مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ﷺ عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١] .
"أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ١، "وكل ضلالة في النار"٢.
ثم أما بعد: فإن الله بعث نبينا محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أرسله ربه على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، وقلة من العلم؛ حين حرف الكلم، وبدلت الشرائع، واستند كل قوم إلى أهوائهم وآرائهم، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. فأشرقت الأرض برسالته ﷺ بعد ظلمتها، وتألفت بها القلوب بعد شتاتها وتفرقها، وفتح الله بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، والصدق والكذب، والمعروف والمنكر، وطريق أولياء الله السعداء، وأعداء الله الأشقياء.
стр. 2
ولم يمت رسولنا ﷺ حتى بين للناس جميع ما يحتاجون إليه، فتركهم على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ بعده عنها إلا هالك.
وقد اعتصم أصحابه من بعده بكتاب ربهم ، وسنة نبيهم ﷺ ، ودعوا الناس إليهما بالحكمة والموعظة الحسنة. ومن بعدهم قام علماء أمته ﷺ بمهمة الدعوة إلى الله خير قيام؛ فوضحوا للناس أمور دينهم، وكان من أجل ما وضحوه العقيدة، التي أولوها قدرا كبيرا من جهودهم، وجهادهم، وتعليمهم، وتأليفهم. ورغبة مني في التشبه بهم -رغم قصر الباع، وقلة البضاعة- كتبت هذه الورقات المقتبسة من كتبهم١، سائلا الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وفي ميزان حسناتي يوم الدين، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أبها في ٢٩/ ٩/ ١٤٢٢هـ
стр. 3
تمهيد
المبحث الأول: تعريف ببعض المصطلحات
المسألة الأولى: في بيان معنى العقيدة
...
المبحث الأول: تعريف بعض المصطلحات
المسألة الأولى: في بيان معنى العقيدة في اللغة والاصطلاح
قبل الحديث عن مصادر العقيدة، وذكر بعض خصائصها، لا بد من وقفتين:
الوقفة الأولى: في معنى العقيدة لغة
مادة "عقد" تدور بين عدة معان، منها: الربط والشد، والعهد، والملامة، والتأكيد١.
١- الربط والشد بقوة. يقال: عقد الحبل، يعقده عقدا، إذا ربطه وشده بقوة.
٢- العهد. يقال: بين هذه القبيلة وتلك عقد أي: عهد. وجمعه عقود. ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ [المائدة: من الآية ١] ؛ أي: أوفوا بالعهود التي أكدتموها.
٣- الملازمة. يقال: عقد قلبه على الشيء، أو عقد قلبه الشيء، إذا لزمه. ومن هذا الباب قوله ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ٢؛ فمعقود في نواصيها أي: ملازم لها، حتى لكأنه عقد عليها.
٤- التأكيد. يقال: عقد البيع، إذا أكده. ومنه العقد المكتوب في البيع؛ إذ هو لم يكتب إلا بعد إيقاع البيع وتأكيده.
الوقفة الثانية: في بيان معنى العقيدة اصطلاحا
بعد أن عرفنا بعض معاني العقيدة في اللغة، لنا أن نتساءل: ما هو معنى العقيدة الذي تعارف عليه أهل العلم؛ إذ من المعلوم أن لكل علم مصطلحاته الخاصة به، والتي تعد جزءا من منهجيته؟.
стр. 4
فنجيب: العقيدة اصطلاحا هي:
١- التصديق الجازم فيما يجب لله من الوحدانية، والربوبية، والإفراد بالعبادة، والإيمان بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا١.
٢- تصميم القلب، والاعتقاد الجازم الذي لا يخالطه شك في المطالب الإلهية، والنبوات، وأمور المعاد، وغيرها مما يجب الإيمان به٢. والمطالب الإلهية: الإيمان بالله في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.
٣- ما عقد الإنسان قلبه عليه، ودان لله به٣.
س: ما هو الرابط بين المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي؟
ج: الارتباط بينهما ظاهر؛ لأن هذا الذي جزم بالشيء، وصمم عليه، قد ألزمه قلبه، وربطه عليه، وشده بقوة، بحيث لا يتفلت منه أبدا.
стр. 5
المسألة الثانية: في بيان بعض المسميات التى أطلقت على العقيدة الإسلامية
مدخل
...
المسألة الثانية: في بيان بعض المسميات التي أطلقت على العقيدة الإسلامية
الملاحظ أن العقيدة لم ترد بلفظها في الكتاب والسنة، وإن كانت قد وردت مادتها، كما في قول الله : ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: من الآية٨٩] ؛ أي: يؤاخذكم إذا حنثتم في الأيمان التي وثقتموها وأكدتموها.
وكما في قوله ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ١؛ أي: ملازم لها إلى يوم القيامة.
стр. 6
كذلك، لم يستخدم علماء الأمة في القرون المفضلة مصطلح "عقيدة"، وإنما استخدموا مصطلحات أخرى. وأول من استخدم هذا المصطلح -فيما أعلم- هو الإمام أبو حاتم الرازي "ت٣٢٧هـ" فقي كتابه الذي وسمع بـ"أصل السنة واعتقاد الدين"، وتلاه الإمام أبو بكر الإسماعيلي "ت٣٧١هـ" الذي وسم كتابه بـ"اعتقاد أئمة الحديث"، وتبعه الأئمة؛ كأبي القاسم اللالكائي "ت٤١٨هـ" في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"، وأبي عثمان الصابوني "ت٤٤٩هـ" في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، وأبي بكر البيهقي "ت٤٥٨هـ" في كتابه "الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة"، وقوام السنة الأصبهاني "ت٥٣٥هـ" في كتابه "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، وغيرهم.
ولنا وقفات مع المصطلحات الأخرى التي استخدما العلماء بدلا من مصطلح "العقيدة"، "ومن ثمرة الوقوف على أسماء هذا العلم: معرفة مصادره الأصيلة"١.
стр. 7
الوقفة الأولى: مع مسمى "التوحيد "
تعريف التوحيد لغة واصطلاحا:
هو في اللغة مصدر من: وحد يوحد توحيدا؛ إذا أفرده وجعله واحدا١. وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات؛ نفي الحكم عما سوى الموحد، وإثباته له. فنقول مثلا في توحيد الألوهية: لا يتم للإنسان التوحيد، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فينفي الألوهية عما سوى الله، ويثبتها لله وحده٢.
стр. 8
فعلى هذا: يطلق الواحد على المنفرد بخصائصه عما سواه. يقول ابن فارس: "وحد: الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد. من ذلك: الوحدة، وهو واحد قبيلته: إذا لم يكن فيهم مثله. قال الشاعر:
يا واحد العرب الذي ... ما في الأنام له نظير
ولقيت القوم موحد موحد، ولقيت الرجل وحده. ولا يضاف إلا في قوله: نسيج وحده"١.
