← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8671

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير

محمد أبو شهبة

Полный текст (439 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات: شعار الكتاب وشيء من مزايا هذه الطبعة الخامسة: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا﴾ . "قرآن كريم" عن ابن عباس قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث، تقرؤنه محضا لم يشب؟ ١ [وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب. وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم"] ١.

стр. 2

مقدمة الكتاب لفضيلة الدكتور محمد محمد أبو شهبة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الكتاب لفضيلة الدكتور محمد محمد أبو شبهة الحمد لله الذي أنزل على عبده محمد الكتاب، ولم يجعل له عوجا، قيِّما، لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يتطرق إليه تحريف ولا تبديل، ولا يميل به عن الجادة الباطل: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١. والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا. محمد، المؤيد بالقرآن معجزة عظمى، وآية باقية على وجه الدهر، ووكل إليه بينه وتفسيره فقال سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ ٢. وعلى آله وأصحابه، والمهتدين بهديه، ما بقي مسلم على وجه الأرض. أما بعد: فقد رغب إلي فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ: عبد الحليم محمود، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالجامع الأزهر المعمور بالعلم والعلماء، أن أولف كتابا أبين فيه الإسرائيليات المبثوثة في كتب التفاسير، مع تزييفها وبيان بطلانها، وقد صادف هذا البحث المفيد هوىً في نفسي؛ ١- لأني أعلم شدة حاجة المسلمين إلى مثل هذا المؤلف الذي يذب عن كتاب الله تعالى ما علق بتفسيره من الأباطيل والخرافات والأكاذيب التي كادت تطغى على التفسير الصحيح لكتاب الله تعالى وتخفى الكثير من جلاله، وجماله، وهدايته التي هي أقوم الهدايات: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ ٣، وعقائده التي هي أسمى العقائد وأحقها بالقبول، وأليقها بالفطر البشرية، وأقربها إلى العقول، وأمسها

стр. 3

بالقلوب، وتظهر الإسلام أمام الباحثين، ولا سيما في العصر الأخير: عصر تقدم العلوم الكونية، والمعارف البشرية، بمظهر الدين الذي يشتمل على الخرافات والترهات؛ لأن كتابه الأكبر هو: القرآن الكريم، وهذه هي: تفاسيره، فيها كثير مما يخالف حقائق العلم، وسنن الله الكونية!! ومؤلفوها هم من علماء الإسلام، بل ومن كبارهم، فهي صورة للإسلام، ولتفكير المسلمين، وذلك مثل: ما روي في بدء الخليقة، وأسرار الوجود، وتعليل بعض الظواهر الكونية، مثل: الرعد، والبرق، والخسوف، والكسوف، وبرودة مياه الآبار في الصيف، وحرارتها في الشتاء، ومثل: ما روي في تفسير: ﴿ق﴾ وأنه الجبل المحيط بالأرض وتفسير قوله تعالى: ﴿ن﴾ وأنه الحوت الذي على ظهره الأرض، وما روي في قصص الأنبياء والمرسلين من إسرائيليات باطلة لا تليق بمقام الأنبياء، وعصمتم إلى نحو ذلك، وما أكثره في كتب التفاسير. وطالما رغب إلي الكثيرون في تأليف كتاب يحق الحق، ويبطل الباطل، ويزيح عن تفسير كتاب الله تعالى هذا الركام من الموضوعات والإسرائيليات والأباطيل، ولأني عنيت من عهد طلب العلم بتتبع الدخيل في كتب التفسير ونحوها، والرد عليها، فقد كانت ولا زالت مثار شبه، وتشكيك، واعتراضات، وتجنيات على الإسلام، والقرآن، والنبي صلوات الله وسلامه عليه. وقد حمل كبر هذا الإثم [القساوسة] والمستشرقون، فقد وجدوا في هذه الإسرائيليات والمختلقات ما يشبع هواهم، ويرضي تعصبهم الممقوت، ويشفي نفوسهم المريضة الحاقدة على الإسلام ونبيه، والقرآن؛ هذا الحقد والضغن الذي يعتبر امتدادا للحروب الصليبية التي شنوها على الإسلام والمسلمين، والتي لا تزال إلى عصرنا هذا تتخذ أشكالا شتَّى، ومظاهر متعددة. والعجب من هؤلاء المبشرين، والمستشرقين: أنهم في سبيل إرضاء صليبيتهم الموروثة، والتي رضعوها في لبان أمهاتهم، يصححون الموضوع والمختلق المنحول، على حين نراهم يحكمون بوضع كثير من الأحاديث الصحيحة، حتى ولو كانت في الصحيحين اللذين هما أصح الكتب البشرية على الإطلاق وذلك مثل: ما روي زورا وكذبا في قصة زواج النبي ﷺ بالسيدة زينب بنت جحش، وما روي في: قصة الغرانيق، مما هو

стр. 4

من صنع زنادقة اليهود والفرس، وأضرابهم، ونحو ذلك مما طبل له المستشرقون والمبشرون، وزمروا، وزادوا فيه، وأعادوا. ومما يؤسف له غاية الأسف أن بعض المتعلمنين والمثقفين الذين تثقفوا بثقافة غير إسلامية، ولا سيما من صنعتهم أوروبا على عينيها، وربتهم على يديها، ويتسمون بأسماء المسلمين، قد تابعوا سادتهم المستشرقين فيما زعموا وصاروا أبواقا لهم، يرددون ما يقوله هؤلاء؛ لأنهم ينظرون إليهم على أنهم قمم في العلم والمعرفة، والشأن في المغلوب كما قال واضع أساس علم الاجتماع: العلامة ابن خلدون أن يقلد الغالب وتنماع شخصيته في شخصيته، وبذلك ساعدوا على نفث هذه السموم بين المتعلمين من شباب المسلمين!! ولقد كان ضرر هؤلاء أشد من ضرر سادتهم المبشرين والمستشرقين؛ لأن القارئ المسلم حَذِر ولو بعض الحذر مما يقول هؤلاء أو لا يركن إليهم الركون كله، أما الكاتب المسلم: فالأمنة من جانبه أكثر، والاغترار بما يقوله أكبر. وقد كانت المدة المحددة لهذا المؤلف ثلاثة أشهر، ولكني اشترطت ستة أشهر، وقبل الأمين العام للمجمع، ولكن ماذا تكفي ستة أشهر؟! وأنا أتولى عمادة كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع أسيوط وإن شئت الحقيقة، فأنا أقوم بتأسيس فرع للجامعة بعاصمة الصعيد أسيوط. وأقوم ببعض المحاضرات في الكلية وخارجها، وفي بعض الشهور كرمضان، والمحرم، وربيع الأول، قد تستوعب المحاضرات العامة الشهر كله، وهو جهد ينوء به الشاب، فضلا عن الشيخ المثقل بشتى المسئوليات والأعباء!! فلا عجب إذا كانت الأشهر الستة قد تضاعفت. ولما تولى فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ: محمد عبد الرحمن بيصار أمانة المجمع، بعد أن تولى سلفه الجليل وكالة الأزهر، كرر الرغبة في إنجاز هذا الكتاب النافع المفيد، لذلك لم يكن لي بد من أن أضاعف الجهد، وأتابع السهر، وأواصل البحث حتى أفرغ من هذا المؤلف الذي أعتقد أنه من أوجب الواجبات على علماء المسلمين، حتى أفي بما وعدت. وهذا الموضوع١ ليس بالأمر الهين الذي يقوم به فرد واحد ولكنه يحتاج إلى جهود.

стр. 5

متعاونة متضافرة من جماعة متخصصين في الأصلين الشريفين: القرآن والسنة، وعلومهما وغيرهما من العلوم الإسلامية، ولهم إلمام وعلم بالتقدم العلمى في الطب، والفلك وعلم سنن الله الكونية، وعلم الاجتماع البشرى، وعلم النفس وعلم الأجناس ونحوها، حتى يؤيدوا بطلان الإسرائيليات، وتهافتها بما جد من نظريات علمية مستقرة، وبذلك يتم لهم نقدها نقدا خارجيا: نقد السند، ونقدا داخليا: نقد المتن، من جهة النقل والعقل والعلم، ويكونون قد أضافوا إلى ما ذكره الأقدمون في نقدها جديدا من النقد، وجديدا من العلم. ولكن لو أننا انتظرنا حتى تكون هذه الجماعة، وتبدأ في العمل لمضت السنون، ولم ننجز عملا، بل قد لا تتفق الجماعة على رأي في كثير من الإسرائيليات، والموضوعات؛ إذ التكوين الثقافي ليس واحدًا، والأنظار ليست واحدة، وهذه طبيعة البشر. والنقاد في كل عصر، منهم المتشدد، ومنهم المتساهل، ومنهم المتوسط المعتدل، لذلك رأيت ألا أحجم عن الكتابة في هذا الموضوع الضخم الخطير الجليل، وأن أؤدي عن علماء المسلمين فرضا مفروضا في هذا المضمار واستعنت بالله تعالى، وسألته التوفيق، والسداد، والرشاد. وهأنذا أفي بما وعدت، وأقدم ما أنجزت، فإن كان ما وصلت إليه صوابا فمن الله ﵎، وإن كان خطأً فمن نفسي ومن الشيطان، وبحسبي أن اجتهدت، وبذلت غاية الوسع في الاجتهاد فلن أخلو من الأجر، وصدق المبلغ عن رب العالمين ﷺ حيث يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" رواه البخاري ومسلم. وقد كان اقتراح عنوان الكتاب أن يكون: الإسرائيليات في كتب التفسير"، ولكني رأيت أن أضم إلى الإسرائيليات الموضوعات أيضا في كتب التفسير؛ فإن فيها موضوعات ذات خطر على الإسلام والنبي، وذلك مثل: ما وضعه الزنادقة وأعداء الإسلام من يهود، ومجوس، ونصارى، وغيرهم، من قصص وروايات تقدح في عصمة النبي، وتظهر الإسلام بمظهر الدين الساذج الذي يشتمل على الخرافات. ومنها: ما كان من أثر الخلافات السياسية، والدينية، والمذهبية ومنها ما وضعه قوم زعموا وبئس ما زعموا أنهم يخدمون الإسلام، ويرغبون فيه وذلك مثل: الأحاديث التي وضعت في فضائل القرآن وفي فضائل السور، وفي فضائل الأشخاص

