١- في أسماء الله وصفاته، فهم وسط بين أهل النفي والتعطيل، وأهل التشبيه والتمثيل؛ فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه رسوله ﷺ ، وبجميع أسمائه الحسنى من غير تحريف لمعناها، ولا نفي لها أو تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
فهم يثبتون جميع الأسماء والصفات مع تحقيقها لله ، وتنزيهه سبحانه عن مماثلة مخلوقاته، تصديقا بخبره عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى من آية ١١] .
وهم وسط في ذلك بين أهل التعطيل وأهل التشبيه والتمثيل.
فأهل التعطيل الذين أنكروا ما يجب لله من الأسماء والصفات، أو أنكروا بعضه، فهم نوعان: أهل التعطيل الكلي؛ كالجهمية والمعتزلة؛ وأهل التعطيل الجزئي؛ كالأشعرية والماتريدية١.
وأهل التشبيه الذين شبهوا الله بخلقه، وجعلوا صفاته من جنس صفات مخلوقاته؛ كما فعل الكرامية، والهشامية -أتباع هشام بن سالم الجواليقي-، وكصنيع داود الجواربي، ومن نحا نحوه٢.
٢- في باب القدر، فهم وسط بين الجبرية والقدرية؛ فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله قدر الأشياء في الأزل، وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع وفق ما قدره الله عز وجل٣. وهم بذلك يؤمنون بركن من أركان الإيمان، أشار إليه الصادق المصدوق ﷺ بقوله: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٤.
стр. 37
ولا يعد المرء مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بمراتبه الأربع التي هي بمثابة الأركان فيه، وهي: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابة كل ما هو كائن قبل أن يكون، ومشيئة الله للأشياء قبل وقوعها، وخلقه للأشياء وإيجادها. فهذه أركان أربعة تشهد لها نصوص الكتاب والسنة١.
أما المنحرفون عن الكتاب والسنة في هذا الباب، فقد أفرطوا وفرطو؛ فالقدرية -ويمثلهم المعتزلة- جفوا في إثبات القدر؛ فنفوا قدرة الله وخلقه لأفعال عباده، وقالوا: إن الله لا يقدر على عين مفعول العباد. وعليه فأفعال العباد -عندهم- ليست مخلوقة لله، وإنما العبد هو الذي يخلق فعله٢، فأنكروا خلق الله لأفعال عباده، وهي المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر.
والجبرية -ومنهم الجهمية- غلوا في إثبات القدر، ونفوا مسئولية العبد عن أفعاله؛ فهو لا يريد فعلها ولا عدمه، ولا يقدر عليه، وقالوا: "لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز؛ كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس. وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله سبحانه"٣، وهو الذي يخلق الأفعال في الإنسان، على حسب ما يخلق في سائر الجمادات٤. فأنكروا فعل العبد لأفعاله، ونسبوا ذلك إلى الله. فالقدرية نفوا القدر وقالوا: الخلق خلق العبد، والجبرية غلوا في إثبات القدر حتى قالوا: الفعل فعل الرب.
وبرزت وسطية أهل السنة في هذا الباب حين أثبتوا للعبد مسئولية عن أفعاله، وإرادة
стр. 38
ترجع له الفعل، ومشيئة واختيارا، وقدرة على الأفعال؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء من الآية ٣٦] . والذي قام بالعبد هو فعله، وكسبه، وحركاته، وسكناته؛ فهو المصلي، القائم، القاعد حقيقة. والذي قام بالله هو علمه، وقدرته، ومشيئته، وخلقه؛ كما أخبر عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ؛ فالله كما خلق العباد، يخلق أفعالهم، والعبد فاعل لفعله حقيقة، وقادر عليه بإقدار الله له، والخلق خلق الله؛ لأن العباد خلق له، وأفعال المخلوقين مخلوقة، ولأن الله خالق كل شيء، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد كونا وقدرا١.
وأهل السنة بوسطيتهم هذه يجمعون بين النصوص، ويؤلفون بينها٢.
٣- في نصوص الوعد والوعيد، فهم وسط بين الوعيدية والمرجئة:
"جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثير من الآيات والأحاديث التي تدل على وعد الله للمؤمنين والمطيعين بالثواب الجزيل، وأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ووعدهم بألوان من الأجر والجزاء، ومغفرة الذنوب فيما دون الشرك، وتكفير السيئات، وإبدالها حسنات، ونحو ذلك"٣. ومن هذه النصوص: قوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ، وقوله ﷺ لأبي ذر الغفاري ﵁: "ما من عبد قال: لاإله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" ٤. وهذه يقال لها: نصوص الوعد.
стр. 39
وجاء كذلك في الكتاب والسنة "آيات وأحاديث كثيرة، تتضمن الوعيد الشديد بالعذاب الأليم، والخلود في النار لأهل الفسق والمعاصي وأصحاب الكبائر، ووصفهم بالكفر والفسق والضلال ونحو ذلك"١.ومن هذه النصوص: قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] ، وقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ٢. وهذه تسمى نصوص الوعيد.
والناس قد افترقوا في هذه النصوص إلى طرفين، ووسط.
فالمرجئة أخذوا بنصوص الوعد، وتركوا نصوص الوعيد، وقالوا: كل ذنب سوى الشرك فهو مغفور؛ فالإيمان لا تضر معه معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة٣.
وإنما ضلوا في هذا الباب بسبب عبادتهم الله بالرجاء وحده، وإهمال جانب الخوف.
والوعيدية -من الخوارج والمعتزلة- أخذوا بنصوص الوعد والوعيد، وغلوا في نصوص الوعيد، وقالوا: لا بد أن ينجز الله وعده ووعيده، ولا يصح أن يخلف أيا منهما٤.
وسبب ضلالهم في هذا الباب: عبادتهم الله بالخوف وحده، وإهمال جانب الرجاء.
وأهل السنة في هذا الباب وسط بين غلاة المرجئة، وبين الوعيدية -من الخوارج والمعتزلة-، وهم يأخذون بنصوص الوعد والوعيد؛ فيجمعون بين الخوف والرجاء، ولا يفرطون في نصوص الوعيد كالمرجئة الخالصة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا يغلون غلو الخوارج والمعتزلة في نصوص الوعيد، ويقولون في الوعيد: يجوز أن يعفو الله عن المذنب، وأن يخرج أهل الكبائر من النار، فلا يخلد فيها أحدا من أهل
стр. 40
التوحيد١، ويقولون في الوعد: إن الله لا يخلف وعده، فـ"إذا وعد عباده بشيء، كان وقوعه واجبا بحكم وعده؛ فإن الصادق في خبره، الذي لا يخلف الميعاد"٢.