والتوحيد في الاصطلاح: إفراد الله بما تفرد به، وبما أمر أن يفرد به؛ فنفرده في ملكه وأفعاله فلا رب سواه ولا شريك له، ونفرده في ألوهيته فلا يستحق العبادة إلا هو، ونفرده في أسمائه وصفاته فلا مثيل له في كماله ولا نظير له٢.
مدى المطابقة بين التوحيد والعقيدة:
حين المقارنة بين "العقيدة"، و"التوحيد" كمصطلحين، نجد أن العقيدة ليست مقصورة على توحيد الله تعالى فحسب، بل هي تشمل التوحيد وزيادة، فيدخل فيها مباحث شتى؛ كالرسل ورسالاتهم، والملائكة وأعمالهم، والكتب السماوية، واليوم الآخر وما فيه، والقضاء والقدر وما يتعلق به، والإمامة، والصحابة. بل يدخل فيها أيضا: موقف المسلمين من الفرق الضالة، وغير ذلك.
فهذا العلم الواسع بما يتضمنه من مباحث، وما يحويه من جزئيات يسمى "التوحيد"
أيضا، كما سماه بذلك علماء المسلمين. ولو تأملنا مدى المطابقة بين كلمة "توحيد"، وبين مفردات العقيدة، لوجدناها جزئية. وهذا يثير تساؤلا مفاده: إذاكانت المطابقة بين كلمة "توحيد" ومصطلح "عقيدة" بما يحويه من مباحث جزئية، فلماذا سمي علم العقيدة بـ"التوحيد"؟ ولم أطلق العلماء في القرون الماضية على ما صنفوه من كتب في علم العقيدة اسم "التوحيد"؟
стр. 9
والجواب: إن تسمية العقيدة بالتوحيد من باب تسمية الشيء بأشرف أجزائه؛ لأن توحيد الله هو أشرف مباحث علم العقيدة. أما المباحث الأخرى؛ من إيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، ومباحث الإمامة، والصحابة، وغيرها، فهي تعتمد عليه، وتستند إليه؛ إذ هو أساسها وجوهرها، فهي تدخل فيه بالاستلزام.
الفرق بين العقيدة والتوحيد:
والآن، وقد فرغنا من بيان معنى العقيدة والتوحيد، نتساءل: ما الفرق بين المعنيين؟ فنقول: العقيدة أعم من جهة موضوعها؛ إذ هي تشمل التوحيد، وغيره من المباحث؛ فيدخل فيها أركان الإيمان الستة، ويدخل فيها ردود علماء الإسلام على الديانات الأخرى، والفرق، والتيارات المعاصرة، وغيرها. بخلاف التوحيد الذي يقتصر على توحيد الله ، وهو أشرف أجزاء العقيدة. ويلاحظ أيضا أن مباحث الإيمان بالكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر يدخل في إطار العقيدة بالمطابقة. أما في التوحيد فيدخل فيه بالاستلزام؛ إذ يلزم من إيمانك بالله أن تؤمن بملائكته، وكتبه، ورسله، والمغيبات التي أخبر الله عنها، وأخبرت عنها رسله، وبالقدر الذي يجريه الله في عباده وفق إرادته ومشيئته.
مؤلفات في العقيدة تحت مسمى التوحيد:
١- استخدم الإمام البخاري؛ محمد بن إسماعيل "ت٢٥٦هـ" هذا المصطلح، حين سمى الكتاب الذي خرج فيه أحاديث العقيدة -في الجامع الصحيح- بـ"كتاب التوحيد".
٢- وأبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي "ت٣٠٦هـ" سمى الكتاب الذي صنفه في العقيدة بـ"كتاب التوحيد".
٣- وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري "ت٣١١هـ" ألف كتابا في العقيدة وسمه بـ"كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ".
٤- وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده "ت٣٩٥هـ" ألف كتابه الموسوم بـ"كتاب التوحيد ومعرفة اسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد".
ثم تتابعت الكتب المؤلفة تحت هذا الاسم.
стр. 10
الوقفة الثانية: مع مسمى "أصول الدين "
من مسميات هذا العلم: أصول الدين.
المراد بأصول الدين:
نلاحظ أن مصطلح "أصول الدين" مركب من مضاف، ومضاف إليه. فهو إذًا مركب إضافي.
ولا يمكن التوصل إلى معنى المركب إلا بتحليل أجزائه المركب منها، وهي "أصول"، و"دين".
أما الأصول: فمفردها أصل. ومعناه لغة: أساس الشيء١. أو ما يبتنى عليه غيره؛ كأساس المنزل، وأصل الشجرة، ونحو ذلك٢. والأصل اصطلاحا: ما له فرع؛ لأن الفرع لا ينشأ إلا عن أصل٣.
والدين في اللغة: الذل والخضوع. والمراد به دين الإسلام، وطاعة الله، وعبادته وتوحيده، وامتثال المأمور، واجتناب المحظور، وكل ما يتعبد الله به٤.
فتكون أصول الدين -على هذا: القواعد والأسس التي تصح بها العبادة، وتتحقق بها طاعة الله ورسوله بامتثال المأمور، واجتناب المحظور؛ لأن الاعتقاد هو الأصل الذي ينبني عليه قبول الأعمال وصحتها.
فأصول الدين: هي ما يقوم وينبني عليه الدين. والدين الإسلامي يقوم على عقيدة التوحيد. ومن هنا سمي علم التوحيد أو علم العقيدة بـ"علم أصول الدين".
стр. 11
الحقيقة الشرعية لأصول الدين:
المفهوم الحق لمصطلح أصول الدين، هو أصول الإيمان الستة المذكورة في قوله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٧] ، وفي قوله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ، وهي التي أجاب بها رسول الله ﷺ جبريل حين سأله عن الإيمان، فقال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ١. فهذه الأصول الستة هي التي يقوم عليها إيمان العبد، وتصح بها عبادته.
مؤلفات في العقيدة تحت مسمى "أصول الدين":
لعل أول من استخدم هذا المصطلح لعلم العقيدة -وإن لم يشتهر وقتها- هو الإمام الشافعي ﵀ "ت٢٠٤هـ"؛ حيث قال في مفتتح كتابه "الفقه الأكبر": "هذا كتاب ذكرنا فيه ظواهر المسائل في أصول الدين، التي لا بد للمكلف من معرفتها، والوقوف عليها.
١- وهذه التسمية استخدمها أيضا الإمام أبو الحسن الأشعري "ت٣٢٩هـ"، حين وسم كتابه الذي أبان فيه عن عقيدة أهل السنة والجماعة بـ"الإبانة عن أصول الديانة".
٢- وكذا استخدمها أبو حاتم الرازي "ت٣٢٧هـ" في كتابه "أصل السنة والاعتقاد الدين".
٣- ومن بعدهما عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري "ت٣٨٧هـ" في كتابه: "الشرح والإبانة عن أصول الديانة"، وهو الكتاب الذي يعرف بـ"الإبانة الصغرى".
