← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8671

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير

محمد أبو شهبة

Полный текст (439 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها حجب، وموانع بعضها آكد من بعض. قال السيوطي: ويدل على هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ١ قال سفيان بن عيينة: يقول: "أنزع عنهم فهم القرآن" أخرجه ابن أبي حاتم٢. أقول: وعلم الموهبة ثمرة من ثمرات التقوى، والتقوى لها معنيان: معنى نفسي وهو: خشية الله ومراقبته في السر والعلن، وهذا هو ما أراده النبي ﷺ حينما قال: "التقوى ههنا" ثلاثا، وأشار إلى صدره، رواه مسلم، ومعنى ظاهري، وهو الاستقامة على الدين، وذلك بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وقد تسمو بصاحبها، فتصل به إلى حد فعل النوافل والمستحبات أيضا، واتباع مكارم الأخلاق، وتوقي الشبهات، خشية الوقوع في المآثم والمحرمات، والتقوى بمعنييها لا بد منها لمن يتصدى لشرح كتاب الله، وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ٣ أي معنى في القلب يفرق به بين الحق والباطل. وليتمثل المفسر لكتاب الله أنه يفسر كلامًا لا ككلام الناس، وأنه قائم بين يدي الله الواحد، الأحد، الجبار، الكبير، المتعال، المنتقم وأن أي تقصير، أو تساهل فيه، يعتبر كذبا على الله، وافتراءًَ عليه. وسلوا بطانات الملوك، والرؤساء، والأمراء، والوزراء ينبئوكم بأن الواحد منهم محسوب عليه كل كلمة، بل كل حرف ينطق به ومؤاخذ على كل ما يصدر منه مهما قَلَّ، وأن كلمة يقولها، ربما تطيح بعنقه، أو تقصيه عن منصبه، فما بالكم بمن يفسر كلام رب الأرباب وملك الملوك؟!! ويقول: مراد الله كذا، أو عني الله كذا؟! وهذا هو السر في أن بعض كبار الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم كان يتحرج غاية

стр. 37

التحرج، من القول في تفسير القرآن الكريم، مع ما كانوا عليه من العلم الغزير، والعقل المستنير، والقلب المستضيء. علوم أخرى لا بد منها للمفسر: وقد جاء الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فزاد هو وتلميذه السيد محمد رشيد رضا بعض العلوم الأخرى كالعلم بتاريخ البشر، وعلم السيرة والعلوم الكونية، وقد زدت والله الحمد والمنة كما زاد غيري بعض العلوم وها أنذا أجمل ذلك فيما يأتي: ١- أن يكون عالما بالأحاديث: صحيحها، وحسنها، وضعيفها، ولئن عز ذلك في عصرنا هذا فليكن واقفا على ما قاله العلماء، وجمعه الأئمة فيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، وبيان فضائل آياته وسوره، ولو أن المفسرين جميعهم كانوا من حفاظ الحديث ونقاده المميزين لغثه من سمينه، وأئمته الذين جمعوا بين الرواية والدراية، لما وقع في كتب التفاسير كل هذا الدخيل، من الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولما عانى المسلمون ما يعانونه اليوم من الآثار السيئة، التى ترتبت على وجود هذه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير. ٢- أن يكون عالما بالسير، ولا سيما سيرة النبي ﷺ وسير أصحابه النبلاء رضوان الله عليهم وعالما بالتواريخ، وأحوال الأمم الماضية، ولا سيما تاريخ الأنبياء السابقين، والملوك الغابرين؛ فإن ذلك يعين المفسر على إصابة وجه الحق والصواب. [ففي القرآن كثير من الآيات لا يمكن تفسيرها إلا لعالم بالسير كالآيات المتعلقة ببدر وأحد والخندق والحديبية والفتح وتبوك، وكثير من الآيات المتعلقة بقصص الماضين وأولياء الله الصالحين والملوك الغابرين لا يمكن تفسيرها إلا بمعرفة التواريخ، وذلك كقصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة الخضر مع موسى ﵊] . ٣- أن يكون على علم بعلم الاجتماع البشري، وعلم النفس؛ فإن هذين العلمين يعينان المفسر على فهم المراد من بعض الآيات، وتفسيرها تفسيرًا علميا صحيحا، والكشف عما فيها من أسرار اجتماعية، ونفسية، وقارئ التفسير اليوم تستهويه التفاسير المدعمة بالمباحث النفسية والاجتماعية. وكيف يتأتى المفسر الذي يجهل قواعد هذين العلمين الصحيحة أن يفسر هذه الآيات.

стр. 38

وأمثالها، كقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ٥ إلى نحو ذلك من الآيات: ٤- أن يكون على علم بتاريخ الأديان السماوية السابقة، كاليهودية والنصرانية، وما دخلهما من تحريف وتبديل، حتى يستطيع أن يفسر قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه﴾ ٦، والمذاهب الدينية غير السماوية: كالبرهمية، والبوذية، والمزدكية، والمانوية ونحوها، وبذلك يستطيع المفسر أن يصل إلى الحق والصواب حينما يعرض للآيات التي جادلت أهل الكتاب، ولا سيما النصارى في عقيدتي التثليث والصلب والفداء، وكيف تأثروا في هاتين العقيدتين بالديانات والنحل القديمة وإلى ذلك أشار الله ﵎ في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٧. فإذا كان من يتعرض لتفسير كتاب الله على علم بهذه العلوم كلها ما ذكرها الإمام السيوطي وغيره، وما ذكرناه، فقد استأهل أن يفسر القرآن الكريم، وإلا فليرح نفسه، وليرحنا معه، ولا يخبط في كتاب الله خبط عشواء٨.