الرجاء والخوف عند أهل السنة والجماعة:
الرجاء والخوف عند أهل السنة والجماعة من أركان العبادة٣،وهما متلازمان، كما قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عنهما: "فاعلم أنهما متلازمان؛ فمن كان يرجو ما عند الله من الخير، فهو يخاف ما لديه من الشر، كالعكس"٤، وعلى تلازمهما دلت النصوص الشرعية.
والرجاء والخوف عند العبد كجناحي طائر، قد يميل بأحد جناحيه لمصلحة، شريطة أن لا يفقد التوازن، وعلماء أهل السنة والجماعة يقولون: "ينبغي للإنسان وهو في أيام صحته أن يغلب الخوف دائما على الرجاء، وأن يكون خوفه أغلب من رجائه. فإذا حضره الموت غلب الرجاء في ذلك ليطغى على الخوف، فلا ينبغي للمؤمن أن يموت إلا وهو يحسن الظن بالله جل وعلا"٥.
ولكن ليس المراد أن ينفرد أحدهما في نفس العبد؛ فإن ذلك يكون سببا في اختلال التوازن في حياته.
٤- في باب الأسماء والأحكام، فهم وسط بين الوعيدية والمرجئة:
المراد بالأسماء: أسماء الدين، وهي تلك الألفاظ التي رتب الله عليها وعدا ووعيدا؛ مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق. والمراد بالأحكام: أحكام أصحاب هذه الأسماء في الدنيا والآخرة٦.
стр. 41
والناس في أحكام عصاة المسلمين وأسمائهم، قد انقسموا إلى طرفين -وعيدية ومرجئة-، ووسط -أهل السنة والجماعة؛
أولا: انقسامهم في أسماء مرتكبي الكبائر:
الوعيدية: سلبوا اسم الإيمان عن العاصي في الدنيا، وسموه: إما كافرا كالخوارج١، أو في منزلة بين الإيمان والكفر؛ فلا هو مؤمن ولا كافر، كالمعتزلة٢.
والمرجئة والجهمية: زعموا أن العاصي مؤمن كامل الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم مجرد ما في القلب، أو المعرفة القلبية. وهم الذين قالوا: "لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة"٣.
أما أهل السنة والجماعة: فقد أطلقوا على مرتكب الكبيرة اسم: "مؤمن عاص، أو مؤمن فاسق، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته"، فلا يزيلون عنه اسم الإيمان بالكلية بذهاب بعضه، ولا يعطونه اسم الإيمان المطلق٤، والله قد سمى المقتتلين مؤمنين؛ فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩-١٠] .
ثانيا: انقسامهم في أحكام مرتكبي الكبائر في الآخرة:
الوعيدية حكموا بخلود أصحاب الكبائر في النار في الآخرة؛ فالخوارج قالوا: إن أهل الكبائر خالدون مخلدون في النار، لا يخرجون منها أبدا٥؛ والمعتزلة قالوا: يدخلون
стр. 42
النار، ويخلدون فيها أبد الآبدين، ودهر الداهرين١. ويظهر من أقوال الفرقتين تشابه موقفهم في حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة.
أما أهل السنة والجماعة فقالوا: إن حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة أنه يخاف عليه العقاب، ويرجى له الرحمة؛ فمن لقي الله "مصرا غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله ؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له"٢؛ فإن غفر له، وأدخله الجنة دون عذاب ولا عقاب، فبفضله. وإن أدخله النار وعذبه بقدر ذنوبه، فبعد له. ثم إنه لا يخلد في النار كالكفار. وهم في ذلك ينطلقون من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: من الآية ٤٨] .
٥- في أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم وسط بين الغالي والجافي:
الصحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على الإسلام٣.
وأهل السنة والجماعة وسط في صحابة رسول الله ﷺ بين الغلاة والجفاة؛ الغلاة الذين يقولون بألوهية أمير المؤمنين وأبي السبطين علي بن أبي طالب ﵁، أو يقولون بعصمته، أو يفضلونه على أبي بكر وعمر ﵃ أجمعين٤.
والجفاة الذين جفوا الصحابة حتى كفروهم، ولعنوهم، ورموهم بالعظائم؛ كفعل الخوارج في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أو يقولون بعصمته، أو يفضلونه على أبي بكر وعمر ﵃ أجمعين٤.
والجفاة الذين جفوا الصحابة حتى كفروهم، ولعنوهم، ورموهم بالعظائم؛ كفعل الخوارج في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وبعض الصحابة٥؛ وكفعل المعتزلة
стр. 43
في تفسيقهم لطوائف من الصحابة، وردهم لشهادتهم١؛ وكفعل الرافضة في سب وتكفير الصحابة، سيما الشيخين رضي الله عنهم٢.
وتوسط أهل السنة بين هؤلاء وهؤلاء؛ فأحبوا الصحابة ﵃، وترضوا عنهم، واعتقدوا عدالتهم، وأنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، وأن الله قد حفظ بهم دينه، وأقام بهم عقيدة الإيمان صافية نقية٣.
والأدلة من الكتاب والسنة على فضلهم أكثر من أن يجمعها مكان. منها: قوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] .
ومنها قوله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي, فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٤.
стр. 44
الباب الأول: التوحيد
تمهيد:
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تعريف التوحيد.
المسألة الثانية: التوحيد هو الأصل في البشر تاريخا، وفطرة، والشرك طارئ.
المسألة الأولى: تعريف التوحيد
سبق تعريف التوحيد لغة واصطلاحا١.
وقلنا في تعريفه اصطلاحا: إفراد الله بما تفرد به، وبما أمر أن يفرد به؛ فنفرده في ملكه وأفعاله فلا رب سواه ولا شريك له، ونفرده في ألوهيته فلا يستحق العبادة إلا هو، ونفرده في أسمائه وصفاته فلا مثيل له في كماله ولا نظير له.
المسألة الثانية: التوحيد هو الأصل في البشر تاريخا وفطرة والشرك طارئ
وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: التوحيد هو الأصل في البشر تاريخا.
الفرع الثاني: التوحيد هو الأصل في البشر فطرة.
الفرع الثالث: الشرك طارئ.
стр. 45
الفرع الأول: التوحيد هو الأصل في البشر تاريخا
ثمة شبهة أثيرت، مفادها أن الأصل في الإنسان أنه مشرك، وأن التوحيد طارئ عليه.
وقد زعم أصحاب هذه المقولة أن الإنسان عرف الشرك وتعدد الآلهة أولا، ولم يعرف عقيدة التوحيد إلا بعد أن تطورت ومرت بعدة مراحل.
ويرد عليهم بأن التوحيد هو الأصل في البشر تاريخا للأدلة التالية:
١- إن الغاية من خلق آدم ﵇ وذريته هي عبادة الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
٢- آدم ﵇ أبو البشر، وحواء أمهم كانا على التوحيد، وحين أكلا من الشجرة، علما أن لهما ربا يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، فتضرعا إليه قائلين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: من الآية ٢٣] .