٤- وعبد القاهر البغدادي "ت٤٢٩هـ" في كتابه "أصول الدين". وغيرهم.
ملاحظة: يلاحظ أن العقيدة -ههنا- سميت بـ"أصول الدين" تمييزا لها عن الفروع.
وينبغي أن لا يرد على بالك أن الأصول هي التي تؤخذ ويعمل بها فحسب، ويمكن الاستغناء عن الفروع. فهذا الفهم خطأ؛ لأن الدين كل لا يتجزأ. وقد عاب الله على أهل الكتاب أنهم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعضه الآخر، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: من الآية ٨٥] .
стр. 12
الوقفة الثالثة: مع مسمى "السنة "
من مسميات العقيدة: السنة.
تعريف السنة لغة واصطلاحا:
السنة لغة من سن يسن ويسن سنا، فهو مسنون. وسن الأمر: بينه. وهي تأني لعدة معان١، منها:
١- الطريقة المسلوكة، سواء أكانت محمود أم مذمومة. ومنه قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ٢.
٢- السيرة، وسنة رسول الله ﷺ : سيرته التي كان يتحراها. فما ثبت عنه من قول، أو فعل، أو وصف، أو تقرير، قيل له سنة. يقول ابن الأثير: "وقد تكرر في الحديث ذكر السنة وما تصرف منها. والأصل منها: السيرة والطريقة"٣.
стр. 13
٣- العادة. ومنه قوله : ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧] ؛ أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم، بخروج الرسول من بين أظهرهم، يأتيهم العذاب١.
أما السنة عند الأصوليين: فهي ما قاله رسول الله ﷺ ، أو فعله، أو قرر عليه٢.
المناسبة بين مسمى السنة، ومسمى العقيدة:
لأهمية وخطورة مسائل الاعتقاد التي هي أصل الدين، وعليها يبنى غيرها من أعمال الإسلام، أطلق العلماء لفظ "السنة" على ما وافق الكتاب والسنة من قضايا الاعتقاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات، وفي الاعتقادات. وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات"٣.
ولما كانت السنة مصدرا من مصادر العقيدة -كما سيأتي، وطريقة من طرق إثبات العقيدة الصحيحة، اعتبر العلماء معنى السنة: اتباع العقيدة الصحيحة، وأطلقوا على عقيدة السلف الصالح اسم السنة، بسبب اتباعهم لطريقة رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ في ذلك.
يقول ابن رجب الحنبلي ﵀: "السنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، وغيرهم، السنة: عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وكذلك مسائل القدر، وفضائل الصحابة.
وصنفوا في هذا العلم تصانيف، وسموها كتب السنة"٤.
стр. 14
فإطلاق اسم السنة على مباحث الاعتقاد، يشعر بأهمية العقيدة؛ إذ هي أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم١.
مؤلفات في العقيدة تحت مسمى "السنة":
ساد اصطلاح السنة في القرن الثالث الهجري، في عصر إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، حين ظهرت الفرق، وراجت عقائد المبتدعة. فأخذ العلماء يطلقون على أصول الدين ومسائل العقيدة اسم "السنة" تمييزا لها عن مقولات الفرق. وأذكر فيما يلي بعضا من المصنفات التي كتبوها تحت مسمى السنة:
١- السنة لابن أبي شيبة "ت٢٣٥هـ".
٢- السنة لأحمد بن حنبل "ت٢٤١هـ".
٣- السنة للأثرم؛ أبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ البغدادي "ت٢٧٣هـ".
٤- السنة لأبي علي حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال "ت٢٧٣هـ".
٥- السنة لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني "ت٢٧٥هـ".
стр. 15
الوقفة الرابعة: مع مسمى "الفقه الأكبر "
من المسميات التي أطلقت على العقيدة: الفقه الأكبر.
تعريف الفقه لغة واصطلاحا:
الفقه في اللغة: الفهم. يقول ابن فارس: "فقه: الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح، يدل على إدراك الشيء والعلم به. تقول: فقهت الحديث أفقهه. وكل علم بشيء فهو فقه. ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام: فقيه"١.
стр. 16
ولقد كان الفقه يطلق في القرون الأولى على العلم بأحكام الشريعة كلها. ومنه قوله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ١. وكذا دعاؤه ﷺ لابن عمه ابن عباس ﵄ كان عاما في الدين كله، لا في مسائل الحلال والحرام فحسب، في قوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"٢.
والملاحظ أن المتأخرين خصوا اسم "الفقه" بمعرفة مسائل الحلال والحرام، وغيرها.
سبب تسمية العقيدة بالفقه الأكبر:
سمى العلماء العقيدة بالفقه الأكبر مقارنة بفقه الفروع. فقولنا "الفقه الأكبر" يشعر بأن هناك فقها آخر ليس بأكبر، وهو فقه ما أطلق عليه اسم الفروع.
مؤلفات في القعيدة تحت مسمى "الفقه الأكبر":
أول من استخدم مصطلح "الفقه الأكبر" هو الإمام أبو حنيفة؛ النعمان بن ثابت "ت١٥٠هـ"؛ فقد روي عنه كتاب بهذا الاسم، وهو مشهور عند أصحابه٣، بحث فيه ﵀ بعض مسائل الاعتقاد.
وكذلك ينسب للإمام الشافعي؛ محمد بن إدريس "ت٢٠٤هـ" كتاب باسم "الفقه الأكبر"، عرض فيه مسائل الاعتقاد بالتفصيل٤.
ملاحظة: يرد على هذه التسمية ما ورد على تسمية "أصول الدين"؛ فقد يظن البعض أن تسمية العقيدة بالفقه الأكبر، يعني إهمال الفقه الآخر -مسائل الأحكام، والحلال والحرام-؛ لأنه أصغر مقارنة بالأكبر. وهذا الفهم غير صحيح؛ لأن تسمية العقيدة بالفقه الأكبر يعني الاهتمام بها، والبدء بتصحيحها قبل القيام بأداء الأعمال، ولا يعني -بحال- إهمال أداء الأعمال، ومعرفة أدلتها التفصيلية؛ لأن دين الإسلام كل لا يتجزأ، ولا يمكن الاستغناء عن بعضه، والاكتفاء بالبعض الآخر.
стр. 17
المسألة الثالثة: في بيان بعض المسميات التي أطلقت على حملة العقيدة الإسلامية
الوقفة الأولى: أهل السنة والجماعة
...
المسألة الثالثة: في بيان بعض المسميات التي أطلقت على حملة العقيدة الإسلامية:
عرفنا بعض المسميات التي أطلقت على علم العقيدة الإسلامية.
وثمة مسميات أطلقت على أهل العقيدة الصحيحة وحملتها. سأذكر بعضها في الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: أهل السنة والجماعة
من المسميات التي أطلقت على حملة العقيدة الصحيحة: أهل السنة والجماعة.
التعريف بأهل السنة والجماعة:
هذا المسمى يجمع وصفين اثنين لأصحابه، وهما السنة، والجماعة.
والسنة قد تقدم معناها اللغوي، وذكرنا أن العلماء يعرفونها اصطلاحا بأنها: ما نقل عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو وصف أو تقرير١.
والسنة قد تطلق على ما يقابل البدعة، كقولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا، وفلان على سنة -إذا وافق التنزيل والأثر في القول والفعل-، وفلان على بدعة -إذا عمل خلاف ذلك-٢. وهاتان الكلمتان -السنة والبدعة- تستعملان دائما ككلمتين متضادتين؛ لأن السنة هي الطريق التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، والبدعة هي ترك تلك الطريق والانحراف عنها.
وقد ورد في الأثر ذكر السنة مقابل البدعة؛ من ذلك ما قاله رسول الله ﷺ : "ما أحدث قوم بدعة، إلا رفع مثلها من السنة" ٣. وما قاله ابن عباس ﵄:
стр. 18
"ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيى البدع، وتموت السنن"١.
فالسنة بهذا المعنى، تشمل ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون ﵃، وصحابته الكرام ﵃ من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال.
أما الجماعة في اللغة: فهي مأخوذة من الجمع؛ وهو ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض؛ يقال: جمعته فاجتمع. قال ابن فارس: "الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء"٢. والجماعة: العدد الكثير من الناس، أو القوم المجتمعون على أمر ما، أو طائفة يجمعهم غرض واحد٣.
والجماعة شرعا هم: الرسول ﷺ ، وأصحابه ﵃، والتابعون، وتابعوهم بإحسان٤.
وأهل الشيء هم: أخص الناس به. يقول أهل اللغة: أهل الرجل: أخص الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهل الإسلام: من يدين به، وأهل المذهب: من يدين به٥.
وبإمكاننا بعدما علمنا معنى أهل، والسنة، والجماعة، أن نعرف أهل السنة والجماعة بأنهم المتبعون لمنهج الرسول ﷺ وأصحابه في الأصول والفروع٦.
وقيل: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه اعتقادا وقولا وفعلا؛ لأن رسول الله ﷺ سئل عن الفرقة الناجية، فأجاب مرة بأنها ما كان عليه هو وأصحابه، وأخرى قال: هي الجماعة٧.
стр. 19
وقيل: "هم الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة النبي ﷺ ، والعمل بها ظاهرا وباطنا في القول والعمل والاعتقاد"١.
ملاحظة: لا يقصد بالجماعة هنا مجموع الناس وعامتهم، ولا أغلبهم، ولا سوادهم، ما لم يجتمعوا على الحق؛ لأن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة، ولو كنت وحدك، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت وحدك"٢.
يقول عبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة "ت٦٦٥هـ: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا، والمخالف كثيرا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ ، وأصحابه ﵃, ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"٣.
стр. 20
الوقفة الثانية: السلف
من المسميات التي أطلقت على حملة العقيدة الصحيحة: السلف.
التعريف بهم:
السلف في اللغة: جمع سالف، والسالف: المتقدم. والسلف: الجماعة المتقدمون١.
قال ابن فارس: "سلف: السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق. من ذلك: السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون"٢.
فالسلف -إذًا- من سلف يسلف سلفا وسلوفا أي: تقدم٣.
стр. 21
وسلف كل إنسان: من تقدمه من آبائه وذوي قرابته الذين هم فوقه في السن والفضل، وأحدهم سالف١. وقيل: من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته. ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح٢. هذا عن السلف في اللغة.
أما السلف في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في تحديد المراد بهم، نتيجة اختلافهم في تحديد الزمن الذي ينسبون إليه، إلى عدة أقوال:
١- القول الأول: أنهم الصحابة ﵃ فقط، وهو قول عدد من شراح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني٣.
٢- القول الثاني: أنهم الصحابة والتابعون. وممن ذهب إلى هذا أبو حامد الغزالي، حين قال: "اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر، هو مذهب السلف؛ أعني مذهب الصحابة والتابعين"٤.
٣- القول الثالث: أنهم الصحابة، والتابعون، وتابعوا التابعين؛ أي: القرون الثلاثة التي أثبت لها رسول الله ﷺ الخيرية بقوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٥.
وإلى هذا القول ذهب عدد كبير من أهل العلم؛ كالإمام الشوكاني، والإمام السفاريني، وغيرهما٥.
ملاحظة:
يلاحظ على هذه الأقوال جميعها أنها تدخل من كان في القرون الأولى في مسمى السلف. ولكن ليس كل من كان في ذلك الزمن يسمى سلفيا، إذ المعروف أن الفرق ظهرت
стр. 22
في القرون الأولى، فـ"ليس السبق الزمني كافيا في تعيين السلف، بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة نصا وروحا. فمن خالف رأيه الكتاب والسنة، فليس بسلفي، وإن عاش بين ظهراني الصحابة والتابعين"١.
ويصح أن يضاف إلى أهل القرون المفضلة الموافقين للكتاب والسنة، من وافق الكتاب والسنة، ونهج نهج أولئك الكرام، واتبع آثارهم ومروياتهم الصحيحة التي أبانوا بها الحق.
فلا شك أنه داخل في مفهوم هذه الكلمة "السلف". ولقد وفق الإمام السفاريني ﵀ حين حدد مذهب السلف بأنه "ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأعيان التابعين لهم بإحسان، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي؛ مثل: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء"٢.
إذًا: ليس المراد بالسلف أهل القرون المفضلة فحسب، بل يدخل فيهم كل من وافق الكتاب والسنة، ونهج منهج الصحابة ﵃.
مفهوم الخلف عند علماء السلف:
الخلف في اللغة هو من جاء خلف المتقدم، سواء أكان تأخره في الزمن، أو في الرتبة٣.
وإذا أطلقت كلمة "الخلف" في مقابل كلمة "السلف" يراد بها: "من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي"١، كما تقدمت عبارة الإمام السفاريني في ذلك. فمن انحرف عن الكتاب والسنة، ومال عن طريقة الصحابة ﵃، فلم يتخذها منهجا له، فهو خلفي، وإن عاش بين ظهراني الصحابة.
стр. 23
الوقفة الثالثة: أهل الحديث
من المسميات التي أطلقت على حملة العقيدة الصحيحة: أهل الحديث.
التعريف بهم:
الحديث في اللغة: ضد القديم. ويستعمل في كثير الكلام وقليله١.
وهو في الاصطلاح: ما أثر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة٢.
وأهل الحديث: هم المنسوبون إليه بسبب اتباعهم له؛ فهم كل من جعل كلام رسول الله ﷺ مصدرا من مصادر التلقي، يستفيدون منه عقائد الإسلام الصحيحة، ويبنون عليه، سواء أكانوا علماء حديث، أو فقه، أو أصول، أو سوى ذلك.
يقول الإمام الصابوني "ت٤٤٩هـ": "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة، حفظ الله أحياءهم، ورحم أمواتهم"٣.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية "ت٧٢٨هـ": "ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه، أو كتابته، أو روايته، بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه، ومعرفته، وفهمه ظاهرا وباطنا، واتباعه باطنا وظاهرا. وكذا أهل القرآن"٤.
فأهل الحديث هم الذين اتبعوا آثار الصحابة ﵃، والتابعين لهم بإحسان، وكان لهم عناية خاصة بأحاديث رسول الله ﷺ : جمعا، وحفظا، ورواية، وفهما، وعملا في الظاهر والباطن.
стр. 24
المبحث الثاني: مصادر العقيدة الإسلامية
العقيدة الإسلامية لها مصدران فقط، هما: كتاب الله ، وما صح من سنة رسول الله ﷺ .
وليس للعقيدة مصدر ثالث؛ لأن إجماع السلف الصالح لا يكون إلا على الكتاب والسنة١.
يقول الإمام البيهقي "ت٤٥٨هـ": "فأما أهل السنة، فمعولهم فيما يعتقدون: الكتاب والسنة"٢.
ويقول العلامة صديق حسن خان ﵀: "للإسلام أصلان فقط؛ القرآن، والسنة الصحيحة"٣. ويعقب على ذلك بقوله: "وإنما حصرنا الأصول في كتاب الله تعالى، وسنة الرسول ﷺ ؛ لأن الأمة مأمورة بهما"٣.
وما على الأمة إلا الاعتصام بما أمرت بالاعتصام به؛ كتاب ربها، وسنة نبيها ﷺ ؛ إذ الاعتصام بهما سبب للعصمة من الوقوع في الخطأ والانحراف والزلل، وسبب للعصمة من الوقوع في الاضطراب في فهم العقيدة، ولأنه يجمع الأمة ولا يفرقها. يقول الله : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه من آية ١٢٣] .
ولا ريب أن الاعتصام بالكتاب والسنة من أعظم ما من الله به على هذه الأمة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض حديثه عن السلف الصالح: "وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم: اعتصامهم بالكتاب والسنة"٤.
стр. 25
منزلة العقل ومجالاته في الإسلام:
الله امتن على الإنسان بنعمة العقل الذي ميزه به عن سائر الحيوانات. وهذه النعمة هي التي ترفع صاحبها إلى مستوى التكاليف الشرعية الإلهية، وتؤهله لإدراكها وفهمها١.
وليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني، وتكريمه، والاعتماد عليه في فهم النصوص كالعقيدة الإسلامية، ويبدو هذا واضحا في آيات كثيرة من كتاب الله، مدح الله فيها العقل، ورفع من شأنه، من خلال توجيهه إلى النظر، والتفكر، والتدبر، والتأمل٢.
ولكن لما كان للعقول في إدراكها حد تنتهي إليه لا تتعداه، لم يجعل الله لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب٣؛ فلم يجعل لها سبيلا لإدراك أغلب مسائل الاعتقاد؛ إذ لا يمكن للعقول أن تستقل بمعرفتها لولا مجيء الوحي بها وبأدلتها العقلية. وما على العقول إلا فهمها وتدبرها.
وأيضا، فإن كثيرا من مسائل الاعتقاد لا تدرك العقول حقيقتها وكيفياتها، ولو فهمت أدلتها وتدبرتها؛ كالروح التي في أجسادنا: عسر على الناس التعبير عن حقيقتها لما لم يشهدوا لها نظيرا٤. وكذا صفات ربنا ، رغم أننا فهمنا معانيها بعقولنا من اعتبار الغائب بالشاهد، إلا أن حقيقتها وكيفياتها لا تدركه عقولنا؛ لأن العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف. والموصوف ليس كمثله شيء؛ فهو متصف بصفات الكمال التي لا يماثله فيها شيء٥. وكذا ما أخبر الله ﷻ عنه من أمور الآخرة؛ كالجنة ونعيمها، والنار وجحيمها، وغير ذلك من المغيبات، ليست من مدارك العقل، ولا في متناوله، مع أن العقل يقر بها، ولا يحيلها٦.
стр. 26
وإذا كان كذلك، فالعقل مطالب بالتسليم للنصوص الشرعية الصريحة، ولولم يفهمها أو يدرك الحكمة التي فيها؛ فالأمر ورد بقبولها والإيمان بها. فإذا سمعنا شيئا من أمور الدين، وعقلناه، وفهمناه، فمن الله التوفيق، وله الحمد والشكر على ذلك. ومالم ندركه أو نفهمه، آمنا به وصدقناه١.
درء تعارض العقل الصحيح والنقل الصريح:
بقي أن نتساءل: هل يتعارض العقل الصحيح -السليم من الشبهات والأهواء- مع النص الصحيح الصريح؟ والجواب: تعارض النص الصريح من الكتاب والسنة مع العقل الصحيح غير متصور أصلا، بل هو مستحيل. فإذا توهم التعارض بسبب عدم فهم للنقل، أو فساد في العقل، فإن الوحي مقدم ومحكم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"فيأخذ المسلمون جميع دينهم -من الاعتقادات والعبادات وغير ذلك- من كتاب الله، وسنة رسوله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. وليس ذلك مخالفا للعقل الصريح؛ فإن ما خالف العقل الصريح فهو باطل. وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل. ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلا، فالآفة منهم، لا من الكتاب والسنة"٢.
стр. 27
المبحث الثالث: ذكر بعض خصائص العقيدة الإسلامية
المسالة الأولى: من خصائص العقيدة الإسلامية: أنها توقيفية
...
المبحث الثالث: من خصائص العقيدة الإسلامية
التعريف بـ"خصائص":
الخصائص جمع خصيصه. يقال: خصه بالشيء خصا وخصوصا وخصوصية، وخصيصي. واختصه بكذا؛ أي: خصه به، فاختص، وتخصص، أي: تفرد١.
والخصيصة: هي الصفة البارزة المميزة. فإذا قلنا: خصائص العقيدة، فمرادنا: صفاتها البارزة التي تنفرد بها، وتميزها عن بقية العقائد.
وللعقيدة الإسلامية سمات بارزة تميزها عن بقية العقائد، سأقتصر على ذكر بعضها.
ولبيان هذه الخصائص، قسمت هذا المبحث إلى أربع مسائل:
المسألة الأولى: أنها توقيفية.
المسألة الثانية: أنها غيبية.
المسألة الثالثة: التكامل والشمول.
المسألة الرابعة: أنها وسطية.
المسألة الأولى: من خصائص العقيدة الإسلامية أنها توقيفية
معنى التوقيف في اللغة:
التوقيف لغة مأخوذة من الوقف. يقال: وقف الدار، إذا حبسها. والتوقيف في الحج: وقوف الناس في المواقف. وموقف الرجل: وقوفه في أي مكان حيث كان٢.
стр. 28
المراد من كون العقيدة الإسلامية توقيفية:
المراد من كون العقيدة توقيفية: أن رسول الله ﷺ قد أوقف أمته على مباحث العقيدة، فلم يترك لهم شيئا إلا بينه١. فيجب على الأمة أن تقف عند الحدود التي حدها وبينها٢.
ما الذي يلزم من كون العقيدة توقيفية:
لقد بين رسول الله ﷺ العقيدة بالقرآن والسنة، فما ترك منها شيئا إلا بينه. ويلزم من هذا:
١- أن نحدد مصادر العقيدة، بأنها الكتاب والسنة فقط.
٢- أن نلتزم بما جاء في الكتاب والسنة فقط. فليس لأحد أن يحدث أمرا من أمور الدين، زاعما أن هذا الأمر يجب التزامه أو اعتقاده؛ فإن الله أكمل الدين، وانقطع الوحي، وختمت النبوة، يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: من الآية ٣] ، ويقول ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٣. وهذا الحديث قاعدة من قواعد الدين، وأصل من أصول العقيدة٤.
٣- أن نلتزم بألفاظ العقيدة الواردة في الكتاب والسنة، ونتجنب الألفاظ المحدثة التي أحدثها المبتدعة؛ إذ العقيدة توقيفية، فهي مما لا يعلمه إلا الله٥.
стр. 29
المسألة الثانية: من خصائص العقيدة الإسلامية أنها غيبية
معنى الغيب في اللغة:
الغيب لغة: من غاب غيبا، وغيبة، وغيبوبة، وغيابا، خلاف شهد وحضر. يقال: غابت الشمس، إذا غربت واستترت عن العين. والغيب: كل ما غاب عنك، وهو خلاف الشهادة١.
المراد من كون العقيدة الإسلامية غيبية٢:
١- أنها تبحث في قضايا غيبية لا مجال للعقل في إدراكها، ومبناها على التسليم والتصديق المطلق بما جاء عن الله ، وعن رسوله ﷺ ظاهرا وباطنا. "بعض قضايا العقيدة غيب".
٢- أن أهلها يقفون في أمرها على ما جاء عن الله، وعن رسوله ﷺ ، فهم يؤمنون بالغيب.
وقد وصفهم الله بذلك في قوله: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١-٣] .
ما الذي يلزم من كون العقيدة الإسلامية غيبية:
لما كانت أغلب قضايا العقيدة غيب بالنسبة لنا، لزمنا كمؤمنين بالغيب:
١- أن نسلم لله ، ولرسوله ﷺ . والتسليم لله ولرسوله يتمثل في التسليم بما في الكتاب والسنة.
٢- أن لا نخوض ولا نجادل في العقيدة ونصوصها -لأنها غيب- إلا بقدر البيان، وإقامة الحجة, مع التزام منهج السلف في ذلك٣.
٣- أن لا نؤول نصوص العقيدة، ولا نصرفها عن ظاهرها بغير دليل شرعي ثابت عن المعصوم ﷺ .
стр. 30
المسألة الثالثة: من خصائص العقيدة الإسلامية أنها شمولية
معنى الشمول في اللغة:
يقال: شمل الأمر القوم شملا، إذا شملهم. واشتمل بالثوب، إذا أداره على جسده كله، حتى لا تخرج منه يده. واشتمل على كذا، أي: احتواه وتضمنه١.
المراد من كون العقيدة شمولية:
أنها لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أتت بإيضاحها، ووضعت لها نظاما بأروع إحكام، وأتقن بيان؛ فقد أحاطت وهيمنت على الأعمال، والأقوال، والسلوك، وكل أمور الحياة.
ولا يتم إيمان العبد إلا عندما يخضع كل أمور حياته لهذا الدين.
مظاهر شمولية العقيدة ٢:
لم تغفل العقيدة الإسلامية أمرا من أمور الدين والدنيا إلا أتت عليه بالبيان والإيضاح التامين؛ فالله ما فرط في الكتاب من شيء، ورسوله ﷺ بين لأمته جميع ما يحتاجون إليه. ومن مظاهر هذه الشمولية:
١- أنها أعطت الإنسان تصورا كاملا عن الكون الذي يحيا فيه.
٢- أنها تناولت كل القضايا التي بها تستقيم حياة الإنسان.
٣- أنها أحاطت بالإنسان كله من حين ولادته، حتى وفاته. بل قبل ولادته، وبعد وفاته؛ قبل أن يتزوج أبوه أمه، وحتى يستقر في الجنة، أو يدخل النار -عياذا بالله.
стр. 31
المسألة الرابعة: من خصائص العقيدة الإسلامية أنها وسطية
معنى الوسط في اللغة:
يأتي الوسط لغة لعدة معان:
١- ما كان بين طرفي الشيء، وهو منه. كقولك: كسرت وسط الرمح، جلست وسط الدار، جئت وسط النهار١. ومنه قول سوار بن المضرب:
إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانا
٢- يأتي صفة، بمعنى خيار، وأفضل، وأجود. فأوسط الشيء: أفضله وخياره.
والفردوس أفضل الجنة، وهو أعلاها، ووسطها. ومرعى وسط أي: خيار. ومنه قالت العرب: "وسط المرعى خير من طرفيه". وواسطة القلادة: هي الجوهرة التي تكون في وسطها، وهي أجودها٢.
٣- ويأتي وسط بمعنى عدل. فالوسط من كل شيء: أعدله٣.
والملاحظ على الوسط أنه في كل معانيه اللغوية لا يخرج عن العدل، والفضل، والخيرية.
المراد من كون العقيدة وسطية:
يراد من قولنا عن العقيدة: إنها وسطية: أنها:
١- أفضل العقائد، وخيارها.
٢- أعدل العقائد.
٣- لا إفراط ولا تفريط فيها.
стр. 32
من مظاهر وسطية العقيدة الإسلامية:
لا يستطيع الإنسان أن يتحدث في صفحات محدودة، بل ولا مجلدات عن مظاهر وسطية العقيدة الإسلامية؛ لأن ذلك أكثر من أن يحصر؛ فالأمة الإسلامية هي خير أمة أخرجت للناس، ورسولها ﷺ أفضل رسول، وكتابها القرآن الكريم أفضل الكتب، وآخرها، والمهيمن عليها. فهي خيار في خيار.
ولي وقفتان، أتحدث من خلالهما عن مظاهر وسطية عقيدة هذه الأمة الوسط.
الوقفة الأولى: وسطية أمة الإسلام بين الأمم الأخرى:
بدت وسطية أمة الإسلام بين الأمم الأخرى في الأمور التالية:
١- في توحيد الله ، وصفاته: فهي وسط بين اليهود والنصارى؛ بين اليهود الذين وصفوا الرب بصفات النقص التي يختص بها المخلوق، وشبهوه به؛ فقالوا: إنه بخيل، وفقير، وأنه يتعب فيستريح، وأنه يتمثل في صورة البشر، وغير ذلك١.
وبين النصارى الذين وصفوا المخلوق بصفات الخالق ؛ فشبهوه به، وقالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وإن المسيح ابن الله، وإنه يخلق، ويرزق، ويغفر، ويرحم، ويثيب، ويعاقب، إلخ٢.
وبينهما ظهرت وسطية المسلمين الذين وحدوا الله ، فوصفوه بصفات الكمال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، وعن مماثلته لشيء من المخلوقات في شيء من الصفات، وقالوا: إن الله ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله٣.
стр. 33
٢- في أنبياء الله ، ورسله: فهي وسط أيضا بين اليهود والنصارى؛ بين اليهد الذين قتلوا الأنبياء، ورموهم بكل شين ونقيصة، وجفوهم، واستكبروا عن اتباعهم.
وبين النصارى الذين غلوا في بعضهم، فاتخذوهم أربابا من دون الله، واتخذوا المسيح ﵇ إلها١.
وبينهما ظهرت وسطية المسلمين الذين أنزلوا الأنبياء منازلهم، وعزروهم، ووقروهم، وصدقوهم، وأحبوهم، وأطاعوهم، وآمنوا بهم جميعا عبيدا لله عزوجل، ورسلا مبشرين ومنذرين. ولم يعبدوهم، أو يتخذوهم أربابا من دون الله؛ فهم لا يملكون ضرا ولا نفعا، ولا يعلمون الغيب٢.
٣- في الشرائع: فهي وسط أيضا بين اليهود والنصارى؛ فاليهود منعوا أن يبعث الخالق رسولا بغير شريعة موسى ﵇، وقالوا: لا يجوز أن ينسخ الله ما شرعه، أو يمحو ما يشاء، أو يثبت ما يشاء.
والنصارى جوزوا لأحبارهم ورهبانهم أن يغيروا دين الله؛ فيحلوا ما حرم ، ويحرموا ما أحل٣.
أما المسلمون، فقالوا: لله الخلق والأمر؛ يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، والنسخ جائز في حياته ﷺ ، أما بعد وفاته ﷺ فليس لمخلوق أن يبدل أمر الخالق مهما بلغت منزلته، أو عظم قدره.
٤- في أمر الحلال والحرام، فهي وسط أيضا بين اليهود والنصارى؛ فاليهود حرم عليهم كثير من الطيبات، منها٤:
стр. 34
أ- ما حرمه إسرائيل؛ يعقوب ﵇ على نفسه، كما حكى تعالى ذلك عنه بقوله:
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: من الآية ٩٣] .
ب- ما حرمه الله عليهم جزاء بغيهم وظلمهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] .
والنصارى أسرفوا في إباحة المحرمات؛ فأحلوا ما نصت التوراة على تحريمه، ولم يأت المسيح ﵇ بإباحته؛ فاستحلوا الخبائث، وجميع المحرمات؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير١.
أما المسلمون: فقد أحلوا ما أحل الله لهم في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من الطيبات، وحرموا ما حرم عليهم من الخبائث؛ كما قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف آية ١٥٧] .
٥- في العبادة، فهي وسط بين اليهود والنصارى أيضا؛ فاليهود علموا، ولم يعملوا، فهم المغضوب عليهم؛ أعرضوا عن العبادات، واستكبروا عن طاعة الله، واتبعوا الشهوات، وعبدوا أنفسهم للمادة، فاشتغلوا بدنياهم عن دينهم وآخرتهم٢.
والنصارى لم يعلموا، وعبدوا الله على جهالة، فهم الضالون؛ غلوا في الرهبنة، وتعبدوا ببدع ما أنزل الله بها من سلطان؛ فاعتزلوا الناس في الصوامع، وانقطع رهبانهم للعبادة في الأديرة، وألزموا أنفسهم بما لم يلزمهم به الله، مما يشق على النفس والجسد، ويغالب الفطرة البشرية ويضادها، فلم يستطيعوا الوفاء بذلك، كما حكى الله عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: من الآية ٢٧] .
стр. 35
أما الأمة الوسط: فقد علموا، وعملوا، فهم الذين أنعم الله عليهم؛ عبدوا الله وحده بما شرع، لم يعبدوه بالأهواء والبدع١، ولم ينسوا نصيبهم وحظوظهم في الدنيا٢، وقدوتهم في ذلك رسولهم ﷺ .
الوقفة الثانية: وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق الضالة:
تقدم الحديث عن جوانب من وسطية أمة الإسلام بين الأمم.
ولقد كان أسعد هذه الأمة بهذه الخيرية، أسعدها باتباع الكتاب والسنة، وأحرصها على هديهما قولا وعملا واعتقادا، وهم أصحاب رسول الله ﷺ
، ثم تابعوهم، ثم التابعون لهم بإحسان من القرون الثلاثة المفضلة التي شهد لها رسول الله ﷺ بالخيرية في قوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٣. فهؤلاء هم خيار الأمة، ثم يلحق بهم من كان على مثل ما كانوا عليه من الهدى والتمسك بالكتاب والسنة في كل زمان ومكان، من أخبر عنهم الرسول ﷺ في حديث الافتراق بأنهم الفرقة الناجية، وأنهم الجماعة٤. وهؤلاء -أعني المتمسكين بالكتاب والسنة، والمتبعين لمنهج الصحابة وسلف الأمة- أصبحوا في هذه الأمة كهذه الأمم بالنسبة للأمم؛ فهم وسط بين فرق هذه الأمة، كما كانت هذه الأمة وسطا بين سائر الأمم. وكل دارس متفحص لأقوال الفرق في مسائل العقيدة وأصول الدين، يدرك أن أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق في ذلك.
ومن مظاهر هذه الوسطية:
стр. 36
١- في أسماء الله وصفاته، فهم وسط بين أهل النفي والتعطيل، وأهل التشبيه والتمثيل؛ فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه رسوله ﷺ ، وبجميع أسمائه الحسنى من غير تحريف لمعناها، ولا نفي لها أو تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
فهم يثبتون جميع الأسماء والصفات مع تحقيقها لله ، وتنزيهه سبحانه عن مماثلة مخلوقاته، تصديقا بخبره عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى من آية ١١] .
وهم وسط في ذلك بين أهل التعطيل وأهل التشبيه والتمثيل.
فأهل التعطيل الذين أنكروا ما يجب لله من الأسماء والصفات، أو أنكروا بعضه، فهم نوعان: أهل التعطيل الكلي؛ كالجهمية والمعتزلة؛ وأهل التعطيل الجزئي؛ كالأشعرية والماتريدية١.
وأهل التشبيه الذين شبهوا الله بخلقه، وجعلوا صفاته من جنس صفات مخلوقاته؛ كما فعل الكرامية، والهشامية -أتباع هشام بن سالم الجواليقي-، وكصنيع داود الجواربي، ومن نحا نحوه٢.
٢- في باب القدر، فهم وسط بين الجبرية والقدرية؛ فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله قدر الأشياء في الأزل، وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع وفق ما قدره الله عز وجل٣. وهم بذلك يؤمنون بركن من أركان الإيمان، أشار إليه الصادق المصدوق ﷺ بقوله: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٤.
стр. 37
ولا يعد المرء مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بمراتبه الأربع التي هي بمثابة الأركان فيه، وهي: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابة كل ما هو كائن قبل أن يكون، ومشيئة الله للأشياء قبل وقوعها، وخلقه للأشياء وإيجادها. فهذه أركان أربعة تشهد لها نصوص الكتاب والسنة١.
أما المنحرفون عن الكتاب والسنة في هذا الباب، فقد أفرطوا وفرطو؛ فالقدرية -ويمثلهم المعتزلة- جفوا في إثبات القدر؛ فنفوا قدرة الله وخلقه لأفعال عباده، وقالوا: إن الله لا يقدر على عين مفعول العباد. وعليه فأفعال العباد -عندهم- ليست مخلوقة لله، وإنما العبد هو الذي يخلق فعله٢، فأنكروا خلق الله لأفعال عباده، وهي المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر.
والجبرية -ومنهم الجهمية- غلوا في إثبات القدر، ونفوا مسئولية العبد عن أفعاله؛ فهو لا يريد فعلها ولا عدمه، ولا يقدر عليه، وقالوا: "لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز؛ كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس. وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله سبحانه"٣، وهو الذي يخلق الأفعال في الإنسان، على حسب ما يخلق في سائر الجمادات٤. فأنكروا فعل العبد لأفعاله، ونسبوا ذلك إلى الله. فالقدرية نفوا القدر وقالوا: الخلق خلق العبد، والجبرية غلوا في إثبات القدر حتى قالوا: الفعل فعل الرب.
وبرزت وسطية أهل السنة في هذا الباب حين أثبتوا للعبد مسئولية عن أفعاله، وإرادة
стр. 38
ترجع له الفعل، ومشيئة واختيارا، وقدرة على الأفعال؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء من الآية ٣٦] . والذي قام بالعبد هو فعله، وكسبه، وحركاته، وسكناته؛ فهو المصلي، القائم، القاعد حقيقة. والذي قام بالله هو علمه، وقدرته، ومشيئته، وخلقه؛ كما أخبر عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ؛ فالله كما خلق العباد، يخلق أفعالهم، والعبد فاعل لفعله حقيقة، وقادر عليه بإقدار الله له، والخلق خلق الله؛ لأن العباد خلق له، وأفعال المخلوقين مخلوقة، ولأن الله خالق كل شيء، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد كونا وقدرا١.
وأهل السنة بوسطيتهم هذه يجمعون بين النصوص، ويؤلفون بينها٢.
٣- في نصوص الوعد والوعيد، فهم وسط بين الوعيدية والمرجئة:
"جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثير من الآيات والأحاديث التي تدل على وعد الله للمؤمنين والمطيعين بالثواب الجزيل، وأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ووعدهم بألوان من الأجر والجزاء، ومغفرة الذنوب فيما دون الشرك، وتكفير السيئات، وإبدالها حسنات، ونحو ذلك"٣. ومن هذه النصوص: قوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ، وقوله ﷺ لأبي ذر الغفاري ﵁: "ما من عبد قال: لاإله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" ٤. وهذه يقال لها: نصوص الوعد.
стр. 39
وجاء كذلك في الكتاب والسنة "آيات وأحاديث كثيرة، تتضمن الوعيد الشديد بالعذاب الأليم، والخلود في النار لأهل الفسق والمعاصي وأصحاب الكبائر، ووصفهم بالكفر والفسق والضلال ونحو ذلك"١.ومن هذه النصوص: قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] ، وقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ٢. وهذه تسمى نصوص الوعيد.
والناس قد افترقوا في هذه النصوص إلى طرفين، ووسط.
فالمرجئة أخذوا بنصوص الوعد، وتركوا نصوص الوعيد، وقالوا: كل ذنب سوى الشرك فهو مغفور؛ فالإيمان لا تضر معه معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة٣.
وإنما ضلوا في هذا الباب بسبب عبادتهم الله بالرجاء وحده، وإهمال جانب الخوف.
والوعيدية -من الخوارج والمعتزلة- أخذوا بنصوص الوعد والوعيد، وغلوا في نصوص الوعيد، وقالوا: لا بد أن ينجز الله وعده ووعيده، ولا يصح أن يخلف أيا منهما٤.
وسبب ضلالهم في هذا الباب: عبادتهم الله بالخوف وحده، وإهمال جانب الرجاء.
وأهل السنة في هذا الباب وسط بين غلاة المرجئة، وبين الوعيدية -من الخوارج والمعتزلة-، وهم يأخذون بنصوص الوعد والوعيد؛ فيجمعون بين الخوف والرجاء، ولا يفرطون في نصوص الوعيد كالمرجئة الخالصة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا يغلون غلو الخوارج والمعتزلة في نصوص الوعيد، ويقولون في الوعيد: يجوز أن يعفو الله عن المذنب، وأن يخرج أهل الكبائر من النار، فلا يخلد فيها أحدا من أهل
стр. 40
التوحيد١، ويقولون في الوعد: إن الله لا يخلف وعده، فـ"إذا وعد عباده بشيء، كان وقوعه واجبا بحكم وعده؛ فإن الصادق في خبره، الذي لا يخلف الميعاد"٢.
الرجاء والخوف عند أهل السنة والجماعة:
الرجاء والخوف عند أهل السنة والجماعة من أركان العبادة٣،وهما متلازمان، كما قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عنهما: "فاعلم أنهما متلازمان؛ فمن كان يرجو ما عند الله من الخير، فهو يخاف ما لديه من الشر، كالعكس"٤، وعلى تلازمهما دلت النصوص الشرعية.
والرجاء والخوف عند العبد كجناحي طائر، قد يميل بأحد جناحيه لمصلحة، شريطة أن لا يفقد التوازن، وعلماء أهل السنة والجماعة يقولون: "ينبغي للإنسان وهو في أيام صحته أن يغلب الخوف دائما على الرجاء، وأن يكون خوفه أغلب من رجائه. فإذا حضره الموت غلب الرجاء في ذلك ليطغى على الخوف، فلا ينبغي للمؤمن أن يموت إلا وهو يحسن الظن بالله جل وعلا"٥.
ولكن ليس المراد أن ينفرد أحدهما في نفس العبد؛ فإن ذلك يكون سببا في اختلال التوازن في حياته.
٤- في باب الأسماء والأحكام، فهم وسط بين الوعيدية والمرجئة:
المراد بالأسماء: أسماء الدين، وهي تلك الألفاظ التي رتب الله عليها وعدا ووعيدا؛ مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق. والمراد بالأحكام: أحكام أصحاب هذه الأسماء في الدنيا والآخرة٦.