← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8671

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير

محمد أبو شهبة

Полный текст (439 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

" المفسرون من التابعين ": وقد اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون، من أعيانهم: مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم كثيرون.

стр. 72

مدارس التفسير مدخل ... مدارس التفسير: وقد كانت هناك مدارس متعددة في التفسير، لكل مدرسة خصائصها، ومميزاتها وأساتذتها، وطلابها، فكانت هناك مدرسة الحجاز، وهي تشمل مدرستين: مدرسة مكة، وأستاذها الأكبر ابن عباس، ومدرسة المدينة، ومن أساتذتها: علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، ومدرسة العراق، وأستاذها الأكبر: ابن مسعود، ومدرسة الشام، ومن أساتذها من الصحابة: أبو الدراء الأنصاري الخزرجي، وتميم الداري راهب عصره، وعابد أهل فلسطين، ومدرسة مصر وأستاذها الأكبر: عبد الله بن عمرو بن العاص، ومدرسة اليمن وأستاذاها الأكبران: معاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، إلى غير ذلك من المدارس التي انتشرت في العالم الإسلامي.

стр. 73

وكان آصل هذه المدارس، وأعلمها بالتفسير، مدرسة مكة؛ لأن أستاذها وشيخها: ابن عباس حبر القرآن وترجمانه، قال الإمام ابن تيمية: "أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك: ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل: زيد بن أسلم: الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب"١. وسأقتصر على ذكر المشاهير من مدارس مكة، والمدينة، والعراق، والشام، ومصر، واليمن مع التعريف بهم.

стр. 74

أ- مدرسة مكة: ١- مجاهد بن جبر المكي: مولى السائب بن أبي السائب، وُلِدَ سنة إحدى وعشرين، وهو من المبرزين من تلاميذ ابن عباس، وأكثرهم ملازمة له، قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدًا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين عرضة، وعنه أيضا قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات١، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها: فيم نزلت؟ "وكيف كانت؟ "، وروى ابن جرير بسنده، عن ابن أبي مليكة، قال: "رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله". ولذا قال الإمام سفيان الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك"، وقال ابن تيمية: "ولذا يعتمد على تفسيره الشافعي، والبخاري وغيرهما من أهل العلم"٢.

стр. 75

وقال السيوطي في الإتقان: "وغالب ما أورده الفريابي في تفسيره عنه، وما أورده فيه عن ابن عباس أو غيره قليل جدًّا"، وكانت وفاته بمكة وهو ساجد، سنة اثنتين ومائة. ٢- سعيد بن جبير ١: مولى بنى والية، من بني أسد بن خزيمة، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، وعبد الله بن مغفل المزني، وغيرهم، وكان من تلاميذ ابن عباس، المتخرجين في مدرسته، وكان في أول أمره كاتبًا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم لأبي بردة الأشعري، ثم تفرغ للعلم حتى صار إماما علما. قال سفيان الثوري: "خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، والضحاك" وقال قتادة: وكان أعلم الناس أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام"، ولما خرج عبد الرحمن بن الأشعث على عبد الملك بن مروان، انضم إليه سعيد بن جبير، فلما قتل عبد الرحمن، وانهزم أصحابه فر إلى مكة، فقبض عليه واليها خالد بن عبد الله القسري، وأرسله إلى الحجاج فقتله، وكان ذلك بواسط سنة خمس وتسعين، وقد استحق الحجاج بفعلته الآثمة المنكرة غضب الله، والناس أجمعين، قال الإمام أحمد: "قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه" فرضي الله عنه وأرضاه. ٣- عطاء بن أبي رباح: أصله يمنِيٌّ من الجَنَد٢ التي قد نزلها سيدنا معاذ بن جبل مبعوثا من النبي ﷺ ، ثم تحول إلى مكة، وأقام بها، وبلغ مرتبة الإمامة والفقه، وانتهت إليه الفتوى بمكة، قال فيه ابن عباس لأهل مكة: "تجتمعون علي وعندكم عطاء"، قد سمعتَ آنفا مقالة

стр. 76

قتادة فيه، وقال فيه إمام الفقهاء أبو حنيفة النعمان: "ما رأيت أفضل من عطاء بن أبي رباح"، وهو من أعلام المدرسة المكية في التفسير، وكانت وفاته سنة أربع عشرة ومائة. ٤ عكرمة مولى ابن عباس: هو أبو عبد الله: عكرمة بن البربري، أحد الأئمة الأعلام، وقد أخذه ابن عباس بالتربية والتثقيف من صغره، وربما كان يقسو عليه في هذا، قال عكرمة: "كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل١، ويعلمني القرآن والسنن" وكان يقول: كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس"، وقال أيضا: "لقد فسرت ما بين اللوحين": يعني ما بين جلدتي المصحف، وقد اختلف العلماء فيه ما بين معدل له، ومجرح، والأكثرون على توثيقه وتعديله وبحسبه توثيقا رواية إمام الأئمة البخاري عنه في صحيحه٢، ومن أراد زيادة اليقين في هذا، فليرجع إلى ما كتبه الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح٣، وقد شهد له بعض كبار الأئمة. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة": وكانت وفاته سنة خمس ومائة.