٣- إن الله اصطفى آدم ﵇، وشرفه بذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] ، ولا يكون الاصطفاء لمشرك. وقد أمر ملائكته بالسجود له، يقول : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] .
٤- إن الله قد أخذ العهد والميثاق على بني آدم، وهم في صلب أبيهم آدم ﵇ أنه ربهم، وأشهدهم على أنفسهم، كما قال مولانا : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣] .
стр. 46
٥- إن ذرية آدم ﵇ من بعده كانوا يدينون بالتوحيد الخالص طيلة عشرة قرون؛ حتى حدث الشرك في قوم نوح ﵇، كما سيأتي١؛ فبعث الله تعالى إليهم نوحا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده؛ يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] .
٦- كلما انحرفت البشرية عن التوحيد، أرسل الله الرسل تدعو إلى عبادته وحده، ونبذ ما يعبد من دونه، كما قال تعالى مخاطبا رسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
الفرع الثاني: التوحيد هو الأصل في البشر فطرة
الفطرة على وزن فعلة، وهي مشتقة من فطر. يقال: انفطر الشيء، إذا انشق.
وفطر الأمر، إذا ابتدأه واخترعه وأنشأه. وفطر الله العالم، أوجده ابتداء. وفطر الخلق، خلقهم وبرأهم٢.
والمراد بها ههنا: أصل الخلقة، وهي ما أوجد الله عليه الناس ابتداء من الإيمان به وتوحيده.
وكما كان التوحيد هو الأصل في البشر تاريخا، فهو الأصل في البشر فطرة، للأدلة التالية:
١- إن الله منذ أوجد البشر فطرهم على التوحيد والإيمان به خالقا ومعبودا، وأخذ عليهم العهد والميثاق منذ كانوا في أصلاب آبائهم٣. يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [لأعراف: ١٧٢-١٧٣] .
стр. 47
٢- إن الله قد أمر رسوله ﷺ -وأمته داخلة في الخطاب- أن يقيموا وجوههم، ويخلصوا دينهم له؛ لأن ذلك هو مقتضى الفطرة التي فطرهم عليها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] .
٣- قد أخبر مولانا أنه خلق عباده حنفاء كلهم، موحدين، مسلمين، مستقيمين، منيبين لقبول الحق؛ لأن ذلك هو مقتضى الفطرة التي فطرهم عليها، حين أخذ عليهم العهد في الذر١. يقول الله في الحديث القدسي: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" ٢؛ فالعباد كلهم مفطورون على الإسلام، والإيمان الصحيح، ولكن للشياطين دور في مسخ الفطرة، وتشويهها، وجعلها تنحرف عن المسار السوي. فإذا طرأ على الفطرة ما يصرفها عن الصواب والحق، فإنها تحتاج إلى ما يصحح لها مسارها، ويردها عن الانحراف، وهذه مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
٤- أخبر الرسول ﷺ "أن كل مولود يولد مهيئا للإسلام" ٣، في قوله: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. كما تنتج البيهمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". ثم يقول أبو هريرة ﵁ راوي الحديث: واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ٤. والفطرة التي يولد الإنسان عليها كما
стр. 48
قال الإمام المازري: "هي ما أخذ عليهم في أصلاب آبائهم، وأن الولادة تقع عليها، حتى يحصل التغيير بالأبوين"١؛ فالإنسان لو ترك على أصل خلقته التي خلقه الله عليها؛ "الفطرة"، دون أن تتدخل المؤثرات الأخرى، لكان من المؤمنين المسلمين٢.
والتحول عن الفطرة أساسا، إنما هو من فعل الشيطان، ووسوسته، وإغوائه.
٥- إن كل مولود في العالم يقر بأن الله خالقه وربه، ولو عبد غيره؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] ؛ فالفطرة تدل على توحيد الربوبية.
٦- إن الفطرة تدل على توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ فمن أيقن أن الله ربه وخالقه، فلا بد أن يصرف العبادة له وحده، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١-٢٢] ؛ فالإنسان إذا آمن بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المعطي، المانع، الضار، النافع، بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، فلا بد أن ينتهي به الأمر إلى أنه المعبود بحق وحده، لا شريك له؛ فيخضع قلبه له محبة، وإنابة، وذلا، وخوفا، وخشية، وتوكلا؛ إذ كيف يعبد، أو يخاف، أو يحب محبة عبادة، أو يتوكل على مخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
стр. 49
الفرع الثالث: الشرك طارئ على البشرية
فهمنا مما تقدم أن الشرك نوع من أنواع الانحراف عن جادة الحق والفطرة، وأنه ليس الأصل، كما زعم من زعم. والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
١- لقد كانت البشرية الأولى، أو ذرية آدم ﵇ المولودة على الفطرة -والفطرة هي دين الإسلام الذي رضيه الله وارتضاه لعباده١- كانت على الإسلام طيلة عشرة قرون٢.
٢- يقول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله الله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ [البقرة: من الآية ٢١٣] : "كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام"٣.
فالتوحيد هو أصل البشرية، منذ خلق الله آدم ﵇، حتى وقع الشرك في قوم نوح ﵇.
٣- أول شرك وقع في الخليقة هو شرك قوم نوح ﵇، وسبب كفرهم وتركهم دينهم هو غلوهم في الصالحين؛ فمعبوداتهم التي عكفوا عليها وتعصبوا لها، وقالوا عنها: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] ، هي "أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا. فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم، عبدت"٤، كما قال الحبر ابن عباس ﵄.
فالشرك طارئ على البشرية، وأول ما وقع في قوم نوح ﵇، بعد ألف سنة من آدم ﵇.
٤- بعث الله الرسل تترى؛ كلما ضلت أمة وانحرفت عن التوحيد، بعث إليها رسولا يعيدها إلى الجادة ويبصرها بضلالها، كي ترعوي، وتعود إلى الحق. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية ٣٦] .
стр. 50
الفصل الأول: أنواع التوحيد
تمهيد:
اعلم أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أنواع١.
وهذه القسمة استقرائية، قد دلت عليها النصوص.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "دل استقراء القرآن العظيم على أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع جبلت عليه فطر العقلاء. الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته، وضابط هذا النوع من التوحيد هو:
تحقيق معنى لا إله إلا الله، وهي متركبة من نفي وإثبات. الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته"٢.
فأنواع التوحيد إذًا ثلاثة.
وقد اجتمعت هذه الأنواع الثلاثة في آية واحدة من كتاب الله ؛ في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٦] .
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ موضحا ذلك: "فقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ هذا توحيد الربوبية. وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ هذا توحيد الألوهية.
وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ هذا توحيد الأسماء والصفات؛ أي: لا تعلم له سميا؛ أي: مساميا يضاهيه ويماثله "٣.