стр. 39

ما يجوز الخوض في تفسيره وما لا يجوز: من التفسير ما هو ظاهر واضح، يعلمه العالم باللسان العربي، ومنه ما لا يعذر أحد بجهالته، ومنه ما لا يجوز التكلم فيه إلا للعلماء الراسخين في العلم، ومنه ما لا يجوز الاشتغال به؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه، فلا يخرج منه الباحث بطائل. وقد أُثِرت عن الصحابي الجليل حبر القرآن ابن عباس ﵄ مقالة في هذا يستحسن أن نذكرها، فقد أخرج ابن جرير وغيره من طرق، عن ابن عباس، قال: "التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى" ثم رواه مرفوعا١ بسند ضعيف، بلفظ: "أُنزِلَ القرآن على أربعة أحرف أي أوجه: حلال، وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير العرب وتفسير تفسيره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب، وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي، وهو متَّهم بالكذب٢ وقد وضح لنا كلمة ابن عباس، وشرحها الإمام الزركشي في البرهان فقال: هذا تقسيم صحيح، فأما الذي تعرفه العرب فهو: الذي يُرجَعُ فيه إلى لسانهم، وكذلك: اللغة والإعراب فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك القارئ، ثم إن كان ما يتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم، كفى فيه خبر الواحد والاثنين، والاستشهاد بالبيت والبيتين، وإن كان يوجب العلم لم يُكتفَ بذلك، بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر شواهده من الشعر، وأما الإعراب: فما كان اختلافه محيلا للمعنى: وجب على المفسر والقارئ تعلمه؛ ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، ويسلم القارئ من اللحن، وإن لم يكن محيلا للمعنى: وجب تعلمه على القارئ؛ ليسلم من اللحن، ولا يجب على المفسر لوصوله إلى المقصود بدونه٣. وأما ما لا يعذر أحد بجهله: فهو ما تتبادر النصوص إلى معرفة معناه من النصوص.

стр. 40

المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا يعلم أنه مراد الله تعالى: فهذا التقسيم لا يلتبس تأويله؛ إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ١، وأنه لا شريك له في الإلهية، وإن لم يعلم أن "لا" موضوعة في اللغة للنفي و"إلا" للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ونحوه، طلب إيجاب المأمور به، وإن لم يعلم أن صيغة "افعل" للوجوب فما كان من هذا القسم لا يعذر أحد يدعى الجهل بمعاني ألفاظه؛ لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة. وأما ما لا يعلمه إلا الله تعالى: فهو ما يجري مجرى الغيوب، نحو الآي المتضمنة لقيام الساعة، وتفسير الروح، والحروف المقطعة في أوائل السور،٢ وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف بنص من القرآن أو الحديث، أو إجماع الأمة، على تأويله. وأما ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم، فهو: الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، وذلك استنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي؛ فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي، وإن استويا والاستعمال فيهما حقيقة لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفي الآخر شرعية: فالحمل على الشرعية أولى٣؛ إلا إن دل دليل على إرادة الحقيقة اللغوية، كما في قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ٤ ولو كان في أحدهما حقيقة عرفية، وفي الآخر لغوية، فالحمل على العرفية أولى٥، وإن اتفقا في ذلك أيضا: فإن تنافى اجتماعهما، ولم يمكن إرادتهما باللفظ

стр. 41

الواحد، كالقرء للحيض، والطهر، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنه فهو مراد الله تعالى في حقه، وإن لم يظهر له شيء: فهل يتخير في الحمل على أيهما شاء. ويأخذ بالأغلظ حكما، أو بالأخف؟ أقوال؛ وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز، والفصاحة، إلا إن دل دليل على إرادة أحدهما١. وقال ابن النقيب: اعلم أن علوم القرآن ثلاثة أقسام: "الأول": علم لم يُطلِع الله عليه أحدا من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته، وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو، وهذا لا يجوز لأحد الكلام فيه بوجه من الوجوه إجماعا. "الثاني": ما أطْلَعَ الله عليه نبيه من أسرار الكتاب، واختصه به وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له ﷺ ، أو لمن أذن له، وأوائل السور من هذا القسم، وقيل: من القسم الأول. "الثالث": علوم علمها الله نبيه، مما أودع في كتابه من المعاني الجلية والخفية، وأمر بتعليمها، وهذا ينقسم إلى قسمين: ١ منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع، وهو أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ والقراءات واللغات، وقصص الأمم الماضية وأخبار ما هو كائن من الحوادث، وأمور الحشر، والمعاد. ٢ ومنه ما يؤخذ بطريق النظر، والاستدلال، والاستخراج من الألفاظ وهو قسمان: ١ قسم اختلفوا في جوازه وهو تأويل الآيات المتشابهة في الصفات٢.

стр. 42

٢- وقسم اتفقوا عليه وهو: استنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية١ لأن مبناها على الأقيسة، وكذلك فنون البلاغة، وضروب المواعظ والحكم والإشارات لا يمتنع٢ استنباطها منه، واستخراجها لمن له أهلية. وروي عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن رسول الله ﷺ أو خبر عن أحد من أصحابه، أو إجماع العلماء، ومن هذه النصوص الجيدة التي تدل على العمق في البحث، والأصالة في الرأي، والدقة في التفكير نعلم أن من القرآن ما لا يجوز الخوض فيه قط، وأن منه ما الأولى عدم الخوض فيه؛ لأنه لا يؤدي إلى أمر تَرْكَن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، وأن هذا وذاك لم يرد فيه عن المعصوم ﷺ روايات صحيحة ثابتة، وإنما الكثرة الكاثرة منها روايات ضعيفة أو واهية أو مكذوبة مختلقة.٣. وما ورد فيهما عن الصحابة والتابعين فمعظمه لم يصح عنهم؛ لأنهم ما كانوا يخوضون في مثل هذا والكثير منه من قبيل الإسرائيليات والأخبار الباطلة التي تلقوها عن أهل الكتاب الذين أسلموا، واتخذت في ظاهر الأمر شكل الرواية الإسلامية، وما هي منها في شيء.

стр. 43

أقسام التفسير التفسير بالمأثور مدخل ... أقسام التفسير: التفسير المعتدُّ به عند جمهور العلماء سلفا وخلفا ينقسم إلى قسمين الأول: التفسير بالمأثور. الثاني: التفسير بالرأي السديد، والاجتهاد الصحيح المبني على العلوم والمعارف التي سقناها آنفا. وكتب التفسير بالمأثور منها ما هو خالص فيه، ومنها ما فيه زيادة توجيه الأقوال والآراء، والتفسير بالرأي والاجتهاد لا ينفك عن المأثور في الجملة أيا كانت ألوانه، واتجاهاته. ولم نقف على تفسير بالاجتهاد خلا عن المأثور قط. ولذلك: رأيت التعريف بكلا القسمين: وأشهر الكتب المؤلفة فيهما، حتى يكون القارئ لهذا الكتاب على بينة من كتب هذا العلم. التي سنعرض لبيان ما فيها من موضوع، وإسرائيليات، فأقول وبالله التوفيق: ١- التفسير بالمأثور: المأثور١: اسم مفعول من أثرت الحديث أثرًا "من باب قتل": نقلته، والأَثَر بفتحتين: اسم منه، وحديث مأثور أي منقول. فالتفسير بالمأثور أي بالمنقول، سواء أكان متواترًا أم غير متواتر. وعلى هذا: يشمل المنقول عن الله ﵎ في القرآن الكريم والمنقول عن

стр. 44

النبي ﷺ والمنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم والمنقول عن التابعين ﵏، وعلى هذه الأنواع الأربعة يدور التفسير بالمأثور.

стр. 45

أ- تفسير القرآن بالقرآن: هو تفسير بعض آيات القرآن بما ورد في القرآن نفسه؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضا. فما أجمل في مكان قد فُسِّر وبُيِّن في مكان آخر، وما أوجز في موضع قد بسط وبين في مكان آخر، ولذلك أمثلة. أمثلة من تفسير القرآن بالقرآن: قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين﴾ . فقد فسر المنعم عليهم بقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ ٢ فقد فسرت الكلمات في آية أخرى، قال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣ وقد روي هذا عن كثير من التابعين٤. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد﴾ ٥. فقد فسر قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ بقوله بعد: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ

стр. 46

وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِْ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَة﴾ فقد فسر بما يعده: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ، فقد فسر بما بعده: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ٣ إلى غير ذلك.

стр. 47

ب- تفسير القرآن بالسنة: فإن لم يوجد تفسير للقرآن في القرآن، فليبحث عما ثبت وصح في السنة، والأحاديث؛ فإنها شارحة للقرآن، ومبينة له، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ ٢. وعن المقدام بن معد يكرب: أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه ٣؛ ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته ٤ يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه؛ ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا أكل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلَّا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فعليه أن يعقبهم ٥ بمثل قراه". رواه أبو داود في سننه. قال الإمام الخطابي ﵀: قوله: "أوتيت الكتاب ومثله معه"،

стр. 48

وجهين: أحدهما: أن معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو. والثاني: أنه أوتي الكتاب وحيا يُتلَى، وأوتى من البيان مثله، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب، فيعمم ويخص، ويزيد عليه، ويشرح ما في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به، ولزوم قبوله كالظاهر المتلوّ من القرآن. وقوله: "يوشك رجل...." يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض؛ فإنهم تمثلوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، فتحيروا، وضلوا١. وفي حديث معاذ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قال له: "بم تحكم"؟ قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأي ولا آلو. أي لا أقصر، فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله". قال ابن كثير في تفسيره٢: وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد. وروى ابن المبارك عن الصحابي الجليل: عمران بن حصين أنه قال لرجل سأله عن أشياء وطلب منه أن يجيبه بالقرآن: "إنك رجل أحمق، أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجده في كتاب الله مفسرًا؟! إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا، وقال مكحول: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وقال الإمام أحمد بن حنبل: "إن السنة تفسر الكتاب وتبينه"٣. وهذا النوع من التفسير المنقول عن النبي ﷺ هو الطراز المعلم، ويجب الاعتماد في هذا النوع على الأحاديث الصحاح، والحسان، وتجنب الأحاديث الضعيفة والموضوعة،

стр. 49

فقد اختُلِقَ على النبي في تفسير القرآن كما اختُلِقَ عليه في غيره. وقد قال الزركشي في البرهان: إنه قد صح من ذلك كثير. ورد عليه السيوطي في الإتقان، فقال: "الذي صح من ذلك قليل جدا، بل أصل المرفوع في غاية القلة، وسأسردها في آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى"١. والحق: أني لا أوافق السيوطي على مقالته؛ وهي أنَّ ما صح في التفسير عن النبي قليل جدا، ولعل مراده القلة النسبية، أي بالنسبة إلى ما ورد عن الصحابة والتابعين، وإلا فقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه في ذلك كتابا كبيرا، وهو: "كتاب التفسير"، استغرق نحو جزء من ثلاثة عشر جزءا من تجزئة الإمام الحافظ ابن حجر في شرحه: "فتح الباري". وليس أدل على ما ذهبت إليه مما ذكره الحافظ بعد ما فرغ من شرح: "كتاب التفسير"، قال: خاتمة: اشتمل كتاب التفسير على خمسمائة حديث، وثمانية وأربعين حديثا، من الأحاديث المرفوعة، وما في حكمها، الموصول من ذلك أربعمائة حديث، وخمسة وستون حديثا، والبقية معلق٢، وما في معناه، المكرر من ذلك فيه، وفيما مضى أربعمائة وثمانية وأربعون حديثا، والخاص منها يعني من غير تكرار مائة حديث وحديث، وافَقَه مسلم على تخريج بعضها، ولم يخرج أكثرها؛ لكونها ليست ظاهرة الرفع، والكثير منها من تفاسير ابن عباس ﵄ وهي ستة وستون حديثًا، وفيه من الآثار٣ عن الصحابة فمن بعدهم خمسمائة وثمانون أثرا...."٤ وهذا يدل على أن ما صح في التفسير المرفوع غير قليل. السبب في أن الصحابة لم ينقلوا عن النبي كل التفسير: وليس من شك في أن النبي ﷺ بيَّن القرآن كله للصحابة، ولا سيما ما أشكل