стр. 77

ب- مدرسة المدينة: كانت المدينة دار الإسلام، وقطب رحاه، في حياة النبي ﷺ بعد الهجرة، ثم صارت بعد وفاة النبي، مركز الخلافة الإسلامية الرشيدة، إلى ما يقرب من سنة أربعين من الهجرة، وبعد أن انتقلت الإمارة إلى بني أمية، ونقلوا عاصمة ملكهم إلى دمشق لم تزل للمدينة مكانتها، وبقيت مركزا من مراكز العلم الأصيلة، فقد بقي بها جمهور الصحابة، الذين عنهم أخذ التابعون، وأستاذ هذه المدرسة الأكبر هو أبي بن كعب، ومن أشهر علماء هذه المدرسة في التفسير:

стр. 78

١- زيد بن أسلم: كان أبوه مولى سيدنا عمر بن الخطاب، أخذ العلم عن أبيه، وعن عبد الله بن عمر وعائشة وغيرهم، وقد أخذ عنه العلم والتفسير ابنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، توفي سنة ست وثلاثين ومائة. ٢- أبو العالية: أبو العالية اسمه: رفيع١ بن مهران الرياحي، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي بسنتين، روى عن علي، وأبي بن كعب، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، وروى عنه بديل بن ميسرة، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهما، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وهو من كبار التابعين، وروى عنه أنه قال: "قرأت القرآن على عهد عمر ثلاث مرات، وقال فيه ابن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية". وقد روى عن أبي بن كعب نسخة كبيرة في التفسير، ورواها عنه الربيع بن أنس، وعنه أبو جعفر الرازي، وهي صحيحة، كما قدمنا في ترجمة أبي، وتوفي سنة تسعين. ٣- محمد بن كعب "القرظي": هو: أبو حمزة، أو أبو عبد الله: محمد بن كعب القرظي المدني، روى عن علي، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، وروي عن أبي بن كعب بالواسطة، قال فيه ابن سعد: كان ثقة، عالما، كثير الحديث، ورعا، وهو من رجال الكتب الستة، وقال فيه ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي، وكانت وفاته سنة ثماني عشرة ومائة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل غير ذلك.

стр. 79

جـ- المفسرون من مدرسة العراق: ومن المدارس التي أصبحت لها قيمتها العلمية: مدرسة العراق، وكان تلاميذ هذه

стр. 80

المدرسة منهم من كان ببغداد، ومنهم من كان بالكوفة، ومنهم من كان بالبصرة، وأستاذ هذه المدرسة الأكبر هو: عبد الله بن مسعود، ولما ولَّى سيدنا عمر عمار بن ياسر على الكوفة سير معه عبد الله بن مسعود معلما، ووزيرا، وقد شرب من علمه أهل العراق عللا بعد نهل١، وأصبحوا متأثرين بطريقته في الاجتهاد في الفقه، والأحكام، والتفسير، وهي حرية الرأي في الاجتهاد وحسن التصرف في النصوص، وعدم الجمود عليها. وقد روي عن مسروق أنه قال: وجدت علم أصحاب النبي صلى الل عليه وسلم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله: يعني ابن مسعود، وفي رواية أخرى: ذكر أبا موسى بدل أبي الدرداء٢، ولكن الحروب لم تدع لأبي الحسن علي متسعا للرواية والزعامة العلمية بعد الخلافة، فمن ثم صارت الزعامة لابن مسعود، ومن أشهر طلاب هذه المدرسة: ١- مسروق بن الأجدع: هو: أبو عائشة: مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية، الهمداني الكوفي، العابد، العالم، العامل، روى عن الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهم. وكان أعلم أصحاب ابن مسعود، وأكثرهم أخذا عنه، قال علي ابن المديني: ما أُقَدِّم على مسروق أحدًا من أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود، وقال الشعبي: ما رأيت أطلب للعلم منه، وقد قال فيه ابن معين: ثقة، لا يُسأل عن مثله، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة في كتبهم وقد ورد عنه في التفسير رويات كثيرة، استفادها من شيخه ابن مسعود؛ فقد روى عنه أنه قال: كان عبد الله -يعني ابن مسعود- يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار، وتوفي سنة ثلاث وستين من الهجرة على الأصح.

стр. 81

٢- قتادة بن دعامة: هو: أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي الأكمه٢، عربي الأصل كان يسكن البصرة، روى عن بعض الصحابة والتابعين، وكان واسع الاطلاع في الشعر العربي، بصيرًا بأيام العرب، عالمًا بأنسابهم، متضلعًا في اللغة العربية، وقد اكتسب شهرة في التفسير، قال فيه سعيد بن المسيب: "ما رأيت عراقيا أحفظ من قتادة"، وقد احتج به أصحاب الكتب الستة، إلا أنه كان يخوض في القدر، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا ذكر القدر فأمسكوا"، فمن ثم تحاشى بعض العلماء الأخذ عنه، وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة. ٣- الحسن البصري: هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، مولى الأنصار، وأمه خيرة مولاة السيدة أم سلمة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ونشأ بوادي القرى، وكان فصيحا، ورعا، زاهدا، واعظا، لا يجارى في وعظه، روى عن بعض الصحابة والتابعين، وروى عنه الكثيرون من أتباع التابعين، قال فيه ابن سعد: كان الحسن جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما، وقيل: إنه اكتسب هذه الفصاحة، لأنه رضع من السيدة أم سلمة مولاة أمه٢، وقيل: إنه أفضل التابعين، وقد رويت عنه في التفسير روايات كثيرة، وقد تعرض لها العلماء بالنقد، وبيَّنوا الصحيح من الضعيف، وكان وفاته سنة عشر ومائة. ٤- مرة الهمداني: هو أبو إسماعيل: مرة بن شراحيل الكوفي العابد، المعروف بمرة الطيب، ومرة الخير؛ لكثرة عبادته، وشدة ورعه، وتقواه، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، وروى عنه الشعبي وغيره، وثقه ابن معين وغيره من أئمة الجرح.