وبعد ما عرفنا أنواع التوحيد، نتكلم عن كل نوع منها بإيجاز.
стр. 51
المبحث الأول: توحيد الربوبية
توحيد الربوبية أحد أنواع التوحيد الثلاثة. ويمكن الحديث عنه بإيجاز في الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: معنى الرب لغة
الرب لغة يأتي لعدة معان، منها: المربي، والمالك. يقال: رب كل شيء: مالكه، ومستحقه، أو صاحبه١.
الوقفة الثانية: توحيد الربوبية شرعا
هو الاعتقاد والاعتراف والإقرار الجازم بأن الله وحده رب كل شيء ومالكه، وخالق كل شيء ورازقه، وأنه المحيي والمميت، والنافع والضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، ليس له في ذلك شريك٢.
الوقفة الثالثة: ما الذي يلزم المؤمن بتوحيد الربوبية؟
عندما نقول: على العبد أن يوحد الله في ربوبيته، فإنا نطلب منه أمورا، هي:
١- أن يؤمن بوجوده أولا.
٢- أن يؤمن بأفعال الله العامة؛ كالخلق، والرزق، والنفع، والضر، والإعطاء، والمنع، والإحياء، والإماتة، إلخ.
٣- أن يؤمن بقضاء الله وقدره؛ لأن ما يجريه الله في كونه، وما يقدره من مقادير هي من أفعاله .
الوقفة الرابعة: في ذكر بعض الأدلة الشرعية على توحيد الربوبية
القرآن الكريم مليء بذكر الأدلة على ربوبية الله ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] ، وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
стр. 52
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ، وغير ذلك.
الوقفة الخامسة: دلالة الفطرة على توحيد الربوبية ١
هذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء؛ فالله فطر خلقه على الإقرار بربوبيته، وأنه الخالق الرازق، المحيي المميت، إلخ. وقد حكى الله عن المشركين أنهم يقرون بهذا النوع من التوحيد، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] , ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فهم ينسبون لله سبحانه: الخلق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الأمر؛ من رزق، وإنزال مطر، وغير ذلك.
الوقفة السادسة: موقف المشركين من توحيد الربوبية
ذكرنا في الوقفة السابقة أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ومع ذلك حكم عليهم الله بالكفر، ودمغهم بالشرك؛ فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُون﴾ [يوسف: ١٠٦] . والملاحظ أن الله نسب إليهم في هذه الآية إيمانا، مع حكمه عليهم بالشرك، وهذا الإيمان الذي أثبته لهم، قولهم: إن الله خلقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمانهم، مع إشراكهم في عبادتهم غيره٢.
وهذا التوحيد كما أقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، كذلك أقرت به سائر الأمم، إما ظاهرا وباطنا، أو باطنا فقط. وفرعون الذين أنكره ظاهرا، أقر به باطنا كما حكى الله عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُم﴾ [النمل: من الآية ١٤] ٣.
الوقفة السابعة: هل يكفي توحيد الربوبية وحده؟
وهل يدخل صاحبه في الإسلام؟
لا يكفي توحيد الربوبية وحده، ولا يدخل صاحبه في الإسلام، ولذلك قاتل رسول الله ﷺ من أقر به، وصرف العبادة لغير الله.
стр. 53
المبحث الثاني: توحيد الأسماء والصفات
...
المبحث الثاني: توحيد السماء والصفات
توحيد الأسماء والصفات أحد أنواع التوحيد الثلاثة، ويمكن الحديث عنه بإيجاز في الوقفتين التاليتين:
الوقفة الأولى: تعريف توحيد الأسماء والصفات
يعرف هذا النوع من أنواع التوحيد بأنه: إفراد الله بما سمى به نفسه، ووصف به نفسه؛ في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، نفيا وإثباتا؛ فيثبت له ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل١.
الوقفة الثانية: في ذكر بعض أصول أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات
هذا النوع من أنواع التوحيد ينبني عند أهل السنة والجماعة٢ على أصول، منها:
١- تنزيه الله عن مشابهة صفات الحوادث؛ فالله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله٣؛ كما أخبر عن نفسه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [الشورى: من الآية١١] .
٢- الإيمان بجميع ما وصف الله به نفسه، أو وصفه رسوله ﷺ حقيقة لا مجازا، على الوجه اللائق بكماله وجلاله، فكما لايجوز تمثيل صفاته بصفات خلقه، كذلك لا يجوز نفي الصفات التي وصف بها نفسه.
والملاحظ على الآية المذكورة آنفا أنها ذات شقين؛ أحدهما: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على أهل التشبيه والتمثيل، والآخر: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ رد على أهل النفي والتعطيل.
٣- قطع الطمع عن إدراك كيفية صفاته ؛ إذ العباد لا يعلمون كيفية ما أخبر الله به عن نفسه؛ لأن عقولهم لا تطيق "كنه معرفته ، ولا تقدر ألسنتهم على بلوغ صفته"٤.
стр. 54
المبحث الثالث: توحيد الألوهية
تمهيد:
توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات من جنس واحد؛ فهما نوعان مفهومهما اعتقادي -ليس عمليا كتوحيد الألوهية- ولذلك أطلق بعض أهل العلم عليهما اسما وحدا، هو: توحيد المعرفة والإثبات، أو التوحيد العلمي الخبري؛ لأن المطلوب من المؤمن تجاههما: معرفة، وإثبات؛ معرفة أفعال الله، وأسمائه، وصفاته، وإثباتها له .
أما توحيد الإلهية، أو العبادة: فهو توحيد عملي؛ فيه أمر بفعل يصرف لواحد؛ وهو الله ، أو نهي عن فعل يترك لأجل واحد، هو الله ؛ فهو توحيد في الطلب والقصد، أو توحيد إرادي طلبي، فيه دعوة إلى عبادة الله وحده، وخلع ما يعبد من دونه١.
والكلام عن هذا النوع من أنواع التوحيد يطول؛ إذ المعركة بين الرسل عليهم الصلاة والسلام وبين أقوامهم، كانت من أجل هذا التوحيد.
وسأكتفي هاهنا بذكر مقدما تعريفية بهذا التوحيد، وأترك التفصيل للفصل اللاحق.
وهذا الكلام الموجز في هذا المبحث، يستلزم الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: في تعريف كلمة "إله" لغة
يقال في اللغة: أله إلاهة وألوهة وألوهية: أي عبد عبادة.
وتوحيد الأولوهية: أي توحيد العبادة، والإله بمعنى مألوه؛ أي معبود. وألهه: اتخذه إلها؛ أي معبودا. وكل ما اتخذ معبودا، فهو إله عند متخذه٢.
الوقفة الثانية: تعريف توحيد الألوهية
عرف العلماء توحيد "الألوهية" بأنه "إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، قولا وعملا، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله تعالى كائنا من كان"٣.
