضل ما يعبر عن ذلك قول عبد اللطيف البغدادي في "شرح الخطب النباتية" فيما نقله السيوطي عنه: "اعلم أن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه. وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه، ومثالهما المحدث والفقيه، فشأن المحدث نقل الحديث برمته، ثم إن الفقيه يتلقاه ويتصرف فيه ويبسط فيه علله ويقيس عليه الأشباه والأمثال"٢.
стр. 75
ومع ذلك فنحن نسمع عن إشارات أو أحكام سريعة تمت في وقت مبكر جدًّا لا يتجاوز النصف الثاني من القرن الأول الهجري كتلك التي قام بها أبو الأسود الدؤلي أو علي بن أبي طالب أو غيرهما.
وفي رأينا أن النحو العربي قد نشأ فنًّا قبل أن يكون علمًا، أي: أن هذه الطرق الخاصة بالأداء في اللغة قد التزمت باطراد في تراكيبها وأساليبها ومرنت عليها ألسنة العرب، وتمكنت من طبائعهم قبل أن توضع لها القواعد النحوية.
ولهذا فنحن نستبعد تمامًا ما يقوله ابن فارس من أن علم النحو في اللغة العربية قديم بقدمها ومنزل كتنزيلها، وأنه كان معروفًا ومدروسًا من قديم، ثم تنوسيت قواعده وأتت عليها الأيام حتى جاء أبو الأسود الدؤلي فأحيا ما اندثر منه١: ولا نرى رأيه أن اللغة العربية قد وجدت أول ما وجدت وفيها تلك الظواهر الفنية، أو أن تكون قد عرفت أول ما عرفت وهي متميزة بضوابط الإعراب المختلفة.
وإنما الذي نراه أن اللغة العربية لا بد أن تكون قد مرت بمراحل من الاضطراب وعدم الاستقرار، وأن هذه الضوابط المتبعة في الأداء قد سلكت طريقًا طبيعيًّا في التكوين، كما تسلك اللغة نفسها هذا الطريق، فكانت في أول الأمر بسيطة غير مطردة ولكنها مع الزمن قد تمت وعمت والتزمت واستقرت في النفوس على وجه يجعلها ملكة أو ما يشبه الملكة، وجرى أهلها على سنن ثابت أو كالثابت في صوغ الكلمة وضبط حروفها وبناء الجمل والأساليب٢.
وأغلب الظن أن كثيرًا مما نجده في بطون الكتب القديمة، وفي ثنايا النصوص من أمثلة نحوية وشواهد أدبية خارجة عن تلك القواعد والتي وضعها النحاة ثم التمسوا لها تخريجًا - إن هو إلا بقيا من اللغة العربية
стр. 76
في مراحلها الأولى قبل أن تنضج. فمن ذلك إهمال الإعراب في مثل قول امرئ القيس:
اليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل
وقول الراجز:
متى أنام لا يؤرقني الكرى ... ليلًا ولا أسمع أصوات المطي
ومن ذلك حذف النون من المثنى من غير إضافة كقول الشاعر:
هما خطتا إسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر
والمثل العربي القديم: بيضك ثنتا وبيضي مائتا١. وكذلك إلزام الأسماء الخمسة الألف مثل: مكره أخاك لا بطل.
أما كيف نشأ النحو؟ ومن أول من ألف فيه؟ فهذا سؤالان ما نظن أن في أيدينا الإجابة عنهما أو الرد عليهما بحسم. وأغلب الظن أنهما سيظلان معلقين حتى نعثر على مادة جديدة تكشف عن بداية النحو العربي، وتضع حدًّا للإرهاصات والتنبؤات حولها٢. فمن قائل: إنه علي بن أبي طالب، ومن قائل: إنه نصر بن عاصم٣.
ويختلف من قالوا: إن أبا الأسود هو واضع النحو في الباعث له على ذلك، فيقول بعضهم: إن علي بن أبي طالب هو الذي أوعز إليه بوضع النحو، ومن قائل: إنه عمر بن الخطاب، ومن قائل: إنه زياد بن أبيه، ومن قائل: إن أبا الأسود فزع بنفسه إلى وضع النحو حين سمع قارئًا يقرأ: "لَا يَأْكُلُه
стр. 77
إِلَّا الخْاَطِئِين" أو قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بكسر "رسول". وقيل: السبب إلى ابنته قالت له: "ما أحسنُ السماء" بضم أحسن تريد التعجب، ولكنه فهم الاستفهام فقال لها: نجومها فقالت له: يا أبت، إنما أخبرك ولم أسألك فقال لها: إذن فقولي: "ما أحسنَ السماء" بالنصب١.
وتروى قصته مع ابنته برواية أخرى إذ يقال: إن أبا الأسود دخل عليها في وقدة الحر بالبصرة؛ فقالت له: يا أبت، ما أشد الحرّ "تعني التعجب، ولكنه فهم الاستفهام لأنها رفعت" فقال لها: شهرًا ناجر٢. فقالت له: يا أبت، إنما أخبرتك ولم أسألك٣.
وهناك رواية أخرى وردت في "الفهرست" لابن النديم تقول: "ويقال: إن السبب في ذلك أيضًا أنه مر بأبي الأسود سعد وكان رجلًا فارسيًّا من أهل زندخان كان قدم البصرة مع جماعة من أهله فدنوا من قدامة بن مظعون وادعوا أنهم أسلموا على يديه، وأنهم بذلك من مواليه. فمر سعد هذا بأبي الأسود وهو يقود فرسه، فقال: مالك يا سعد، لِم لا تركب؟ قال: إن فرسي ضالع" أراد ظالعا" فضحك به بعض من حضره فقال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام، ودخلوا فيهفصاروا لنا إخوة، فلو عملنا لهم الكلام، فوضع باب الفاعل والمفعول٤.
والرواية بصورتها هذه تحمل في طياتها بذور الشك فيها، إذ لا علاقة مطلقًا بين خطأ الرجل "وهو نتيجة عادة كلامية خاصة" وبابي الفاعل والمفعول اللذين قيل: إن أبا الأسود قد وضعهما من أجله.
أما رواية من قال: إن زيادًا هو الذي حرك أبا الأسود لوضع النحو فتمضى قائلة: إن أبا الأسود رفض أولًا، ففكر زياد في حيلة "فبعث
стр. 78
رجلًا يقعد له بطريقه، وأمره أن يقرأ شيئًا من القرآن ويتعمد اللحن فقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ - بالجر" فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال: عز وجه الله؟ إن الله لا يبرأ من رسوله. ثم رجع من فوره إلى زياد فقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألت"١.
وينقل ابن النديم رواية تدل على أن عليًّا هو أول من وضع النحو وذلك إذ يقول: "قال محمد بن إسحاق زعم أكثر العلماء أن النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأن أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب"٢. بل أكثر من هذا يروي ابن الأنباري نصًّا دفع به علي لأبي الأسود جاء فيه: "الكلام كله اسم وفعل وحرف.
فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى. واعلم أن الأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر ... " ثم يمضي ابن الأنباري قائلًا: ثم وضع أبو الأسود بابي العطف والنعت، ثم بابي التعجب والاستفهام إلى أن وصل إلى باب إن وأخواتها ما خلا لكن، فلما عرضها على علي أمره بضم لكن إليها، وكلما وضع بابًا من أبواب النحو عرضه عليه٣.
ولكن ابن النديم يعود فيذكر رواية أخرى تثبت هذا الوضع لأبي الأسود، وذلك في فصل عقده بعنوان: "سبب يدل على أن من وضع النحو كلامًا أبو الأسود الدؤلي" ذكر فيه أنه رأى بنفسه أربعة أوراق قديمة كتب عليها: "هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود الدؤلي رحمة الله عليه بخط يحيى بن يعمر. وتحت هذا الخط بخط عتيق هذا خط علان النحوي: وتحته: هذا خط النضر بن شميل"٤:
стр. 79
وقد تبين من هذا أن السبب الأساسي في وضع النحو -مهما كان واضعه- ما فشا من لحن عقب الفتوحات الإسلامية، وامتداد آفاق اللغة العربية إلى مجالات لم تتح لها من قبل، وفساد الألسنة حتى بالنسبة للعرب أنفسهم نتيجة اختلاطهم بالأجانب.
يقول الزبيدي: "لم تزل العرب تنطق على سجيتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها؛ حتى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان فدخل الناس فيه أفواجًا، وأقبلوا عليه أرسالًا، واجتمعت الألسنة المتفرقة واللغات المختلفة ففشا الفساد في اللغة العربية"١.
ونلتقط من بين الأمثلة التي ذكرها المؤرخين للحن ما يأتي:
١- تسكين أواخر الكلمات وترك الإعراب خوفًا من اللحن. ومن ذلك ما حكي أن مهدي بن مهلهل كان يقول: "حدثنا هشام بن حسان". بالتسكين على ما نقل الجاحظ٢.
٢- الانحراف في نطق بعض الأصوات كنطق الظاء ضادًا، وقد سبق مثاله. وكنطق الصاد سينًا، كما يروى أن عمر بن الخطاب مر برجلين يرميان فقال أحدهما للآخر: أسبت "يعني أصبت" فقال عمر: "سوء اللحن أشد من سوء الرمي"٣. ومثل ذلك ما يروى عن مولى زياد أنه كان ينطق الحاء هاء كقوله: "أهدى لنا همار وهش" "أي حمار وحش"٤.
٣- الخطأ في قواعد النحو، كما يروى أن مؤذنًا سُمع يقول: "أشهد أن محمدًا رسولَ الله" "بنصب رسول" فقال له أعرابي: ويحك، يفعل ماذا؟ وما يروى أن أبا عمرو بن العلاء مر بالبصرة فإذا
стр. 80
أعدال مطروحة مكتوب عليها "لأبو فلان" فقال: يا رب، يلحنون ويرزقون؟ وما يروى أن رجلًا دخل على زياد فقال له: إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا، فقال له زياد: ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضع من مالك١.
٤- الخطأ في بنية الكلمة، كما يقال: إن أول لحن سُمع بالبادية قولهم: "هذه عصاتي"٢.
ولم ينج الحكام والخلفاء من الوقوع في اللحن. فمنهم من كان بعد ذلك يكابر. ومنهم من كان يخجل ويحاول إصلاح نفسه وتقويم لسانه. فمن النوع الأول ما يروى أن بعض الأمراء بالبصرة كان يقرأ: "إنّ اللهَ ومَلائِكَتُه" بالرفع- فمضى إليه الأخفش ناصحًا فانتهره، وقال له: تلحنون أمراءكم٣.
ومن النوع الثاني الحجاج بن يوسف الثقفي الذي بلغ من حرصه على توقي اللحن وتقززه منه أن أبعد يحيى ابن يعمر الليثي؛ لأنه اطلع على لحن له. والحكاية كما ترويها كتب اللغة والأدب تتلخص في أن الحجاج سأل يحيى بن يعمر. أتراني ألحن على المنبر؟ فقال يحيى -خوفًا من سطوة الحجاج وجبروته-: الأمير أفصح الناس إلا أنه لم يكن يروي الشعر فكرر الحجاج سؤاله فقال يحيى: نعم في آي القرآن،
стр. 81
فقال الحجاج: فذاك أشنع. وما هو؟ قال: تقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ "برفع أحب" وصحتها أحبَّ "بالنصب". فقال: والله لن تسمعني ألحن بعد ذلك وأبعده إلى خراسان١. ومن هذا النوع أيضًا -وإن اختلف سلوك كل- عمر بن عبد العزيز الذي لحن لحنة فنبه إليها فحبس نفسه في منزله ومعه من يعلمه العربية. ولم يخرج على الملإ إلا وهو أفصح الناس٢. ويروى كذلك أن عبد الملك ابن مروان، وإن لم يكن قد عرف عنه اللحن؛ فإنه كا يتجنبه ويتوقاه ولهذا حين سئل: "لماذا عجل الشيب إلى رأسك يا أمير المؤمنين" فقال: "شيبتني مواقف الخطابة وتوقع اللحن".
ويرى الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس أن جميع الأمثلة التي ذكرها العروضيون للإقواء ليست من قبيل الخطأ الموسيقي، وإنما من قبيل الخطأ النحوي. وعلى هذا فهو يرى أن حسان بن ثابت كان ينشد:
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر ... جسم البغال وأحلام العصافير
كأنه قصب جفت أسافله ... مثقب نفخت فيه الأعاصير
بكسر الأعاصير حفاظًا على النغمة الموسيقية، وإن كسر بذلك قواعد النحو "وليس بالرفع كما زعم النحاة حفاظًا على قواعد النحو، وإن كان يكسر النغمة الموسيقية"، إذا لا يعقل أن الشاعر الفحل يخطئ في الموسيقى وإن عقل أن يخطئ في النحو. وإذا علمنا أن الإقواء كان شائعًا بين الشعراء الجاهليين٣ خرجنا من ذلك بأن اللحن كان شائعًا
стр. 82
حتى بين فصحاء العرب وشعرائهم١.
ومهما كان الأمر فقد تمت أوليات الدراسة النحوية في مدينة البصرة وشمل ذلك الفترة التي تمتد من أبي الأسود إلى الخليل بن أحمد. وكانت الكوفة وقتها مشغولة برواية الأشعار والأخبار٢.
وفي الفترة بين أبي الأسود والخليل نجد أسماء -مجرد أسماء- وبعض اقتباسات، ولكن لم تصلنا أي مؤلفات، وإن ذكرت التراجم وجودها. ومن أشهر نحاة هذه الفترة يحيى بن يعمر، وعنبسة الفيل، وميمون الأقرن، وعيسى بن عمر الثقفي، وأبو عمرو بن العلاء، وعبد الله ابن أبي إسحاق الحضرمي.
وليس هناك شيء يذكر بالنسبة للثلاثة الأوائل، أما الثلاثة الأواخر فقد ذكرت عنهم كتب التراجم ما يأتي:
عيسى بن عمر الثقفي: كان نحويًّا بصريًّا كفيفًا مولعًا بالغريب: ومما حكي عنه في ذلك أنه سقط ذات يوم في سوق البصرة مغشيًّا عليه، ودار الناس حوله يقولون: مصروع، فبين قارئ ومتعوذ من الجان. فلما أفاق من غشيته أمر الناس أن ينفضوا من حوله بلغة حشاها بالغريب من الألفاظ وحوشي الكلام، حتى إن الناس لم يفهموه، إذ قال لهم: ما لكم تكأكأتم عليَّ كتكأكئكم على ذي جنة. افرنقعوا عني، فعلق أحد الحاضرين بقوله: "إن جنيته تتكلم الهندية"٣: ويروى كذلك أنه أنكر وديعة أودعت عنده فضرب بالسياط ليقر فجعل يقول: "والله إن كانت إلا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك"٤. وقد مات عام ١٤٩ هـ.
стр. 83
بعد أن ترك كتابين هما "الجامع" و "المكمل" وقد مدحهما الخليل ابن أحمد بقوله:
بطل النحو جميعًا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر
ولكن فقد الكتابان ولم يعثر لهما على أثر١.
أبو عمرو بن العلاء: أحد الأعلام في القراءة والنحو واللغة وأحد القراء السبعة. قال فيه أبو عبيدة: "أعلم الناس بالقراءات العربية وأيام العرب والشعر، وكانت دفاتره ملء بيته إلى السقف". وقال فيه يونس: "لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد كان ينبغي لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذ كله". وقد اختلف هو وعيسى بن عمر في قولهم: "ليس الطيب إلا المسك" فكان أبو عمرو يجيز الرفع وعيسى بن عمر ينكره. وحين تحاجا قال أبو عمرو له: "نمت وأدلج الناس. ليس في الأرض حجازى إلا وهو ينصب ولا تميمي إلا وهو يرفع". واحتكما إلى الأعراب فشهدوا لأبي عمرو بن العلاء. وتوفي أبو عمرو عام ١٥٤ هـ٢.
عبد الله بن أبي اسحاق: سئل عنه يونس فقال: "هو والنحو سواء" ويقال: إنه أول من علل النحو وإنه كان شديد التجريد للقياس والعقل به يقول ابن سلام: "كان أول من بعج النحو ومد القياس والعلل"، ويقول ابن الأنباري. "إنه أول من علل النحو". ولم ينقل عن ابن أبي إسحاق كتاب في النحو لكنه عني بالهمز ومهر فيه حتى كان له فيه كتاب.
стр. 84
ويروى أن والي البصرة في عهد هشام بن عبد الملك جمع بين أبي عمرو ابن العلاء وابن أبي إسحاق، فقال أبو عمرو: "فغلبني ابن أبي إسحاق بالهمز يومئذ"١.وبالرجوع إلى فهارس كتاب سيبويه "إعداد هارون" يتبين أن نقول سيبويه عن ابن أبي إسحاق تبلغ تسعة فقط. ولكن جاء جانب من شهرة ابن أبي إسحاق من كثرة تتبعه لزلات الشعراء وتلمسه الأخطاء لهم. وأشهر من تعرض له الفرزدق، وله معه قصص كثيرة. فمن ذلك أنه سأله يومًا: كيف تنشد هذا البيت:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر٢
فقال الفرزدق: "فعولان" فرد ابن أبي إسحاق: ما كان عليك لو قلت فعولين؟ فقال الفرزدق: لو شئت أن أسبح لسبحت، ونهض فلم يعرف أحد مراده. وتعرض ابن أبي إسحاق للفرزدق في شعر له، إذ عابه على قوله:
وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مجلف٣
وسأله: علام رفعت؟ فقال الفرزدق: على ما يسوؤك وينوؤك علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا ثم هجاه بقوله:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى موالي
فقال له ابن أبي اسحاق: وهذا أيضًا خطأ، كان يجب أن تقول: موال لا موالي٤.
стр. 85
ولم تنقل كتب التراجم بماذا رد عليه الفرزدق مع أن توجيه البيت قريب، فمن العرب من يجر مثل هذه الكلمات بالفتح الظاهر لأنها ممنوعة من الصرف وعليه قول الهذلي:
أبيت على معاري فاخرات ... بهن ملوب كدم العباط
وقراءة "والفَجْر ولياليَ عَشْر" - بفتح ياء ليالي.
وكانت وفاة ابن أبي اسحاق عام ١١٧ هـ.
أما أول عمل نحوي كامل يصل إلينا فهو "الكتاب" لسيبويه. وسنفرده ببحث خاص فيما بعد. وليس معنى أن "الكتاب" هو أول عمل وصلنا أنه أول عمل على الإطلاق، فقد سبق أن تحدثنا عن جهود نحوية قبل سيبويه وسبق أن ذكرنا أسماء لبعض مؤلفات لم تصلنا.
وندع مرحلة النشأة لنتحدث بشيء من التفصيل عن جهود العرب في مجالات البحث اللغوي المختلفة، وهو ما سيكون موضوع الفصول التالية إن شاء الله.
ولما كان البحث اللغوي قد تنوع وتعددت جوانبه فمن الأوفق أن نتناول موضوعات كل فرع على حدة وذلك على النحو التالي:
١- الأصوات.
٢ النحو والصرف.
٣ المعجم.
٤ الدراسة المقارنة.
стр. 86
الفصل الثاني: الأصوات
عرض تاريخي:
يعتبر علماء اللغة المحدثون دراسة الأصوات أول خطوة في أي دراسة لغوية، لأنها تتناول أصغر وحدات اللغة، ونعني بها الصوت، الذي هو المادة الخام للكلام الإنساني.
أما اللغويون العرب فلم ينظروا إلى الدراسة الصوتية هذه النظرة، ولم يعالجوا الأصوات علاجًا مستقلًّا، وإنما تناولوها دائمًا مختلطة بغيرها من البحوث وذلك على النحو التالي:
١- بالنسبة للنحاة: خصصوا بعض الأبواب في كتبهم النحوية لهذه الدراسة. بل إنهم لم يقصدوها لذاتها وإنما لغيرها، حيث اعتبروها تمهيدًا أو مدخلًا لدراسة ظاهرة الإدغام، والحديث عن قواعد الإعلال والإبدال، وقد عالج سيبويه "الإدغام" في نهاية مؤلفه "الكتاب"، وعالج الأصوات قبل معالجة الإدغام. وعالج المبرد في كتابه "المقتضب" الإدغام في الجزء الأول وقدم له بدراسة للأصوات ومخارجها. كذلك أنهى الزجاجي كتابه "الجمل" بالحديث عن الإدغام، ومهد لحديثه ببعض الأفكار الصوتية. وأنهى الزمخشري كتابه "المفصل" بالإدغام، وقدم بين يديه دراسة للأصوات.
٢ كما تناول أصحاب المعاجم بعض المشكلات الصوتية، إما في مقدمات معاجمهم. أو في ثنايا المادة اللغوية المجموعة. ويبدو الاهتمام بهذا النوع من الدراسة في المعاجم التي رتبت صوتيًّا واتبعت نظام
стр. 87
التقليبات "كالعين" للخليل، أو اتبعت نظام التقليبات فقط "كالجمهرة" لابن دريد.
وقد تناولت مقدمة "العين" -التي شغلت ست عشرة صفحة من المطبوعة- المشكلات الصوتية الآتية:
أ- ترتيب الحروف ترتيبًا صوتيًّا١.
ب- اعتبار الراء واللام والنون ذات وضع خاص وتسميتها بحروف الذلاقة لأنها تخرج من ذلق اللسان أي بطرف أسلته. ولا ينطق طرف اللسان إلا بالراء واللام والنون فقط. وألحق الخليل بهذه الثلاثة، ألفاء والباء والميم لأنها شفوية، وسحب عليها اسم الذلاقة كذلك٢.
حـ تصريحه بأن حروف الذلاقة الستة أسهل من غيرها في النطق، ولذا تكثر في أبنية الكلام، ولا يخلو أي بناء رباعي أو خماسي منها أو من بعضها٣.
د الحديث عن مخارج الأصوات تفصيلًا٤.
وسوف نتعرض لبعض هذه المباحث بشيء من التفصيل فيما بعد.
أما مقدمة "الجمهرة" فقد تناولت جميع النقاط السابقة مع شيء من التفصيل في بعضها، وزادت ما يأتي:
стр. 88
"أ" الحديث عن نسج الكلمة العربية والحروف التي تأتلف أو لا تأتلف كقولها: لم تأتلف القاف والكاف في كلمة واحدة إلا بحواجز، وكذلك حالهما مع الجيم- بقاف والكاف جاءت مع الشين- جمعوا بين الشين والجيم- الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت- الحاء والعين لم تأتلف في كلمة واحدة - أصعب الحروف حروف الحلق.
ب- حديثها عن الأصوات الرخوة والأصوات المطبقة والأصوات الشديدة.
حـ- تعرضها لنسبة تردد الأصوات في اللغة العربية، وادعاؤها أن أكثر الحروف استعمالًا في اللغة هي الواو والياء والهاء، وأقلها الظاء ثم الذال ثم الثاء ثم الشين ثم القاف ثم الخاء ثم النون ثم اللام ثم الراء ثم الباء ثم الميم١.
٣ وأسهم علماء التجويد والقراءات القرآنية بقدر لا يجحد في هذا الميدان، ولسنا نملك لهذا النوع من الدراسة مادة كافية تسمح بتتبع تطوره ووصف المراحل التي قطعها حتى صار علمًا مستقلًّا هو "علم التجويد" وكل الذي يعرف عن مراحله الأولى أن أول من استخدام هذه الكلمة في معنى قريب من معانها هو ابن مسعود الصحابي الذي كان ينصح المسلمين بقوله: "جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات".
والذي يروي البخاري مسلم في شأنه أنه كان يتفنن في تجويد القرآن وترتيله وأن الرسول ﷺ كان يجهش بالبكاء حينما يسمع القرآن بترتيل ابن مسعود. ويبدو أن نشأة علم التجويد جاءت استجابة لدعوة ابن مسعود، ومحاولة لتقنين قواعد القراءة اقتفاء لأثره. وأصبح كل كتاب للتجويد -فيما بعد- يشتمل - إلى جانب قواعد
стр. 89
التلاوة - على فصل في مخارج الحروف وطريقة نطقها وصفاتها كما فعل ابن الجزري في كتابه "النشر" الذي خصص سبع صفحات فيه لهذا المبحث وحده. كذلك ترددت في كتب التجويد مصطلحات صوتية مثل الإشمام، والإشباع، والاختلاس، والمد، والتفخيم، والترفيق، ونحوها١.
٤- وأدلى المؤلفون في إعجاز القرآن وعلوم البلاغة بدلوهم مع الدلاء وزودونا بمعلومات صوتية ذات قيمة. ومعظم ما شغلهم من مباحث الأصوات يتعلق بتنافر الأصوات وتآلفها. واستتبع هذا بالضرورة حديثًا عن مخارج الحروف وهل للقرب أو البعد المخرجي دخل في التنافر أو التآلف ونضرب على هذا النوع من الدراسة الأمثلة الآتية:
أ- يقول الرماني "القرن الرابع" في رسالته "النكت في إعجاز القرآن" بعد أن قسم الكلام إلى متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا: "والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله.
والسبب في التلاؤم تعديل الحروف في التأليف. فكلما كان أعدل، كان أشد تلاؤمًا وأما التنافر فالسبب فيه ما ذكره الخليل من البعد الشديد أو القرب الشديد وذلك أنه إذا بعد البعد الشديد كان بمنزلة الطفر، وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد، لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه، وكلاهما صعب على اللسان ... ومخارج الحروف مختلفة فمنها ما هو من أقصى الحلق، ومنها ما هو من أدنى الفم، ومنها ما هو في الوسائط بين ذلك"٢.
стр. 90
"ب" ويقول ابن سنان الخفاجي "القرن الخامس" في كتابه "سر الفصاحه". "وقد ذهب علي بن عيسى١ أيضًا إلى أن التنافر أن تتقارب الحروف في المخارج أو تتباعد بعدًا شديدًا، وحكي ذلك عن الخليل ابن أحمد، ويقال: إنه إذا بعد البعد الشديد كان بمنزلة الطفر، وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد، لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه وكلاهما صعب على اللسان. والسهولة من ذلك في الاعتدال، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال" ويعقب ابن سنان الخفاجي على ذلك بقوله:
"والذي أذهب أنا إليه ... لا أرى التنافر في بُعد ما بين مخارج الحروف وإنما هو في القرب. ويدل على صحة ذلك الاعتبار كلمة "ألم" فهي غير متنافرة، وهي مع ذلك مبنية من حروف متباعدة المخارج؛ لأن الهمزة من أقصى الحلق، والميم من الشفتين، واللام متوسطة بينهما وعلى مذهبه كان يجب أن يكون هذا التأليف متنافرًا؛ لأنه على غاية ما يمكن من البعد ... ومتى اعتبرت جميع الأمثلة لم ترد للبعد الشديد وجهًا في التنافر على ما ذكره. فأما الإدغام والإبدال فشاهدان على أن التنافر في قرب الحروف دون بعدها لأنهما لا يكادان يردان في الكلام إلا فرارًا من تقارب الحروف. وهذا الذي يجب عندي اعتماده، لأن التتبع والتأمل قاضيان بصحته"٢.
حـ- وقد ضمن أبو بكر الباقلاني "القرن الرابع" كتابه المشهور "إعجاز القرآن" كثيرًا من المباحث الصوتية، بقصد تحليل آيات القرآن، وبيان أوجه إعجازها. وأهم ما ذكره في هذه الخصوص يتعلق بفواتح السور وسر اختيار حروف معينة لها. ومن ذلك قوله:
١- "إن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفًا
стр. 91
وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة. وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفًا؛ ليدل بالمذكور على غيره. والذي تنقسم إليه هذه الحروف ... أقسام.. فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة.
فالمهموسة منها عشرة وهي الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين. وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة. وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور، وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولا نقصان"١.
٢- ويذكر الباقلاني كذلك أن نصف حروف الحلق "العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين" وهو العين والحاء والهاء قد ورد في هذه الفواتح. وكذلك النصف من الحروف التي ليست بحروف حلق. كما يذكر أن نصف الحروف الشديدة "الهمزة والقاف والكاف والجيم والتاء والدال والطاء والباء" وهو الطاء والقاف والكاف والهمزة مذكورة في جملة تلك الحروف: وكذلك نصف الحروف المطبقة "الطاء والضاد والصاد والظاء" وهو الطاء والصاد مذكور في الفواتح٢.
٣- ويقول عن البدء بحروف "ألم": "لأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلقًا، واللام متوسطة، والميم متطرفة، لأنها تأخذ في الشفة، فنبه بذكرها على غيرها من الحروف، وبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردد بين هذين الطرفين"٣.
٤- كذلك شارك أصحاب الموسوعات الأدبية في هذا الحقل، وعلى
стр. 92
رأسهم الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين". ونكتفي بضرب بعض الأمثلة من بيان الجاحظ باعتبارها تمثل هذا النوع من البحوث:
"أ" مما تعرض له الجاحظ عيوب النطق سواء كانت ناتجة عن سرعة أو سبب عضوي، أو لثغة، أو لكنة أجنبية.
أما العيب الناتج عن السرعة فقد سماه اللفف، وعرفه بأن يدخل المتكلم الكلام بعضه في بعض.
وأما العيب الناتج عن سبب عضوي مثل سقوط بعض الأسنان فقد مثل له الجاحظ بخطيب اسمه الجمحي أصاب في خطبته، ولكنه كان نازعًا بعض أسنانه فكان في كلامه صفير يخرج من موضع ثناياه المنزوعة.
ونقل الجاحظ في مكان آخر ملاحظة لمحمد بن عمرو الرومي عن سقوط جميع الأسنان وهي "قد صحت التجربة، وقامت العبرة على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شطريها الشطر الآخر".
أما اللثغة فقد عالجها الجاحظ في شيء من الاستفاضة، وتعرض للحروف التي تدخلها، وذكر أنها أربعة هي القاف والسين واللام والراء فلثغة القاف تكون بقلبها طاء، والسين بقلبها ثاء، واللام بقلبها ياء أو كافًا، والراء بقلبها ياء أو عينًا أو ذالًا أو ظاء.
وتعرض الجاحظ كذلك للكنة التي تبدو في كلام الأعجمي إذا نطق اللغة العربية كنطق السدي الجيم زايًا، والنبطي الزاي سينًا والعين همزة١.
ب كذلك تناول الجاحظ نسج الكلمة العربية، وعدم اجتماع
стр. 93
بعض الحروف مع بعض، وذلك في قوله: "فأما اقتران الجروف فإن الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير. والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال.. وهذا باب كبير، وقد يكتفى بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التي إليها يجري"١.
"ح" وينقل الجاحظ الزعم أن الياء واللام والألف والراء أكثر الحروف ترددًا من غيرها، وأن الحاجة إليها أشد، ثم يعقب بقوله: "واعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل، وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصلت جميع حروفها وعددت كل شكل على حدة علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشد"٢.
ومنهج الجاحظ في هذه التجربة الصوتية يعد أحدث منهج متبع الآن، وهو أخذ عينة من المادة اللغوية المدروسة ثم استخلاص النتائج منها والانتهاء بتعميم الحكم.
وأول من أفرد المباحث الصوتية بمؤلف مستقل ونظر إليها على أنها علم قائم بذاته ابن جني المتوفي عام ٣٩٢ هـ في كتابه "سر صناعة الإعراب"٣ الذي تناول الموضوعات الصوتية الآتية:
١- عدد حروف الهجاء وترتيبها ووصف مخارجها.
٢ بيان الصفات العامة للأصوات وتقسيمها باعتبارات مختلفة.
٣ ما يعرض للصوت في بنية الكلمة من تغيير يؤدي إلى الإعلال أو الإبدال أو الإدغام أو النقل أو الحذف.
стр. 94
٤- نظرية الفصاحة في اللفظ المفرد ورجوعها إلى تأليفه من أصوات متباعدة المخارج١. ويقول ابن جني في مقدمة كتابه.
"وأذكر أحوال هذه الحروف في مخارجها ومدارجها، وانقسام أصنافها، وأحكام مجهورها ومهموسها، وشديدها ورخوها، وصحيحها ومعتلها، ومطبقها ومنفتحها وساكنها ومتحركها ... إلى غير ذلك من أجناسها. وأذكر فرق ما بين الحرف والحركة. وأذكر أيضًا الحروف التي هي فروع مستحسنة والحروف التي هي فروع مستقبحة، والحركات التي هي فروع متولدة عن الحركات كتولد الحروف عن الحروف. وأذكر أيضًا ما كان من الحروف في حال سكونه له مخرج؛ فإذا حرك أقلقته الحركة وأزالته عن محله في حال سكونه"٢:
ويجدر بنا ونحن نتحدث عن ابن جني أن ننبه إلى شيئين اثنين:
أ- أن ابن جني كان أول من استعمل مصطلحًا لغويًّا للدلالة على هذا العلم ما زلنا نستعمله حتى الآن وهو "علم الأصوات"٣.
ب- أن ابن جني يعتبر الرائد في هذه الدراسة، وكان على حق في قوله في كتابه: "وما علمت أن أحدًا من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض ولا أشبعه هذا الإشباع"٤.
وسوف نعرض فيما بعد نتفًا من آراء ابن جني الصوتية.
وأخيرًا نشير إلى عمل لابن سينا الفيلسوف المشهور يدخل تحت الدراسة الصوتية وهو رسالته "أسباب حدوث الحروف" التي طبعت بالقاهرة عام ١٣٣٢ هـ بتحقيق محب الدين الخطيب، وفي طهران عام
стр. 95
١٣٣٣هـ١، وف بيروت عام ١٩٦٢ بتحقيق فؤاد حنا ترزي، وفي دمشق عام ١٩٨٣. والرسالة -بالإضافة إلى مقدمتها- مقسمة إلى الفصول الستة الآتية:
١- الفصل الأول سبب حدوث الصوت.
٢- الفصل الثاني جعل عنوانه "سبب حدوث الحروف" وفيه يتحدث عن مخارج الأصوات ومحابسها.
٣- وخصص ابن سينا الفصل الثالث لتشريح الحنجرة واللسان.
٤- وفي الفصل الرابع يعالج ابن سينا الحروف العربية ويبين كيفية صدور كل حرف منها ويصف العملية العضوية مع كل حرف وصفا مفصلا.
٥- أما الفصل الخامس فقد خصصه ابن سينا لأصوات سمعها في لغات أخرى غير العربية مثل السين الزائية والزاي السينية والزاي الظائية والفاء الشبيهة بالباء.
٦- وأنهى ابن سينا رسالته بفصل فريد بين فيه كيفية إنتاج هذه الأصوات بحركات غير نطقية، كالشين التي تسمع "عن نشيش الرطوبات" والطاء التي "تحدث عن تصفيق اليدين بحيث لا تنطبق الراحتان"٢.
стр. 96
آراء ابن سينا الصوتية:
"أ" طبيعة الصوت:
تناول ابن سينا طبيعة الصوت في رسالته "أسباب حدوث الحروف"، وفي كتابه "الشفاء" في فصل السمع. وقد انتهى إلى أن العملية الصوتية تتضمن عناصر ثلاثة هي:
١- وجود جسم في حالة تذبذب.
٢- وجود وسط تنتقل فيه الذبذبة الصادرة عن الجسم المتذبذب.
٣- وجود جسم يستقبل هذه الذبذبات.
وهو نفس ما انتهى إليه المحدثون من علماء الأصوات.
وقد عبّر ابن سينا عن العنصر الأول باشتراط وجود قرع أو قلع "أما القرع فمثل ما تقرع صخرة أو خشبة فيحدث صوت. وأما القلع فمثل ما قلع أحد شقي مشقوق عن الآخر، كخشبة تنحى عليها بأن تبين أحد شقيها عن الآخر طولًا". واشترط لإحداث القرع أو القلع صوتًا أن يكون كل منهما بقوة معينة "فإن قرعت جسمًا كالصووف بقرع لين جدًّا لم تحسن صوتًا. بل يجب أن يكون للجسم الذي تقرعه مقاومة ما، وأن يكون للحركة التي للمقروع به إلى المقروع عنف صادم ... وكذلك إذا شققت شيئًا يسيرًا وكان الشيء لا صلابة له لم يكن للقلع صوت ألبتة"١.
وعبر عن العنصر الثاني، وهو وجود وسط ناقل للذبذبات بقوله: "أظن أن الصوت سببه القريب تموج الهواء ودفعه بسرعة وبقوة من أي سبب كان". وقوله: "وهذا الشيء الذي فيه هذه الحركات شيء
стр. 97
رطب سيال لا محالة، إما ماء، وإما هواء، فيكون مع كل قرع وقلع حركة للهواء أو ما يجري مجراه، إما قليلًا برفق، وإما دفعة على سبيل تموج أو انجذاب بقوة. فقد وجب أن ها هنا شيئًا لا بد أن يكون موجودًا عند حدوث الصوت، وهو حركة قوية من الهواء، أو ما يجري مجراه"١.
أما الجسم المستقبل للذبذبات فقد تحدث عنه في كتابيه الشفاء وأسباب حدوث الحروف، وذلك في قوله الأول: " فإذا انتهى التموج من الهواء أو الماء إلى الصماخ، وهناك تجويف فيه هواء راكد يتموج بتموج ما ينتهي إليه، ووراءه، كالجدار مفروش عليه العصب الحاس للصوت أحس بالصوت"٢. وفي الثاني: "ثم ذلك الموج يتأدى إلى الهواء الراكد في الصماخ فيموجه فيحس به العصبة المفروشة في سطحه"٣.
ومن اللافت للنظر كذلك أن يتنبه ابن سينا إلى قابلية الأذن لإدراك الأصوات بمعدلات معينة للتردد والتوتر لها حد أدنى وحد أعلى، وأن ينتبه إلى أن زيادة شدة الصوت عن مقدار معين تسبب الأذى والإزعاج للسامع، وذلك في قوله: "القرع الشديد يحدث صوتًا يضر السمع" وقوله: "والتموج الفاعل للصوت قد يحس حتى يؤلم". بل يصرح ابن سينا بقدرة الأصوات الشديدة على تحطيم الأشياء "فإن صوت الرعد قد يعرض منه أن يدك الجبال، وربما ضرب حيوانًا فأفسده. وكثيرًا ما يستظهر على هدم الحصون العالية بأصوات البوقات"٤.
стр. 98
"ب" مخرج الصوت الإنساني وصفاته:
يستخدم ابن سينا للتعبير عن إنتاج الصوت لفظ الحبس ومشتقاته. أما كلمة المخرج؛ فيبدو أنه يستخدمها للإشارة إلى مجرى الهواء أو طريقه الذي يكون إما نحو الأنف أو الفم. وقد تردد في كلامه ألفاظ المخرج والمخارج والحبس والحابس والمحبوس والمحابس..
ويرى ابن سينا أن الذي يميز الحرف "الصوت" عن الحرف "الصوت" جملة عوامل منها:
١- اختلاف نقطة التحكم في مجرى الهواء "بسبب اختلاف الأجرام التي يقع عندها وبها الحبس والإطلاق، فإنها ربما كانت ألين، وربما كانت أصلب، وربما كانت أيبس، وربما كانت أرطب.. وقد يكون الحابس أصغر وأعظم، والمحبوس أكثر وأقل، والمخرج أضيق وأوسع، ومستدير الشكل، ومستعرض الشكل مع دقة، والحبس أشد وألين، والضغط بعد الإطلاق أحفز وأسلس.."١.
٢- اختلاف حال التموج "بعد أن ذكر أن نفس التموج إنما يفعل الصوت": "وأما حال التموج في نفسه من اتصال أجزائه وتماسها، أو تشظيها بها فيفعل الحدة والثقل. أما الحدة فيفعلها الأولان، وأما الثقل فيفعله الثانيان"٢.
ويفسر الدكتور إبراهيم أنيس الحدة والثقل بأحد تفسيرين:
أولهما وأرجحهما: أن ابن سينا هنا يشير إلى درجة الصوت pitch لأن طول الموجة مع الصوت الحاد أقل منه مع الصوت الثقيل. فأجزاء الموجه في الصوت الحاد متقاربة متمساكة، على حين أن أجزاءها مع الصوت الثقيل متباعدة.
стр. 99
الأمر الثاني أن ابن سينا في هذا النص أراد فعلًا أن يصف لنا حدة الصوت وثقله high and low pitch، وجعل حدة الصوت أو ثقله متوقفًا على طبيعة الجسم المقروع. فهو في حالة اتصال أجزائه وتماسكها، أي: حين تكون ذات كثافة كبيرة كالأجسام الصلبة من معادن ونحوها يكون الصوت عادة حادًّا على حين أن الصوت مع الجسم الأقل كثافة كالخشب مثلًا يكون ثقيلًا١.
٣- اختلاف طريقة التحكم في الهواء عند نقطة الإنتاج "المحبس".
وقد ذكر ابن سينا في هذا الخصوص طريقتين هما:
أ- الحبس التام للصوت.
ب- الحبس غير التام للصوت.
وقد عبر عن هذين بقوله: "والحروف بعضها -في الحقيقة- مفردة، وحدوثها عن حبسات تامة للصوت أو للهواء الفاعل للصوت يتبعها إطلاق دفعة. وبعضها مركبة وحدوثها عن حبسات غير تامة لكن مع إطلاقات٢.
وهنا نلاحظ أن ابن سينا يستعمل المصطلحين: مفردة ومركبة في مقابل مصطلحي سيبويه: شديدة ورخوة، والمصطلحين الحديثين: انفجارية "وقفية" واحتكاكية.
وقد فرق ابن سينا بين الحروف المفردة والحروف المركبة قائلًا: "وهذه المفردة تشترك في أن وجودها وحدوثها في الآن الفاصل بين زمان الحبس وزمان الإطلاق. وذلك لأن زمان الحبس التام لا يمكن أن يحدث فيه صوت حادث عن الهواء وهو مسكن بالحبس، وزمان الإطلاق ليس يسمع فيه شيء من هذه الحروف؛ لأنها لا تمتد ألبتة، إنما هي مع إزالة
стр. 100
الحبس فقط: وأما الحروف الأخرى فإنها تشترك في أنها تمتد ... في الزمان الذي يجتمع فيه الحبس مع الإطلاق ١.
وقد قسم ابن سينا الحروف المفردة "الوقفية" إلى نوعين:
أ- مفردة "على الإطلاق".
ب- مفردة من وجه.
أما المفردة على الإطلاق فهي: الباء والتاء والجيم والدال والطاء والقاف والكاف والهمزة.
وأما المفردة من وجه فهي: الضاد واللام والميم والنون.
وقد أصاب ابن سينا في هذه التفرقة بين النوعين، واعتباره الحبس في الأصوات الأربعة الأخيرة حبسًا جزئيًّا في مكان يصحبه تسريح في مكان آخر. فالضاد -كما يذكر القدماء- "إن شئت تكلفتها من الجانب الأيمن، وإن شئت من الجانب الأيسر"، وكلام سيبويه يدل على أنها تكون من الجانبين. واللام -على حد تعبير سيبويه- صوت منحرف جرى فيه الصوت لانحراف اللسان مع الصوت، ولم يعترض على الصوت كاعتراض الحروف الشديدة.
والميم والنون صوتان شديدان عند سيبويه يجري معهما الصوت. لأن ذلك الصوت غنة من الأنف، فإنما تخرجه من أنفك.
وقد اعتبر بعض المتأخرين "ابن جني والزمخشري وابن الجزري وغيرهم" النون والميم واللام مع حروف أخرى" ضمن الحروف المتوسطة أو بين الشديدة والرخوة.
وأما الحروف المركبة "الاحتكاكية" فلم يذكرها ابن سينا بالاسم
стр. 101
مكتفيًا بذكر مقابلاتها المفردة "الوقفية" ولك أن تعدها عدًّا".
وبعملية إسقاط للحروف المفردة يتبين أن المركبة عنده هي: الثاء - الحاء - الخاء - الذال - الراء - الزاي - السين - الشين - الصاد - الضاد - العين - الغين - الفاء - الهاء.
ويبقى تعليق على صوت الراء. فإذا كان التقسيم الثنائي إلى شديد ورخو لم يستطع أن يشملها، فاختصها اللغويون باسم "المكرر" "وإن اعتبروها نوعًا من الشديد" فإن مصطلح "المركب" عند ابن سينا يمكن أن يشملها بسهولة؛ لأن شرط التركيب في الصوت أن "يمتد في الزمان الذي يجتمع فيه الحبس مع الإطلاق"، وهو ما ينطبق على الصوت المكرر: الراء، كما ينطبق على الأصوات الاحتكاكية.
جـ- أصوات العربية:
خص ابن سينا أصوات اللغة العربية بفصل في رسالته، هو الفصل الرابع الذي عنونه "في الأسباب الجزئية لحرف حرف من حروف العرب".
وقد عالج ابن سينا في هذا الفصل الأصوات صوتًا صوتًا على الترتيب التالي:
الهمزة - الهاء - العين - الحاء - الخاء - الغين - القاف - الكاف - الجيم - الشين - الضاد - السين - الصاد - الزاي - الطاء - التاء - الدال - الثاء - الذال - الظاء - اللام - الراء - الفاء - الباء - الميم - النون - الواو الصامتة - الياء الصامتة - المصوتات: الألف الصغرى والكبرى - الواو الصغرى والكبرى - الياء الصغرى والكبرى.
وأول ما يلفت النظر في ترتيب ابن سينا ما يأتي:
١- تفريقه بين السواكن والعلل، وتسميته الأولى صوامت والثانية مصوتات.
стр. 102
٢- تفريقه بين نوعين من الواو والياء. فنوع أدرجه في الصوامت، ونوع أدرجة في المصوتات.
٣- تفريقه بين الحركة القصيرة والحركة الطويلة "الصغرى والكبرى".
٤- اتباعه الطريقة العربية التي ترتب الأصوات من الداخل إلى الخارج.
ويتميز ترتيب ابن سينا بما يأتي:
١- عدم وضعه الألف بجوار الهمزة بخلاف ما فعل سيبويه وابن جني. وإن وضع الألف مع أصوات الحلق من أخطاء اللغويين القدماء، وإن حاول بعضهم الدفاع عنه.
٢- تقديم القاف على الكاف مخالفًا في ذلك سيبويه.
٣- إبعاد الواو والياء إلى ما بعد الانتهاء من الصوامت.
٤- تأخير أحرف العلة الثلاثة "قصيرها وطويلها" إلى ذيل القائمة.
فكأن ابن سينا قد راعى البدء بالصوامت ثم أشباه المصوتات ثم المصوتات.
٥- وضع الميم والنون متتاليتين رغم اختلاف مخرجهما لاشتراكهما في صفة الأنفية.
٦- أما وضع الراء واللام عند ابن سينا ففيه نظر. ولعله تبع فيه ترتيب الخليل بن أحمد في معجمه العين.
أما حديثه عن مخارج الأصوات وصفاتها وكيفيات نطقها فنجد فيه تفصيلًا دقيقًا لا نجده في كتب اللغويين. وقد أعانه على ذكر الحركات العضوية، وعلى تحديد العضلات والمفاصل المشتركة في انتاج الصوت.
стр. 103
خبرته العملية الواسعة بتركيب جسم الإنسان وبتشريح أعضائه. ومن أمثلة ذلك قوله:
١- أما الهمزة فإنها تحدث عن حفز قوي من الحجاب وعضل الصدر لهواء كثير، ومن مقاومة الطرجهالي الحاصر زمانًا قليلًا لحفز الهواء ثم اندفاعه إلى الانقلاع بالعضلة الفاتحة وضغط الهواء معًا له.
٢- وأما الحاء وإن شاركت العين؛ فإنها تخالف العين في هيئة المخرج وفي المحبس وفي القوة وفي جهة مخلص الهواء. فإن الفرجة بين الغضروفين السافلين تكون أضيق، والهواء يندفع أميل إلى قدام، ويصدم حافة التقعير الذي كان يصدمه هواء العين عند الخروج. وتلك الحافة صلبة والدفع فيها أشد فيقسر الرطوبة ويميلها إلى قدام ...
٣- وأما الثاء فتخرج باعتماد من الهواء عند موضع التاء بلا حبس وتحبس عند طرف الأسنان ليصير الخلل أضيق؛ فيكون صفير قليل مع القلع.
وكأن الثناء سين تلوفيت بحبس فرج مسلك هوائها الصفار.
٤- وحدوث اللام بحبس من طرف اللسان رطب غير قوي جدًّا، ثم قلع إلى قدام قليلًا، والاعتماد على الجزء المتأخر من اللسان المماس لما فوقه أكثر من الاعتماد على طرف اللسان. وليس الحفز للهواء بقوي. ولو كان الحفز والشد قويًّا خرج حرف كالطاء.
٥- وإن كان طرف اللسان متعرضًا للموضع الذي يمسه في اللام من غير مس صادق، ولا التصاق رطوبة، ثم عرض حافتاه بالعضلتين المطولتين تعريضًا أقوى من تعريض الطرف نفسه، وحمل عليه الهواء حتى نفضه وأرعده كما يفعل الريح بكل لين متعرض له متعلق.
стр. 104
من طرف منه بشيء ثابت حدث منه حرف الراء، وسمع التكرير الذي فيه للارتعاد قدمًا.
٦- وأما الميم فإن الحبس فيها تام وبأجرام من الشفة أيبس وأخرج. وليس تسريب الهواء مع القلع إلى خارج الفم كله، بل يصرف بعضه بحفز قوي إلى التجويف الذي في آخر المنخر ليدور فيه ويفعل دويًّا، ثم يطلقان معًا.
وقد فطن ابن سينا إلى وجود أثر سمعي يصاحب نطق بعض الأصوات كالزاي والذال والغين ... "وهو ما سماه اللغويون بالجهر" وحاول تفسيره من الناحية العضوية. وعلى الرغم من أن تفسيره تعوزه الدقة العلمية فهو أقرب إلى القبول من تفسير اللغويين. يقول سيبويه معرفًا الصوت المجهور بأنه "حرف أشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت" ونفس التعريف بألفاظه نجده عند ابن جني وغيره.
أما ابن سينا فيقول عن صوت الزاي مفرقًا بينه وبين السين والصاد: "وأما الزاي فإنها تحدث أيضًا قريبًا من الموضع الذي يحدث فيه السين والصاد. ولكن يكون طرف اللسان فيها أخفض، وما بعده أرفع وأقرب من سطح الحنك كالمماس بالعرض أجزاء دون أجزاء.
ولكنها أقل أخذًا في الطول مما يأخذه المقرب من سطح الشجر والحنك في السين. والغرض من ذلك أن يحدث هناك اهتزاز على سطح اللسان وسطح الحنك ليجتمع ذلك الاهتزاز مع الصفير. وأما في سائر الأشياء فهو كالسين. ويكاد للاهتزاز الذي يقع في الزاي أن يكون تكريرًا كالتكرير الواقع في الراء".
ويقول عن صوت الغين: "ويكون الاهتزاز في تلك الرطوبة أكثر منها فيما سلف"مع الخاء". ويقول عن الذال: إنها "تفارق الثاء في الاهتزاز".
стр. 105
ومعنى هذا أن ابن سينا قد فطن إلى وجود اهتزاز يصاحب نطق الزاي والذالوالغين.. وأن هذا الاهتزاز في تكراره يشبه التكرار الواقع في الراء. وهذه نقطة تحسب في صالحه. ولكن الشيء الذي يؤخذ عليه هو عدم اهتدائه إلى العضو المهتز. إذ جعله ابن سينا سطح اللسان، أو سطح الحنك أو الرطوبة، مع أنه في الواقع الوتران الصوتيان في منطقة الحنجرة.
ويبدو أن وجود الوترين الصوتيين في موضعهما المذكور لم يهتد إليه القدماء، ولذا لم يرد لهما ذكر في الكتب الطبية والتشريحية العربية. نعم قد ورد في كتابات ابن سينا وغيره مصطلح "الجسم الشبيه بلسان المزمار" أو "الشيء الذي يُسمى لسان المزمار" أو "الجسم المعروف بلسان المزمار" كما ورد في كتابات ابن سينا أن آلة الصوت "الحنجرة والجسم الشبيه بلسان المزمار، وهي الآلة الأولى الحقيقية، وسائر الآلات بواعث ومعينات"١.
وذكر ابن القف أن لسان المزمار "هو الآلة الأولى في الصوت، ويسمى بهذا الاسم لأنه يشبه لسان المزمار في شكله وفعله ووضعه.. فإنه موضوع في الحنجرة في الموضع الذي يوضع فيه لسان المزمار في المزمار.. وقد جعل له الفعل الذي للسان المزمار في المزمار وهو التلحين"٢ ولكن ليس من السهل التسليم بأنهما يريدان بلسان المزمار الفرجة التي بين الأوتار الصوتية كما يرجح الدكتور أنيس٣.
وأغلب الظن أنهما يريدان به ما يقابل المصطلح الأجنبي Epiglottis وهو مصطلح يطلق على الغضروف المفرد أعلى غضاريف الحنجرة الذي يقع في مقدمة الحنجرة وخلف جذر اللسان مباشرة مشكلًا جدارًا أماميًّا منحرفًا لمدخل الحنجرة.. ويقوم لسان المزمار بالفصل بين الهواء والغذاء أثناء البلع وذلك باندفاعه إلى أسفل تبعًا لحركة جذر اللسان والعظم
стр. 106
اللامي ليغلق مدخل الحنجرة١. ومما يدل على أن هذا هو المراد بلسان المزمار، وليس الفرجة التي بين الأوتار الصوتية ما ورد في كتاب "العمد" من أن جالينوس سماه "طبق الحنجرة", وما ورد فيه من أنه "حال ازدراد الطعام وشرب الشراب بنطبق الجميع ويحيط بالحنجرة من داخل غشاء ملبس عليها جميعها"٢.
وعلى هذا يكون تفسير الجهر عند ابن سينا تفسيرًا مقاربًا إذ ربطه بالاهتزاز، ولكن يظل غير دقيق لعدم اهتدائه للعضو الأساسي في ظاهرة الجهر وهو الوتران الصوتيان.
كذلك تحدث ابن سينا عما سماه سيبويه بالإطباق، وما يمكن تسميته كذلك بالتفخيم، وهو الوصف الذي تتميز به الأصوات: ص - ض - ط - ظ.
وقد أشار سيبويه إلى الإطباق بقوله٣: "أما المطبقة فالصاد والضاد والطاء والظاء.. وهذه الحروف الأربعة إذا وضعت لسانك في مواضعهن انطبق لسان من مواضعهن إلى ما حاذى الحنك الأعلى من اللسان ترفعه إلى الحنك. فإذا وضعت لسانك فالصوت محصور فيما بين اللسان والحنك إلى موضع الحروف" وأشار إليه ابن جني بقوله: "والإطباق أن ترفع ظهر لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقًا له"٤.
ولكننا نجد ابن سينا يتميز عليهما بوصفه التفصيلي المعتمد على تحديد ما يلحق الأعضاء المشاركة في النطق من تعديلات. فحين يتحدث عن الصاد يقول: "ويحدث في اللسان كالتقعير حتى يكون لانقلاب الهواء كالدوي". وحين يتحدث عن الطاء يقول بعد أن حدد مخرجها
стр. 107
وربطه بمخرج التاء والدال: "لكن الطاء يحبس في ذلك الموضع بجزء من طرف اللسان أعظم.. وتقعر وسط اللسان خلف ذلك المحبس ليحدث هناك للهواء دوي عند الإخراج، ثم يقلع ويكون الحبس بشد قوي" وحين يفرق بين التاء والطاء يقول: "وأما التاء فيكون مثله في كل شيء إلا أن الحبس بطرف اللسان فقط".
فهنا نجد لأول مرة حديثًا عن تقعر اللسان مع الأصوات المفخمة، وعن اشتراك جزءين من اللسان في عملية نطقها، وهو ما لم نجده بهذا الوضوح عند اللغويين القدماء١.
بعض النتائج الصوتية التي توصل إليها العرب:
كان للقدماء من علماء العربية بحوث في الأصوات اللغوية شهد المحدثون أنها جليلة القدر بالنسبة إلى عصورهم، بل حتى بالنسبة للعصر الحديث، برغم ما فيه من إمكانات هائلة لم تتح للقدماء، من آلات وأجهزة للتصوير والتسجيل وتحليل الأصوات وغيرها. ويكفي العرب فخرًا في مجال الأصوات أن يشهد لهم عالمان غربيان كبيران هما برجشتراسر الألماني، وفيرث الإنجليزي. يقول الأول: "لم يسبق الأوربيين في هذا العلم إلا قومان من أقوام الشرق وهما أهل الهند ... والعرب" ٢ ويقول الثاني: "إن علم الأصوات قد نما وشب في خدمة لغتين مقدستين هما السنسكريتية والعربية".
أما أهم النتائج الصوتية التي توصل إليها العرب فهي باختصار:
١- وضع العرب أبجدية صوتية للغة العربية رتبت أصواتها بحسب المخارج ابتداء من أقصاها في الحلق حتى الشفتين. وقد وضع
стр. 108
الخليل بن أحمد أول أبجدية من هذا النوع عرفتها اللغة العربية تشتمل على تسعة وعشرين رمزًا، وسار فيها على النحو التالي.
ع ح هـ خ غ - ق ك - ج ش ض - ص س ز - ط د ت - ظ ث ذ - ر ل ن - ف ب م - وا ي همزة ١.
ولكن سيبويه في كتابه قد خالف أستاذه مخالفات جوهرية، إذ رتبها على النحو التالي: همزة اهـ ع ح غ خ ك ق ض ج ش ي ل ر ن ط د ت ص ز س ظ ذ ث ف ب م و.
أما ترتيب ابن جني فقد جاء موافقًا -في معظمه- لترتيب سيبويه، فيما عدا وضعهالقاف قبل الكاف، وتأخيره الضاد إلى ما بعد الياء٢.
٢- تحدث العرب عن أعضاء النطق وسموا كلًّا منها مثل الرئة والحنجرة والحلق واللسان والشفتين، وقسموا الحلق إلى أقصى ووسط وأدنى، واللسان إلى أصل وأقصى ووسط وظهر وحافة وطرف٣.
وتحدثوا عن مخارج الأصوات بطريقة تفصيلية، وصنفوا الأصوات بحسب المكان الذي يتم فيه التحكم في الهواء الخارج من الرئتين. وقد حصر الخليل المخارج في ثمانية٤، وبعضهم حدد مخارج الأصوات بطريقة أدق فوصل بالرقم إلى ستة عشر أو سبعة عشر مثل سيبويه وابن دريد وابن جني وعلماء التجويد٥.
وقد شبه ابن جني مجرى الهواء في الحلق والفم بالناي قائلًا: "إذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه. فكذلك.
стр. 109
إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة"١.
٣- توصل العرب إلى أن طريقة التحكم في مجرى الهواء هامة في إنتاج الصوت. وقد قسموا الأصوات على أساسها إلى شديدة ورخوة ومتوسطة. وفسروا الشديد بأنه الحرف الذي يمنع الصوت من أن يجري فيه، والرخو بأنه الذي يجري فيه الصوت. ووضعوا قائمة بأصوات كل نوع بطريقة يوافقهم عليها في جملتها التحليل الصوتي الحديث٢.
٤- فصل العرب الأصوات المطبقة عن غيرها، وهي الأصوات المفخمة التي يتشرك مؤخر اللسان في النطق بها، وذكروا أنها هي الصاد والضاد والطاء والظاء٣.
٥- اهتدى العرب إلى وجود رنين معين يصحب نطق الأصوات المجهورة، ولذا قسموا الأصوات من حيث وجود هذا الرنين أو عدم وجوده إلى مجهورة ومهموسة، ووضعوا لنا قائمة بكل نوع٤. وقد ذكر أبو الحسن الأخفش أنه سأله سيبويه عن الفرق بين المهموس والمجهور فقال له: "المهموس إذا أخفيته ثم كررته أمكنك ذلك، وأما المجهور فلا يمكنك فيه. ثم كرر سيبويه التاء بلسانه وأخفى فقال: ألا ترى كيف يمكن؟ وكرر الطاء والدال وهما من مخرج التاء فلم يمكن. قال: وإنما فرق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبين المجهور إلا أن تدخله الصوت الذي يخرج من الصدر. فالمجهورة كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر ويجري في الحلق.. أما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها.. والدليل على ذلك أنك إذا أخفيت همست بهذه الحروف ولا تصل إلى ذلك في المجهور ... "٥.
стр. 110
ويعلق الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس على عبارة سيبويه بقوله: إنها تتضمن آراء قيمة في الدراسة الصوتية تتفق مع أحدث النظريات الحديثة إلى حد كبير. فسيبويه يرشدنا هنا إلى وسيلة أخرى لتمييز المهموس من المجهور وذلك عن طريق إخفاء الصوت، وأنه يمكن هذا الإخفاء في المهموسات دون أن تفقد معالمها. أما الإخفاء في المجهورات فيترتب عليه أن الحروف تضيع صفتها المميزة فلا نسمع الدال دالًا حينئذ وإنما نسمع صوتًا آخر هو التاء ... وكذلك يحدثنا سيبويه عما يسميه بصوت الصدر ويراه صفة مميزة للمجهور. ولعل هذا الصوت هو صدى الذبذبات التي تحدث في الوترين الصوتيين بالحنجرة١.
٦- قسم العرب الأصوات إلى صحيحة ومعتلة على أساس اتساع المخرج من العلة دون الصحيحة. واهتدوا أيضًا إلى السمات الخاصة التي تميز بعض الأصوات، مثل اللام التي وصفوها بأنها حرف منحرف، والراء التي وصفوها بأنها حرف مكرر٢. كذلك ميزوا في أصوات العلة بين الفتحة والألف من ناحية، والكسرة والياء والضمة والواو من ناحية أخرى يقول ابن جني: "والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة: الألف ثم الياء ثم الواو. وأوسعها وألينها الألف، إلا أن الصوت الذي يجري في الألف مخالف للصوت الذي يجري في الياء والواو. والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف والواو. والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف والواو.
والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف والواو. والعلة في ذلك أنك تجد الفم والحلق في ثلاثة الأحوال مختلف الأشكال أما الألف فتجد الحلق والفم معها منفتحين.. وأما الياء فتجد الأضراس معها سفلًا وعلوًا قد اكتنفت جنبتي اللسان وضغطته ... وأما الواو فتضم لها معظم الشفتين وتدع بينهما بعض الانفراج ليخرج فيه النفس"٣:
٧- تحدث العرب عن أطوال أصوات العلة وقسموها إلى قصيرة