стр. 50

عليهم أو خفى عليهم المراد منه، ولكن لم ينقل إلينا عنه ﷺ كل ما يتعلق بآيات القرآن؛ ولعل السبب في هذا: أنهم كانوا لفهمهم الكثير من آيات بمقتضى فطرتهم اللغوية، وعلمهم بالشريعة، رأوا ألا حاجة لنقل كل ما يتعلق بتفسير القرآن؛ ظنا منهم أن من يأتي بعدهم فهو مثلهم، أو يدانيهم وأيضًا فاشتغالهم بالجهاد، والفتوحات، ونشر الإسلام لم يدع لهم وقتا للتفرغ للعلم والرواية. السبب في أن ما نقل عن النبي في التفسير أقل مما نقل في الأحكام: وقد كان من حكمة الله البالغة: أن ما نقل عن النبي في تفسير القرآن ولا سيما فيما يتعلق بنشأة الكون، وأسرار الوجود، والآيات الكونية والنفسية أقل مما نقل في الأحكام؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية ثابتة دائمة، لا تتغير بتغير الأزمان والعصور، أما الآيات الكونية والآفاقية والنفسية فهي مجال للنظر، والتفكر، والتدبر، ويختلف تناولها والاستفادة منها بتغير العقول، والفهوم، وتتطور بتطور الأزمان والأجيال، وهي عرضة للتقدم العلمي، فمن ثم كان موقف القرآن منها موقف الداعي إلى التفكر والتدبر، والملاحظة والتجربة والاستفادة بما أودعه الله فيها من أسرار، وخصائص، وسنن؛ وبذلك فتح القرآن للعقول أبواب التقدم العلمي على مصراعيها، حتى بلغ هذا التقدم إلى ما ترى وقد صيغت هذه الآيات الكونية والنفسية صياغة في غاية المرونة١، فمن ثم صلحت لكل زمان ومكان، وكان ذلك سرًّا من أسرار إعجاز القرآن الكريم. وكذلك كان موقف النبي ﷺ من هذه الآيات الكونية؛ الحث على البحث فيها، والتفكر، والتدبر، والتنبيه إلى فوائدها دون الإخبار عن حقائقها وأسبابها، ولم يصح عن النبي ﷺ في التفصيل في الآيات الكونية -كالسماوات، وجوهرها ومم خُلقت ومقدار ما بين كل سماء والأخرى- إلا شيء قليل جدا، وأغلب ما ورد في ذلك لم يصح، ولم يثبت عنه.

стр. 51

ولما سئل ﷺ عن الهلال: لم يبدو دقيقا، ثم يزيد، حتى يمتلئ نورا؛ أي يصير بدرا، ثم يعود دقيقا كما كان١ نزل القرآن منبها إلى الفائدة دون الإجابة عن الحقيقة العلمية مع أنها محطُّ السؤال قال عز من قائل: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ٢، والله وهو خالق الكون؛ علويّه وسفليّه، ومدبره، والعليم بكل أسراره كان يعلم الحقيقة العلمية ولا ريب، وكان من الممكن اليسير أن يعلمها لنبيه ﷺ ؛ ليجيب بها، أو لعله أعلمه بها، ولكن جاء القرآن على هذا الأسلوب الحكيم بالتنبيه إلى الفائدة والغاية من هذا رحمة بالناس، ورفقا بعقولهم فليست كل العقول كانت متهيئة في هذا الزمن البعيد لتقبل الحقيقة العلمية، وقد يكون لبعضهم فتنة، فمن ثم ترك ذلك إلى العقول؛ لتصل إلى الحقيقة بعلمها وجدها، وبحثها، والعالم في تقدمه مدين لهذا المنهج القرآني، فهو الذي فتح للبشرية آفاق العلم، والمعرفة، وقد كان ﷺ يخاطب الناس على قدر عقولهم، واستعداداتهم، وله في ذلك السياسة الحكيمة، والتوجيهات الرشيدة، وفي الأثر الصحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". رواه مسلم في مقدمة الصحيح وروى البخاري في صحيحه تعليقا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! ". حديث منكر غريب: ومهما يكن من شيء فقد فسَّر النبي صلى الله عليه للصحابة جلَّ القرآن، إن لم يكن كله، وأما الحديث الذي رواه ابن جرير الطبري بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "ما كان النبي ﷺ يفسر شيئا من القرآن إلا آيًا بعدد، علمهن إياه جبريل ﵇" فإنه حديث منكر غريب؛ لأن جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري قال فيه البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث٣. وقد تكلم عليه الإمام ابن جرير بما حاصله: أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف.

стр. 52

عن الله تعالى مما أوقفه عليها جبريل، وهذا التأويل مقبول لو صح الحديث، ولكنه لم يصح. أمثلة لتفسير القرآن بالسنة: من ذلك: تفسير المغضوب عليهم: باليهود، والضالين: بالنصارى، في سورة الفاتحة، أخرج أحمد، والترمذي، وحسنه وابن حبان في صحيحه، عن عدي بن حاتم: قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المغضوب عليهم هم: اليهود، وإن الضالين هم: النصاري" ويؤيد هذا التفسير، قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ١ فإن المراد بهم: اليهود٢، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٣ وقد جعل النبي ﷺ اليهود عنوانا على كل من فسدت إرادتهم، فعلموا الحق، وعدلوا عنه، والنصارى: عنوانا على الذين فقدوا العلم، والوصول إلى الحق، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق. ومن ذلك تفسير الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤ روى أحمد والشيخان وغيرهم عن ابن مسعود، قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على الصحابة، فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ ٥، إنما هو الشرك". ومن ذلك: تفسير القوة بالرمي، في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّه

стр. 53

يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ١. روى مسلم وغيره عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة؛ ألا وإن القوة الرمي؛ ألا وإن القوة الرمي؛ ألا وإن القوة الرمي". وقد جاءت الكلمة القرآنية معجزة، فإن المراد بالقوة أسبابها، وهي كل ما يكون به القوة، ولما كانت أسباب القوة وهي أسلحة الحرب، وآلات القتال تختلف باختلاف العصور، جاءت الكلمة على هذه المرونة الفائقة، التي جعلتها صالحة لكل زمان ومكان. وكذلك جاء المفسِّر معجزا كالمفسَّر "بفتح السين المشددة"، فهما من مشكاة واحدة، فالرمي: كلمة مرنة صالحة لتطور الأسلحة بتقدم الزمان، فإن كلمة الرمي: يدخل فيها الرمي بالقوس، والنبال، والرمي بالحراب، والرمي بالمجنيق، ويدخل فيها أيضا: كل ما استحدث فيما بعد، كالرمي بالمدفع، والقنابل الذرية، والهيدروجينية والصواريخ ونحوها، ومن ذلك تفسير الحساب اليسير: بالعرض، أخرج الشيخان وغيرهما، عن عائشة، قالت قال: رسول الله ﷺ : "من نوقش الحساب عذب"، قلت: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ٢ قال: "ليس ذاك الحساب؛ وإنما ذاك العرض"، وهذا لفظ مسلم. والعَرْض "بفتح العين وسكون الراء" أي عرض أعمال المؤمن عليه، حتى يعرف منَّة الله تعالى عليه في سترها عن الناس في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة. ومن ذلك تفسير الكوثر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أخرج أحمد ومسلم عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر: نهر أعطانيه ربي في الجنة" قال السيوطي: له طرق لا تحصى٣. وفي الصحيحين عن أنس قال: "لما عرج النبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر".

стр. 54

جـ- تفسير الصحابة: فإن لم نجد في القرآن، ولا في السنة والأحاديث عن النبي ﷺ ، رجعنا في ذلك إلى ما صح وثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم أدرى منا بتفسير القرآن الكريم؛ فقد بين لهم النبي معاني القرآن، وشرح لهم مجمله، وأزال مشكله، وأيضا: هم أعلم بتفسيره منا؛ لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي أحاطت بنزول القرآن الكريم، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، والقلب المستضيء، والعقل الذكي، ولا سيما كبراؤهم، وعلماؤهم كالخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وأمثالهم. ولعلك على ذكر مما رواه أبو عبد الرحمن السلمي، التابعي الجليل عن كبار حفاظ القرآن، من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا إذا نزل عليهم عشر آيات لم يتجاوزوها، حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعا. وروي عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه قال: "من كان منكم متأسيا، فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم". وروى الإمام أحمد والبيهقي عن الشافعي ﵀: أنه ذكر الصحابة في رسالته القديمة، وأثنى عليهم بها هم أهله، ثم قال: "وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به حكم، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا"١. وقد روي عن الصحابة في التفسير كثير جدا، وفيه الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر، والموضوع، وما هو من الإسرائيليات ونحوها، وقد عني أئمة

стр. 55

الحديث وجهابذته١ بنقد ما روي، وتمييز المقبول من المردود، والغث من السمين، ولكنها مفرقة مبثوثة في كتب كثيرة، وهي تحتاج إلى جهد جهيد في الوصول إليها، وإلى صبر وأناة في تتبعها، والانتفاع بها. أقوال الصحابة في التفسير: وقد اختلف العلماء في أقوال الصحابة في التفسير: أهي لها حكم الرفع، أم هي موقوفة عليهم؟، فمنهم من قال: إن تفسير الصحابي له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، وقد قال ذلك الحاكم: في "المستدرك"٢. وقال أبو الخطاب من كبار علماء الحنابلة: يحتمل ألا يرجع إليه، إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة؛ قال: والصواب الأول؛ لأنه من باب الرواية لا الرأي. وما قاله الحاكم وغيره نازعه فيه الإمام ابن الصلاح وغيره، من المحققين المتأخرين، وقالوا: إن ذلك مخصص بما فيه سبب نزول أو نحوه، مما لا دخل للرأي فيه، وأما ما يتعلق باللغة والأحكام الاجتهادية، فليس من قبيل المرفوع٣. وقد صرح الحاكم نفسه بذلك في كتابه: "علوم الحديث" فقال: ومن الموقوفات: تفسير الصحابة، وأما من يقول: إن تفسير الصحابة مسند أي مرفوع، فإنما يقوله فيما فيه سبب نزول، فقد خصص هنا وعمم في المستدرك، فلعل هذا ما أراده في المستدرك أو رجع عنه إلى هذا. والمحققون من العلماء كالحافظ الكبير ابن حجر: على أن أقوال الصحابة في التفسير لها حكم المرفوع إلى النبي ﷺ بشرطين:

стр. 56

الأول: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه، كأسباب النزول، وأحوال القيامة، واليوم الآخر ونحوها. الثاني: ألا يكون الصحابي معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أي غير معروف برواية الإسرائيليات١. لأن من عادة الصحابة وأخلاقهم: ألا يتكلموا فيما لا مجال للرأي فيه إلا بسماع وتوقيف، ولا يتهجموا على ذلك من عند أنفسهم؛ والسماع إما من النبي ﷺ ، أو من بعض أهل الكتاب الذين أسلموا فإذا انتفى الثاني، فقد تعين الأول. وهذا الشرط الثاني يدل على بعد نظر أئمة الحديث ونقاده، وأنهم لم تجز عليهم هذه الإسرائيليات التي رويت عن بعض الصحابة فقد علموا كذبها، وعلموا أنها دخيلة على الرواية الإسلامية. وقد كان كثير من التابعين يتحاشون الرواية، عن بعض الصحابة الذين عرفوا بالأخذ عن أهل الكتاب، وليس أدل على ذلك من أن عبد الله بن عمرو بن العاص قد شهد له أبو هريرة بأنه كان أكثر حديثا منه؛ لأنه كان قارئا كاتبا، رواه البخاري في صحيحه، ومع هذا: فقد جاءت مروياته أقل من مرويات أبي هريرة؛ لأنه كانت وقعت له كتب من كتب أهل الكتاب في موقعة اليرموك، تبلغ حمل بعيرين، فكان يحدث ببعض ما فيها، فمن ثم تحاشى بعض الرواة الرواية عنه، فكان هذا سبب من أسباب قلة مروياته عن أبي هريرة رضي الله عنه٢. أمثلة من تفسير الصحابة: من ذلك: ما روي عن سلمة بن الأكوع في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ : كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها٣ فنسختها"٤.