стр. 55
الوقفة الثالثة: منزلة توحيد الألوهية بين أنواع التوحيد
هذا التوحيد هو أول دعوة الرسل١ عليهم الصلاة والسلام؛ فمن أجله أرسلت الرسل؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية ٣٦] .
وبهذا التوحيد أنزل الله الكتب٢؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
وهذا التوحيد هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الثواب أو العقاب في الدارين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالتوحيد ضد الشرك، فإذا قام العبد بالتوحيد الذي هو حق الله، فعبده لا يشرك به شيئا، كان موحدا"٣.
وهذا التوحيد هو الذي أمر رسول الله ﷺ أن يقاتل الكفار عليه٤؛ يقول ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ٥.
و"لا إله إلا الله" هو معنى توحيد الألوهية، كما سيأتي.
الوقفة الرابعة: الأدلة الشرعية على توحيد الألوهية
"توحيد الله، وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته، في القرآن كثير جدا"، كما قال ابن تيمية رحمه الله٦. ومن هذه الأدلة الكثيرة: قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: من الأية٣٦] ، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] ، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: من الآية٥] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] .
стр. 56
والأدلة من السنة كثيرة جدا، أكتفي بقوله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ " قال معاذ: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" ١.
الوقفة الخامس: حكم من لم يأت بهذا النوع من التوحيد، وأخذ بالنوعين الباقين
لا يدخل في الإسلام من لم يأت بتوحيد الألوهية، ولو كان آخذا بالنوعين الآخرين؛ "فلو أن رجلا من الناس يؤمن بأن الله سبحانه هو الخالث المالك المدبر لجميع الأمور، وأنه سبحانه المستحق لما يستحقه من الأسماء والصفات؛ لكن يعبد مع الله غيره، لم ينفعه إقراره بتوحيد الربوبية، والأسماء والصفات"٢، وكذا لو صرف شيا من العبادة لغير الله ؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: من الآية٧٢] .
الوقفة السادسة: العلاقة بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية
يكثر في كلام علماء أهل السنة -رحم الله أمواتهم، وحفظ أحياءهم- ذكر علاقة الاستلزام والتضمن بين نوعي التوحيد هذين.
ومن كلامهم في ذلك قول العلامة ابن القيم ﵀: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها، هي العبادة والتأليه. ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتج الله عليهم به؛ فإنه يلزم من الإقرار بتوحيد الإلهية"٣.
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته. ولذلك يخاطبهم في توحيد البوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته، احتج بها عليهم، على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ووبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده، لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده"٤.
стр. 57
فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ فمن أقر بالأول، لزمه الثاني؛ أي: من عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره، -وقد دعاه هذا الخالق إلى عبادته- وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له؛ فإذا كان هو الخالق الرازق النافع الضار وحده، لزم إفراده بالعبادة١.
والله كثيرا ما يستدل على المشركين المقرين بتوحيد الربوبية بهذا. من ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١-٢٢] .
وكما أن كان توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ فإن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية؛ يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن توحيد الألوهية: "وهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأن كل من عبد الله وحده؛ فإنه لن يعبده حتى يكون مقرا له بالربوبية"٢.
فتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية؛ أي يدخل ضمنا فيه؛ فمن عبد الله وحده لا شريك له، فلا بد أن يكون معتقدا أنه ربه وخالقه ورازقه؛ إذ لا يعبد إلا من بيده النفع والضر، وله الخلق والأمر٣.
الوقفة السابعة: الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية
أعظم الغلط إنما حصل من جهة الانحراف في فهم مدلول كل من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ فليس أحدهما هو الآخر، والفروق بينهما كثيرة جدا، وأكتفي بذكر بعضها، فمنها٤:
١- فرق في الاشتقاق اللغوي؛ فالربوبية مشتق من اسم "الرب"، والألوهية مشتق من لفظ "الإله".
стр. 58
٢- فرق في التعريف؛ فتوحيد الربوبية: إفراد الله بأفعاله؛ من خلق، ورزق، وإحياء، وإماتة، وإعطاء، ومنع، وضر، ونفع، إلخ. وتوحيد الألوهية: إفراد الله بأفعال عباده؛ من صلاة وزكاة وصيام وخشية ورجاء ومحبة وخوف وتوكل إلخ.
٣- فرق في الكفاية؛ فتوحيد الربوبية لا يكفي وحده في دخول الإسلام، أما توحيد الألوهية فيكفي وحده؛ لأن من أتى بتوحيد الألوهية، فقد أتى ضمنا بتوحيد الربوبية، لذلك من قال "لا إله إلا الله"، فقد أى بجميع ألأنواع التوحيد.
٤- فرق في الإقرار؛ فتوحيد الربوبية أقر به المشركون، وتوحيد الألوهية رفضه المشركون ولم يؤمنوا به، وعبدوا آلهة أخرى، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر من الآية٣] ، ولما طلب منهم أن يعبدوا الله وحده، قالوا ما حكاه الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] .
٥- فرق في اللزوم والتضمن؛ فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ فمن أتى بتوحيد الربوبية، لزمه أن يأتي بتوحيد الألوهية. أما توحيد الألوهية فإنه متضمن لتوحيد الربوبية؛ فمن جاء بتوحيد الألوهية، فقد أتى ضمنا بتوحيد الربوبية.
وهذه الفروق التي ذكرتها مع غيرها من الفورق ترد على من زعم أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل هو توحيد الربوبية، ولا يفرق بين هذا التوحيد وتوحيد الألوهية.
وثمة وقفات أخرى مع توحيد الألوهية في الفصل التالي؛ حين الحديث عن شهادة "أن لا إله إلا الله" كمعنى لهذا التوحيد، وعن العبادة، وأنواعها، وأركانها.
стр. 59
الفصل الثاني: دراسة بعض التفصيلات عن توحيد العبادة الإلهية
المبحث الأول: شهادة أن لا إله إلا الله
المطلب الأول: معنى لا إله إلا الله
...
الفصل الثاني: دراسة بعض التفصيلات عن توحيد العبادة "الإلهية"
المبحث الأول: شهادة أن لا إله إلا الله
تمهيد:
توحيد الألوهية هو معنى شهادة الحق: "أشهد أن لا إله إلا الله".
ولما كان جماع التوحيد، وأساسه، وعموده، هو معرفة معنى شهادة الحق، كان من اللازم أن يحرص المسلم على إدراك معناها، وفهم مرماها، والعمل بمقتضاها.
ويتضح ذلك في وقفات مع هذه الشهادة، في المطالب التالية:
المطلب الأول: معنى لا إله إلا الله
توحيد الألوهية، هو معنى لا إله إلا الله١.
ومعنى "لا إله إلا الله" أي: لا تعبدوا أحدا إلا الله٢.
ويزداد هذا المعنى وضوحا إذا قمنا بإعراب شهادة الحق هذه، فـ:
لا: نافية للجنس.