стр. 82

والتعديل، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكان من المعروفين بتفسير القرآن، توفي سنة ست وسبعين من الهجرة. ٥- الضحاك بن مزاحم: هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، مولاهم الخراساني، روى عن بعض الصحابة، وأخذ عنهم العلم، وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو زرعة، وكان له شهرة بالتفسير، توفي سنة خمس ومائة.

стр. 83

د- مدرسة الشام: وقد اشتهر منهم: ١- عبد الرحمن بن غنم الأشعري: وقد بعثه الفاروق عمر بن الخطاب إلى الشام؛ كي يُفَقِّهَ الناس ويعلمهم القرآن والسنة، وكان قد لقي معاذ بن جبل، وروى عنه وكان كبير القدر. صادقًا فاضلًا. توفي سنة ٧٨هـ. ٢- عمر بن عبد العزيز بن مروان: وهو: الخليفة الثامن من بني أمية، ولد بالمدينة، ونشأ بمصر. حدث عن أنس بن مالك، وعن كثير من التابعين، وكان إماما فقيها، مجتهدا، عارفا بالقرآن، والسنن، كبير الشأن في العلم زاهدا، قانتا لله، وكان يقرن بعمر بن الخطاب في عدله، وبالحسن البصري في زهده، وبالزهدي في علمه، قال مجاهد: "أتيناه لنُعلِّمه، فما برحنا حتى تعلمنا منه"، وله الفضل الأكبر في الأمر بجمع السنن والأحاديث، وكانت وفاته سنة واحد ومائة هجرية. ٣- رجاء بن حيوة الكندي: شيخ أهل الشام، وعالمهم، روى عن معاوية، وعبد الله بن عمر، وجابر وغيرهم،

стр. 84

قال ابن سعد: كان رجاء فاضلا، ثقة، كثير العلم، توفي سنة ثلاث عشر ومائة. ٤- كعب الأحبار: وستأتي الكتابة عنه بتوسع إن شاء الله، وبيان ما له، وما عليه.

стр. 85

هـ- مدرسة مصر: وقد اشتهر بالعلم، والرواية، والتفسير من هذه المدرسة: ١- يزيد بن أبي حبيب الأزدي: كان عالم مصر في عصره، قال فيه الليث بن سعد: "يزيد عالمنا وسيدنا"، وهو أحد ثلاثة عهد إليهم عمر بن عبد العزيز بالفتيا في مصر١، وهو بربري الأصل، أبوه من دنقلة، ونشأ بمصر، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. ٢- أبو الخير: مرثد بن عبد الله اليزني: روى عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني، وتوفي سنة تسعين.

стр. 86

و مدرسة اليمن: وقد اشتهر من مدرسة اليمن: ١- طاوس بن كيسان اليماني: سمع زيد بن ثابت، وعائشة، وأبا هريرة وغيرهم، قال فيه عمرو بن دينار: "ما رأيت أحدا مثل طاووس"، وقال فيه الذهبي "كان طاوس شيخ أهل اليمن"،

стр. 87

وكان كثير الحج، فاتفق موته بمكة سنة ست ومائة، وله آراء في تفسير القرآن الكريم. ٢- وهب بن منبه الصنعاني: عالم أهل اليمن، روى عن ابن عمر، وابن عباس وجابر، وغيرهم، وكان ثقة، توفي سنة أربع عشرة ومائة، وقد روي عنه في التفسير روايات كثيرة جدًّا، مما في كتب أهل الكتاب، وسيأتي الكلام عنه بما له، وما عليه.

стр. 88

طبقة أخرى من المفسرين بالمأثور: ثم بعد هذه الطبقة أُلِّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان الثوري المتوفي سنة ١٦١هـ، وسفيان بن عيينة، المتوفى سنة ١٩٨هـ، ووكيع بن الجراح، المتوفى سنة ١٩٦هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠هـ، ويزيد بن هارون المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وعبد الرزاق الصنعاني، المتوفى سنة ١٢١١هـ، وآدم بن أبي إياس، وإسحاق بن راهويه، المتوفى سنة ٢٣٨هـ، وروح بن عبادة، وعبد بن حميد، المتوفى سنة ٢٤٩هـ، وسنيد١ م "٢٢٠"هـ وأبي بكر بن أبي شيبة م "٢٣٥" هـ وآخرين غيرهم. والظاهر أن هذه التفاسير كانت مستقلة عن الحديث، وأن هذا العصر كانت فيه الطريقتان: طريقة التأليف في التفسير، على أنه جزء من الحديث، وطريقة التأليف في التفسير على سبيل الاستقلال. طبقات أخرى بعد هذه الطبقة: ثم جاء بعد هؤلاء طبقات أخرى، ألفت في التفسير وذلك مثل الإمام أحمد بن حنبل "م ٢٤١"، والبخاري "م ٢٥٦هـ"، وبقى بن مخلد القرطبي "م ٢٧٩هـ" وابن ماجه "م ٢٧٣هـ"، ثم محمد بن جرير الطبري، "م٣١٠هـ"، وابن أبي