стр. 57

وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس: أنها ليست بمنسوخة، وأنها في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فعليهما أن يطعما مكان كل يوم مسكينا١. وهذا: إنما يتأتى على من يفسر الإطاقة: بأنها تحمل الشيء بتكلف وجهد، ويشهد له: قراءة "يُطَوَّقُونَه" بضم الياء، وفتح الطاء، وفتح الواو المشددة، وأما قراءة العامة من القراءة المشهورة فتشهد للرأي الأول، وهذا إلى جانب كونه مثالا لتفسير الصحابي، لون من ألوان اختلاف الصحابة في التفسير. ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢، قال: كانت السماوات رتقًا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق الله هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجع السائل له إلى ابن عمر ﵄، فأخبره بما قاله ابن عباس، فقال ابن عمر: كنت أقول: ما تعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علما". أخرجه أبو نعيم في الحلية، وذكره السيوطي في الإتقان٣. ومن ذلك ما روي عن السيدة عائشة ﵂ لما سألها ابن أختها عروة بن الزبير عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ فقالت: يابن أختي: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك، إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن"٤. ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ .

стр. 58

روى البخاري في صحيحه، بسنده من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال، لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم١، فدعاهم ذات يوم، فأدخلني معهم، فما رؤيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت، فلم يقل شيئا فقال لي: أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أَجَل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ، وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول٢. ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه" قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، قال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه". ولا منافاة بين هذا التفسير وما صح عن النبي من أنه الكوثر؛ لأن الكوثر من هذا الخير الكثير، ويدخل في هذا الخير الكثير النبوة والرسالة والقرآن والسنة. تفاسير التابعين: وأما أقوال التابعين٣ في التفسير: ففيها خلاف بين العلماء؛ فبعضهم عدها من المأثور؛ لأن الغالب أنهم تلقوها عن الصحابة رضوان الله عليهم. وبعضهم: عدها من التأويل والتفسير بالرأي والاجتهاد؛ لكثرة اختلافهم أكثر من الصحابة، قال الزركشي في البرهان: وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان٤ عن أحمد، واختار ابن عقيل المنع، وحكوا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير، لكن عمل المفسرين على خلافه، فقد

стр. 59

حكوا في كتبهم أقوالهم؛ لأن غالبها تلقوها عن الصحابة. والتحقيق: أنهم إن أجمعوا على شيء فلا يرتاب في كونه حجة ويكون تلقوه عن الصحابة، أما إذا اختلفوا: فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، وعلى من بعدهم، وحينئذ للمفسر للقرآن أن يرجع إلى الطرق والوسائل، التى يستفاد منها التفسير الصحيح١. وقد رويت عن التابعين في التفسير روايات كثيرة لا يحصيها العد، ولا سيما تلاميذ ابن عباس: مجاهد بن جبر، سعيد بن جبير، وعكرمة مولاه، وعطاء وغيرهم، وقد ذكر منها ابن جرير في تفسيره كثرة كاثرة، والسيوطي في "الدر المنثور"، والبغوي وابن كثير وغيرهم، وسنعرض إن شاء الله فيما يأتي لبيان القيمة العلمية لتفاسير التابعين.

стр. 60

المفسرون من الصحابة مدخل ... المفسرون من الصحابة: اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير ﵃ أجمعين؛ أما الخلفاء الأربعة فإن أكثر من روى عنه منهم في التفسير علي بن أبي طالب ﵁؛ لتخليه عن مهام الخلافة طيلة مدة الخلفاء الثلاثة، ولتأخر وفاته عنهم. وأما الخلفاء الثلاثة الأول فالرواية عنهم في التفسير قليلة جدا١؛ وذلك بسبب تقدم وفاتهم ولانشغالهم بمهام الخلافة فالصديق: كان شاغله الأكبر القضاء على الفتنة، فلما قضى عليها شرع في نشر الإسلام في الشام والعراق، فلم يكن عنده متسع للرواية، وأما الفاروق عمر ﵁ فكان شاغله الأكبر الفتوحات الإسلامية، واستكمال بناء الدولة، وإن كانت الرواية عنه أكثر من الرواية عن سلفه العظيم. وذو النورين: عثمان رضي الله تعالى عنه شعل بإتمام الفتوحات، وبالفتنة الكبرى في عهده التي انتهت بقتله، وإن كانت الرواية عنه أكثر من الرواية عن الشيخين، فقد

стр. 61

كان متفرغا طيلة عهدهما، والمكثرون من هؤلاء هم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس وإليك كلمة موجزة عن كل منهم.

стр. 62

١- علي بن أبي طالب: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. هو: ابن عم رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته السيدة فاطمة ﵂، وقد كانت نشأته في بيت النبوة من الأسباب المهمة في كثرة ما حمل من علم، وما اشتهر به من فقاهة، هذا إلى ما وهبه الله من فطرة سليمة لم تتدنس بشيء من أمور الجاهلية، فلم يسجد لصنم قط، ولم يشرب خمرا، ولا اقترف إثمًا، وما كان يتمتع به من قلب مضيء وعقل ذكي، ولسان فصيح بليغ، وقد روى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل، قال: "شهدت عليا يخطب وهو يقول: "سلوني؛ فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله؛ فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار؟ أم في سهل أم في جبل؟ ". وأخرج أبو نعيم في الحلية بسنده عن علي قال: "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت؟ وأين نزلت؟ إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا سئولا"، وقد اشتهر بالفصاحة، والبلاغة، والبيان، والفتيا، وحل المشاكل، حتى قيل فيه: "قضية ولا أبا حسن لها". وقد ابتلي ﵁ بشيعة أسرفوا في حبه، فوضعوا روايات كثيرة جدا في فضائله، وفي التفسير وغيره وألصقوا به ما هو بريء منه، وقابلهم المبغضون له، فوضعوا في ذمه، ولمزه، وهمزه شيئا غير قليل، وهكذا: نجد أنه هلك فيه رجلان: محب غالٍ، ومبغض قالٍ. وقد نقد أئمة الحديث وحفاظه هذه المرويات، وبَيَّنُوا الصحيح، والضعيف، والمكذوب، والمقبول من المردود، وسيأتي إن شاء الله بيان الكثير من ذلك.

стр. 63

٢- عبد الله بن مسعود: هو عبد الله بن مسعود، بن غافل، بن حبيب، بن شمخ، بن هذيل مات أبوه في الجاهلية، وأسلمت أمه وصحبت النبي، فلذلك نسب إليها أحيانا.

стр. 64

أسلم قديما، وكان كثير الملازمة لرسول الله ﷺ وصاحب سواكه، ومطهرته، وحامل نعليه، كان من حفاظ القرآن المجيدين له، والمعروفين بإقرائه للصحابة وغيرهم، وفي صحيح البخاري عن شقيق بن سلمة قال: "خطبنا عبد الله، فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم". وفي صحيح البخاري عن مسروق، قال: ذكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو -يعني ابن العاص، فقال: لا أزال أحبه بعد ما سمعت النبي ﷺ يقول: "خُذُوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب"، وقد كان من أعلم الناس بتفسير القرآن الكريم، بل كان يرى نفسه أنه أعلم الناس بكتاب الله؛ روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن مسعود قال: "والله الذي لا إله غيره ما أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه١. وناهيك برجل زكاه علي بن أبي طالب، وشهد له بسعة علمه بالقرآن والسنة، أخرج أبو نعيم عن أبي البختري، قال: قالوا لعلي: أخبرنا عن ابن مسعود قال: "عَلِمَ القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علما" وشهد له من التابعين: مسروق بن الأجدع من خيار التابعين وفضلائهم قال: وجدت أصحاب محمد ﷺ مثل الإخاذ٢ يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم٣ وإن عبد الله بن مسعود من تلك الإخاذ". وقد كان له تلاميذ أخذوا عنه، وتخرجوا به، وملأوا الأرض من علمه، روي عن الإمام على بن المديني أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ له أصحاب

стр. 65

يقومون بقوله في الفقه، إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، كان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله، ويفتون الناس". وقد رويت عنه روايات كثيرة في التفسير، وقد عني بها أئمة الحديث ونقدوها، وبينوا الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، وقيل ثلاث وثلاثين فرضى الله عنه وأرضاه.

стр. 66

٣- أبي بن كعب: هو: أبي بن كعب بن قيس، من بني النجار الأنصاري الخزرجي يكنى: أبا المنذر وأبا الطفيل، كان من السابقين إلى الإسلام، من الأنصار. شهد العقبة، وبدرا، وما بعدهما، وهو أحد المشهورين بحفظ القرآن من الصحابة، وبإقرائه، وقد سبق ذلك آنفا، وقد قال فيه عمر: "أبي أقرؤنا" رواه البخاري. ومن فضائله: أن النبي ﷺ قرأ عليه القرآن، روى البخاري في صحيحه بسنده، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قال النبي ﷺ لأبي: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ قال: وسماني؟ قال: "نعم"، فبكى"٢. وإنما قرأ عليه النبي ﷺ ؛ ليزداد علما بالقراءة من النبي ﷺ ويزداد تثبتا فيها، وليكون عرض القرآن وأخذه عن شيخ مقرئ سنة متبعة، وللتنبيه على فضيلة أبي وتقدمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يتعلم منه النبي شيئا، أو يستذكره منه بهذا العرض، وقد روى عنه في التفسير نسخة كبيرة، يرويها أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم منها كثيرا، وكذا الحاكم في مستدركه، وأحمد في مسنده، وكانت وفاته سنة ثلاثين، فرضي الله عنه.

стр. 67

٤- زيد بن ثابت: هو: زيد بن ثابت بن الضحاك، بن زيد بن لوذان، من بني مالك بن النجار، كاتب الوحي وأحد فقهاء الصحابة، وحفاظهم القرآن، والمشهورين بإقرائه، وقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن قتادة عن أنس ﵁. قال: "جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وأبو زيد، وزيد بن ثابت١، قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي"، وقد اختلف في اسم أبي زيد هذا على أقوال، أرجحها: أنه قيس بن السكن، من بني حرام الأنصاري النجاري، رواه ابن أبي داود٢. وبحسبه فضلا ومفخرة أنه هو الذي جمع القرآن في الصحف في عهد الصديق، بعد أن كان مفرقا في العسب، والأكتاف، واللخاف، والظرر٣، وأنه رئيس الجماعة التي كتبت المصاحف في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه٤. وقد كان له أصحاب تفقهوا به، وأخذوا عنه، ونشروا علمه، وقد سبقت في ذلك مقالة الإمام ابن المديني آنفا، وقد ورد عنه في التفسير مرويات كثيرة، إلا أنه أقل من سابقيه، وقد نقدها الأئمة الحفاظ، وبينوا منزلتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف، وكانت وفاته سنة خمس وأربعين للهجرة، فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 68

٥- عبد الله بن عباس: هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبي ﷺ ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو ترجمان القرآن، دعا له النبي ﷺ فقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". رواه أحمد والطبراني وفي صحيح البخاري بلفظ:

стр. 69

"اللهم علمه الحكمة" وفي رواية: "اللهم علمه الكتاب"، وهو مفسِّر لما قبله، وأن المراد بالحكمة: علم القرآن، وكان ابن عباس من أعلم الصحابة بتفسير القرآن، قال فيه ابن مسعود: "نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس" رواه ابن سعد، والبيهقي في الدلائل، وقد عرف بغزارة العلم، حتى لقب بالحبر، والبحر، وكانت له مدرسة لها سماتها وخصائصها، وأصحاب يقومون بعلمه، ويقولون بقوله، ونشروا علمه على أوسع ما يكون النشر، ولعلك على ذكر من مقالة ابن المديني الآنفة، وكان الفاروق عمر ﵁ يجلسه على حداثة سنة في مجلسه ويعرف قدره حتى كان يدخله مجسه مع الأشياخ من الصحابة، يروي عن الحسن البصري: أن ابن عباس كان من القرآن بمنزل، كان عمر يقول: "ذاكم فتى الكهول، إن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا" وقد مر أنه لما وجد بعض الصحابة من إدخاله معهم، وقالوا: إن لنا أبناء مثله دعاه، ودعاهم، ثم سألهم وسأله، فتبين لهم أنه ليس كغيره، وأن له من العلم ما يؤهله لذلك، ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى الإتقان١. وقال الأعمش عن أبي وائل: "استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية: سورة النور، ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك، والديلم لأسلموا"٢. وقد ورد عنه في تفسير القرآن ما لا يحصى كثرة، ورويت عنه من طرق كثيرة، وفيها الصحيح، والحسن، والضعيف، بل والموضوع شيء كثير، وأما التفسير المطبوع المنسوب إليه، ففي صحة نسبته إليه شك غير قليل، وليس هنا موضع بيان ذلك. وقد نقد أئمة الحديث، وصيارفته العارفون بالرجال جرحا، وتعديلا، وبالعلل المرويات عنه، وطرقها عنه، وبيَّنوا الغث من السمين، والمقبول من المردود. وما حمله عن أهل الكتاب الذين أسلموا من الإسرائيليات، مما حمله عن غيرهم، وسنعرض لذلك بالتفصيل في نقد التفسير بالمأثور إن شاء الله تعالى، وكانت وفاته بالطائف سنة ثمانٍ وخمسين للهجرة، وقبره هناك معروف، فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 70

أما أبو موسى، وعبد الله بن الزبير، فما روي عنهما في التفسير أقل مما روي عن سابقيهما، وقد ورد عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء اليسير من التفسير، كأنس، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وغيرهم، وقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أخبار كثيرة في التفسير ولا سيما فيما يتعلق بقصص الأنبياء، وأخبار الفتن، وأحوال يوم القيامة، قال السيوطي: وما أشبهها بأن تكون مما تحمَّله عن أهل الكتاب: يعني من الإسرائيليات١.

стр. 71

" المفسرون من التابعين ": وقد اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون، من أعيانهم: مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم كثيرون.

стр. 72

مدارس التفسير مدخل ... مدارس التفسير: وقد كانت هناك مدارس متعددة في التفسير، لكل مدرسة خصائصها، ومميزاتها وأساتذتها، وطلابها، فكانت هناك مدرسة الحجاز، وهي تشمل مدرستين: مدرسة مكة، وأستاذها الأكبر ابن عباس، ومدرسة المدينة، ومن أساتذتها: علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، ومدرسة العراق، وأستاذها الأكبر: ابن مسعود، ومدرسة الشام، ومن أساتذها من الصحابة: أبو الدراء الأنصاري الخزرجي، وتميم الداري راهب عصره، وعابد أهل فلسطين، ومدرسة مصر وأستاذها الأكبر: عبد الله بن عمرو بن العاص، ومدرسة اليمن وأستاذاها الأكبران: معاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، إلى غير ذلك من المدارس التي انتشرت في العالم الإسلامي.

стр. 73

وكان آصل هذه المدارس، وأعلمها بالتفسير، مدرسة مكة؛ لأن أستاذها وشيخها: ابن عباس حبر القرآن وترجمانه، قال الإمام ابن تيمية: "أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك: ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل: زيد بن أسلم: الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب"١. وسأقتصر على ذكر المشاهير من مدارس مكة، والمدينة، والعراق، والشام، ومصر، واليمن مع التعريف بهم.

стр. 74

أ- مدرسة مكة: ١- مجاهد بن جبر المكي: مولى السائب بن أبي السائب، وُلِدَ سنة إحدى وعشرين، وهو من المبرزين من تلاميذ ابن عباس، وأكثرهم ملازمة له، قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدًا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين عرضة، وعنه أيضا قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات١، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها: فيم نزلت؟ "وكيف كانت؟ "، وروى ابن جرير بسنده، عن ابن أبي مليكة، قال: "رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله". ولذا قال الإمام سفيان الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك"، وقال ابن تيمية: "ولذا يعتمد على تفسيره الشافعي، والبخاري وغيرهما من أهل العلم"٢.

стр. 75

وقال السيوطي في الإتقان: "وغالب ما أورده الفريابي في تفسيره عنه، وما أورده فيه عن ابن عباس أو غيره قليل جدًّا"، وكانت وفاته بمكة وهو ساجد، سنة اثنتين ومائة. ٢- سعيد بن جبير ١: مولى بنى والية، من بني أسد بن خزيمة، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، وعبد الله بن مغفل المزني، وغيرهم، وكان من تلاميذ ابن عباس، المتخرجين في مدرسته، وكان في أول أمره كاتبًا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم لأبي بردة الأشعري، ثم تفرغ للعلم حتى صار إماما علما. قال سفيان الثوري: "خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، والضحاك" وقال قتادة: وكان أعلم الناس أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام"، ولما خرج عبد الرحمن بن الأشعث على عبد الملك بن مروان، انضم إليه سعيد بن جبير، فلما قتل عبد الرحمن، وانهزم أصحابه فر إلى مكة، فقبض عليه واليها خالد بن عبد الله القسري، وأرسله إلى الحجاج فقتله، وكان ذلك بواسط سنة خمس وتسعين، وقد استحق الحجاج بفعلته الآثمة المنكرة غضب الله، والناس أجمعين، قال الإمام أحمد: "قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه" فرضي الله عنه وأرضاه. ٣- عطاء بن أبي رباح: أصله يمنِيٌّ من الجَنَد٢ التي قد نزلها سيدنا معاذ بن جبل مبعوثا من النبي ﷺ ، ثم تحول إلى مكة، وأقام بها، وبلغ مرتبة الإمامة والفقه، وانتهت إليه الفتوى بمكة، قال فيه ابن عباس لأهل مكة: "تجتمعون علي وعندكم عطاء"، قد سمعتَ آنفا مقالة
следующие страницы →