إله: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب، والخبر مرفوع مقدر، تقديره حق.
إلا: أداة استثناء، والاستثناء هنا مفرغ.
الله: بدل من لفظ "إله"، وهو بدل بعض من كل.
والجملة مع خبرها المقدر: لا إله حق إلا الله.
وقد تقدم إن معنى "إله": معبود؛ فالجملة على هذا: لا معبود حق إلا الله، أو لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له٣.
ويتضح هذا المعنى حين التفكر في حال الكفار الذي قاتلهم رسول الله ﷺ ، فاستحل دماءهم، وسبى نساءهم، وأخذ أموالهم؛ لقد كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ يعلمون أنه لا خالق لهم، ولا رازق، ولا محيي، ولا مميت، ولا مدبر لأمورهم إلا الله. ومع هذا لم يدخلهم ذلك في الإسلام؛ لأنهم لم يشهدوا "أن لا إله إلا الله"؛ فعبدوا آلهة مع الله .
стр. 60
المطلب الثاني: أركان "لا إله إلا الله
"لا إله إلا الله" لها نوعان من الأركان؛ نوع لفظي، ونوع معنوي.
أما النوع اللفظي: وهو ما تضمنه لفظ الشهادة "لا إله إلا الله": فركناه نفي وإثبات؛ "لا إله": نفي، "وإلا الله": إثبات.
وأما النوع المعنوي، وهو ما تضمنه معنى الشهادة "لا معبود بحق إلا الله": فركناه نفي وإثبات أيضا؛ فـ "لا معبود بحق": نفي، و"إلا الله": إثبات.
يقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين: فلا إله إلا الله" اشتملت على نفي وإثبات؛ فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى؛ فكل ما سواه من الملائكة، والأنبياء، فضلا عن غيرهم؛ فليس بإله، ولا له من العبادة شيء. وأثبتت الإلهية لله وحده؛ بمعنى أن العبد لا يأله غيره؛ أي لا يقصده بشيء من التأله؛ وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة؛ كالدعاء، والذبح، والنذر، وغير ذلك١.
فالنفي إذا: نفي الإلهية واستحقاق العبادة عن كل ما سوى الله .
والإثبات: إثبات الإلهية واستحقاق العبادة عن كل ما سو الله .
والإثبات: إثبات الإلهية واستحقاق العبادة لله وحده، لا شريك له٢.
وهو معنى قوله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] .
стр. 61
المطلب الثالث: شروط "لا إله إلا الله "
معنى الشروط في اللغة:
شروط جمع، مفردها شرط، والشرط: إلزام الشيء، والتزامه؛ يقال: شرط له أمرا: التزمه، وشرط عليه أمرا: ألزمه إياه١.
المراد بشروط "لا إله إلا الله":
يراد بشروط "لا إله إلا الله": الأمور التي يجب على الإنسان أن يلزمها، حتى يحقق "لا إله إلا الله"، أو: ما لا تصح شهادة "لا إله إلا الله" إلا بوجودها، ويجب اجتماعها.
منزلة هذه الشروط من شهادة "لا إله إلا الله":
هذه الشروط بمثابة الأسنان للمفتاح، فلا يفتح إلا بوجودها.
وقد أشار إلى ذلك عدد من علماء الأمة؛ منهم الإمام الحسن البصري ﵀، حين قال للشاعر الفرزدق -وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال الفرزدق: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. فقال الحسن: نعم العدة، إن لـ "لا إله إلا الله شروطا"؛ فإياك وقذف المحصنات٢.
وقيل لوهب بن منبه ﵀: أليس "لا إله إلا الله" مفتاح الجنة؟ فقال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك٣.
ذكر شروط "لا إله إلا الله":
ذكر العلماء لكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" سبعة شروط، فعظمها بعضهم بقوله٤:
علم، يقين، وإخلاص، وصدقك مع ... محبة، وانقياد، والقبول لها
وزاد بعضهم شرطا ثامنا، ونظمه بقوله:
وزيد ثامنها الكفران منك لما ... سوى الإله من الأنداد قد ألها
ويمكن بيان هذه الشروط في الوقفات التالية:
стр. 62
الوقفة الأولى: مع الشرط الأول: العلم المنافي للجهل:
المراد بهذا الشروط:
يراد بهذا الشرط: أن نعلم معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، ومدلولها، علما منافيا للجهل، في النفي والإثبات؛ فننفي الألوهية عن غير الله ، ونثبتها له وحده؛ بأن نعلم أنه لا معبود بحق غيره.
من الأدلة على هذا الشرط:
١- قول الله عزوجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: من الآية١٩] .
والعلم هنا لا بد فيه من إقرار القلب، ومعرفته بما طلب منه علمه.
٢- قول الله : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ [الزخرف: من الآية٨٦] .
أي: إلا من شهد بـ "لا إله إلا الله"، وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم١.
٣- قول رسول الله ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٢.
الوقفة الثانية: مع الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك:
المراد بهذا الشرط:
حتى يكون العلم كاملا، يجب أن لا يكون فيه شك ولا ريب؛ فمن علم أن معنى "لا إله إلا الله": لا معبود بحق إلا الله، يجب أن لا يرد عل علمه شك ولا ريب، ويجب أن لا يتردد في الإيمان بمدلولها، وعليه أن يعتقد صحة ما يقوله من أحقية إلهية الله تعالى، وبطلان إلهية غير الله بأي نوع من التأله.
من الأدلة على هذا الشرط:
١- قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] ؛ فاشترط لصدق إيمانهم بالله ورسوله: كونهم لم يرتابو؛ أي لم يشكو، فعلم أنه لا بد من البعد عن الشك في معنى "لا إله إلا الله".
стр. 63
٢- قول رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" ١.
٣- قول رسول الله ﷺ لأبي هريرة ﵁: "اذهب بنعلي هاتين، فمن رأيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، فبشره بالجنة" ٢.
الوقف الثالثة: مع الشرط الثالث: القبول المنافي للرد:
المراد بهذا الشرط:
يراد من هذا الشرط: قبول ما اقتضته هذه الكلمة بالقلب واللسان، وتجنب ردها؛ لأن من الناس من يعلم معنى "لا إله إلا الله"، ويوقن بمدلولها؛ ولكنه يردها كبرا وحسدا؛ فالمشركون كانوا يعرفون معنى "لا إله إلا الله"، ولكنهم كانوا يستكبرون عن قبوله، كما حكى ذلك عنهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: من الآية٣٣] ٣.
من الأدلة على هذا الشرط:
١- قول الله : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] .
٢- قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
٣- قول رسول الله
ﷺ : "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا؛ فكانت منها طئافة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا. وأصاب
стр. 64
طائفة منها أخرى؛ إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ؛ فذلك مثل من فقه في دين الله، وشنفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم. ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ١.