стр. 89

حاتم، "م٣٢٧هـ" ثم الحاكم، ٤٠٥هـ" وابن مردويه، "م٤٠١هـ"، وأبو الشيخ ابن حيان في آخرين غيرهم وتفاسير هؤلاء كانت مسندة إلى الصحابة والتابعين، وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك، إلا ما كان من تفسير ابن جرير، فإنه يتعرض للاستشهاد بالشعر على المعاني القرآنية، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط فهو يفوقها بذلك. والظاهر: أن القرن الثالث الهجري، لم ينفصل فيه التفسير عن الحديث كل الانفصال، وأنه كانت فيه الطريقتان، طريقة التأليف في التفسير كجزء من الحديث، وطريقة التأليف فيه على سبيل الاستقلال. وليس أدل على ذلك، من أن الإمام البخاري ذكر في ضمن كتابه: "الصحيح" كتاب التفسير نحو عشر الصحيح، وألف في التفسير على سبيل الاستقلال كتابه: "التفسير الكبير"١ كما ألفه فيه ابن جرير الطبري على سبيل الاستقلال، ثم جاء بعده ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم، فألفوا في التفسير على سبيل الاستقلال. حذف الأسانيد وغلبة الدخيل: ثم ألف في التفسير بعد هذا خلائق كثيرون، فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال من غير أن يعزوها إلى قائلها، فمن ثم دخل الدخيل من ذي قبل، والتبس الصحيح بالعليل، وصار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك من يجيء بعده ظانًّا أن له أصلا غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير، وولع المفسرون بالإكثار من الأقوال حتى رأينا بعضهم ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ عشرة أقوال، مع أن تفسيرها باليهود، والنصارى هو الوارد عن النبي ﷺ ، وجميع الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين٢.

стр. 90

وقد كان حذف الأسانيد مما ساعد على شيوع القصص الإسرائيلي في كتب التفسير، وعلى رواج الروايات الواهية، والمختلقة المكذوبة؛ لأن ذكر الأسانيد كثيرا ما يدل على موضع العلة، ومكمن الداء، ومن هو سبب البلاء.

стр. 91

تلون كتب التفاسير بثقافة مؤلفيها: ثم ألفت بعد ذلك كتب يغلب عليها التأويل، والتفسير الاجتهادي لعلماء برعوا في بعض العلوم، وبرزوا فيها، ومنهم: من هُم من أهل السنة والجماعة، ومنهم: من هم من أهل الزيغ والابتداع، فصار كل واحد منهم يميل بالتفسير إلى إبراز ما برع فيه، فالنحوى ليس له هم إلا الإعراب وذكر الأوجه المحتملة في الآية، ونقل قواعد النحو ومسائله وخلافياته كأن كتب التفسير مجان للتمرين النحوي، واستذكار القواعد، وذلك: كالزجاج، والواحدي في البسيط، وأبي حيان في البحر المحيط. والإخباري ليس له هَمٌّ إلا ذكر القصص. واستيفاؤها عمن مضى من الأنبياء، والأمم، والملوك، وذكر ما يتعلق بالفتن والملاحم وأحوال الآخرة، ولا عليه بعد هذا إن كانت صحيحة، أو باطلة؛ لأنه لم يتحر الصدق، ولم يبحث عن الرواة، وكونهم ثقات أو غير ثقات، وذلك كما فعل الثعلبي في تفسيره، فقد حشاه بالكثير من القصص الإسرائيلي، والروايات المكذوبة الموضوعة. والفقيه: يكاد يسرد فيه مسائل الفقه جميعها، وكثير ما يستطرد إلى إقامة الأدلة، وبيان منشأ الخلاف إلى غير ذلك مما لا تعلق له بالآية والأدهى من ذلك أنه يفيض في أدلة مذهبه، والميل بالآية إليه، ومحاولة إضعاف مذهب غيره، وذلك: كما فعل الإمام القرطبي في تفسيره، فإن ما فيه من التفسير أقل مما فيه من الأحكام الفقهية، ولا سيما على مذهب إمام دار الهجرة مالك رحمه الله تعالى. وصاحب العلوم العقلية قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء، والفلاسفة وشبههم، والرد عليهم، ويخرج من شيء إلى شيء، ويستطرد، ثم يستطرد حتى ينسى الإنسان أنه في كتاب تفسير، ويخيل إليه أنه يقرأ كتابا من كتب الكلام، والملل والنحل، كما صنع الإمام

стр. 92

الجليل: فخر الدين الرازي، ولذلك: قال أبو حيان في: "البحر المحيط": جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء١: "فيه كل شيء إلا التفسير". وفي الحق: أنا لا أوافق هذا القائل؛ فإن فيه تفسيرًا كثيرا، ولو أنه ﵀ اقتصر على التفسير واقتصد في مناقشة آراء الفلاسفة والمتكلمين، وسرد أقوالهم، لكان أولى وأجمل. ومن العلماء المتأخرين المحققين من أكثر من الاستطراد، وذكر أدلة الموافق والمخالف في كل مسألة من المسائل، وقد يسر له هذا تأخره الزمني، وسعة اطلاعه على أقوال من سبقوه، ومؤلفاته، حتى إنه ليذكر في بعض الموضوعات، والمسائل، ما يصل إلى حجم رسالة صغيرة، فمن ثم: جاء كتابه شاملا، أو خلاصة لكلام كل من سبقوه في التفسير وغيره أو إن شئت فقل: معلمة للتفسير وغيره، وذلك كما صنع الإمام الجليل الآلوسي في تفسيره العظيم٢.

стр. 93

تفسيرات المبتدعة والباطنية والملحدة: وأصحاب المذاهب المبتدعة: كالشيعة، والمعتزلة، وأضرابهم. قد نحوا بالتفسير ناحية مذاهبهم، وفي سبيل ذلك قد حرفوا بعض الآيات وخرجوا بها عن معانيها المرادة، وعن قواعد اللغة، وأصول الشريعة وصار الواحد منهم كلما لاحت له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال لإظهار بدعته وترجيح مذهبه سارع إليه، ومن هذه التفاسير تفاسير جليلة خدمت القرآن خدمة جليلة، وذلك كتفسير الكشاف للإمام الزمخشري، ولولا ما فيه من آراء اعتزالية، لكان أجل تفسير في بابه.

стр. 94

قال الإمام البلقيني: استخرجت من "الكشاف" اعتزالا بالمناقيش، من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ، قال الزمخشري: "وأي فوز أعظم من دخول الجنة"؟ أشار به إلى عدم رؤية الله في الآخرة، الذي هو مذهبهم١. ومنها: تفاسير باطلة، ضالة مضلة، كتفاسير الباطنية٢، والروافض، وبعض المتصوفة، والملحدين٣ فقد ألحدوا في آيات الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وخالفوا القواعد اللغوية والشرعية وافتروا على الله ما لم يرده من كتاب: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه﴾ . ومن تفسيرات الباطنية: قولهم في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ أن الإمام عليا ورث النبي في علمه، ويقولون: الكعبة هي: النبي، والباب هو: علي، إلى غير ذلك من أباطيلهم. ومن تفسيرات الباطنية: قولهم في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان﴾ : أن المراد بهما علي، وفاطمة، وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَان﴾ : أن المراد: الحسن والحسين، وقولهم في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةَ﴾ هي: عائشة، إلى غير ذلك: من تحريفاتهم للنصوص القرآنية٤. ومن تفسيرات الملحدة: قولهم في قوله تعالى حكاية عن قول الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ : أنه كان له صديق وصفه بأنه قلبه، وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ : إنه الحب، والعشق، إلى غير ذلك من تخريفاتهم وتحريفاتهم للقرآن الكريم.

стр. 95

ومن تحريفات بعض المتصوفة في كلام الله: قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ أن معناه "من ذل" أي من الذل، "ذي": إشارة إلى النفس، "يشف": من الشفا جواب من، و"ع" أمر من الوعي. وقد سئل الإمام سراح الدين البلقيني: عمن قال هذه: فأفتى بأنه ملحد، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ ، قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه١، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام. وهي تخريفات، وتحريفات للقرآن الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، وصرف له عن ظاهره المراد لغة وشرعًا، وهؤلاء أضر على الإسلام من أعدائه، والعدو المداجي المتستر بالتشيع، أو التصوف ونحوه شر من العدو المكاشف، المستعلن، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الفئات الضالة، المضلة المحرفة لكتاب الله، فقال فيما رواه عنه حذيفة: "إن في أمتي أقواما يقرأون القرآن، ينثرونه نثر الدقل٢، يتأولون القرآن على غير تأويله". وقد حاول هؤلاء أن يؤيدوا آراءهم ومذاهبهم، فافتروا على النبي ﷺ وعلى صحابته الأطهار، فمن ثم: دخل في تفاسيرهم من المرويات الباطلة شيء كثير.

стр. 96

التفسير بغير المأثور مدخل ... ٢- التفسير بغير المأثور: وقد اختلف العلماء في التفسير بغير المأثور، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالما أديبا متسعا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو والأخبار، والآثار، وليس له أن ينتهى إلا إلى ما روي عن النبي ﷺ ، أو إلى صحابته الآخذين عنه، ومن أخذ عنهم من التابعين. وأجاز تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد الأكثرون من السلف الصالح والعلماء، ولكلٍ وجهة، ولكلٍ أدلة.

стр. 97

أدلة القائلين بعدم جواز التفسير بالرأي والاجتهاد: ١- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"، رواه أبو داود، والترمذي، وقال فيه: هذا حديث غريب، والنسائي. ٢- ما روي أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: "اتقوا الحديث عليَّ إلا ما علمتم؛ فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار". رواه الترمذي وأبو داود. ٣- ما روي عن السلف الصالح من الصحابة، فمن بعدهم من التحرج من الكلام في تفسير القرآن، فمن ذلك ما رواه ابن أبي مليكة، قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن تفسير حرف من القرآن فقال: "أي سماء تظلني؟، وأي أرض تقلني؟، وأين أذهب؟، وكيف أصنع إذا قلت في حرف١ من كتاب الله بغير ما أراد الله؟، وفي رواية: "إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم؟ ". ومنه: ما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: "أنا لا أقول في القرآن شيئا"، وكان سعيد إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت، كأن لم يسمع شيئا. ومنه: ما روي عن الشعبي أنه قال: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح: والرؤى٢" وما روي عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة: يعني السلماني -وهو تابعي جليل- عن آية من القرآن فقال: "ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد"٣، وروي عن مسروق: أنه قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله". إلى نحو ذلك من النقول٤.