стр. 6

والأزمنة، والأمكنة، فقد استباح بعض الزهاد وبعض المتصوفة الوضع في باب الترغيب والترهيب وزعموا جهلا وزورا أن ذلك حسبة إلى الله، ومن المؤسف أن بعض أهل العلم لا يزالون يرددون أمثال هذه المرويات، ويستولون بسببها على قلوب العامة والسذج، مع أنها قد نص على وضعها واختلاقها كثير من الحفاظ، وأئمة النقد. وبهذا وذلك: يكون الكتاب فائدته أعظم، وثمرته أعم وأشمل، ولا يفوتني في هذا المقام: أن أنوه بما قام به بعض زملائنا من جهاد مذكور مشكور في هذا الباب، وهو أخونا الأستاذ الدكتور الشيخ محمد حسين المذهبي الأستاذ بكلية أصول الدين، في كتابه "التفسير والمفسرون"، وفي الكتيب القيم الذي نشره له مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف. ماذا يمكن في هذا الموضوع: وآراء الناس وأفكارهم متباينة في معالجة هذا الموضوع الخطير؟: ١- فمنهم من يرى الاستغناء عن كتب التفسير التي اشتملت على الموضوعات والإسرائليات التي جنت على الإسلام والمسلمين وجرت عليهم كل هذه الطعون والهجمات من أعداء الإسلام، وذلك بإبادتها أو حرقها، حتى يحال بين الناس، وبين قراءتها، والاكتفاء بالكتب الخالية أو المقلة منها، وتأليف تفاسير أخرى خالية من هذه الشوائب والمناكير وهو رأي فيه إسراف وغلو؛ إذ ليس من شك في أن هذه الكتب فيها بجانب الإسرائيليات علم كثير، وثقافة إسلامية أصيلة، وأن ما فيها من خير وحق أكثر مما فيها من شر وباطل، فهل لأجل القضاء على الشر نقضي على الخير، ولأجل الإجهاز على الباطل نجهز على الحق أيضا؟ أعتقد أن هذا لا يجوز عقلا، ولا شرعا. ثم إن هذا الرأي غير ممكن تنفيذه عمليا، فنحن إذا أعدمنا ما يوجد من هذه التفاسير في المكاتب العامة، فكيف يمكن ذلك في المكاتب الخاصة؟! ومن أصحابها من يضن بها ضنه بنفسه، وليس من حق أحد أن يغتصب مال غيره، ويعدمه تعللا بهذه العلة. الحق: أن هذا رأي فيه إسراف وغلو، وغير ممكن تنفيذه عمليا وفي الحق: أن هذه الكتب التي اشتملت على الموضوعات والإسرائليات لو وجد في عصر طبعها من تنبه لما فيها، وكان من أهل التمييز بين الصحيح والضعيف، وما هو من قبيل الإسرائيليات، وما ليس منها علق على هذه الكتب عند طبعها، لوقانا شر هذه الإسرائيليات

стр. 7

والأكاذيب، ولما تسممت بها العقول والأفكار، ولكفانا ما نقوم به اليوم، ولكن "لو" لا تجدي الآن. ٢- وهناك فريق آخر يرى أن نجمع ما طبع من هذه الكتب ونخفيها عن أعين الناس، ثم نعيد طبعها بعد تنقيتها من الإسرائيليات والموضوعات، ولكن أية قوة في العالم الإسلامي يمكنها أن تفعل هذه؟! ثم هو إن أمكن في المكاتب العامة، فكيف يمكن في المكاتب الخاصة المخفية في بيوت أصحابها؟ الحق أن هذا الرأي وإن كان أقل إسرافًا وغلوًّا من الرأي الأول، فهو غير ممكن أيضا من الناحية العلمية. وأيضا: فهذه الإسرائيليات والموضوعات، وإن لم تكن لها قيمتها الدينية والتشريعية في نسبتها إلى النبي ﷺ أو إلى الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنها مختلقة عليهم، منتحلة، لكن لها في نظر بعض الباحثين والمؤلفين في الحياة العقلية في الإسلام قيمتها العلمية، فهي تدل على ثقافة العصر، وأفكار أهله، وتلاقح الثقافات وتأثير بعضها في بعض؛ لأن الذي وضعها ونسبها لهؤلاء لم يكن خارجا عن البيئة، ولا منعزلا عن روح العصر، وإنما كان مؤثرا ومتأثرا، وهذا الرأي قد ردده بعض الباحثين في كتبه١، ولكني لست منه على ثلج٢، ولا على اتفاق مع قائله؛ لأنها سممت الأفكار، وتجنت على التفسير والحديث، وكان لها آثارها السيئة في كتب العلوم الإسلامية، فضررها أعظم بكثير من نفعها المزعوم. ٣- فلم يبقَ إلا الطريق الثالث: وهو رأي القائلين بالتنصيص على هذه الإسرائيليات والموضوعات وردها من جهة العقل والنقل وبيان أنها دخيلة على الإسلام، ومدسوسة على الرواية الإسلامية وبيان من أين دخلت عليه، وذلك بتأليف كتاب، أو كتب في هذا ونشرها نشرا موسعا، بحيث يستفيد منها كل مثقف، وكل متعلم، بل وكل من يحسن القراءة، وبذلك نقضي على ما في بعض كتب التفسير من شرور الإسرائيليات وسمومها التي أفسدت عقول كثير من الناس، ولا سيما العامة، وصاروا يتناقلونها على أن لها أصلا في الرواية الإسلامية، وما هي منها في شيء.

стр. 8

منهجي في هذا الكتاب: أما منهجي في هذا الكتاب: فسأقدم للبحث الأصلي بمقدمات أبين فيما معنى التفسير والتأويل ومعنى الإسرائيليات، وما المراد بالموضوعات؟ وما المنهج الذي يجب أن يتبع في تفسير القرآن، والكلام عن التفسير بالمأثور، وأقسامه، والتفسير بالرأي والاجتهاد المقبول منه والمردود ودخول الوضع والإسرائيليات في التفسير بالمأثور، وأسباب ذلك وما وجه إلى هذا النوع من التفسير من نقد، والآثار السيئة التي خلفتها هذه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير وغيرها. ثم أعرض لما قام به حفاظ الحديث، وأئمة النقد، والتعديل والتجريح من جهاد مشكور في التنبيه إلى الموضوعات والإسرائيليات في كتب التفسير، ثم أعرض لأشهر كتب التفسير بالمأثور، مبينا بإيجاز قيمة كل كتاب من جهة الرواية، ولأشهر كتب التفسير بالرأي المقبول، من حيث اشتمالها على الموضوعات والإسرائيليات قلة أو كثرة، أو عدم اشتمالها من غير تعرض لما فيها من جوانب كمال أو جوانب نقص أخرى، فليس ذلك من غرضي، ولا مما يتصل بالغرض الذي وضع له الكتاب، إلى غير ذلك مما عرضت له. وهذه المقدمات أو التمهيدات على طولها لا بد منها، حتى يكون القارئ لهذا الكتاب على بينة من أمر هذه المباحث، التي ستسلمه إلى المقصد الأصلي من الكتاب في غير اقتضاب. ثم بعد ذلك آخذ فيما قصدت، وهو: الإبانة عن الإسرائيليات والكشف عن الموضوعات في كتب التفسير، سواء منها ما اختص بالتفسير بالمأثور، أو ما جمع فيها بين المأثور وغيره، أو ما غلب عليها التفسير بالرأي والاجتهاد، ومما ينبغي أن يعلم، أن هذه الكتب الأخيرة لا تخلو من التفسير بالمأثور قط، ولا يمكن أن تخلو منه. وليس من غرضي في هذه الدراسة وهذا البحث أن أتناول الكتب كتابا كتابا، فهذا أمر يطول، ويلزم منه التكرار، أو الإحالة على ما فات. ولكني سأعرض لهذه الإسرائيليات والموضوعات، وأردها من جهة العقل والنقل.

стр. 9

متأسيا في ذلك بأقوال جهابذة العلماء من حفاظ الحديث، وأئمة النقد الذين إليهم المرجع في التصحيح والتضعيف والتمييز بين الغث والسمين، والمقبول والمردود، وجمعوا بين المعقول والمنقول، وكذلك غيرهم ممن ليسوا من حفاظ الحديث، ولكنهم تناولوا إبطال بعض هذه الإسرائيليات، والموضوعات، من جهة العقل والنظر، وأزيد على ما ذكروه ما استفدناه من العلوم الحديثة، وما استجد من نظريات علمية مستقرة لم تكن معروفة في عصورهم وما منَّ الله به على من دراساتي القرآنية، والحديثية، ثم أنبه على مواضعها وأماكنها في كتب التفسير التي ذكرتها، من غير رد لها ونص على بطلانها وتهافتها، أو التحذير منها، حتى يكون القارئ لهذه التفاسير على بينة من حقيقة هذه المرويات، وعلى حذر من الاغترار بها وتصديقها. والله أسأل أن يلهمني الصواب والرشد، وأن يمدني بروح من عنده إنه سميع مجيب. كتبه أبو السادات محمد بن محمد أبو شهبة من علماء الأزهر الشريف. والمتخصص في الأصلين الشريفين: القرآن والسنة المحرم ١٣٩١هـ مارس ١٩٧١م.

стр. 10

معنى إسرائيليات وموضوعات وتفسير الإسرائيليات ... معنى: إسرائيليات، وموضوعات، وتفسير يقتضينا منهج البحث التحليلي أن نبين معنى كلمة: "إسرائيليات" والمراد من "الموضوعات" و"التفسير" والتأويل، حتى يكون القارئ على علم بها نقول: أ- الإسرائيليات: جمع إسرائيلية، نسبة إلى بني إسرائيل، والنسبة في مثل هذا تكون لعجُز المركب الإضافي لا لصدره، وإسرئيل هو: يعقوب ﵇ أي عبد الله وبنو إسرائيل هم: أبناء يعقوب، ومن تناسلوا منهم فيما بعد، إلى عهد موسى ومن جاء بعده من الأنبياء، حتى عهد عيسى ﵇ وحتى عهد نبينا محمد ﷺ وقد عرفوا "باليهود" أو بـ "يهود" من قديم الزمان، أما من آمنوا بعيسى: فقد أصبحوا يطلق عليهم اسم "النصاري" وأما من آمن بخاتم الأنبياء: فقد أصبح في عداد المسلمين، ويعرفون بمسلمي أهل الكتاب"١ وقد أكثر الله من خطابهم ببني إسرائيل في القرآن الكريم تذكيرا لهم بأبوة هذا النبي الصالح، حتى يتأسوا به، ويتخلقوا بأخلاقه، ويتركوا ما كانوا عليه من نكران نعم الله عليهم وعلى آبائهم وما كانوا يتصفون به من الجحود، والغدر، واللؤم، والخيانة وكذلك ذكرهم الله سبحانه باسم اليهود في غير ما آية، وأشهر كتب اليهود هي: التوراة، وقد ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ

стр. 11

الْفُرْقَان﴾ ١. وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا﴾ ٢ والمراد بها التوراة التي نزلت من عند الله قبل التحريف والتبديل، أما التوراة المحرفة المبدلة، فهي بمعزل عن كونها كلها هداية، وكونها نورا، ولا سيما بعد نزول القرآن الكريم، الذي هو الشاهد والمهيمن على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه فهو حق، وما خالفه فهو باطل. ومن كتبهم أيضا: الزبور وهو كتاب داود ﵇، وأسفار الأنبياء، الذين جاءوا بعد موسى عليه وعليهم السلام، وتسمى التوراة وما اشتملت عليه من الأسفار الموسوية وغيرها "بالعهد القديم". وكان لليهود بجانب التوراة المكتوبة التلمود، وهي التوراة الشفهية، وهو مجموعة قواعد ووصايا وشرائع دينية وأدبية، ومدنية وشروح، وتفاسير، وتعاليم، وروايات كانت تتناقل وتدرس شفهيا من حين إلى آخر ... وقد اتسع نطاق الدرس والتعليم فيه إلى درجة عظيمة جدا، حتى صار من الصعب حفظه في الذاكرة، ولأجل دوام المطالعة، والمداولة، وحفظا للأقوال والنصوص، والآراء الأصلية المتعددة والترتيبات، والعادات الحديثة، وخوفا من نسيانها وفقدانها مع مرور الزمن، وخصوصا وقت الاضطهادات، والاضطرابات، قد دونها الحاخامون بالكتابة سياجا للتوراة، وقُبِلَت كسنة من سيدنا موسى عليه السلام٣. ومن التوراة وشروحها، والأسفار وما اشتملت عليه، والتلمود وشروحة، والأساطير والخرافات، والأباطيل التي افتروها، أو تناقلوها عن غيرهم: كانت معارف اليهود وثقافتهم، وهذه كلها كانت المنابع الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعض كتب التفسير، والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابع إن كان فيها حق، ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدق، ففيها كذب صراح، وإن كان فيها سمين، ففيها غث كثير، فمن ثم انجر ذلك إلى الإسرائيليات، وقد يتوسع بعض الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلها شاملة لما

стр. 12

كان من معارف اليهود، وما كان من معارف النصارى التي تدور حول الأناجيل وشروحها، والرسل وسيرهم ونحو ذلك؛ وإنما سميت إسرائيليات لأن الغالب والكثير منها إنما هو من ثقافة بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم١. والحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات أو من النصرانيات هو شيء قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات؛ إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب، وأما:

стр. 13

ب- الموضوعات: فهي جمع موضوع، اسم مفعول، وهو في اللغة مأخوذ من وضع الشيء يضعه وضعا، إذا حطه وأسقطه. أو من وضعت المرأة ولدها إذا ولدته١، وأما في اصطلاح أئمة الحديث فالموضوع: هو الحديث المختلق٢ المصنوع، المكذوب على رسول الله ﷺ أو على من بعده من الصحابة والتابعين، ولكنه إذا أطلق ينصرف إلى الموضوع على النبي ﷺ ؛ أما الموضوع على غيره فيقيد، فيقال مثلا: موضوع على ابن عباس، أو على مجاهد مثلا، والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة، أما على المعنى اللغوي الأول: فلأنه منحط ساقط عن الاعتبار، وأما على الثاني: فلما فيه من معنى التوليد، والتسبب في الوجود؛ والموضوع من حيث مادته ونصه نوعان: ١- أن يضع الواضع كلاما من عند نفسه، ثم ينسبه إلى النبي ﷺ أو إلى الصحابي، أو التابعي. ٢- أن يأخذ الواضع كلاما لبعض الصحابة أو التابعين، أو الحكماء، والصوفية، أو ما يروى في الإسرائيليات، فينسبه إلى رسول الله؛ ليروج وينال القبول، مثال ما هو من قول الصحابة: ما يروى من حديث: "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون

стр. 14

بغيضك يوما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما"، فالصحيح أنه من قول سيدنا علي كرم الله وجهه، ومثال ما هو من قول التابعين: حديث: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل...." فهو من كلام عمر بن عبد العزيز ﵁، ومثال ما هو من كلام الحكماء "المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء"، فمن قول الحارث بن كلدة طبيب العرب. [ومثال ما هو من كلام المتصوفة ما يروى: "كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق، فعرفتهم بي، فعرفوني"] ومثال ما هو من الإسرائيليات: "ما وسعني سمائي ولا أرضى ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن". قال الإمام ابن تيمية: هو من الإسرائيليات، وليس له أصل معروف عن النبي ﷺ . [ومثل ذلك ما روي عن ابن عباس من أن: "عمر الدنيا سبع آلاف سنة" فهو من الإسرائيليات. وقد نسب إلى النبي وإلى الصحابة والتابعين كثير من الإسرائيليات في بدء الخلق والمعاد وأخبار الأمم الماضية، والكونيات، وقصص الأنبياء، وسأذكر الكثير من ذلك فيما بعد، وبعضها من الخطورة على الدين بمكان. حكم الكذب على رسول الله: جمهور العلماء سلفا وخلفا على أن الكذب على رسول الله ﷺ من الكبائر، ولا يكفر من فعل ذلك إلا إذا كان مستحلا الكذب عليه وبالغ الإمام أبو محمد الجويني١ والد إمام الحرمين من أئمة الشافعية فقال: "يكفر من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ " نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وأنه هفوة من والده. ووافق الجويني على هذه المقالة: الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير.

стр. 15

المالكي١ وغيره من الحنابلة، ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام، ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه﴾ ٢ فقد نفت الآية الإيمان عمن يفتري الكذب على الله، والكذب على الرسول كذب على الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣. وقال رسول الله ﷺ : "إن كذبا علي ليس ككذبٍ على أحد، فمن كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وقد روى من طريق متكاثرة، حتى قال العلماء: إنه متواتر، ففي قوله: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد" ما يشعر بأن حكم الكذب عليه ليس كحكم الكذب على غيره، والكذب على غيره كبيرة، فيكون الكذب عليه أكثر من كبيرة، أو أكبر الكبائر. وفي معنى الكذب على النبي ﷺ الكذب على الصحابة والتابعين، ولا سيما فيما لا مجال للرأي فيه مما لا يعرف إلا من المشرع؛ لأن له حكم المرفوع إلى النبي كما نبه على ذلك أئمة الحديث٤؛ وأيضا فبعض الفقهاء يعتبر قولهم حجة في التشريع، إلا أني لم أقف على من قال: إن الكذب عليهم كفر، وإنما الذي قال الجويني: إنما هو في الكذب على النبي ﷺ : ولا يدخل في الكذب الرواية بالمعنى؛ لأنها إنما أجازها العلماء لعارف بالألفاظ ومدلولاتها معرفة دقيقة عالم بالشريعة ومقاصدها خبير بما يغير المعاني ويفسرها، فهي لم تخرج عند التحقيق عن مدلول اللفظ الأصلي. هل تقبل رواية من كذب في الحديث وإن تاب؟: ولما للكذب على رسول الله ﷺ من إفساد في الشريعة وإبطال في الدين: ذهب

стр. 16

جمهور المحدثين إلى أن من كذب في حديث واحد فسق، وردت روايته، وبطل الاحتجاج بها، وإن تاب وحسنت توبته، ومن هؤلاء الأئمة: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي والصيرفي، والسمعاني١. قال أبو بكر الصيرفي: "كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله لتوبة تظهر" وقال أبو المظفر السمعاني: "من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه". وخالف في ذلك الإمام النووي، فقال: والمختار القطع بصحة توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها٢. والحق أن ما ذهب إليه النووي قوى من جهة الاستدلال، ولكن مذهب الجمهور أحوط للأحاديث، وأبعد من الريبة في الرواية، ومن ثم نرى: أن أئمة الحديث احتاطوا له غاية الاحتياط، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا. حكم رواية الموضوعات والإسرائيليات الباطلة: قال العلماء سلفا وخلفا: لا يحل رواية الحديث الموضوع في أي باب من الأبواب، إلا مقترنا ببيان أنه موضوع مكذوب، سواء في ذلك ما يتعلق بالحلال والحرام، أو الفضائل، أو الترغيب والترهيب أو القصص والتواريخ٣، ومن رواه من غير بيان وضعه فقد باء بالإثم العظيم، وحشر نفسه في عداد الكذابين، والأصل في ذلك: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، بسنده أن رسول الله ﷺ قال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين" ٤ وفي حكم الموضوعات الإسرائيليات التي ألصقت بالنبي زورا، وكذبا عليه.

стр. 17

تحذير من يروي الموضوع المكذوب: وقد حكم كثير من علماء الحديث وأئمته على من روى حديثا موضوعا من غير تنبيه إلى وضعه وتحذير الناس منه بالتعزير والتأديب، قال أبو العباس السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري، ودفع إليه كتاب من ابن كرام يسأله عن أحاديث، منها حديث الزهري عن سالم عن أبيه١ مرفوعا: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص" فكتب محمد بن إسماعيل على ظهر كتابه: "من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل". بل بالغ بعضهم، فأحل دمه، قال يحيى بن معين -وهو من كبار أئمة الجرح والتعديل- لما ذكر له حديث سويد الأنباري: "من عشق، وعف، وكتم، ثم مات مات شهيدا. قال: هو حلال الدم٢!! وقد سئل الإمام ابن حجر الهيثمي عن خطيب يرقى المنبر كل جمعة، ويروي أحاديث، ولم يبين مخرجيها ودرجتها فقال: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها، أو من ذكرها فجائز، بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من مؤلفٍ صاحبُه كذلك. وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك، فلا يحل؛ ومن فعل عزر عليه التعزير الشديد، وهذا حال أكثر الخطباء؛ فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلا أم لا، فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك.

стр. 18

ما أشبه الليلة بالبارحة: أقول: لا يزال بعض الخطباء، ومقيمي الشعائر الدينية الذين ليس له علم بالحديث رواية ودراية، ولا سيما من لم يتأهلوا التأهل اللازم لمن يتولى الإمامة والخطابة، والذين لا يزالون يخطبون من الدواوين، أو يعتمدون في خطبهم على الكتب التي لا يُعتمد عليها في معرفة الأحاديث والتمييز بين صحيحها، وضعيفها، وموضوعها، والذين جعلوا غايتهم استرضاء الجماهير، فيذكرون لهم أحاديث في الترغيب والترهيب، وحكايات وقصصا مثيرة عجيبة، أغلب الظن أنها من وضع القصاص، وجهلة الزهاد الذين استجابوا ذلك، وكان جل هممهم تملق الجماهير، واستمالتهم بذكر المبالغات، والتهاويل والعجائب، والغرائب وما أجدر هذه الفئة بأن يحال بينها وبين الخطابة، والوعظ، والتذكير، حتى لا يسمموا أفكار الناس ويفسخوا القيم الدينية والخلقية الصحيحة، وتكون حجة على الإسلام لا حجة له، وأحب أن أقول لهؤلاء وأمثالهم: إن في الأحاديث الصحاح والحسان، والقصص الثابت الصحيح غنية عن الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة والقصص، وجهلة الزهاد الذين استباحوا ذلك، وكان جل همهم تملق الجماهير، واستمالتهم بذكر المبالغات، والتهاويل والعجائب، والغرائب وما أجدر هذه الفئة بأن يحال بيها وبين الخطابة، والوعظ، والتذكير، حتى لا يسموا أفكار الناس ويفسخوا القيم الدينية والخلقية الصحيحة، وتكون حجة على الإسلام لا حجة له، وأحب أن أقول لهؤلاء وأمثالهم: إن في الأحاديث الصحاح والحسان، والقصص الثابت الصحيح غنية عن الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة والقصص المكذوب لمن يريد أن يرقق القلوب ويستولي على النفوس، فليتق الله هؤلاء في الناس، وفي أنفسهم. ومن الحق في هذا المقام أن أقول أيضا: إن الكثيرين من المدرسين الأزهريين والوعاظ، والمرشدين، والدعاة إلى الله، والأئمة والخطباء المؤهلين تأهيلا علميا سليما، في الأزهر، وجامعته والجامعات الإسلامية الأخرى لهم من علمهم، ووعيهم الديني والثقافي وسعة اطِّلاعهم ما يعصمهم من الوقوع في رواية الموضوعات والقصص الباطلة، والإسرائيليات الزائفة، وتحري الصدق والحق في رواية الأحاديث، وذكر الأقاصيص، وأخذهم أنفسهم بالرجوع في ذلك إلى كتب العلماء الثقات الحفاظ للحديث، أو الذين لهم علم به ودراية، وهو أثر من آثار النهضة العلمية الحديثة من يوم أن أنشئت الدراسات العليا التخصصية في كليات الجامع الأزهر الشريف، عمره الله بالعلم والعلماء. فقد كان من شعب هذه الدراسات: "شعبة التفسير والحديث" منذ ما يقرب من نصف قرن، وقد أتى على هذه الشعب حين من الدهر كان الطلاب فيها يستوعبون كل ما كتب وأُلِّفَ في العلم الذي تخصصوا فيه، وكذلك كان هناك تخصص في "الدعوة

стр. 19

والإرشاد"، ويا ليت هذه التخصصات تعود كما كانت؛ مناهج، ودراسة. وكذلك كان من أسباب هذه النهضة الحديثة: إنشاء دور "للحديث في مصر، وفي الحجاز وغيرهما من الأقطار الإسلامية شرقا وغربا، وظهور علماء في كل قطر إسلامي أحبوا دراسة الحديث وعلومه" وإنا لنرجو أن يعود للحديث وعلومه سيرته الأولى، ومجده الغابر فاللهُمَّ حقق. متى نشأ الوضع في الحديث؟: كان من أثر اتساع رقعة الإسلام: دخول كثير من أبناء الأمم المغلوبة فيه ومنهم الفارسي، ومنهم الرومي، ومنهم المصري، ومنهم المخلص للإسلام، ومنهم المنافق الذي يكن في نفسه الحقد على الإسلام ويتظاهر بحبه، ومنهم الزنديق الذي يسعى بشتى الوسائل لإفساده وتشكيك الناس فيه، ومنهم اليهودي الذي لا يزال مشدودا إلى يهوديته، ومنهم النصراني الذي لا يزال يحن إلى نصرانيته. وقد انتهز أعداء الإسلام من المنافقين، والزنادقة، واليهود سماحة السيد الحيي: عثمان بن عفان ﵁ ودماثة خلقه، فبذروا البذور الأولى للفتنة، فكان ابن سبأ اليهودي الخبيث يطوف في الأقاليم، ويولب عليه الناس، وقد أخفى هذه السموم التي كان ينفثها تحت ستار التشيع، وحب سيدنا علي، وآل البيت الكرام، فصار يزعم أن عليا ﵁ هو وصي النبي، والأحق بالخلافة حتى من أبي بكر، وعمر ﵄ ووضع على النبي ﷺ حديثا: "لكل نبي وصي، ووصيِّي عليٌّ". لم يقف الأمر عند حد هذه الدعوة، بل ادعى ألوهيته، وقد طارده سيدنا عثمان، فهرب، فلما كان عهد سيدنا علي طارده وأحل دمه، فما كان ليرضى بهذه الدعوات الخبيثة التي يشنها هذا المغيظ المحنق على الإسلام والمسلمين. ومما يؤسف له أن دعوته وجدت آذانا صاغية من بعض الأمة وبخاصة أهل مصر، وقد نجح هذا اليهودي الماكر في إثارة الفتة التي أطاحت برأس الخليفة الثالث: عثمان ﵁، وما إن تولى الخلافة سيدنا علي حتى وجد التركة مثقلة بالخلافات، فقد ناصبه أنصار عثمان العداوة من أول يوم، واستفحلت الفتنة، ووقعت حروب طاحنة، فني فيها كثيرون من خيرة المسلمين، وظهرت طائفة أخرى وهم الخوارج الذين لم يرتضوا

стр. 20

التحكيم بين على، ومعاوية، وكانت النهاية؛ أن أطاحت الفتنة ركنا آخر من أركان الإسلام، وهو الخليفة الرابع، وأضحت الأمة الإسلامية في فرقة واختلاف، ودب إليها داء الأمم قبلها، وتمخضت الفتنة عن شيعة١ ينتصرون لسيدنا علي، وعثمانية ينتصرون لسيدنا عثمان، وخوارج٢ يعادون الشيعة وغيرهم، ومروانية ينتصرون لمعاوية وبني أمية، وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا أهواءهم ومذاهبهم بما يقويها، وليس ذلك إلا في الحديث بأنواعه من أحكام، وتفسير، وسير، وغيرها. وكان ذلك حوالي سنة أربعين للهجرة، وما زالت حركة الوضع تسير، وتتضخم حتى دخل بسببها على الحديث بلاء غير قليل، وهذا العصر هو ما يعرف بعصر صغار الصحابة وكبار التابعين. روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بسنده عن طاوس، قال: "جاء هذا إلى ابن عباس -يعني بشير بن كعب- فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا، وكذا. فعاد له، ثم حدثه فقال له: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: لا أدري أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا، أم أنكرت حديثي كله، وعرفت هذا، فقال له ابن عباس: إن كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذا لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه". وابن عباس توفي سنة ثمان وستين للهجرة. وروى بسنده عن مجاهد، قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدِّث، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن٣ لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يابن عباس: ما لي أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله

стр. 21

صلى الله عليه وسلم- ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف". وروى بسنده عن طاوس، قال: "أتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي ﵁، فمحاه إلا قدر"١ وأشار سفيان بن عيينة بذراعه، وروى بسنده عن أبي إسحاق قال: "لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي ﵁ قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله، أي علم أفسدوا" قال الإمام النووي: أشار بذلك إلى ما أدخلته الروافض، والشيعة في علم علي ﵁ وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل وأضافوه إليه من الروايات، والأقاويل المفتعلة، والمختلقة٢. وذكر الإمام الذهبي في "التذكرة": عن خزيمة بن نصر، قال: "سمعت عليا بصفين يقول: قاتلهم الله، أي عصابة بيضاء سودوا وأي حديث من حديث رسول الله ﷺ أفسدوا"٣ وروى الإمام مسلم بسنده، عن سفيان بن عيينة، قال: سمعت رجلا سأل جابرا٤ عن قوله : ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فقال جابر: لم يجئ تأويل هذه!! قال سفيان: وكذب، فقلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: إن الرافضة تقول: إن عليًّا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده، حتى ينادي منادٍ من السماء -يريد عليا أنه ينادي: اخرجوا مع فلان. يقول جابر: فهذا تأويل هذه الآية، وكذب، كانت في إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم٥ وهذا لون من ألوان الدس، والوضع في التفسير، وسيأتي من ذلك أمثلة لا تحصى.

стр. 22

وروى بسنده عن ابن سيرين١ قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" وروى بسنده عن ابن المبارك قال: "بيننا وبين القوم القوائم"، يعني الإسناد٢. قال الإمام النووي: ومعنى هذا الكلام: إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه، وإلا تركناه، فجعل الحديث كالحيوان؛ لا يقوم بغير إسناد، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم. إلى غير ذلك من الروايات التي تدل على ظهور الوضع بعد عصر الفتنة، وأن كبار أئمة الحديث والجرح والتعديل كانوا للحركة بالمرصاد. عرض سريع لحركة الوضع: في عصر التابعين ومن جاء بعدهم ضعفت الخاصية التي كانت في العصر الأول وهي: التثبت والتحري في الحديث، فكثرت الرواية وانتشر الحديث، وفشا الكذب على رسول الله ﷺ وبعض صحابته، وبعد أن كان الخلفاء الراشدون المهديون يدعون إلى التحوط، والتثبت في المرويات، أضحى الأمراء والخلفاء في شغل عن ذلك بالملك والسياسة. وقد اشتدت الخصومة بين الأحزاب السياسية، وجاءت الدولة العباسية فتقرب إليها ضعفاء الإيمان بالاختلاق في فضائلها، والحط من شأن أعدائها، بل بلغ من بعضهم أنه كان يضع الأحاديث، أو يتزيد فيها، إرضاء لما يهوى بعض الخلفاء، وذلك كما حدث من أبي البختري الكذاب: فقد دخل وهو قاضٍ على الرشيد، وهو يطير الحمام، فقال له: هل تحفظ في هذا شيئا، فروى حديثا: "أن النبي كان يطير الحمام"، وقد أدرك الرشيد كذبه، وزجره، وقال: لولا أنك من قريش لعزلتك٣!! وكما حدث من

стр. 23

غياث ابن إبراهيم أنه دخل على المهدي وهو يلعب بالحمام، فروى له حديث: "لا سبق إلا في نصل أو حافر، أو جناح"، فزاد "أو جناح" إرضاء للمهدي، وقد روي أن المهدي قال له وهو خارج: أشهد أن قفاك قفا كذاب، وأمر بذبح الحمام، والكذب هو اللفظ الأخير فحسب، أما أصل الحديث فثابت، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة. وكذلك كان لنشأة الفرق الكلامية وغيرها من أهل السنة ومعتزلة، ومرجئة، وجبرية، وجهمية وكرامية و..... أثر كبير في إذكاء حركة الوضع، فقد حاول ضعفاء الإيمان، وأرقاء الدين منهم أن يؤيدوا بعض مذاهبهم وآرائهم بالأحاديث، وقد وضعت أحاديث في نصرة بعض هذه المذاهب، أو في الرد على بعضها الآخر، بحيث لا يشك الناظر فيها أنها مختلقة موضوعة، وذلك مثل: ما روي: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص"، ومثل: "الإيمان قول، والعمل شرائعه لا يزيد ولا ينقص" ومثل: ما روي أن رسول الله ﷺ قال -وقد سئل عن الإيمان: هل يزيد وينقص، فقال: "لا، زيادته كفر، ونقصانه شرك" وإن أصبع الإرجاء لتظهر واضحة في مثل ما روي: "كما لا ينفع مع الشرك شيء، كذلك لا يضر مع الإيمان شيء"، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يظهر عليها أثر الصنعة والاختلاق١، وكذلك كان للخلافات الفقهية أثر في إذكاء حركة الوضع، فوضعت أحاديث في فضائل بعض الأئمة، كما وضعت أحاديث أخرى في ذم بعضهم، وكذلك وضعت أحاديث في الاستشهاد لبعض الفروع الفقهية ليس عيها شيء من نور النبوة، وإنما أقرب إلى قواعد الأصوليين والفقهاء، وكتب التخاريج لبعض كتب الفقه فيها من ذلك شيء غير قليل. وكذلك وجد القصاص وأمثالهم من جهلة المتصوفة الذين استجازوا وضع الأحاديث حسبة لله تعالى، "وسنرد عليهم فيما يأتي إن شاء الله تعالى"، وقد كان القصاص في كل عصر سبب شر كثير. وكذلك جدت أحداث استغلت للوضع كفتنة خلق القرآن وكحركة الشعوبية٢،

стр. 24

والتعصب للجنس، أو اللون، أو اللغة، أو المكان، فوضعت أحاديث في تكفير من قال بخلق القرآن، وتفضيل العجم على العرب، وفي فضائل بعض الشعوب، وفي فضائل بعض الأقاليم والبلدان. وقد استمرت حركة الوضع إلى عصور متأخرة، فابن الجوزي يذكر في كتبه ما كان من قصاص زمانه، وهذا هو: "الرتن الهندي" يدعي الصحبة في المائة السادسة للهجرة١، ويضع الأحاديث المكذوبة والسيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ. يذكر ما ناله من بعض قصاص زمانه لما أنكر عليه رواية أحاديث موضوعة يدعي أنه سمعها، والشيخ اللكنوي الهندي يذكر: أنه اطلع على رسالته في: "تحريم التنباك"؛ وقد استدل فيها مؤلفها ببعض الأحاديث التي وضعها، مثل: "كل دخان حرام". ومهما يكن من استمرار سوق الوضع قرونا، فقد ناهضها العلماء ولا سيما أئمة الحديث وجهابذته، الذين ألفوا الكتب، ودونوا الدواوين: وميزوا فيها بين الصحيح، والحسن، والضعيف، والموضوع وكذلك وضعوا في التنصيص على الأحاديث الموضوعة كتبا لا يحصيها العد، وكشفوا عن عوارها، وحذروا الناس من الاغترار بها، فجازاهم الله أعظم ما جازى علماء أمة.

стр. 25

جـ التفسير: التفسير لغة: مصدر فسره بتشديد السين مأخوذة من الفسر بمعنى البيان يقال: فَسَرت الكتاب "بتخفيف السين" أفسره فسرا وفسَّرته بالتشديد أفسره تفسيرا، وقيل: هو مقلوب من السفر بتقديم الفاء على السين مثل الجذب، والجبذ والمعنى واحد يقال: أسفر الصبح إذا أضاء ففيه معنى الكشف والتوضيح، وقيل: مأخوذ من التفسرة وهي: اسم لما يعرف به الطبيب المرض. وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت أساليب العلماء في تعريفه. فمنهم من أطال في تعريفه فقال: هو علم نزول الآيات، وشئونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها، ومدنيها وبيان محكمها، ومتشابهها، وناسخها،

стр. 26

ومنسوخها، وخاصها، وعامها، ومطلقها، ومقيدها، ومجملهان ومفسرها، وحلالها وحرامها ووعدها، ووعيدها، وأمرها، ونهيها، وعِبَرها، وأمثالها ونحو ذلك١. ومنهم من توسط كأبي حيان في البحر المحيط فقال في تعريفه: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية، والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك، ثم أخذ في شرح تعريفه٢. وهذا التعريف غير جَلِيٍّ ولا واضح، وكذلك لم يصرح بالغرضين الأهمين اللذين نزل لهما القرآن: وهما: كونه كتاب الهداية البينة التي هي أوضح الهدايات، وأقومها، والتي لو اتبعها البشر لحققت لهم السعادتين: الدنيوية والأخروية. والكتاب السماوي المعجز، فهو المعجزة العظمى والآية الكبرى الباقية على وجه الدهر لنبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه. وقال الزركشي في البرهان: التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وبيان معانيه واستخراج أحكامه، وحِكَمِه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنحو، والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ٣. وهذا التعريف أوضح، وأيسر من التعريفين السابقين، وأدل على الغرضين الأهمين، اللذين ذكرناهما آنفا. ومن العلماء من أوجز في التعريف، فقال: هو علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم؛ من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية٤. [وأزيد في التعريف فأقول: ومن حيث كونه المعجزة العظمى لنبينا محمد ﷺ ] . والمراد بأحوال القرآن الكريم من حيث كونه كتاب الهداية الأقوم، وكتاب العربية الأكبر، والمعجزة الخالدة لنبينا محمد ﷺ . [ويدخل في ذلك كل ما يتوقف عليه معرفة ذلك من العلم بأسباب النزول، ومناسبات

стр. 27

الآيات، والمكي والمدني، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ وغيرها] . كل ما يحتاج إليه المفسر من العلوم فهي وسائل لتحقيق هذين الغرضين الأكبرين، ثم إن المفسر حينما يفسر القرآن الكريم سواء أكان بالتفسير بالمأثور، أم بالاجتهاد والرأي المقبول لا يمكنه الجزم والقطع بأن هذا مراد الله ﵎، فمن ثَمَّ كان الجزء الأخير في التعريف: "بقدر الطاقة البشرية" احتراسا لا بد منه، ولا يتأتى هذا القطع إلا لنبي مرسل يوحى إليه من ربه، وأما غيره فلا. والمناسبة بين هذه التعاريف الاصطلاحية، والمعاني اللغوية للكلمة ظاهرة، ولا سيما على المعنيين اللغويين الأولين؛ فإن التعاريف تدور على معنى التبيين، والتوضيح والظهور بعد الخفاء. وأما على المعنى الثالث: فلأن المفسر كأنه يسبر المعاني بمسبار١ الطبيب الماهر، ويختبرها بمخابره العلمي، حتى يتضح له المراد. التأويل: التأويل لغةً: أصله من الأول، وهو الرجوع، فكأن المؤول للآية رجع بها إلى ما تحتمله من المعاني. وقيل: مأخوذ من الإيالة وهي السياسة، كأن المؤول للكلام ساسه، وتناوله بالمحاورة والمداورة حتى وصل إلى المراد منه. أما معناه في الاصطلاح: فقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام، وطائفة من العلماء: هما بمعنى، وعلى هذا: فيعرف بما عرف به التفسير. وقد أنكر ذلك بعض العلماء، بل بالغوا في الإنكار. وقال الراغب الأصفهاني في "مفرداته": التفسير أعم من التأويل وأكثر استعمالاته في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، وأما التفسير فيستعمل فيها وفي غيرها. [وقال غيره: التفسير بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا. والتأويل: توجيه لفظ

стр. 28

متوجه إلى معانٍ مختلفة إلى واحد منها، بما ظهر من الأدلة. وقال الماتريدي: التفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عني بهذا اللفظ هذا؛ فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فهو تفسير بالرأي، وهو المنهي عنه. والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله] . وقال أبو طالب التغلبي: التفسير: بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا، كتفسير الصراط بالطريق، والصيب بالمطر، والتأويل: تفسير باطن اللفظ مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير، إخبار عن دليل المراد؛ لأن اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل، مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد﴾ تفسيره: أنه من الرصد، يقال: رصدته إذا رقبته، والمرصاد: مفعال منه، وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه: [وقواطع الأدلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ في اللغة] . وقال بعض العلماء: التفسير: يتعلق بالرواية، أي التفسير بالمأثور، والتأويل: يتعلق بالدراية؛ أي التفسير بالرأي والاجتهاد١. ومهما يكن من شيء فقد شاع واشتهر أن التفسير أعم من أن يكون بالمأثور، أو بالرأي والاجتهاد، وأعم من أن يكون متعلقا باللفظ أو بالمعنى، وقد أصبح في ذلك حقيقة عرفية، وهذا ما سأسير عليه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. الحاجة إلى علم التفسير: علم تفسير القرآن من العلوم المهمة التي يجب على الأمة تعلمها وقد أوجب الله على الأمة حفظ القرآن، وكذلك أوجب عليهم فهمه وتدبر معانيه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٣، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٤، فقد دلت الآية الثانية على أنه أنزل للتدبر، وحثت الآيتان الأخريان على تدبره، وتدبر القرآن بدون فهم معانيه غير ممكن، وفهم معانيه إنما يكون بمعرفة تفسيره، فتفسير القرآن فرض على الأمة، ولكنه فرض كفائي بمعنى: إذا قام

стр. 29

به أهل العلم المتأهلون له من الأمة الإسلامية سقط عن الباقين. والله إنما يخاطب كل قوم بما يفهمونه ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه، وأنزل كتابه بلغتهم، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، في وقت بلغ فيه العرب الغاية في الفصاحة والبلاغة وكانوا يعرفون ظواهره وأحكامه، وأما دقائق معانيه وحقائق تأويله: فإنما كان يظهر لهم بعد البحث، والنظر، والتأمل، وما كان يخفى عليهم منه، أو يشكل، كانوا يسألون عنه النبي ﷺ وذلك كسؤالهم له لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ ١ فقالوا: وأينا لم يظلم؟ وفزعوا إلى النبي ﷺ ، فبين لهم أن المراد بالظلم الشرك، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ ٢ وكبيانه للسيدة عائشة ﵂ أن المراد بالحساب اليسير في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ٣: العرض أي: استعراض الأعمال من غير مناقشة، وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض، والخيط الأسود، وظنه أن المراد الحقيقة، حتى بين له النبي ﷺ أن المراد بالخيط الأبيض بياض النهار، وبالخيط الأسود سواد الليل، إلى نحو ذلك مما خفي عليهم، ونحن محتاجون إلى مثل ما كانوا محتاجين إليه، بل وزيادة عما كانوا محتاجين إليه؛ لقصورنا عنهم في العلم باللغة، وأساليبها، والبلاغة وأسرارها، والعلم بأسباب النزول، والفقه في الدين، ومعرفة الحلال والحرام، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه. وقد بين لهم النبي معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ ٤، فمن ثم حفظوا ألفاظه، وفهموا معانيه، وفقهوا أحكامه. قال أبو عبد الرحمن السلمي٥: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم

стр. 30

يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعا، وهذا النص يبين لنا منهج المسلمين الأولين في موقفهم من القرآن، وأنهم كانوا يجمعون إلى الحفظ: العلم، والعمل. ولذلك: كانوا يبقون مدة طويلة في حفظ السورة الواحدة وهذا هو السر في أن ابن عمر ﵄ أقام على حفظ البقرة ثماني سنين، أخرجه مالك في الموطأ، وروي عن أنس، قال: "كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد١ في أعيننا" رواه أحمد في مسنده٢. وكذلك جاء عن السلف الصالح؛ الصحابة فمن بعدهم، فقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ٣ قال في تفسير الحكمة: المعرفة بالقرآن: ناسخه، ومنسوخه ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، وحلاله، وحرامه، وأمثاله. وأخرج أيضا عن أبي الدرداء في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَة﴾ ، قال: قراءة القرآن والفكرة فيه، وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال: "ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأني سمعت الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ٤. وأخرج أبو عبيد عن الحسن" قال: "ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت، وما أراد بها". فالواجب على الأمة الإسلامية حفظ القرآن، وفهم معانيه، ومعرفة تفسيره معرفة لا تشوبها الإسرائيليات، ولا الموضوعات والأباطيل، والتزامه سلوكا وعملا من الأفراد والجماعات في كل شأن من شئون الحياة، وبذلك يستعيدون مجدهم الغابر" وعزتهم التي

стр. 31

نوه الله بها في القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، وأرضهم السليبة، وسلطانهم المرهوب في الأرض. التفسير من أشرف العلوم: والعلم بالتفسير من أشرف العلوم الشرعية، وأجلها؛ فالشيء إنما يشرف إما بشرف موضوعه وإما من جهة غايته والغرض منه، وإما من جهة الحاجة إليه. وموضوع علم التفسير هو: كلام الله، أشرف الكلام، وأصدقه، وهو أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم، وينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضل. وغايته هي: الاعتصام بالعروة الوثقى، والوصول إلى السعادتين: الدنيوية والأخروية. وأما شدة الحاجة إليه: فلأن كل كمال ديني أو دنيوي، عاجل، أو آجل، مفتقر إلى العلوم الشرعية، والمعارف الدينية وهي: متوقفة على العلم بكتاب الله . العلوم التي لا بد منها للمفسر: وهاك ما قاله الإمام السيوطي في الإتقان: مع زيادة التوضيح، وحسن التصرف: قال بعض العلماء: اختلف الناس في تفسير القرآن: هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم: لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالما، أديبا، متسعا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي ﷺ في ذلك. ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهي خمسة عشر علما: "أحدها": اللغة؛ لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله، إذا

стр. 32

لم يكن عارفا بلغات العرب، قال الإمام مالك: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا"، أقول: والمراد: العلم باللغة الواسع، المتعمق، ولا يكتفى باليسير منه، فقد يكون اللفظ مشتركا، وهو يعلم أحد المعنيين، ويكون المراد الآخر، وكذلك العلم بالفروق اللغوية. والعلم باللغة، نثرها ونظمها من الأسباب التي مكنت لابن عباس أن يكون حبر القرآن، ورأس المدرسة المكية التي هي آصَلُ المدارس التفسيرية. "الثاني": النحو لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره. أخرج أبو عبيد عن الحسن -أي البصري: أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق، ويقيم بها قراءته؟ فقال: حسن فتعلمها؛ فإن الرجل يقرأ الآية فيَعْيَى بوجهها، فيهلك فيها. أقول: ومن لم يعرف النحو فربما يقع في أخطاء فاحشة، قد تؤدي إلى الكفر، ومثل ذلك الرجل الذي قرأ قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ" بجر "رسوله" فكاد يقع في الكفر وهو لا يعلم، فكان هذا من الأسباب الحاملة على وضع علم النحو١. "الثالث" علم التصريف؛ لأن به تعرف أبنية الكلمات والصيغ قال ابن فارس: ومن فاته علمه فاته المعظم؛ لأن "وجد" مثلا كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها؛ فإنها تستعمل في العثور على الدابة، وفي الحصول على المطلوب، وفي الغضب، وفي الغنى، وفي الحب، وإنما تتميز بالمصادر، يقال: وجد ضالته وِجدانا بكسر الواو، ومطلوبه وُجودًا بضمها، وفي الغضب موجدة بكسر الجيم، وفي الغنى وُجْدًا بضم الواو، وفي الحب وَجْدًا بفتح الواو٢. وقال الزمخشري في تفسيره: من بدع التفاسير قول من قال: إن الإمام في قوله

стр. 33

تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ١ أنه جمع "أُمٍّ" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم. قال: وهذا جهل أوجبه جهله بالتصريف؛ فإن أُمّ لا تجمع على إمام، وصدق الزمخشري ﵀، فهذا من بدع التفاسير حقا. "الرابع" علم الاشتقاق؛ لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين اختلف المعنى باختلافهما، كالمسيح٢: أهو من السياحة، أو المسح، فمن الأول يسمى المسيح مسيحا؛ لكثرة سياحته، وأما من الثاني: فلأنه كان لا يمسح على ذي عاهة إلا بَرَأَ بإذن الله تعالى ومثل ذلك أيضا النبي، أهو من النبأ بمعنى الخبر، فهو مخبر بكسر الباء عن الله، أو مخبر بفتح الباء منه أو هو من النبوة بمعنى الرفعة، وليس من شك في أن المعنى يتغير بتغير أصل الاشتقاق. "الخامس، والسادس، والسابع": علوم المعاني، والبيان والبديع؛ لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعاني، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر؛ لأنه لا بد له من أن يعلم ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم. وقال السكاكي: أعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، ولا طريق لتحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلا التمرن على علمى المعاني والبيان. أقول: وتعلم البلاغة بالطريقة التي وضعها السكاكي وأمثاله ممن قَعَّدوا القواعد، وفلسفوها، لا تكون ملكة، ولا تربي ذوقا، وكثير ممن درس البلاغة على هذا النحو الجاف لا يستطيع أن يكتب صحيفة، أو يحبر مقالا رائقا مشرقًا، يأخذ بمجامع القلوب، ويستولي على النفوس، فضلا عن كتاب. وإنما الذي يجدي في تكوين الملكة، وتربية الذوق البلاغي، وإرهاف الحس الأدبي، هو: مزاولة الجيد من القول، والبليغ من كلام العرب نثرا ونظما،

стр. 34

والمقارنة والموازنة بين الأساليب وطرق البيان، وكثرة المدارسة والممارسة لكلام البلغاء والفصحاء، وهي طريقة الإمام عبد القاهر الجرجاني ومدرسته، وذلك كما صنع في كتابيه الجليلين: "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، حينئذ يتسهل على المفسر لكتاب الله إدراك ما فيه من فصيح الكلام، وبليغ المعاني وأسرار الإعجاز، وما أحسن ما قاله ابن أبي الحديد في هذا، قال: اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح، والرشيق والأرشق من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدلالة عليه، وهو بمنزلة جاريتين: إحداهما بيضاء مشربة بحمرة، دقيقة الشفتين، نقية الثغر، كحلاء العين، أسيلة الخد، دقيقة الأنف معتدلة القامة، والأخرى دونها في هذه الصفات والمحاسن، لكنها أحلى في العيون والقلوب منها، ولا يدرى سبب ذلك، ولكنه يعرف بالذوق والمشاهدة، ولا يمكن تعليله، وهكذا الكلام!! نعم يبقى الفرق بين الوصفين، إن حسن الوجوه، وملاحتها، وتفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة، وأما الكلام: فلا يدرك إلا بالذوق، وليس كل من اشتغل بالنحو، واللغة، والفقه، يكون من أهل الذوق، وممن صلح لانتقاد الكلام، وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان، وراضوا أنفسهم بالرسائل، والخطب، والكتابة والشعر، وصارت لهم بذلك دراية، وملكة تامة، فإلى هؤلاء ينبغي أن يرجع في معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض. وقال الزمخشري: من حق مفسر كتاب الله الباهر، وكلامه المعجز أن يتعاهد بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدى سليما من القادح. أقول: والزمخشري: من خير إن لم يكن خير من له في إدراك إعجاز القرآن باع طويل، وخير من أفصح عن أسرار إعجاز القرآن الكريم بطريقة العرب الفصحاء البلغاء، لا بطريقة أهل الفلسفة والكلام. "الثامن": علم القراءات؛ لأنه به يعرف كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض. "التاسع": علم أصول الدين؛ ليعرف وهو يفسر القرآن ما يجب لله وما يستحيل عليه، وما يجوز له، وليعرف الفرق بين العقائد والشرائع، وما هو من أصول الدين، وما هو من فروعه.

стр. 35

"العاشر": علم أصول الفقه؛ لأن به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام، وطريقة استنباطها من النصوص. "الحادي عشر": علم أسباب النزول، وعلم القصص والأخبار؛ لأن بمعرفة سبب النزول يعرف المعنى المراد من الآية، كما أنه يزيل الإشكال عن بعضها، ويبين بعض حكم الله في التشريع، وبعلم القصص يعلم ما هو من الإسرائيليات التي دست في الرواية الإسلامية، وما ليس منها وما هو حق، وما هو باطل. "الثاني عشر": علم الناسخ والمنسوخ، وهو مهم للمفسر، وإلا وقع في خطأ كبير. "الثالث عشر": علم الفقه؛ إذ به يعرف مذاهب الفقهاء، ومن احتج منهم بالآية ومن لم يحتج بها، وطريقة كل منهم في فهم الآية والأخذ بها، أو الإجابة عنها. "الرابع عشر": علم الأحاديث والسنن والآثار المبينة؛ لتفصيل المجمل، وتوضيح المبهم، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، إلى غير ذلك من وجوه بيان السنة للقرآن. "الخامس عشر": علم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى من عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث النبي ﷺ : "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم" ١، قال ابن أبي الدنيا: وعلوم القرآن، وما يستنبط منه بحر لا ساحل له. فهذه العلوم التي هي كالآلة للمفسر لا يكون مفسرًا إلا بتحصيلها فمن فسر القرآن بدونها كان مفسرا بالرأي المنهى عنه، وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرا بالرأي المنهي عنه، والصحابة والتابعون كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالاكتساب، واستفادوا العلوم الأخرى من النبي ﷺ : قال الإمام السيوطي: ولعلك تستشكل علم الموهبة، وتقول: هذا شيء ليس في قدرة الإنسان، وليس كما ظننت من الإشكال، والطريق إلى تحصيله: ارتكاب الأسباب الموجبة من العمل، والزهد. قال الزركشي في البرهان: اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره وفي قلبه بدعة، أو كبر، أو هوى، أو حب الدنيا، أو وهو مُصِرٌّ على ذنب، أو

стр. 36

غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها حجب، وموانع بعضها آكد من بعض. قال السيوطي: ويدل على هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ١ قال سفيان بن عيينة: يقول: "أنزع عنهم فهم القرآن" أخرجه ابن أبي حاتم٢. أقول: وعلم الموهبة ثمرة من ثمرات التقوى، والتقوى لها معنيان: معنى نفسي وهو: خشية الله ومراقبته في السر والعلن، وهذا هو ما أراده النبي ﷺ حينما قال: "التقوى ههنا" ثلاثا، وأشار إلى صدره، رواه مسلم، ومعنى ظاهري، وهو الاستقامة على الدين، وذلك بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وقد تسمو بصاحبها، فتصل به إلى حد فعل النوافل والمستحبات أيضا، واتباع مكارم الأخلاق، وتوقي الشبهات، خشية الوقوع في المآثم والمحرمات، والتقوى بمعنييها لا بد منها لمن يتصدى لشرح كتاب الله، وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ٣ أي معنى في القلب يفرق به بين الحق والباطل. وليتمثل المفسر لكتاب الله أنه يفسر كلامًا لا ككلام الناس، وأنه قائم بين يدي الله الواحد، الأحد، الجبار، الكبير، المتعال، المنتقم وأن أي تقصير، أو تساهل فيه، يعتبر كذبا على الله، وافتراءًَ عليه. وسلوا بطانات الملوك، والرؤساء، والأمراء، والوزراء ينبئوكم بأن الواحد منهم محسوب عليه كل كلمة، بل كل حرف ينطق به ومؤاخذ على كل ما يصدر منه مهما قَلَّ، وأن كلمة يقولها، ربما تطيح بعنقه، أو تقصيه عن منصبه، فما بالكم بمن يفسر كلام رب الأرباب وملك الملوك؟!! ويقول: مراد الله كذا، أو عني الله كذا؟! وهذا هو السر في أن بعض كبار الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم كان يتحرج غاية

стр. 37

التحرج، من القول في تفسير القرآن الكريم، مع ما كانوا عليه من العلم الغزير، والعقل المستنير، والقلب المستضيء. علوم أخرى لا بد منها للمفسر: وقد جاء الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فزاد هو وتلميذه السيد محمد رشيد رضا بعض العلوم الأخرى كالعلم بتاريخ البشر، وعلم السيرة والعلوم الكونية، وقد زدت والله الحمد والمنة كما زاد غيري بعض العلوم وها أنذا أجمل ذلك فيما يأتي: ١- أن يكون عالما بالأحاديث: صحيحها، وحسنها، وضعيفها، ولئن عز ذلك في عصرنا هذا فليكن واقفا على ما قاله العلماء، وجمعه الأئمة فيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، وبيان فضائل آياته وسوره، ولو أن المفسرين جميعهم كانوا من حفاظ الحديث ونقاده المميزين لغثه من سمينه، وأئمته الذين جمعوا بين الرواية والدراية، لما وقع في كتب التفاسير كل هذا الدخيل، من الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولما عانى المسلمون ما يعانونه اليوم من الآثار السيئة، التى ترتبت على وجود هذه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير. ٢- أن يكون عالما بالسير، ولا سيما سيرة النبي ﷺ وسير أصحابه النبلاء رضوان الله عليهم وعالما بالتواريخ، وأحوال الأمم الماضية، ولا سيما تاريخ الأنبياء السابقين، والملوك الغابرين؛ فإن ذلك يعين المفسر على إصابة وجه الحق والصواب. [ففي القرآن كثير من الآيات لا يمكن تفسيرها إلا لعالم بالسير كالآيات المتعلقة ببدر وأحد والخندق والحديبية والفتح وتبوك، وكثير من الآيات المتعلقة بقصص الماضين وأولياء الله الصالحين والملوك الغابرين لا يمكن تفسيرها إلا بمعرفة التواريخ، وذلك كقصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة الخضر مع موسى ﵊] . ٣- أن يكون على علم بعلم الاجتماع البشري، وعلم النفس؛ فإن هذين العلمين يعينان المفسر على فهم المراد من بعض الآيات، وتفسيرها تفسيرًا علميا صحيحا، والكشف عما فيها من أسرار اجتماعية، ونفسية، وقارئ التفسير اليوم تستهويه التفاسير المدعمة بالمباحث النفسية والاجتماعية. وكيف يتأتى المفسر الذي يجهل قواعد هذين العلمين الصحيحة أن يفسر هذه الآيات.

стр. 38

وأمثالها، كقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ٥ إلى نحو ذلك من الآيات: ٤- أن يكون على علم بتاريخ الأديان السماوية السابقة، كاليهودية والنصرانية، وما دخلهما من تحريف وتبديل، حتى يستطيع أن يفسر قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه﴾ ٦، والمذاهب الدينية غير السماوية: كالبرهمية، والبوذية، والمزدكية، والمانوية ونحوها، وبذلك يستطيع المفسر أن يصل إلى الحق والصواب حينما يعرض للآيات التي جادلت أهل الكتاب، ولا سيما النصارى في عقيدتي التثليث والصلب والفداء، وكيف تأثروا في هاتين العقيدتين بالديانات والنحل القديمة وإلى ذلك أشار الله ﵎ في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٧. فإذا كان من يتعرض لتفسير كتاب الله على علم بهذه العلوم كلها ما ذكرها الإمام السيوطي وغيره، وما ذكرناه، فقد استأهل أن يفسر القرآن الكريم، وإلا فليرح نفسه، وليرحنا معه، ولا يخبط في كتاب الله خبط عشواء٨.

стр. 39

ما يجوز الخوض في تفسيره وما لا يجوز: من التفسير ما هو ظاهر واضح، يعلمه العالم باللسان العربي، ومنه ما لا يعذر أحد بجهالته، ومنه ما لا يجوز التكلم فيه إلا للعلماء الراسخين في العلم، ومنه ما لا يجوز الاشتغال به؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه، فلا يخرج منه الباحث بطائل. وقد أُثِرت عن الصحابي الجليل حبر القرآن ابن عباس ﵄ مقالة في هذا يستحسن أن نذكرها، فقد أخرج ابن جرير وغيره من طرق، عن ابن عباس، قال: "التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى" ثم رواه مرفوعا١ بسند ضعيف، بلفظ: "أُنزِلَ القرآن على أربعة أحرف أي أوجه: حلال، وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير العرب وتفسير تفسيره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب، وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي، وهو متَّهم بالكذب٢ وقد وضح لنا كلمة ابن عباس، وشرحها الإمام الزركشي في البرهان فقال: هذا تقسيم صحيح، فأما الذي تعرفه العرب فهو: الذي يُرجَعُ فيه إلى لسانهم، وكذلك: اللغة والإعراب فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك القارئ، ثم إن كان ما يتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم، كفى فيه خبر الواحد والاثنين، والاستشهاد بالبيت والبيتين، وإن كان يوجب العلم لم يُكتفَ بذلك، بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر شواهده من الشعر، وأما الإعراب: فما كان اختلافه محيلا للمعنى: وجب على المفسر والقارئ تعلمه؛ ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، ويسلم القارئ من اللحن، وإن لم يكن محيلا للمعنى: وجب تعلمه على القارئ؛ ليسلم من اللحن، ولا يجب على المفسر لوصوله إلى المقصود بدونه٣. وأما ما لا يعذر أحد بجهله: فهو ما تتبادر النصوص إلى معرفة معناه من النصوص.

стр. 40

المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا يعلم أنه مراد الله تعالى: فهذا التقسيم لا يلتبس تأويله؛ إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ١، وأنه لا شريك له في الإلهية، وإن لم يعلم أن "لا" موضوعة في اللغة للنفي و"إلا" للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ونحوه، طلب إيجاب المأمور به، وإن لم يعلم أن صيغة "افعل" للوجوب فما كان من هذا القسم لا يعذر أحد يدعى الجهل بمعاني ألفاظه؛ لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة. وأما ما لا يعلمه إلا الله تعالى: فهو ما يجري مجرى الغيوب، نحو الآي المتضمنة لقيام الساعة، وتفسير الروح، والحروف المقطعة في أوائل السور،٢ وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف بنص من القرآن أو الحديث، أو إجماع الأمة، على تأويله. وأما ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم، فهو: الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، وذلك استنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي؛ فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي، وإن استويا والاستعمال فيهما حقيقة لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفي الآخر شرعية: فالحمل على الشرعية أولى٣؛ إلا إن دل دليل على إرادة الحقيقة اللغوية، كما في قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ٤ ولو كان في أحدهما حقيقة عرفية، وفي الآخر لغوية، فالحمل على العرفية أولى٥، وإن اتفقا في ذلك أيضا: فإن تنافى اجتماعهما، ولم يمكن إرادتهما باللفظ
следующие страницы →