الوقفة الرابعة: مع الشرط الرابع: الانقياد المنافي للترك:
المراد بهذا الشرط:
الانقياد من مستلزمات القبول. ولعل الفرق بينه وبين القبول: أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال، والقبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول. ويلزم منهما جميعا الاتباع، ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان، وعدم التعقب لشيء من أحكام الله٢.
من الأدلة على هذا الشرط:
١- قول الله : ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان آية٢٢] .
٢- قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: من الآية١٢٥] .
٣- قول الله : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: من الآية٥٤] .
٤- قول رسول الله صلى الله علي وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" ٣.
الوقفة الخامسة: مع الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب:
المراد بهذا الشرط:
أن يكون صادقا في قول "لا إله إلا الله" واعتقاد مدلولها، صدقا ينافي الكذب ظاهرا، ويمنع من النفاق باطنا؛
стр. 65
فلا يخالف ظاهره باطنه؛ بل يتواطأ ظاهره مع باطنه، وما في داخل قلبه مع ما يقوله بلسانه، ويجري على جوارحه من الأعمال. وهذا هو الصدق الذي يمنع من النفاق باطنا.
كذلك لا يظهر على جوارحه ما يناقض ما في قلبه من الاعتقاد بمدلول "لا إله إلا الله" ومقتضاها، واليقين به. وهذا هو الصدق الذي ينافي الكذب ظاهرا.
من الأدلة على هذا الشرط:
١- قول الله : ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣] .
٢- قول الله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ؛ فالمنافقون يقولون بألسنتهم؛ لكنهم ينكرون مدلول الشهادة بقلوبهم. لذلك حكم الله عليهم بالكذب، وبأن مجرد القول باللسان لا ينجيهم، بل هم في الدرك الأسفل من النار.
٣- قول رسول الله ﷺ : "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه، إلا حرمة الله على النار" ١.
٤- حين علم رسول الله ﷺ الأعرابي شرائع الإسلام، وقال له الأعرابي: والله لا أزيد عليها، ولا أنقص منها، قال رسول ﷺ : "أفلح إن صدق" ٢.
الوقفة السادسة: مع الشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك
المراد بهذا الشرط:
يراد بهذا الشرط: تصفية القلب وتخليصه من كل ما يضاد معنى "لا إله إلا الله"، وتصفية العبادة، وتخليصها من شوائب الشرك والرياء. والإخلاص أن تكون العبادة لله وحده، دون أن يصرف منها شيء لغير الله ، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل٣.
стр. 66
من الأدلة على هذا الشرط:
١- قول الله : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ [الزمر: من الآية٣] ؛ أي لا يقبل الله من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له.
٢- قول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] .
٣- قول رسول الله ﷺ : "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ١.
٤- قول رسول الله ﷺ : "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ٢.
الوقفة السابعة: مع الشرط السابع: الحب المنافي للبغض
المحبة هي مواطأة القلب على ما يرضي الله ؛ فيحب ما أحب الله، ويكره ما كره.
المراد بهذا الشرط:
أن يحب هذه الكلمة، ويحب العمل بمقتضاها، ويحب أهلها العاملين بها.
ومن هنا قيل: "كل من ادعى محبة الله، ولم يوافق الله في أمره، فدعواه باطلة"٣.
و"ليس بصادق من ادعى محبة الله، ولم يحفظ حدوده"٤.
فالعبد يحب الله ، ويحب رسوله ﷺ ، ويحب كل ما يحبه من الأعمال والأقوال، ويحب أولياءه وأهل طاعته٤.
ومتى استقرت كلمة "لا إله إلا الله" في القلب؛ فإنه لا يفضل عليها شيء؛ إذ حبها يملأ القلب، فلا يتسع لغيرها، وعندئذ يجد العبد حلاوة الإيمان.
стр. 67
من الأدلة على هذا الشرط:
١- قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: من الآية١٦٥] ، وللمفسرين في أفعل التفضيل "أشد حبا لله" قولان: أحدهما: الذين آمنوا أشد حبا لله من حب المشركين لله؛ لأن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة المشركين مشتركة.
وثانيهما: الذين آمنوا أشد حبا لله من محبة المشركين لأندادهم١.
٢- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: من الآية٥٤] ؛ فالله يحبهم بسبب تمسكهم بدينه وشرعه، وهم يحبونه، ويمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه.
٣- قول الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] . يقول الحسن البصري ﵀ عن هذه الآية: "قال أصحاب النبي ﷺ : يا رسول الله إنا نحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل لحبه علما، فأنزل الله تعالى هذه الآية"٢.
٤- قول رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"٣.
واجتماع هذه الشروط يحقق حلاوة الإيمان؛ فيستلذ العبد الطاعات، ويحتمل المشاق، إذا كان ذلك في سبيل رضا الله ، ورضا رسوله ﷺ .
стр. 68
الوقفة الثامنة: مع الشرط الثامن: الكفر بما يعبد من دون الله
المراد بهذا الشرط:
أن يعتقد بطلان عبادة من سوى الله ، وأن كل المعبودات سوى الله باطلة، وجدت نتيجة جهل الشمركين وضلالهم؛ فمن أقرهم على شركهم، أو شك ففي بطلان ما هم عليه؛ فليس بموحد، ولو قال لا إله إلا الله، ولو لم يعبد غير الله١.
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن الكفر بما يعبد من دون الله:
"وهذا من اعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله؛ فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال؛ بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يرحم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ولا دمه"٢.
من الأدلة على هذا الشرط:
١- قول الله : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
٢- قول رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله"، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله" ٣.
وبعد: فهذه هي شروط "لا إله إلا الله"، ولا بد من اجتماعها، والمداومة عليها كي يختم للعبد بخاتمة حسنة؛ لأن الأعمال بالخواتيم.
فمتى حقق المسلم هذه الشروط، كان من أهل "لا إله إلا الله" القائمين بها علما وعملا واستحق محبة الله وثوابه، والتنعم في جنات النعيم٤.
стр. 69
المطلب الرابع: نواقض "لا إله إلا الله "
النواقض لغة:
النواقض جمع، مفرده ناقض. يقال: نقض الشيء نقضا: أفسده بعد إحكامه.
ونقض ما أبرمه فلان: أبطله؛ فالنقض ضد الإبرام، ومنه نقض العهد أواليمين: نكثه، ونقض الحبل أو الغزل: حل طاقاته، ونقض البناء: هدمه١.
المراد بنواقض "لا إله إلا الله":
يراد بنواقض "لا إله إلا الله" مفسداتها؛ أي الأمور التي إذا فعلها الشخص، فسد توحيده وانتقض٢؛ فإذا وجد في العبد ناقض من نواقض "لا إله إلا الله"؛ فإنه لا يكون من المسلمين، ولا يكتسب أحكامهم، بل يعطي أحكام أهل الشرك والكفر.