стр. 98

مناقشة هذه الأدلة: وقد ناقش المجوزون للتفسير بالرأي والاجتهاد هذه الأدلة فقالوا: ١- أما الحديث الأول: ففي صحته وثبوته نظر؛ لأن أحد رواته وهو: سهيل بن أبي حزم القطيعي قد تكلم فيه، وعلى فرض صحتهما والتسليم بهما، فقد أجاب عنهما العلماء بما يأتي: أ- أن المراد من يقول في القرآن بمجرد رأيه وهواه، بأن يجعل الرأي أصلًا والقرآن تبعًا؛ وذلك بأن يكون له في المسألة رأي، وإليه ميل بطبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه؛ ليحتج به على تصحيح غرض، ولو لم يكن ذلك الرأي والهوى لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، ومثل هذا إن صادف الحق والصواب في الواقع ونفس الأمر فإنما هو اتفاق من غير قصد، ورمية من غير رامٍ، وهذا الصنف من الناس قد يكون معه علم وذلك: كالذين يحتجون ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، كالمعتزلة، والشيعة، والخوارجن وأمثالهم، وقد يكون مع الجهل، وذلك، كالمعتزلة، والشيعة والخوارج، وأمثالهم، وقد يكون مع الجهل، وذلك: كما يصنع بعض الذين يدعون العلم اليوم، ويتهجمون على تفسير كتاب الله بالهوى والاستحسان، فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويخرجون بالقرآن عن منهجه الواضح المستقيم. ب- أن المراد بالحديثين من يفسر المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ﵎. جـ- أو الذي يفسر القرآن، ولم يعرف من العلوم اللغوية والشرعية ما يؤهله لهذا، فمثل هذا، وإن أصاب الصواب فقد أخطأ الطريق الصحيح في تفسيره١. ١ أما ما ذكرتموه عن السلف الصالح، من الصحابة والتابعين: فهو معارض بما يخالفه، فقد روي عن الصديق ﵁ أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له، ولا والد"، فلما ولي الخلافة الفاروق عمر ﵁ قال: "إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي

стр. 99

رآه"، رواه ابن جرير، وغيره١، وهذا يدل على أنه قوله: "أي سماء تظلني....." إنما أراد به ما لم يقم عليه دليل، وما لا علم له به، أو تخوفا من أن لا يصيب مراد الله، وكذلك: يحمل ما روي عن بعض السلف مما ذكروه على هذا. قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره: "فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة على تحرجهم من الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا: فلا حرج عليه٢، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه، مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَه﴾ ٣، ولما جاء في الحديث الذي جاء من طرق: "من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" ٤ رواه الترمذي. وأيضا: فقد روي عن كثير من الصحابة ﵃ القول في تفسير القرآن، وذلك كالسادة الأخيار: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم، فلولا أن تفسير القرآن جائز لمن تأهل له لما فعلوه؛ لأنهم كانوا أشد الناس ورعا، وتقوى، ووقوفا عند حدود الله. وكذلك: ورد تفسير القرآن عن كثير من خيار التابعين، كسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، ومسروق، والشعبي، وغيرهم، مما يدل على أن من امتنع منهم من تفسير القرآن إنما كان زيادة احتياط، ومبالغة في التورع. ولعلهم ﵁ أرادوا بهذا أن يتريث من يريد تفسير كلام الله، ثم يتريث قبل أن يتكلم فيه، ويحجم قبل أن يقدم، وأن يكونوا قدوة حسنة لمن سيجيء بعدهم، وعسى أن يكونوا في موقفهم هذا مع جلالتهم وعلمهم بالقرآن مذكر لهؤلاء الذين يتجاورون

стр. 100

طورهم ويتهجمون على تفسير القرآن بغير علم، ويتطاولون على من يبصرهم بالحق، والمنهج الرشيد، بالسفاه والهجر من القول.

стр. 101

جواز التفسير بالرأي والاجتهاد: وإذا كانت الأدلة التي استند إليها المانعون من التفسير بالاجتهاد لم تنهض أمام البحث والنظر، فقد تبين للباحث المنصف جواز التفسير بالرأي المتئد البصير، والاجتهاد الذي توفرت لصاحبه أسبابه، وهي: العلم بالعلوم التي ذكرناها في صدر الكتاب، وأيضا: لو لم نفسر القرآن بالاجتهاد لفات معنى التدبر والتأمل في القرآن الذي حثنا الله عليه في غير آية١، ولفات كثير مما اشتمل عليه الكتاب الكريم من الأحكام والآداب، وألوان المعارف والعلوم، التي لا يزال يظهر منها في كتاب الله كل يوم جديد. وليس من شك: في أن الصحيح الثابت، المروي في تفسير القرآن عن النبي ﷺ قليل، بالنسبة إلى ما لم يرو عنه فيه شيء، وكذلك ما روي عن الصحابة والتابعين لم يستوعب كل آيات الكتاب الكريم هذا إلى ما فيه من الضعيف، والموضوع، والإسرائيليات وهو شيء كثير ولا سيما في الآيات الكونية، التي يتجدد العلم فيها عصرا بعد عصر، وظهر بطلان ما فسرت به بطريق اليقين، فكان لا بد إذًا من فتح باب الاجتهاد في تفسير القرآن الكريم، وإلا لاستعجم شيء غير قليل من آيات القرآن الكريم، وبقيت غير مفهومة المعنى، ولا معروفا منها المراد، وهذا ينافي كونه كتاب الهداية الكبرى، والمرشد الأعظم للبشرية في عصورها المتعاقبة والمعجزة العظمى، والآية الباقية لخاتم الأنبياء، والمرسلين، على وجه الدهر. التفسير بالرأي؛ المذموم، والممدوح: والخلاصة: أن تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد نوعان:

стр. 102

الأول: التفسير المذموم المردود: وهو التفسير من غير تأهل له بالعلوم التي لا بد منها للمفسر، أو التفسير بالهوى والاستحسان، أو التفسير المقصود به تأييد المذهب الفاسد، والرأي الباطل، أو تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وهذا اللون من التفسير كثيرا ما يشتمل على المرويات الواهية، والباطلة. الثاني: التفسير الممدوح المقبول: وهو التفسير المبني على المعرفة الكافية بالعلوم اللغوية، والقواعد الشرعية، والأصولية: أصول الدين، وأصول الفقه، وعلم السنن والأحاديث، ولا يعارض نقلا صحيحا، ولا عقلا سليما، ولا علما يقينا ثابتا مستقرا، مع بذل غاية الوسع في البحث والاجتهاد والمبالغة في تحري الحق والصواب، وتجريد النفس من الهوى، والاستحسان بغير دليل، ومع مراقبة الله غاية المراقبة في كل ما يقول.

стр. 103

المنهج القويم في تفسير القرآن الكريم مدخل ... المنهج القويم في تفسير القرآن الكريم: على من يفسر كتاب الله تعالى أن يبحث عن تفسيره في القرآن، فإن لم يجد فليطلبه فيما صح وثبت في السنة، فإن لم يجد فليطلبه في أقوال الصحابة، وليتحاش الضعيف، والموضوع، والإسرائيليات، فإن لم يجد في أقوال الصحابة، فليطلبه في أقوال التابعين، وإن اتفقوا على شيء كان ذلك أمارة غالبا على تلقيه عن الصحابة، وإن اختلفوا: تخير من أقوالهم، ورجح ما يشهد له الدليل، إن لم يجد في أقوالهم ما يصلح أن يكون تفسيرا للآية؛ لكونه ضعيفا، أو موضوعا، أو من الإسرائيليات التي حملوها عن أهل الكتاب الذين أسلموا؛ فليجتهد رأيه ولا يألو أي لا يقصر، إذا استكمل أدوات هذا الاجتهاد، وعليه أن يراعي القواعد الآتية: ١- أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر للمفسر، وأن يتحرز في ذلك عن نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى، أو زيادة لا تليق بالغرض، أي لا يوجز فيخل، ولا يطيل ويستطرد فيمل.

стр. 104

٢- أن يعنى بأسباب النزول؛ فإن أسباب النزول كثيرا ما تعين على فهم المراد من الآية١. ٣- أن يعنى بذكر المناسبات بين الآيات؛ لأن في ذلك الإفصاح عن خصيصة من خصائص القرآن الكريم وهي: الإعجاز، وللمناسبات في الكشف عن أسرار الإعجاز ضلع كبير. وقد اختلفت مناهج المفسرين في هذين الأخيرين، فمنهم: من يذكر المناسبة؛ لأنها المصححة لنظم الكلام، وهي سابقة عليه، وبعضهم: يذكر السبب أولا؛ لأن السبب مقدم على المسبب. والتحقيق: التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول كآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٢، فهذا ينبغي فيه تقديم السبب على المناسبة؛ لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد، وإن لم يتوقف وجه المناسبة على ذلك: فالأولى تقديم المناسبة على سبب النزول لبيان تآلف نظم القرآن، وتناسقه، وأخذ آياته بعضها بحجز بعض. ٤- أن يجرد نفسه من الميل إلى مذهب بعينه، حتى لا يحمله ذلك على تفسير القرآن على حسب رأيه ومذهبه، ولا يزيغ بالقرآن عن منهجه الواضح، وطريقه المستقيم. ٥- مراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، حتى لا يصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بصارف، وليقدم الحقيقة الشرعية على اللغوية وكذلك الحقيقة العرفية، ولْيراعِ حمل كلام الله على معانٍ جديدة أولى من حمله على التأكيد، ولْيراعِ الفروق الدقيقة بين الألفاظ.

стр. 105

٦- مراعاة تأليف الكلام، والغرض الذي سبق له، فإن ذلك يعينه على فهم المعنى المراد، وإصابة الصواب، قال الزركشي في البرهان: ليكُنْ مَحَطَّ نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سبق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي؛ لثبوت التجوز. ٧- يجب على المفسر البداءة بما يتعلق بالمفردات، وتحقيق معانيها، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب إن كان خفيًّا، ثم ما يتعلق بالمعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم ليبين المعنى المراد ثم ما يستنبط من الآيات من الأحكام والآداب، وليراعِ القصد فيما يذكر من لغويات، أو نحويات، أو بلاغيات، أو أحكام، حتى لا يطغى ذلك على جوهر التفسير. ٨- التحاشي عن ذكر الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة، والروايات المدسوسة: من الإسرائيليات ونحوها، حتى لا يقع فيما وقع فيه كثير من المفسرين السابقين من الموضوعات، والإسرائيليات في أسباب النزول، وقصص الأنبياء والسابقين، وبدء الخلق والمعاد ونحوها. ومن هنا يتبين لنا صلة هذا الموضوع بالبحث الذي هو مقصود من هذا الكتاب.

стр. 106

غلبة الضعف على التفسير بالمأثور: قلنا: إن التفسير بالمأثور يشمل التفسير بالقرآن الكريم، أو بالسنة أو بأقوال الصحابة، والتابعين. أما تفسير القرآن بالقرآن: فهو لا غبار عليه، ولا اعتراض، وإنما يأتي الغلط من المفسر، بأن يفسر الشيء بما ليس بتفسير له عند التحقيق. وأما تفسير القرآن بما صح وثبت عن النبي ﷺ فهو على العين والرأس، وليس لأحد أن يرفضه، أو يتوقف فيه بعد ثبوته، وقد صح عن الأئمة الأربعة المجتهدين في الأحكام أن كل واحد منهم قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط"١، وإذا كان هذا في الحلال والحرام، فما بالك بالتفسير الذي لا يتعلق

стр. 107

بالحلال والحرام؟ إنه واجب الاتباع من باب أولى، وأما الضعيف والموضوع المختلق على النبي: فأحرى به أن يرد. وأما تفاسير الصحابة والتابعين، وهي أكثر من أن تحصى: ففيها الصحيح، والحسن، والضعيف، والموضوع، والإسرائيليات، التي تشتمل على خرافات بني إسرائيل، وأكاذيبهم، وقد تدسست إلى الكتب الإسلامية، ولا سيما كتب التفسير، وأصبحت تكون ركاما، غثًّا مجموعًا من هنا وهناك، سواء في ذلك ما كان خاصا بالتفسير المأثور وما جمع بين المأثور وغيره، فما كان من هذه الروايات صحيحا أو حسنا: أخذنا به، وما كان ضعيفا، أو واهيا، أو موضوعا، أو من الإسرائيليات: نبذناه ولا كرامة.

стр. 108

ملاحظة الأئمة القدامي لهذه الظاهرة: وقد تنبه العلماء المحدثون القدامى، إلى هذه الظاهرة، وهي: غلبة الضعف على الرواية بالمأثور، فقد روي عن الإمام الجليل أحمد بن حنبل أنه قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم، والمغازي"، وقال المحققون من أصحاب الإمام: مراده: أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحيحة متصلة، وإلا فقد صح من ذلك شيء غير قليل، كما قلنا فيما سبق، وحققناه، وقيل: لأن الغالب عليها المراسيل١. وروي عن الإمام الكبير الشافعي أنه قال: "لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث"، ومهما كان في هذه الكلمة من مبالغة، فهي تدل على كثرة ما وضع على ابن عباس، وألصق به، ونسب إليه زورا.

стр. 109

أسباب الضعف في التفسير بالمأثور: لقد دخل الوضع والكذب في الحديث، فلا جرم أن دخل في التفسير بالمأثور، فقد كان التفسير كما قلنا جزءا من الحديث، وإن أقدم كتاب وصل إلينا في الحديث وهو: موطأ الإمام مالك اشتمل على "كتاب التفسير"، وقد سار على هذا بعض المؤلفين في

стр. 110

الحديث، حتى بعد أن انفصل التفسير بمعناه الفني الدقيق، وصار علما مستقلا، كما ذكرنا. ويرجع الضعف والوضع في التفسير بالمأثور إلى أسباب أهمها: ١- ما دسه الزنادقة من اليهود والفرس والرومان وغيرهم في الرواية الإسلامية، فقد دخل هؤلاء الإسلام وهم يضمرون له الشر والعداوة والكيد، وتستروا بالإسلام، بل بالغ بعضهم في التستر فتظاهر بحب آل بيت النبي ﷺ ، ولما كانوا لا يمكنهم مواجهة سلطان الإسلام لا عن طريق الحرب والعداوة السافرة، ولا عن طريق الحجة والبرهان، فقد توصلوا إلى أغراضهم الدنيئة عن طريق الوضع، والاختلاق، والدس في المرويات الإسلامية على النبي ﷺ وعن الصحابة، والتابعين، وكان للتفسير ولا ريب كفل من هذا، وكان هذا الصنف من أخبث الوضاعين، فقد وضعوا على النبي أحاديث يخالفها المحسوس، أو يناقضها المعقول، أو تشهد أذواق الحكماء بسخافتها، وإسفافها، مما لا يليق بالعقلاء. ٢- الخلافات السياسية والمذهبية: فقد سولت هذه الخلافات لأرقاء الدين، وضعفاء الإيمان أن يضعوا أحاديث تؤيد مذاهبهم، وأحاديث في فضائل متبوعيهم، وفي مثالب مخالفيهم، وذلك: كما فعل الشيعة، ولا سيما الروافض، فقد وضعوا في فضل سيدنا علي وآله أحاديث كثيرة، ونسبوا إليه كل علم وفضل، وفيها ما يتعلق بتفسير بعض آيات القرآن، وبأسباب النزول، كما وضعوا أحاديث في ذم السادة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم. وكذلك: فعل أنصار العباسين، فقد وضعوا على ابن عباس روايات كثيرة، ولا سيما في تفسير القرآن، وصوروه بصورة العالم بكل شيء وقولوه ما لم يقل، كما وضعوا أحاديث في مثالب الأمويين وذمهم، وقابلهم أنصار الأمويين بالمثل، فضلا عن أعقل العقلاء، وإنما ينصبون بذلك المكيدة لضعفاء الأحلام، وأرقاء الدين، حتى يقعوا في ريبة فتتزلزل من نفوسهم عقيدة: أن الإسلام تنزيل من حكيم عليم. قال ابن قتيبة١. "الحديث مدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة: الزنادقة، واجتيالهم للإسلام، وتهجينه ببث الأحاديث المستبشعة، والمستحيلة، كالأحاديث التي
следующие страницы →