ذكر ناقض "لا إله إلا الله":
تنوعت طرائق العلماء في ذكر هذه النواقض، وتقسيماتها، وتفريعاتها.
وثمة تقسيمات متعددة، وكلها صحيحة.
ولكني سأكتفي بالنواقض التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته الموسومة بـ "نواقض الإسلام"٣.
وهذه النواقض عشرة، والحديث عنها سيكون في الوقفات التالية:
стр. 70
الوقفة الأولى: مع الناقض الأول: الإشراك بالله ١
المراد بهذا الناقض:
يقع هذا الناقض إذا صرف الإنسان شيئا من العبادة لغير الله ؛ من صلاة، أو زكاة، أو ذبح، أو نذر، أو نحو ذلك.
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: "الشرك هو تشريك غير الله مع الله في العبادة؛ كأن يدعو الأصنام أو غيرها، أو يستغيث بها، أو ينذر لها، أو يصلي لها، أو يصوم لها، أو يذبح لها"٢.
ومن العبادة: النذر؛ فمن صرفه لغير الله فقد أشرك. يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: إن الله تعالى مدح الموفين بالنذر، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب، أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة. فمن فعل ذلك لغير الله متقربا إليه، فقد اشرك٣.
من الدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: من الآية٧٢] ؛ فالله قدحرم الجنة على كل مشرك، وجعل النار مأواه الدائم لأنه ترك القيام بعبوديته عز وجل٤.
٢- قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٦] ؛ فـ "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار" ٥، كما قال الصادق المصدوق ﷺ .
стр. 71
الوقفة الثانية: مع الناقض الثاني: من جعل وسائط وشفعاء بينه وبين الله، يدعوهم مع الله، أو من دون الله، أو يسألهم الشفاعة، أو يتوكل عليهم ١
المراد بهذا الناقض:
أن يجعل العبد لنفسه واسطة بينه وبين الله ، فيما لا يقدر إلا الله، أو فيما لا يشرع ولا يجوز للعبد أن يجعله واسطة؛ كطلب الرحمة والمغرفة، ودخول الجنة، وطلب الشفاء، ولا رزق من غير الله ؛ فهذا من الشرك الأكبر٢.
يقول شيخ افسلام ابن تيمية ﵀ عن هذا الناقض: فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار؛ مثل أن يسالهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات؛ فهو كافر بإجماع المسلمين٣. لأن الثمرة التي يريد أن يصل إليها من يجيز جعل الوسائط بين العبد وربه، هو إثبات الاستغاثة والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. وهذا هو الشرك بعينه٤.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] .
٢- قول الله : ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾
٣- قول الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠] .
стр. 72
الوقفة الثالثة: مع الناقض الثالث: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم.
أو تصحيح مذهبهم ١
المراد بهذا الناقض:
أمر الله رسوله ﷺ في آيات كثيرة بالبعد عن الكفار والمشركين، والمخالفة لهم، والبراءة منهم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] ، وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ .
ومسألة الحكم بتكفير الكافر مبنية على أصل كبير؛ وهو أن الله تعالى عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم، ممن ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم٢.
بـ "من لم يكفر المشركين الذين كفرهم وشركهم ظاهر بين، فهو كافر؛ لأن الله تعالى كفرهم في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، فلا يحكم بإسلام المرء حتى يكفر المشركين"٣.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] .
٢- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: من الآية١] .
٣- قول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: من الآية٢٢] .
стр. 73
الوقفة الرابعة: مع الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.
المراد بهذا الناقض:
من اعتقد أن هناك دينا أحسن من الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ ، أو هديا أكمل من هديه ﷺ ، أو حكما أفضل من الحكم الذي أتى به من عند ربه ، فقد كفر؛ لأنه كذب ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فالله يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] ، ويقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ، ويقول رسول الله ﷺ : "وخير الهدي هدي محمد" ١.
يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "من اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع؛ إما مطلقا، أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال؛ فلا ريب أنه كفر؛ لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف نحالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد"٢.
من الدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ؛ فالله طلب من عباده الاحتكام إلى كتابه وسنة نبيه ﷺ عند وقوع التنازع.
٢- قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] ؛ فأخبر أن الاحتكام إلى غير كتابه وسنة نبيه ﷺ إضلال من الشيطان، وهو من صنيع المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] .
٣- قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ؛ فنفى الإيمان عمن لم يرض بحكم الله .
стр. 74
الوقفة الخامسة: مع الناقض الخامس من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ .
المراد بهذا الناقض:
بغض وكراهية الحق من صفات الكفار، كما قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون﴾ [المؤمنون: من الآية٧٠] ، وهو أيضا من صفات المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُون﴾ [التوبة: من الآية ٥٤] .
فمن أبغض وكره ما شرعه الله ، أو أبغض وكره التكاليف الشرعية -من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها- وتمنى أن الله لم يكلف بها؛ فهذا لا شك في كفره؛ لأن في صنيعه تركا للقبول والانقياد والتسليم التي تقدم الحديث عن أنها من شروط لا إله إلا الله١.
ولذلك كفر العلماء من اتصف بهذه الصفة، وقالوا: "تكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع"٢.
من أدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] ؛ فهؤلاء، كرهوا ما أنزل الله من القرآن -وهو ما جاء به النبي ﷺ فلم يقبلوه، بل أبغضوه، ورفضوه فأحبط الله اعمالهم، والأعمال لا تحبط إلا بالكفر الذي يناقض الإيمان.
٢- قول الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية٦٣] . ولا ريب أن من أبغض ما جاء به رسول الله ﷺ مخالف لأمره ﵊.
٣- قول عبد الله بن عمر ﵄: "من ترك السنة كفر"٣، وقوله ﷺ محمول على الترك مع البغض والجحود، أو على ترك منهج النبي ﷺ وطريقته التي أوجب على أمته سلوكها٤.
стр. 75
الوقفة السادسة: مع الناقض السادس من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثوابه، أو عقابه.
المراد بهذا الناقض:
من تجرأ بكلام فيه غض من دين الله، أو تنقص له، أو استهزاء به، أو تنقص لرسول الله ﷺ ، أو استهزاء به، كفر بإجماع علماء المسلمين١.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئا من ذلك؛ فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، أو بدينه، كفر -ولو هازلا لم يقصد حقيقة الاستهزاء- إجماعا٢.
ويقول الشيخ حمد بن عتيق ﵀: اعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن من استهزأ بالله، أو رسوله، أو كتابه، فهو كافر، وكذا إذا أتى بقول أو فعل صرح في الاستهزاء٣.
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: فإن الاستهزاء بالله ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه، ورسله. والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة"٤.
من الأدلة على هذا الناقض:
١- قول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦] .